Полный текст (514 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله بديع السموات والأرض. والصلاة على نبيه وآله الهادين إلى السنة والفرض.
يا من أنشأ بديع الوجود بحسن ابتدائه، فلباه كل ببراعة الاستهلال عند سماع ندائه. ويا من خلق الإنسان علمه البيان فنطق بتوحيده اللسان بأفصح تبيان.
إن أزهى ما تدبجت به دبياجة الأرقام والطروس، وأبهى ما تبرجت به خطب الكلام تبرج الغادة العروس: حمدك الذي نرجو بتوشيعه حسن التخلص من شبهات الإبهام وشكرك الذي نؤمل بتوشيحه تقييد النعم الجسام وحسن الختام.
والصلاة والسلام على نبيك الذي ارتضيت رسالته وبلاغه وأيدته منك بدلائل الإعجاز وأسرار البلاغة وعلى آله السراة الأئمة الذين قلدت بتشريع طاعتهم رقاب الأمة صلاة وسلاماً يفوح نشرهما فيفوق المسك الأذفر ويلوح بشرهما فيفوت الصبح إذا أسفر.
وبعد: فإن العبد الفقير إلى ربه الغني علياً صدر الدين المدني ابن أحمد نظام الدين الحسيني أنالهما الله من فضله السني يقول: ما الدرر في أسلاكها تتحلى بها الترائب والنحور ولا الدراري في أفلاكها تتجلى بها غياهب الديجور بأزهى من فرائد الفضائل تتزين بها صدور الصدور وأبهى من زواهر العلوم تسفر في أفق سمائها أسفار البدور إلا وأن علم العربية واقع منها موقع البدر من الكواكب وظاهر من بينها ظهور الملك بين المواكب كيف لا وافتقار ما سواه إليه غير محتاج إلى إقامة البرهان عليه.
هذا وأني منذ استروحت روح التوفيق لخدمة العلم الشريف وتظللت من حر هواجر الجهل بمديد ظله الوريف لم أزل راتعاً في رياض فنونه البهية الورود كارعاً من حياض عيونه الشهية الورود أتفكه بثمارها تارةً وألتهي بأزهارها طوراً وأقبس من مطالعها نوراً واجتني من خمائلها نوراً لاسيما فن البديع الذي طابق اسمه مسماه فلله قدرة الرفيع ما أعلى رتبته وأسماه فطالما استمطرت من نظمه ونثره وأغزر ديمة وكانا لي على مر الزمان كندماني - جذيمة. فبينا أنا يوم أسرح طرف الطرف في شرح بديعية ابن حجة وأروح مروح الفكر في مهيع تلك المحجة إذ بعذبة اللسان تنوس بمطلع قصيدة بديعية وغلبة الجنان تجوس بأبدع فكرة لوذعية فاستبشرت بهذه الإشارة واستطرت فرحاً لهذه البشارة علماً بأنها إشارة ممن رصعت البديعيات بمديحه وهبت عليها نسمات القبول من مهاب ريحه ﵌ وشرف وعظم وكرم فنظمت هذه البديعية التي فاقت بديعية ابن حجة فلو أدركها لما قامت له معها على تزكية نفسه حجة وقد التزمت فيها ما التزمه هو والعز الموصلي قبله من التورية باسم النوع في كل بيت فصار كل بيت منها لأهل الأدب قبلة.
ثم عن لي أن اشرحها شرحاً حافلاً يكون بإبراز مخدرات معانيها كافلاً وأورد فيها جملة من البديعيات ليتأمل الناظر في هذا المضمار مجرى السوابق ويميز بثاقب نظره بين اللاحق منها والسابق وليكن على ذكر مما قاله أبو العباس المبرد في الكامل وهو القائل المحق: ليس لقدم العهد يفضل القائل ولا لحدثاته يهتضم المصيب بل يعطى كل ما يستحق وسميته:
أنوار الربيع في أنواع البديع والله أسأل أن يوفق لإتمامه ويشفع حسن ابتدائه بحسن ختامه مقدمة: البديع لغة فعيل من البدع بالكسر وهو الذي يكون أولاً من كل شيء وهو يرد بمنى مفعل: اسم مفعول ومن الأول اسمه تعالى البديع أي الذي فطر الخلق مبتدعاً لأعلى مثال سبق.
واختلف في نقل اسم العلم اسم هذا العلم إلى الاصطلاح من أي المعنيين هو.
فقيل من بديع بمعنى مفعل اسم فاعل لا بداعه في التراكيب غرابة وإعجاب وفي النفوس طرباً وارتياحاً وقيل من بديع بمعنى مفعل اسم مفعول وأصله في الحبال وذلك أن يبتدي فتل الحبل جديداً ليس من قوى حبل نكث ثم غزل ثم أعيد فتله فأطلق في الكلام على الألفاظ المستطرفة التي لم تجر العادة بمثلها ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل بديع وأن كثر وتكرر.
стр. 2
وحد بأنه علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة وأول من أخترعه وسماه بهذه التسمية عبد الله بن المعتز العباسي قال في صدر كتابه وما جمع قبلي فنون البديع أحد ولا سبقني إلى تأليفه مؤلف وألفته في سنة أربع وسبعين ومأتين فمن أحب أن يقتدي بنا ويقتص على هذه فليفعل ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئاً إلى البديع وأرتأى غير رأينا فله اختياره.
قال الشيخ صفي الدين في شرح بديعيته وكان جملة ما جمع منها سبعة عشر نوعاً.
وعاصره قدامة بن جعفر الكاتب فجمع منها عشرين نوعاً توارد معه على سبعة منها وسلم له ثلاثة عشر فتكامل لهما ثلاثون نوعاً ثم اقتدى بهما الناس في التأليف فكان غاية ما جمع منها أبو هلال العسكري سبعة وثلاثين نوعاً ثم جمع منها ابن رشيق القيرواني مثلها وأضاف إليها خمسة وستين باباً في فضائل الشعر وصفاته وأغراضه وعيوبه وسرقاته وغير ذلك من أنساب الشعراء وأحوالهم مما لا تعلق له بالبديع وتلاهما شرف الدين التيفاشي فبلغ بها السبعين.
ثم تصدى لها الشيخ زكي الدين ابن أبي الأصبع فأوصلها إلى التسعين وأضاف إليها من مستخرجاته ثلاثين سلم له منها عشرون وباقيها مسبوق إليه ومتداخل عليه وكتابه المسمى التحرير أصح كتاب ألف في هذا العالم لأنه لم يتكل على النقل دون النقد ولم يختلف عليه في إلا مواضع يسيرة لو لأنعم النظر فيه لم تفته وسأذكرها في أماكنها وليس من الباقين إلا من غير بعض القواعد أو بدلا أكثر السماء والشواهد.
وذكر بن الأصبع انه لم يؤلف كتابه المذكور غلا بعد الوقوف على الأربعين كتاباً في هذا العلم أو بعضه وعددها في صدر كتابه فأنهيت الكتاب مطالعةً واطلعت مما لم يقف عليه مما كان قبله وما ألف بعده ثلاثين كتاباً فجمعت ما وجدت في كتب العلماء وأضفت إليه أنواعاً استخرجتها من أشعار القدماء وعزمت أن أؤلف كتاباً محيطاً بجلها إذ لا سبيل إلى الإحاطة بكلها فعرضت لي علة طالت مدتها وامتدت شدتها واتفق لي أن رأيت في المنام رسالة النبي ﵌ يتقاضاني المدح ويعدني البرء من السقام فعدلت عن تأليف إلى نظم القصيدة تجمع فيها أشتات البديع وتتطرز بمدح مجده الرفيع فنظمت مائة وخمسة وأربعين بيتا في بحر البسيط تشمل على مائه وواحد وخمسين نوعاً من محاسنه ومن عد جملة من أصناف التجنيس بنوع واحد كانت عنده العدة: مائة وأربعين نوعا فأن في السبعة البيت الأوائل منها أثني عشراً نوعاً وجعلت كل بيت منها مثالا شاهدا لذلك النوع وربما اتفق في البيت الواحد منها النوعين والثلاثة بحسب انسجام القريحة في النظم والمعتمد منها على ما أسس البيت عليه ثم أخليتها من الأنواع التي اخترعتها واقتصرت على نظم الجملة التي جمعتها لا سلم من شقاق جاهل حاسد أو عالم معاند فمن شاقق راجعته إلى النقل ومن وافق وكلته إلى شاهد العقل - انتهى كاتم الصفي.
قلت: كنت أطن أن أول من نظم أنواع البديع على هذا الأسلوب فضمن كل بيت نوع وانقاد له شموس هذا المرام طوعا هو الشيخ صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى حتى وقفت في ترجمة الشيخ علي بن عثمان بن علي بن سليمان أمين الدين السليماني الاربلي الصوفي الشاعر على قصيدة لامية له نظم فيها جملة من أنواع البديع وضمن كل بيت منها ونوعا منه أولها الجناس التام والمطرف وهو:
بعض هذا الدلال والإدلال ... حال بالهجر والتجنب حالي
ثم قال في الجناس المصحف والمركب
جرت إذا حزت ربع قلبي وإذ ... لالي صبرت أكثرت من إذلالي
فعلمت أن الشيخ صفي الدين لم يكن أبا عذر هذا المرام ولا أول من نظم جواهر العقد في نظام فإن الشيخ أمين الدين المذكور توفي قبل يولد الشيخ صفي الدين الحلي بسبع سنين وذلك أن وفاة الشيخ أمين الدين في سنة سبعين وستمائة ولادة الشيخ صفي الدين في سنة سبع وسبعين وستمائة
стр. 3
وأما نظم أنواع البديع على هذا الوزن والروي، الذي نظم عليه الشيخ صفي الدين، فلا أتحقق أيضاً أن الشيخ صفي الدين، هو أول من نظم عليه، فإنه كان معاصراً للشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن علي الهواري، المعروف بشمس الدين بن جابر الأندلسي الأعمى، صاحب البديعة المعروفة ببديعية العميان، ولا أعلم من السابق منهما إلى نظم بديعته على هذا الأسلوب. وإن كان الشيخ صفي الدين قد حاز قصبات السبق في مضمار براعة هذا المطلوب. فإن ابن جابر، لم يستوف الأنواع التي نظمها الشيخ صفي الدين بل أخل بنحو سبعين نوعاً من الأنواع. وكلاهما لم يلتزما التورية باسم النوع البديعي.
وأول من التزم ذلك: الشيخ عز الدين الموصلي. ثم تلاه الشيخ تقي الدين أبو بكر بن علي بن عبد الله الحموي، المعروف بابن حجة. والتزم ما التزمه الشيخ عز الدين، وزاد عليه في أكثر الأبيات بحسن النظم والانسجام. إلا أن لذلك فضل المتقدم على المتأخر، والمبتدع على المتبع، وقل من التزم بعدهما هذا الالتزام، وما ذلك إلا لصعوبة هذا المرام.
وقد علمت أن عدة أبيات بديعية الصفي: مائة وخمسة وأربعون بيتاً. وأما بديعية ابن حجة فعدتها: مائة وواحد وأربعون بيتاً وبديعتي هذه عدتها: مائة وسبعة وأربعون بيتاً، بزيادة نوعين من البديع لم يذكرهما الصفي.
وقد يسر الله سبحانه نظمها في مدة يسيرة، وهي اثنتا عشرة ليلة وذلك من ذي القعدة الحرام، أحد شهور سنة سبع وسبعين وألف. والحمد لله سبحانه على فضله الجليل، وإحسانه الجزيل. والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، ما لمع موردٌ بمائه، وبلقع بآله. وهذا حين أنصّ عروس البديعية في أريكة شرحها، وأسكنها من مشيدات المباني في علية صرحها، ليجتني ناظر الناظر، من ثمرات روضها الناضر، فما هي إلا روضة تفجرت من خلالها الأنهار، وخميلة تفتقت في مروجها الأزهار. وقد احتوى هذا الشرح، من فرائد الفوائد، وصلات العوائد، على ما يروق السمع والبصر، ويفوق كل مطول ومختصر. فمن نظر إليه بعين العدل والإنصاف وتنكب طريق التعصب والاعتساف، علم أن معدن الجوهر ليس كمعدن الزجاج. (وما يستوي البحران هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا ملحٌ أجاجٌ)
فإن يك أصناف القلائد جمة ... فما يتساوى درها وعقيقها
على أني لا أبريء نفسي، ولا أدعي العصمة لفهمي وحدسي فإن الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، والإنسان محل النسيان.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء فخراً أن تعد معائبه
والله سبحانه أسأل أن يلبسه حلل الثناء الفاخرة، ويثيبني به جميل الذكر في الأولى وجزيل الأجر في الآخرة.
حسن الابتداء وبراعة الاستهلال
حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم ... له براعة شوق يستهل دمي
قال أهل البيان، من البلاغة حسن الابتداء، ويسمى براعة المطلع. وهو أن يتألق المتكلم في أول كلامه، ويأتي بأعذب الألفاظ، وأجزلها وأرقها وأسلسها وأحسنها، نظماً وسبكاً، وأصحتها مبنيٌ، وأوضحها معنىً وأخلاها من الحشو، والركة والتعقيد، والتقديم والتأخير الملبس والذي لا يناسب.
قالوا: وقد أتت فواتح السور من القرآن المجيد على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها، كالتحميدات، وحروف الهجاء، والنداء وغير ذلك. ويعتبر في مطلع القصيدة زيادة على ما ذكر أن لا يكون متعلقاً بما بعده من الأبيات، وأن يناسب بين قسميه أتم المناسبة، بحيث لا يكون أحد الشطرين أجنبياً عن الآخر لفظاَ ومعنىً. فإذا اجتمعت هذه الشروط في مطلع القصيدة، كان غاية في بابه. وقد نبه مشايخ هذا الفن، على أن ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيما يورده من كلامه في أربعة مواضع، أولها: المطلع، لأنه أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإن كان حسناً جامعاً للشروط التي ذكروها في حسن الابتداء، أقبل السامع على الكلام فوعي جميعه، وإن كانت حالة عن الضد من ذلك، مجَّه السمع، وزجّه القلب ونبت عنه النفس، وإن كان الباقي في غاية الحسن. والموضع الثاني: المخلص. والثالث: حسن الطلب. والرابع: الختام وسيأتي الكلام عليها في مواضعها، إذا أفضت النوبة إليها، إنشاء الله تعالى.
وكثيراً ما يستشهد أرباب هذا الفن في هذا الباب بقول امرئ القيس:
قفا نبك على ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
стр. 4
قالوا: وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في مصراع واحد، ومع ذلك، فقد انتقده الحذاق، بعدم المناسبة بين شطريه لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ، وسهولة السبك، وكثرة المعاني وليس في الشطر الثاني شيء من ذلك. قال ابن المعتز: قول النابغة: -
كليني لهمٍ يا أمية ناسب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
مقدم عليه لأن امرئ القيس وإن بالغ في الشطر الأول، لكن قصر في الثاني، حيث أتى بمعانٍ قليلة في ألفاظ كثيرة غريبة. والنابغة راعي التناسب.
ومن محاسن الابتداء قول بشار بن برد:
أبى طَلل بالجزع أن يتكلما ... وماذا عليه لو أجاب متيما
وقول الحسن بن هاني:
لمن دمن تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم
وقول أبي تمام:
لا أنتِ أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتقضت الأوطار
وقول البحتري:
بودي لو يهوى العذول ويعشق ... ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق
وقول أبي الطيب:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
وقل أبي العلاء المعري:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعواناً على السهر
وقول القاضي التنوخي:
أسير وقلبي في هواكَ أسير ... وجادي ركابي لوعة وزفير
وقول الشريف الرضي (ره) :
بالجد لا بالمساعي يبلغ الشرف ... تمشي الجدود بأقوامٍ وإن وقفوا
وقوله:
ردوا الغليل لقلبي المشغوف ... وخذوا الكرى عن ناظري المطروف
وقوله:
أراقب من طيف الحبيب وصالا ... ويأبى خيال أن يزور خيالا
وقوله:
ألا ليت أذيال الغيوم السواجم ... تجرّ على تلك الربى والمعالمِ
وقول تلميذه مهيار بن مرزويه الكاتب رحمه الله تعالى:
لو كنت دانيت المودة قاصيا ... رد الجنائب يوم بن فؤاديا
وقوله:
حمام اللو رفقاً به فهو لبه ... جواداً رهانٍ نوحكنٌ ونحبه
وقوله:
أشاقك من حسناء وهنا طروقها ... نعم كل حاجات النفوس تشوقها
وقول الأديب الشاعر أبي العباس محمد بن أحمد الأبيوردي:
أهذه خطرات الربرب العين ... أم الغصون على أنقاء يبرين
وقوله:
تجنَّ علينا طيفها حين أرسلا ... وهل يتجن الحب إلا ليعجلا
وقوله:
كتمنا الهوى وكففنا الحنينا ... فلم يلق ذو صبوة ما لقينا
وما أحسن ما قال بعده:
وأنتم تبثون سر الغرام ... طوراً شمالا وطوراً يمينا
ولما تناديتم بالرحيل ... لم يترك الدمع سراً مصونا
أمنتم على السر منا القلوب ... فهلا أتهمتم عليه العيونا
ومما استحسنه صاحب اليتيمة من مطالع أبي الطيب.
فديناك من ربعٍ وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا
وما أحسن قوله بعده:
وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا ... فؤاداً لعرفان الرسوم ولالبا
نزلنا عن الأكور نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلمَّ به ركبا
قال ابن بسام في الذخيرة: أول من بكى الربع واستبكى، ووقف واستوقف: الملك الضليل حيث يقول:
(قفا نبك على ذكرى حبيب ومنزل)
ثم جاء أبو الطيب، فنزل وترجل، ومشى في آثار الديار، حيث يقول (نزلنا على الأكوار) البيت وما قبله.
ثم جاء أبو العلاء المعري فلم يقنع بهذه الكرامة، حتى خشع ومجد حيث يقول:
تحية كسرى في السناء وتبع ... لربعك لا أرضى تحية أربع
وهذه البيت من محاسن الابتداء أيضاً.
قلت: كأن ابن بسام غفل عن مطلع المتنبي، فإن كرامته فيه للربع أعظم من كرامة أبي العلاء، لأن أبا الطيب فداه بنفسه حيث قال: (فديناك من ربع وإن زدتنا كربا) . ولا شك أن التفدية أعظم من الخشوع والسجود في التحية.
ومن محاسن الابتداء قول ابن النبيه:
يا ساكني السفح كم عين بكم سفحت ... نزحتم وهي بعد البعد ما نزحت
وقول الشيخ جمال الدين بن نباته:
بدا ورنت لواحظه دلالا ... فما أبهى الغزالة والغزالا
وقول الشيخ صفي الدين الحلي:
قفي ودعينا وشك التفرق ... فما أنا من يحيا إلى حين نلتقي
وقول الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض:
ما بين معترك الأحداق والمهج ... أنا القتيل بلا إثم ولا حرج
стр. 5
وقول الشيخ عفيف الدين التلمساني:
لا تلم صبوتي فمن حب يصبو ... إنما يرحم المحب المحب
وقوله:
لولا الحمى وظباء بالحمى عرب ... ما كان في البارق النجدي لي أرب
وقول الحاجري:
لا غرو أن لعبت بي الأشواق ... هي رامة ونسيمها الخفاق
وكان شيخنا محمد بن علي الشامي يطرب لهذا المطلع غاية الطرب، ويقول: هكذا فلتكن المطالع: وقوله أيضاً:
لك أن تشوقني إلى أوطاني ... وعليَّ أن أبكي بدمع قان
وقول سيدي الوالد:
سلا هل سلا قلبي عن البان والرند ... وعن أثلاث جانب العلم
وقوله: نسيم نجد شذا صبحاً فآصالا=بنشر ما أرج الجرعاء فالضالا وقوله: هبت نسائم آصال وأسحار=تروي أحاديث أخداني وسماري وقوله:
ذلك البان والحمى والمصلى ... فقف الركب ساعة تنملى
وقول القاضي أحمد بن عيسى المرشدي:
فيروزج أم وشام الغادة الرود ... يبدو على سمط در منه منضود
وملخص هذه القصيدة غاية في بابه أيضاً، وسيأتي إنشاده هنالك إنشاء الله تعالى.
وقوله شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
رفت شمائلة فقلت نسيم ... وزكت خلائقه فقلت شميم
وما ألطف قوله بعده:
قصر الكلام على الملام وإنما ... للحظ في وجناته تكليم
شرقت معاطفه بأمواه الصبي ... وجرى عليه بضاضة ونعيم
قد كاد تشربه العيون لطافة ... لكن سيف لحاظه مسموم
وقوله:
أرقت وصحبي بالفلاة هجود ... وقد مدّ للظلام وجيد
وأبعدت في المرمى فقال لي الهوى ... رويدك يا شامي أين تريد
أهذا ولما يبعد العهد بيننا ... إلا كل شيء لا ينال بعيد
وقوله القاضي الفاضل في زمانه، القاضي تاج الدين المالكي أمام المالكية بالمسجد الحرام المتوفى سنة ( ... ) .
وقول الشيخ الفاضل الأديب الشيخ حسين بن شهاب الدين الطبيب:
أشمس الضحى لا بل محياك أجمل ... وغصن النقا لا بل قوامك أعدل
وقول الأديب الأريب حسين بن الجزري الشامي من أهل العصر:
هلما نحييها ربى وربوعا ... وحثا نسقيها دماً ودموعا
وعوجا على وادي الطلول وعرجا ... معي واندباني والطلول جميعا
ومن مطالعي التي تنظم في هذا السلك قولي:
سريرة شوقٍ في الهوى من أذاعها ... ومهجة صب بالنوى من أضاعها
وقولي:
رويدك حادي العيس أين تريد ... أما هذه حزوي وتلك زرود
وقولي:
هاتا أعيدا لي حديثي القديم ... أيام وسمي بالتصابي وسيم
وعللاني بنسيم الصبا ... إن كان يستشفي عليلا سقيم
وقولي وهو مطلع قصيدة علوية:
سفرت أميمة ليلة النفر ... كالبدر أو أبهى من البدر
وقلت بعده:
نزلت مني ترمي الجمار وقد ... رمت القلوب هناك بالجمر
وتنسكب تبغي الثواب وهل ... في قتل ضيف الله من أجر
إن حاولت أجراً فقد كسبت ... بالحج أضعافاً من الوزر
نحرت لواحظها الحجيج كما ... نحر الحجيج بهيمة النحر
فهذه جملة مقنعة من محاسن المطالع للمتقدمين والمتأخرين وأهل العصر. وقد جمعت الشروط المتقدمة في براعة المطلع. وليتأمل الناظر في مناسبة الشطرين فيها، وملائمة ألفاظهما ومعانيها، وليحذ حذوها. فإن الغرض من ذلك، إرشاد المبتدي وتنبيه المنتهي إلى الطريق التي ينبغي له سلوكها، واقتفاء آثار فحول الشعراء فيها. واعلم، أن المتأخرين فرعوا على حسن الابتداء: براعة الاستهلال.
وهو أن يكون أول الكلام دالاً على ما يناسب حال المتكلم، متضمناً لما سيق الكلام لأجله من غير تصريح بل بألطف إشارة يدركها الذوق السليم. وقد أشار إلى هذا المعنى ابن المقفع، على ما نقل عنه أبو عثمان الجاحظ، في كتاب البيان والتبيين، في كلام له في تفسير البلاغة حيث قال: ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك. كما أن خير أبيات الشعر: البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته.
стр. 6
قال الجاحظ: كان يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح وخطبة العيد وخطبة الصلح، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ويشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت. قالوا: والعلم الأسنى في ذلك، سورة الفتح، التي هي مطلع القرآن فإنها مشتملة على جميع مقاصده.
كما قال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو القاسم بن حبيب، ثنا محمد بن صالح صبيح، عن الحسن قال: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة منها: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم المفصل الأربعة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن في المفصل، ثم أودع علوم المفصل فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة.
وقد وجه ذلك، بأن العلوم التي احتوى عليها القرآن، وقامت بها الأديان أربعة: الأصول، ومداره على معرفة الله وصفاته. وإليه الإشارة برب العالمين الرحمن الرحيم، ومعرفة النبوات، وإليه الإشارة، بالذين أنعمت عليهم، ومعرفة المعاد، وإليه الإشارة، بمالك يوم الدين، وعلم العبادات، وإليه الإشارة، بإياك نعبد، وعلم السلوك وهو حمل النفس على الآداب الشرعية، والانقياد لرب البرب، وإليه الإشارة، بإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم، وعلم القصص وهو الاطلاع على أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، ليعلم المطلع على ذلك، سعادة الله وشقاوة من عصاه، وإليه الإشارة بقوله: صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فنبه في الفاتحة على جميع مقاصد القرآن، وهذا هو الغاية في براعة الاستهلال، مع ما اشتملت عليه من الألفاظ الحسنة، والمقاطع المستحسنة وأنواع البلاغة، وكذلك أول سورة اقرأ، فإنها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من براعة الاستهلال، لكونها أول ما أنزل من القرآن، فإن فيها الأمر بالقراءة والبدء فيها باسم الله، وفيه الإشارة إلى علم الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته، من صفة ذاتٍ، وصفة فعل، وفي هذا الإشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله: علم الإنسان ما لم يعلم، ولهذا قيل: إنها جديرة أن تسمى عنوان القرآن، لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله.
وقال الزنجاني في الفوائد الغيثية: وأحسن براعة الاستهلال موقعاً، وأبلغها معنى، فواتح صور كلام الله، سيما حروف التهجي، فإنها توقظ السامعين للإصغاء إلى ما يرد بعدها، لأنهم إذا سمعوها من النبي الأمي علموا أنها والمتلو بعدها من جهة الوحي. وفيها تنبيه على أن المتلو عليهم من جنس ما ينظمون منه كلامهم، مع عجزهم عن أن يأتوا بمثله.
تذنيب في تفسير الجويني: ابتدأت الفاتحة بقوله: الحمد لله رب العالمين، فوصف بأنه مالك جميع المخلوقات. وفي الأنعام والكهف وسبأ وفاطر، لم يوصف بذلك، بل بفرد من أفراد صفاته وهو خلق السماوات والأرض، والظلمات والنور في الأنعام، وأنزل الكتاب في الكهف، وملك ما في السماوات والأرض في سبأ، وخلقهما في فاطر. لأن الفاتحة أم القرآن ومطلعه، فناسب الإتيان فيها بأبلغ الصفات وأعمها وأشملها.
وفي تذكرة الشيخ تاج الدين السبكي: سئل الإمام ما الحكمة في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح، والكهف بالتحميد؟ فأجاب: بأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد، نحو: فسبح بحمد ربك، سبحان الله والحمد لله. وأجاب ابن الزملكاني: بأن سورة سبحان، لما اشتملت على الإسراء الذي كذب المشركون به النبي) ﵌ (، وتكذيبه تكذيب لله تعالى، أتى بسبحان، لتنزيه الله عما نسب إليه من الكذب. وسورة الكهف، لما أنزلت بعد سؤال المشركين عن قصة أصحاب الكهف، وتأخر الوحي، نزلت مبينة أن الله لم يقطع نعمته عن نبيه ولا عن المؤمنين، بل أتم عليهم النعمة بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة.
إذا علمت ذلك، فاعلم: أن براعة الاستهلال في مطلع القصيدة هو كونه دالاً على ما بنيت عليه من مدح، أو هجاء، أو تهنئة، أو عتب؛ أو غير ذلك. فإذا جمع المطلع بين حسن الابتداء، وبراعة الاستهلال، كان هو الغاية التي لا يدركها إلا مصلي هذه الحلبة، والحالب من أشطر البلاغة أو فر حلبه.
والبراعة: مصدر، قولهم برع الرجل براعة، أي فاق أصحابه في العلم وغيره.
стр. 7
والاستهلال، يطلق على معان كل منها مشتمل على نوع افتتاح.
فاستهل: رأى الهلال. واستهل المولود. صاح في أول زمان الولادة.
واستهلت السماء: جادت بالهلل بفتحتين وهو أول المطر. وكل من هذه المعاني مناسب للنقل منه إلى المعنى الاصطلاحي، وإن خصه بعضهم بالنقل من المعنى الثاني، قال: وإنما سمي هذا النوع الاستهلال، لأن المتكلم يفهم غرضه من كلامه عند ابتداء رفع صوته به.
فمن براتة الاستهلال التي يفهم من إشاراتها إنها تهنية بالفتح والظفر على العدو قول أبي تمام يهنئ المعتصم بالله بفتح عمورية، وكان المنجمون زعموا أنها لا تفتح في هذا الوقت:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لأسود الصفاح في ... متونهن جلاء الشك والريب
وقول أبي محمد عبد الله بن محمد بن أحمد الخازن يهنئ الصاحب بن عباد بسبطه الشريف أبي الحسن عباد بن علي الحسني. وهو مما يشعر بقرينه الذوق أنه يريد التهنئة بمولود:
بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا ... وكوكب المجد في أفق العلا صعدا
وكان الصاحب بن عباد لما أتته البشارة بسبطه المذكور أنشأ يقول:
الحمد لله حمداً دائماً أبدا ... إذ صار سبط رسول الله لي ولدا
فقال أبو محمد الخازن قصيدته التي ذكرنا مطلعها، وما أحسن قوله فيها:
وكادت الغادة الهيفاء من طرب ... تعطي مبشرها الأرهاف والغيدا
ومن معانيه الغريبة فيها قوله:
لم يتخذ ولداً إلا مبالغة ... في صدق توحيد من لم يتخذ ولدا
ومن البراعات التي تشعر بأنها تهنئة بالنصر على الأعداء، قول خالي القاضي زيد بن محسن بن الحسين بن الحسن بالظفر على أهل عمد:
العز تحت ظلال السمر والقضب ... يوم الوغى ومسامي البيض لم تخب
ومما يشعر بالتهنئة بالقدوم قول سيدي ومولاي الوالد مهنئاً سلطان مكة المذكورة بقدومه الطائف الميمون وحلول به:
قد أقبل السعد بالأفراح يبتدر ... والدهر يرتاح مختالاً ويفتحر
ومن أحسن البراعات وألطفها براعة مهيار بن مرزويه الكاتب فإنها مما يضرب بها المثل في براعة الاستهلال.
وكان من أمره، أنه اتفق أن بعض الوشاة وشى به في أمر محال اتصل بحضرة الملك ركن الدين أبي طاهر، فاقتضى أن استدعى إلى داره، واعتقل ليلة على كشف الصورة اعتقالاً جميلاً، ثم انكشفت له البراءة من أبطال الساعي، وأفرج عنه إفراجاً مبيناً. فقال يمدح الملك المذكور، ويعرض بالساعي، وأنشدها بحضرته يوم عيد الفطر سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة.
أما وهواها عذرة وتنصلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا
وما ألطف ما قال بعده:
سعى جهده لكن تجاوز حده ... وكثر فارتابت ولو شاء قللا
فقال ولم تقبل ولكن أسبه ... على أنه ما قال إلا لتقبلا
وطارحها أني سلوت فهل يرى ...
له الويل
مثلي عن هوى مثلها سلا
أأنقض طوعاً حبها عن جوانحي ... وإن كان حبا للجوانح مثقلا
أبى الله والقلب الوفي بعهده ... والفٌ إذا عُد الهوى كان أولا
فأبرز التنصيل مما رمي به في معرض التغزل والنسيب. وهذه القصيدة كلها غرر، ودرر. ولولا خوف الإطالة لأثبتها برمتها؛ فإنها قليلة الوجود ولكن لا بد من ذكر شيء منها: فمنها في الغزل:
أيا صاحبي نجواي يوم (سويقة) ... أناة وإن لم تسعدا فتجملا
سلا ظبية الوادي وما الظبي مثلها ... وإن كان مصوقل الترائب أكحلا
أأنتِ أمرت البدر أن يصدع الدجى ... وعلمت غضن البان أن يتميلا
وحرمت يوم البين وقفة ساعةٍ ... على عاشق ظن الوداع محللا
جمعت عليه حرقة الدمع والجوى ... وما اجتمع الداءان إلا ليقتلا
هبي لي عيني واحتملي كلفة الأسى ... على القلب أن القلب اصبر للبلا
أراك بوجه الشمس والبعد بيننا ... فاقنع تشبيهاً بها وتمثلا
وأذكر عذبا من رضابك مسكراً ... فما أشرب الصهباء إلا تعللا
هنيئاً لحب المالكية أنه ... رخيص له ما عزَّ مني وما غلا
تعلقتها غراً وليداً وناشئا ... وشبت وناشي حبها ما تكهلا
ووحدها في الحب قلبي فما له ... وإن وجد الإبدال، أن يتبدلا
стр. 8
رعى الله قلبي ما أبر بمن جفا ... واصبره في النائبات وأحملا
وكرم عهدي للصديق فإنه ... قليل على الحالات أن يتحولا
رحم الله مهياراً ما ألطف عبارته وأدق إشارته، وطريقته الغرامية لا يسلكها أحد إلا تشبها، فإنها شيء قد تفرد به، ولم يشق فيها غباره سابق ولا لاحق. ووقعت هذه القصيدة من ممدوحه موقعاً عظيماً، حتى إنه لسروره بها، تقدم إلى السمار والمحدثين بحفظها.
ومما وقع لي أنا من البراعات التي يفهم منها أن المقصود الاستعطاف وطلب القرب والوصل، بعد البعد والصد قولي وهو مطلع قصيدة امتدحت بها الوالد مستعطفاً له في سنة خمس وسبعين وألف، وهو:
لقد آن أن تثني أبي زمامها ... وتسعف مشتاقاً برد سلامها
ولم أخرج عن براعة الاستهلال، وإبراز الغرض في معرض الغزل والتشبيب، على طريقة مهيار إلى أن تخلصت إلى المدح. وبعد المطلع:
سلام عليها كيف شطت ركابها ... وأنى دنت في سيرها ومقامها
حملت تمادي صدها حين كان لي ... قوي جلد لم أخش بثً التئامها
وكنت أرى أن الصدود مودة ... ستدلي بقربي الود بعد انصرامها فأما فأما وقد أورى الهوى بجوانحي
جوى غلة لم يأن بل أوامها
فلست لعمري بالجيد على النوى ... وهل بعدها للنفس غير حسامها
إذا قلت هذا آن تنعم بالرضا ... يقول العدى هذا أوان انتقامها
أطارحها الواشون أني سلوتها ... وها أنا قد حكمتها قد احتكامها
أبى القلب إلا أوبة لعهودها ... وحفظاً لها في إلها وذمامها
منها:
أحب لريا نشرها كل نفخة ... تمر بنجد أو خزام خزامها
سقى أرض نجد كل وطفاء ديمة ... وما أرضها لولا محط خيامها
أجل وسقى تلك الربوع لأجلها ... واغدق مرعى رندها وبشامها
هوىً أنشأته المالكية لم يزل ... وثيقاً على حل العرى وانفصامها
فهل علمت أن الهوى ذلك الهوى ... وأن فؤادي فيه طوع زمامها
ولم يبق مني الوجد غير حشاشة ... تراد على توزيعها واقتسامها
كفاك فحسبي من زماني خطوبه ... فإن فؤادي عرضة لسهامها
ومن البراعات التي تشعر أن الغرض الرثاء، قول أبي الطيب المتنبي يرثي محمد بن إسحاق التنوخي:
أبي لا علم واللبيب خبير ... أن الحياة وإن حرصت غرور
وقول متنبي الغرب محمد بن هاني الأندلسي يرثي والدة جعفر بن علي ممدوحه:
صهٍ كل آتٍ قريب المدى ... وكل حياة إلى منتهى
وقوله أيضاً يرثيها وقد دام الحزن عليها:
صدق الفناء وكذب العمر ... وجلا الغطاء وبالغ النذر
وقول أبي الحسن علي بن محمد التهامي يرثي ولده أبا الفضل:
حكم المنية في البرية جاري ... ما هذه الدنيا قرار
وقال أبي الفرج الساوي في فخر الدولة:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي
ولا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي
ومما يدل على أن المقصود التهنئة والتعزية، قول الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة في تهنئة السلطان الملك الأفضل بسلطنة حماة، وتعزيته بوفادة والده الملك المؤيد، وهو:
هناء محا ذاك العزا المتقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
ثغور ابتسامٍ في ثغور مدامعٍ ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما
ترذ مجاري الدمع والبشر واضحٌ ... كوابل غيث في ضحى الشمس قد همى
وبالغ ابن حجة على جاري عادته فيما يعجب به في إطراء هذه الأبيات حتى قال: سبحان المانح، والله من لا يتعلم الأدب من هنا فهو من المحجوبين عن إدراكه.
وأنا أقول: لو كان أبو نواس لما وقع الشيخ جمال الدين قول هذا الحمى، فضلاً عن أن يدخله، فإن أبا نواس هو السابق إلى هذا المعنى بعينه، حيث قال معزياً لفضل بن الربيع بالرشيد ومهنياً له بخلافة الأمين:
تعز أبا العباس عن خير هالك ... بإكرام حيٍّ كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساوٍ مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن
ومن براعاتي في الرثاء قولي في مرثية الحسين بن علي ﵉:
كل نجم سيعتريه أفول ... وقصارى سفر البقاء القفول
стр. 9
لا حق إثر سابق والليالي ... بالمقادير راحلات نزول
ومن ذلك قول أبي تمام يرثي محمد بن حميد الطوسي:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعينٍ بم يفض ماؤها عذر
وهذه القصيدة هي التي قال أبو دلف العجلي فيها لأبي تمام: وددت والله أنها لك فيّ، فقال: بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي، وأكون المقدم قبله. فقال: إنه لم يمت من رثي بهذا الشعر.
ومن البراعات التي يفهم منها الرثاء، وأن المرثي هاشمي أيضاً زيادة على ذلك، قول مهيار الديلمي يرثي أستاذه الشريف الرضي:
من جب غارب هاشم وسنامها ... ولوى لويا واستنزل مقامها
وغزا قريشاً بالبطاح فلفها ... بيدٍ وقوض عزها وخيامها
وأناخ في مضرٍ بكلكل خسفه ... يستام فاحتملت له ما سامها
من حل مكة فاستباح حريمها ... والبيت يشهد واستحل حرامها
ومضى بيثرب مزعجاً ما شاء من ... تلك القبور الطاهرات عظامها
يبكي النبي ويستهيج لفاطمٍ ... بالطف في أبنائها أيامها
الدين ممنوع الحمى من راعه ... والدار عالية البنا من رامها
أتناكرت أيدي الرجال سيوفها ... فاستسلمت أم أنكرت إسلامها
أم غلل ذا الحسبين حامي ذودها ... قدر أراح على العدو سهامها
وما أحسن قوله منها:
بكر النعي من الرضي بمالكٍ ... غاياتها متعودٍ أقدامها
كلح الصباح بموته عن ليلة ... نفضت على وجه الصباح ظلامها
صدع الحمام صفاة آل محمد ... صدع الرداء به وحل نظامها
بالفارس العلوي شق غبارها ... والناطق العربي شق كلامها
سلب العشيرة يومه مصباحها ... مصلاحها عما لها علامها
برهان حجتها التي بهرت به ... أعداءها وتقدمت أعمامها
وشقت هذه المرثية على جماعة ممن كان يحسد الرضي ﵁ على الفضل في حياته، أن يرثي بمثلها بعد وفاته، فرثاه بقصيدة أخرى ومطلعها في براعة الاستهلال كالأولى، وهو:
أقريش لا لفمٍ أراك ولا يدِ ... فتواكلي غاض الندى وخلا الندي
وما زلت معجباً بقوله منها:
بكر النعي فقال أودى خيرها ... إن كان يصدق فالرضي هو الردي
وبراعات الاستهلال في المراثي، أكثر منها في غيرها، يشهد بذلك الاستقراء. ولنكتف في النظم منها بهذا المقدار. وأما ما وقع منها في النثر فكثير جداً، خصوصاً في خطب المتأخرين. وفي ديباجة هذا الشرح ما يقنع الطالب، فلا حاجة بنا إلى التطويل، بإثبات شيء من النثر.
وإذا قد ذكرنا جملة مقنعة من محاسن المطالع، فلنذكر جملة من مستهجناتها، ليحترز الناظر عن الوقوع في مثلها: قيل ما سمع أشد مباينة من قسمي بيت جميل في قوله:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... نسائكم هل يقتل الرجل الحب
حكى صاحب الأغاني عن الهيثم بن عدي قال: قال لي صالح بن حسان يوماً: ما نصف بيت كأنه أعرابي في شملة، والآخر كأنه مخنث يتفكك؟ قلت: لا أدري، قال: أجلتك حولاً، قلت: لو أجلتني عشرة ما عرفت، قال أف لك، قد كنت أحسبك أجود ذهناً من هذا، قلت: فما هو؟ قال: قول جميل:
ألا أيها النوام ويحكم هبوا ... هذا كلام أعرابي، ثم قال
نسائكم هل يقتل الرجل الحب ... كأنه والله من مخنثي العقيق.
قال شيخ الأدب صلاح الدين الصفدي بعد نقله ذلك قلت: علم الله لولا إيراد النادرة، لاستحييت أن أكتب النصف الثاني، لأنه محلول إلى الغاية. والناس به قول الآخر:
مات الخليفة أيها الثقلان ... فكأنما أفطرت في رمضان
ويقولون في الأول عزى الثقلين، ثم إنه حل في الثاني. وأقول: إنه ليس بينهما نسبة في الانحلال. وقول جميل: إنما يحسن من مثل فريدة جارية الواثق، فإنها صنعت فيه لحناً وغنت به، وكانت بارعة الجمال. فإذا سمع منها كان مناسباً. وإلى بيت جميل أشار ابن نفاذة في قوله:
أهجرٌ وصد وافتراق وغربة ... وبين فيا لله كم يحمل الصبا
فقل لمحب نبه الركب سائلا ... ونام نعم قد يقتل الرجل الحب
انتهى كلام الصفدي.
стр. 10
ورأيت في معاهد التنصيص لعبد الرحيم العباسي: نسبة كلام صالح بن حسان الذي قال للهيثم بن عدي في بيت جميل للرشيد أنه قال للمفضل الضبي، وهو سهو منه واشتباه عليه بحكاية أخرى، وهي: ما حكاه المفضل الضبي، إن الرشيد قال له: دلني على بيت أوله أكثم بن صيفي في أصالة الرأي، وجودة الموعظة، وآخره بقراط في معرفة الدواء. فقال له يا أمير المؤمنين: لقد هولت عليَّ. فقال هذا قول أبي نؤاس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ومن لطيف الانتقاد في المناسبة بين الشطرين ما حكي: إن الشيخ نور الدين علي بن سعيد الأندلسي الأديب المشهور الذي من نظمه قوله:
وأطول شوقاه إلى ثغور ... ملأى من الشهد والرحيق
عنها أخذت الذي تراه ... يعذب من شعري الرقيق
لما ورد إلى الديار الشامية، اجتمع بالصاحب بهاء الدين زهير وتطفل على موائد طريقته الغرامية، وسأله الإرشاد إلى سلوكها، فقال: طالع ديواني الحاجري والتلعفري، وأكثر المطالعة فيهما، وراجعني بعد ذلك. فغاب عنه مدة، وأكثر من مطالعة الديوانين حتى علق بحفظه غالبهما، ثم اجتمع به بعد ذلك، وتذاكر في الغراميات، فأنشده الصاحب بهاء الدين في غضون المحاضرة: (يا بان وادي الأعرج) ، وقال له: أجز هذا. فأفكر قليلاً وقال: (سقيت غيث الأدمع) ، فقال: والله حسن، ولكن الأقرب إلى الطريقة الغرامية أن تقول: (هل ملت من شوقٍ معي) . ومثل هذه المناسبة لا يدركها إلا مثل بهاء الدين زهير.
قال أبو منصور الثعالبي في اليتيمة: ولأبي الطيب ابتداءات ليست هي لعمر من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها عليه العائبون مستبشعة لا يرفع السمع لها حجابه ولا يفتح له بابه كقوله:
هذي برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا
فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من (هذي) وهو غير جائز عند النحويين، حتى ذكر الرسيس والنسيس فأخذ بطرفي الثقل والبرد.
قلت: أجيب عن حذف علامة النداء من (هذي) : بأن (هذي) مفعول مطلق، لا منادى أي برزت لنا هذي البرزة. وعلى كل تقدير، فهذا المطلع من مستهجنات المطالع.
قال: ومن مطالعه التي تكلف لها اللفظ المعقد، والترتيب المتعسف لغير معنى بديع يفي ترفه وغرابته بالتعب في استخراجه، وتقوم فائدة الانتفاع به بإزاء التأذي بسماعه، قوله:
وفائكما كالربع أشجاء طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
قال الصاحب ابن عبد رحمه الله تعالى: ومن عنوان قصائده الذي يحير الإفهام، ويجمع من الحساب ما لا يدرك بالاريثماطيقي وبالأعداد الموضوعة للموسيقى قوله:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد
وهذا كلام الحكل ورطانة الزط وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه فصلك سمعه بهذه الألفاظ والمعاني المنبوذة، أي هزة تبقى هناك، وأي أريحية تثبت هنا. وقد خطأه في اللفظ والمعنى كثير من أهل اللغة وأصحاب المعاني، حتى احتيج في الاعتذار له والتصفح عنه إلى كلام لا يستأهله هذا البيت، ولا يتسع له هذا الباب.
قال: ومن افتتاحاته العجيبة، قوله لسيف الدولة في التسلية عن المصيبة:
لا يحزن الله الأمير فإنني ... لآخذ من حالاته بنصيب
لا أدري ما يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من القلق.
قال الثعالبي: ومن ابتداءاته الشنيعة التي تنكرها الأسماع قوله:
ملث القطر أعطشها ربوعا ... وإلا فاسقها السم النقيعا
وقوله:
إثلث فأنا أيها الطلل ... نبكي وترزم تحتنا الإبل
ومن مطالع أبي تمام التي استهجنها أبو الطيب المتنبي قوله:
خشنت عليه أخت بني خشين ... وأنجح فيك قول العاذلين
ومن المطالع التي لم تجمع الشروط المتقدمة، قول أبي تمام أيضاً:
أما أنه لولا الخليط المودع ... وربع عفا عن مصيف ومربع
فإنه ليس مستقلاً بنفسه بل متعلق بالبيت الذي يليه؛ لأنه لم يأت بجواب (لولا) إلا فيه حيث قال:
لو أن دهراً رد رجع جوابي ... أو كف من شأويه طول عتاب
فإنه يتعلق بما بعده أيضاً، لمكان جواب (لو) وهو قوله:
لعذلته في دمنتين بأمرةٍ ... ممحوتين لزينب ورباب
ومثل ذلك قول أبي عبادة البحتري:
стр. 11
إن رق لي قلبك مما ألاق ... من فرط تعذيب وطول اشتياق
فإنه لم يأت بجواب الشرط، ولا ما يحسن السكوت على مطلعه، ولا تتم الفائدة به.
ومثله قوله أيضاً:
حلفت لها بالله يوم التفرق ... وبالوجد من قلبي لها المتعلق
فإنه لم يأت بجواب القسم الذي يتم الكلام به إلا في البيت الثاني حيث قال:
وبالعهد ما البذل القليل بضائع ... لدي ولا العهد القديم بمخلق
وقد تقدم إن من الشروط حسن الابتداء، أن لا يكون المطلع متعلقاً بما بعده.
ومن غريب النقد، ما حكاه ابن ظافر قال: صنعت بالشام سنة سبع وثمانين وخمسمائة قصيدة في الملك الأفضل أبي الحسن علي بن الملك الناصر نور الدين أولها:
دعها ولا تحبس زمام المقود ... تطوي بأيديها بساط الفدفد
وأنشدتها لمن كان بالعسكر من أصحابنا المنتسبين إلى الأدب، فما منهم إلا من بذل جهده في نقدها، ورمى بأفلاذ كبده فيها، ثم حملتها إلى حضرته، فصادفت قبولا. واتفق بعد ذلك أن أنشدتها ابن إلا - التكريتي، فلما أنشدته البيت الأول قال: ما كان يؤمنك إذا أخذ بدرجها في يده، وفتحه، فوجد أول ما فيها (دعها) أن يلقيها من يده وتقول: قد فعلت، ألست كنت تفتضح؟ قال: بلى والله ولكن قد وقى الله. وهكذا فليكن النقد.
واعلم أنه يجب على الناظم والناثر النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين والتجنب لما يكرهون سماعه، ويتطيرون منه خصوصاً الملوك؛ ومن يتصل بهم. فإنهم أشد الناس تطيراً من المكروهات؛ وعثرة الناظم في ذلك لا تقال.
فمن ذلك ما وقع لابن مقاتل الضرير أحد شعراء الجبال في مطلع القصيدة من الرجز أنشدها للداعي إلى الحق العلوي الثائر بطبرستان، وهو قوله:
(موعد أحبابك بالفرقة غد) . فقال له: بل موعد أحابك يا أعمى ولك المثل السوء. وحكي أيضاً أنه دخل عليه في يوم مهرجان وأنشده قوله:
لا تقل بشرى وقل لي بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
فتطير به الداعي وقال: أعمى يبتدئ بهذا يوم المهرجان. فأمر ببطحه وضربه خمسين عصا. وقال: إصلاح أدبه أبلغ من ثوابه.
ومثل ذلك ما وقع للبحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها: (لك الويل من ليلٍ تقاصر آخره) . فقال له: بل لك الويل والخزي.
ودخل أبو نؤاس على الفضل بن يحيى فأنشده قصيدته التي أولها:
أربع البلى أن الخشوع لباد ... عليك وإني لم أخنك ودادي
فتطير الفضل من هذا الابتداء، فلما انتهى إلى قوله فيها:
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغاد
واستحكم تطيره واشمأز وقال: نعيت إلينا أنفسنا. فلم يمض إلا أسبوع حتى نزلت بهم النازلة. وقد قيل والله اعلم: إن أبا نواس قصد التشاؤم لهم، وكان في نفسه من جعفر.
وقصة إسحاق بن إبراهيم الموصلي. في هذا الباب مما لا يكاد يقضي العجب منها: وذلك أنه دخل على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان، فشرع في إنشاد قصيدة مطلعها:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم من قبح هذا المطلع، وأمر بهدم القصر على الفور. هذا مع يقظة إسحاق وشهرته بحسن المحاضرة، وطول خدمته للخلفاء، مع أنه قيل: أحسن ابتداءٍ ابتدأ به مولد قول إسحاق الموصلي:
هل إلى أن تنام عيني سبيل ... إن عهدي بالنوم عهد طويل
قال الأديب أبو جعفر الألبري رفيق ابن جابر صاحب البديعة السابق الذكر، وهو البصير وابن جابر الأعمى، في شرح بديعية رفيقة المذكور: وإذا أردت أن تنظر إلى تفاوت درجات الكلام في هذا المقام فانظر إلى إسحاق الموصلي، كيف جاء إلى قصر مشيد، ومحل سرور جديد فخاطبه به الطلول البالية؛ والمنازل الدارسة الخالية، فقال: (يا دار غيرك البلى ومحاك) . فاحزن في موضع السرور، وأجرى كلامه على عكس الأمور. وانظر إلى قول القطامي:
أنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطيل
فانظر كيف جاء إلى طلل بال، ورسمٍ خال، فاحسن حين حياه؛ ودعا له بالسلامة، كالمستبهج برؤيا محياه. فلم يذكر دروس الطلل وبلاه، حتى آنس السامع بأوفى التحية، وأزكى السلامة. والذي فتح هذا الباب، وأطنب فيه غاية الأطناب: صاحب اللواء، ومقدم الشعراء حيث قال:
стр. 12
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلا سعيدٌ مخلد ... قليل هموم ما يبيت بأوجال
قيل وهذا البيت الأخير يحسن أن يكون من أوصاف الجنة. لأن السعادة والخلود وقلة الهموم والأوجال لا توجد إلا في الجنة. انتهى.
ومما يعيب على أبي الطيب استفتاحه قصيدة في مدح ملك، يريد أن يلقاه بها أول لقية بقوله:
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً ... وحسن المنايا أن يكون أمانيا
قال الثعالبي: وفي الابتداء بذكر الموت والمنايا، ما فيه من الطيرة التي ينفر منها السوق فضلاً عن الملوك.
حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوماً الشعر فقال: إن أول ما يحتاج فيه إلى التأنق حسن المطلع. فإن ابن أبي الثياب أنشدني في يوم نيروز قصيدة ابتداؤها: (أقبرونيا طلت ثراك يد الطل) . فتطيرت من افتتاحه بالقبر وتنغصت باليوم والشعر. انتهى كلامه.
قلت: والناس يستحسنون قول أبي الطيب في مفتتح قصيدته اللامية التي مدح بها كافور وهو:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
ويعدونه من براعة الاستهلال، لما كان بناؤه على الاعتذار عن حمل تقدمه. والذي أراه أن هذه المواجهة، مما يستثقلها السامع، فعدها في هذا السلك أولى من ذكرها في براعة الاستهلال.
وروى أبو علي حسن بن سعد الكاتب قال: أنشدني أبو المناقب الشاعر عيدية في الملك الأفضل أولها: (نهنيك كلا بل نهني بك الدهرا) . فقلت له: الابتداء هكذا مما يتطير به. وذكر له خبر ابن مقاتل فوافقني على ما قلته، وغير الابتداء فقال-
(نهنيك والأولى نهني بك الدهرا) .
وحكى أن شاعراً أنشد الشريف فخر الدولة ابن أبي الحسن نقيب الطالبين قصيدة يهنيه فيها بشهر رمضان. وكان الشريف يتأذى بالصوم لمرض يجده وكان أولها (أيا منابك كلها رمضان) . فقال الشريف: طوال والله مشومة علي مكروهة مبغضة إلي. وحرمه ولم يعطه شيئاً.
ولما أنشد جرير، عبد الملك بن مروان قوله: (أتصحو أم فؤادك غير صاح) . قال له عبد الملك: بل فؤادك يا بن الفاعلة.
وكذلك لما أنشده ذو الرمة: (ما بال عينيك فيها الماء ينسكب) . وكان بعين عبد الملك مرض لا تزال عينه تدمع منه. فقال له: ما سؤالك عن هذا يا جاهل. وأمر بإخراجه. وكذلك فعل ابنه هشام بأبي النجم لما أنشده:
صفراء قد كادت ولما تفعل ... كأنها في الأفق عين الأحول.
وكان هشام إنما يعرف بالأحوال، فظن أن عرضه به فأمر بإخراجه وطرده.
ولما قدم الشيخ الأديب الشيخ حسين بن شهاب الدين الطبيب وافداً على الوالد بالديار الهندية في سنة ثلاث وسبعين وألف، كان أول قصيدة امتدحه بها، قصيدة مفتتحها قوله:
لك الخير لا زيد يدوم ولا عمر ... ولا ماء يبقى في الدنان ولا خمر
فلم يبق في المجلس من يتعلق بأطراف الأدب إلا وأنكر هذا المطلع وقال: هذا بافتتاح مرثية أولى منه بافتتاح مدحةٍ. ولم يكن من عادة الوالد أن يتطير بشيء من الطيرة؛ فلم يعبأ بذلك.
إذا عرفت هذا؛ فمن الواجب على الشاعر والكاتب وغيرهما أن يفتتح كلامه بما يتفاءل به السامع؛ ويطيب به وقته.
ومن غريب ما يحكى في أمر التفاؤل هنا؛ ما حكاه أبو الحسن الباخرزي في كتابه دمية القصر؛ قال: من أعجب ما اتفق لي مع عميد الملك أبي نصر منصور بن محمد الكندري: إني داعتبه في بعض الأوقات قبل وزارته بأبيات مفتتحها:
أقبل من كندرٍ مسيخرة ... للنحس في وجهه علامات
قال: فضرب الدهر ضربانه، حتى صار العيوق مكانه. وألقيت إليه مقاليد الممالك، واستتبت به مراتب الدولة في تلك المسالك. وتصرفت بي أحوال إدانتي إلى ديوان الرسائل بالعراق، فدخل الديوان يوماً وأنا قريب العهد بالانتظام فيه. فلما وقع بصره علي، أثبت صورتي، وأقراه تذكر العهد القديم سورتي. فاقبل علي وقال: أنت صاحب أقبل؟ يشير إلى الأبيات التي مازحته بها، فقلت: نعم أيد الله سيدنا، فقال: قد تفاءلت بأبياتك إذ كانت مفتتحة بلفظ الإقبال، مؤذنة بفراغ البال. وأومض لي في وجهه من مخائل الاستبشار ما حملني على التوسل إليه بهجوه في بعض ما مدحته به من الأشعار، وقلت فيه من قصيدة:
أتيح إقباله إذ قلت أقبل من ... واها لا قبالة الوافي بما ضمنا
стр. 13
وتعجب الحاضرون من هجو صار وسيلة إلى المهجو، وصار ذلك غرة في جبين كرمه، وطرازاً على كم فضله. انتهى. فهم من التفاؤل بهذه المثابة.
وكان) ﵌ (يحب الفال الصالح، والاسم الحسن ويكره الطيرة - بكسر الطاء وفتح الياء - وهي التشاؤم. وقال) ﵌ (: ليس منا من تطير أو تطير له. ونزل) ﵌ (، على كلثوم بن الهدم، فصاح بغلام: يا نجيح؛ فقال) ﵌ (: أنجحت يا كلثوم. وقال) ﵌ (لتاجر أراد الخروج وفي القمر محاق: (تريد أن تمحق تجارتك؟ استقبل هذا الشهر بالخروج) . وسمع) ﵌ (رجلاً يقول: يا حسن، فقال: (أخذنا فالك من فيك) .
تنبيه: قال الدميري في حياة الحيوان: إنما أحب النبي) ﵌ (الفال، لأن الإنسان إذا أمل فضل الله كان على خير، وإن قطع رجاءه من الله كان على شر، والطيرة فيها سوء ظن وتوقع للبلاء. قالوا: يا رسول الله، لا يسلم أحد منا من الطيرة، والحسد؛ والظن؛ فما تصنع: قال: (إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تتحقق) .
واعلم أن التطير إنما يضر من أشفق منه وخاف. وأما من لا يبال به لم يعبأ به فلا يضره البتة، لا سيما أن قال عند رؤية ما يتطير منه، أو سماعه؛ ما روي عن النبي) ﵌ (: (اللهم لا طير إلا طيرك ولا خيرك إلا خيرك ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) . وأما من كان معنياً بها فهي أسرع إليه من السيل إلى منحدره، تفتح له أبواب الوسواس فيما يسمعه ويراه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة. في اللفظ والمعنى، ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه معيشته. فليتوكل الإنسان على الله في جميع أموره، ولا يتكل على سواء. وذلك لأن الناس في التوكل على أحوال شتى. متوكل على نفسه أو على ماله. أو على جاهه أو على سلطانه، أو على غلته، أو على الناس؛ أو على ذاهب يوشك أن ينقطع وكل مستند إلى حي يموت. فنزه الله نبيه عن ذلك، وأمره أن يتوكل على الحي الذي لا يموت.
ومن غريب ما يحكى من أمر التطير: ما حكاه محمد بن راشد. قال أخبرني إبراهيم بن المهدي، أنه كان مع الأمين بمدينة المنصور، قال: فطلبني ليلة فأتيت، فقال: ما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر وضوئه في الماء، فهل لك في الشراب؟ قلت: شأنك، فشربنا، ثم دعا بجارية اسمها ضعف؛ فتطيرت من اسمها؛ فأمرها أن تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي.
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
فتطير بذلك وقال: غني غير هذا، فغنت:
أبكي فراقك عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء
فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم ... حتى أأوب وما في مقلتي ماء
فقال لها: لعنك الله، أما تعرفين غير هذه، فقالت: ظننت أنك تحب هذا. ثم غنت:
أما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك
ألا لنقل السلطان عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدا ... ليس بفان ولا بمشترك
فقال لها: قومي لعنك الله، فقامت فلتت في قدح بلور له قيمة فكسرته. فقال: ويحك يا إبراهيم، أما ترى، والله ما أظن أمري إلا قرب. فقلت: بل يطيل الله عمرك، ويعز ملكك فسمعت صوتاً من دجلة قضي الأمر الذي فيه تستفتيان فوثب محمد مغتماً، وقتل بعد ليلة أو ليلتين.
وحكى صاحب كتاب الهفوات: إن أرطاة بن سهية دخل على عبد الملك بن مروان، وكان قد أدرك الجاهلية والإسلام، فرآه عبد الملك شيخاً كبيراً، فاستنشده فيما قاله في طول عمره فأنشده:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقي المنية حين تأتي ... على سن ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد
стр. 14
قال: فارتاع عبد الملك، وظن أنه عناه لأنه كان يكنى أبا الوليد، وعلم أيضاً أرطأة بسهوه وزلته فقال: يا أمير المؤمنين إني أكنى بأبي الوليد وصدقه الحاضرون، فسري عن عبد الملك قليلاً.
وحكي أنه لما بنى أبو العباس السفاح داره بالأنبار دخل عليه عبد الله بن الحسين بن الحسن) ﵇ (فتمثل بهذا البيت حين رأى السفاح:
يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليلة
فتغير وجه السفاح، فاعتذر إليه عبد الله بأنه جرى على لسانه. فما مر عليه أيام حتى مات.
ومن عجيب ما يحكى في التطير أيضاً: أن السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب، لما خرج من القاهرة إلى جهة البلاد الشامية، أقام ظاهرة البلد لتجتمع العساكر، وعنده الأعيان من الدولة والعلماء والأدباء، فأخذ كل واحد يقول شيئاً في الوداع والفراق. وكان في الحاضرين معلم أولاده، فأخرج رأسه من بين الحاضرين، وأشار إلى السلطان منشداً:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
فانقبض السلطان والناس، وتطيروا من ذلك. وكان الأمر على ما قال: فإنه لم يعد بعدها إلى مصر، واشتغل بالبلاد الشرقية؛ وفتوح القدس والسواحل إلى أن مات رحمه الله تعالى.
تنبيهان: (الأول) - قال أهل البيان: إذا لم يراع المتكلم افتتاح كلامه بما يتفاءل به فلا أقل من أن يحترز عما يتطير به، بل ينبغي اجتناب ذلك حتى في أثناء الكلام، ولا يقصر على مفتتحه.
روي أنه لما أنشد الصاحب بن عباد عضد الدولة قصيدته الملقبة باللاكنية (لكثرة ما فيها من لفظة لكن) وأولها:
أشبب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب
ولي صبوة لكن إلى حضرة العلى ... وبي ظمأ لكن من العز أشرب
فلما بلغ إلى قوله فيها:
ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما مر الجديدان تغلب
قال عضد الدولة: يكفي الله تطيرا من قول تغلب.
قيل: ومما يتعجب منه في هذا الباب قول مهيار الديلمي على جلالة قدره واتقاد خاطره وحسن تخيله:
وإنك مذخور لإحياء دولة ... إذا هي ماتت كان في يدك النشر
كيف يقول لممدوحه: بأن تنشر يده. وكذلك قوله يتغزل:
في صدرها حجر صدارها ... ماء يشف وبانة تتعطف
فقوله: في صدرها حجر مع أبشع لفظ لما فيه من إيهام الدعاء عليها.
وكذلك قول ابن قلاقس:
بطلاقة أبدت بصفحة وجهه ... وضح الصباح لمن له عينان
حيث جعل الوضح بوجهه.
(الثاني) : قالوا: ينبغي أن يحترس الناظم مما يتأول عليه ويبادر بالجبة إليه، كما يقيل لأبي تمام حين أنشد: (على مثلها من أربع وملاعب) : لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وكان في أبي تمام حبسة شديدة، فانقطع خجلا.
وأنشد الجعدي بعض الملوك:
لبست أناساً فافنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا
فقال: ذلك لشؤمك. فعلى الناظم التنبيه لذلك والاحتراس من الوقوع فيه.
وهذا القدر كاف في التنبيه من سنة الغفلة. والنثر مقيس عليه والله الموفق.
فائدتان. (الأولى) - علم المعاني والبيان والبديع: يستشهد فيه بكلام المولدين وغيرهم، لأنه يرجع إلى العقل، والعرب وغيرهم فيه سواء.
وقال ابن جني: المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ.
قال ابن رشيق في العمدة: الذي ذكره أبو الفتح صحيح بين، لأن المعاني اتسعت باتساع الناس في الدنيا، وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض. فإنهم حضروا الحواضر. وتفننوا في المطاعم والملابس، وعرفوا بالعيان مادلتهم عليه بداهة العقول من فضل التشبيه ونحوه.
ومن هنا ما يحكى عن ابن الرومي: إن لائماً لامه وقال له لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ فقال له: أنشدني شيئاً من شعره أعجز عنه.
فأنشده في صفة الهلال:
أنظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
فقال له ابن الرومي: زدني، فأنشده:
كأن آذريونها ... والشمس فيه كاليه
مداهن من ذهب=فيها بقايا غاليه فقال: واغوثاه، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ذاك يصف ماعون بيته لأنه من أبناء الخلفاء وأنا مشغول بالتصرف في الشعر وطلب الرزق به، امدح هذا مرة، وأهجو هذا كرة، وأعاتب هذا تارة، واستعطف هذا طوراً. انتهى.
стр. 15
(الثانية) - قال ابن حجة: يتعين على الناظم أن يحتشم في الغزل الذي يصدر به المديح النبوي، ويتأدب ويتضاءل، ويشبب مطرباً بذكر سلع ورامة، وسفح العقيق، والعذيب والغوير؛ ولعلع؛ وأكتاف حاجر ويطرح ذكر محاسن الرد؛ والتغزل في ثقل الردف؛ ورقة الخصر. وبياض الساق وحمرة الخد، وخضرة العذار؛ وما أشبه ذلك. وقل من سلك هذا الطريق من أهل الأدب.
وبراعة الشيخ صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى في هذا الباب من أحسن البراعات وأحشمها وهو قوله:
إذن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم ... واقر السلام على عرب بذي سلم
فالتشبيب بذكر سلع والسؤال عن جيرة العلم، والسلام على عرب بذي سلم، لا يشكل على من عنده أدنى ذوق؛ إن هذه البراعة صدرت لمديح نبوي.
ومطلع البردة أيضاً في هذا الباب من أحسن البراعات وهو:
أمن: تذكر جيران بذي سلم ... مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم
فمزج دمعه بدمه عندما تذكر جيران بذي سلم، من ألطف الإشارات إلى أن القصيدة نبوية. انتهى كلامه.
ومطلع بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
بطيبة انزل ويمم سيد الأمم ... وانثر له المدح وانشر طيب الكلم
وتعقبه ابن حجة: بأن هذه براعة ليس فيها إشارة تشعر بغرض الناظم وقصده، بل أطلق التصريح ونثر المدح ونشر طيب الكلم. والبديعية لا بد لها من براعة وحسن مخلص وحسن ختام. فإذا كان مطلع القصيدة مبنياً على تصريح المدح، لم يبق لحسن التخلص محل ولا موضع. انتهى.
ومطلع بديعية عز الدين الموصلي قوله:
براعة تستهل الدمع في العلم ... عبارة عن نداء المفرد العلم
ومطلع بديعية ابن حجة قوله:
لي في ابتداء مدحكم يا عرب ذي سلم ... براعة تستهل الدمع في العلم
قلت: فيه قصر (الابتدا) وحقه المد، لأنه مصدر ابتدأ يبتدئ، وهو ضرورة. وارتكاب الضرورة في الابتداء خصوصاً مطلع البديعية، لا يخفى ما فيه. وهو كما قال الثعالبي في يتيمة الدهر: جرى أمره على ما تقول العامة: أول الدن دردي.
ومطلع بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله - وقد التزم التورية باسم النوع:
حسن ابتداء مديحي حي ذي سلم ... أبدى براعة الاستهلال في العلم
أقول: قد علمت أن الاستهلال يطلق على معان، ولم يعين المراد منه. والظاهر أنه أراد ببراعة الاستهلال، والمعنى الاصطلاحي، بقرينة حسن الابتداء، وحينئذ فلا تورية في ذلك، وإن أراد بها غير ذلك، كان عليه البيان.
ومطلع بديعيتي قد تقدم ذكره، لكن سرد المطالع جملة أوجب أعادته هنا، وهو:
حسن ابتدائي بذكري جيرة الحرم ... له براعة شوق يستهل دمي
براعة الاستهلال في هذا المطلع أظهر من أن ينبه عليها. وسهولة ألفاظه وصحة سبكه وتناسب قسميه أوضح من أن يشار إليها. وتزكية النفس كما فعل ابن حجة، أمر نهى عنه النقل، ومنع منه العقل ولله در القائل:
وما أعجبتني قسط دعوى عرضة ... وإن قام في تصديقها ألف شاهد
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى ... قليل الدعاوى وهو جم الفوائد
ومطلع بديعية إسماعيل المقرئ قوله ولم يلتزم التورية باسم النوع:
شارفت ذرعاً فذرعن مائها الشبم ... وجزت نملى فنم لا خوف في الحرم
تعدية (ذر) ب (عن) لا يصح إلا على تضمينه معنى، تنح. وقد قال الله سبحانه: ثم ذرهم في خوضهم - يلعبون ولم يسمع ذر عنه. والتضمني لا ينقاس كما نص عليه العلامة أبو حيان، وارتكاب مثل هذا في المطلع خصوصاً مطلع بديعية منافٍ للشروط التي قرّروها فيه، وقد نظم جماعة من المتأخرين بديعيات يعرفها من وقف عليها، ويحق أن ينشد فيها:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس
ولعل الواقف على هذا الكلام يرميني بسوء ظنه، وينسبني إلى التحامل على المتأخرين من أهل الأدب، ودعوى التفرد بفنه، فعل المعجب بفهمه وحدسه، القادح لغيره، المادح لنفسه. وأنا أعوذ بالله من التزيد في المقال؛ فإنها عثرة لا تقال.
فمن تلك البديعيات بديعية الكفعمي ﵀ ومطلعها:
إن جئت سلمىً فسل من في خيامهم ... ومن سكن منسكاً عن دميتي ودمي.
стр. 16
ففي صرفه (سلمى) وتسكينه آخر الفعل الماضي ما يغني عن الكلام على بقية ما فيه. ومن كان هذا مبلغه من النحو فالسكوت أولى به ولا نطول بذكر جميع هذه البديعية. فالمطلع يدل على ما بعده. وما كان الغرض من إثباته إلا إقامة البينة على ما ذكره، وليس المقصود بهذا كله تتبع العثرات والعياذ بالله، بل تنبيه الطالب على اجتناب الوقوع في مثل ذلك. ومن لم يستطع شيئاً فليدعه كما قيل:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ولنقتصر على هذا المجال من الكلام على حسن الابتداء وبراعة الاستهلال.
الجناس المركب والمطلق
دعي وعجبي وعج بي بالرسوم ودع ... مركب الجهل واعقل مطلق الرسم
الجناس والتجنيس والمجانسة والتجانس: كلها ألفاظ مشتقة من الجنس. فالجناس مصدر جانس، والتجنيس تفعيل من الجنس، والمجانسة مفاعلة منه. لأن إحدى الكلمتين إذا شابهت الأخرى وقع بينهما مفاعلة الجنسية، والتجانس مصدر تجانس الشيئان: إذا دخلا تحت جنس واحد.
وحكي عن الخليل: بهذا يجانس هذا أي يشاكله، ونص عليه في التهذيب أيضاً. قال الجوهري في الصحاح: زعم ابن دريد: إن الأصمعي كان يدفع قول العامة: هذا مجانس لهذا، ويقول: إنه مولد، وكذا في ذيل الفصيح للموفق البغدادي. قال الأصمعي: قول الناس: المجانسة والتجنيس، مولد وليس من كلام العرب، ورده صاحب القاموس: بأن الأصمعي واضع كتاب الأجناس في اللغة، وهو أول من جاء بهذا اللقب.
وحد الجناس في الاصطلاح: تشابه الكلمتين في اللفظ، أي في التلفظ. قال في سر الصناعة: ولم أر من ذكر فائدته، وخطر لي أنها الميل إلى الإصغاء إليه. فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاء إليها. ولأن اللفظ المذكور إذا حمل على معنى، ثم جاء والمراد به معنى آخر، كان للنفس تشوق إليه. انتهى. والعبارة الثانية قاصرة عن بعض أنواع الجناس قاله في عروس الأفراح.
وهو أنواع، وجملة ما ذكره الشيخ صفي الدين في بديعيته منها اثنا عشر نوعا. ومنهم من زاد، ومنهم من نقص؛ ونحن ذكرنا ما ذكره الصفي؛ ورتتناه حسبما رتبه.
فمن أنواعه الجناس المركب والجناس المطلق: أما الجناس المركب - فهو ما تماثل ركناه وكان أحدهما كلمة مفردة والآخر مركباً من كلمتين فصاعداً، وهو على ثلاثة أنواع، أحدهما: الجناس المقرون. ويسمى المتشابه، وهو ما اتفق ركناه لفظاً وخطا، كقول أبي الفتح البستي:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذا هبه
وقول أبي جعفر الاسكافي:
فرشت لشيبي أجل البساط ... فلم يستطب مجلساً غير رأسي
فقلت لنفسي لا تنكريه=فكم للمشيب كراسي كراسي وقول أبي حفص عمر الحاكم المطوعي:
يا خادماً يملك مني خادما ... قد صير الدنيا علي خاتما
كم من دما صب صببت ظالما ... أخادما أصبحت أم أخادما
وقوله أيضاً:
ألا يا سيدا خلقت يداه ... لثروة معدمٍ أو يسرعان
مضى العسر الذي قاسيت فاعدل=إلى يسرين نحوك يسرعان
عسى ما عسى من عود شملي يكتسي ... بعودهم بعد التسلب أوراقا
فلم يصف لي من بعد قط مورد ... ولا لذلي عيش وإن طاب أوراقا
ومنه قول الحصري:
رب سهل على فتاتي فتاتي ... لترى هل سلافتاها فتاها
علمته جفونها آي سحر ... ما تلاها في حبها مذ تلاها
وقول شمسويه البصيري:
ناظراه بما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أو دعاني
وقولي في مطلع قصيدة مناجاة:
قف طالبا فضل الإله وسائلاً ... واجعل فواضله إليه وسائلا
وقولي أيضاً في مطلع أخرى:
تراءت سليمى وهي كالبدر أو أسنى ... فضاء فضاءُ الربع من ضوئها وهنا
وقول الآخر:
بعدت وقد أضرمت ما بين أضلعي ... ببعدك ناراً حشو قلبي وقودها
وكلفت نفسي قطع بيداء لوعة ... تكل بها هوج المطي وقودها
وقول الآخر:
صلوا مغرماً من أجلكم واصل الضنا ... وفي حبكم طيب الرقاد فقد فقد
أثار الهوى نارا تشب بقلبه ... ومن لي بإطفاء الغرام وقد وقد
وقول الآخر:
قلت لبدر التم لما غدا ... معتجبا من حسن أوصافه
إن شئت أن تسرق من حسنه ... فلذ به يا بدر أوصافه
وقول الآخر:
стр. 17
بكيت فيروزا على بعده ... فأصبحت عيناي فيروزجا
وجاء من بشرني مسرعا ... وقال لي يهنيك فيروزجا
وقول الآخر:
رب سفيه جليس سوءٍ ... مفترس عرضنا بنابه
يقدح فينا بكل سوءٍ ... وكل ما قاله بنابه
وقول الآخر:
رأيتك تكويني بميسم ذلة ... كأنك قد أصبحت علة تكويني
وتلويني الحق الذي أنت أهله ... وتخرج من أمري إلى كل تلوين
وقول الآخر:
بعدت فأما الطرف مني فساهر ... لشوقي وأما الطرف منك فراقد
فسل عن سهادي أنجم الليل أنها ... ستشهد لي يوماً بذاك الفراقد
وقول الآخر:
تفرق قلبي في هواه فعنده ... فريق وعندي شعبة وفريق
إذا ظمأت نفسي أقول له اسقني ... وإن لم يكن ماء لديك فريق
وهذا النوع لم يذكره الشيخ صفي الدين في بديعيته.
والنوع الثاني، الجناس المفروق - وهو ما اتفق ركناه لفظاً لا خطا، وخص باسم المفروق لافتراق الركنين في الخط، وهو الذي نظمه الصفي. ومن أمثلته، قول الحاكم المطوعي:
لا تعرضن على الرواة قصيدة ... ما لم تكن بالغة في تهذيبها
فمتى عرضت الشعر غير مهذب ... عدوة مثل وساوسٍ تهذي بها
وقول المعتمد بن عباد - وقد قالت له بعض خطاياه بأغمات: يا مولاي لقد هنا هنا-:
قلت لقد هنا هنا ... مولاي أين جاهنا
قلت لها إلهنا ... صيرنا إلى هنا
وقول أبي الفتح البستي:
إن هز أقلامه يوما ليعلمها ... أنساك كل كمي هز عامله
وان أقر على رقٍ أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له
وقوله من أبيات:
يرمي سهاماً أن أسر المقت لي ... بالكيد لا يقصد غير المقتل
وقول أبي الفضل الميكالي:
لقد راعني بدر الدجى بصدوده ... ووكل أجفاني برعي كواكبه
فبا جزعي مهلا عساه يعود لي ... ويا كبدي صبرا على ما كواك به
وقول ابن جابر:
أيها العاذل في حبي لها ... خل نفسي في هواها تحترق
ما الذي ضرك مني بعد ما ... صار قلبي من هواها تحت رق
وقول الصاحب قوام الدين القمي:
مات الكرام ومروا وانقضوا ومضوا ... ومات في أثرهم تلك الكرامات
وخلفوني في قوم ذوي سفهٍ ... لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
وقول أبي الفضل أيضاً:
وكل غنى يتيه به غني ... فمرتجع بموت أو زوال
وهب جدي زوى لي الأرض طرا ... أليس الموت يزوي ما زوى لي
وقول ابن أسد الفارقي:
غدونا بآمالٍ ورحنا بخيبةٍ ... أماتت لنا أفهامنا والقرائحا
فلا تلق منا غاديا نحو حاجةٍ ... فتسأله عن حاجةٍ والق رائحا
وكقول أبي الفتح البستي:
أأروم في أيام غيرك بسطة ... في الجاه لي أني لعين الجاهل
وقول محمد بن سليمان بن قطرش:
يا قوم ما بي مرض واحد ... لكن بي عدة أمراض
ولست أدري مع ذا كله ... أساخط مولاي أم راضي
وقلت أنا في ذلك أيضاً:
أيا بانيا عليا القصور مؤملا ... أماناً من الدنيا ونيل أماني
أقل البنا فالدهر يوم وليلة ... عجولان للأعمار ينتهبان
وقل للذي لا ينتهي عن بنائها ... متى يأتي أمر الله ينته بان
وقال أبو الحسن الباخرزي:
لولا سعيد لنضت سعدها ... مجالس العلم وتدريسها
شمس يعم الخالق إشراقه=وغره لو كنت تدري سسها وقال آخر من دوبيت:
هذا زمن الربيع قم فانتبه ... فالراح تزيل كلما أنت به
وقول أبي سعيد عبد الرحمن بن محمد دوست من شعراء اليتيمة:
وشادن نادمت في مجلس ... قد أمطرت راحا أبا يقه
طلبت ورداً فأبى خده ... ورمت راح فأبى ريقه
وقوله أيضاً:
وشادن قلت له ... هل لك في المنادمه
فقال رب عاشقٍ ... سفكت بالمنى دمه
وقول بعضهم وأجاد:
لي مدمع وصبي به ... من فيضه وصبيبه
وجوىً غدا ولهي به ... من حره ولهيبه
ناديت من أسرى به ... بحياة من أسري به
صل مدنفاً تجري به ... بلواه في تجريبه
وقول الشيخ العميد أبي سهل بن الحسن:
عجبت من الأقلام لم تبد خضرة ... وباشرن منه كفه والأناملا
стр. 18
لو أن الورى كانوا كلاماً وأحرفا ... لكان نعم منهم وباقي الأنام لا
وقول الآخر:
أمير كله كرم سعدنا ... بأخذ المجد منه واقتباسه
يحاكي النيل حين يروم نيلا ... ويحكي باسلاً في وقت باسه
وقول الآخر:
يا من تدل بمقلة ... وأناملٍ من عندم
كفي جعلت لك الفدا=ألحاظ عينك عن دم وقول الآخر:
لا خير في العلم إذا لم يكن ... حظ من المال أو الجاه لي
والعلم إن لم أك ذا ثروة ... أنزلني منزلة الجاهل
وقول الآخر:
يا من يقول الشعر غير مهذب ... ويسومني التكليف في تهذيبه
لو أن كل الخلق فيك مساعدي ... لعجزت عن تهذيب ما تهذي به
وقول الباخرزي:
أصبحت عبداً لشمس ... ولست من عبد شمس
إني لأعشق ستي ... وحق من شق خمس
هيفاء تترك يومي ... بالهجر حاسد أمسي
ولا تبالي جفاء ... أسر قلبي أم سي
النوع الثالث: الجناس المرفو، وهو ما كان أحد ركنيه مستقلاً، والآخر مرفو من كلمة أخرى. ولم ينظمه الصفي أيضاً. ومثاله قول الحريري:
ولا تله عن تذكار ذنبك وأبكه ... بدمع يحاكي المزن حال مصابه
ومثل لعينيك الحمام ووقعه ... وروعة ملقاه ومطعم صابه
وقوله أيضاً:
وإن قصارى مسكن الحي حفرة ... سينزلها مستنزلاً عن قبابه
فواها لعبد ساءه سوء فعله ... وأبدي التلافي قبل إغلاقه بابه
وقول الآخر:
كف عن الناس إذا شئت أن ... تسلم من قول جهول سفيه
من قذف الناس بما فيهم ... يقذفه الناس بما ليس فيه
وقول آخر:
هتف الصبح بالدجى فاسقنيها ... خمرة تترك الحليم سفيها
لست أدري من رقة وصفاء ... هي في كأسها أم الكأس فيها
وقولي:
إذا أصبحت ذا طرب ولهوٍ ... تعاقر راحة أو شرب راح
فقل لي كيف ترجوا الرشيد يومياً ... وما لك عن ضلالك من براح
وقول بعضهم:
دعوني ورسمي في العفاف فإنني ... جعلت عفافي في حياتي ديدني
وأعظم من قطع اليدين على الفتى ... صنيعة بر نالها من يدي دني
وقول أبي الحسن الباخرزي:
أنا القادم بأرضك رحله ... فإن زرته بدلت بالخاء قافه
أحبك قبل الالتقاء فإن يذب ... أخو صبوة شوقاً إلى الملتقى فهو
انتهى الكلام على الجناس المركب وأقسامه. قال ابن الحجة: وهنا بحث لطيف وهو أنه قد تقرر أن ركني الجناس يتفقان في اللفظ، ويختلفان في المعنى، لأنه نوع لفظي لا معنوي، وهو نوع متوسط بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع. والتورية من أعز أنواعه وأعلاها رتبة. فإذا جعلت الجناس تورية انحصر المعنيان في ركن واحد، وخلصت من عقادة الجناس. وأنا أذكر المثالين، قال صاحب الجناس المركب:
اعن العقيق سألت برقا أومضا ... أأقام حادٍ بالركائب أومضا
وقال صاحب التورية:
وإذا تبسم ضاحكاً لم ألتفت ... أن عاد برقا في الدياجي أومضا
وقال في الجناس التام: وإذا راجعت النظر في كلامهم وجدت غالب ما نظموه من التورية جناسا تاماً. فمن ذلك قول الشيخ صدر الدين الوكيل في الدوبيت:
كم قال معاطفي حكتها الأسل ... والبيض سرقن ما حكتها المقل
والآن أوامري عليهم حكمت ... البيض تحد والقنا تعتقل
ففي تحد وتعتقل، جناسان تامان، إذا أبطلت الاشتراك وأبرزت كلا من الركنين في موضعه على طريق من له رغبة في الجناس. انتهى.
وأنا أقول: إن هذا الكلام الذي قرره لا يختص بالتورية، بل يجير في الاستخدام على طريقة ابن مالك أيضاً كقول المعري:
تلك ماذية وما لذباب الصيف والسيف عندها من نصيب
وهذا خروج من الاصطلاح، وقول بالاقتراح. لأن الجناس لا بد فيه من أن يكون ركناه المتفقان في اللفظ، المختلفان في المعنى، موجودين في اللفظ، وإلا لم يسم جناساً عندهم كما هو صريح حدهم له، وكلام ابن حجة ليس بحجة. فإن هذا الذي ذكره شيء لا يعرفه أرباب البديع ولا نص عليه أحد منهم، فلا يلتفت إليه.
стр. 19
وأما الجناس المطلق - وسماه جماعة كالسكاكي وغيره، تجنيس المشابهة - فهو ما اختلف ركناه في الحروف والحركات، وجمع بين لفظيهما المشابهة، وهو ما يشبه الاشتقاق ولي باشتقاق، وذلك بان يوجد في كل من اللفظين جميع ما في الآخر من الحروف أو أكثر، لكن لا يرجعان في المعنى إلى أصل واحد. وبهذا يفرق بينه وبين المشتق. فإن المشتق يرجع معنى ركنيه إلى أصل واحد. قال الشيخ صفي الدين في شرح بديعيته: وقد غلط أكثر المؤلفين في المشتق، وعدوه تجنيساً، وليس من أصناف التجنيس. انتهى.
ولنمثل لكل من القسمين ليتضح الفرق بينهما كما الاتضاح. فالمشتق كقول الله: (فأقم جهك للدين القيم) فإن الركنين مشتقان من قام ويقوم، فهما راجعان إلى معنى واحد. وقوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) فإنهما مشتقان من ربا يربو، بمعنى زاد ونما، وقوله) ﵌ (: ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً، وقول الشاعر:
وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وإن أنفكم لا يعرف الأنفا
وقول الآخر:
ونرتاب بالأيام عند سكونها ... وما أرتاب بالأيام غير مريب
وما الدهر في حال السكون بساكن ... ولكنه مستجمع لوثوب
وقول أبي العلاء المعري: ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا=تجاهلت حتى قيل أني جاهل وقول صاحب البردة:
ظلمت سنة من أحيى الظلام إلى ... أن اشتكت قدماه الضر من ألم
وما ألطف قول كشاجم في خادم أسود يعرف بالظلم:
يا مشبها في فعله لونه ... لم تحظ ما أوجبت القسمة
فعلك من لونك مستخرج ... والظلم مشتق من الظلمة
لأن كليهما يرجعان إلى معنى الستر. فإن الظالم يستر الحق، والظلمة تستر المحسومات. وقال) ﵌ (فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر: الظلم ظلمات يوم القيامة. ومن محاسن أبي الحسن علي بن الحسين الباخرزي قوله في هذا النوع:
عاينت طيف الذي أهوى فقلت له ... كيف اهتديت وجنح الليل مسدول
فقلت أبصرت ناراً من جوانحكم ... يضيء منها لدى السارين قنديل
فقلت نار الهوى معنى وليس لها ... نور يضيء فماذا القول مقبول
فقال نسبتنا في الأمر واحدة ... أنا الخيال ونار الشوق تخييل
فنبه على الاشتقاق في قوله (نسبتنا في الأمر واحدة) . وقلت أنا في ذلك منبهاً على الاشتقاق بصريح اللفظ:
والأماني كالمنايا وأن نا ... زع غر فالاشتقاق دليل
والجناس المطلق، كقوله تعالى: (يا أسفي على يوسف) فإن الأسف ويوسف لا يرجعان إلى أصل واحد. وقوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين) فإن قال من القول، والقالين من القلى. وقوله) ﵌ (- فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة: أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله. فإن أسلم لم تسم من المسالمة، ولا غفار من المغفرة ولا عصية - تصغير عصا - من العصيان، بل هي أسماء قبائل مرتجلة، لم يلاحظ في وضعها تلك المعاني بخلاف نحو هاشم؛ فإنه سمي به لما هشم الثريد لقومه في عام محل وقع بمكة. ومن أمثلته في الشعر قول النعمان بن بشير لمعاوية بن أبي سفيان:
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم
وقول الآخر:
عرب تراهم أعجمين عن القرى ... متنزلين عن الضيوف النزل
فأقمت بين الأزد غير مزود ... ورحلت عن خولان غير مخول
وقول الآخر:
صل الراح بالراحات وأقدح مسرة ... بأقداحها واعكف على لذة الشرب
ولا تخش أوزاراً فأوراق كرمها ... أكف غدت تستغفر الله للذنب
الشاهد في البيت الأول، وما أحسن ما استعمل الاستغفار في البيت الثاني. وقول القاضي الأرجاني:
وفي الحي كل كليل اللحاظ ... يطالعنا من خصاص الكلل
وقول أبي فراس الحارث بن حمدان:
سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عيني تمايله
فما السلاف دهتني بل سوالفه ... ولا الشمول ازدهتني بل شمائله
ألوي بعزمي أصداغ لوين به ... وغال قلبي بما تحوي غلائله
وفيه شاهد الاشتقاق والجناس المطلق كما لا يخفى.
وقولي من أبيات:
اطرح زنادك لا تستوره قبسا ... لا يقدح الزند من في كفه القدح
وقولي من قصيدة:
стр. 20
خاطرت في هواك مهجة صب ... هويت منك ذابلاً خطارا
ومنها:
لا تلمني فما التصابي بعار ... قبل يسترجع الصبا ما أعارا
وقولي من قصيدة أخرى وفي البيت الأول الاشتقاق، وفي الذين بعده الجناس المطلق:
ولائم لام على حبه ... جهلاً بأمر الحب وهو المليم
يروم مني الغدر فيه وما ... ذمام ودي في الهوى بالذميم
صم صدى العاذل في حب في ... أسكنته في مهجتي في الصميم
وقول الآخر:
إن فصل الربيع فصل مليح ... تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء
وقول بعضهم:
بجانب الكرخ من بغداد عن لنا ... ظبي ينفره عن وصلنا تفر
ظفيرتاه على قتلي تظافرتا ... يا من رأى شاعراً أودى به الشعر
وقول الآخر:
إذا أعطشتك أكف اللئام ... كفتك القناعة شبعاً وريا
فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا
وقول الشيخ العميد:
إذا بلغ الحوادث منتهاها ... فرج بعيدها الفرج المطلا
فكم كرب تولى إذا توالى ... وخطب قد تجلا حين جلا
وقول الآخر:
رب خود عرفت في عرفات ... سلبتني بحسنها حسناتي
لم أنل في منى منى النفس لكن ... خفت بالخيف أن تكون وفاتي
وقول المعري:
لا تنزلي بلوى الشقائق فاللوى ... ألوى المواعد والشقيق شقاق
تنبيه: - علم بالأمثلة المذكورة أنه ليس المراد بما يشبه الاشتقاق في الجناس المطلق، الاشتقاق الكبير، لأن الاشتقاق الكبير، هو الاتفاق في حروف الأصول من غير رعاية ترتيب، مثل، القمر والرقم والمرق، ونحو ذلك. والأسف ويوسف؛ وقال والقالين ليس من هذا القبيل، وهو ظاهر نبه عليه السعد التفتازاني في شرح التلخيص.
إذا عرفت هذا فالشيخ صفي الدين (ره) جمع بين الجناس المركب والمطلق في المطلع فقال:
إذن جئت سلعاً فسل عن جيرة العلم ... واقر السلام على عرب بذي سلم
فالمركب في قوله: (سلعا) و (سل عن) ، والمطلق في (السلام) و (السلم) .
وابن جابر جاء المركب في بيت، وبالمطلق في بيت، فقال في المركب:
دع عنك وسل ما بالعقيق جرى ... وأم سلعا وسل عن أهله القدم
وقال في المطلق:
جار الزمان فكفوا جوره وكفوا ... وهل أضام لدى عرب على أضم
قال ابن حجة: المطلق في (أضام) و (أضم) . وأما (جار) و (جوره) فمشتق، ولكن لم يخف ما في البيتين من الثقل مع خفة الالتزام. انتهى. قلت: وهو - أعني المطلق - في (كفوا) و (كفوا) أيضاً كما هو ظاهر.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
فحي سلمى وسل ما ركبت بشذا ... قد أطلقته أمام الحي من أمم
فأتى بالنوعين في بيت واحد، وورى بالاسمين من جنس الغزل.
وبيت ابن حجة قوله - وحذا فيه حذو الموصلي-:
بالله سربي فسربي طلقوا وطني ... وركبوا في ضلوعي مطلق السقم
والشيخ عبد القادر الطبري لم يذكر في بديعيته إلا الجناس المركب، وأما المطلق فلم يجر له ذكراً فقال:
فأم سلعاً وسل عن أهله فهم ... قد ركبوا في الحشا ناراً ببعدهم
وبيت بديعيتي هو:
دعني وعجبي وعج بي بالرسوم ودع ... مركب الجهل واعقل مطلق الرسم
وبيت بديعيتي هو:
دعني وعجبي بي بالرسوم ودع ... مركب الجهل واعقل مطلق الرسم
فالمركب في (عجبي) و (عج بي) والمطلق في (الرسوم) و (الرسم) فالرسوم: الآثار، والمراد هنا آثار الديار بقرينة المقام. والرسم: صفة للأينق التي تمشي الرسيم، وهو نوع من سير الإبل، فحذف الموصوف وأبقى الصفة وهو كثير الوقوع في فصيح الكلام، قال تعالى (وعندهم قاصرات الطرف) أي حور قاصرات الطرف (وألنا له الحديد أن اعمل سابغاتٍ) أي دروعاً سابغات. والعجب بالضم: الزهو والكبر. وعاج يعوج، أي أقام بالمكان ووقف. والجهل المركب: خلاف البسيط، فإن المركب هو عدم العلم مع اعتقاده، فهو مركب من الجهل والجهل بالجهل. والبسيط، هو عدم العلم فقط. قال بعضهم:
قال حمار الحكيم يوماً ... لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وراكبي جاهل مركب
стр. 21
وعقل الناقة: شد وظيفها إلى ذراعها، والخطاب للحادي به أو رفيقه. يقول: دعني وزهوي. أي تيهي وفخري بهم، وأقم بي آثار ديارهم، ودع الجهل المركب - يعني جهله - بحقيقة حاله أو حالهم، وادعاه معرفته لها. كأنه عذله على تيهه بهم، فخاطبه بهذا القول، واعقل هنالك مطلق الأينق الرسم، فلا تتجاوزه، فإنه محط الرحال، ومطمح نظر الآمال.
والشيخ إسماعيل المقري لم يذكر الجناس المطلق أيضاً، وذكر الجناس المركب في المطلع في موضعين وقد تقدم ذكره.
الجناس الملفق
بانوا فهان دمي عندي فها ندمي ... على ملفق صبري بعد بعدهم
من أنواع الجناس: الجناس الملفق وهو ألطفها موقعاً في القلوب وأحلاها ذوقاً في الأسماع وأصعبها مسلكاً. وحده أن يكون كل من ركنيه مركباً من كلمتين فصاعداً. وهذا هو الفرق بينه وبين المركب، وقل من أفراده عنه إلا المحققين كالحاتمي وابن رشيق وأمثالهما. ومن أمثلته في الشعر، قول الحاكم المطوعي:
أرى مجلس السلطان تفضى عفاته ... إلى روض مجد بالسماح مجود
وكم لجباه الراغبين لديه من ... مجال سجود في مجالس جود
وكان الصلاح الصفدي مولعا بهذا النمط منه، فنظم فيه شيئاً كثيراً، وجاء بالغث أكثر من السمين. فمن ذلك قوله:
ولما نأيتم لم أزل مترقبا ... قدومكم في غدوة ومساء
وأين إذا كان الفراق معاندي ... مطالع ناءٍ من مطال عناء
وقوله:
وساق غدا يسقي بكأس وطرفه ... يجرد أسيافاً لغير كفاح
إذا جرح العشاق قالوا أقمت في ... مدارج راحٍ أم مدار جراح
وقوله:
بكيت على نفسي لنوح حمائم ... وجدت لها عندي هدية هاد
تنوب إذا ناحت على الأيك في الدجى ... مناب رشاد في منابر شاد
وقوله:
متى تصنع المعروف ترق إلى العلى ... وتلق سعوداً في ازدياد سعود
وإن تغرس الإحسان تجن الثمار من ... مغار سعود لا مغارس عود
وقوله:
ومجلس أقوام تطوف عليهم ... كؤوس الحميا في مدار سعود
تجادلت الأوتار في جنباته ... فأضحى الندامى في مدارس عود
وقوله:
ومن على غيري سقام وصحة ... ولم ير قان مثل ذي يرقان
قال ابن حجة: رأيت بخط الشيخ بدر الدين البشتكي تحت هذا البيت: وإن من ذلك مبلغه من النظم لجدير أن يقعد مع صغار المتأدبين. انتهى.
قلت: نعم من كان هذا مبلغه من النظم فهو جدير بما قال. وأما الشيخ صلاح الدين، فمحاسن نظمه لا تخفى؛ وشمعة أدبه كالصبح لا تقط ولا تطفي، وكم له من نثر وشعرهما من سحر البيان، أو بيان السحر، ولا يلزم من ركة هذا المقدار من نظمه انحطاط مقدار الناظم. وابن حجة لم يزل يتحامل عليه، ويشير بالنقص إليه. ولئن قال البدر البشتكي في الصفدي ما قال، فقد قال في ابن حجة أيضاً لما شاب وصبغ لحيته بالحناء أشنع مقال وهو قوله:
صقيع دعاويه لا تنتهي ... ويخطي الصواب ولا يشعر
تأملت فيه وفي ذقنه ... فلم أدر أيهما احمر
وأحسن ما نظمه الشيخ صلاح الدين في هذا الباب قوله:
رعى الله عهداً مضى بالحمى ... بلغت الأماني به في أمان
وأيام أنسٍ تقضت بكم ... كأحلام عان بأحلى معان
ولعزة وقوع هذا النوع سومح فيه باختلاف الحركات. ومن أحسن ما وقع منه قول القاضي عبد الباقي بن أبي حصين وقد ولي القضاء بالمعرة وهو ابن عشرين، وأقام في مدة خمس سنين:
وليت الحكم خمساً وهي خمسٌ ... لعمري والصبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شاني ... ولا قالوا فلان قد رشاني
قلت: هكذا عزا ابن حجة هذين البيتين للقاضي عبد الباقي المذكور والله أعلم لمن هما. وقوله (وهي خمس) بضم الخاء، أي خمس عمره يشير إلى أن عمره في ذلك الوقت خمس وعشرون سنة.
وأكثر أصحاب البديعيات عيال علي أبي الفتح البستي في قوله في هذا النوع:
إلى حتفي مشى قدمي ... أرى قدمي أراق دمي
فلم أنفك من ندمي ... وليس بنافع ندمي
ومنه قوله أيضاً:
أنت الأمير وإن لم تؤت منشوراً ... والملك بعدك أن لم تؤتمن شورى
وقوله أيضاً:
قد مر أمس ولم يعبأ به أحد ... من التواء ببؤس مر أم رغد
وعندي اليوم قوت استعف به ... وإن بقيت غدا أصلحت أمر غدِ
стр. 22
وقول بعضهم:
وهت عزماتك عند المشيب ... وما كان من حقها أن تهي
وأنكرت نفسك لما كبرت ... فلا هي أنت ولا أنت هي
وقول أبي الفضل الميكالي:
لنا صديق له حقوق ... راحتنا في أذى قفاه
ما ذاق من كسبه ولكن ... أذى قفاه أذاق فاه
ومن لطيفه قول ابن القيسراني في مدح خطيب:
شرح المنبر صدرا ... لتلقيك رحيبا
أترى ضمخ طيبا ... منك أم ضم خطيبا
وقول بعضهم في دوبيت:
هذا زمن الربيع والكاسب فيه ... من نادمه الحبيب والكأس بفيه
والغبن نصيب كل من نمس فيه ... والدهر يقول كل من نم سفيه
وقول الصفي الحلي فيه:
العيد أتى ومن تعشقت بعيد ... ما أصنع بعد منية القلب بعيد
ما العيش كذا لكن من عاش رغيد ... من غازل غزلانا ومن عاشر غيد
وأما بيت بديعيته فهو: فقد ضمنت وجود الدمع من عدم=لما جرى من عيوني إذ وشى ندمي قال ابن حجة: هذا البيت فيه الجناس الملفق على الصنعة، وتسميته على الشروط المذكورة، ولكن عجزت لعقادة تركيبه عن الطيران بأجنحة الفهم من أن أحوم له على معنى. ونظرت بعد ذلك في شرحه، فوجدته قد قال: إن لفظة (ملفق) صفة للجار والمجرور في قولي (فحي سلمى وسل ما ركبت بشذا) ، يعني أن الشذا الذي أطلقته سلمى أمام الحي، كان ملفقاً، انتهى. قال بعضهم: وهذا الحل برسام حاد.
وبيت ابن حجة قوله:
ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي ... يسعى معي فسعى لكن أراق دمي
ولا يخفى أن معنى هذا البيت لا يرجع إلى طائل بل هو من السخافة على جانب، وقد استسمن منه ناظمه ذا ورم، ونفخ في غير ضرم على جاري عادته في نظمه ونثره، والمرء مفتون بولده وشعره.
وبيت الشيخ عبد القادر الطبري:
لفقت عزمي للقيام أفوز به ... لكن أرى قدمي سعياً أراق دمي
أقول: استعارة التلفيق للعزم للقيا الأحباب غير لائقة بالمحب الصادق وأين هو من قول الآخر:
وركبت للأهوال كل عظيمة ... شوقاً إليك لعلنا أن نلتقي
أو قول الآخر:
يا ليل ما جئتكم زائراً ... إلا وخلت الأرض تطوي لي
ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي
وبيت بديعيتي قولي:
بانوا فهان دمي عندي فها ندمي ... على ملفق صبري بعد بعدهم
ألفاظ هذا البيت ومعناه من الوضوح بحيث لا يفتقر إلى التصدي لشرحه، وأما انسجامه وحسن معناه فموكول إلى ذوق الناظر وأنصافه، فلا حاجة إلى تعداد أوصافه.
وبيت شرف الدين المقري قوله:
قد كلمتني النوى وكل متني من وخدٍ هرى قدمي حتى هراق دمي
ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به.
الجناس المذيل واللاحق
وذيل الدم دمعي يوم فرقتهم ... وراح حبي بلبي لاحقاً بهم
من أنواع الجناس: المذيل واللاحق.
أما المذل فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر حرفاً في آخره، فصار له كالذيل كقول أبي تمام:
يمدون من أيدٍ عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضبِ
عواص جمع عاصية من عصاه: ضربه بالعصا. وعواصم من عصمه: حفظه وحماه. وقواض من قضى عليه: حكم. وقواضب من قضبة: قطعه.
وقول الملك الأفضل نور الدين علي بن السلطان صلاح الدين يوسف:
أما آن للسعد الذي أنا طالب ... لإدراكه يوماً يرى وهو طالبي
ترى هل يريني الدهر أيد شيعتي ... تمكن يوماً من نواصي النواصب
وقول المعتمد بن عباد وقد كتب به إلى صاحب له يدعوه إلى مجلس أنس:
أيها الصاحب الذي فارقت عي ... ني ونفسي منه السنا والسناء
نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حة والمسمع الغنى والغناء
تتعاطى التي تنسي من اللذ ... ة والرقة الهوى والهواء
فأته تلق راحة ومحيا ... قد أعدا لك الحياة والحياء
وقول ابن المشرف المارديني من قصيدة:
هلال في بروج السعد سار ... غزال في مروج العز سارح
وقول محمد بن أحمد اليوسفي:
فيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مواف موافق
وقول أبي الحسن محمد بن طلحة: وللمجد أعلام سوام سوابغ=إليه وأقدام رواس رواسب وقول المعري:
ورب مساتر بهواك عزت ... سرائره وكل هوى هوان
وقولي في مطلع قطعة خمرية:
стр. 23
طلب نشر الصبا ووقت الصباح ... وزمان الصبا ووصل الصباح
فاسقني الراح يا نديمي ودعني ... أتلهى ما بين روح وراح
وقولي من أخرى وهو من أوائل نظمي:
قسماً بخصرك وهو واهٍ واهن ... وبروض خدك وهو زاهٍ زاهر
إني لأهوى ما تحب وإنما ... أنا فيك بين الناس شاكٍ شاكر
وقول بهاء الدين محمد بن عبد الله المحب الطبري:
أراني اليوم للأحباب شاكٍ ... وقدما كنت للأحباب شاكر
وما لي منهم أصبحت باكٍ ... أباكر بالمدامع كل باكر
نهاري لا يزال القلب ساهٍ ... وليلي لا يزال الطرف ساهر
أذاقوني عناداً طعم صاب ... وقالوا كن على الهجران صابر
وها قلبي إلى الأحباب صاغ ... يميل إلى رضاهم وهو صاغر
أحن إلى لقاهم كل عام ... وأرجو وصلهم في شعب عامر
أهيل الجود مقصد كل حاج ... وليس لهم عن الإحسان حاجر
سقى ربعاً حماهم كل غادٍ ... وصين جمالهم من كل غادر
وقد تكون الزيادة في آخر المذيل بحرفين، ويخصه بعضهم حينئذ باسم المرفل.
كقول حسان بن ثابت:
وكنا متى يغز النبي قبيلة ... نصل جانبيه بالقنا والقنابل
وقول النابغة: لها نار جنٍ بعد أنس تحولوا=وزال بهم صرف النوى والنوائب.
وقوله من الرثاء:
فيا لك من حزم وعزم طواهما ... جديد الردى تحت الصفا والصائح
وقول الشيخ حسين الطبيب في ختام قصيدة مدح بها الوالد:
تدوم دوام الفرقدين على المدى ... إذا لحقت بالمادحين المدائح
وجرى على لسان قلمي عند وصولي إلى هنا هذا البيت:
قد نال غايات المنى المنافق ... مذ آذتنا بالنوى النواعق
ومن أرق ما سمع من هذا النوع قول الخنساء:
إن البكاء هو الشفاء ... من الجوى بين الجوانح
ذكرت بمعنى هذا البيت ما حكاه أحمد بن سليمان بن وهب قال: بكيت يوماً لفرقة بعض الآلاف بين يدي الحسن بن وهب عمي، فنهاني بعض من حضر، فقال لي عمي:
ابكِ فما أنفع ما في البكا ... لأنه للحزن تسهيل
وهو إذا أنت تأملته ... نحزن على الخدين محلول
وأما الجناس اللاحق - فهو ما أبدل من أحد ركنيه حرف بحرف آخر من غير مخرجه، ولا قريب منه. فإن كان من مخرجه أو قريباً منه سمي مضارعاً. فمن أمثلة اللاحق، قوله تعالى: (إنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد الخمر لشديد) وقول الشاعر:
نظرت الكثيب الأجرع الفرد مرة ... فرد إلي الطرف يدمى ويدمع
وقول بعضهم:
أخوك على المعاش معين صدق ... وما لك لمعاش وللمعاد
وقول البديع الهمداني:
يا غلام الكأس فاليأ ... س من الناس مريح
وقول ابن جابر:
يكفي الأنام بسيبه وبسيفه ... عند المكارم والمكاره دائما
وقول الصفي الحلي:
بيض دعاهن الغبي كواعبا ... ولو استبان الرشد قال كواكبا
وقول أبي فراس بن حمدان:
غني النفس لم يعقل ... خير من غني المال
وفضل الناس في الأنفس ... ليس الفضل في الحال
وقول ابن الفياض كاتب سيف الدولة:
وما بقيت من اللذات إلا ... منادمة الكرام على الشراب
ولثمك وجنتي قمر منير=يجول بخده ماء الشباب وقولي:
قد طلع البدر في كواكبه ... كالملك يختال في مواكبه
والليل يسعى به إلى أمدٍ ... كالطرف يستن تحت راكبه
وقولي من أبيات تقدم مطلعها في الجناس المذيل:
برح اليوم عن هواي خفاه ... ما لقلبي عن الهوى من براح
فاسقنيها وداوِ قرح فؤادي ... واجتنب مزجها بماء قراحِ
وقولي من قطعة خمرية مطلعها:
قم هاتها في جنح ليل دامس ... راح حكت في الراح شعلة قابس
زفت إلى ماء السماء فأصبحت ... تهزو بكل مهاة خدرٍ عانسِ
ماذا على من قابلته ببشرها ... أن لا يقابلها بوجهٍ عابس
ومنها وفيه أيضاً شاهد لما نحن فيه:
طابت مغارسها قبورك في يدي ... جانٍ حنى تلك الكروم وغارس
قف إن وقفت بحانها حينا ودع=عنك الوقوف بكل ربع دارس ومن محاسن هذه القطعة قولي فيها:
رقت فلولا الكاس لم تبصر لها ... جسما ولم تلمس براحة لامس
стр. 24
فكأنها عند المزاج لطافة ... وهم يخيله توهم هاجس
ومن أحسن ما يستشهد به لهذا النوع قول الصفي الحلي من قصيدة:
وبارق كسقيط الزند مقتدحا ... له يد لزناد الشوق قد قدحت
بدا فأذكرني أرض الصراة وقد ... تكللت بالكلا والشيح واتشحت
والريح نافحة والسحب سافحة ... والغدر طافحة والورق قد صدحت
الشاهد في البيت الثالث فقط، وفي الأول الاشتقاق والجناس المذيل وفي الثاني الجناس المطلق.
وأما الجناس المضارع، فكقوله تعالى: (وهم ينهون عنه وينأون عنه) وقوله) ﵌ (: الخيل معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم إلى يوم القيامة.
وقول الشريف الرضي) ﵁ (:
لولا تذكر أيامي بذي سلم ... وعند رامة أوطاري وأوطاني
لما قدحت بنار الوجد في كبدي ... ولا بللت بماء الدمع أجفاني
وقوله أيضاً من قصيدة طويلة:
لا يذكر الرمل الأحن مغترب ... له إلى الرمل أوطار وأوطان
وما أحسن قوله بعد هذا البيت:
تهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... وما بي البان بل من داره البان
ومنه قول الكافي العمان:
وما خلقت عيون العين أما ... نظرن سوى بلايا للبراي
فاللام والراء والنون من مخرج واحد عند قطرب والجرمي وابن دريد والفراء.
وقول أبي جعفر الرامي من مقصورة له في وصف السيف: مهند كأنما صيقله=أشربه بالهند ماء الهندبا فالميم والباء من مخرج واحد.
وقول الشيخ حسين الطبيب من قصيدة يمدح بها الوالد:
سأكسوك من مكنون نظمي وشائعاً ... تناط بجيد الدهر منها وشائح
والصفي لم ينظم هذا النوع، وقل من فرق بينه وبين اللاحق. ومن الناس من يسمي كل ما اختلف بحرف، جناس التصريف، سواء كان من المخرج أو من غيره.
وبيت الصفي في الجناس المذيل واللاحق قوله:
أبيت والدمع هامٍ هامل سرب ... والجسم من أضم لحمٌ على وضم
وبيت العز الموصلي قوله:
يذيل العذل جار جارح بأذى ... كلاحقٍ ما حق الآثار في الأكم
قال بعضهم: لو عزا أحد هذا البيت والذي قبله - يعني بيته في الجناس الملفق - إلى الجان ما شككت في قوله.
وبيت ابن حجة قوله:
وذيل الهم همل الدمع لي فجرى ... كلاحق الغيث حيث الأرض في ضرم
عدم إطراء ابن حجة لهذا البيت، أبين حجة على ثقله وركنه.
والشيخ عبد القادر الطبري غير الترتيب الذي جرى عليه الشيخ صفي الدين، فقرن المذيل بالمعنوي، واللاحق بالتام. فقال في المذيل:
معنى ابن يتم أبي النعمان كنت لهم ... وذيل الصبر صبا بالغرام عمي
أقول: لم يظهر لي المذيل في هذا البيت. فإن أراد به لفظتي (الصبر) و (صبا) فهذا لاحق لا مذيل. وأم معنى البيت وارتباط شطريه. فقد عجزت عن أن أحوم حوله. وقال في الجناس اللاحق:
يا خير ما تم لي خير يلاحقني ... به ولم يرع شرع الحب كالعجم
الجناس اللاحق ظاهر في هذا البيت، ولكن انظر ما معنى قوله (ولم يرع شرع الحب كالعجم) ؟ وبيت بديعتي هو قولي:
ويل الدم دمعي يوم فرقتهم ... وراح حبي يلبي لاحقاً بهم.
المذيل في قولي (الدم) و (الدمع) واللاحق في (حبي) و (لبي) ومعنى البيت أبين من أن يبين. ولا يخفى ما في تذييل الدمع من اللطف. فإنه كناية عن الدمع قد نزف يوم فراقهم من كثرة البكاء فبكى دما، فكأن الدم صار كالذيل للدمع. وبين شطري البيت أشد الارتباط لفظا ومعنى.
وبيت إسماعيل المقري قوله:
ملا الملام فؤادي ويحكم وكفى ... لا تكثروا تكفروا في لومه بهمِ.
الجناس التام والمطرف
يا زيد زيد المنى مذ تم طرفني ... وقال هم بهمِ تسعد بقربهم
من أنواع الجناس: التام والمطرف.
стр. 25
أما الجناس التامس ويسمى الكامل، فهو ما تماثل ركناه لفظاً وخطا واختلفا معنى من غير تفاوت في تركيبهما ولا اختلاف في حركاتهما، سواء كان من اسمين أو فعلين، أو من اسم وفعل، أو اسم وحرف. فإن كان من نوع واحد سمي مماثلاً، أو من نوعين سمي مستوفى. وهذا الجناس من أكمل أصناف التجنيس وأرفعها رتبة، وأولها في الترتيب الأصلي، وشاهده من القرآن الكريم، قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعةٍ) قيل: وليس في القرآن العظيم من صنف التام غير هذه الآية. وقول بعضهم: أن في كونها من الجناس التام نظراً لكون الساعة الأولى التي بمعنى القيامة، منقولة من الساعة الثانية التي هي جزء من أجزاء الجديدين، ليس بشيء. لأن النقل لا يضر ويكفي في ذلك اختلاف المعنى. وقد استخرج ابن حجر من القرآن جناساً آخر تاماً وهو قوله تعالى: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) فالأبصار في الآية الأولى جمع البصر الذي هو النظر، وفي الآية الثانية جمع البصر الذي هو العقل.
ومن الشعر قول ابن الرومي:
للسود في السود آثار تركن بها ... وقعاً من البيض يثني أعين البيض
وقول الراجز:
يا عامر بن مالك يا عما ... أفنيت عما وجبرت عما
أراد بالعم الأول أخا أبيه، وبالثاني الجمع الكثير. يقول: أفنيت قوماً وجبرت آخرين.
وقول الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
يا ويح قلبي من دواعي الهوى ... إذا رحل الجيران عند الغروب
أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا ... ودمع عيني كفيض الغروب
بانوا وفيهم طفلة حرة ... تفتر عن مثل أقاح الغروب
فالغرب الأول: غروب الشمس، والثاني: جمع غرب وهو الدلو العظيمة المملوءة، والثالث: جمع غرب وهو الوهدة المنخفضة. وقول أبي العلاء المعري، ونبه على الجناس فيه مع التغزل البديع:
معانيك شتى والعبارة واحد ... فطرفك مغتال وزندك مغتال
فمغتال الأول، من اغتاله بمعنى أهلكه، والثاني بمعنى الغيل بالفتح وهو الساعد الريان الممتلي، وقوله أيضاً:
لم تلق غيرك إنساناً نلوذ به ... فلا برحت لعين الدهر إنسانا
وزعم الحاتمي أن أفضل تجنيس وقع لمحدث، قول عبد الله بن طاهر ذي اليمينين:
وإني للثغر المخوف لكالي ... وللثغر يجري ظلمه لرشوف
ومنه قول الغزي:
وخز الأسنة والخضوع لناقص ... أمان عند ذوي النهي مران
والرأي أن تختار فيما دونه ال ... مران وخز أسنة المران
وقول أبي الفتح البستي:
يا أكثر الناس إحساناً إلى الناس ... وأحسن الناس أعراضاً عن الناسي
نسيت وعدك والنسيان مغتفر ... فاعذر فأول ناسٍ أول الناس
وقولي في مطلع قصيدة:
يا هماماً له المعالي قصور ... لا تلمني أن عن مني قصور
وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
أيهٍ بذكر معاهد وأناس ... طابت بذكر حديثهم أنفاسي
أذكرنني حيث الأحبة جيرة ... حالي بهم حالي وكاسي كاسي
وقولي من مطلع قصيدة:
إليك فقلبي لا تقر بلابله ... إذا ما شدت فرع الغصون بلابله
وقلت بعد المطلع:
تهيج له ذكرى حبيب مفارق ... زرود وحزوى والعقيق منازله
سقاهن صوب الدمع مني ووبله ... منازل لا صوب الغمام ووابله
بحل بها من لا أصرح باسمه ... غزال على بعد المزار أغازله
تقسمه للحسن عبلٌ ودفة ... فرن وشاحاه وصمت خلاخله
وما أنا بالناسي ليالي بالحمى ... تقضت وورد العيش صفو مناهله
ليالي لاظبي الصريم مصارم ... ولا ضاق ذرعاً بالصدود مواصله
وكم عاذل قلبي وقد لج في الهوى ... وما عادل في شرعة الحب عاذله
يلومونه جهلاً عليه وإنما ... له وعليه بره وغوائله
فلله قلب قد تمادى صبابة ... على اللوم لا تنفك تغلي مراجله
وبالحلة الفيحاء من أبرق الحمى ... رداح حماها من قنا الخط ذابله
تميس كما ماس الرديني مائداً ... وتهتز عجباً مثل ما اهتز عامله
مهفهفة الكشحين طاوية الحشا ... فما مائد الغصن الرطيب ومائله
تعلقتها عصر الشبيبة والصبا ... وما علقت بي من زماني حبائله
стр. 26
حذرت عليها آجل البعد والنوى ... فعاجلني من فادح البين عاجله
إلى الله يا أسماء نفسا تقطعت ... عليك غراماً لا أزال أزاوله
وخطب بعاد كلما قلت هذه ... أواخره كرت علي أوائله
وقولي من قصيدة وهي من أوائل نظمي:
من لصب شفه جور النوى ... كلما أوجعه التذكار أنا
وإذا هبت صبا نجدٍ صبا ... قلبه شوقاً إلى نجدٍ وحنا
وقول أبي تمام: ما ماتِ من كرم الزمان فإنه=يحيا لدى يحيى بن عبد الله وقول محمد بن عبد الله بن يحيى كناسة الأسدي الكوفي وهو ابن أخت إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى.
وسميته يحيى ليحيا ولم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل
وقول ابن فضالة المجاشعي القيرواني وقيل ابن شرف:
إن تلقك الغربة في معشر ... قد أجمعوا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
وقول سيدنا العلامة السيد ماجد بن هاشم البحراني المتوفى سنة ثمان وعشرين وألف رحمه الله تعالى.
وأحوى أطار القلب مني وما انطوى ... عليه جناحا مضرحي ولا نسر
عققنا العلا إن سامنا دلج السرى=إليه إلى أحقاف قاف ولا نسر وقوله أيضاً:
وذي هيف ما الورد يوما ببالغ ... مدى وجنتيه في احمرار ولا نشر
برئنا من الإسلام أن سيم وصله ... علينا بما فوق النفوس ولا نشر
وقوله أيضاً:
يعز جناب الظبي أن قسته به ... وما هو منه في سكون ولا نفر
فرتنا ظبا الأعداء إن قال قائل ... فروا كل جيب في هواه ولا نفر
وقلت أنا معارضاً له في ذلك:
وأهيف قد قدَّ القلب بقده ... وما هو عند حدي سنان ولا نصل
صلتنا لظى الهيجاء إن سامنا هوى ... على حبه صلي النفوس ولا نصل
وقلت أيضاً:
ومزر بضوء الشمس لم نر وجهه ... ولا ماثلته في علو ولا نبل
بلينا جوى إن رام منا تذللا ... بلاء نفوس في هواه ولا نبل
ومنه قول أبي سهل سعد بن عبد الله التكملي:
ألا قالت إمامة إذا رأتني ... وماء الوجه بالجادي شيبا
تعرتك الهموم فقلت حقا=هموم تجعل الولدان شيبا وقول أبي سهل النيلي:
من وجهه يطلع نجم المشتري ... ياقوته يثمر شهداً فاشتر
يا من له باللحظ سيف الأشتر ... إذا وجدت الحر عبداً فاشتر
وقول أبي منصور اللخيمي:
ودعت إلفي وفي يدي يده ... مثل غريق به تمسكت
فرحت عنه وراحتي عطرت ... كأنني بعده تمسكت
ونظم الصفي الحلي هذا الجناس أحسن من هذا فقال:
غيري بحبل هواكم يتمسك ... وأنا الذي بترابكم يتمسك
وقال آخر: وأعظم الناس ظلماً من كلفت به=لأنه زاهد في راغب فيه
السحر في عينيه والروح في يده ... والورد في خده والند في فيه
وما ألطف قول القائل:
أقول لطبي مر بي وهو راتع ... أأنت أخو ليلى فقال يقال
فقلت يقال المستقيل من الهوى ... إذا مسه ضر فقال يقال
وذكر الثعالبي في اليتيمة: إن البيت الأول للمجنون والثاني لأبي الحسن بن أحمد بن رامين مجيزاً به بيت المجنون والله أعلم.
وللمطوعي في أبي منصور الثعالبي:
كلام أبي منصور فيه عذوبة ... ينوب عن الماء الزلال بمن يظمأ
فنزوى متى نروي بدائع نظمه ... ونظما إذا لم نرو يوماً له نظما
وقال آخر وأجاد:
إذا ما نازعتك الحرص نفس ... فأمسكها عن الشهوات أمسك
ولا تحرص ليوم أنت فيه=وعد فرزق يومك رزق أمسك وقول أبي العلاء المعري:
وأقتال حرب يفقد السلم عندهم ... على غيرهم أمضي القضاء وأقتال
وقول الأديب الماموني:
لي على الناس فضل نظم ونثر ... من أباه هجرته وأباه
وإذا ما أتى صفقت قفاه ... وقفا من أعانه وقفاء
رحم الله من أراد محالا ... فنهاه عن المحال نهاء
وقول الشيخ حسين بن شهاب الدين الطبيب:
فوا خجلتا إن كان في الدمع قلة ... إذا جمع العشاق موعدنا غدا
أفاق الألي علاطيتهم خمرة الصبا ... وراح فؤادي مغرماً مثلما غدا
وقول الآخر:
مضى عصر الشباب كلمح برق ... وعصر الشيب بالأكدار شيبا
стр. 27
وما أعددت قبل الموت زادا ... ليوم يجعل الولدان شيبا
وقول الآخر:
قد أصبح آخر الهوى أوله ... فالعاذل في هواك مالي وله
بالله عليك خل ما أوله ... وارحم دنفاً لدى حشاه وله
ولا بأس هنا بإيراد قصيدة الشيخ العلامة جمال الدين محمد بن أصبغ الأزدي اللغوي في نظم ما اشترك في اسم العجوز، فإنها من هذا النوع مع ما اشتملت عليه من الفائدة، وقد جعلها مشترك بين اثنتين وستين معنى، وفسر معانيها الشيخ أثير الدين أبو حيان النحوي وهي:
ألا تب من معاطات العجوز ... ونهنه عن مواطات العجوز
ولا تركب عجوزاً في عجوزٍ ... ولا روعٍ ولا تك بالعجوز
وإن أزمت بأقوام عجوز ... فعش فيها بأبوال العجوز
وإن تزر العجوز بلا عجوز ... فقطره على متن العجوز
وإن غاضت عجوز بني زيادٍ ... غداة غد لها أهل العجوز
وما إن للعجوز إذا ألمت ... سوى استعمال أدمغة العجوز
وإن جلد العجوز جلدت يوما ... به أحد أفاق من العجوز
وهي للعجوز شراع بر ... ولذ قبل العجوز على العجوز
وكانت طسم تقري في عجوز ... مكللة بأسنمة العجوز
وما يهدي العجوز إلى عجوز ... أحب إليه من ريح العجوز
وإن بدت القلادة من عجوز ... فبعها بالنضار وبالعجوز
وإن حملت عجوزكم عجوزاً ... جلت صدء العجوز عن العجوز
ومن أكل العجوز بلا عجوز ... فانذره بإقبال العجوز
وإن بزغت عجوز في عجوز ... فشك عجوز زينب بالعجوز
وإن عبثت بسر حكم عجوز ... فذدها عن أولئك بالعجوز
وكم عبد تفرد في عجوز ... رجاء الفوز في يوم العجوز
وإن لحقتك في الشعري عجوز ... فمل عنها إلى ظل العجوز
وإن بلغ العجوز إليك نقداً ... فحررها بوزنك بالعجوز
وسر نحو العجوز بقصد صدق ... فقصد الصدق أنفع للعجوز
ومن يولي العجوز قلا وهجرا ... فذاك أعز من بيض العجوز
ومن ربط العجوز على عجوز ... أضر بمن يجوز على العجوز
وفي سيتي عجوزكم اضطراب ... فسوهما وصد جأب العجوز
وقد ناط الإمام بنا عجوزاً ... وسرنا تحت خافقة العجوز
وما للمرأ آنس من عجوز ... إذا ما حم من رب العجوز
وطلق ذي العجوز وكن مجداً ... على تحصيل هاتيك العجوز
فكم فوق العجوز من استجابت ... لدعوته ملائكة العجوز
علته من عرى التقوى عجوز ... تطنب بالأمان من العجوز
سألت الله يبقي لي عجوزاً ... ويكفيني تباريح العجوز
قلت بقي للعجوز معان أخرى لم ينظمها الشيخ، فنظمتها بتوفيق الله تعالى فقلت:
ومن ركب العجوز فلا يبالي ... إذا ما اضطر من أكل العجوز
ولا تخلي عجوزك من سهام ... إذا ما استطعت أعمال العجوز
وكلم أمسى عجوز في عجوز ... بمرتبة أجل من العجوز
ورب فتى يرى نقع العجوز ... بمفرقه أجل من العجوز
ولا ترج الجسيم فكم عجوز ... لعمر الله أجدى من عجوز
ولا ترم الصغير فكل عضب ... لقبضته افتقار للعجوز
عسى عدل يزول الجور منه ... وترعى الشاة فيه مع العجوز
وقد جمع الشيخ بهاء الدين أبو حامد أحمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن تمام السبكي معاني العين في قصيدة نظمها في أخيه قاضي القضاة جمال الدين حسين، يهنيه بالتدريس في بعض المدارس. وكتب مقابل كل واحدة تفسيرها وهي:
هنيئاً قد أقر الله عيني ... فلا رمت العدى أهلي بعين
وقد وافى المبشر لي فأكرم ... بخير ربيئة وافى وعين
يخبرني بأن أخي أتاه ... مناه وسعده من كل عين
فلو سمح الزمان لكنت أعطي ... له ما فيه من ورق وعين
ألا يا شامة الشام افتخاراً ... بمن بسناه يغشو كل عين
فتى إن عدت الأعيان قالت ... له الأيام إنك أنت عيني
وحبركم حوى من بحر علم ... يروي الطالبين بكل عين
ويلقي في العلوم لكل وفد ... غزير فوائد كغدير عين
وواسطة لعقد بني أبيه ... كأوسط لفظة تدعى بعين
وقاض أمره في الناس ماض ... فلا يخشى من استقبال عين
стр. 28
وينصب بينهم قسطاس حق ... خلت من كل تطفيف وعين
له نواران من ورع وعلم ... تخالهما كبدر دجى وعين
بصير عدله ذا المطل عدلا ... ويجعل كل ذي شخص وعين
ويحجب من تأمله صبيا ... كما حجب الغزالة ضوء عين
لئن شرفت دمشق به ومصر ... فقد سارت محاسنه لعين
وتعظم كل أرض حل فيها ... ولو حقرت حقارة رأس عين
يجود بكل ما في راحتيه ... إذا بخلت بنو الدنيا بعين
ويوسع للورى بادي القرى إن ... مزادة غيره شحت بعين
وعم نداه في شرقٍ وغرب ... فلم يحوج إلى شاق وعين
جمال الدين فضلك ليس يحصى ... فدونك قطرة من سحب عين
برغمي أن أهني من بعاد ... وحقي أن أجيء لكم بعين
ومذ سفه المعيشة غيبتني ... وراسك لم أفز فيها بعين
ولو أستطيع جئت ولو جثيا ... على ركبي إليك بكل عين
ولولا ما أروم من التلاقي ... لأذهب بينكم نفسي وعيني
وكنت كعين قطر سال قدما ... فما أزكى وأحسن سيل عين
متى ألقاكم من عين شمس ... وقد حلت ركابكم بعين
وهن أخاك تاج الدين عني ... فإن كليكما خلي وعيني
وقوماً وادعياً لأبيكما إذ ... لنا منه أبر أب وعين
به زكت الفورع وطاب منه ... غصون أخرجتها خير عين
فدام بقاؤه ما لاح برق ... وأطرب صوت قمري وعين
ولا زالت أعاديه تردى ... بكل مذلة وبكل عين
ومن ينظر إليه بعين سوء ... يقابله الإله بكل عين
وقد جمعت معاني العين طرأ ... قصيدي لم تدع معنى لعين
فلو عاش الخليل لقال هذي ... معان ما رأتها قط عين
وقد ضاقت قوافيها وركت ... وذلك لالتزام لفظ عين
ولو لم التزم هذي لفاقت ... قصد أديب أرض الجامعين
ولولا ذا لطاب لها ختام ... بذكر مليكها القاضي حسين
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في رشف الزلال: والهلال اسم مشترك فقال:
أٌول وربما نفع المقال ... إليك سهيل إذا طلع الهلال
تكاثرني بآلات المعاني ... وكيف يكاثر البحر الهلال
أتطمع أن تنال المجد قبلي ... وانى يسبق النجب الهلال
وتبسم حين تبصرني نفاقاً ... وشخصي في جوانحك الهلال
وتبطن شرة في لين مس ... كما لانت مع اللمس الهلال
وتنتظر الرزايا بي ولكن ... عليك تدور بالشر الهلال
كأن وجوههم في كل مثوى ... وفرط صلابة في الهلال
وأعراضاً أذيلت للأهاجي ... كما يبدو على القدم الهلال
وما تغني الكتائب عن صدوع ... بها أن يرأب الصدع الهلال
وأعجب كيف يكرمكم كتاب ... وأعجب من لبيبكم الهلال
وقد زاد على ذلك الإمام شرف الدين ابن بنت أبي سعيد القاهري فعدها سبعة عشر فقال:
إن شعري قد حط سعري حتى ... صار قدري كمثل قدر الهلال
ثم نحوي جر المكاره نحوي ... فاعتراني منها كلسع الهلال
وأصول الفروع وصولي ... لمرامي فبعده كالهلال
وأصول الكلام منها كلامي ... فتخلفت في الورى كهلال
ثم حرزي قد جر حرزي حتى ... ربط الذل بي كربط الهلال
وعروضي قد حط قدر عروضي ... فرماني صحبي كرمي الهلال
ثم ظبي لأجله زال طيبي ... وأتاني بمثل طعن الهلال
وبياني قد جث كسب بناني ... بعد صيدي به كصيد الهلال
ثم نثري مثل النثار ومنه ... خف رزقي عني بمثل الهلال
علم الأنساب حال الأنساب عني (كذا) ... فأتى الدهر لي بطحن الهلال
ثم خطى قد حط حظي حتى ... فاتني في الورى جميع الهلال
وكذا الرمل أثقل الرأس مني ... وكساني ثوبا كمثل الهلال
ونجومي تحت التخوم رمتني ... بعد وردي كود الهلال (كذا)
ولقد كنت أنشر العلم دهراً ... لست فيه مواجراً كالهلال
فتركت العلوم مما دهاني ... بعد سبقي كل الورى في الهلال
وتصوفت إذ سبقت البرايا ... بخشوع وفقتهم في الهلال
ثم إني زهدت في الزهد أيضاً ... بعد أن كنت لاحقاً بالهلال
وما أحسن قول الحريري في مقاماته في هذا النوع:
стр. 29
لا تبك ألفا نأى ولا دارا ... ودر مع الدهر كيفما دارا
واتخذ الناس كلهم سكنا ... ومثل الأرض كلها دارا
واصبر على خلق من تعاشره ... وداره فاللبيب من دارى
ولا تضع فرصة السرور فما ... تدري أيوماً تعيش أم دارا
واعلم بأن المنون جائلة ... وقد أدارت على الورى دارا
وأقسمت لا تزال قانصة ... ماكر عصرا المحيا وما دارا
وكيف ترجو النجاة من شرك ... لم ينج منه كسرى ولا دارا
وأما الجناس المطرف: فهو ما زاد أحد ركنيه على الآخر بحرف في طرفه الأول، وهو عكس المذيل. فإن المذيل تكون الزيادة في آخره كما مر، فهي كالمذيل. وقد يسمى هذا الجناس، المردوف، والناقص. وفي تسميته اختلاف كثير، ولكن المطرف أولاها، لأنه مطابق للمسمى، إذا الزيادة فيه كالطرف لأنها في أوله. وخير الأسماء ما طابق المسمى.
وهذه الزيادة قد تكون في أول الركن الثاني، كقوله تعالى: (والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق) وقول البستي: عسى تحظى في غدك برغدك. وقول الأهوازي: من حسنت حاله استحسن محاله.
وقول أبي الحسن الباخرزي:
سأعمر بالشراب شباب عمري ... فترك الشرب قبل الشيب لوم
وأبذل فضل مالي قبل موتي ... فمورث ماله عندي ملوم
وقول الآخر:
يا ناقلاً قول الذي ... في العرض مني قد لغا
أقصر فما اسمعني ... سوء سوى من بلغا
وقول ابن جابر الأندلسي:
فيا راكب الوجناء هل أنت عالم ... فداؤك نفسي كيف تلك المعالم
وقوله أيضاً:
صاد قلبي وصدعني صدودا ... وانثنى يسحب الذوائب سودا
فرأيت الصباح في الليل يبدو ... وشهدت الرشا يصيد الأسودا
وقول الثعالبي:
هذه ليلة لها بهجة الطاوو ... س حسنا واللون الغدافِ
رقد الدهر فانتبهنا وسارقنا حظا من السرور الشافي
بمدام صاف وخل مصاف ... وحبيب واف وسعد مواف
وقول أبي الحسن علي بن الأنجب المالكي:
ولمياء تحيي من تحيي بريقها ... كأن مزاج الراح بالمسك من فيها
وما ذقت فاها غير أني رويته ... عن الثقة المسواك وهو موافيها
وقول أبي الفتح البستي:
يا غزالاً أره ند وصدا ... بعد أن كان للوصال تصدى
بيننا للرقيب سد فلا تج ... مع على ذي الهوى من السد صدا
وقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
كبر على العلم يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هانم
وكن حماراً تكن سعيدا ... فالسعد من طالع البهائم
وقول الآخر:
أيام أنسي قد كانت بقربكم ... بيضاً فحين نأيتم أصبحت سودا
ذممت عيشي مذ فارقت أرضكم ... من بعد ما كان مغبوطاً ومحسودا
وقول المستظهر من خلفاء المغرب:
يا غزالاً نقض العه ... د ولم يوف بوعد
أنسيت العهد إذ بت ... نا على مفرش ورد
ونجوم الليل تسري ... ذهباً في لازورد
وقول أبي الحجاج الأندلسي الداني:
أبى الله إلا أن أفارق منزلا ... يطالعني وجه المنى في سافرا
كأن على الأيام حين غشيته ... يميناً فلم أحلله إلا مسافرا
وقول ذي الوزارتين أبي عبد الله محمد بن الخطيب:
أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذاك الدهر حال بعد حال
وكل بداية فإلى انتهاء ... وكل إقامة فإلى ارتحال
ومن سام الزمان دوام حال ... فقد وقف الرجاء على المحال
وقول شيخنا محمد بن علي الشامي:
قام للناس في العشية سوق ... من فسوق وقام لي ألف سوق
وقد تكون في أول الركن الأول، كقول أبي علي الحسين بن أبي الطيب الباخرزي، وهو والد الأديب أبي الحسن علي الباخرزي المشهور صابح دمية القصر: أنزه المناظر والمجالس، ما سار فيه ناظر الجالس.
وقول البستي: اشتغل عن لذاتك، بعمارة ذاتك. وقوله:
أبا العباس لا تحسب بأني ... لشيبي من حلي الأشعار عار
فلي طبع كسلسال معين ... زلال من ذرى الأحجار جار
إذا ما أكبت الأدوار زندي ... فلي زند على الأدوار وار
وقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
وكم سبقت منه إلي عوارف ... ثنائي من تلك العوارف وارف
стр. 30
وكم غرر من بره ولطائف ... لشكري على تلك اللطائف طائف
وقول الصفدي:
تذكرت عيشا مر حلواً بكم فهل ... لأيامنا تلك الذواهب واهب
وما انصرفت آمال نفسي لغيركم ... ولا أنا عن دعوى الرغائب غائب
سأصبر كرهاً في الهوى غير طائع ... لعل زماني بالحبائب آيب
وقول أبي الحسن الباخرزي وفيه شاهد للنوعين:
فترت لواحظك المراض ولم تزل ... تلك الفواتر في القلوب فواتكا
اليوم أجهر بالعتاب فكم وكم ... أسبلت أذيالي على هفواتكا
وإذا التفت إلى هواك أفادني ... برد السلو تذكري جفواتكا
يا من وفاتي في فوات وصاله ... فت الحسان فوات قبل فواتكا
وقول الآخر:
لأديمن مديح المصطفى ... فعلى من في الله قوى طمعه
فعسى أنعم في الدنيا به ... وعسى يحشرني الله معه
وقول الآخر:
إنما هذه الحياة متاع ... فالجهول الجهول من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
وقولي من قصيدة مرثية في الحسين بن علي ﵉:
يا مصاباً قد جرع القلب صابا ... كل صبر إلا عليك جميل
ومن بديع ما وقع من هذا النوع في النثر قولهم: النبيذ بغير النغم غم وبغير الدسم سم. وقول بعض الفضلاء في ذم الدنيا: إن قبلت بلت، أو أدبرت برت، أو واصلت صلت، أو أيسرت سرت، أو أطنبت نبت أو أسفت سفت، أو عاونت ونت، أو نوهت وهت.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
من شأنه حمل أعباء الهوى كمدا ... إذا همى شأنه بالدمع لم يلم
فالتام في قوله: (شانه) و (شانه) . والمطرف في قوله: (لم) (يلم) .
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
مذ تم للعين أنس حين طرفها ... مرأى الحبيب ببذل العين لم ألم
وبيت ابن حجة قوله:
يا سعد ما تم لي سعد يطرفني ... بقربهم وقليل الحظ لم يلم
وبيت بديعيتي هو قولي:
يا زيد زيد المنى مذ تم طرفني ... وقال هم بهم تسعد بقربهم
التام في قولي (زيد) و (زيد) . فالأول علم، والثاني بمعنى المزيد.
والمطرف في موضعين من عجز البيت، أحدهما في (هم) و (بهم) ، والثاني في (بهم) و (بقربهم) . والمعنى: إن مزيد المنى مذ تم ووصل إلى حد لا زيادة عليه، أطرفه برحاء وصلهم، وقال له: جن عشقاً بهم فإنك تسعد بقربهم وتحظى بوصلهم. والهيام بالضم كالجنون من العشق.
وقد تقدم أن الشيخ عبد القادر قرن اللاحق بالتام، ومر إنشاد البيت المشتمل عليهما وهو قوله:
يا خير ما تم لي خير يلاحقني ... به ولم يرع شرع الحب كالعجم
فالتام في قوله (خير) و (خير) . ولا خفاء في أن هذا الصدر نسخ به صدر بيت ابن حجة، ولو عاش لما صبر له على هذه السرقة الفاحشة. وقرن الجناس المطرف باللفظي والمقلوب، وسيأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
وبيت المقري قوله:
فدمعي السائل المحروم سائله ... وسائلي نحوكم يا جيرة العلم
الجناس المصحف والمحرف
كم عاذل عادل عنهم يصحف لي ... ما حرفته وشاة الظلم في الظلم
من أنواع الجناس: المصحف والمحرف. فالمصحف هو ما تماثل ركناه في الحروف. وتخالفا في النقط، كقوله تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) وقوله تعالى: (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) وقوله تعالى: (قل إن لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا) .
وقوله) ﵌ (لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب) ﵇ (: قصر ثوبك فإنه أنق وأبقى وأتقى.
وقول أمير المؤمنين) ﵇ (فيما كتب به إلى معاوية: غرك عزك فصار قصار ذلك ذلك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهدا.
وقول بعض السلف: لو كنت تاجراً ما اخترت غير العطر. إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه.
وقوله: من سعادة جدك، وقوفك عند حدك.
وقوله: اجهل الناس من كان للإخوان مذلاً، وعلى السلطان مدلا.
وقول أبي الفتح البستي: إذا ما بقي ما قاتك، فلا تأس على ما فاتك.
وقوله: طوبى لمن عقله يغنيه عما لا يعنيه.
وقول أبي علي الباخرزي: العذل على البذل فعل النذل.
стр. 31
ومن لطيف ما يحكى في هذا الباب؛ ما ذكر أن أحمد بن أبي خالد عرض القصص يوماً بين أيدي المأمون فمر بقصة مكتوب عليها: فلان اليزيدي؛ فصحفه وقال: الثريدي. فضحك المأمون وقال يا غلام، ثريدة ضخمة لأبي العباس فإنه أصبح جائعاً، فخجل أحمد وقال: والله ما أنا جائع يا أمير المؤمنين ولكن صاحب هذه الرقعة أحمق، وضع علي يائه ثلاث نقط كأثا في القدر. فقال المأمون: عد عن هذا فإن النقط شهود زور، والجوع اضطرك إلى ذكر الثريد. فلما أتى بالثريد احتشم أحمد من أكله، فقال المأمون: بحقي عليك إلا ما أكلت منه، فترك القصص ومال إلى الصحفة، فأكل قليلاً ثم دعا بالماء. فغسل يده منه ورجع إلى القصص، فمر بقصة عليها مكتوب: فلان الحمصي، فقرأ، الخبيصي، فضحك المأمون وقال: يا غلام، جام خبيص؛ فإن غذاء أبي العباس كان أبتر، فخجل وقال: يا أمير المؤمنين، صاحب هذه القصة أحمق من الأول، فتح الميم فصارت كأنها سنان. قال دع عنك، فلولا حمق هذا والأول مت جوعاً. فأتى عليك إلا ما ملت نحوه، فانحرف إليه وأكل منه، ثم غسل يديه وانصرف إلى القصص فاحترز في قراءتها، وتثبت في حروفها، فما حرف حرفاً حتى أتى على آخرها.
وقول أبي الحسن الأهوازي: من أحسن الاختبار أحسن الاختيار.
وقوله: من فعل ما شاء، لقي ما ساء.
ومثاله من النظم قول بعضهم:
يقو العدو ويصغي الصدي ... ق وشر من القائل القابل
وقول البحتري:
ولم يكن المغتر بالله إذا سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه
وقول أبي فراس بن حمدان:
من بحر جودك أغترف ... وبفضل علمك أعترف
وما ألطف قول البهاء زهير:
وأعجبني التجنيس بيني وبينه ... فلما تبدى اشنبا رحت أشيبا
ومنه قول أبي الطيب ونبه على التصحيف:
جرى الخلف إلا فيك أنك واحد ... وأنك ليث والملوك ذياب
وأنك إن قويست صحف قارئ ... ذياباً فلم يخطئ وقال ذباب
ومثل قول أبي نواس يهجو أبان اللاحقي:
صحف أمك إذا سم ... تك في المهد أبانا
قد علمنا ما أرادت ... لم ترد إلا أتانا
وما أحسن قول الصفي الحلي:
وذي مرح عارضته في طريقه ... فلما رآني قال امض لشانكا
فقلت له فال سعيد مبشر=بتصحيفه أني أمص لسانكا وقول الصفدي فيمن أهدى إليه سكراً:
جائني برك الذي جعل الغي ... ث له حاسداً وفيه تفكر
فاقتسمنا التصحيف لفظاً ومعنى ... لك مني شكر ولي منك سكر
تنبيه: قال المعري: أصل التصحيف، أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب.
قال المطرزي: والتصحيف أن يقرأ الشيء على خلاف ما أراده كاتبه أو على غير ما اصطلحوا عليه. انتهى.
واصطلح الأدباء على تقسيمه إلى قسمين: أحدهما التصحيف المنظم، وهو المذكور في البديعيات، وقد مر مثاله. والثاني التصحيف المضطرب.
قال الفخر الرازي في نهايته: وهو الذي لا بد فيه من فصل الحروف المتصلة، أو وصل الحروف المنقطعة، مثل قولهم: ست خصال، تفسيره: شيخ ضال.
قال السكاكي في المفتاح: وقف رجل على الحسن البصري فقال: اعتمر، أخرج، أبادر؟. فقال الحسن: كذبوا عليه، ما كان ذاك. أراد السائل: أعثمان أخرج أبا ذر؟.
وحكي أن المعتصم قال لطباخه: حاسب رشيد، فقال مقراض. أراد (?اشت رسيد) يعني: أدرك غداؤك؟ - بالفارسية - وأراد بالمقراض: لا.
وقال المتوكل يوماً ليحيى بن ماسويه الطبيب: بعت بيتي بقصرين - أي تعشيت فضرني - فقال له: أخر العدى - أي أخر الغداء-. وغاب عن الصاحب ندماؤه ليلة فقال: سمسم، أراد: بيت من بتم.
وكان أبو طلحة قسوة بن محمد من أولع الناس بالتصحيفات، فقال له أبو أحمد الكاتب يوماً: إن أخرجت لي مصحفاً أسألك عنه، وصلتك بمائة دينار، فقال: أرجو أن لا أقصر في إخراجه. فقال أبو أحمد: في تنور هيثم جمد. فوقف حمار أبي طلحة وتلبد طبعه فقال: إن رأى الشيخ أن يبلعني ريقي، ويمهلني يوماً فعل. قال: قد أمهلتك سنة. فحال الحول. ولم يقطع شعرة، فلم أقر بعجزه سأله أن يبينه له فقال له: هو اسمك، قسورة بن محمد، فازداد خجله وأسفه. وعلى ذكر أبي طلحة، فإنه كان كوسجا وفيه يقول اللحام:
ويك أبا طلحة ما تستحي ... بلغت ستين ولم تلتح
стр. 32
وكان في حضرته بعض أصحابه يقرأ القرآن فوصل إلى قوله تعالى: (كأنهم حمر مستنفرة) فلم يجسر على ذكر قسورة، فقال: فرت من الشيخ أطال الله بقاه.
لطيفة: من التصاحيف المستحسنة ما ذكره صاحب المحاضرات: إن حما الراوية، كان لا يحسن القرآن، فقيل له لو قرأت القرآن فأخذ المصحف، ولم يزل إلا في أربعة مواضع كلها مناسبة للمعنى (قال عذابي أصيب به من أساء) فصحف الياء المثناة من تحت بالباء الموحدة. (ج) (ومن الشجر ومما يغرسون) فصحف العين المهملة بالمعجمة والشين المعجمة بالمهملة. (د) (بل الذين كفروا في غرة وشقاق) فصحف العين المهملة بالمعجمة والزاي بالراء المهملة. وقد ذكرت جملة مقنعة من مستحسنات التصحيف في الرسالة التي ألفتها في المعمى، فمن أرد ذلك فعليه بها.
والجناس المحرف: - هو ما تماثل ركناه في الحرف، وتغايراً في الحركات، سواء كانا من اسمين أو فعلين، أو اسم وفعل وغير ذلك، كقوله تعالى: (ولقد أرسلنا فيهم منذرين. فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) .
وقوله) ﵌ (: اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي.
وقول الأهوازي: أعيا الناس من أطال الخطبة وأساء الخطبة.
وقولهم رطب الرطب، ضرب من الضرب.
وقول أبي تمام:
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام
وقول أبي العلاء المعري:
لغير زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمالٍ فاذكري ابن سبيل
وقوله:
والحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيتٍ من الشعر أو بيت من الشَعر
وقول الآخر:
قلب وقُلب في يدي ... ك معذب ومنعم
ظمآن يطلب قطرة ... تشفي صداه وتفعم
وقول ابن جابر الأندلسي: حل عقد الصبر مني عقدها=إذ سبت قلبي بما في قلبها وقول الآخر، وفي البيت الأول شاهد للمصحف أيضاً:
لا ترم من مماذق الود خيرا ... فبعيد من السراب الشراب
رونق كالحباب يعلو على الما ... ء ولكن تحت الحباب الحباب
عذبت في النفاق السنة القو ... م وفي الألسن العذاب العذاب
وزعم بعضهم أن منه قول ابن عبدون:
الشعر خطة خسف ... لكل طالب عرف
للشيخ عيبة عيب ... وللفتى ظِرف ظَرف
وليس كذلك بل هو من الجناس التام، فإن الظرف على وزه فلس بمعنى الوعاء، وبمعنى الكياسة معاً، وما اشتهر من أن الظرف بمعنى الكياسة بالضم فغلط.
ومنه قول الآخر:
ظننت به الجميل فجبت أرضاً ... إليه كهنتي طولا وعرضا
فلما جئته ألفيت شخصاً ... حمى عرضاً له وأباح عرضا
وقول أبي القاسم السلمي:
ليلي وليلى نفى نومي اختلافهما ... بالطوُّل والطَّول يا طوبى لو اعتدلا
يجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطَّول ليلى وإن جادت به بخلا
وقول المطراني:
أخو الهوى يستطيل الليل من سهر ... والليل من طوله جار على قدر
ليل الهوى سنة في الهجر مدته ... لكنه سِنة في الوصل من قصرِ
وقول أبي بكر الخوارزمي:
يا شادنا مت قبله ... قد صار في الحسنِ قبلَه.
أمنن علي بقُلبه
ومثله قول الشيخ عبد الرحمن المشردي:
من كان صاحب قدر ... أو كان صاحب قدره
فليتخذ من نضار ... لطابة الأنس قدره
فالشيء يزداد ظرفاً ... إن ناسب الشيء قدره
وقولي في مطلع قصيدة:
اسقياني على اقتراح العذارى ... واعذرني فقد خلعت العذارا
وقلت بعده:
شمس راح من كفَ خود رداح ... شخصت فيهما العيون حيارى
أشرقت في الكؤوس نوراً وقدما ... عبدتها المجوس في الدن ونارا
اجلواها والدهر طلق المحيا ... والقماري تنادم الأقمارا
في عذارى كأنهن رياض ... ورياض كأنهن عذارى
لا تلوما فما التصابي بعار ... قبل يسترجع الصبا ما أعارا
ودعاني مجاهراً في غرامي ... إن داعي الهوى دعاني جهارا
أمعيراً الظبي شبا وغرارا ... لحظه والظبا رنا وأحورارا
ما لقلبي يزيد فيك غراماً ... كلما زدت عن هواه نفارا
أي قلبي مما هام فيك ولكن ... زاد قلبي بحبك استهتارا
خاطرت في هواك مهجة صب ... هويت منك ذابلاً خطارا
стр. 33
من يباريك يا منى النفس حسناً ... لا وعينيك لست ممن يبارا
رب ليل قصرته بلقاه ... وليالي الهنا تكون قصارا
رضته بالمدام حتى إذا ما ... تركته لا يستبد اختيارا
نلت ما شئت من هواه ولولا ... عفة الحب لارتكبت العارا
وقد اشتملت هذه القطعة على جملة من أنواع الجناس كما لا يخفى.
وبيت الشيخ صفي الدين في الجناسين المذكورين قوله:
من لي بكل غرير من ظبائهم ... عزيز حسن يداوي الكلم بالكلم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
هل من تقي نقي حين صحف لي ... محرف القول زان الحكم بالحكمِ
وبيت ابن حجة قوله:
هل من يقي ويفي أن صحفوا عذلي ... وحرفوا وأتوا بالكلم في الكلم
وبيت الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
عزيز دمعي غزير منذ صحف من ... تحريفه زاد منه الحكم بالحكمِ
هذا البيت يجري فيه ما قاله ابن حجة في بيت عز الدين الموصلي: أما التصحيف والتحريف فيه فظاهر. وأما المعنى فالسريرة عند الله.
وبيت بديعيتي هو قولي:
كم عاذل عادل عنهم يصحف لي ... ما حرفته وشاة الظلم في الظلم
وبيت إسماعيل المقري قوله:
أكثرت يا شوق من سوق الهموم إلى ... قلب من الهم لا يخلو ولا الهمم
أما التصحيف في هذا البيت فظاهر، وأما التحريف فقال الناظم في شرحه: هو في (الهم) و (الهمم) . فإن الهم على وزن الكلم، لكنه أدغمت الميم في الميم لما تماثلتا فهما ميمان. انتهى.
قلت: هذا صحيح لو ساعده اصطلاح البديعين. ولكن ليس الأمر كما توهم. قال صاحب التلخيص: والحرف المشدد في هذا الباب في حكم المخفف. قال التفتازاني في شرحه: لما كان المشدد يرتفع اللسان عنه دفعة واحدة، كحرف واحد، عد حرفاً واحدا. انتهى. نعم يحسب المشدد بحرفين في اصطلاح الصرفيين والعروضيين. فاعلم ذلك.
الجناس اللفظي والمقلوب
ظنوا سلوي إذ ظنوا فما لفظوا ... بذكر أنس مضى للقلب في أضم
من أنواع الجناس: اللفظي والمقلوب. أما الجناس اللفظي فهو ما تماثل ركناه وتجانسا خطاً، وخلف أحدهما الآخر بإبدال حرف فيه مناسبة لفظية، كما يكتب بالضاد والظاء وشاهد من القرآن الكريم قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) فالأولى من النضارة وهي النعمة والحسن. والثاني من النظر.
ومثله قوله الصفي الحلي في مطلع قصيدة نبوية:
كفى البدر حسناً أن يقال نظيرها ... فيزها ولكنا بذاك نضيرها
وحسب غصون البان أن قوامها ... يميس به ميادها ونضيرها
وقول بعض المغاربة:
عطف القضيب على النسيم تميلا ... والنهر موشى الخمائل والحلى
تركته أعطاف الغصون مظللا ... ولنا عن النهج القويم مضللا
وألحقوا بذلك ما يكتب بالهاء والتاء، أو بالتنوين والنون.
فالأول كقول البستي:
إذا جلست إلى قوم لتؤنسهم ... بما تحدث من ماض ومن آت
فلا تعيدن حديثاً أن طبعهم ... موكل بمعاداة المعادات
والثاني كقول الباخرزي:
أروح وفي الحلق مني شجى ... وأغدو وفي القلبي مني شجن
وقول الأرجاني:
وبيض الهند من وجدي هواز ... بإحدى البيض من عليا هوازن
وقول شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
أحسن خلق الله وجهاً وفما ... إن لم يكن أحق بالحسن فمن
حكى الغزال مقلة ولفتة ... من ذا رآه مقبلاً ولا افتتن
وعارض الشيخ صفي الدين بيت الأرجاني بقصيدة أولها:
لسيري في الفلا والليل داج ... وكري في الوغى والنقع داجن
وحملي مرهف الحدين ظام ... لحامله وجود النصر ضامن
في هذا البيت شاهد على ما نحن فيه من جهتين. وبعده:
وهزي ذابلاً للخيل مارٍ ... يلين بهزه صدرا ومارن
وركضي أدهم الجلباب صاف ... خفيف الجري يوم السلم صافن
وخطوي تحت راية ليث غاب ... بسطوته لصرف الدهر غابن
شديد البأس ذي أمر مطاع ... مضارب كل قوم أو مطاعن
أحب إلي من تغريد شاد ... وكأس مدامة من كف شادن
إلى آخر القصيدة. وعارض بيتي التلمساني بقصيدة أولها:
كم قد أفضنا من دموع ودما ... على رسوم للديار ودمن
وكم قضينا للبكاء منسكاً ... لما تذكرنا بهن من سكن
стр. 34
معاهداً تحدث للصبر فناً ... إن ناحت الورق بها على فنن
تذكارها أورث في الحلق شجى ... وفي الحشا قرحاً وفي القلب شجن
لله أيام لنا على منى ... فكم لها عندي أياد ومنن
كم كان فيها من فتاة وفتى ... كل لقلب المستهام قد فتن
وتتمتها في ديوانه: وهذا النوع قليل جداً، وأصعب مسالكه ما كان بالضاد والظاء، لأجل إبدال الحرف الذي في المناسبة اللفظية.
وأما الجناس المقلوب، ويسمى جناس العكس أيضاً، فهو ما تساوت حروف ركنيه عدداً، وتخالفت ترتيباً، كقوله تعالى حكاية عن هارون: (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) وقول النبي) ﵌ (: اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا.
ومن لطيف هذا النوع ما حكاه الثعالبي في اليتيمة عن أبي الحسين بن فارس قال: كنت عند الأستاذ، يعني أبا الفتح بن محمد بن العميد، في ويوم شديد الحر، فرمت الشمس بجمرات الهاجرة، فقال لي: ما قول الشيخ في قلبه؟ فلم أحر جواباً، لأني لم أفطن لما أراد. ولما كان بعد هنيئة أقبل رسول الأستاذ الرئيس - يعني ابن العميد - يستدعيني إلى مجلسه. قمت إليه، فلما مثلت بين يديه تبسم ضاحكاً إلي وقال: ما قول الشيخ في قلبه؟ فبهت وسكت، وما زلت أفكر حتى انتهيت إلى أنه أراد الخيش. وكان من يشرف على أبي الفتح من جهة أبيه أتاه بتلك اللفظة في تلك الساعة، فدعاني ولفرط سروره بها أراد مجاراتي فيها. انتهى.
وأراد بالخيش، مروحة الخيش وهي شبيهة بشراع السفينة، تعلق بالسقف، ويتروح بها في الصيف، وترش بالماء أو الماء ورد لتكون أبرد. وتعلق بحبل يراد به حركتها، فإذا أراد الرجل النوم جذبها بحبلها، فتذهب بطول البيت وتجيء، فيهب على الإنسان منها نسيم بارد طيب الرائحة، فيذهب عنه أذى الحر ويستطيب النوم، وهي فوقه ذاهبة جائية، وتستعمل ببلاد العراق.
ويقال أن أول من أحدثها هارون الرشيد، وذلك أنه دخل يوماً على أخته علية بنت المهدي. في يوم قيظ. فألفاه قد صبغت ثيابها بزعفران وصندل ونشرتها على الحبال لتجف، فجلس الرشيد قريباً من الثياب المنشورة فصارت الريح تمر على الثياب فتحمل منها نشراً طيباً، فوجد لذلك راحة من الحر واستطابه، فأمر أن يصنع له مثل ذلك.
ومن شواهد هذا النوع من النظم قول العباس بن الأحنف:
حسامك فيه للأحباب فتح ... ورمحك منه للأعداء حتف
ومن غاباته قول عبد الله بن رواحة يمدح النبي) ﵌ (:
تحمل الناقة الادماء معتجراً ... بالبرد كالبدر جلى نوره الظلما
ومنه قول أبي تمام:
بيض الصفائح لأسود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والربيع
وقول ابن حيوس:
تلقى بها الرواد روضاً زاهراً ... وتصادف الوارد حوضاً مفعما
وقول القاضي أبي بكر عبد الله بن أحمد البستي:
حكاني بهار الروض لما ألفته ... وكل مشوق للبهار مصاحب
فقلت له ما بال لونك شاحباً ... فقال لأني حين أقلب راهب
وزاد على هذا المعنى ابن رشيق فقال:
يا حسن ما سمي البهار به ... لو تركته قيافة القائف
قلبته راهباً فأشعرني ... خوفاً وتأويل راهب خائف
وقول أبي عبد الله الغواص:
من عذيري من عذول في قمر ... قامر القلب هواه فقمر
قمر لم يبق مني حبه ... وهواه غير مقلبو قمر
ومثله قول قمر الدولة:
اجملي يا جمل إني ... رجل ما فيه قلبه
أو يكن ذاك فإني ... قمر ما فيه قلبه
وقول الآخر:
فقالت ترى ما بالذي أنت قانع ... به من هوانا معكوس قانع
وقول ابن العفيف مع زيادة التورية:
اسكرني باللحظ والمقلة ال ... كحلاء والوجنة والكاس
ساق يريني قلبه قسوة ... وكل ساق قلبه قاس
وأخذ بعضهم هذا المعنى وزاده قلباً وطباقاً فقال:
قلت مستعطفاً لساق سقاني ... من طلا نيل مصر أطيب كاس
أنت أشهى إلي منه ولكن ... قلبه لين وقلبك قاس
ومثله قول الصلاح الصفدي:
قلب الدن من أحب فأضحت ... نفح الند من حمياه تهدى
قال لي أعجب فقلت غير عجيب ... كل دن قلبته صار ندا
وقوله أيضاً:
قلت وقد سرت في الظلام وقد ... أهمني منه فقد أيناسي
стр. 35
كيف يطير الفؤاد من جزع ... وكل سار فقلبه راس
وقول أبي نصير أحمد بن الحسن الباخرزي:
من عاذري من عاذل قال لي ... ويحك كم تعشق يا مغرم
وآلم القلب ولا غرو إذ ... كل ملوم قلبه مولم
وأخذ بعد المتأخرين المتقدمين على عصرنا بقليل هذا المصراع، وجعله صدراً لعجز البيت الأخر من بيتي ابن العفيف، أما عمداً أو اتفاقاً فقال:
كل ملوم قلبه مولم ... وكل ساق قلبه قاسِ
ومنه قول النيلي:
إذا رأيت الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعادُ
وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عادوا
وما ألطف قول الوداعي في مليح ينتف:
تعشقت ظبياً ناعس الطرف ناعما ... إلى أن تبدا الشعر والشعر ألوان
فقالوا أفق من حبه فهو ناتف ... فقلت عكستم إنما هو فتان
وبديع يقول ابن نباتة في الأمير بهرام:
قيل كل القلوب من ... رهبة الحرب تضطرب
قلت هذا تخرص ... قلب بهرام ما رهب
وقول الآخر:
وألفيتهم يستعرضون حوائجاً ... إليهم ولو كانت عليهم جوائحا
وقول أبي القاسم الهرندي:
إن بين الضلوع مني ناراً ... تتلظى فكيف لي أن أطيقا
فبحقي عليك يا من سقاني ... ارحيقا سقيتني أم حريقا
وقول الآخر:
قلت لما لاح لي من ... ها شعاع وبريق
أشقيق أم عقيق ... أم حريق أم رحيق
ومن الغايات في هذا الباب قول القائل:
لبق أقبل فيه هيف ... كلما أملك إن غنى هبه
ومثله قول بعضهم نثراً: أرض خضرا فيها أهيف وأعلى منه قول سيف الدين المشد:
ليل أضاء هلاله ... أنى يضيء بكوكبِ
وهذا مما لا يستحيل بالانعكاس. وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى.
وما أحسن قول ابن جابر الأندلسي:
بين نعمان وسلع ملأ ... ليس منهم لمحبٍ ألمُ
كلفي منهم ببدر حل في ... فلك العلياء فاعرف من هم
وقوله أيضاً:
قد بان عذري في مليح له ... لحظ رشا يلحظ عن ذعرِ
إني على الهجر مطيع له ... ممتثل في السر والجهر
وقوله أيضاً:
أبدا أبسط خدي أدبا ... لكم يا أهل ذاك العلمِ
أملي أني أرى ربعكم ... فبه يذهب عني ألمي
وقتل أنا مع زيادة التورية:
ورب ساق قلبه قلبه ... أفديه من قاس ومن ساقِ
تحارب العشاق في حسنه ... فقامت الحرب على ساق
وأحسن ما في هذا الباب أن يكون أول البيت كلمة مقاويها قافيته كقول بعضهم:
رقت شمائل قاتلي ... فلذاك روحي لا تفر
رد الحبيب جوابه ... فكأنه في اللفظ در
ومثله قول الصلاح الصفدي:
رضت فؤادي غادة ... ما كنت أحسبها تضر
ردت سؤالي خائباً ... فمدامعي أبداً تدر
وقول آخر:
أهديت شيئاً يقول لولا ... أحدوثة الفال والتبر
كرسي تفاءل فيه لما ... رأيت مقلوبه يسرك
تنبيه - لم يعتبر أكثر علماء البديع في الجناس المقلوب، قلب الحروف من كل وجه، بل اكتفوا بقلب حرف واحد أو حرفين أو حرفين من أحد الركنين كما رأيت، فيسمون كلاً مما كان أحد ركنيه عكس الآخر كما في (كرسي) و (يسرك) وما كان أحد الركنين منه مخالفاً ترتيب الآخر ببعض حروفه مقلوباً، ومنهم من فرق بين الأول والثاني، فخص الأول باسم المقلوب وجناس العكس، والثاني بجناس التصريف وقلب البعض.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين في الجناس اللفظي والمقلوب قوله:
بكل قد نضير لا نظير له ... ما ينقضي أملي منه ولا ألمي
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
لفظي حضي على حظي يمانعه ... مقلوب معنى ملا الأحشاء بالألمِ
قال ابن حجة: أما قوله: مقلوب معنى، فما دخل معناه إلى القلب؟.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قد فاض دمعي وفاظ القلب إذا سمعا ... لفظي عذل ملا الأسماع بالألم
قال في الشرح: شاهد الجناس اللفظي في البيت قولي (فاض) و (فاظ) فإن الأول من فيض الماء، والثاني من التلف. انتهى.
стр. 36
أقول: قال في القاموس في مادة (ف اض) فاض الماء يفيض فيضاً وفيوضاً بالضم والكسر، وفيوضة وفيضانا: كثر حتى سال كالوادي: وصدر بالسر باح، والرجل فيضاً وفيوضا: مات ونفسه خرجت روحه. انتهى. وقال في مادة (فاظ) - فاظ فوظاً وفواظا: مات، كفاظ فيظا وفيوظة وفيظانا محركة وفيوظا، وأفاظه الله، وفاظ نفسه: قاءها. وإذا ذكروا نفسه، ففاضت بالضاد. انتهى. إذا علمت هذا، فقوله فاظ القلب لا يتعين كونه بالظاء المشالة حتى يتعين فيه الجناس اللفظي، بل لو كتب بالضاد أو نطق به كذلك جاز، فيكون حينئذ من الجناس التام، لا من اللفظي، فيحصل الاشتباه فهو محذور. فالأولى اجتناب مثل هذا خصوصاً في البديعية.
وعلى ذلك فما ألطف قول أبي الحسن الباخرزي:
رعى الله أحبابنا الظاعنين ... وإن ضيعوا فيَّ شرط الحفاظ
فأحشاء أحبابهم بعدهم ... من النار مملوءة بالشواظ
فدمع يفيض ونفس تفيض ... وصبر يغاض وصب يغاظِ
وفي المصراع الأخير شاهد لما نحن فيه.
والشيخ عبد القادر الطبري جمع بين اللفظي والمقلوب والمطرف فقال:
قد غاض لفظي وغاظ القلب نقهته ... عن ربح حبر يتطرف فلم يلم
أنواع الجناس الثلاثة في هذا البيت، وأما معناه فالعلم عند الله تعالى.
وبيت بديعيتي هو قولي:
ظنوا سلوي إذ ضنوا فما لفظوا ... بذكر أنس مضى للقلب في أضم
اللظفي في (ظنوا) و (ضنوا) فالأول بالظاء المشالة: من الظن الذي هو خلاف اليقين، والثاني بالضاد: من الضن وهو البخل، وقرئ قوله تعالى: (وما هو على الغيب بضنين) بالوجهين.
فبالظاء المشالة، بمعنى متهم، وهو من الظنة بالكسر، أي التهمة، وهي راجعة إلى الظن، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. وبالضاد، بمعنى بخيل من الضن الذي هو البخل، أي لا يبخل بالوحي، فيزوي بعضه غير مبلغه، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه، وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة وابن عامر.
وشاهد الجناس المقلوب في البيت قولي: (مضى) و (أضم) ، فإن أضم مقلوب مضى. قال في القاموس وإضم كعنب: جبل والوادي الذي فيه المدينة المنورة) ﷺ (على ساكنها وآله. عند المدينة يسمى القناة، ومن أعلى منها عند السد يسمى الشضاة، ثم ما كان أسفل ذلك يسمى أضما. انتهى.
والمعنى أنهم ظنوا سلوى عنهم حين بخلوا بوصلهم عليَّ، فلم يجروا على لسانهم زمان الوصل والأنس الذي مر لي معهم في ذلك المحل. ولم يزل الشعراء، يذكرون هذا الوضع في أشعارهم.
قال الشريف الرضي عليه من الله الرضا:
يشي بنا الطيب أحياناً وآونة ... يضيئنا البرق مجتازاً على اضم
وقال صاحب البردة:
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من اضم
وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله:
يا حاظر الوصل باد غير حاضره ... ما دائم سقمي إن كنت من قسمي
الجناس المعنوي
قدري أبو حسن يا معنوي بهم ... ووصف حالي ابنه حال بحبهم
من أنواع الجناس، الجناس المعنوي، وهو قسمان: تجنيس إضمار وتجنيس إشارة.
فتجنيس الإضمار هو أن يضمر المتكلم ركني الجناس ويظهر في اللفظ ما يرادف أحد الركنين، ليدل على ما أضمره، فإن تعذر المرادف، أتى بلفظ فيه إشارة لطيفة تدل على ذلك المضمر، كقول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصار خلا:
ألا في سبيل اللهو كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابتِ
حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأمست كجسم الشنفرى بعد ثابت
بنت بسطام بن قيس اسمها الصهباء، وقوله: كجسم الشنفرى بعد ثابت، أشار به إلى قول الشنفرى يرثي خاله تأبط شراً واسمه ثابت:
فاسقنيها أيا سواد بن عمرو ... إن جسمي من بعد خالي بخل
стр. 37
والخّل: النحيف المهزول. فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه. فالأول (صهباء وصهباء) والثاني في (خلّ وخلَ) ولم يسمع في هذه الصناعة أحسن من هذين البيتين، وقل من ذكر هذا النوع، وهو عزيز الوجود جداً، وأكثر من ألف في المعاني والبيان أغفل ذكره، فسلم يذكره الساكي في مفتاحه، ولا القزويني في تلخيصه ولا إيضاحه، ولا ابن رشيق في العمدة، ولا ابن أبي الأصبع في تحريره، على تبحره، ولا ابن منقذ في كتابه. وإنما نظمه الشيخ صفي الدين في بديعيته، لأنها نتيجة سبعين كتاباً في هذا الفن، كما ذكره في شرحها. واقتصر عليه فلم ينظم تجنيس الإشارة لأنها بالنسبة إلى هذا القسم كلا شيء، فهي كما قيل: في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل.
قال ابن حجة: كان شيخنا علاء الدين القضامي يقول: ما أعلم لبيت أبي بكر بن عبدون في إضمار الركنين ثانياً، غير بيت الشيخ صفي الدين ولو لم يفتح ابن عبدون هذا الباب في بيته، ما حصل للشيخ صفي الدين دخول إلى نظم هذا النوع. انتهى.
قلت: هذا عدم إطلاع من شيخ ابن حجة المذكور. وليس ابن عبدون أول من اخترع هذا النوع حتى يكون هو الفاتح لهذا الباب، فقد وقع في شعر أبي العلاء أحمد بن سليمان المعري هذا الجناس بعينه، وصح معه في بيت واحد جناسان مضمران، كما صحا مع ابن عبدون في بيته المتقدم ذكره. المعري أقدم من ابن عبدون بأكثر من مائة عام.
وبيت المعري هو قوله:
نهارهم ابن يعفر في ضحاه ... وليلة جارهم بنت المحلق
فابن يعفر هو الأسود، وبنت المحلق اسمها ليلى، أي ليلة جارهم مظلمة. يقال: ليلاء وليلى، أي طويلة شديدة الظلام، فتم معه الجناسان المضمران. وله أيضاً.
هزت إليك من القد ابن ذي يزن ... ولاحظتك بهاروت على عجلِ
أرتك عمَّ رسول الله منتقباً=أبا حذيفة يحكي أو أبا جملِ ابن ذي يزن هو سف الملك المشهور، وعمُّ رسول الله) ﵌ (: العباس، وحذيفة وجمل ابنا بدر، ففي كل ذلك جناس معنوي. ومن العجب أن الشيخ صلاح الدين الصفدي قال في شرح لامية العجم وفي كتابه المسمى بجنان الجناس لما اعترضه الجناس المعنوي: هذا النوع باطل، وأورد منه في تذكرته أبياتاً جارية على ما شرطه أرباب هذا الفن فيه، ومما أورد بيت المعري المذكور.
وقول بعضهم يهجو إنساناً:
على أبوابه في كل حين ... لسائله أخو عمرو بن ود
اسم أخيه: ضبة.
أخو لخم أعارك منه ثوبا ... هنيئاً بالقميص المستجد
أخو لخم اسمه جذام.
وقد ألقى كساء أبي عبيد ... عليك فصرت أكسى أهل نجد
أبو عبيد يلقب بالأبرص
أراد أبوك أمك حتى زفت ... فلم توجد لأمك بنت سعدِ
بنت سعد اسمها عذرة.
أراني الله جسمك في خفاء ... وعينك مثل بشار بن بردِ
أي عمياء لأن بشاراً كان أعمى. فهذه الأبيات طرفة في هذا الباب فمن كتب بخطه هذه الأبيات كيف ينكر هذا النوع، ولعله خفي عليه معناه أولاً ثم ظهر له فيما بعد والله أعلم.
ومنه قول بعضهم وفيه أربع جناسات:
بابي قدار منك وابن زرارة ... أدنيت حتف المستهام العاني
لو أنّ كان أبو معاذ قلبه ... ما كان في البلوى أبا حسانِ
أبو قدار اسمه سالف، وابن زرارة اسمه حاجب، وأبو معاذ اسمه جبل، وأبو حسان اسمه ثابت. يعني بسالف منك وحاجب أدنيت حتف المستهام الأسير فلو أن قلبه كان جبلاً لما كان ثابتاً. فصح معه في كل بيت جناسان مضمران.
ومن ذلك ما يحكى أن بعضهم سئل عن معشوق له فقال: أبو سفيان، فقيل له: استعن عليه بنت بسطام. أراد أن صخر، والآخر أراد أنه يسقيه صهباء، فنظم ذلك بعض الشعراء فقال:
ولم أنسه إذ زار بعد أزوراره ... فبت نديم البدر في ليلة البدرِ
وكان أبو سفيان حتى تولعت ... بابنة بسطام فبتنا إلى الفجر
خليفة بغداد الموفى ثلاثة ... وعشرين والموفي الثلاثة في مصر
أراد المطيع والحاكم، يعني بات مطيعاً لي، وبت حاكماً عليه.
وللباخرزي:
لم يخل مذ أعرضت عن جانبي ... حلقي وقلبي من شجىً أو شجنْ
ما غير سلسالك وردي ولو ... حزَّ وريدي بابنه ذو يزن
أراد بسيف.
ولأبي الحسن الجزار:
يا أخا مالك ويا من له الخن ... ساء أخت ويا أبا لمعاذِ
стр. 38
أرد متمماً وصخراً وجبلاً.
ولبعض المغاربة:
كأبي الأمين برأيه وكجده ... أنى توجه وابن يحيى في الندى
أراد الرشيد والمهدي وجعفر.
وحكي أن السلطان أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد صاحب أفريقية عرض مرة أجناده وكان فيهم أمرد وسيم، اسم جده النعمان، فسأله السلطان عن اسمه وأعجبه حسنه، فخجل واحمر وجهه فازداد حسناً. فقال السلطان:
(كلمته فكلمت صفحة خده) وسأل من الحاضرين الإجازة فلم يأتوا بشيء فقال السلطان مجيزاً لشطره (فتفتحت فيه شقائق جده) .
وكان المتوكل مضحكان يسمى أحدهما بعرة والآخر شعرة، فسأل شعرة بعرة: ما فعل فلان في حاجتك؟ فقال: ما فتني ولا قطعتك. يشير إلى المثل المشهور: ما فت بعرة ولا قطع شعرة، يضرب للرجل الذي لا يقضي حاجة.
وما أحسن قول بدر الدين ابن الطحان في تخميس بديعية الصفي:
وفاحم كأبي المقداد ذي فنن ... وخاطري كأخي الخنساء لم يكنِ
أراد الأسود وصخر.
وللمؤلف عفا الله عنه في والده:
على باب ابن معصوم انخنا ... ففزنا بالنجاء وبالنجاحِ
هو ابن عطاء المعطي كثيرا ... لنا من جوده ابن أبي رباح
فابن عطاء اسمه واصل، وابن أبي رباح اسمه عطاء. والمعنى: هو واصل ولنا من جوده عطاء.
وبيت بديعيته الشيخ صفي الدين قوله:
وكل لحظ باسم ابن ذي يزن ... في فتكه بالعنى أو أبي هرم
وابن ذي يزن اسمه سيف، وأبو هرم اسمه سنان، ففيه جناسان مضمران.
وابن جابر لم ينظم هذا النوع في بديعيته، وذكره رفيقه في شرحها.
والشيخ عز الدين الموصلي، جنح إلى تجنيس الإشارة لسهولة مأخذه وترك نظم هذا النوع. وسيأتي ذكره بيته في محله. والظاهر أنه عمل بقول القائل كما قال ابن حجة:
إذا منعتك أشجار المعالي ... جناها الغض فاقنع بالشيم
وبيت ابن حجة: أبا معاذ أخا الخنسا كنت لهم=يا معنوي فهدوني بجورهم أبو معاذ اسمه جبل، وأخو الخنساء اسمه صخر، ففيه أيضاً جناسان مضمران على حد ما تقدم، غير أن هذا مأخوذ برمته من قول البهاء زهير المصري، يهجو ثقيلاً:
وجاهل طال به عنائي ... لازمني وذاك من شقائي
أبغض للعين من الأقذاء ... أثقل من شماتة الأعداء
فهو إذا رأته عين الرائي ... أبو معاذ وأخو الخنساء
والبهاء زهير أقدم عصراً من ابن حجة، فذهب تبجحه بذلك ضائعاً.
وبيت الشيخ عبد القادر الطبري مر إنشاده في الجناس المذيل والكلام عليه وسرد البديعيات باعث على إعادته هنا وهو:
معنى ابن تيم أبي النعمان كنت لهم ... وذيل الصبر صبا بالغرام عمي
ابن تيم اسمه سعدان، أراد به تيم بن مرة، ويحتمل أن يكون أراد به غيره، وأبو النعمان اسمه المنذر. وقد أظهرت فيما تقدم عجزي عن فهم معنى هذا البيت. ولم يقع لي شرح هذه البديعية، حتى أراجع ما قاله الناظم إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه.
وبيت بديعيتي قولي:
قدري أبو حسن يا معنوي بهم ... ووصف حالي ابنه حال بحبهم
أردت علياً وحسناً، أي قدري علي بهم، ووصف حال حسن، فحصل جناسان دل عليهما كنايات الألفاظ الظاهرة، أحدهما في صدر البيت وهو (عليّ وعليّ) والثاني في عجزه وهو (حسن وحسن) .
وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله:
لو كان قلبي أبا سفيان وانقلبت ... هند أباه لأضحى قلب جدهم
قال في الشرح: معناه لو كان قلبي أبا سفيان أي صخر - فإن اسم أبي سفيان صخر - وانقلبت هند، أباه أي حرباً لي - فإن اسم أبيه حرب - لأضحى قلبه جدهم، أي قلب أمية مصغرة - فإن اسم جدهم أمية - وهو تصغير أمة. وإن شئت جعلت قلب بمعنى مقلوب، فإن مقلوب أمية هيما، أي لأضحى هيما بمعنى هائماً، فإنه يقال فيه: هايم وهيم، وإن شئت جعلته مقلوب لفظة جدهم، فإن مقلوبها مهدج بكسر الميم وإسكان الهاء وفتح الدال، أي كثر الحنين، قال في الصحاح: والهدجة حنين الناقة على ولدها وقد هدجت فهي مهداج، انتهى. ويجوز في مهداج مهدج، والله أعلم هذا نصه.
قلت: غفر الله للشيخ قد كان في أحد هذه المعاني كفاية عن ذكر الباقي وما جهد القلب حتى يتحمل كل هذا.
стр. 39
وتجنيس الإشارة - ويسمى تجنيس الكناية، هو أن يذكر أحد ركني الجناس في اللفظ ويشار إلى الآخر بلفظ يدل عليه من صفة أو عكس أو تصحيف أو لفظ يرادفه أو نحو ذلك. وسبب ورود هذا النوع، أن الشاعر يقصد للمجانسة بين لفظين، فلا يساعده الوزن إبرازهما في اللفظ، فيضمر أحدهما ويشير إلى الثاني بما يدل عليه.
ومثاله قول الشماخ:
وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفةٍ حرونِ
يطيف بها الرواة وتتقيهم ... بأوعال معطفة القرونِ
أراد أن يجانس بين أروى اسم محبوبته وبين أروى بمعنى الكثير من أنثى الوعول، فلم يطعه الوزن، فعدل عن ذكرها إلى صفاتها التي تدل عليها. والموفقة المشددة ثم الفاء: التي في يديها حمرة تخالف سائرها. والحرون بفتح الحاء المهملة وضم الراء المهملة: التي لا تبرح أعلى الجبل من الصيد.
وقد صرح أبو العلاء المعري بهذا الجناس في قوله:
أروى النياق كأروى النيق يعصمها ... ضرب يضل به السرحان مبهوتا
ومن ذلك قوله الآخر:
حلقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا
أراد أن يقول: لحية موسى بموسى، فلم يوافقه الوزن، فاضمر الركن الثاني، وأشار إليه بما يدل عليه وهو قوله: باسمه.
وقول الآخر:
وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي
فكنى عن العقارب بمقلوب البراقع، ولا شك أن بين اللفظ المصرح به والمكنى عنه تجانسا.
ومنه قول امرأة من عقيل، وقد أراد قومها الرحيل عن بني ثهلان، وتوجه جماعة يحضرون الإبل:
فما مكثنا ... دام الجمال عليكما
بثهلان إلا أن تشد الأباعر
أرادت أن تجانس بين الجَمال والجِمال فلم يساعدها الوزن ولا القافية، فأضمرت الركن الثاني، وأشارت إليه بما يدل عليه وهو الأباعر الذي هو مرادف الجِمال.
ومثله قول شرف الدين الحلاوي:
وبدت نظائر ثغره في قرطه ... فتشابها متخالفين فأشكلا
فرأيت تحت البدر سالفة الطلى ... ورأيت فوق الدر مسكرة الطلا
قصد المجانسة بين سالفة الطلى وسلافة الطلا، فعصاه الوزن فعدل إلى قوله: مسكرة الطِلا وهي مرادفة للسلافة. قال ابن حجة: وهذا النوع لا يتفق في الكلام المنثور. انتهى.
قلت: إنما قال ذلك لما تقدم من أن سبب ورود هذا النوع عدم مساعدة الوزن للشاعر على إبراز ركني الجناس في اللفظ، والنثر ليس فيه وزن يمنع من ذلك.
وقد تقدم أن الشيخ عز الدين لم ينظم من الجناس المعنوي إلا هذا القسم، وهو الذي أوجب تأخير بيته عن المناظرة، وهنا محل إثبات بيته وهو:
وكافر نعم الإحسان في عذل ... كظلمة الليل عن المعنوي عمي
الكافر في الأصل اسم فاعل، من كفر الشيء، إذا ستره. وسمي الكافر كافراً لأنه ستر نعمة الله عليه، أي سترها بجحدانه لوجوده، ثم أطلق على ضد المسلم، وكفر النعمة: جحدها وسترها. ويسمى الليل كافراً لأنه يستر المحسوسات.
وما ألطف قول البهاء زهير:
يا ليل طل يا هجر دم ... إني على الحالين صابر
لي فيك أجر مجاهد ... إن صح أن الليل كافر
فالشيخ عز الدين أرد أن يجانس بين كافر النعمة، أي جاحدها، وبين كافر بمعنى الليل، فأظهر أحد الركنين في اللفظ، وهو قوله: وكافر نعم الإحسان، وأضمر الركن الثاني، وأشار إليه بما يدل عليه وهو الظلمة، لأنها مرادفة له، فظهر جناس الإشارة بين (كافر وكافر) . وتعقبه ابن حجة: بأن الوزن ما عصاه حتى عدل إلى المرادف، فلو أراد أن يبرز الركنين لكان الوزن داخلاً تحت طاعته إذا قال:
وكافر نعم الإحسان في عذل ... لكافر الليل عن ذا المعنوي عمي
انتهى.
تتمة - ومن أنواع الجناس: المشوش، وهو ما تجاذبه طرفان من الصنعة، فلا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه، كقولهم: فلان مليح البلاغة، لبيق البراعة، فإنه لو كانت عينا الكلمتين متحدتين مثلاً، لكان جناس تصحيف، أو لاماهما متحدتين لكان جناساً مضارعاً، فلما لم يكن كذلك بقي مذبذباً.
ومثاله في النظم قول أبي فراس بن حمدان:
لطيرتي في الصداع نالت ... فوق منال الصداع مني
وجدت فيه اتفاق سوء ... صدعني مثل صد عني
فلولا تشديد نون عني لكان جناساً مركباً، أو كان (صد عني) كلمة واحدة، لكان جناساً محرفاً.
стр. 40
واعلم أن أرباب البديع اختلفوا في أقسام الجناس، وأسمائها اختلافاً كثيراً، واستيفاء ذلك هنا يقضي إلى الإطناب والإسهاب. وقد أفرده بالتأليف جماعة منهم الشيخ صفي الدين الحلي، ألف فيه كتاباً سماه الدر النفيس في أجناس التجنيس، والشيخ صلاح الدين الصفدي ألف فيه كتابه المسمى بجنان الجناس. فمن أراد بسط القول فيه فعليه بهما.
تنبيه - قال أبو المكارم ناصر الدين المطرزي في شرح المقامات: اعلم أن أنواع الجناس لا تستحسن حتى يساعد اللفظ المعنى، ولا تستلذ حتى تكون عذبة الإصدار والإيراد، سهلة سلسلة المقاد، ولا تبرع حتى يساوي مطلعها مقطعها، ولا تملح حتى يوازي مصنوعها مطبوعها، مع مراعاة النظائر، وتمكن القرائن، وإلا فما قلق في أماكنه، ونبا عن مواقعه، فبمعزل عن الرضا عند علماء البيان، وبمكان من البشاعة لدى أرباب النثر وأصحاب النظم. فإذا أردت أن تستوفي أقسام المحاسن، وتجتنب أنواع المشائن، فأرسل المعاني على سجيتها ودعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد، لم تكتس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأما أن تصنع في نفسك أنه لا بد لك من تجنيس أو تسجيع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه على خطر من الخطأ.
فإن ساعدك الجد كما ساعد طاهراً البصري في قوله:
ناظراه بما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني
وأبا تمام في قوله:
وأنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجدِ
فذاك وإلا أطلقت لسان العتب، وأرخيت عنان الذم، وأفضي بك طلب الإحسان من حيث لم تحسنه إلى أشنع القبح، وأوقعك الولوع بالثناء عليك في ورطة القدح، وانقلب إحسانك إساءة، وتحول سرورك مساءة. انتهى.
وقال الشيخ الأديب صلاح الدين الصفدي، في شرحه لامية العجم: الجناس وإن كان من أنواع البديع، ولكن بعض صوره مستثقل، كقول ابن الفارض:
أما لك من صد أمالك عن صد ... لظلمك ظلماً منك ميل لعطفةِ
فرُحن بحزن جازعات بعيدما ... فرحن بحزن الجزع بي لشبيبتي
فانظر إلى استثقال هذا البيت الأول لما فيه من جناس التحريف في (صد وصدٍ) والأول من الصدود، والثاني من الصدي، أي عطشان، وفي (ظلم وظُلم) الأول بالفتح، وهو الريف؛ والثاني بالضم وهو الجور مع التقديم والتأخير الذي يحتاج إقليدس، حتى يستخرج ترتيبه على خط مستقيم، والتقدير فيه: أمالك ميل لعطفة عن صد، أمالك ظلماً منك عن صد لظلمك. فأمالك الأولى، مركبة من همزة الاستفهام، وما النافية، ولام الجر؛ وكاف الخطاب, وأما البيت الثاني، ففي (فرحن) مرتين، الأولى (الفاء) فاء العطف و (رحن) فعل ماض من الرواح لجماعة الإناث. والثانية فعل ماض من الفرح لجماعة الإناث. وفيه (الحزن) مرتين، الأولى بضم الحاء ضد الفرح، والثانية بفتح الحاء، من حزن الأرض، ضد السهل. ولهذه الألفاظ التي عقدها عقد الميزان لأجل الجناس، صار كلامه وحشياً من العوام، بل من بعض الخواص الذين لم يتمهروا في الأدب، وقل أن تجد من ديوانه نسخة صحيحة. وأكثر ما يساعد الأفاضل على تصحيح ألفاظه وزن الشعر، كما في قوله (صد وصد) الأولى مشددة، والثانية مخففة، وكما في قوله أيضاً:
وإذا أذى ألمٍ المّ بخاطري ... فشذا أعيشاب الحجاز دوائي
فانظر إلى هذا، لا يستقيم الكلام إلا بمراعاة الوزن، فإنه يضطر الواقف إلى أن يجعل الأول من الألم، والثاني من الإلمام، ولهذا جاء جناس العماد الكاتب في الشعر أخف منه في النثر، لأن الوزن يضع كل كلمة في مكانها.
ومن الجناس المستثقل: جناس التصحيف، كقول ابن الفارض أيضاً:
وما اخترت حتى اخترت حبك مذهباً ... فواحيرتي إن لم يكن فيك خيرتي
وجذ بسيف العزم سوف فإن تجد ... تجد نفساً فالنفس إن جدت جدت
следующие страницы →