← Адаб

Адаб · id 5446

أنوار الربيع في أنواع البديع

ابن معصوم الحسني

Полный текст (514 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أقول: قال في القاموس في مادة (ف اض) فاض الماء يفيض فيضاً وفيوضاً بالضم والكسر، وفيوضة وفيضانا: كثر حتى سال كالوادي: وصدر بالسر باح، والرجل فيضاً وفيوضا: مات ونفسه خرجت روحه. انتهى. وقال في مادة (فاظ) - فاظ فوظاً وفواظا: مات، كفاظ فيظا وفيوظة وفيظانا محركة وفيوظا، وأفاظه الله، وفاظ نفسه: قاءها. وإذا ذكروا نفسه، ففاضت بالضاد. انتهى. إذا علمت هذا، فقوله فاظ القلب لا يتعين كونه بالظاء المشالة حتى يتعين فيه الجناس اللفظي، بل لو كتب بالضاد أو نطق به كذلك جاز، فيكون حينئذ من الجناس التام، لا من اللفظي، فيحصل الاشتباه فهو محذور. فالأولى اجتناب مثل هذا خصوصاً في البديعية. وعلى ذلك فما ألطف قول أبي الحسن الباخرزي: رعى الله أحبابنا الظاعنين ... وإن ضيعوا فيَّ شرط الحفاظ فأحشاء أحبابهم بعدهم ... من النار مملوءة بالشواظ فدمع يفيض ونفس تفيض ... وصبر يغاض وصب يغاظِ وفي المصراع الأخير شاهد لما نحن فيه. والشيخ عبد القادر الطبري جمع بين اللفظي والمقلوب والمطرف فقال: قد غاض لفظي وغاظ القلب نقهته ... عن ربح حبر يتطرف فلم يلم أنواع الجناس الثلاثة في هذا البيت، وأما معناه فالعلم عند الله تعالى. وبيت بديعيتي هو قولي: ظنوا سلوي إذ ضنوا فما لفظوا ... بذكر أنس مضى للقلب في أضم اللظفي في (ظنوا) و (ضنوا) فالأول بالظاء المشالة: من الظن الذي هو خلاف اليقين، والثاني بالضاد: من الضن وهو البخل، وقرئ قوله تعالى: (وما هو على الغيب بضنين) بالوجهين. فبالظاء المشالة، بمعنى متهم، وهو من الظنة بالكسر، أي التهمة، وهي راجعة إلى الظن، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. وبالضاد، بمعنى بخيل من الضن الذي هو البخل، أي لا يبخل بالوحي، فيزوي بعضه غير مبلغه، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه، وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة وابن عامر. وشاهد الجناس المقلوب في البيت قولي: (مضى) و (أضم) ، فإن أضم مقلوب مضى. قال في القاموس وإضم كعنب: جبل والوادي الذي فيه المدينة المنورة) ﷺ (على ساكنها وآله. عند المدينة يسمى القناة، ومن أعلى منها عند السد يسمى الشضاة، ثم ما كان أسفل ذلك يسمى أضما. انتهى. والمعنى أنهم ظنوا سلوى عنهم حين بخلوا بوصلهم عليَّ، فلم يجروا على لسانهم زمان الوصل والأنس الذي مر لي معهم في ذلك المحل. ولم يزل الشعراء، يذكرون هذا الوضع في أشعارهم. قال الشريف الرضي عليه من الله الرضا: يشي بنا الطيب أحياناً وآونة ... يضيئنا البرق مجتازاً على اضم وقال صاحب البردة: أم هبت الريح من تلقاء كاظمة ... وأومض البرق في الظلماء من اضم وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله: يا حاظر الوصل باد غير حاضره ... ما دائم سقمي إن كنت من قسمي الجناس المعنوي قدري أبو حسن يا معنوي بهم ... ووصف حالي ابنه حال بحبهم من أنواع الجناس، الجناس المعنوي، وهو قسمان: تجنيس إضمار وتجنيس إشارة. فتجنيس الإضمار هو أن يضمر المتكلم ركني الجناس ويظهر في اللفظ ما يرادف أحد الركنين، ليدل على ما أضمره، فإن تعذر المرادف، أتى بلفظ فيه إشارة لطيفة تدل على ذلك المضمر، كقول أبي بكر بن عبدون وقد اصطبح بخمرة وترك بعضها إلى الليل فصار خلا: ألا في سبيل اللهو كأس مدامة ... أتتنا بطعم عهده غير ثابتِ حكت بنت بسطام بن قيس صبيحة ... وأمست كجسم الشنفرى بعد ثابت بنت بسطام بن قيس اسمها الصهباء، وقوله: كجسم الشنفرى بعد ثابت، أشار به إلى قول الشنفرى يرثي خاله تأبط شراً واسمه ثابت: فاسقنيها أيا سواد بن عمرو ... إن جسمي من بعد خالي بخل

стр. 37

والخّل: النحيف المهزول. فصح معه جناسان مضمران في صدر البيت وعجزه. فالأول (صهباء وصهباء) والثاني في (خلّ وخلَ) ولم يسمع في هذه الصناعة أحسن من هذين البيتين، وقل من ذكر هذا النوع، وهو عزيز الوجود جداً، وأكثر من ألف في المعاني والبيان أغفل ذكره، فسلم يذكره الساكي في مفتاحه، ولا القزويني في تلخيصه ولا إيضاحه، ولا ابن رشيق في العمدة، ولا ابن أبي الأصبع في تحريره، على تبحره، ولا ابن منقذ في كتابه. وإنما نظمه الشيخ صفي الدين في بديعيته، لأنها نتيجة سبعين كتاباً في هذا الفن، كما ذكره في شرحها. واقتصر عليه فلم ينظم تجنيس الإشارة لأنها بالنسبة إلى هذا القسم كلا شيء، فهي كما قيل: في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل. قال ابن حجة: كان شيخنا علاء الدين القضامي يقول: ما أعلم لبيت أبي بكر بن عبدون في إضمار الركنين ثانياً، غير بيت الشيخ صفي الدين ولو لم يفتح ابن عبدون هذا الباب في بيته، ما حصل للشيخ صفي الدين دخول إلى نظم هذا النوع. انتهى. قلت: هذا عدم إطلاع من شيخ ابن حجة المذكور. وليس ابن عبدون أول من اخترع هذا النوع حتى يكون هو الفاتح لهذا الباب، فقد وقع في شعر أبي العلاء أحمد بن سليمان المعري هذا الجناس بعينه، وصح معه في بيت واحد جناسان مضمران، كما صحا مع ابن عبدون في بيته المتقدم ذكره. المعري أقدم من ابن عبدون بأكثر من مائة عام. وبيت المعري هو قوله: نهارهم ابن يعفر في ضحاه ... وليلة جارهم بنت المحلق فابن يعفر هو الأسود، وبنت المحلق اسمها ليلى، أي ليلة جارهم مظلمة. يقال: ليلاء وليلى، أي طويلة شديدة الظلام، فتم معه الجناسان المضمران. وله أيضاً. هزت إليك من القد ابن ذي يزن ... ولاحظتك بهاروت على عجلِ أرتك عمَّ رسول الله منتقباً=أبا حذيفة يحكي أو أبا جملِ ابن ذي يزن هو سف الملك المشهور، وعمُّ رسول الله) ﵌ (: العباس، وحذيفة وجمل ابنا بدر، ففي كل ذلك جناس معنوي. ومن العجب أن الشيخ صلاح الدين الصفدي قال في شرح لامية العجم وفي كتابه المسمى بجنان الجناس لما اعترضه الجناس المعنوي: هذا النوع باطل، وأورد منه في تذكرته أبياتاً جارية على ما شرطه أرباب هذا الفن فيه، ومما أورد بيت المعري المذكور. وقول بعضهم يهجو إنساناً: على أبوابه في كل حين ... لسائله أخو عمرو بن ود اسم أخيه: ضبة. أخو لخم أعارك منه ثوبا ... هنيئاً بالقميص المستجد أخو لخم اسمه جذام. وقد ألقى كساء أبي عبيد ... عليك فصرت أكسى أهل نجد أبو عبيد يلقب بالأبرص أراد أبوك أمك حتى زفت ... فلم توجد لأمك بنت سعدِ بنت سعد اسمها عذرة. أراني الله جسمك في خفاء ... وعينك مثل بشار بن بردِ أي عمياء لأن بشاراً كان أعمى. فهذه الأبيات طرفة في هذا الباب فمن كتب بخطه هذه الأبيات كيف ينكر هذا النوع، ولعله خفي عليه معناه أولاً ثم ظهر له فيما بعد والله أعلم. ومنه قول بعضهم وفيه أربع جناسات: بابي قدار منك وابن زرارة ... أدنيت حتف المستهام العاني لو أنّ كان أبو معاذ قلبه ... ما كان في البلوى أبا حسانِ أبو قدار اسمه سالف، وابن زرارة اسمه حاجب، وأبو معاذ اسمه جبل، وأبو حسان اسمه ثابت. يعني بسالف منك وحاجب أدنيت حتف المستهام الأسير فلو أن قلبه كان جبلاً لما كان ثابتاً. فصح معه في كل بيت جناسان مضمران. ومن ذلك ما يحكى أن بعضهم سئل عن معشوق له فقال: أبو سفيان، فقيل له: استعن عليه بنت بسطام. أراد أن صخر، والآخر أراد أنه يسقيه صهباء، فنظم ذلك بعض الشعراء فقال: ولم أنسه إذ زار بعد أزوراره ... فبت نديم البدر في ليلة البدرِ وكان أبو سفيان حتى تولعت ... بابنة بسطام فبتنا إلى الفجر خليفة بغداد الموفى ثلاثة ... وعشرين والموفي الثلاثة في مصر أراد المطيع والحاكم، يعني بات مطيعاً لي، وبت حاكماً عليه. وللباخرزي: لم يخل مذ أعرضت عن جانبي ... حلقي وقلبي من شجىً أو شجنْ ما غير سلسالك وردي ولو ... حزَّ وريدي بابنه ذو يزن أراد بسيف. ولأبي الحسن الجزار: يا أخا مالك ويا من له الخن ... ساء أخت ويا أبا لمعاذِ

стр. 38

أرد متمماً وصخراً وجبلاً. ولبعض المغاربة: كأبي الأمين برأيه وكجده ... أنى توجه وابن يحيى في الندى أراد الرشيد والمهدي وجعفر. وحكي أن السلطان أبا زكريا يحيى بن عبد الواحد صاحب أفريقية عرض مرة أجناده وكان فيهم أمرد وسيم، اسم جده النعمان، فسأله السلطان عن اسمه وأعجبه حسنه، فخجل واحمر وجهه فازداد حسناً. فقال السلطان: (كلمته فكلمت صفحة خده) وسأل من الحاضرين الإجازة فلم يأتوا بشيء فقال السلطان مجيزاً لشطره (فتفتحت فيه شقائق جده) . وكان المتوكل مضحكان يسمى أحدهما بعرة والآخر شعرة، فسأل شعرة بعرة: ما فعل فلان في حاجتك؟ فقال: ما فتني ولا قطعتك. يشير إلى المثل المشهور: ما فت بعرة ولا قطع شعرة، يضرب للرجل الذي لا يقضي حاجة. وما أحسن قول بدر الدين ابن الطحان في تخميس بديعية الصفي: وفاحم كأبي المقداد ذي فنن ... وخاطري كأخي الخنساء لم يكنِ أراد الأسود وصخر. وللمؤلف عفا الله عنه في والده: على باب ابن معصوم انخنا ... ففزنا بالنجاء وبالنجاحِ هو ابن عطاء المعطي كثيرا ... لنا من جوده ابن أبي رباح فابن عطاء اسمه واصل، وابن أبي رباح اسمه عطاء. والمعنى: هو واصل ولنا من جوده عطاء. وبيت بديعيته الشيخ صفي الدين قوله: وكل لحظ باسم ابن ذي يزن ... في فتكه بالعنى أو أبي هرم وابن ذي يزن اسمه سيف، وأبو هرم اسمه سنان، ففيه جناسان مضمران. وابن جابر لم ينظم هذا النوع في بديعيته، وذكره رفيقه في شرحها. والشيخ عز الدين الموصلي، جنح إلى تجنيس الإشارة لسهولة مأخذه وترك نظم هذا النوع. وسيأتي ذكره بيته في محله. والظاهر أنه عمل بقول القائل كما قال ابن حجة: إذا منعتك أشجار المعالي ... جناها الغض فاقنع بالشيم وبيت ابن حجة: أبا معاذ أخا الخنسا كنت لهم=يا معنوي فهدوني بجورهم أبو معاذ اسمه جبل، وأخو الخنساء اسمه صخر، ففيه أيضاً جناسان مضمران على حد ما تقدم، غير أن هذا مأخوذ برمته من قول البهاء زهير المصري، يهجو ثقيلاً: وجاهل طال به عنائي ... لازمني وذاك من شقائي أبغض للعين من الأقذاء ... أثقل من شماتة الأعداء فهو إذا رأته عين الرائي ... أبو معاذ وأخو الخنساء والبهاء زهير أقدم عصراً من ابن حجة، فذهب تبجحه بذلك ضائعاً. وبيت الشيخ عبد القادر الطبري مر إنشاده في الجناس المذيل والكلام عليه وسرد البديعيات باعث على إعادته هنا وهو: معنى ابن تيم أبي النعمان كنت لهم ... وذيل الصبر صبا بالغرام عمي ابن تيم اسمه سعدان، أراد به تيم بن مرة، ويحتمل أن يكون أراد به غيره، وأبو النعمان اسمه المنذر. وقد أظهرت فيما تقدم عجزي عن فهم معنى هذا البيت. ولم يقع لي شرح هذه البديعية، حتى أراجع ما قاله الناظم إذ صاحب البيت أدرى بالذي فيه. وبيت بديعيتي قولي: قدري أبو حسن يا معنوي بهم ... ووصف حالي ابنه حال بحبهم أردت علياً وحسناً، أي قدري علي بهم، ووصف حال حسن، فحصل جناسان دل عليهما كنايات الألفاظ الظاهرة، أحدهما في صدر البيت وهو (عليّ وعليّ) والثاني في عجزه وهو (حسن وحسن) . وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله: لو كان قلبي أبا سفيان وانقلبت ... هند أباه لأضحى قلب جدهم قال في الشرح: معناه لو كان قلبي أبا سفيان أي صخر - فإن اسم أبي سفيان صخر - وانقلبت هند، أباه أي حرباً لي - فإن اسم أبيه حرب - لأضحى قلبه جدهم، أي قلب أمية مصغرة - فإن اسم جدهم أمية - وهو تصغير أمة. وإن شئت جعلت قلب بمعنى مقلوب، فإن مقلوب أمية هيما، أي لأضحى هيما بمعنى هائماً، فإنه يقال فيه: هايم وهيم، وإن شئت جعلته مقلوب لفظة جدهم، فإن مقلوبها مهدج بكسر الميم وإسكان الهاء وفتح الدال، أي كثر الحنين، قال في الصحاح: والهدجة حنين الناقة على ولدها وقد هدجت فهي مهداج، انتهى. ويجوز في مهداج مهدج، والله أعلم هذا نصه. قلت: غفر الله للشيخ قد كان في أحد هذه المعاني كفاية عن ذكر الباقي وما جهد القلب حتى يتحمل كل هذا.

стр. 39

وتجنيس الإشارة - ويسمى تجنيس الكناية، هو أن يذكر أحد ركني الجناس في اللفظ ويشار إلى الآخر بلفظ يدل عليه من صفة أو عكس أو تصحيف أو لفظ يرادفه أو نحو ذلك. وسبب ورود هذا النوع، أن الشاعر يقصد للمجانسة بين لفظين، فلا يساعده الوزن إبرازهما في اللفظ، فيضمر أحدهما ويشير إلى الثاني بما يدل عليه. ومثاله قول الشماخ: وما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفةٍ حرونِ يطيف بها الرواة وتتقيهم ... بأوعال معطفة القرونِ أراد أن يجانس بين أروى اسم محبوبته وبين أروى بمعنى الكثير من أنثى الوعول، فلم يطعه الوزن، فعدل عن ذكرها إلى صفاتها التي تدل عليها. والموفقة المشددة ثم الفاء: التي في يديها حمرة تخالف سائرها. والحرون بفتح الحاء المهملة وضم الراء المهملة: التي لا تبرح أعلى الجبل من الصيد. وقد صرح أبو العلاء المعري بهذا الجناس في قوله: أروى النياق كأروى النيق يعصمها ... ضرب يضل به السرحان مبهوتا ومن ذلك قوله الآخر: حلقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا أراد أن يقول: لحية موسى بموسى، فلم يوافقه الوزن، فاضمر الركن الثاني، وأشار إليه بما يدل عليه وهو قوله: باسمه. وقول الآخر: وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي فكنى عن العقارب بمقلوب البراقع، ولا شك أن بين اللفظ المصرح به والمكنى عنه تجانسا. ومنه قول امرأة من عقيل، وقد أراد قومها الرحيل عن بني ثهلان، وتوجه جماعة يحضرون الإبل: فما مكثنا ... دام الجمال عليكما بثهلان إلا أن تشد الأباعر أرادت أن تجانس بين الجَمال والجِمال فلم يساعدها الوزن ولا القافية، فأضمرت الركن الثاني، وأشارت إليه بما يدل عليه وهو الأباعر الذي هو مرادف الجِمال. ومثله قول شرف الدين الحلاوي: وبدت نظائر ثغره في قرطه ... فتشابها متخالفين فأشكلا فرأيت تحت البدر سالفة الطلى ... ورأيت فوق الدر مسكرة الطلا قصد المجانسة بين سالفة الطلى وسلافة الطلا، فعصاه الوزن فعدل إلى قوله: مسكرة الطِلا وهي مرادفة للسلافة. قال ابن حجة: وهذا النوع لا يتفق في الكلام المنثور. انتهى. قلت: إنما قال ذلك لما تقدم من أن سبب ورود هذا النوع عدم مساعدة الوزن للشاعر على إبراز ركني الجناس في اللفظ، والنثر ليس فيه وزن يمنع من ذلك. وقد تقدم أن الشيخ عز الدين لم ينظم من الجناس المعنوي إلا هذا القسم، وهو الذي أوجب تأخير بيته عن المناظرة، وهنا محل إثبات بيته وهو: وكافر نعم الإحسان في عذل ... كظلمة الليل عن المعنوي عمي الكافر في الأصل اسم فاعل، من كفر الشيء، إذا ستره. وسمي الكافر كافراً لأنه ستر نعمة الله عليه، أي سترها بجحدانه لوجوده، ثم أطلق على ضد المسلم، وكفر النعمة: جحدها وسترها. ويسمى الليل كافراً لأنه يستر المحسوسات. وما ألطف قول البهاء زهير: يا ليل طل يا هجر دم ... إني على الحالين صابر لي فيك أجر مجاهد ... إن صح أن الليل كافر فالشيخ عز الدين أرد أن يجانس بين كافر النعمة، أي جاحدها، وبين كافر بمعنى الليل، فأظهر أحد الركنين في اللفظ، وهو قوله: وكافر نعم الإحسان، وأضمر الركن الثاني، وأشار إليه بما يدل عليه وهو الظلمة، لأنها مرادفة له، فظهر جناس الإشارة بين (كافر وكافر) . وتعقبه ابن حجة: بأن الوزن ما عصاه حتى عدل إلى المرادف، فلو أراد أن يبرز الركنين لكان الوزن داخلاً تحت طاعته إذا قال: وكافر نعم الإحسان في عذل ... لكافر الليل عن ذا المعنوي عمي انتهى. تتمة - ومن أنواع الجناس: المشوش، وهو ما تجاذبه طرفان من الصنعة، فلا يمكن إطلاق اسم أحدهما عليه، كقولهم: فلان مليح البلاغة، لبيق البراعة، فإنه لو كانت عينا الكلمتين متحدتين مثلاً، لكان جناس تصحيف، أو لاماهما متحدتين لكان جناساً مضارعاً، فلما لم يكن كذلك بقي مذبذباً. ومثاله في النظم قول أبي فراس بن حمدان: لطيرتي في الصداع نالت ... فوق منال الصداع مني وجدت فيه اتفاق سوء ... صدعني مثل صد عني فلولا تشديد نون عني لكان جناساً مركباً، أو كان (صد عني) كلمة واحدة، لكان جناساً محرفاً.

стр. 40

واعلم أن أرباب البديع اختلفوا في أقسام الجناس، وأسمائها اختلافاً كثيراً، واستيفاء ذلك هنا يقضي إلى الإطناب والإسهاب. وقد أفرده بالتأليف جماعة منهم الشيخ صفي الدين الحلي، ألف فيه كتاباً سماه الدر النفيس في أجناس التجنيس، والشيخ صلاح الدين الصفدي ألف فيه كتابه المسمى بجنان الجناس. فمن أراد بسط القول فيه فعليه بهما. تنبيه - قال أبو المكارم ناصر الدين المطرزي في شرح المقامات: اعلم أن أنواع الجناس لا تستحسن حتى يساعد اللفظ المعنى، ولا تستلذ حتى تكون عذبة الإصدار والإيراد، سهلة سلسلة المقاد، ولا تبرع حتى يساوي مطلعها مقطعها، ولا تملح حتى يوازي مصنوعها مطبوعها، مع مراعاة النظائر، وتمكن القرائن، وإلا فما قلق في أماكنه، ونبا عن مواقعه، فبمعزل عن الرضا عند علماء البيان، وبمكان من البشاعة لدى أرباب النثر وأصحاب النظم. فإذا أردت أن تستوفي أقسام المحاسن، وتجتنب أنواع المشائن، فأرسل المعاني على سجيتها ودعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد، لم تكتس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأما أن تصنع في نفسك أنه لا بد لك من تجنيس أو تسجيع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه على خطر من الخطأ. فإن ساعدك الجد كما ساعد طاهراً البصري في قوله: ناظراه بما جنى ناظراه ... أو دعاني أمت بما أودعاني وأبا تمام في قوله: وأنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجدِ فذاك وإلا أطلقت لسان العتب، وأرخيت عنان الذم، وأفضي بك طلب الإحسان من حيث لم تحسنه إلى أشنع القبح، وأوقعك الولوع بالثناء عليك في ورطة القدح، وانقلب إحسانك إساءة، وتحول سرورك مساءة. انتهى. وقال الشيخ الأديب صلاح الدين الصفدي، في شرحه لامية العجم: الجناس وإن كان من أنواع البديع، ولكن بعض صوره مستثقل، كقول ابن الفارض: أما لك من صد أمالك عن صد ... لظلمك ظلماً منك ميل لعطفةِ فرُحن بحزن جازعات بعيدما ... فرحن بحزن الجزع بي لشبيبتي فانظر إلى استثقال هذا البيت الأول لما فيه من جناس التحريف في (صد وصدٍ) والأول من الصدود، والثاني من الصدي، أي عطشان، وفي (ظلم وظُلم) الأول بالفتح، وهو الريف؛ والثاني بالضم وهو الجور مع التقديم والتأخير الذي يحتاج إقليدس، حتى يستخرج ترتيبه على خط مستقيم، والتقدير فيه: أمالك ميل لعطفة عن صد، أمالك ظلماً منك عن صد لظلمك. فأمالك الأولى، مركبة من همزة الاستفهام، وما النافية، ولام الجر؛ وكاف الخطاب, وأما البيت الثاني، ففي (فرحن) مرتين، الأولى (الفاء) فاء العطف و (رحن) فعل ماض من الرواح لجماعة الإناث. والثانية فعل ماض من الفرح لجماعة الإناث. وفيه (الحزن) مرتين، الأولى بضم الحاء ضد الفرح، والثانية بفتح الحاء، من حزن الأرض، ضد السهل. ولهذه الألفاظ التي عقدها عقد الميزان لأجل الجناس، صار كلامه وحشياً من العوام، بل من بعض الخواص الذين لم يتمهروا في الأدب، وقل أن تجد من ديوانه نسخة صحيحة. وأكثر ما يساعد الأفاضل على تصحيح ألفاظه وزن الشعر، كما في قوله (صد وصد) الأولى مشددة، والثانية مخففة، وكما في قوله أيضاً: وإذا أذى ألمٍ المّ بخاطري ... فشذا أعيشاب الحجاز دوائي فانظر إلى هذا، لا يستقيم الكلام إلا بمراعاة الوزن، فإنه يضطر الواقف إلى أن يجعل الأول من الألم، والثاني من الإلمام، ولهذا جاء جناس العماد الكاتب في الشعر أخف منه في النثر، لأن الوزن يضع كل كلمة في مكانها. ومن الجناس المستثقل: جناس التصحيف، كقول ابن الفارض أيضاً: وما اخترت حتى اخترت حبك مذهباً ... فواحيرتي إن لم يكن فيك خيرتي وجذ بسيف العزم سوف فإن تجد ... تجد نفساً فالنفس إن جدت جدت

стр. 41

في البيت الأول، اخترت: من الخيرة واخترت الثانية: من الاختيار. وفي الثاني، تجد الأولى: من الجود؛ والثانية: من الوجدان. وهذه الأشياء لا يخفى على الذوق السليم ما فيها من الاستثقال. ولم أقل هذا الكلام جهلاً بمقدار الشيخ شرف الدين بن الفارض، وأنه لم يكن من الفصحاء، ألا ترى قصائده التي أخلاها من الجناس مثل الميميتين والجيمية، واللامية؛ والمهموزة، وغيرها ما أرقها وأحلاها. والجناس إذا كثر في الكلام مُل، اللهم إلا أن يكون سهل التركيب، ليس على المتكلم فيه كلفة. انتهى كلامه. وقال الشيخ شهاب الدين محمود: إنما يحسن الجناس إذا أتى في الكلام عفواً من غير كد، ولا بعد، ولا ميل إلى جانب الركة، ولا يكون كقول الأعشى: وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاوٍ مشل شلولٌ شلشل شول ولا كقول مسلم بن الوليد: سلت وسلت ثم سلَّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا انتهى. ومثل هذين البيتين قول أبي الطيب المتنبي: فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلهم قلاقل قال ابن حجة: هذا البيت حكمت علي أبي الطيب به المقادير. قال الثعالبي: قال ليس سهل بن المرزبان يوماً: إن من الشعراء من شلشل، ومنهم من سلسل، ومنهم من قلقل، يشر إلى الأبيات الثلاثة. فقال الثعالبي: إني أخاف أن أكون رابع الشعراء، أراد قول الشاعر: الشعراء فاعلمن أربعة ... فشاعر يجري ولا يجرى معه وشاعر من حقه أن ترفعه ... وشاعر من حقه أن تسمعه قال الثعالبي: ثم إني قلت بعد ذلك بحين: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فأنف البلابل باحتساء بلابل والله أعلم. الاستطراد أجروا سوابق دمعي في محبتهم ... واستطردوها كخيل يوم مزدحم الاستطراد في اللغة: مصدر استطراد الفارس لقرنه، إذا طرد فرسه بين يديه، يوهمه الفرار، ثم يعطف عليه على غرة منه، وهو ضرب من المكيدة. وفي الاصطلاح، هو أن يكون الناظم أو الناثر آخذاً في غرض من أغراض الكلام، من غزل أو مدح أو وصف أو غير ذلك، فيخرج منه إلى غرض آخر. وقال ابن أبي الحديد: الاستطراد، هو أن تخرج بعد تمهيد ما تريد أن تمهده إلى الأمر الذي تروم ذكره، فتذكره وكأنك غير قاصد لذكره بالذات، بل قد حصل ووقع ذكره بالعرض من غير قصد، ثم تدعه وتتركه وتعود إلى الأمر الذي كنت في تمهيده كالمقبل عليه وكالملغي لما استطردت بذكره. فمن ذلك قول البحتري وهو يصف فرساً: واغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجلِ كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكلِ يهوي كما هوت العقاب وقد رأت ... صيداً وينتصب انتصاب الأجدل ما إن يعوف قذى ولو أوردته ... يوماً خلائق حمدوية الأحول ذنب كما سحب الرشاء يذب عن ... عرف وعرفه كالقناع المسبل جذلان ينفض عذرة في غرة ... يفقٍ تسيل حجولها في جندل كالرائح النشوان أكثر مشية ... عرضاً على السنن البعيد الأطول هزج الصهيل كأن في نغماته ... نبرات معبد في الثقيل الأول ملك القلوب فإن بدا أعطيته ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل ألا تراه كيف استطرد بذكر حمدويه الأحول الكاتب، وكأنه لم يقصد لذلك ولا أراده، وإنما جرته القافية، ثم ترك ذكره وعاد إلى وصف الفرس ولو أقسم إنسان أنه ما بنى القصيدة منذ افتتحها إلا على ذكره، ولذلك أتى بها على روي اللام لكان صادقاً، فهذا هو الاستطراد. ومن الفرق بينه وبين التخلص، أنك في التخلص متى شرعت في ذكر الممدوح أو المهجو تركت ما كنت فيه من قبل بالكلية، وأقبلت على ما تخلصت إليه من المديح والهجاء بيتاً بعد بيت حتى تنقضي القصيدة. وفي الاستطراد يمر ذكر الأمر الذي استطردت به مروراً كالبرق الخاطف، ثم تتركه وتنساه وتعود إلى ما كنت فيه كأنك لم تقصد قصد ذاك، وإنما عرض عروضاً، لم يقصد بذكر الأول التوصل إليه، ثم يعود إلى ما كان فيه، فإن لم يعد فهو تخلص. وهذا هو الفرق بينه وبين المخلص. وأحسن ما سمع في مثاله قول السمؤل، بل قيل أنه أول شاهد ورد في هذا النوع: وأنا لقوم لا نرى الموت سبة ... إذا ما رأته عامر وسلولُ

стр. 42

فاستطرد من الفخر بالشجاعة إلى هجو أعدائه، ثم عاد إلى ما كان عليه من الافتخار فقال: يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكره آجالهم فتطولُ وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير الظبات تسيل إلى آخر القصيدة. ومثله قول الآخر: إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من جرم فخرج من الوعظ إلى الهجو المؤلم في قبيلة جرم. ووقع منه في القرآن العظيم آيات، منها في سورة لقمان، قوله تعالى: (وإذا قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهنٍ وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلي المصير. وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنت تعملون) . فاستطرد من حكاية وصية لقمان لابنه وصيته سبحانه لعباده، لما بينهما من المناسبة، ثم عاد إلى ما كان عليه من وصية لقمان لابنه فقال: (يا بني إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردلٍ) إلى آخر الآيات. ومنها في سورة الشعراء، حيث حكى قول إبراهيم: (ولا تخزني يوم يبعثون) فاستطرد إلى وصف المعاد بقوله: (يوم لا ينفع مال ولا بنون) إلى آخره، ثم عاد إلى ذكر الأنبياء والأمم. ومثل كثير فيه يظهر عند التتبع. ومما وقع في الشعر قول الشريف الرضي عليه من الله الرضا: أبونا الذي أبدى بصفين سيفه ... ضغاء ابن هند والقنا يتقصف ومن قبل ما أبلى ببدرٍ وغيرهما ... ولا موقف إلا له فيه موقفُ ورثنا رسول الله علوي مجده ... ومعظم ما ضم الصفا والمعرف وعند رجال إن جل تراثه ... قضيب محلى أو رداء مفوف يريدون أن نلقي إليهم أكفنا ... ومن دمنا أيديهم الدهر تنطف فلله ما أقسى ضمائر قومنا ... لقد جاوزوا حد العقوق وأسرفوا يضنون أن تعطى نصيباً من العلا ... وقد عاجلوا دين العلى وتسلفوا فاستطرد من الافتخار إلى الشكوى من بني العباس وجورهم، ثم عاد إلى غرضه من الافتخار فقال: وهذا أبي الأدنى الذي تعرفونه ... مقدم مجد أول ومخلف مؤلف ما بين الملوك إذا هفوا ... وأشفوا على حز الرقاب وأشرفروا إلى آخر القصيدة وهي من محاسن قصائده. وأراد بالقضيب والرداء في قوله: قضيب محلى أو رداء مفوف، قضيب النبي) ﵌ (وبردته، اللذين كان الخلفاء يتوارثونهما. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: أما القضيب فهو السيف الذي نحله علياً) ﵇ (في مرضه، وليس بذي الفقار، بل هو سيف آخر. وأما البردة فإنه وهبها كعب بن زهير، ثم صار هذا السيف وهذه البردة إلى الخلفاء بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ. انتهى. وقول الأبيوردي: وواش يسر الحقد واللحظ ناطق ... به وعلى الشحناء تطوى ترائبه وشى بسليمي مظهراً لي نصيحة ... ومن نصحاء المرء من هو كاذبه ورشح من هنا وهنا حديثه ... ليخدعني والليل يغتال خاطبه فقربته مني ولم يدر أنه ... إذا عد مجد ليس منن يقاربه وأرعيته سمعي ليحسب أنني ... سريع إلى الأمر الذي هو طالبه ولو رام عمرو والمغيرة غيرتي ... لاعيتهما فليحذر الشر جالبه أراد عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة لأنهما كانا أدهى دهاة العرب وأمكرها. وما الصقر مني حين يرسل نظرة ... وتصدقه عيناه فيما يراقبه ولا الأسد الضاري يريد شكيمتي ... وإن دميت عند الدفاع مخالبه فاستطرد من وصف الواشي وذمه إلى وصف نفسه بالحزم والعقل وتقرب النظر والفراسة والشجاعة، ثم عاد إلى الواشي فقال: فقلت له لما تبين أنني ... فتى الحي لا يشقى به من يصاحبه أتعذلني ... فاهاً لفيك على الهوى لأرمي بالحبل الذي أنت قاضبه وأهجر من أغرى إذا عبته به ... جعلت فداء الذي أنت عائبه ومنه قولي: وافي وافق الدجى بالزهر متشح ... والنجم يخفي لرائيه ويتضحُ والبدر يرفل في ظلمائه مرحاً ... وضرة البدر عندي زانها المرح

стр. 43

مهفهف تستخف الراح راحته ... ويثقل السكر عطفيه فيرتنح بدا يطوف بها حمراء ساطعة ... في جبهة الليل من لالائها وضح فاطرح زنادك لا تستورده قبساً ... لا يقدح الزند من في كفه القدح وافي بها أسرة في المجد راسية ... لا يستفزهم حزن ولا فرح هم سمام العدى إن غارة عرضت ... وهم غمام الندى والفضل إن سمحوا تخفي وجوههم الأقمار إن سفروا ... وتخجل السحب أيديهم إذا منحوا مالوا إلى فرص اللذات من أمم ... ولم يميلوا عن العليا ولا جنحوا فاستطرد من وصف الساقي والخمر إلى وصف ندمائه بالرجاحة والشجاعة والسماحة والصاحبة، ثم عاد إلى ما كان عليه من وصف الساقي فقال: وبات يمنحني من دونهم منحا ... كانت أماني نفسي والهوى منح وقلت بعده: وذات حسن إذا ميطت براقعها ... فالشمس داهشة والبدر مفتضح عاتبتها بعدما مال الحديث بها ... عتباً يمازحه من دلها ملح فأعرضت ثم لانت بعد قسوتها ... حتى إذا لم يكن للوصل مطرح أغضت وأرضت بما أهوى وعفتنا ... تأبى لنا مأثماً في الحب يجترح فلم نزل لابسي ثوب العفاف إلى ... أن كاد يظهر في فرح الدجى جلح قامت وقمت وفي أثوابنا أرج ... من الوصال وفي أكبادنا قرح ما أصعب الحب في خطب وأبرحه ... بذي العفاف وإن أخفى الذي يضح وأورد ابن حجة من شواهد الاستطراد قول حسان بن ثابت: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا رأس طمرة ولجسام قال: فانظر كيف خرج من الغزل إلى هجو الحارث بن هشام. والحارث هذا هو أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، ومات يوم اليرموك بالشام. انتهى. وأنا أقول: ليس هذا من الاستطراد في شيء، بل هو تخلص البتة، لأن الاستطراد يشترط فيه العود إلى الكلام الأولى كما تقدم، وحسان لم يعد إلى ما كان عليه من ذكر العاذلة، بل أتم القصيدة مستمراً على ذكر هزيمة الحارث بن هشام والإيقاع بقومه في يوم بدر. ولنذكر ما قبل البيتين مما يتعلق بهما، وما بعدهما إلى آخر القصيدة حتى يعلم صحة ما ذكرناه. قال حسان: يا من لعاذلة تلوم سفاحة ... ولقد عصيت على الهوى لوامي بكرت علي بسحرة بعد الكرى ... وتقارب من حادث الأيام زعمت بأن المرء يكرب عمره ... حدث لمعتكر من الأصرام يقول: زعمت أن الرجل يقرب أجله الفقر، فأمرتني بالإمساك، والمعتكر المال الكثير، والأصرام جمع صرمة بكسر الصاد المهملة، وهي القطعة من الإبل، ما بين العشرين إلى الثلاثين، وقيل غير ذلك. إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام تذر العناجيج الجياد بقفزة ... مر الدموك بمحصد ورجام العناجيج: جياد الخيل والإبل. قال شارح الديوان: أراد بالدموك البكرة وهي الخشبة المستديرة التي يستقي عليها، يريد أنها تسرع سرعان الكبرة. والمحصد: الحيل المحكم الفتل. والرجامان: قرنا البئر اللتان تكون بينهما البكرة. ملأت به الفرجين فارمدت به=وثوى أحبته بشر مقام يريد ملأت به الفرس فرجيها، وهو ما بين رجليها عدوا. وأرمدت: أسرعت. وبنو أبيه ورهطه في معرك ... نصر الإله به ذوي الإسلام طحنتهم والله ينفذ أمره ... حرب يشب سعيرها بضرام لولا الإله وجريها لتركنه ... جزر السباع ودسنه بحوامي الحوامي: ميامن الحافر ومياسره. من كل مأسور يشد صفاده ... صقر إذا لاقى الكتيبة حامي ومجدل لا يستجيب لدعوة ... حتى تزول شوامخ الأعلام ومرنح فيه الأسنة شرعا ... كالجفر غير مقابل الأعمام الجفر: الجدي، والمقابل الذي أبوه وأمه من قبيلة واحدة، أو الكريم النسب من قبل أبويه. من صلب خندف ماجد أعراقه ... بخلت به بيضاء ذات تمام هذا آخر القصيدة فأين الاستطراد الذي ذكره ابن حجة؟ وقد قال هو: الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول، وقطع الكلام بعد المستطرد به.

стр. 44

ولما بلغت هذه القصيدة الحارث بن هشام قال، وهو أحسن ما قيل في الاعتذار عن الفرار: الله أعلم ما تركت قتالهم ... حتى رموا فرسي بأشقر مزبدِ وعلمت أني إن أقاتل واحداً ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم ... طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد وقد ذكر ابن حجة وغيره أبياتاً كثيرة، وعدوها من الاستطراد لا يعلم هل عاد الشاعر فيها إلى ما ابتدأ فيه من الكلام أم لا، فلا يقطع بكونها من هذا الباب حتى يعلم ذلك. قال ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على المثل السائر: ومما زعم صاحب كتاب المثل السائر أنه استطراد قول بعض شعراء الموصل يمدح الأمي قرواش بن المقلد وقد أمره أن يعبث بهجو وزيره سليمان بن فهد وحاجبه أبي جابر، ومغنيه البرقعيدي، في ليلة من ليالي الشتاء، وأراد بذلك الدعابة والولع بهم وهم في مجلس الشراب: وليل كوجه البرقعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومي فيه نوم مشرد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه على أبلق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه إلى أن بدى ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه وليس من الاستطراد في شيء، لأن الشاعر قصد هجاء كل واحد منهم ووضع الأبيات لذلك، ومضمون الأبيات كله مقصود له، فكيف يكون استطراد؟. انتهى. قلت: وقد أورد هذه الأبيات القاضي ابن خلكان في تاريخه في ترجمة المقلد بن المسيب قال: ومن جملة شعراء دمية القصر، الطاهر الجزري وقد مدح قرواشاً بقوله وهو في نهاية الحسن في باب الاستطراد، ثم أورد الأبيات وقال بعدها: ولشرف الدين بن عنين الشاعر على هذا الأسلوب في فقيهين كانا بدمشق، ينبز أحدهما بالبغل والآخر بالجاموس وهو: البغل والجاموس في جدليهما ... قد أصبحا عظة لكل مناظرِ برزا عشية ليلة فتباحثا ... هذا بقرنيه وذا بالحافر لم يتقنا غير الصياح كأنما ... لقنا جدال المرتضى ابن عساكر لفظ طويل تحت معنى قاصر ... كالعقل في عبد اللطيف الناظر اثنان مالهما وحقك ثالث ... إلا رقاعة مذلويه الشاعر ولقد حكى لي بعض الأصحاب، أنه سأل ابن عنين عن أبيات الطاهر الجزري وأنه استحسن البناء عليها، فحلف أنه ما كان سمعها والله أعلم. ومذلويه المذكور لقب كان ينبز به الرشيد عبد الرحمن بن بدر النابلسي الشاعر المعروف. انتهى كلام ابن خلكان. قلت: وفي قول ابن أبي الحديد: إن الأبيات المذكورة ليست من الاستطراد في شيء، نظر، فقد قال القزويني في الإيضاح: الاستطراد هو الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به، لم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني، كقول الحماسي: وأنا لقوم ما نرى الموت سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول ثم قال: وقد يكون الثاني هو المقصود فيذكر الأول قبله ليتوصل إليه كقول أبي اسحاق الصابي: إن كنت خنتك في المودة ساعة ... فذممت سيف الدولة المحمودا وزعمت أن له شريكاً في العلى ... وجحدته في فضله التوحيدا قسماً لو أن حالف بغموسها ... لغريم دين ما أراد مزيدا قال: ولا بأس أن يسمى هذا إبهام الاستطراد. انتهى. فالأبيات التي أنكر ابن أبي الحديد كونها من الاستطراد من هذا القبيل فاعلم. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته من هذا القبيل أيضاً وهو: كأن آناء ليلي في تطاولها ... تسويف كاذب آمالي بقربهم فإنه قدم أداة التشبيه ليتوصل إلى ما قصده من ذم كاذب الآمال. وكذلك بيت ابن جابر الأندلسي في بديعيته وهو: قد أفصح الضب تصديقاً ببعثته ... إفصاح قس وفهم القوم لم يهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: يستطرد الشوق خيل الدمع سابقه ... فيفضل السحب فضل العرب للعجمِ قال ابن حجة: الشيخ عز الدين أحرز قصبات السبق باستطراده هنا على الشيخ صفي الدين والعميان، مع التزامه تسمية النوع المورى به من جنس الغزل، ومراعاة جانب الرقة ونظم الاستطراد على الشرط المذكور. وبيت ابن حجة قوله: واستطردوا خيل صبري عنهم فكبت ... قصرت كليالينا بوصلهم

стр. 45

أقول: ابن حجة استطرد خيل أفكاره في هذا البيت ليلحق الشيخ عز الدين لكنها كبت وقصرت، وما ذاك إلا أنه استعار لصبره خيلا، وهي استعارة مستهجنة جداً، بالنسبة إلى رقة التشبيب، وأين هي من استعارتها للدمع، فإنها كادتا أن تكونا ضدين. وإذا نظرت إلى اشتقاق الخيل وأنه من الخيلاء، زادك ذلك استهجاناً لها، ولم تزل الشعراء تصف أنفسها في تشبيبها وغزلها بقلة الصبر وعدمه. حتى جاء هذا الرجل، فأثبت لنفسه صبراً من أحبابه، ولم يكفه ذلك، حتى استعار له خيلاً، ثم يقول: هذا البيت غريب ولا بد لأهل الأدب من تأهيل غريبه. وأما استطراده فيه، فإنه وإن كان قصد به وصف ليالي وصلهم بالقصر، لكن السامع إذا سمع هذا البيت لا يتبادر إلى فهمه إلا أنه قصد ذمها حيث شبهها بخيل صبره التي كبت وقصرت. اللهم أنا نعوذ بك من سنة الغفلة. وبيت الشيخ عبد القادر الطبري قوله: واستطرد الحب خيل الوصل سابقة ... بفضل ود كفضل الملك للخدمِ هذا البيت ممسوخ الألفاظ من بيت الشيخ عز الدين الموصلي، وأما معناه فهو من البرودة في الغاية القصوى. وفضل الملك للخدم كالسماء فوقنا والأرض تحتنا، فما معنى الاستطراد إليه. وما الغرض من ذلك؟. وبيت بديعيتي هو: أجروا سوابق دمعي في محبتهم ... واستطردوها كخيلي يوم مزدحمِ الاستطراد في هذه البيت من الغزل إلى الحماسة، وفي تشبيه سوابق الدمع بالخيل من المناسبة ما لا يخفى. وبيت الشيخ إسماعيل المقري قوله: هجرتني هجر عذالي منازلهم ... لشغلهم بي فلم أهدأ ولم أنم هذا الاستطراد من قبيل استطراد الشيخ صفي الدين وابن جابر وهو النوع الثاني منه. الاستعارة ذوى وريق شبابي في الغرام بهم ... من استعارة نار الشوق والألم اعلم أن الكلام في الاستعارة وأنواعها مما أطلق البيانيون فيه أعنه الأقلام، حتى أفردها بعضهم بالتأليف، وليس الغرض هنا استقصاء ذلك وإنما المقصود تقريبها إلى الإفهام، بتعريف يزيل عنها الإبهام، وذكر أقسامها باختصار، مع إثبات شيء مما وقع منها في محاسن النظم والنثر. قالوا: زوّج المجاز بالتشبيه فتولد بنيهما الاستعارة، فهي مجاز علاقته المشابهة. ويقال في تعريفها: اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي، كأسد في قولنا: رأيت أسداً يرمي، فأسد استعارة، لأنه لفظ استعمل في شجاع شبه بالأسد الذي هو الحيوان المفترس. وكثيراً ما تطلق الاستعارة على فعل المتكلم، أعني استعمال اسم المشبه به في المشبه، فيكون بمعنى الصدر ويكون المتكلم مستعيراً، والمعنى المشبه به مستعاراً منه، والمعنى المشبه مستعاراً له، واللفظ المشبه به مستعاراً. وقال بعضهم: حقيقة الاستعارة، أن تستعار الكلمة من شيء معروف بها إلى شيء لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي، أو إيضاح الظاهر الذي ليس بجلي، أو حصول المبالغة أو المجموع. فمثال إظهار الخفي قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب) فإن حقيقته: وإنه في أصل الكتاب، فاستعر لفظ الأم للأصل، لأن الأولاد تنشأ من الأم، كما تنشأ الفروع من الأصول، وحكمة ذلك تمثل ما ليس بمرئي حتى يصير مرئياً، فينتقل السامع من حد السماع إلى حد العيان، وذلك أبلغ في البيان. ومثال إيضاح ما ليس بجلي ليصير جلياً، قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل) فإن المراد أمر الولد بالذل لوالديه رحمة. فاستعير للذل أولاً جانب، ثم للجانب جناح. وتقدير الاستعارة القريبة: واخفض لهما جانب الذل، أي اخفض جانبك ذلاً، وحكمة الاستعارة في هذا، جعل ما ليس بمرئي مرئياً، لأجل حسن البيان. ولما كان المراد خفض جانب الولد للوالدين، بحيث لا يبقى الولد من الذل لهما والاستكانة ممكناً، احتيج في الاستعارة إلى ما هو أبلغ من الأولى، فاستعير لفظ الجناح لما فيه من المعاني التي لا تحصل من خفض الجانب، لأن من يميل جانبه إلى الجهة السفلى أدنى ميل، صدق عليه أنه خفض جانبه، والمراد خفض يلصق الجنب بالأرض، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الجناح كالطائر. ومثال المبالغة (وفجرنا الأرض عيوناً) وحقيقته وفجرنا عيون الأرض، ولو عبر بذلك لم يكن فيه من المبالغة ما في الأول المشعر بأن الأرض كلها صارت عيوناً. انتهى.

стр. 46

واختلف في الاستعارة هل هي مجاز عقلي أو لغوي؟ فقيل: بالأول. بمعنى أن التصرف فيها أمر عقلي لا لغوي، لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد إدعاء دخوله في جنس المشبه به، فكان استعمالها فيما وضعت له فتكون حقيقة لغوية، ليس فيها غير نقل الاسم وحده، وليس نقل الاسم المجرد استعارة، لأنه لا بلاغة فيه، بدليل الإعلام المنقولة فلم يبق إلا أن يكون مجازاً عقلياً. وقيل بالثاني الجمهور، لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه، ولا لأعم منهما، فاسد في قولك: رأيت أسداً يرمي، موضوع للسبع ولا للشجاع، ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجريء مثلاً ليكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليهما. وأركان الاستعارة ثلاثة: مستعار منه، ومستعار له، ومستعار، وقد تقدم بيانها. وأقسامها كثيرة باعتبارات. فتتقسم باعتبار المستعار منه، والمستعار له، والوجه الجامع لهما إلى خمسة أقسام. أحدها، استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس، ومثاله قوله تعالى (فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوارٌ) فإن المستعار منه ولد البقرة، والمستعار له الحيوان الذي خلقه الله تعالى من حلي القبط التي سبكتها نار السامري، عند إلقائه فيها التربة التي أخذتها من موطئ حيزوم فرس جبرئل) ﵇ (، والوجه الجامع لهما الشكل، والجميع حسي، فشيئاً لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلاً قليلاً بجامع التتابع على طريق التدريج، وكل ذلك محسوس. وقول الشاعر: وورد جني طالعتنا خدوده ... ببشرٍ ونشر يبعثان على السكرِ فالمستعار منه الوجنات الحمر، والمستعار له ورق الورد، بجامع الحمرة والجميع محسوس. الثاني، استعارة محسوس لمحسوس بوجه عقلي، وهي ألطف من الأولى، ومثاله قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) فإن المستعار منه كشط الجلد وإزالته عن الشاة ونحوها، والمستعار له كشف الضوء عن مكان الليل، وهما حسيان، والجامع لهما ما يعقل من ترتب أمر على آخر، وحصوله عقب حصوله كترتب ظهور اللحم على الكشط، وظهور الظلمة على كشف الضوء، والترتب أمر عقلي. الثالث استعارة معقول لمعقول بوجه عقلي. قيل: وهي ألطف الاستعارات ومثاله قوله تعالى: (من بعثنا من مرقدنا هذا) فإن المستعار منه الرقاد، والمستعار له الموت، والجامع بينهما عدم ظهور الفعل، والجميع عقلي. الرابع استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي، ومثاله قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) فإن المستعار منه صدع الزجاجة، وهو كسرها وهي حسي، والمستعار له تبليغ الرسالة وهو عقلي، والجامع لهما التأثير وهو عقلي أيضاً. الخامس استعارة معقول لمحسوس بوجه عقلي، ومثاله قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء) فإن المستعار له كثرة الماء وهو حسية والمستعار منه التكبر وهو عقلي، والجامع الاستعلاء المفرط وهو عقلي أيضاً. وتنقسم باعتبار اللفظ إلى أصلية، وهي ما كان اللفظ المستعار فيها اسم جنس، كأسد وقيام وقعود، ومنه آية العجل. وتبعية، وهي ما كان اللفظ فيها غير اسم الجنس كالفعل والمشتقات، كسائر الآيات السابقة، وكالحروف نحو قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا) شبه ترتب العداوة والحزن على الالتقاط بترتب علته الغائية عليه، كالمحبة والتبني ونحو ذلك، ثم استعمل في المشبه اللام الموضوعة للمشبه به. وتنقسم باعتبار الطرفين إلى وفاقية وعنادية، لأن اجتماع الطرفين في شيء إن كان ممكناً سميت وفاقية نحو وأحيينا، في قوله تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه) أي ضالاً فهديناه. استعير الأحياء وهو جعل الشيء حياً للهداية التي هي الدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب، والأحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شيء، وإن كان ممتنعاً سميت عنادية، وذلك كاستعارة المعدوم للموجود لانتفاء النفع به كما في العدوم. ولا شك أن اجتماع الوجود والعدم في شيء ممتنع، وذلك كاستعارة اسم الميت للحي الجاهل، فإن الموت والحياة ممتنع اجتماعهما. ومن العنادية التهكمية والتمليحية، وهما ما استعمل في ضد أو نقيض نحو قوله تعالى: (فبشرهم بعذابٍ أليمٍ) أي أنذرهم. استعيرت البشارة التي هي الأخبار بما يسر، للإنذار الذي هو ضده، بإدخاله في جنسها على سبيل التهكم، وكذا قولك: رأيت أسداً، وأنت تريد جباناً على سبيل التمليح والطرافة.

стр. 47

وتنقسم باعتبار الجامع إلى عامية، وهي المبتذلة لظهور الجامع فيها، نحو رأيت أسداً يرمي، وخاصية وهي الغريبة التي لا يظفر بها إلا من ارتفع عن طبقة العامة. والاستعارات الواردة في التنزيل كلها من هذا القبيل. ومنه قول طفيل الغنوي: وجعلت كوري فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل وموضع اللطف والغرابة منه أنه استعار الاقتيات لإذهاب الرحل شحم السنام، مع أن الشحم يقتات. ثم الغرابة قد تكون في نفس الشبه، بأن يكون نفس التشبيه غريباً كقول يزيد بن مسلمة بن عبد الملك يصف فرساً له، بأنه مؤدب، وأنه إذا نزل عنه وألقى عنانه في قربوس سرجه وقف مكانه إلى أن يعود: عودته فيما أزور حبائبي ... إهماله وكذاك كل مخاطر فإذا أحتبي قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر شبه هيئة وقوع العنان في موقعه من قربوس السرج بهيئة وقوع الثوب في موقعه من ركبة المحتبي، فجاءت الاستعارة غريبة لغرابة الشبه. وقد تحصل الغرابة بتصرف في الاستعارة العامة. كقول كثير عزة وقيل غيره: ولما قضينا من مني كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح استعار سيلان السيول الواقعة في الأباطح لسير الإبل يسراً حثيثاً في غاية السرعة المشتملة على لين وسلاسة، والتشبيه فيها ظاهر عامي لكنه تصرف فيه بما أفاده اللطف والغرابة حين أسند الفعل وهو (سالت) إلى الأباطح دون المطي أو أعناقها، حتى أفاد أن الأباطح امتلأت من الإبل. وأدخل الأعناق في السير، لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهر أن غالباً في الأعناق، ويتبين أمرهما في الهوادي، وسائر الأجزاء يستند إليها في الحركة، ويتبعها في الثقل والخفة. ومثل هذه الاستعارة في الحسن وعلو الطبقة في هذه اللفظة بعينها قول ابن المعتز: سالت عليه شعاب الحي حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير أراد أنه مطاع في الحي، وأنهم يسرعون إلى نصرته، وأنه لا يدعوهم لخطب إلا أتوه وكثروا عليه وازدحموا حواليه، حتى تجدهم كالسيول. تجيء من ههنا وههنا، وتنصب من هذا المسيل وذاك، حتى يغص بها الوادي ويطفح منها، وهذا التشبيه ظاهر معروف أيضاً، ولكن حسن التصرف فيه إفادة الغرابة بإسناد الفعل إلى الشعاب دون الأنصار أو الوجوه، حتى أفاد أن الشعاب امتلأت من الرجال، وكما أن إدخال الأعناق في السير، أكد الدقة والغرابة في الأول، أكدها هنا تعدية الفعل إلى ضمير الممدوح بعلى، لأنه يؤكد مقصوده من كونه مطاعاً. وكذا في قوله: فرعاء إن نهضت لحاجتها ... عجل القضيب وأبطأ الدعص فإن تشبيه القوام بالقضيب، والردف بالدعص تشبيه عامي مبتذل، لكن وصفه الأول بالعجلة والثاني بالبطء أفاده غرابة ولطفاً. وقد يكون وجه التشبيه في الاستعارة منتزعاً من عدة أمور فتسمى الاستعارة تمثيلية، والعلم في ذلك ما كتبه الوليد بن يزيد لما بويع بالخلافة إلى مروان بن محمد وقد بلغه أنه متوقف في بيعته له: أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا، فاعتمد على أيهما شئت والسلام. فشبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلاً، وتارة لا يريده فيؤخر أخرى، فاستعمال الكلام الدال على هذه الصورة في تلك، ووجه الشبه وهو الإقدام تارة والإحجام تارة أخرى منتزع من عدة أمور كما ترى. وإذا تحقق معنى الاستعارة حساً أو عقلاً، سميت تحقيقية، لتحقيق معناها في الحس أو العقل؛ فالأول كقوله: لدى أسد شاكي السلاح؛ فإن الأسد مستعار للرجل الشجاع، وهو أمر متحقق حساً، والثاني كقوله تعالى: (وأنزلنا إليكم نوراً) فإن النور مستعار للبيان الواضح، وهو أمر متحقق عقلاً.

стр. 48

وقد يضمر التشبيه في النفس فلا يصرح بشيء من أركانه سوى المشبه ويدل على ذلك التشبيه المضمر في النفس بأن يثبت للمشبه أمر مختص بالمشبه به، فيسمى ذلك التشبيه المضمر استعارة بالكناية، ومكنياً عنها، لأنه لم يصرح به بل دل عليه بذكر خواصه ولوازمه، ويسمى إثبات ذلك الأمر المختص بالمشبه به استعارة تخيلية، لأن قد استعير للمشبه ذلك الأمر المختص بالمشبه به، وبه يكون كمال المشبه به أو قوامه في وجه التشبيه ليتخيل أن المشبه من جنس المشبه به. ثم ذلك الأمر المختص بالمشبه به على ضربين، أحدهما ما لا يكمل وجه التشبيه في المشبه به بدونه، والثاني ما به يكون قوام وجه الشبه في المشبه. فالأول كقول أبي ذؤيب الهذلي: وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع شبه المنية في نفسه بالسبع في اغتيال النفوس بالقهر والغلبة، من غير تفرقة بين نفاع ضرار، ولا رقة لمرحوم، ولا بقيا على ذي فضيلة، فأثبت لها الأظفار التي لا يكمل ذلك الاغتيال في السبع بدونها تحقيقاً للمبالغة في التشبيه، فتشبيه المنية بالسبع استعارة بالكناية وإثبات الأظفار للمنية، استعارة تخييلية. والثاني كقول العتبي: فلئن نطقت بشكر برك مفصحاً ... فلسان حالي بالشكاية أنطق شبه الحال بإنسان متكلم بالدلالة على المقصود، وهذا هو الاستعارة بالكناية، ثم أثبت للحال اللسان الذي به قوام الدلالة في الإنسان المتكلم وهذه الاستعارة التخييلية. وبينه وبين السكالي في ذلك نزاع لا يتسع المجال لبيانه، وكتبهما كافلة بذلك، فمن أراده فعليه بها. واعلم أن الاستعارة تنقسم باعتبار آخر - غير اعتبار اللفظ والطرفين والجامع - إلى ثلاثة أقسام: مطلقة ومجردة ومرشحة. فالمطلقة، هي ما لم تقرن بصفة ولا تفريع كلام مما يلائم المستعار أو المستعار منه نحو عندي أسد، والمراد بالصفة، الصفة المعنوية لا النعت. والمجردة هي ما قرن بما يلائم المستعار كقول كثير: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاً ... علقت بضحكته رقاب المالِ فإنه استعار الرداء للعطاء، لأنه يصون عرض صاحبه كما يصون الرداء ما يلقى عليه، ثم وصفه بالغمر الذي يلائم العطاء لا الرداء، فنظر إلى المستعار له تجريداً للاستعارة. والمرشحة هي ما قرن بما يلايم المستعار منه كقوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم قرنها بما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة، فنظر إلى المستعار منه. وقد يجتمع التجريد والترشيح كقول زهير: لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم فقوله: شاكي السلاح تجريد، لأنه قرن بما يلائم المستعار له أعني الرجل الشجاع. وقوله: مقذف إلى آخر البيت ترشيح، لأن هذه الصفة إنما تلائم المستعار منه، أعني الأسد الحقيقي. والترشيح أبلغ من الإطلاق والتجريد، ومن جمع التجريد والترشيح لاشتماله على تحقيق المبالغة في التشبيه، لأن في الاستعارة مبالغة فيه، فترشيحها وتزيينها بما يلائم المستعار منه تحقيق لذلك وتقوية له، ومبنى الاستعارة على تناسي التشبيه وإدعاء أن المستعار له عين المستعار منه لا شيء مشبه به، حتى أنه يبنى على علو القدر ما يبنى على علو المكان. كقول أبي تمام: ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء فإن استعار الصعود لعلو القدر ثم بنى عليه ما يبنى على علو المكان والارتقاء إلى السماء، فلولا أن قصده أن يتناسى التشبيه ويصمم على إنكاره فيجعله صاعداً في السماء من حيث المسافة المكانية لما كان لهذا الكلام وجه. وكقوله أيضاً: خدم العلي فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدمِ وإذا ارتقى من قلةٍ في سؤدد ... قالت له الأخرى بلغت تقدم وقول ابن الرومي: يا آل نوبخت لا عدمتكم ... ولا تبدلت بعدكم بدلا إن صح علم النجوم فهو لكم ... حقاً إذا ما سواكم انتحلا كم عالم فيكم وليس بأن ... قاس ولكمن بأن رقى فعلا أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا شافهتم البدر في السؤال عن الأمر إلى أن بلغتم زحلا ونحو ذلك ما وقع من التعجب في قول ابن العميد أو غيره:

стр. 49

قامت تظللني من الشمس ... نفس أعز علي من نفسي قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمسِ والنهي عنه في قول ابن طباطبا: لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زره أزراره على القمر وقول الآخر: ترى الثياب من الكتان يلمحها ... نور من البدر أحياناً فيبليها فكيف تنكر أن تبلى معاجرها ... والبدر في كل وقت طالع فيها ونحو ذلك قول الشريف الرضي: كيف لا تبلى غلالته ... وهو بدر وهي كتانُ وكلما بعدت الاستعارة في التفريع تجريداً كان أو ترشيحاً زاد حسنهما ألا ترى إلى الأبيوردي حيث قال: وفي الحدوج الغوادي كل غانية ... يروى مؤزرها والخصر ظمآن كيف نبذ استعارة الغصون للقدود وراءه ظهرياً، وبنى على الفرع وهو (يروى) و (ظمآن) . وكذا قول أبي العلاء المعري في السيف: ما كنت أحسب جفناً قبل مسكنه ... في الجفن بطوى على نار ولا نهر ولا ظننت صغار النمل يمكنها ... مشي على اللج أو سعي على السعر فلولا أن طرائق السيف هي الماء والنار بعينهما إدعاء، لما كان لنفي الحسبان فائدة، إذا لا استبعاد في اجتماع شيئين يشبهان الماء والنار. ولولا أن فرنده هو النمل بعينه، لما صح المشي والسعي على اللج والسعر وحسب التعجب منها. وقال العزي: فبت الثم عينيها ومن عجب ... أني أقبل أسيافاً سفكن دمي وقال أبو الطيب: كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق واعلم أن لحسن الاستعارة شروطاً، أن لم تصادفها عريت من الحسن وربما اكتسيت قبحاً، فحسن كل من الاستعارة التحقيقية والتمثيلية، برعاية جهات حسن التشبيه. كأن يكون وجه الشبه شاملاً للطرفين، وافياً بما علق به من الغرض ونحو ذلك مما يذكر في باب التشبيه، وبأن لا تشم رائحة التشبيه من جهة اللفظ، لأنه يبطل الغرض من الاستعارة. أعني إدعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، والحاقة به، لما في التشبيه من الدلالة على كون المشبه به أقوى من الشبه كما قيل: ظلمناك في تشبيه صدغيك بالمسك ... فقاعدة التشبيه نقصان ما يحكي وقلت أنا من قصيدة: من أين للظبي أن يحكي ترائبها ... ولو تشبه ما حاكٍ كمحكي ولذلك يوصي أن يكون ما به المشابهة بين الطرفين جلياً بنفسه، أو بسبب عرف أو اصطلاح خاص لئلا يصير كل منها ألغازاً، كما لو قيل في التحقيقية: رأيت أسداً وأريد إنسان أبخر، وفي التمثيلية: رأيت إبلاً مائه لا تجد في راحلة. يريد أن المرضي المنتجب في عزة وجوده كالنجية التي لا توجد في كثير من الإبل. وهذا يظهر أن كلاً من التحقيقية والتمثيلية لا يجيئان في كل ما يجيء به التشبيه. ومما يتصل بهذا أنه إذا قوي الشبه بين الطرفين بحيث صار الفرع كأنه الأصل، لم يحسن التشبيه وتعينت الاستعارة في ذلك، كالنور إذا شبه العلم به، والظلمة شبهت الشبهة بها، فإذا فهمت مسألة تقول: حصل في قلبي نور ولا تقول كأن نوراً حصل في قلبي. وكذا إذا وقعت في شبهة تقول: وقعت في ظلمة، ولا تقول: كأني وقعت في ظلمة. والاستعارة المكنى عنها كالتحقيقية، في أن حسنها برعاية حسن التشبيه لأنها تشبيه مضمر في النفس. وأما التخيلية فحسنها بحسب حسن المكنى عنها، لأنها لا تكون إلا تابعة لها عند الخطيب كما تقدم. واستهجن من الاستعارات قول أبي تمام: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي إذ ليس بظهر للملام شبه بشيء له مائع مستكره كالحنظل أو الحوض الأجن ماؤه حتى يشبه به ويضاف إليه الماء ويرشح بالسقي. قيل: كأنه توهم للملام - بلا ملاحظة - تشبيه بذي مائع مستكره شيئاً رقيقاً به قوام سريانه في النفس وتأثيره فيها، وأطلق عليه اسم الماء ورشح هذا الإطلاق بذكر السقي، ومع هذا لا يخفى كونه سمجاً مستهجناً. ويحكى أن بعض الظرفاء المعاصرين لأبي تمام لما سمع قوله هذا، جهز له كوزاً وقال: ابعث لي في هذا قليلاً من ماء الملام، فقال أبو تمام أبعث لي ريشة من جناح الذل حتى أبعث لك قليلاً من ماء الملام. فإن صح ذلك فقد أخطأ أبو تمام، لأن استعارة الجناح للذل في غاية الحسن كما تقدم بيانه، وأين هي من ماء الملام. ومثل هذه الاستعارة قول المتنبي:

стр. 50

وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... فلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل البنين، وذلك أن البنين لا يسمون شيئاً تكون الحلواء من لوازمه. وأقبح من هاتين الاستعارتين من قبح الألفاظ قول ابن المعتز: (كل يوم يبول زب السحاب) . وأحسن ما قيل في العذر عن بيت أبي تمام: قول المرزوقي: إنما ذكر ماء الملام لما قال بعده: ماء بكائي على طريقة المشاكلة. وهذا محل إيراد شيء مما وقع من محاسن الاستعارة نثراً ونظماً. أما النثر فمن محاسنه، قول الحسن بن وهب: شربت البارحة على وجه السماء وعقد الثريا ونطاق الجوزاء، فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحقني قميص الشمس. وقول الصاحب بن عباد في استزارة: غداً يا سيدي ينحسر الصيام، ويطيب المدام، فلا بد من أن نقيم أسواق الإنس نافقة، وننشر أعلام السرور خافقة، فبالفتوة أنها قسم للظراف، تفرض حسن الإسعاف، لما بادرتنا ولو على جناح الرياح والسلام. وقوله أيضاً ﵀ في مثل ذلك: نحن يا سيدي، في مجلس غني إلا عنك، شاكر إلا منك، قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت خدود الورد، وتجعدت أصداغ البنفسج، وفاحت مجامر الأترج، وتفتقت فارات النارنج، ونطقت السنة العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس. وقام منادي الطرب، وطلعت كواكب الندمان، وامتدت سماء الند. فبحياتي عليك إلا ما حضرت، لنحصل بك في جنة الخلد، وتتصل الواسطة بالعقد. وقول أبي نصر العتبي: هذا يوم قد رقت غلائل صحوه، وغنجت شمائل جوه، وضحكت ثغور رياضه، واضطربت زرد النسيم فوق حياضه وفاحت مجامر الأزهار، وانتثرت قلائد الأغصان، عن فرائد الأنوار؛ وقامت خطباء الأطيار، على منابر الأشجار، ودارت أفلاك الراح بشموس الأقداح، وسيبنا العقل في مرج الجنون، وخلعنا العذار بأيدي المجون. وقول الآخر: ولقد عرق بالندى جبين النسيم، وابتل جناح الهواء، وضربت خيمة الغمام، واغرورقت مقلة السماء، وقام خطيب الرعد، ونبض عرق البرق. وما أحسن قول القاضي الفاضل معتذراً عن كتاب كتبه لبعض أصحابه ليلاً: كتبها المملوك وقد عمشت عين السراج، وشابت لمة الدواة، وكل خاطر السكين، وضاق صدر الورقة. وقول علي بن ظافر: بت ليلة في منزل اعترفت له مشيدات القصور بالانخفاض والقصور، والبدر قد محا خضاب الظلماء، وجلاً محياه في زرقة قناع السماء، وكسى الجدران ثياباً من فضة، ونثر كافوره على مسك الثرى بعد أن سحقه ورضه، والروض قد ابتسم محياه، ووشت بأسرار محاسنه رياه، والنسيم قد عانق قامات الأغصان فميلها، وغصبها مباسم نورها فقبلها، وعندنا مغن قد وقع على تفضيله الإجماع، وتغايرت على محاسنه الأبصار والأسماع، إن بدا، فالشمس طالعة، أو شدا، فالورق ساجعة، تغازله مقلة سراج قد قصر على وجهه تحديقه، وقابله فقلنا: البدر قابل عيوقه، وهو يغار عليه من النسيم كلما خفق وهب، ويستجيش عليه تلويح بارقة الموشى بالذهب، ويديم حرقته وسهده، ويبذل في الطاقة طاقته وجهده. فتارة يضمخه بخلوقه، وتارة يحليه بعقيقه، وآونة يكسوه أُواب شقيقه. فلم نزل كذلك حتى نعس طرف المصاح، واستيقظ نائم الصباح. وما أحسن قول ابن زيدون يحكي أو اجتماعه بمعشوقته ولادة بنت المستكفي قال: كنت في أيام الشباب هائماً بغادة أرى الحياة متعلقة بقربها، ولا يزيدني امتناعها إلا اغتباطاً، فلما ساعد القضاء وآن اللقاء، كتبت إلي: ترفب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل اكتم للسر وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح ... وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر ثم لما طوى النهار كافوره، ونشر الليل عبيره، أقبلت بقد كالقضيب في ردف كالثيب، وقد أطبقت نرجس المقل على ورد الخجل، فملنا روض مدبج، وظل سجسج، قد قامت رايات أشجاره، وامتدت سلاسل أنهاره، ودر الطل منشور، وجيب الراح مزرور. فلما شببنا نارها، وأدرت منا ثارها، باح كل منا بحبه، وشكا ما بقلبه، وبتنا بليلة نجتني أقحوان الثغور ونقطف رمان الصدور. فلما نشر الصباح لواءه، وطوى الليل ظلماءه، وأدعتها وأنشأت: وادع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما أودعك يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك يا أخ البد سناء وسنا ... حفظ الله زماناً أطلعك

стр. 51

أن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك ومن بديع النثر في هذا النوع قول أبي القاسم عبد الصمد بن علي الطبري، يصف متنزهاً: لله متنزهنا والسماء زرقاء اللباس؛ والشمال ندية الأنفاس، والروض مخضل الأزار، والغيم منحل الأزرار. كأن السماء تجلو عروساً ... وكأنا من قطره في نثارِ والربي رابية الأرجاء، شاكرة صنيع الأنواء. ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة بالفضاءِ والجبال قد تركت نواصيها الثلوج شيباً، والصحارى قد لبست من نسيج الربيع برداً قشيبا. والكؤوس تدور بيننا بالرحيق، والأباريق تنهل مثل ذوب العقيق، وتفتر عن فار المسك وخد الشقيق. والجيوب تستغيث من أكف العشاق، وسقيط الطل يعبث بالأغصان عبث الدل بالغصون الرشاق والدن يجرح بالمبزال فتل الصائغ طرف الخلخال. إذا فض عنه الختم فاح بنفسجاً ... وأشق مصباحاً ونور عصفرا وأما النظم فمن محاسنه قول ابن خفاجة الأندلسي: وقد جال من جون الغمامة أدهم ... له البرق سوط والشمال عنان وضمخ ردع الشمس نحر حديقة ... عليه من الطل السقيط جمان ونمت بأسرار الرياض خميلة ... لها النور ثغر والنسيم لسان وقوله أيضاً: وما الأنس إلا في مجاج زجاجة وما العيش إلى في صرير سرير وإني وإن جئت المشيب لمولع ... بطرة ظل فوق وجه غدير وقوله أيضاً وهي من محاسن قصائده: أما والتفات الروض عن أزرق النهر ... وأشرف جيد الغصن عن حلية الزهر وقد نسيت ريح النعامة فنبهت ... عيون الندامى تحت ريحانة الفجر وخدر فتاة قد طرقت وإنما ... أبحت به وكر الحمامة للصقر وقدٍ خلعت البرد عنه وإنما ... نشرت به طي الصحيفة عن سطر لقد جبت دون الحي كل تنوفة ... يحوم بها نسر السماك على وكر وخضت ظلام الليل يسود فحمه ... ودست عرين الليث ينظر عن جمر وجئت ديار الحي والليل مطرف ... منمنم ثوب الأفق بالأنجم الزهر أشيم بها برق الحديد وربما ... عثرت بأطراف المثقفة السمر فلم ألق إلا صعدة فوق لامة ... فقلت قضي قد أطل على نهر ولا شمت إلا غرة فوق أشقر ... فقلت حباب يستدير على خمر ودون طروق الحي خوضة فتكةٍ ... مورسة السربال دامية الظفر تطلع في فرع من النقع أسود ... وتسفر عن خد من السف محمر فسرت وقلب الليل يخفق غيرة ... هناك وعين النجم تنظر عن شزر فطار إليها بي جناح صبابة ... فطار بها عني جناح من الذعر فقلت رويداً لا تراعي فإننا ... لنطوي ضلوع الليل منا على سر وسكنت من نفس تجيش مروعة ... ومسحت عن عطفٍ تمايل مزور ومزقت جيب الليل عنها وإنما ... رفعت جناح الستر عن بيضة الخدر وقبلت ما بين المحيا إلى الطلى ... وعانقت ما بين التراقي إلى الخصر وأطرب سجع الحلي من خيزرانة ... تميل بها الشبيبة والسكر غزالية الألحاظ ريمية الظلى ... مدامية الألمى حبابية الثغر تلاقي نسيبي في هواها وأدمعي ... فمن لؤلؤ نظم ومن لؤلؤ نثر وقد جعلت ليلاً علينا يد الهوى ... رداء عناق مزقته يد الفجر ولما انجلى ضوء الصباح كأنه ... جناح لواء جددته يد النصر ولاح مشيب النور في لملم الربى ... ونم على ذيل الصبا نفس الزهر صددت ودون الحي ستر غمامة ... يشف كما شف الرماد عن الجمر وقوله: وكمامة حسر الصباح قناعها ... عن صفحة تندى من الأنهارِ في أبطح رضعت ثغور إقاحة ... أخلاف كل غمامة مدرار نثرت بحجر الأرض في يد الصبا ... درر الندى ودراهم الأزهار فحللت حيث الماء صفحة ضاحك ... جذل وحيث الشط بدء عذار والريح تنفض بكرة لمم الربى ... والطل ينضح أوجه الأشجار متقسم الألحاظ بين محاسن ... من ردف رابية وخصر قرار وأراكة سجع الهديل بفرعها ... والصبح يسفر عن جبين نهار هزت له أعطافها ولربما ... خلعت عليه ملاءة الأنوار وقول محي الدين بن قرناص: قد أتينا الرياض حين تجلت ... وتحلت من الندى بجمال

стр. 52

ورأينا خواتم الزهر لما ... سقطت من أنامل الأغصان وقوله أيضاً: لقد عقد الربيع نطاق زهر ... يضم لغصنه خصراً نحيلا ودب مع العشي عذار ظل ... على نهر حكى خداً أسيلا وقول الآخر: مجرة جدول وسماء آس ... وأنجم نرجس وشموس وردِ ورعد مثالث وسحاب كاس ... وبرق مدامة وضباب ند وقول أمين الدين القواس: أصغي إلى قول العذول بجملتي ... مستفهماً عنكم بغير ملالِ لتلقطي زهرات ورد حديثكم ... من بين شوك ملامة العذال وقول ابن قلاقس: سرى وجبين الجو بالطل يرشح ... وثوب الغوادي بالبروق موشحُ وفي طي أبراد النسيم خميلة ... بأعطافها نور المنى يتفتح تضاحك في مسرى المعاطف عارضاً ... مدامعه في وجنة الروض تسفح وتوري به كف الصبا زند بارق ... شرارته في فحمة الليل تقدح باكر إلى اللذات، واركب لها ... نجائب اللهو ذوات المراح من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح وقول مجير الدين بن تميم: وليلة بت أسقي في غياهبها ... راحا تسل شبابي من يد الهرمِ ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم وقول ابن الساعاتي: ولولا رواة بل وشاة تخرصوا ... أحاديث ليست في سماع ولا نقلِ لثمنا ثغور النور في شنب الندى ... خلال جبين النهر في طرر الظل وقول أبي الحسن المخريطي: ألا حبذا نوح الحمامة سحرة ... وقد شق جيب الليل عن لبة الفجرِ وسأل نجيع البرق من ثغرة الدجى ... وخمش ثكل الليل من صفحة البدر وأعول ناعي الرعد يندب صارخاً ... ويذرف في خد الثرى دمعة القطر فما كان إلا أن جلا الصبح سنه ... تبسم في خد الثرى دمعة القطر وجر نسيم الريح ردن غلالة ... تمسح دمع الطل عن صفحة الدهر فدونكها عذراء زفت لشربها ... وليس لها غير الزجاجة من خدر فأحسن من ثغر تبسم أشنب ... دموع حباب الماء في وجنة الخمر بحيث غناء الرعد يطرب والحيا ... يسقي وخوط البان يرقص من سكر وعزم المعتمد بن عباد على إرسال حظاياه من قرطبة إلى أشبيلية، فخرج معهن يشيعهن، فسايرهن من أول الليل إلى الصبح، فودعهن ورجع فأنشد: سايرتهم والليل عقل ثوبه ... حتى تبدى للنواظر معلما فوقفت ثم مودعاً وتسلمت ... مني يد الأصباح تلك الأنجما كان الوزير أبو جعفر أحمد بن طلحة الكاتب المغربي لا يخلي أكثر شعره من بديع الاستعارة، وكان شديد التهور كثير الطيش، ذاهباً بنفسه كل مذهب. قال ابن سعيد صاحب القدح المعلى: سمعته مرة وهو في محفل يقول: تقيمون القيامة لحبيب والبحتري والمتنبي، وفي عصركم من يهتدي إلى ما لم يهتدوا إليه، فأهوى له شخص له قحة وإقدام فقال: يا أبا جعفر فأرنا برهان ذلك، ما أظنك تعني إلا نفسك. قال: نعم، ولم لا، وأنا الذي أقول ما لم يتنبه له متقدم ولا يهتدي لمثله متأخراً: يا هل ترى أظرف من يومنا ... قلد جيد الأفق طوق العقيق وأنطق الورق بعيدانها ... مرقصة كل قضيب وريق والشمس لا تشرب خمر الندى ... في الروض إلا بكؤوس الشقيق فلم ينصفوه في الإحسان، وردوه من الغيظ إلى أضيق مكان. فقلت له: يا سيدي هذا هو السحر الحلال، فبالله إلا مازدتني من هذا النمط. فأنشد: أدرها فالسماء بدت عروساً ... مضمخة الملابس بالغوالي وخد الروض أحمره صقيل ... وجفن النهر كحل بالظلال وجيد الغصن يشرق في لآلٍ ... تضيء بهن أكناف الليالي فقلت زد وعد: فعاد والارتياح قد ملك عطفه، والتيه قد رفع أنفه وأنشد: لله نهر عندما زرته ... عاين طرفي منه سحراً حلال إذا أصبح الظل به ليلة ... وجال فيه الغصن شبه الخيال فقلت زد فأنشد: فلما ماج بحر الليل بيني ... وبينكم وقد جددت ذكراً أراد لقاءكم إنسان عيني ... فمد له المنام عليه جسراً فقلت له أيه فقال: ولما أن رأى إنسان عيني ... بحصن الخد منه غريق ماءِ أقام له العذار عليه جسراً ... كما مد الظلام على الضياء

стр. 53

فقلت أعد فأعاد، وقال: حسبك لئلا تكثر عليك المعاني فلا تقوم بحق قيمتها. ثم أنشد: هات المدام إذا رأيت شبيهها ... في الأفق يا فرداً بغير شبيهِ فالصبح قد ذبح الظلام بنصله ... فغدت تخاصمه الحمائم فيه انتهى. ومن طريف هذا النوع قول السري الرفاء: أسلاسل البرق الذي لحظ الثرى ... وهنا فوشح روضه بسلاسل أذكرتنا النشوات في ظل الصبا ... والعيش في سنة الزمان الغافل أيام أستر صبوتي في كاشح ... عمداً وأسرق لذتي من عاذل وقوله أيضاً: وصاحب يقدح لي ... نار السرور بالقدحْ في روضة قد لبست ... من لؤلؤ الطل سبح يألفني حمامها ... مغتبقاً ومصطبح أوقظه بالعزف أو ... يوقظني إذا صدح والجو في ممسك ... طرازه قوس قزح يبكي بلا حزن كما ... يضحك من غير فرح وقوله أيضاً: يوم خلعت به عذاري ... فعريت من حلل الوقارِ وضحكت فيه إلى الصبا ... والشيب يضحك في عذاري متلون بيدي لنا طرفاً بأطراف النهار فهواؤه سكب الرداء ... وغيمه يبكي فيجمد دمعه ... والبرق يكحله بنار وقول أبي الحسن على بن أحمد الجوهري من شعراء اليتيمة: رذ الصباح علينا شملة السحب ... ومدت الريح منها واهي الطنبِ صك النسيم فراخ الغيث فانزعجت ... ينفض أجنحة من عنبر الزغب قال الثعالبي: لو لم يقل إلا هذا البيت لكان من أشعر الناس. تسعى الجنوب بطرف نحوها ثملٍ ... من الندى وفؤاد نحوها طربِ كفى العواذل أني لا أرى قدحاً=إلا شققت عليه جلدة الطرب وقول بدر الدين يوسف بن لؤلؤ: هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدى همهِ نسيمها يعثر في ذيله ... وزهوها يضحك في كمه ومثله قولي: وروضة قابلنا بشرها ... بضاحك النوار بسامهِ تسحب فيها الريح أذيالها ... وينفخ الورد بأكمامه وما أظرف قول ابن عمار: يا ليلة بتنا بها ... في ظل أكتاف النعيمِ من فوق أكمام الرياض ... وتحت أذيال النسيم ومثله قول ابن المعتز: وقد ركضت بنا خيل الملاهي ... وقد طرنا بأجنحة السرورِ وقول ابن وكيع: غرد الطير فنبه من نعس ... وأدر كأسك فالعيش خلس سل سيف الفجر من غمد الدجى ... وتعرى الصبح من ثوب الغلس وانجلى عن حلل فضية ... نالها من ظلمة الليل دنس وطريف قول البدر الذهبي: ما نظرت مقلتي عجيبا ... كاللوز لما بدا نواره اشتعل الرأس منه شيبا ... واخضر من بعد ذا عذاره وقول أبي الحسن العقيلي: فلما تبدى لنا وجهه ... نهبنا محاسنه بالعيون. وقول محمد بن عبد الله السلامي: والكأس للمسكر التبري صائغة ... والماء للحبب الدري نظام بتنا نكفكف بالكاسات أدمعنا ... كأننا في حجور الروض أيتام وقوله أيضاً: تبسطنا على الآثام لما=رأينا العفو من ثمر الذنوبِ قيل كل الصاحب بن عباد يستحسن هذا البيت، ويستشهد به كثيراً، وكان يقول: ما درى قائله أي درة رمى بها، وأي غرة سيرها وخلدها. وطريف قول مجير الدين بن تميم: كيف السبيل بأن أقبل خد من ... أهوى وقد نامت عيون الحرس وأصابع المنثور تومئ نحونا ... حسداً وترمقنا عيون النرجس وما أبدع قول الشريف الرضي في مرثية: أرسى النسيم بواديكم ولا برحت ... حوامل المزن في أجداثكم تضعُ ولا يزال جنين النبت ترضعه ... على قبوركم العراصة اللمع وقد سرق هذا البيت ابن سعد الموصلي سرقة فاحشة فقال من قصيدة يتشوق فيها إلى دمشق. مطلعها: سقى دمشقى وأياماً مضت فيها ... مواطر السحب ساريها وغاديها والبيت المسروق هو: ولا يزال جنين النبت ترضعه ... حوامل المزن في أحشا أراضيها

стр. 54

وأما خمرية الشريف الرضي عليه من الله الرضا، التي أسكرت الألباب وانتشت بها قلوب أولي الآداب، فإن استعاراتها كلها بديعة وأبيات لطائفها على غير منيعة. وكان سبب نظمه لها، أنه على وفور شعره، وارتفاع شأنه، وغلاء سعره، لم يكن ينظم في باب الخمريات شيئاً، نزاهة منه وإجلالاً لقدره الشريف عن ذلك، فسأله بعض من يعز عليه من أصحابه القول في ذلك، ليشتمل ديوانه من الشعر على فنونه كما اشتمل على محاسنه وعيونه فقال: اسقني فاليوم نشوان ... والربى صاد وريانُ كفلت باللهو وافية ... لك نايات وعيدان جار وفد الريح فالتطمت ... منه أرواق وأغصان كل فرع مال جانبه ... فكأن الأصل سكران وكأن الغصن مكتسياً ... من بياض الطل عريان كلما قبلت زهرتها ... خلت أن القطر غيران ومقيل بين أخبية ... قلته والحي قد بانوا عسكرت فيها السحاب كما ... حط بالبيداء ركبان في أصحاب مفارشهم ... ثم أنقاء وكثبان فارتشفنا ريق سارية ... حيث كان الأرض غدران فاسقني والوصل يألفني=إن يوم البين قرحان قهوة ما زال يعلق في ... مجتناها المسك والبان غير سمعي للملام إذا ... صاح شاجي الصوت مرنان رب بدر بت ألثمه ... صاحياً والبدر نشوان قدت خيل اللثم أصرفها ... حيث ذاك الجيد ميدان لي غدير من مقبله ... ومن الصدغين بستان في قميص الليل عبقة من ... ظن أن الوصل كتمان كيف لا تبلى غلائله ... وهو بدر وهي كتان وندامى كالنجوم سطوا ... بالمنى والدهر جذلان خطروا والخمر تنفضهم ... وذيول القوم أردان كم تخلت من ضمائرهم ... ثم الباب وأذهان كل عقل ضاع عن يقظ ... فهو في الكاسات حيران إنما ضلت عقولهم ... حيث يعيبهن وجدان فاختلس طعن الزمان ... إنما الأيام أقران وله أيضاً ﵁: أشكو ليالي غير معتبة ... أما من الطول أو من القصر تطول في هجرهم وتقصر في ... الوصل فما تلتقي على قدر يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحر وما أرق قوله من أبيات: آها على نفحات نجد أنها ... رسل الهوى وأدلة الأشواقِ وما ألطف قول أبي زكريا المغربي: نام طفل النبت في حجر النعامى ... لاهتزاز الظل في مهد الخزامى وسقى الوسمي أغصان النقا ... فهوت تلثم أفواه الندامى كحل الفجر لهم جفن الدجى ... وغدا في وجهة الصبح لثاما تحسب البدر محيا ثمل ... قد سقته راحة الصبح مداما حول الزهر كؤوس قد غدت ... مسكة الليل عليهن ختاما يا عليل الريح رفقاً علني ... أشف بالسقم الذي حزت سقاما أبلغن شوقي غريباً باللوى ... همت في أرض بها حلواً غراما فرشوا فيها من الدر حصى ... ضربوا فيها من المسك خياما كنت أشفي غلة من صدكم ... لو أذنتم لجفوني أن تناما واستعدت الروح من ريح الصبا ... لو أتت تحمل من سلمى سلاما وقول التنوخي وهو من غريب الاستعارة: ورياض حاكت لهن الثريا ... حللاً كان غزلها للرعودِ نثر الغيث در دمع عليها ... فتحلت بمثل در العقود أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعض ورد الخدود وعيون من نرجس تترائى ... كعيون موصولة للسهود وكأن الشقيق حين تندا ... ظلمة الصدغ في خدود الغيد وكأن الندا عليها دموع ... في جفون مفجوعة بفقيد وقول السيد أبي الحسن علي بن أبي طالب البلخي من أبيات: وكم قد قضى ليل على أبرق الحمى ... مضيء ويوم بالمسرة مشرقُ تسرقت فيه اللهو أملس ناعما ... وأطيب أنس المرء ما يتسرق ويا حسن طيف قد تعرض موهنا ... وقلب الدجا من صولة الصبح يخفق وقول ابن عمار: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى=والنجم قد صرف العنان عن السرى والصبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استرد الليل منا العنبرا وقول ابن النبيه: والنهر خد بالشعاع مورد ... قد دب فيه عذار ظل البانِ

стр. 55

والماء في سوق الغصون خلاخل ... من فضة والزهر كالتيجان وقول ابن قرناص: لقد عقد الربيع نطاق زهر ... يضم بغصنه خصراً نحيلا ودب مع العشي عذار ظل ... على نهر حكى خداً أسيلا وكلهم قد أخذوا الوجه والعذار من ابن خفاجة حيث قال: وإني وإن جئت المشيب لمولع ... بطرة ظل فوق وجه غديرِ وما أحسن قول الشهاب محمد: إذا الكرى ذر في أجفاننا سنة ... من النعاس منعناها عن الهدبِ وقول ابن نباتة المصري: ولما جنى طرفي رياض جمالكم ... جعلت سهادي في عقوبة من جنى أأحبابنا أن عفتم السفح منزلا ... وأخليتم من جانب الجزع موطنا فقد حزتموا دمعي عقيقاً ومهجتي ... غضاً وسكنتم من ضلوعي منحنى وقوله أيضاً: هذي الحمائم في منابر أيكها ... تملي الغنا والطل يكتب في الورقْ والقضب تخفض للسلام رؤوسها ... والزهر يرفع زائريه على الحدقْ وهو أحسن من قول ابن تميم: إني لأشهد للحمى بفضيلة ... من أجلها أصبحت من عشاقهِ ما زاره أيام نرجسه فتى ... إلا وأجلسه على أحداقهِ وقول ماني الموسوس: دعتني إلى وصلها جهرة ... ولم تدر أني لها أعشقُ فقمت وللقسم من مفرقي ... إلى قدمي ألسن تنطق وما أجود قول أبي طاهر البغدادي في نار القرى: خطرت فكاد الورق تسجع فوقها ... إن الحمام لمغرم بالبانِ من معشر نشروا على تاج الربى ... للطارقين ذوائب النيران وهو مأخوذ من قول الأول: يبيتون في المشتى خماصاً وعندهم ... من الزاد فضلات تعد لمن يقرى إذا ضل عنهم طارق رفعوا له ... من النار في الظلماء ألوية حمرا وقول صردر: قوم إذا حيا الضيوف جفانهم ... ردت عليهم ألسن النيرانِ ومنه قول التهامي: نادته نارك وهي غير فصيحة ... فأتم خفق ذوائب النيرانِ وقد بالغ مهيار الديلمي في قوله: ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم ... يتقارعون على قرى الضيفانِ ويكاد موقدهم يجود بنفسه ... حب القرى حطباً على النيران ومن بديع الاستعارة على سخفه ومجونه قول السعيد بن سناء الملك: يا هذه لا تستحي ... مني في انكشف المغطى إن كان كسك قد تثأ ... ب إن أيري قد تمطى فاستعارة التثأب والتمطي هنا من أحسن الاستعارات. قال ابن جبارة: أنشدني ابن سناء الملك هذا وزادني الإعجاب به، فلما عدت إلى البيت، أخذت جزء من البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي، فوجدت فيه، أن بغدادية قالت الأخرى: خرجت اليوم إلى العيد؟ قالت أي وحياتك. قالت لها: فما رأيت؟ قالت: أحراءً تتثأب وأيوراً تتمطى. فلما اجتمعت به قلت لها: قد عرفت وعثرت على الكنز الذي انتهبته، وحكيت لها الحكاية فقال: سيدنا يفتش عن أمري. ومن طريف الاستعارات قول أبي الوليد بن الجنان الكناني الشاطبي: هات المدام فقد ناح الحمام على ... فقد الظلام وجيش الصبح في غلبِ وأعين الزهر من طول البكاء رمدت ... فكحلتها يمين الشمس بالذهبِ والكأس حلتها حمراء مذهبة ... لكن أزرارها من لؤلؤ الحبب كم قلت للأفق لما أن بدا صلفا ... بشمسه عندما لاحت من الحجب إن تهت بالشمس يا أفق السماء فلي ... شمسان خد نديمي وابنة العنب تم فاسقنيها وثغر الصبح مبتسم ... والليل تبكيه عين الشمس بالشهب والسحب قد لبست سود الثياب وقد=قامت لترثيه الأطيار في القضب وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي: قم هاتها وضمير الليل منشرح ... والبدر في لحبة الظلماء يسبحُ عجل بها وحجاب الليل منسدل ... من قبل يدري بنا في وكره الصبح واستضحك الدهر قد طال العبوس به ... لا يضحك الدهر حتى يضحك القدح فقام والسكر يعطو في مفاصله ... يكاد يقطر من أعطافه المرحُ يطوف والليل بالجوزاء منتطق=بها علينا رشا بالحسن متشح منها: فما تبسم في وجه الصبا قدح ... حتى تنفس من جيب الدجى وضحُ ودعته وجبين الصبح منذلق=وللظلام لسان ليس يجترح ولا يطيب الهوى يوماً لمغتبقٍ ... حتى يكون له في اليوم مصطبح

стр. 56

وله أيضاً وهو من الشعر الذي تكبو فرسان البلاغة دونه، ويتعثر الساعون خلفه، في أذيال خسرهم، ولا يلحقونه: طال عمر الدجى علي وعهدي ... بالدياجي قصيرة الأعمارِ ما احتسيت المدام إلى وغصت ... لهوات الدجى بضوء النهار حبذا طلعة الربيع وأهلاً ... بمجالي عرائس الأزهار وزمان البهار لو عاد فيه ... غيسان الشباب عود البهار ومبيتي إذا نبا بي مبيتي ... في ظلال العريش والنوار كم تفيأتها فحنت علينا ... حنة الأمهات والأطيار مرحباً بالمشيب لولا زمان ... غض من وحط من مقداري لو وفى الصبا ولو عمر حين ... يا زماني أخذت منك بثاري هذه من القوافي التي عناها بقوله من أخرى على الوزن دون القافية: وقواف لو ساعد الجد نيطت ... موضع الدر من رقاب الغواني سائرات بيوتهن على الأل ... سن سير الأمثال في البلدان قصدٌ كالفرند في صفحة الده ... ر أو كالشنوف في الآذان عاصيات على الطباع ذلول ... يتغنى بهن في الركبان وقوله أيضاً فيما نحن فيه: أرقت لبارق في جو راسي ... جرضت لصوب عارضه بريقي هدته النائبات وأي ضيف ... هدت يوم الفراق إلى فروقِ رفعت له بجنح الليل ناري ... فخاض الليل يعسف في الطريق وددت ولو بضرب الهام أني ... رعيت له ولو بعض الحقوق وقول السيد أحمد بن مسعود الحسني: ألا هبي فقد بكر الندامى ... ومجيء المزج من ظلم الندى ما وهيمنت القبول فضاع نشر ... روى عن شيح نجد والخزامى وقد وضعت عذارى المزن طفلاً ... بمهد الروض تغذوه النعامى وقول القاضي تاج الدين المالكي: طال المنام على أرجوحة الصغر ... وبالغ الشيب في التحذير بالنذرِ وجيش ليل الصبا فرت كتيبته ... لما أتى جيش صبح الشيب بالتبر فاغسل بدمعك جفناً بات مكتحلاً ... بنومه واكتحل من أثمد السهر وانهض لتصقل مرآة البصيرة من ... غين الغشاء وما للذنب من أثر إن الذنوب وإن جلت فإن لها ... إتيان ساحة طه سيد البشر فشد حزم مطايا قصده وانخ ... ببابه والثم الأعتاب واعتفر ومما وقع لي أنا في باب الاستعارة، قولي وهو صدر قصيدة مدحت بها الوالد رحمه الله تعالى: برق الحمى لاح مجتازاً على الكثب ... وراح يسحب أذيالاً من السحبِ أضاء والليل قد مدت غياهبه ... فأنجاب عن لهب يذكو وعن ذهب فما تحدر دمع المزن من فرقٍ ... حتى تبسم ثغر الروض من طرب وغنت الورق في الأفنان مطربة ... وهزت الريح أعطافاً من القضب والصبح خيم في الآفاق عسكره ... والليل أزمع من خوف على الهرب فقلت للصحب قوموا للصبوح بنا ... يا طيب مصطبح فيه ومصطحب واستضحكوا الدهر عن لهو فقد ضحكت=كأس المدامة عن ثغر من الحبب وقلت بعده: فقام يسعى بها الساقي مشعشة ... كأنها حلب العناب لا العنبِ حمراء تسطع نوراً في زجاجتها ... كالشمس في البدر تجلو ظلمة الكرب وراح يثني قواماً زانه هيف ... بمعطف من قضيب البان مقتضب في فتية يتجلى بينهم مرحاً ... كأنه البدر بين الأنجم الشهب مهفهف القدِّ معسول اللمى ثمل ... يتيه بالحسن من عجب ومن عجب لا يمزج الكأس إلا من مراشفه ... فأطرب لما شئت من خمر ومن ضرب قد أمكنت فرص اللذات فاقض بها ... ما فات منك وبادر نهزة الغلب واغنم زمانك ما صافاك منتهبا ... أيام صفوك نهباً من يد النوب ولا تشب مورداً للأنس فزت به=بذكر ما قد مضى في سالف الحقب إن الزمان على الحالين منقلب ... وهل رأيت زماناً غير منقلب وإنما المرء من وفته همته ... حظيه في الدهر من جد ومن لعب كم قلبتني ليالي في تصرفها ... فكنت قرة عين الفضل والأدب تزيدني نوب الأيام مكرمة ... كأنني الذهب الإبريز في اللهب لا أستريب بعين الحق أدفعه ... ولا أراب بغين الشك والريب لقد طلبت العلى حتى انتهيت إلى ما لا ينال فكانت منتهى أربي وتخلصت إلى المدح بقولي:

стр. 57

حسبي من الشرف العليا أرومته ... إن انتمى لنظام الدين في حسبن هذا أبي حين يعزى سيدٌ لأبٍ ... هيهات ما للورى يا دهر مثل أبي قطب عليه رحى العلياء دائرة ... وهل تدور الرحى إلا على القطب كالليث والغيث في عزم وفي كرم ... والزهر والدهر في بشر وفي غضب مسلك تهب آلاف راحته ... فكم أغاثت بجدواها من التعب أضحت به الهند للألباب سالبة ... كأنها هند ذات الظلم والشنب ومن الموشحات التي اشتملت على بديع الاستعارة قول شهاب العزازي: يا ليلة الوصل وكأس العقار ... دو استتار علمتماني كيف خلع العذارْ اغتنم اللذة قبل الذهابْ وجر أذيا الصبا والشباب وأشرب فقد طابت كؤوس الشراب على خدود تنبت الجلنار ... ذات احمرار طرزها الحسن بآس العذار الراح لا شك حياة النفوس فحل منها عاطلات الكؤوس واستجلها بين الندامى عروس تجلى على خطابها في أزار ... من النضار حبابها قام مقام النثار أما ترى وجه الهنا قد بدا وطائر الأسحار قد غردا والروض قد وشاه قطر الندا فكلمل اللهو بكأس تدار ... على افترار مباسم الأزهار غب القطار إجن من الوصل ثمار المنى وواصل الكأس بما أمكنا مع طيب الريقة حلو الجنى بمقلة أفتك من ذي الفقار ... ذات أحورار منصورة الأجفان بالانكسار زار وقد حل عقود الجفا وافتر عن ثغر الرضا والوفا يا ليلة أنعم فيها وزار ... شمس النهار حييت من بين الليالي القصار ولنقف من النظم على هذه الغاية، ففيه للطالب كفاية إن شاء الله تعالى. خاتمة - من المهم الفرق بين الاستعارة والتشبيه المحذوف الأداة، نحو زيد أسد. قال الزمخشري في قوله تعالى: (صم بكم عمي) فإن قلت: هل يسمى ما في الآية الاستعارة؟ قلت: مختلف فيه والحففون على تسمية تشبيهاً بليغاً لا استعارة، لأن المستعار له مذكور وهم المنافقون. وإنما تطلق الاستعارة، حيث يطوي ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلواً عنه، صالحاً لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه، لولا دلالة الحال أو فحوى الكلام. ومن ثم ترى المفلقين من السحرة يتناسبون التشبيه ويضربون عنه صفحاً. وعلله السكاكي بأن من شرط الاستعارة، إمكان حمل الكلام على الحقيقة في الظاهر، وتناسي التشبيه وزيد أسد لا يمكن كونه حقيقة، فلا يجوز كونه استعارة، وتابعه صاحب الإيضاح. قال في عروس الأفراح: وما قالاه ممنوع، وليس من شرط الاستعارة صلاحية الكلام لصرفه إلى الحقيقة في الظاهر. قال: بل لو عكس ذلك وقيل: لا بد من عدم صلاحيته لكان أقرب لأن الاستعارة مجاز لا بد له من قرينة، فإن لم تكن قرينة امتنع صرفه إلى الاستعارة، وصرفناه إلى حقيقته، وإنما نصرفه إلى الاستعارة بقرينة، أما لفظية أو معنوية، نحو زيد أسد، فالأخبار به عن زيد قرينة صارفة عن إرادة حقيقية. قال: والذي نختاره، إن نحو زيد أسد قسمان، تارة يقصد به التشبيه فتكون أداة التشبيه مقدرة، وتارة يقصد به الاستعارة، فلا تكون مقدرة، ويكون الأسد مستعملاً في حقيقته، وذكر زيد والأخبار عنه بما لا يصلح له حقيقة قرينة صارفة إلى الاستعارة دالة عليها، فإن قامت قرينة على حذف الأداة صرنا إليه، وإن لم تقم، فنحن بين إضمار واستعارة، والاستعارة أولى، فيصار إليها. وممن صرح بهذا الفرق، عبد اللطيف البغدادي في قوانين البلاغة. وكذا قال حازم: الفرق بينهما إن الاستعارة وإن كان فيها معنى التشبيه. فتقدير حرف التشبيه لا يجوز فيها، والتشبيه بغير حرف على خلاف، لأن تقدير حرف التشبيه واجب فيه، قال في الإتقان. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين في نوع الاستعارة قوله: إن لم أحث مطايا العزم مثقلة ... من القوافي تؤم المجد عن أمم وبيت ابن جابر الأندلسي قوله: تقول صحبي وسفن العيس خائضة ... بحر السراب وعين القيظ لم تنم قال ابن حجة: بيت الشيخ صفي الدين وبيت ابن جابر لم يحسن السكوت عليهما، إذ لم تنم بهما الفائدة، فإن بيت الشيخ صفي الدين متعلق بما قبله، وبيت ابن جابر متعلق بما بعده.

стр. 58

وبيت الشيخ عز الدين صالح للتجريد وهو: دع المعاصي فشيب الرأس مشتعل ... بالاستعارة من أزواجها العقمِ قال المذكور: لو بلغت ما عسى أن أقرل في قوله: من أزواجها العقم: ما يرعب السامع. وبيت بديعية ابن حجة قوله: وكان غرس التمني يانعاً فذوى ... بالاستعارة من نيران هجرهمِ وبيت بديعية الطبري قوله: خوافي الحب أورتها قوادمه ... من استعارة نار الهجر مع سدمِ مساوي هذا البيت ظاهرة على كل مبتدئ، فما ظنك بغيره؟. وبيت بديعيتي هو قولي: ذوى وريق شبابي في الغرام بهم ... من استعارة نار الشوق والألمِ هذا البيت وبيت ابن حجة فرسا رهان في هذه الحلبة. وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله: إن لم أصغ ناظماً عقداً فرائده ... وسائط كلها من جوهر الكلمِ المقابلة ولوا بسخط وعنف نازحين وقد ... قابلتهم بالرضا والرفق من أمم المقابلة - هي أن يأتي المتكلم بلفظين متوافقين فأكثر، ثم بأضدادها أو غيرها على الترتيب، وهذا أحد الفرقين بينهما وبين المطابقة. والمراد بالتوافق خلاف التقابل، لا أنا يكونا متناسبين ومتماثلين، فإن ذلك غير مشروط كما سيجيء من الأمثلة. قال زكي الدين بن أبي الإصبع: والفرق بين الطباق والمقابلة من وجهين: أحدهما إن الطباق لا يكون إلا بالأضداد، والمقابلة تكون بالأضداد وبغيرها، ولكن الأضداد أعلى رتبة وأعظم موقعاً. والثاني، إن الطباق لا يكون إلا بين ضدين فقط، والمقابلة لا تكون إلا بما زاد من الأربعة إلى العشرة. انتهى. قال الشيخ صفي الدين: وكلما كثر عددها كانت أبلغ. انتهى. وزاد السكاكي في تعريف المقابلة قيداً آخر فقال: هي أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطاً، شرطت هناك ضده كقوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى) فإنه لما جعل التيسير مشتركاً بين الإعطاء والإتقاء والتصديق، جعل ضده وهو التعسير المعبر عنه بقوله: فسنيسره للعسرى، مشتركاً بين أضدادها وهي: البخل والاستغناء والتكذيب. فإن قلت: كون البخل ضد الإعطاء، والتكذيب ضد التصديق ظاهر فما وجه كون الاستغناء ضد التقي؟ قلت: هو مبني على اعتبار ما يلزم الاستغناء من ترك الإتقاء، إذ المراد باستغنى، إنه زهد فيما عند الله ولم يرغب فيه، بمنزلة الشيء المستغنى عنه، فترك الإتقاء واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، فلم يتق الله ولم يحذر المعاصي وإتباع الهوى. ثم هذا القيد الذي زاده السكالي، لم يعتبره الأكثرون لأنهم عدواً من المقابلة قول أبي دلامة: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر وألافلاس بالرجل قالوا: قابل بين الحسن والقبح والدين والكفر والدنيا والإفلاس. ومع ذلك فالقيد المذكورة معدوم فيه، لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع ولم يشترط في الإفلاس والكفر ضده، فلا يكون هذا البيت عند السكالي من المقابلة. وقسم بعضهم المقابلة إلى ثلاثة أنواع: نظيري ونقيضي وخلافي. مثال الأول، قوله تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم) فإنهما جميعاً من باب الرقاد المقابل باليقظة في آية (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) وهذا مثال الثاني، فإنهما نقيضان. ومثال الثالث مقابلة الشر في قوله تعالى: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) فإنهما خلافان لا نقيضان، فإن نقيض الشر الخير، ونقيض الرشد الغي. انتهى. وهذا تقسيم غريب، قل من ذكره، ولعل قائله تفرد به. تنبيهان: الأول- ظاهر كلام جماعة إن المقابلة لا تكون إلا بالأضداد كالمطابقة فيبطل الفرق الأول من الفرقين المذكورين بين المطابقة والمقابلة. الثاني - قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: المقابلة أن يأتي الناظم بأشياء متعددة في صدر البيت، ثم يقابل كل شيء منها بضده في العجز، على الترتيب أو بغير الضد. انتهى. وظاهر هذا أن المقابلة في النظم لا تكون إلا بين ألفاظ صدر البيت وعجزه. وليس كذلك، بل قد تكون في كل من صدر البيت وعجزه، بأن يأتي بلفظين ويقابل منهما بضده أو غيره في الصدر، وكذا في العجز كقول الطغرائي:

стр. 59

حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة اليأس منه رقة الغزلِ فإنه قابل الحلو والفكاهة، وهي المزح، بالمر والجد على الترتيب في صدر البيت، وقابل الشدة واليأس بالرقة والغزل على الترتيب في عجز البيت فظهر أن كلام الشيخ صفي الدين مبني على الغالب دون التحقيق والله أعلم. مثال مقابلة اثنين باثنين - قوله تعالى: (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً) . وقول النبي) ﵌ (: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا الخرق في شيء إلا شأنه. وقول الذبياني: فتىَ تم فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء إلا عاديا وقوله الآخر: فوا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... وفيَّ ومطوي على الغل غادرُ فإن الغل ضد النصح، والغدر ضد الوفاء ومن لطيف ذلك، ما حكي عن محمد بن عمران الطلحي، إذ قال له المنصور: بلغني أنك بخيل، فقال: يا أمير المؤمنين ما أجمد في حقٍ ولا أذوب في باطل. ومثال مقابلة ثلاثة بثلاثة قول أبي الطيب المتنبي: فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبرُ وقول الآخر في المعنى: إذا جادت الدنيا عليك فجد بها ... على الخلق طرا إنها تنقلبُ فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ... ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب وقول أبي تمام: يا أمة كان قبح الجور يسخطها ... دهراً فأصبح حسن العدل يرضيها وقول شهاب الدين محمود: يا راكباً يفري جواد الفلا ... على أمون جسرة أو جوادْ يسري فتبيديه ظهور الربى=طوراً فتخفيه بطون الوهاد وقول الآخر وفي كل من البيتين مقابلة ثلاثة بثلاثة: يفر جبان القوم عن ابن أمه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبهْ ويرزق معروف الكريم عدوه ... ويحرم معروف البخيل أقاربه ومنه قول الشيخ صفي الدين الحلي في راقص: ورَّنح الرقص منه عطفاً ... حف به اللطف والدخولُ فعطفه داخل خفيف ... وردفه خارج ثقيل فقابل العطف بالردف، والداخل بالخارج، والخفيف بالثقيل. وليس هذا من مقابلة اثنين باثنين كما زعم ابن حجة. ومثال مقابلة أربعة بأربعة قوله تعالى: فأما من أعطى واتقى - الآيتين - وقد تقدم ذكرهما وبيان المقابلة فيهما. وقول غرس الدين الأربلي: تسر لئيماً مكرمات تعزه ... وتبكي كريما حادثات تهينُهُ ومثال مقابلة خمسة بخمسة قول أبي الطيب المتنبي: أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثني وبياض الصبح يغري بي قالوا: قابل خمسة بخمسة، والمقابلة الخامسة بين (لي) و (بي) ، قال الخطيب القزويني: وفيه نظر، لأن الباء واللام فيهما صلتا الفعل فهما من تمامهما، قال: وضد الليل المحض هو النهار، لا الصبح. وقد أخذ بعضهم قول أبي الطيب أخذاً مليحاً فقال: أقلي النهار إذا أضاء صباحه ... وأظلّ انتظر الظلام الدامسا فالصبح يشمت بي فيقبل ضاحكاً ... والليل يرثي لي فيدبر عابسا قال الصفدي: وهو مقابلة خمسة بخمسة. انتهى. قلت: والنظر المذكور وارد عليه مع الأغراض. وعدوا من مقابلة خمسة بخمسة قول الثعالبي: عذيري من الأيام مدت صروفها ... إلى وجه من أهوى يد النسخ والمحوِ وأبدت بوجهي طالعات أرى بها ... سهام أبي يحيى يسددها نحوي فذاك سواد الخط ينهى عن الهوى ... وهذا بياض الحظ أمر بالصحوِ ومن يرى المقابلة بين صلتي الفعل فهو عنده من مقابلة ستة بستة. ومثال مقابلة ستة بستة، ما أنشده الصاحب شرف الدين مستوفي أربل لغيره، وهو: على رأس عبدٍ تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينهُ قال الصلاح الصفدي: هذا أبلغ ما يمكن أن ينظم في هذا المعنى. فإن أكثر ما عد الناس في باب المقابلة بيت أبي الطيب لأنه قابل فيه بين خمسة، وهذا قابل فيه بين ستة والله أعلم. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين قوله: كان الرضا بدنوي من خواطرهم ... فصار سخطي لبعدي عن جوارهمِ قال في الشرح: فيه مقابلة، كان بصار، والرضا بالسخط، والدنو بالبعد، ولفظةِ من بعن، لأنها تخالفها أيضاً، وخواطرهم بجوارهم، فهذه عشرة متقابلة من غير حشو. وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:

стр. 60

بواطئ فوق خد الصبح مشتهر ... وطائر تحت ذيل الليل مكتتمِ والمقابلة في هذا بين خمسة أيضاً. وبيت عز الدين الموصلي قوله: ليل الشباب وحسن الوصل قابله ... صبح المشيب وقبح الهجر واندمي المقابلة في هذا البيت بين أربعة. قال ابن حجة: وأتى بلفظة قابلة اضطراراً لتسمية النوع، وأما قوله: واندمي، فقافية مستدعاة أجنبية من المقابلة، فإنه لم يؤهلها لمقابلة ضده، ولا لغيره بل تركها بمنزلة الأجانب. انتهى. وبيت بديعية ابن حجة قوله: قابلتهم بالرضا والسلم منشرحا ... ولوا غضاباً فوا حزني لغيظهمِ هذا البيت فيه المقابلة بي أربعة أيضاً، وهي ظاهرة، وقافيته متمكنة غير أنه فصل بين الجملتين، والوصل فيهما متعين لاتفاقهما في الخبرية لفظاً ومعنى، ووجود الجامع بينهما وهو التضاد، فكان حقه أن يقول: فولوا غضاباً، ولا يخفى ما في البيت من الغلق وعدم الانسجام بسبب هذا الفصل. وبيت الطبري قوله: وحسن وصل وسلم القرب قابله ... بقبح هجر وحرب البعد للتهمِ لفظة (قابله) هنا مثلها في بيت الموصلي. وبيت بديعيتي قولي: ولوا بسخط وعنف نازحين وقد ... قابلتهم بالرضا والرفق من أممِ المقابلة فيه بين أربعة، وجميعها أضداد كما لا يخفى. وبيت بديعية إسماعيل المقري قوله: قد بكى الجفن حزناً بعد بعدهم ... كضحك ثغري سروراً عند قربهمِ المقابلة فيه بين خمسة لكنها بالأضداد وغيرها. وإن هم استخدموا عيني لرعيهم=أو حاولوا بذلها فالسعد من خدمي الاستخدام في اللغة، استفعال من الخدمة، وأما اصطلاحاً فلهم فيه عبارتان: إحداهما أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً به أحد معانيه، ثم يؤتى بضمير مراداً به المعنى الآخر، أو بضميرين مراداً بأحدهما أحد المعاني وبالآخر المعنى الآخر. فالأول كقول جرير -: - إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا أرد بالسماء: الغيث، وبالضمير الراجع من رعيناه: النبت. والثاني كقول البحتري: فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوبِ فالغضا أرض لبني كلاب، وواد بنجد، وشجر معروف، فأراد بأحد الضميرين الراجعين إلى الغضا وهو المجرور في الساكنية: أحد المكانين، وبالآخر وهو المنصوب في شبوه: الشجر، أي أوقدوا ناراً الغضا بين جوانح وقلوب. وهذه طريقة الخطيب في الإيضاح والتلخيص، ومن تبعه، وعليها مشى أكثر الناس وأصحاب البديعيات. الثانية - أن يؤتى بلفظ مشترك بين معنيين، ثم بلفظيين يخدم كل واحد منهما معنى من ذينك المعنيين، وهذه طريقة بدر الدين بن مالك في المصباح، ومشى عليها زكي الدين بن أبي الإصبع، ومثل له بقوله تعالى: (لكل أجلٍ كتاب. يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) فلفظ كتاب يحتمل الأجل المحتوم، والكتاب المكتوب وقد توسط بين لفظي أجل ويمحو، فلفظة أجل تخدم المعنى الأول ويمحو يخدم الثاني. قال الحافظ السيوطي في الإتقان: قيل: ولم يقع في القرآن على طريقة صاحب الإيضاح شيء من الاستخدام. وقد استخرجت بفكري آيات على طريقته، منها وهي أظهرها قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان في سلالة من طين) فإن المراد به آدم، ثم أعاد الضمير عليه مراداً به ولده، فقال (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) ومنها قوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم) ثم قال (قد سألهاش قوم من قبلكم) أي أشياء أخر، لأن الأولين لم يسألوا عن الأشياء التي سأل عنها الصحابة فنهوا عن سؤالها. انتهى. قال بن حجة والطريقتان راجعتان إلى مقصود واحد، وهو استعمال المعنيين بضمير وبغير ضمير، وهذا هو الفرق بين التورية والاستخدام، فإن المراد في التورية أحد المعنيين، وفي الاستخدام كل منهما مراد. انتهى. وهذان نوعان أعني التورية والاستخدام أشرف أنواع البديع وهما سيان عند بعضهم، وفضل بعضهم الاستخدام عليها فقال: إنه أعلى رتبة وأحلى موقعاً في الأذواق السليمة.

стр. 61

قال الشيخ صفي الدين في شرح بديعيته: وهذا - يعني الاستخدام - نوع عزيز الوقوع معتاص على الناظم شديد الالتباس بالتورية، قلما تكلفه بليغ وصح معه بشروطه لصعوبته وقلة انقياده وميله إلى جانب التورية، ولذلك لم يرد منه في أمثلة كتب المؤلفين سوى بيتين، وفي كل منهما نظر. أحدهما قول البحتري: فسقى الغضا والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوبِ والنظر في اشتراك لفظة الغضا، فإن علماء البديع اشترطوا أن يكون اشتراك لفظة الاستخدام اشتراكاً أصلياً، والاشتراك في لفظة ألغضا ليس بأصلي، ولكن أحد المعنيين منقول من الآخر، لأن الغضا في الحقيقة هو الشجر، وسمي وادي الغضا لكثرة نبته فيه، وسمي جمر الغضا لقوة ناره فكلاهما منقول من أصل واحد. وأما البيت الآخر فقول المعري: وفقيه ألفاظه شدن للنعما ... ن ما لم يشده شعر زيادِ وهذا بيت من مرثية له في فقيه حنفي والنعمان اسم أبي حنيفة، وزياد هو النابغة وكان يمدح النعمان بن المنذر، فالمراد بالبيت أن ألفاظ هذا الفقيه شادت لأبي حنيفة من حسن الذكر ما لم يشده شعر زياد للنعمان بن المنذر. والنظر الذي فيه من حيث أن من شروط الضمير في الاستخدام أن يكون عائداً إلى اللفظة المشتركة ليستخدم به معناها الآخر، كما قال البحتري: شبوه والضمير عائد إلى الغضا، وهذا جعل الضمير في يشده عائداً إلى لفظة ما، وهي نكرة موصوفة، فيبقى طيب الذكر الذي لم يشده شعر زياد لا يعلم لمن هو، لأن الضمير لا يعود إلى النعمان، ويمكن الاعتذار له على تأويل النجاة وهو بعيد. انتهى كلام الصفي. وأراد بالتأويل أن يقال: إن التقدير، ما لم يشده له، فيعود الضمير على النعمان بهذا التقدير، ووجه بعده عدم وجود هذا الضمير في اللفظ وفي كل من هذين النظرين اللذين أوردهما على البيتين بحث. أما نظره الأول في بيت البحتري فإنما يتوجه أن لو أراد الناظم بالغضا وادي الغضا فحذف المضاف واكتفى بالمضاف إليه، وليس كذلك، بل لفظتا الغضا وحدهما اسم لمكانين. قال في القاموس: والغضا أرض لبني كلاب وواد بنجد، فيكون الغضا علماً لكل من هذين المكانين، ولو كان الاسم وادي الغضا لقال: وادي الغضا بأرض بني كلاب وواد بنجد، فصح أن الغضا مشترك بين الشجر وبين كونه علماً لكل واحد من هذين المكانين اشتراكاً أصلياً. لا يقال: لعله إنما سمي هذان المكانان بالغضا لكثرة نبت الغضا فيهما مبالغة، لأنا نقول: هذا يحتاج إلى إثبات أن الواضع إنما سمي هذين المكانين بهذا الاسم لهذا السبب ودون ذلك خرط القتاد، ولغة العرب وسيعة، والألفاظ المشتركة فيها كثيرة، فمن أين لنا القطع بذلك واللغة لا تثبت بالعقل؟ وأما النظر الثاني الذي أورده على بيت المعري فإنما يتوجه على كونه من الاستخدام الذي هو طريقة صاحب الإيضاح. وأما إذا جعلناه على طريقة صاحب المصباح فلا، لأنه لم يشترط عود الضمير على لفظة الاستخدام، فيكون لفظة فقيه في البيت يخدم لفظة النعمان الذي هو أبو حنيفة، وشعر زياد يخدم النعمان الذي هو ممدوحه وهو النعمان بن المنذر. فصح كونه استخداماً على هذه الطريقة دون الأولى فاعلم ذلك والله أعلم. وقد استخدم كثير من الشعراء لفظة الغضا، فقال ابن أي حصينة: أما والذي حج الملبون بيته ... فمن ساجد الله فيه وراكعِ لقد جرعتني كأس بين مريرة ... من البعد سلمى بين تلك الأرجاع وحلت بأكناف الغضا فكأنما ... حشت ناره بين الحشا والأضالع وعدواً منه قول ابن قلاقس: حلت مطاياهم بملتف الغضا ... فكأنما شبوه في الأكبادِ وقول البدر بن لؤلؤ الذهبي: أحمامة الوادي بشرقي الغضا ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي فلقد تقاسمنا الغضا فغصونه ... في راحتيك وجمره في أضلعي وعند أن النظر الذي أورده الصفي على بيت البحتري يرد على هذين الاستخدامين. ومن استخدام البديع قول ابن الوردي: ورب غزالة طلعت ... بقلبي وهو مرعاها نصبت لها شباكاً من ... نضار ثم صدناها وقالت لي وقد صرنا ... إلى عين قصدناها بذلت العين فأكحلها ... بطلعتها ومجراها

стр. 62

ففي البيت الأول استخدام، وفي البيت الرابع أربعة استخدامات، ومعناها بذلت الذهب فأكحل عينك بطلعة عين الشمس، ومجرى العين من الماء، لأنه وطأ لهذه المعاني في الأبيات المتقدمة، وأتى بالبيت الرابع فتنزل جملة على ما تفصل. قال الصفدي: وهذا أبلغ ما سمعته في الاستخدام. وما عرفت لغيره هذه العدة في هذا الوزن القصير، وهذا يدل على الفكر الصحيح والتخيل التام. قلت: وقد جمع ابن مليك الحموي أيضاً أربع استخدامات في العين. فقال في بيت واحد من مديح نبوي: فكم رد من عين وجاد بنيلها ... ولولاه ما ضاءت ولم تك تعذبُ وقال أيضاً في مثل ذلك: كم رد من عين وجاد بها وكم ... ضاءت به وشفى بها من صادِ وبديع قول الصفي الحلي: إذا لم أبرقع بالحيا وجه عفتي ... فلا أشبهته راحتي في التكرم ولا كنت ممن يكسر الجفن في الوغى ... إذا أنا لم أغضضه عن غير محرم وقول بعض المتأخرين: وللغزالة شيء من تلفته ... ونورها من ضيا خديه مكتسب وقول ابن نباتة المصري: إذا لم تفض عيني العقيق فلا رأت ... منازله بالقرب تبهى وتبهرُ وإن لم تواصل غادة السفح مقلتي ... فلا عادها عيش بمغناه أخضر. وأخذ هذين الاستخدامين الشيخ عبد الرحيم العباسي صاحب معاهد التنصيص على شواهد التلخيص أخذاً مجحفاً وأضافهما إلى استخدام البحتري فقال: تمر الصبا عفواً على ساكني الغضا ... وفي أضلعي نيرانه تتسعر فتذكرني عهد العقيق وأدمعي ... تساقطه والشيء بالشيء يذكر وتورث عيني السفح حتى ترى به ... معالم للأحباب تزها وتزهر وله أيضاً: وإني للثغر المخوف لكاليء ... نعم وله من كل غيداء راشفُ وهذا أيضاً مأخوذ من قول عبد الله بن طاهر ذي اليمينين: وإني للثغر المخوف لكاليء=وللثغر يجري ظلمه لرشوفُ وهذه الأمثلة كلها جارية على طريقة صاحب الإيضاح في الاستخدام. وأما الأمثلة على طريقة بدر الدين بن مالك، فمنها قول أبي العلاء يصف درعا: نثرة من ضمانها للقنا الخط ... ي عند اللقاء نثر الكعوبِ مثل وشي الوليد لانت وإن كا ... نت من الصنع مثل وشي حبيب تلك ماذية وما لذباب الص ... يف والسيف عندها من نصيب فالذباب مشترك بين طرف السيف وبين الطائر المعروف، فلفظ السيف يخدم المعنى الأول، لفظ الصيف يخدم المعنى الثاني. وقول السراج الوراق: دع الهوينا وانتصب واكتسب ... واكدح فنفس المرء كداحه وكن عن الراحة في معزل=فالصفع موجود مع الراحه فالراحة تطلق على الاستراحة وعلى الكف، وقد تقدمها من القرائن ما يخدم المعنيين، فالانتصاب والكدح يخدم المعنى الأول، والصفح يخدم المعنى الثاني، ولا يخفى أن الطريقة الأولى أحسن موقعاً وألطف مورداً من هذه الطريقة، وقد تقدم أن أصحاب البديعيات إنما جروا على تلك الطريقة دون هذه. فبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: من كل أبلج واري يوم قرى ... مشمر عنه يوم الحرب مصطلمِ أراد بالزند: الزناد، بقرينه الواري يوم القرى، وبالضمير الراجع من (عنه) العضو الذي تحت العضد، بقرينة مشمر عنه يوم الحرب. وبيت ابن جابر الأندلسي قوله: إن الغضا لست أنسى أهله فهم ... شبوه بين ضلوعي يوم بينهمِ قال ابن حجة: لو عاش البحتري ما صبر لابن جابر على هذه السرقة، فإنه أخذ لفظة ومعناه وضميره، وما اختشى من الجرح ولا سلم من النقد. وبيت عز الدين الموصلي قوله: والعين قرت بهم لما بها سمحوا ... واستخدموا من الأعدا فلم تنمِ قال ابن حجة: قوله: والعين قرت بهم لما بها سمحوا، في غاية الحسن فإنه أتى بالاستخدام وعود الضمير في شطر البيت مع الانسجام والرقة، واستخدم العين الناظرة، وعين المال. وأما قوله في الشطر الثاني: واستخدموها من الأعدا فلم تنم، ما أعلم ما المراد به، فإن الاستخدام في العين التي هي الجارحة قد تقدم، والذي يظهر لي أن اضطراره إلى تسمية النوع الجأه إلى ذلك. انتهى.

стр. 63

وأنا أقول: إن الذي استحسنه من الشطر الأول ليس بشيء من جهة المعنى وإن كان حسناً من جهة اللفظ، لأن قوله: لما بها سمحوا يعني بعين المال، لا يناسب الغزل، فإن السماح بالمال يكون من جانب المحب لا من جانب المحبوب، وهذا يليق أن يقال في صفة ممدوح طلب صلته، لا محبوب طلب وصله. وأما قول ابن حجة: لا أعلم ما المراد بقوله: واستخدموها من الأعدا، فجدير أن لا يعلم، وما ظهر له خلاف الصواب، وتسرع إلى الانتقاد في غير محله، فإن الضمير في قوله: واستخدموها، راجع إلى العين بمعنى الربيئة وهو طليعة القوم الذي يبعث ليطلع طلع العدو، بقرينة قوله: من الأعداء، وهو من معاني العين، والمعنى: أنهم استخدموا ربيئتهم حذراً من الأعداء فلم تنم. والله أعلم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: واستخدموا العين مني وهي جارية ... وكم سمحت بها أيام عسرهمِِ الشطر الأول منه حسن بديع، والذي أوجب حسنه، التورية في جارية بعد قوله: استخدموها، وأما الشطر الثاني، فأردت الكلام عليه ولكني رأيت الشيخ أبا العباس أحمد بن إبراهيم العلوي سبقني إلى ذلك فقال: لو أنه قال: وكم سمحت بها طوعاً لأمرهم لكان أنسب وأولى من نسبه العسر إلى أيام أحبابه، فإن في نسبة ذلك إليهم ما لا يخفى على الأديب الفطن من البشاعة. انتهى. وبيت بديعية الطبري: واستخدموا العين تجري مخافتها ... أنفقتها فيهم أوقفتها بهمِ هذا البيت فيه أربع استخدامات، ولكن لا يخفى ما فيه من التعقيد والركة. وبيت بديعيتي هو قولي: وإن هم استخدموا عيني لرعيهم ... أو حاولوا بذلها فالسعد من خدمي أردت بالعين، الباصرة، بقرينة قولي: لرعيهم، وبالضمير في بذلها، المال، بقرينة البذل، وأنت إن نظرت إلى مفهوم قولي: فالسعد من خدمي، ولحظت ما يفهمه قول ابن حجة: وكم سمحت بها أيام عمرهم، من المنة عليهم بذلك ظهر لك بين المعنيين الفرق الجلي، وحكمت بتقديم علي. وبيت بديعية إسماعيل المقري قوله: أقر عيناً وأجراها ندى وأبا ... ها عسجداً وحكاها في دجى الظلمِ هذا البيت مدرج، وآخر الشطر الأول من الألف من قوله: وأبا، وأراد بالعين الباصرة، وبالضمير في أجراها، العين الجارية، وفي أباها، الذهب، لأنه) ﵌ (عرضت عليه الجبال ذهباً فأباها، وفي حكاها، الشمس، فاستخدم العين لأربعة معان ولكن في قوله: في دجى الظلم، قصور ظاهر، لأنه كان ينبغي أن يقول: في الضحى لا في دجى الظلم حتى تتم المشابهة، ولا يكون المشبه دون المشبه به، أستغفر الله من ذلك والله أعلم. الافتنان إن افتنانهم في الحسن هيمني ... قدما وقد وطئت فرق السها قدمي الافتنان - هو الإتيان بفنين مختلفين من فنون الكلام في بيت واحد فأكثر، مثل النسيب والحماسة، والمدح والهجو، والتهنية والتعزية، ولا يختص بالنظم، بل يكون في النثر أيضاً كقوله تعالى: (كل من عليها فانٍ. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) فإنه جمع بين الفخر والتعزية، فعزى سبحانه جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة، وتمدح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر لفظات، مع وصفه ذاته بعد انفراده بالبقاء، بالجلال والإكرام. ومنه ما حكي أنه لما مات معاوية اجتمع الناس بباب يزيد لعنة الله، فلم يعرف أحد ما يقول، ولم يقدروا على الجمع بين التعزية والتهنية، حتى أتى عبد الله بن همام السلولي فدخل فقال ليزيد: آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فقد رزيت عظيماً؛ وأعطيت جسيماً، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزيت، فقد فقدت الخليفة، وأعطيت الخلافة، ففارقت خليلا، ووهبت جليلا، أن قضى معاوية ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة، فأورده الله موارد السرور، ووفقك لمصالح الأمور. ثم أنشد: فاصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نعيت فلا نسمع بمعناكا ففتح للناس باب القول. فقال أبو نواس يعزي الفضل عن الرشيد ويهنيه بالأمين: تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائنُ

стр. 64

حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساوٍ مرة ومحاسن وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا الملك مغبون ولا الموت غابن وتبعه أبو تمام بالقصيدة التي أولها: ما للدموع تروم كل مرام، بقوله للواثق ويهنيه بالخلافة ويعزيه بالمعتصم. صرف القول فيها كيف شاء وأطنب كما أراد، واحتج وأسهب، وتقدم فيها على كل من سلك هذه الطريقة من الشعر. يقول فيها: لله أي حياة انبعثت لنا ... يوم الخميس وبعد أي حمامِ أودى بخير أمام اضطربت به ... شعب الرجال وقام خير إمامِ تلك الرزية لا رزية مثلها ... والقسم ليس كسائر الأقسام إن أصبحت هضبات قدسَ أزالها ... قدرٌ فما زالت هضاب شمام أو يفتقد ذو النون في الهيجا فقد ... دفع الإله لنا من الصمصام أوجب منا غارب غدرا فقد ... رحنا بأتمك ذروة وسنام هل غير بؤسي ساعة ألبستها=بنداك ما لبست من الأنعام نقض كرجع الطرف قد أبرمته ... يا بن الخلائف أيما إبرام ما أن رأى الأقوام شمساً قبلها ... أفلت ولم تعقبهم بظلام أكرم بيومهم الذي ملكتهم ... في صدره وبعامهم من عام وأراد ابن الزيات مجاراته فعلم من نفسه التقصير فاقتصر على قوله: قد قلت إذا غيبوك واصطفقت ... عليك أيدٍ بالترب والطينِ أذهب فنعم المعين كنت على ... الدنيا ونعم الظهير للدين لن يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون والجمع بين التهنية والتعزية في باب الافتنان أصعب مسلكاً من الجمع بين غيرهما من فنون الكلام، لشدة ما بينهما من التناقض. ومن رائق ذلك قول أبي الفتيان محمد بن حيوس، يخاطب نصر بن محمود صاحب حلب مهنياً له بالملك، ومعزياً له في أبيه، وهي في قصيدة طويلة جيدة: صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يكن الصبرُ عسرانا ببوسي لا يماثلها الأسى ... تقارن نعمى لا يقابلها الشكر وما أحسن قوله فيها: ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت مادب عن ناظر شفرُ يقينك والتقوى وجودك والغنى ... ولفظك والمعنى وعزمك والنصر وأما ما افتن به الشاعر من النسب والحماسة، فمنه قول عنترة: إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئمِ فأول البيت نسيب وآخره حماسة، والمستلئم: الذي يلبس لبس لأمة حربه، وهي الدرع، وما أحسن مقابلته به قناع المرأة. ومنه قول عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي، الملقب والده بذي اليمينين، وزير المأمون: نحن قوم تذيبنا الحدق النج ... ل على أننا نذيب الحديدا طوع أيدي الغرام تقتادنا الغي ... د ونقتاد بالطعان الأسودا نملك الصيد ثم تملكنا البي ... ض المصونات أعيناً وخدودا تتقي سخطنا الأسود ونخشى ... سخطة الخشف حين يبدي الصدودا فترانا يوم الكريهة أحرا ... راً وفي السلم للحسان عبيدا وقول أبي دلف العجلي: أحبك يا ظلوم وأنت مني ... مكان الروح من جسد الجبانِ ولو أني أقول مكان روحي ... خشيت عليك بادرة الطعان وقول أبي فراس بن حمدان: هوانا غريب شزب الخيل والقنا ... لنا كتب والباترات رسائلُ أغرن على قلبي بخيل من الهوى ... وطارد عنهن الغزال المغازل بأسهم لفظ لم تركب نصالها ... وأسياف لحظ ما جلتها الصياقل وقائع قتلى الحب فيها كثيرة ... ولم يشتهر سيف ولا هز ذابل أراميتي كل السهام مصيبة ... وأنت لي الرامي وكلي مقاتل وإني لمقدام وعندك هائب ... وفي الحي سحبان وعندك بأقل وقوله من قصيدة مطلعها: لعل خيال العامرية زائر ... فيسعد مهجور ويسعد هاجرُ وإني على طول الشماس على الصبا=أحن وتصبيني إليه الجآذر منها: فيا نفس ما لاقيت من لاعج الهوى ... ويا قلب ما جرت عليك النواظر ويا عفتي ما لي وما لك كلما ... هممت بأمرهم بي منك زاجر كأن الحجا والصون والفضل والتقى ... لدى لربات الخدور ضرائر وكم ليلة خضت الأسنة نحوها ... ولا هدأت عين ولا نام سامر

стр. 65

تقول إذا ما جئتها متدرعاً ... أزائر شوقٍ أنت أم أنت ثائر فقلت لها كلا ولكن زيارة ... تخاض حتوف دونها ومحاذر فلما خلونا يعلم الله وحده ... لقد كرمت نجوى وعفت سرائر وبت يظن الناس فيّ ظنونهم ... وثوبي مما رجم الناس طاهر وقوله وقد أصابته طعنة في خده: لما رأت أثر السنان بخده ... ظلت تقابله بوجه عابسِ خلف السنان به مواقع لثمها ... بئس الخلافة للمحب البائسٍ وقوله أيضاً: ورب ديار بالعوالي منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجرُ وحي رددت الخيل حتى ملكته ... هزيما وردتني البراقع والخمر وساحبة الأذيال نحوي رأيتها ... فلم يلقها جافي اللقاء ولا وعر وهبت لها ما حازه الجيش كله ... وأبت ولم يكشف لأبياتها ستر ومنه قول امرئ القيس: فبتنا نذود الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعرف لنا الناس مضجعا تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وترخي علي السابري المضلعا إذا أخذتها هزة الروح أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا قال الشريف المرتضى علم الهدى رضوان الله عليه في رسالة له: رأيت قوماً من متعمقي أصحاب المعاني يقولون: أراد بالمأثور، السيف، وعنى أنه كان مقلداً سيفاً حال مضاجعته لها، وأنها كانت تتجافى عنه اشتغالاً به. ثم قال: والذي يقوي في ظني أن امرء القيس لم يعن هذا المعنى وإنما عنى أنها تتجافى عن الحديث المأثور بيني وبينها من الوشايات والسعايات، التي يقصد بها الوشاة تفريق الشمل، وإنها تعرض عن ذلك كله، وتطرحه وتقبل على ضمي واعتناقي وإدخالي معها في غطاء واحد. قال ولفظة مأثور تصلح للحديث وللسيف عن القطع. ثم قال: ولم أجد بين امرئ القيس وأبي الطيب من ألم بهذا المعنى. قال أبو الطيب: وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً ... بصاحب غير عز هاةٍ ولا غزلِ فبات بين تراقينا ندافعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل قال: وما وجدت لأحد من الشعراء بين أبي الطيب وبين أخي الرضي ﵁ شيئاً في هذا المعنى، ووجدت له ﵀ أبياتاً جيدة، وهي هذه: تضاجعني الحسناء والسيف دونها ... ضجيعان لي والعضب أدناها عني إذا دنت البيضاء مني لحاجة ... أبي الأبيض الماضي فما طلها عني وإن نام لي في الجفن إنسان ناظر ... تيقض عني ناظر لي في الجفن أغرت فتاة الحي مما ألفته ... أغلله بين الشعار من الطبن فقالت هبوه ليلة الخوف ضمه ... فما عذره في ضمه ليلة الأمن قال (وهذه الأبيات استوفت هذا المعنى واستوعبته واستغرقته) وأطنب في نعتها. ثم قال: (ويمضي في ديوان شعري نظم هذا المعنى في أقطاع) . أثبتها في رسالته المذكورة، لكنها تقصر عن رتبة قطعة أخيه. فمن أحسنها قوله: لما اعتنقنا ليلة الرمل ... ومضاجعي ما بيننا نصلي قالت أما ترضى ضجيعك من ... جسمي الرطيب ومعصمي الطفل إلا احتملت فراق نصلك ذا ... في هذه الظلماء من أجلي انظر إلى ضيق العناق بنا ... تنظر إلى عقد بلا حل لا بيننا يجري العقار ولا ... فضل به لمدبة النمل فأجبتها أني أخاف إذا ... فطنوا بنا أهلوك أو أهلي عديه مثل تميمة نصبت ... كيلا نصاب بأعين نجل إني أخاف العار يلصق بي ... يوماً ولا أخشى من القتل ثم أثبت إقطاعاً أخر خارجة عما نحن فيه، وأطنب الكلام في ذكر محاسنها وبيان ما اشتملت عليه من النكت بياناً طويلاً. قلت: ولما وقفت على ذلك عن لي أن أنظم هذا المعنى فاستعنت بالله تعالى ونظمته وزدت فيه زيادة لطيفة، لم يسبقني إليها أحد، فقلت ولم أخرج عما نحن فيه من الافتنان: ولقد طرقت الحي من سعد ... تحت الدجى كالخادر الوردِ في ليلة مدت غياهبها ... من فرعها كالفاحم الجعد والصبح يستهدي لمطلعه ... نجم الدجنة وهو لا يهدي ومصاحبي من ليس يخفرني ... ماضي الضريبة مرهب الحد وسريت معتسفاً أنص على ... عبل المقلد مشرف نهد لا أهتدي والليل معتكر ... ألا بنشر المسك والند حتى اقتحمت الخدر مجترئاً ... أدلي بعهد الحب والود

стр. 66

فتنبهت مرتاعة فزعا ... ريا المخلخل طفلة الخد قالت من المقتول قلت لها ... من قد قتلت بلوعة الصد قالت قتيل هواي قلت أجل ... قالت أجلك عن جفا الرد فوقفت مهري غير مرتقب ... ونزلت عن نهدٍ إلى نهد ودنوت منها وهي عاتبة ... أبدي العتاب لها كما تبدي ثم اعتنقنا وهي مغضية ... عني وبات وسادها زندي وضممت سيفي بيننا فغدت ... غيري تدفعه على عمد حتى إذا ضاق العناق بنا ... ضما يذوب له حصى العقد قالت فديتك دعه ناحية ... يغنيك ضم الرمح من قدي وقلت في ذلك أيضاً وزدت في زيادة أخرى: وليلة عانقت في جنحها ... ثالثة الشمس وبدر التمامْ فلم يطب لي ضمها ساعة ... حتى ضممت السيف عند المنام فاستنكرت ضمي له بيننا ... وقد صفا الوصل وطاب اللزام قالت فدتك النفس من حازم ... ما تصنع الآن بهذا الحسام يغنيك عنه لا خشيت العدى ... مهند اللحظ ورمح القوام ذكرت بقول أبي الطيب: وقد طرقت فتات الحي مرتدياً - البيتين - ما حكاه لي سيدي الوالد رحمه الله تعالى في بعض منادماته قال: كان بعض الناس ممن أدركته يكثر التمثل بشعر أبي الطيب من غير أن يفهم المعنى، فأنشد يوماً هذين البيتين مترنماً بهما، فسأله بعض الحاضرين، ما عنى بقوله (فبات بين تراقينا ندفعه) ؟ فقال: عنى فرساً، فقال: لو كان فرساً لكسر تراقيك، وتراقيها وأنتما تدفعانه. وقريب من ذلك ما حكاه صاحب الأغاني، قال: كان الأقيشر عنيناً لا يأتي النساء وكان يصف ضد ذلك من نفسه، فجلس إليه يوماً رجل من قيس. فأنشده الأقيشر: ولقد أروح بمشرف ذي ميعة ... عسر المكرة ماؤه يتفصدُ مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد أهابه يتقدد ثم قال للرجل: أتبصر الشعر؟ قال: نعم. قال: فما وصفت؟ قال: فرساً، قال: أفكنت لو رأيته تركبه؟ قال: أي والله واثني عطفه، فكشف الأقيشر عن أيره فقال هذا وصفت فقم فأركبه، فوثب الرجل عن مجلسه وهو يقول: قبحك الله من جليس سائر اليوم. رجع. ومن الافتنان بالنسيب والمدح: قول القزاز الأندلسي في ابن صمادح، وهو غريب: نفى الحب عن مقلتي الكرى ... كما قد نفى عن يدي العدمْ فقد قر حبك في خاطري ... كما قر في راحتيك الكرم وفرَّ سلوك من فكرتي ... كما فر عن عرضه كل ذم فحبي ومفخره باقيان ... لا يذهبان بطول القدم فأبقى لي الحب خال وخد ... وأبقى له الفخر خال وعم ومن الافتنان بالهجو والمدح، قول ربيعة في يزيد بن حاتم، يفضله على يزيد بن أسيد [وكان] في لسانه تمتمة، فعرض بها في هذه الأبيات: لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتمِ فهم الفتى الأزدي أتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم وهذا من أشد أنواع الهجاء، وهو الذي يسمى بالمقذع. تنبيه - ذكر ابن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التجبير نوعاً يسمى التمزيج - بالجيم - ولم ينظمه أصحاب البديعيات، وهر قريب من الافتنان، غير أن بينهما فرقاً دقيقاً، وهو أن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من فنون الكلام، والتمزيج يكون بالجمع بين الفنون والمعاني. ومن أمثلته قول الشريف الرضي عليه من الله الرضا جامعاً بين الحماسة والمدح والهجو تعريضاً لا تصريحاً. فقال وأغرب في المقال: ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم وأنف حمي وإباء محلق بي من الضي ... م كما راغ طائر وحشي أي عذر له إلى المجد إن ذل غلام في غمده المشرفي ألبس الذل في ديار الأعادي ... وبمصر الخليفة العلوي من أبوه أبي ومولاه مولا ... ي إذا ضامني البعيد القصي لف عرقي بعرقه سيد النا ... س جميعاً محمد وعلي أن ذلي بذلك الجو عز ... وأوامي بذلك النقع ري قد يذل العزيز ما لم يشمر ... لانطلاق وقد يضام الأبي إن شراً علي إسراع عزمي ... في طلاب العلي وحظي بطي أرضي بالأذى ولم يقف العز ... م قصوراً ولم تعز المطي

стр. 67

تاركاً أسرتي رجوعاً إلى حي ... ث غديري قذٍ ورعيي وبي كالذي يخبط الظلام وقد أق ... مر من خلفه النهار المضي فتحسم أولاً ومدح الخليفة العلوي بمصر، ومت إليه بالنسب وعرض بهجاء بني العباس، ولما ظهرت هذه الأبيات وبلغت القادر بالله، أقامته وأقعدته، وبلغت منه كل مبلغ، فعقد مجلساً أحضر فيه أبا أحمد الطاهر الموسوي والد الرضي، وابنه أبا القاسم المرتضى، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم هذه الأبيات، وجماعة من القضاة والشهود والفقهاء، وأبرز إليهم هذه الأبيات، وقال الحاجب للنقيب أبي أحمد: قل لولدك محمد - يعني الرضي -: أي هو أن قد أقام عليه عندنا؟ وأي ضمي رآه من جهتنا؟ وأي ذلك أصابه في ملكنا؟ وما الذي يعمل معه صاحب مصر لو ذهب إليه؟. أكان يصنع إليه أكثر من صنيعنا؟ ألم نوله النقابة؟ ألم نوله المظالم؟ ألم نستخلفه على الحرمين والحجاز؟ وجعلناه أمير الحجيج؟ فهل كان يحصل له من صاحب مصر أكثر من هذا؟ وهل كان لو حصل عنده إلا واحداً من أفناء الطالبيين؟. فقال النقيب أبو أحمد، أن هذا الشعر مما لم نسمعه منه ولا رأيناه بخطه، ولا يبعد أن يكون بعض أعداء الرضي عزاء إليه. فقال القادر بالله: إن كان كذلك فليكتب الآن محضر يتضمن القدح في أنساب ولاة مصر، ويكتب محمد خطه فيه. فكتب محضر بذلك، شهد فيه جميع من حضر في المجلس، منهم النقيب أبو أحمد، وابنه المرتضى، وحمل المحضر إلى الرضي ليكتب عليه خطه، حمله إليه أبوه وأخوه فامتنع من سطر خطه وأقسم أنه لي من شعره، وأنه لا يعرفه، فأجبره أبوه على أن يسطر خطه في المحضر، فلم يفعل وقال: أخاف دعاة المصريين وغيلتهم. فقال أبوه: وا عجبا تجاف من بينك وبينه ستماءة فرسخ ولا تخاف من بينك وبينه ستة أذرع؟ وحلف أن لا يكلمه، وكذلك أخوه المرتضى. فعل ذلك تقية وخوفاً من القادر بالله وتسكيناً له. ولما انتهى الأمر إلى القادر سكت عنه على غل أضمره له، وبعد ذلك بأيام صرفه عن النقابة والله أعلم. ووقع لي أنا في ذلك قصيدة اشتملت على نسبي وشكوى وفخر وحماسة وحكمة، ولا بأس بإثباتها هنا فإنها من أمثلة هذا النوع وهي: لك الخير أن جزت اللوى والمطاليا ... فحي ربوعاً منذ دهر خواليا وقف سائلاً عن أهلها أين يمموا ... وإن لم تجد فيها محبباً وداعيا وعج أولا نحو المعاهد ثانيا ... زمام المطايا واسأل العهد ثانيا فإن تلفها من ساكنيها عواطلا ... فعهدي بها مر الليالي حواليا تحل بها غيد غوان كأنما ... نظمن على جيد الزمان لئاليا يرنحن من هيف القدود ذوابلا ... وينضين من دعج اللحاظ مواضيا ويبدين من غر الوجوه أهلة ... وينشرن من سود الفروع لياليا تحكمن قسراً في القلوب فلن ترى ... فؤاد محب من هواهن خاليا قضت بهواهن الليالي وما قضت ... ديون الهوى حتى سئمنا التقاضيا أطعت الصبا في حبهن مدى الصبا ... فلما انقضى استبدلت عنه التصابيا نعم قد حلا ذاك الزمان وقد خلا ... على مثله فلبيك من كان باكيا وثم صبابات من الشوق لن تزل ... تؤجج وجداً بين جنبي واريا ولكنني أبدي التجلد في الهوى ... وأظهر سلواناً وما كنت ساليا قصارى النوى والهجر أن يتصرما ... فيمسي قصي الدار والود دانيا صبرت على حكم الزمان وذو الحجا ... ينال بعون الصبر ما كان راجيا وقلت لعل الدهر يثني عنانه ... فاثني عن لوم الزمان شاكيا ولو أجدت الشكوى شكوت وإنما ... رأيت صروف الدهر لم تشك شاكيا فليت رجالاً كنت أملت نفعهم ... تولوا كفافاً لا عليَّ ولا ليا ولو أنني يوم الصفاء أتقيتهم ... تقاة الأعادي ما خشيت الأعاديا ولكنهم أبدوا وفاقاً واضمروا ... نفاقاً وجروا للبلاء الدواهيا فأغضيت عنهم لا أريد عتابهم ... ليقضي أمر الله ما كان قاضيا ولي شيمة في وجنة الدهر شامة ... تنير على رغم الصباح الديايا يؤازرها من هاشم ومحمد ... مفاخر لا تبقي من الفخر باقيا سبقت إلى غايات مجد تقطعت ... رقاب أناس دونها من روائيا وزدت على دهري وسني لم تكن ... تزيد على العشرين إلا ثمانيا

стр. 68

وما وثقت نفسي بخل من الورى ... أكان صديقاً أم عدواً مداجيا ولا خانني صبري ولا خف حادث ... بعزمي إذا ما الخطب ألقى المراسيا وليس الفتى ذو الحزم من كان مولعا ... بشكوى الليالي والليالي كما هيا ولكن فتى الفتيان من راح معرضا ... عن الدهر لا يرجو قريباً ونائيا وإني لأخفي الوجد صبراً على الأسى ... ويبدي ضعيف الرأي ما كان خافيا وأطوي الحشا طي السجل على الجوى ... فما علمت قوت من الوجد ما بيا أصول بقلب لوذعي ومقول ... يفل شباه المشرفي اليمانيا وأنظم من حر الكلام قوافيا ... تكون لآثار المعالي قوافيا ونزهت شعري من هجاء ومدحة ... ولولا الهوى ما كنت أطري الغوانيا ولست أعد الشعر فخراً وإنني ... لأنظم منه ما يفوق الدراريا ولكنني أحمي الشعر فخراً، وأتقي ... عداي وأرمي قاصداً من رمانيا وإن رميت لي فخراً عددت من العلى ... مزايا عظاماً لا عظاماً بواليا على أنني من هاشم في صميمها ... وحسبك بيتاً في ذرى المجد ساميا ولنكتف من أمثلة هذا النوع بهذه النبذة. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في نون الافتنان قوله: ما كنت قبل ظبا الألحاظ قط أرى ... سيفاً أراق دمي إلا على قدمي قال ابن حجة: كان المطلوب من الشيخ صفي الدين في هذا النوع غير هذا النظم مع عدم تكلفه بتسمية النوع. انتهى. قلت: ما أحق لسان حال الشيخ صفي الدين أن ينشد: وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياءُ وليت شعري ما الذي أنكره من هذا البيت حتى يتعقبه بهذا الكلام، ولقد جاء فيه بأحسن التشبيب وأعظم الحماسة. وحماسته هذه تشير بطرف خفي إلى قول الآخر: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما وابن جابر الأندلسي لم ينظم هذا النوع في بديعيته. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله: كان افتناني ثغراً راق مبسمه ... صار افتناني بثغر غير سفك دمي هذا أيضاً افتنان بالنسيب والحماسة. وبيت ابن حجة قوله: تغزلي وافتناني في شمائلهم ... أضحى رثا لاصطباري بعد بعدهمِ قال ناظمه: الجمع في افتنان هذا البيت بين النسب الخالص والتعزية. انتهى. يعني بالتعزية النعي لأنه نعي اصطباره في الشطر الثاني، وفي كون هذا افتناناً نظر، لأن هذا في الحقيقة راجع إلى النسيب أيضاً، والافتنان ينبغي أن يكون بالجمع بين فنين مختلفين حقيقة. ثم إن في هذا البيت من قبح الفال ما تنبو عنه الأسماع وتنفر منه الطباع، فإنه ما يأتي قوله: لاصطباري إلا وقد رسخ في السمع، وقر في القلب أن تغزله وافتنانه في شمائل أحبابه أضحى رثاء، نعوذ بالله من ذلك، وما أورده هذا المصرع إلا بغية على الشيخ صفي الدين، فإنه لا بد للباغي من مصرع. وبيت الطبري قوله: تبسموا مذ تفننت المديح لهم ... فلا يغرك منهم ثغر مبتسمِ الافتنان في هذا البيت بالجمع بين المدح والهجاء الذي هو من نوع النزاهة، وهو حسن جداً. وبيت بديعيتي هو قولي: إن افتنانهم في الحسن هيمني ... قدما وقد وطئت فرق السها قدمي الافتنان في هذا البيت ظاهر، وهو الجمع بين النسيب والفخر. وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله: ألان مني الهوى ما لا يلينه ... صرف الليالي وبأس السيف والقلمِ الافتنان فيه بالجمع بين الغزل والحماسة. اللف والنشر لفي ونشري انتهائي مبدئي شغفي ... معهم لديهم إليهم منهم بهمِ اللف والنشر هو أن تذكر متعدداً، أما تفصيلاً بالنص على كل واحد أو إجمالاً، بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد، وهذا هو اللف. ثم تذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم من غير تعيين، أشياء بأن السامع يرد كل واحد إلى ما يليق به، وهذا هو النشر. فالأول وهو ذكر المتعدد تفصيلاً ضربان:

стр. 69

أحدهما: ما كان النشر فيه على ترتيب اللف، بأن يكون الأول من النشر للأول من اللف، والثاني للثاني، وهكذا على الترتيب، وهذا الضرب هو الأكثر في هذا النوع والأشهر فيه، ومثاله قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) ذكر الليل والنهار على التفصيل، ثم ذكر ما لليل وهو السكون فيه، وما للنهار وهو الابتغاء من فضل الله على الترتيب. وقول الشاعر: الست أنت الذي من ورد وجنته ... وورد نعمته أجني وأغترفُ وقول البهاء زهير: ولي فيك قلب بالغرام مقيد ... له خبر يرويه طرفي مطلقا ومن فرط وجدي في لماه وثغره ... أعلل قلبي بالعذيب وبالنقا وقول ابن نباتة: سألته عن قومه فانثنى ... يعجب من إسراف دمعي السخي وأبصر المسك وبدر الدجى ... فقال ذا خالي وهذا أخي وقول السيد أحمد المغربي من شعراء العصر: إذا طال قرن أو تعرض مارق ... فهذا له قد وهذا له قط فالقد: الشق طولاً، والقط: القطع عرضاً. وبديع قول ابن مكنسة: والسكر في وجنته وطرفه ... يفتح ورداً ويغض نرجسا وقول مؤلفه عفا الله عنه، وفي كل من الأبيات الثلاثة شاهد له نحن فيه: أفديه من رشأ تبدى واختفى ... كالبدر عند طلوعه ومغيبهِ يجفو ويعتب معرضاً متدللا ... ويصد معتذراً بخوف رقيبه نفسي الفداء له فقد حسن الهوى ... فيه وطاب بحسنه وبطيبه ما شاء فليصنع فقلبي طوعه ... ودع العذول يلج في تأنيبه وقوله أيضاً: يا بريق الحياة ويا عذب البا ... ن لقد هجتما لقلبي وجدا زدتماني شوقاً لظبي غرير ... حين أشبهتماه ثغراً وقدا وبعده: هكذا كل مغرم إن شرى البر ... ق وهز النسيم باناً ورندا يستجد الأشواق وجداً ويز ... داد بتذكاره على الوقد وقدا لا أخص النسيم والبرق والبا ... ن وإن جددت لشوقي عهدا كل ما في الوجود يصبي المعنى ... بهوى ذلك الجمال المفدى ولابن حيوس بين ثلاثة وثلاثة: ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كاسه الملأى وعن إبريقه فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه ومثله قول ابن الرومي: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجومْ منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم وقول الآخر: ورد ومسك ودر ... خد وخال وثغرُ لحظ وجفن وغنج ... سيف ونبل وسحر شعر وقد ووجه ... ليل وغصن وبدر وقول حمدة ويقال حمدونة بنت زياد المؤدب وهي خنساء المغرب، شاعرة الأندلس، وهو من عجيب شعرها: ولما أبى الواشون إلا فراقنا ... وليس لهم عند وعندك من ثارِ وشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقل حماتي عند ذاك وأنصاري غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالماء والسيف والنار ومنهم من يزعم أن هذه الأبيات لمهجة بنت عبد الرحمن الغرناطية، وكونها لحمدة أشهر. قال الرعيني بعد ذكر هذه الأبيات: كانت حمدة هذه من ذوي الألباب وفحول أهل الآداب، حتى أن بعض المنسلين تعلق بهذه الأهداب، وادعى نظم هذه الأبيات لما فيها من المعاني والألفاظ العذاب. وما غره في ذلك إلا بعد دارها، وخلو هذه الأبيات المشرقية من أخبارها، وقد تلبس بعضهم أيضاً بشعارها وادعى غير هذا من أشعارها. وهو قولها: وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعف الغيث العميمِ حللنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... الذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم تروع حصاة حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم وإن هذه الأبيات نسبها أهل البلد المشرقية للمنازي من شعرائهم، وركبوا التعصب في جادة إدعائهم، وهي أبيات لم يحكها غير لسانها، ولا رقم بردتها غير إحسانها، ولقد رأيت المؤرخين من أهل بلادنا وهي الأندلس، أثبتوها لها قبل أن يخرج المنازي من العدم إلى الوجود، ويتصف بلفظ الموجود.

стр. 70

نقل الحافظ اليغموري: أن أبا نصر المنازي واسمه أحمد بن يوسف دخل على أبي العلاء المعري في جماعة من أهل الأدب، فأنشد كل واحد من شعره ما تيسر. فأنشد المنازي: (وقانا لفحة الرمضاء وادٍ) - الأبيات - فقال أبو العلاء: أنت أشعر من بالشام، ثم رحل أبو العلاء إلى بغداد فدخل أبو نصر المنازي عليه في جماعة من أهل الأدب ببغداد، وأبو العلاء لا يعرف منهم أحداً، فأنشد كل واحد ما حضره من شعره. حتى جاءت نوبة المنازي فأنشد: لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى شجى قلبي الخلي فقيل غنى ... وبرح بالشجي فقيل ناحا وكم للشوق في أحشاء صب ... إذا اندملت أجد لها جراحا ضعيف الصبر عنك وإن تقادى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى كذاك بنو الهوى سكرى صحاة ... كأحداق المها مرضى صحاحا فقال أبو العلاء: ومن بالعراق، عطفاً على قوله: من بالشام، والله أعلم بصحة ذلك. ومن اللف والنشر بين ثلاثة وثلاثة. قول الشيخ محمد باقشير من أهل العصر في بياع زيت جميل الصورة: أفديه زياتاً رنا وانثنى ... كالبدر كالشادن كالسمهري أحسن ما تبصر بدر الدجى ... يلعب بالميزان والمشتري وفي البيت الثاني من البديع مراعاة النظير والتورية في محلين، ولله دره في هذين البيتين فلقد حاز بهما قصبات السبق في ميدان البلاغة، وأعجز صاغة القريض بحسن هذه الصياغة. ومن غريب ما يحكى: أن الشيخ المذكور لم يكن يذوق من العربية شيئاً، وإنما نظمه من سليقة تفرغ في قوالب الكلام إبداعه وإحسانه، وتحمله على أن ينشد (ولست بنجوي يلوك لسانه) فيأتي من بديع النظم بما يشنف الآذان، ويهجم على القلوب من دون استئذان، فيبهر العقول بما يقول ويبهج النفوس بشعر المأنوس. ولا بأس بإثبات شيء منه هنا، ليكون شاهداً على ما ذكرناه، فمنه قوله يهجو جارية له سوداء مداعباً، وكتبها إلى السيد أحمد بن مسعود بن حسن الحسيني. أبت صروب القضا المحتوم والقدر ... إلا أشابة صفو العيش بالكدرِ وإن من نكد الأيام أن قربت ... دار الحبيب ولكن شط عن نظري بي من سطا البين ما لو بالجبال غدت ... عهنا وبالسبعة الأفلاك لم تدر نوى الأحبة والشوق الشديد وبي ... جوى تجدده مهما انقضى فكري وزادني الدهر هماً لا يعادله ... هم بسمراء ألهتني عن السمر زنجية من بنات الزنج تحسبها ... حظي تجسم جثماناً من البشر كأن قامتها ليلي ومنخرها ... ذيلي وحسبك من طول ومن قصر لها يد ألفت خطف الكسار ولو ... أمست تحوط بالهندية البتر تسطو على القرص سطوي غير ذي جبن ... لو أنه بين ناب الليث والظفر كم غادرتني من جوع ومن سغب ... حزناً أعض بنان النادم الحصر ورب يوم غدا موتي يجر عني ... كاساته فيه حتى عيل مصطبري أروضها تارة عتباً وأزجرها ... طوراً فلم ينهها عتبي ومزدجري وربما أفحمتني القول قائلة ... ما لو أدرت جواباً عنه لم أحر تخشى الردى وبنود المجد خافقة ... على ابن مسعود فرع الفرع من مضر ليث القساطل جرار الجحافل محطا ... م الذوابل أمن الخائف ألحذر وقوله في التشبيب: ألآل ما أرى أم حبب ... أم أقاح لا ولكن شنبُ حرمت وهي حلال قد جرى ... في خلال الطلع منها الضرب ما درى بارق ذياك اللمى ... أن لي قلباً به يلتهب دع لما قد نقل الراوي لنا ... عن لماه ما روته الكتب آه ما أعذبه من مبسم ... وهو لو جاد به لي أعذب ليت لو أن منالاً منه لي ... غير أن البرق منه خلب جؤذر يرنو بعيني أغيد ... من مها الرمل أغن أغلب هز عطفيه فلم يدر النقا ... أقنا ما هزها أم قضب ومحيا كلف الحسن به ... فغدا ينشد أين المذهب رق فاستعبد ألباب الورى ... فله في كل قلب ملعب يا لها من نعمة في ضمنها ... مهلك هان وعز المطلب وقوله في مليح اسمه قاسم: يا من أبى إلا الجفا قسمة ... للصب آهٍ إن قسا الراحمُ ما الصد كالوصل ولكنها ... ظلامة جار بها قاسم

стр. 71

ولنكتف منه بهذا المقدار وله كل معنى مليح، وكانت وفاته سنة سبع وسبعين وألف بمكة المشرفة، وهي مولده ومنشؤه وموطنه. رجع. ومنه بين أربعة وأربعة قول بعضهم: ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والوهجِ وقول ابن خفاجة وليس لها في الحسن نظير: ومهفهف طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظرْ ملأ العيون بصورة ... تليت محاسنها سور فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر فضح الغزالة والغما ... مة والحمامة والقمر وهذه الأبيات عارض بها قول أبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة: يا من يمر ولا تمر ... به القلوب من الفرق بعمامة من خده ... أو خده منها استرقْ فكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق فإذا بدا وإذا انثنى ... وإذا شدا وإذا نطق شغل الخواطر والجوا ... رح والمسامع والحدق ولا يخفى أن أبيات ابن خفاجة تفوق هذه بترتيب اللف والنشر وتزيد عليها زيادة العشرين على العشر. ومنه بين خمسة وخمسة. قول أبي جعفر الأندلسي رفيق بن جابر وشارح بديعيته: ملك يجيء بخمسة من خمسة ... كفي الحسود بها فمات لما به من وجهه ووقاره وجواده ... وحسامه بيديه يوم ضرا به قمر على رضوى تسير به الصبا ... والبرق يلمع من خلال سحابه وقول أبي محمد بن حزم الأندلسي: خلوت بها والسراح ثالثة لنا ... وجنح الظلام الليل قد مد واعتلج فتاة عدمت العيش إلا بقربها ... فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج كأني وهي والكأس والخمر والدجى ... حيا وثرى كالبدر والتبر والسبج ولابن جابر ناظم البديعية بن ستة وستة: إن شئت ظبياً أو هلالاً أو دمى ... أو زهر غصن في الكثيب الأملدِ فللحظها ولوجهها ولشعرها ... ولخدها والقد والردف أقصد وقلت أنا في ذلك: الصبح والليل وشمس الضحى ... والدهر والدر ولين القضيبْ في الفرق والطرة والوجه وال ... خدين والثغر وقد الحبيب ولنجم الدين البارزي بين سبعة وسبعة: يقطع بالسكين بطيخة ضحى ... على طبق في مجلس لا صاحبهْ كبدر ببرق د شما أهلة ... لدى هالة في الأفق بين كواكبه كل من ألفاظ النشر في البيت الثاني من هذين البيتين راجع إلى منصوص في البيت الأول، إلا الأهلة فإنه راجع إلى الأشطار المفهومة من قوله: يقطع. وسبق إلى هذا المعنى ابن قلاقس حيث قال: أتانا الغلام ببطيخة ... وسكينة أحكموها صقالا فقسم بالبرق شمس الضحى ... وأعطى لكل هلال هلال وقال آخر: ولما بدا ما بيننا منية النفس ... يحزز بالسكين صفراء كالورسِ توهمت بدر التم قد أهلة ... على أنجم بالبرق من كرة الشمس ولابن مقاتل الحموي بين ثمانية وثمانية: خدود وأصداغ وقد ومقلة ... وثغر وأرياق ولحن ومعربِ كورد وسوسان وبان ونرجس ... وكأس وجريال وجنك ومضرب وللصفي الحلي: وظبي بقفر فوق طرف مفوق ... بقوس رمى في النقع وحشا بأسهمِ كبدر بأفق فوق برق بكفه ... هلال رمى في الليل جنا بأنجم ولبعضهم بين عشرة وعشرة: شعر جبين محيا معطف كفل ... صدغ فم وجنات ناظر ثغرُ ليل صباح هلال بانة ونقا ... آس أقاح شقيق نرجس در ولابن جابر بين اثني عشرة واثني عشرة: فروع سنى قد كلام فم لمى ... حلى عنق ثغر شذى مقلة خدُّ دجى قمر غصن جنى خاتم طلا ... نجوم رشا در كبى نرجس ورد وجل القصد هنا أن يكون اللف والنشر في بيت واحد خاليا من الحشو وعقادة التركيب جامعاً بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة، وهنا انقضى الكلام على اللف والنشر المرتب. والضرب الثاني مما ذكر فيه المتعدد تفصيلاً، هو ما كان فيه النشر على غير ترتيب اللف، وهو إما أن يكون الأول من النشر للآخر من اللف، والثاني لما قبله، وهكذا على الترتيب، ويسمى معكوس الترتيب. كقول ابن حيوس: كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظاً وقداً وردفا

стр. 72

فاللحظ للغزال والقد للغصن والردف للحقف، وهو النقا من الرمل، أو لا يكون كذلك، وليسم مختلط الترتيب، واللف والنشر المشوش، ولم يذكروا له من النظم مثالاً. فقلت ممثلاً له: حكيت الدجى والصبح والغصن والنقا ... قواماً وأردافاً وفرعاً ورونقا وأخجلت حسنا طلعة البدر والرشا ... وورق الحمى لحظاً ووجهاً ومنطقا والثاني - وهو ذكر المتعدد إجمالاً، قسم واحد، لا يتبين فيه ترتيب ولا عكس، مثاله قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى. فلف بين الفريقين إجمالاً في قوله: وقالوا، فإن الضمير فيه لليهود والنصارى، وإنما سوغه ثبوت العناد بين اليهود والنصارى، أو التضليل كل فريق صاحبه فلا يمكن أن يقول أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنة، فوثق بالعقل في أنه يرد كل قول إلى فريقه لأمن اللبس. ومنه قول طرفة بن العبد وهو بالطاء والراء المهملتين المفتوحتين. ومنهم من يقول: طرفة بضم الطاء المهملة. وهو تحريف بحت فاحذره: فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد وكري إذا نادى المضاف مجنباً ... كسيد الغضا نبهته المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة نحت الخباء المعمد الجد: السعد. وقوله: لم أحفل، أي لم أبال، والعود جمع عائد وهو الزائر في المرض، يعني لم أبال متى قام عودي من عندي آيسين من حياتي. والشربة هنا: الخمر، وكميت: فيها حمرة وبياض. وتعل: تمزج. وتزبد: تصير عليها رغوة، يريد أن يباكر شرب الخمر قبل انتباه العواذل. والكر: العطف. والمضاف - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة -: ألذي أحيط به في الحرب. ومجنبا - بالجيم -: فرساً في رجله تجنيب، وهو انحناء وتوتير مستحب في أرجل الخيل. والشيد: الذئب. والغضا: شجر. والمتورد: الذي صار لونه أحمر من دم الفرائس. والدجن: الباس الغيم آفاق السماء. والبهكنة: المرأة السمينة الناعمة. والمعمد: المرفوع بالعمد. ولأبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي، ومولده بالمدائن يوم السبت سنة ست وثمانين وخمسمائة: لولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبدِ أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلاً جهدي وأن أناجي الله مستمتعا ... بخلوة أحلى من الشهد وإن أتيه الدهر كبرا على ... كل لئيم أصغر الخد لذاك أهوى لا فتاةٍ ولا ... خمر ولا ذي ميعة نهد ولضياء الدين أبي جعفر أحمد بن صابر القيسي الطاهري: لولا ثلاث هن والله من ... أكبر آمالي في الدنيا حج لبيت الله أرجو به ... أن يقبل التوبة والسعيا والعلم تحصيلاً ونشراً إذا ... رويت أوسعت الورى ريا وأهل ود أسأل الله أن ... يمتع بالبقيا إلى اللقيا ما كنت أخشى الموت أنى أتى ... بل لم أكن ألتذ بالمحيا وللشيخ أثير الدين أبي حيان النحوي: أما أنه لولا ثلاث أحبها ... تمنيت أني لا أعد من الأحيا فمنها رجائي أن أفوز بتوبة ... تكفر لي ذنباً وتنجح لي سعيا ومنهن صوتي النفس عن كل جاهل ... لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا ومنهن أخذي للحديث إذا الورى ... نسوا سنة المختار واتبعوا ألرأيا أتترك نصاً للرسول وتقتدي ... بشخص لقد بدلت بالرشد الغيا وللشيخ صلاح الدين الصفدي على وزن أبيات ابن أبي الحديد ورويه: لولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي تكميل ذاتي بالعوم التي ... تنفعني إن صرت في لحدي والسعي في رد الحقوق التي ... لصاحب نلت به قصدي وأن أرى الأعداء في صرعة ... لقيتها في جمعهم وحدي فبعدها اليوم الذي حم لي ... عندي استوى في القرب والبعد

стр. 73

تنبيه - قال الحافظ السيوطي في الإتقان: قد يكون الإجمال في النشر لا في اللف، بأن يؤتى بمتعدد، ثم يلفظ يشتمل على متعدد يصلح لها كقوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) على قول أبي عبيدة: إن الخيط الأسود أريد به الفجر الكاذب لا الليل. انتهى. فعلى هذا يكون ذكر المتعدد إجمالاً قسمين، أحدهما ما كان فيه الإجمال في اللف والثاني ما كأن فيه الإجمال في النشر، وإذا ثبت ذلك كانت الفذلكة أيضاً من القسم الإجمالي الذي وقع فيه الإجمال في النشر، لأنها عكس ما تقدم من الأمثلة لذكر المتعدد إجمالاً في اللف فأعلم. وأرباب البديعيات لم ينظموا إلا اللف والنشر المرتب، لأنه هو أشهر أقسامه وأعلاها رتبة عند علماء البديع. وبيت الشيخ صفي الدين قوله: وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي ... منهم إليهم عليهم فيهم بهمِ هذا البيت غاية في بابه لما اشتمل عليه من السهولة والرقة وعدم الحشو. وابن جابر لم ينظم هذا النوع إلا في بيتين مع عقادة التركيب وهما: حيث الذي إن بدا في قومه وحبا ... عفاته ورمى الأعداء بالنقمِ والبدر في شبهه والغيث جاد الذي ... محل وليث الشرى قد جال في الغنم وبيت عز الدين الموصلي قوله: نشر ويسر وبشر من شذا وندى ... وأوجه فتعرف طي نشرهمِ وبيت بديعية ابن حجة قوله: فالطي والنشر والتغيير مع قصر ... للظهر والعظم والأحوال والهممِ لا يخفى ما في هذا البيت من الثقل الذي يخف عنده رضوى، ومعناه من الركاكة في الغاية القصوى، ولا أعظم من نشر العظم في هذا النظم، فإن الأسماع لا تسيغه، والعز الموصلي وإن لم يكن لقوله: فتعرف طي نشرهم نص في اللف، بل هو فضلة أتى به لتسمية النوع، لكنه على كل حال أخف على السمع من هذا البيت لفظاً ومعنى، وأحسن منه تشييداً ومبنى. وبيت الطبري قوله: لفي ونشري اعتمادي لوعتي ولهي ... فيهم إليهم عليهم منهم بهمِ وبيت بديعيتي هو قولي: لفي ونشري انتهائي مبدئي شغفي ... معهم لديهم إليه منهم بهمِ في هذين البيتين وهما فرساً رهان في هذا الميدان، رد على ابن حجة حيث قال: لو التزم الشيخ صفي الدين إن يسمى هذا النوع لتجافت عليه تلك الرقة، وهذان مع التزام التسمية ملكاً من حسن الانسجام والسهولة رقه، فلو أدركهما ابن حجة لقامت عليه الحجة. وبيت المقري قوله: سقمي دموعي نحولي خمرتي معه ... في اللحظ والعقد والأحشا وريق فمِ الالتفاف ما أسعد الظبي لو يحيك لحاظهم ... أو كنت يا ظبي تعزى لالتفاتهمِ الالتفات - مأخوذي من التفات الإنسان من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، وهو عند الجمهور: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، أعني: التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها. وقال السكاكي: هو أما ذلك أو أن يكون مقتضى الظاهر التعبير عنه بطريق منها، فعدل إلى الآخر. فهو عنده أعم، فكل التفات عند الجمهور التفات عنده من غير عكس. فقول امرئ القيس: تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقدِ وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد وذلك من نبأ جاءني ... وخبرني عن أبي الأسود فيه عند السكالي ثلاث التفاتات، أحدهما في (ليلك) ، لأنه خطاب ومقتضى الظاهر (ليلي) بالتكلم، والثاني في (باتَ) لأنه غيبة ومقتضى الظاهر (بت) بالتكلم أيضاً، والثالث في (جاءني) لأنه تكلم ومقتضى الظاهر (جاءك) بالخطاب. وعند الجمهور فيه التفاتان وهما الثاني والثالث وأما الأول فليس عندهم بالتفاف، لأنه لم يقع بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة بخلاف الآخرين.

стр. 74

قال في المفتاح: والعرب يستكثرون من الالتفات، ويرون الكلام إن انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القلوب عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه، واملأ باستدرار إصغائه، وهم أحرياء بذلك، أليس قري الأضياف سجيتهم، ونحر العشار للضيف دأبهم وهجيراتهم؟ - لا مزقت أيدي الأدوار لهم أديماً ولا أباحت لهم حريما - أفتراهم يحسنون قري الأشباح فلا يخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح فلا يخالفون بين أسلوب وأسلوب، وإيراد وإيراد؟ فإن الكلام المفيد عند الإنسان - لكن بالمعنى لا بالصورة - أشهى غذاء لروحه، وأطيب قرى لها. انتهى. وهذا الوجه وهو إفادة التطرية لنشاط السامع هو فائدته العامة، وقد يختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله. وأقسامه ستة، حاصلة من ضرب الطريق الثلاثة في الاثنين، لأن كلا من الطرق الثلاثة ينقل إلى الآخرين. أحدهما الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومثاله قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فالتفت من الغيبة إلى الخطاب، والنكتة فيه أن العبد إذا ذكر الحقيقة بالحمد عن قلبٍ حاضر، ثم ذكر صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال، وآخرها (مالك يوم الدين) المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء، يجد من نفسه حاملاً لا يقدر على دفعه، على خطاب من هذه صفاته بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات. ومن أمثلته في الشعر قول ربيعة بن مقروم: تهدمت الحياض فلم يغادر ... لحوض من نصائبه إزاءُ لخولة إذ هم مغنى وأهلي ... وأهلك ساكنون وهم رتاءُ ففي قوله وأهلك التفات من الغيبة إلى الخطاب. والنصائب: حجارة تنصب حول الحوض. والإزاء: مصب الماء إلى الحوض. ورتاء، أي متقابلة. وقول جرير: متى كان الخيام بذي طلوع ... سقيت الغيث أيتها الخيامُ وقول أبي العلاء المعري: هي قالت لما رأت شيب رأسي ... وأرادت تنكراً وأزوارارا أنا بدر وقد بدا الصبح في را ... سك والصبح يطرد الأقمار لستِ بدراً وإنما أنت شمس ... لا ترى في الدجى وتبدو نهارا وقول شريف الرضي) ﵁ (: مَن شافعي وذنوبي عندها الكبر ... إن البياض لذنب ليس يغتفرُ راحت تريح عليك الهم صاحية ... وعند قلبك من غي الهوى سكر رأت بياضك مسوداً مطالعه ... ما فيه للحب لا عين ولا أثرُ وأي ذنب للون راق منظره ... إذا أراك خلاف الصبغة الأثر وما عليك ونفسي فيك واحدة ... إذا تلون في ألوانه الشعر وقول أبي الحسن التهامي: أهدت لنا من خدها ورضابها ... ورداً تحيينا به وشمولا ورداً إذا ما شم زاد غضاضة ... ولو أنه كالورد زاد ذبولا وجلت لنا برداً يشهي برده ... نفس الحصور العابد التقبيلا لم أنسها تشكو الفراق بأدمع ... ما اعتدن في الخد الأسيل سبيلا فرأيت سيف اللحظ ليس بمغمد ... من تحت أدمعها ولا مسلولا إن دام دمعك فاحذري غرقا به ... فإذا توالى القطر صار سيولا حطي النقاب لعل سرح لحاظنا ... في روض وجهك يرتعين قليلا لما اتنقبت حسبت وجهك شعلة ... خلل النقاب وخلته قنديلا وقول شيخنا محمد بن علي الشامي: زعمت بثينة إن قلبك قد سلا ... من لي بقلب مثل قلبك قلبِ وفي هذا البيت التفاتان، أحدهما من الخطاب إلى التكلم، والثاني من الغيبة إلى الخطاب، وهو ما نحن فيه. وعلى رأي السكالي، فيه ثلاث التفاتات كما لا يخفى. وما أحسن قوله بعده: قد كنت آمل أن تموت صبابتي ... حتى نظرت إليك يا ابنة يعربِ فطربت ما لم تطربي ورغبت ما ... لم ترغبي ورهبت ما لم ترهبي وقول الشيخ حسين الطبيب من قصيدة يمدح بها الوالد: خليلي عوجاً بي على أيمن الحمى ... لعل سماحاً بالوصال تسامحُ سواء علي الموت أم شطت النوى ... بسمحاء أم حز الوريدين ذابح تجنبتها لا عن ملال ولا قلى ... ولكن مصاب يصدع القلب فادح وإن رمت أسلو حبها حال دونه ... رسيس جوى ضمت عليه الجوانح قضى الله يا سمحاء بالبين بينا ... إلا كل ما يقضي به الله صالح

стр. 75

حنانيك أنت الداء والبرء إنما ... يفوز ويشقى فيك دان ونازحُ من الاتفاق الغريب إن هذه الأبيات جرت على لسان الشيخ المذكور مجرى الفأل، فقضى الله سبحانه بالبين بين الشيخ وبين فتاته سماح المتغزل فيها بهذه الأبيات، فتوفى بعد نظمه هذه القصيدة بأيام يسيرة. الثاني الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو عكس الأول، ومثاله قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) والأصل بكم، ونكتته العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، التعجب من كفرهم وفعلهم، واستدعاء الإنكار منهم عليهم، فلو استمر على خطابهم لفاتت هذه الفائدة، وقيل فيها غير ذلك. ومن أمثلته في الشعر قول النابغة الذبياني: يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد وقول عنترة: ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرمِ كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلمِ وقول بعضهم: أن يكن مسك الليالي بصرف ... فهو مثل الحسام يجلو صقلُ وقول البحتري: ضمان على عينيك إني لا أسلو ... وإن فؤادي من جوى بك لا يخلو ولو شئت يوم الجزع بل غليله ... محب بوصل منك أن أمكن الوصل وما النائل المطلوب منك بمعوز ... لديك بل الإسعاف بعوز والبذل أطاع لها دل غرير وواضح ... شتيت وقد مرهف وشوى خدل وألحاظ عين ما علقن بفارغ ... فخلينه حتى يكون له شغل وعندي أحشاء تساق صبابة ... إليها وقلب من هوى غيرها غفل وقول الشريف الرضي يخاطب الخلفاء العباسيين: ردوا تراث محمد ردوا ... ليس القضيب لكم ولا البرد هل أعرقت فيكم كفاطمة ... أم هل لكم كمحمد جد جل افتخارهم بأنهم ... عند الخصام مصاقع لد إن الخلائف والأولى فخروا ... بهم علينا قبل أو بعد شرفوا بنا ولجدنا خلقوا ... فهم صنائعنا إذا عدوا الثالث - الالتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميتٍ) والأصل (فساقه) . قال الزمخشري: وفائدته في هذه الآية وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة، وإنه لا يدخل تحت قدرة أحد. ومن أمثلته في الشعر قول مهيار بن مرزويه الكاتب: حمام اللوى رفقاً به فهو لبه ... جواد رهان نوحكن ونحبهُ أعمداً تهيجن أمرأ بأن أنسه ... وأسلمه حتى أخوه وصحبه أمر ومهري مغرمين على اللوى ... فأسأله أو كان ينطق تربه وقول الحاجري: أهل لك في إعانة مستهام ... يقاد إلى الغرام بلا زمامِ تعرض بالخيام على زرود ... فراح وقلبه بين الخيام عريب البر كيف أبيح قتلي ... أليس العرب تعرف بالذمام وقول شهاب الدين التلعفري: لا تقولوا سلا ومل هوانا ... وتسلى عنا بحب سوانا كيف يسلوكم ويصبر عنكم ... من يرى سيئاتكم إحسانا قسماً بعد بعدكم وجفاكم ... لم يفارق لي البكا أجفانا وقوله: خل الشجي وقلبه وكلومه ... فعلام تعذله وفيم تلومهُ هذا عتابك قد أطلت حديثه ... وهوى فؤادي قد يراه قديمه وقولي وهو صدر قصيدة مدحت بها الوالد، مهنئاً له بالنيروز ستة إحدى وسبعين: من لحزين كلفٍ موجع ... قد شفه الشوق إلى الأربعِ ما لي وللأربع ما لم تكن ... ربوع سلمى ربة البرقع لم أنس عصراً قد تقضى بها ... وجمعنا إذ هو لم يصدع بكيت يوم البين وجداً فلم ... أبق لذكرى الوصل من أدمعي فهل لذاك الشمل من ناظمٍ ... أم هل لذاك العصر من مرجع الرابع - الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وهو عكس الذي قبله، ومثاله قوله تعالى: (إني رسول الله إليكم جميعا) إلى قوله: (فآمنوا بالله ورسوله) والأصل (وبي) فعل عنه لنكتتين، أحدهما دفع التهمة عن نفسه بالمعصية لها، والأخرى تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص والمتلوة. ومن أمثلته في الشعر قول عبد الهل بن طاهر: وإذا سألتك رشف ريقك قلت لي ... أخشى عقوبة مالك الأملاكِ
следующие страницы →