Полный текст (514 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ألا يمين لكم يا لائمين لنا ... كم تركبون عظيم الحنث بالقسم
قال ناظمه في شرحه: بدئ وختم بالقسم.
التذييل
عدمت تذييل حظي حين قصره ... طول التفرق والدنيا إلى عدم
التذييل - ضرب من الأطناب، وهو تعقيب الجملة التامة نظما كانت أو نثرا بجملة تشتمل على معناها لتوكيد منطوقها، أو مفهومها، ليظهر المعنى لمن لم يفهمه، ويتقرر عند من فهمه، وهو ضربان: ضرب - يخرج مخرج المثل السائر، بأن يكون مستقلا بإفادة المراد فيكون جائز الاستعمال على الإنفراد، وهذا النوع هو الذي بنى عليه أرباب البديعيات أبياتهم، ومثاله قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) فالجملة الأولى دلت بمنطوقها على زهوق الباطل. والجملة الأخيرة تأكيد وتقرير لذلك، وهو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر.
وقول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المذهب
فصدر البيت دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، وقوله: أي الرجال المهذب جملة مشتملة على هذا المعنى مؤكدة له خارجة مخرج المثل السائر وهو التذييل.
وقول الحطيئة:
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المدائح يحمد
فعجز البيت كله تذييل أخرج مخرج المثل، وكل من صدره وعجزه مستقل بنفسه وتمام معناه ولفظه، مع ما بينهما من التلاحم الذي قلما يوجد بين صدر بيت وعجزه.
ومثله قول أبي الشيص:
وأهنتني وأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك مما يكرم
فعجز البيت بجملته تذييل خارج مخرج المثل، وفي ضمنه مطابقة بين الهوان والكرامة.
ومثله في ذلك كله قول الكافي أبي علي أبزون العماني:
نفر تعاقبهم بعفوك عنهم ... كم بالغ بالعفو فعل معاقب
وضرب - لا يخرج مخرج المثل لعدم استقلاله بإفادة المراد، وتوقفه على ما قبله، كقوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) إن قلنا: إن المعنى: وهل نجازي ذلك الجزاء المخصوص، فيكون متعلقا بما قبله. وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر، وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله تعالى: ذلك جزيناهم بما كفروا، بمعنى عاقبناهم بكفرهم، قيل: وهل نجازي إلا الكفور بمعنى وهل يعاقب. فعلى هذا يكون من الضرب الأول.
ومن ذلك قول الحماسي:
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
فعجز البيت كله تذييل لكنه لم يخرج مخرج المثل به واستقلاله وتوقفه على ما قبله.
وقول أبي الطيب المتنبي:
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه
فقوله: ما واجد لك عادمه، تذييل بديع لكنه لم (يخرج مخرج المثل لعين الأمر) .
وقوله أيضاً:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
فالعجز كله تذييل على حد ما تقدم.
وقول ابن نباتة السعدي:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
قال الخطيب في الإيضاح: قيل: نظر فيه إلى بيت أبي الطيب، وقد أربى عليه في المدح والأدب مع الممدوح، حيث لم يجعله في حيز من يتمنى شيئا. انتهى.
وغلط من قال: إن التذييل فيه أخرج مخرج المثل السائر، بل هو من الضرب الثاني لعدم استقلاله بإفادة المراد، لكون الخطاب في قوله (تركتني) للسابق، والمثل لا يكون إلا مستقلا بمعناه، منفصلا عما قبله.
وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت) فقوله: أفإن مت فهم الخالدون، تذييل الضرب الثاني لتوقفه على ما قبله، وتعلقه به، وقوله: كل نفس ذائقة الموت، من الضرب الأول، لأنه حكم كلي منفصل عما قبله. وقد يشتبه على من لا قدم له راسخة في هذا العلم، التذييل بالإيغال والتكميل والتكرير.
والفرق بين التذييل والإيغال من وجهين: أحدهما أن الإيغال يكون بغير الجملة، وبغير التأكيد، بخلاف التذييل.
والثاني - أن الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق بها، والتذييل يكون في أكثر عجز البيت، ويستوعبه غالبا.
والفرق بينه وبين التكميل من ثلاثة أوجه:
стр. 177
أحدها - أن التكميل يكون في الحشو والمقاطع بخلاف التذييل، فإنه لا يكون إلا في المقطع دون الحشو.
الثاني - أن التكميل قد يكون بغير الجملة بخلاف التذييل.
الثالث - أن التكميل يخرج عن معنى الكلام المتقدم لأنه يفاد به معنى زائد على ما تقدم بخلاف التذييل.
والفرق بين التذييل والتكرير: أن التكرير يكون بلفظ الجملة المتقدمة ولا تغاير فيه بين الجملتين بحسب الذات، بخلاف التذييل، فإن التغاير فيه بين الجملتين بحسب الذات، والله أعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لله لذة عيش بالحبيب مضت ... فلم تدم لي وغير الله لم يدم
فقوله: وغير الله لم يدم، هو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر. ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
تذييل عيشي ورزقي قسمة حصلت ... في أول الخلق والأرزاق بالقسم
والتذييل فيه ظاهر.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم
التذييل في قوله (وكفى بالله في القسم) وأجاد في ذكر الطول الذي ترشحت به التورية، لأن الطول من لوازم الذيل، وقد فات ذلك عز الدين الموصلي فجاء بالتورية مجردة.
وبيت بديعيتي هو قولي:
عدمت تذييل حظي حين قصره ... طول التفرق والدنيا إلى عدم
فقولي: والدنيا إلى عدم، هو التذييل، وقد أخرجته مخرج المثل السائر، وذكر التقصير رشح التورية في لفظ التذييل الذي هو تسمية هذا النوع. فإن القصر من لوازم الأذيال كالطول، وفيه أيضاً المطابقة، ورد العجز على الصدر، والسهولة، والانسجام، والاستعارة.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
تذييل جمعي بهم لم يصف لي زمنا ... من ذا الذي قد صفا دهرا ولم يضم
ما أظن أحدا ممن يشعر يرضى أن ينسب إليه مثل هذا البيت أبدا. وفي كون هذا تذييلا نظر ظاهر لا يحتاج إلى البيان.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
أهزلت مرعاي جدا إذ رعت هممي ... روض المنى والمنى ضرب من الحلم
التذييل في قوله: والمنى ضرب من الحلم، وهو حسن جدا.
تشابه الأطراف
تشابهت فيهم أطراف وصفهم ... ووصفهم لم يطقه ناطق بفم
تشابه الأطراف عبارة عن أن يعيد الشاعر لفظة القافية في أول البيت الذي يليها، فتكون الأطراف متشابهة. وسماه قوم: التسبيغ بالسين المهملة، والغين المعجمة، والتسمية الأولى أولى، وقد يكون ذلك في النثر أيضاً، بأن يعيد الناثر سجعة القرينة الأولى في أول القرينة التي تليها. ووقع ذلك في القرآن العظيم وهو قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) فأعاد فاصلة الآية الأولى في أول الآية الثانية.
ووقع في غير الفواصل أيضاً، وهو قوله تعالى: (ألله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري) .
ومثاله في الشعر قول أبي حية النميري:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم
رميم التي قالت لجيران بيتها ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم
وقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف:
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبَّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجالها ... دماء رجال يحلبون ضراها
الضرى بالضاد المعجمة: دم العرق الذي لا ينقطع. ويروى البيت هكذا:
سقاها دماء المارقين وعلها ... إذا جمحت يوما وخف أذاها
ويقال أن الحجاج قال لها: قولي (همام إذا هز القناة سقاها) .
ومنه قول النابغة الذبياني:
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا علي الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع
وقول فضالة بن وكيع. قال الشريف المرتضى: وهو من أحسن ما وصف به الثغر:
تبسم عن حم اللثاث كأنها ... حصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد عللت به ... من اليانع القوري فرع قضيب
قضيب نجاه الركب أيام عرفوا ... لها من ذرى مال النبات خضيب
стр. 178
يعني من يانع الأراك. ونجاه: قطعه. ومال النبات: ناعمه وحسنه. وعرفوا، أي اجتنوه من عرفات. وذكر أنه خضيب بالطيب الذي بيديها. قاله في الغرر والدرر.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا ... عشية راحت وجهها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضحى ... عصاها ووجه لم تلحه النسائم
وأحسن ما وقع في هذا النوع، قول أبى نواس:
خزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم
ورد على أبي نواس هذا القول الحافظ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري. فقال وأجاد:
محمد خير بني هاشم ... فمن تميم وبنوا دارم
وهاشم خير قريش وما ... مثل قريش في بني آدم
ومن رسالة ابن غرسية:
لله مما قد برى صفوة ... وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من بينهم ... محمد النور أبو القاسم
وقال آخر:
قريش خيار بني آدم ... وخير قريش بنو هاشم
وخير بني هاشم أحمد ... رسول الإله إلى العالم
ومن أمثلة هذا النوع قول بعضهم، وهو دون ما تقدم في الحسن:
ما أن تريم فؤاده أشجانه ... كثرت بها يوم النوى أحزانه
أحزانه لما جرت بعظامه ... من حب من شهدت له أجفانه
أجفانه شهدت له أن الورى ... طرا أذل رقابهم سلطانه
سلطانه برع الجمال بوجهه ... وروادف خضعت لها أركانه
أركانه أبدا تميد إذا مشى ... ويكاد تقطر كفه وبنانه
وبنانه كالخيزران وقده ... قد القضيب زهت به أغصانه
وفي هذا النوع أعني تشابه الأطراف دلالة على قوة عارضة الشاعر، وتصرفه في الكلام، وإطاعة الألفاظ له، ولا يخلو مع ذلك من حسن موقع في السمع والطبع، فإن معنى الشعر يرتبط ويتلاحم به، حتى كأن معنى البيتين أو الثلاثة معنى واحد، وفي أنواع البديع ما هو أخفض رتبة منه فلا عبرة بقول ابن حجة: ليس تحته كبير أمر، وتالله ما خطر لي يوما ولا حسن لي في الفكر أن ألحق طرفا من تشابه الأطراف بذيل من أبيات شعري. انتهى.
ومن ابن حجة في فحول الشعراء حتى يقول مثل هذا الكلام؟ ويكون عدم حضور هذا النوع في باله وعدم ذكره في شعره مما يدل على أن هذا النوع من البديع ليس تحته طائل، ولا كبير أمر، وكفاه شرفا وقوعه في القرآن الكريم مكررا، فما شعر ابن حجة وإضرابه؟.
ولما كان هذا النوع لا يتأتى إلا في بيتين، قال الشيخ صفي الدين في بديعيته:
قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم
لم أدر قبل هواهم والهوى حرم ... أن الظباء تحل الصيد في الحرم
تشابه الأطراف بين (لم) في قافية البيت الأول و (لم) في أول البيت الثاني.
والشيخ عز الدين لما التزم بالتورية بتسمية النوع شطر البيت شطرين، وجعل كل شطر بمنزلة بيت كامل، وجعل القافية في آخر الشطر الأول، وأعادها في أول الشطر الثاني، فجاء به في غاية اللطف في بيت واحد فقال:
أطرافك اشتبهت قولا متى تلم ... تلم فتى زائد البلوى فلم يلم
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
شابهت أطراف أقوالي فإن أهم ... أهم إلى كل واد من صفاتهم
تعدية الهيام بإلى فيه نظر ظاهر.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
شابهت أطراف مدحي في صفاتهم ... صفاتهم ساميات المجد والشيم
وبيت بديعيتي هو قولي:
تشابهت فيهم أطراف وصفهم ... ووصفهم لم يطقه ناطق بفم
والشيخ شرف الدين المقري جرى على طريقة الشيخ صفي الدين الحلي التي هي الأصل في هذا النوع فقال:
جرى الفراق فراق الالتقا ووقى ... ملالة الوصل فاحمده ولا تذم
لا تذممن نوى أبقت عليه هوى ... به استبحت عناق الطيف في الحلم
ما أظن أحدا من البديعيين يسلم له أن قوله (لا تذممن) في أول البيت الثاني هو لفظة قافية البيت الأول.
التتميم
أنا الذي جئت تتميما لمدحهم ... نظما بقول يباهي الدر في القيم
стр. 179
التتميم - ومنهم من سماه التمام، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، والتسمية الأولى للحاتمي، وهي أولى، وهو عبارة عن الإتيان في الكلام نظما كان أو نثرا بكلمة أو جملة إذا طرحت منه نقص حسنه ومعناه.
ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: (يطعمون الطعام على حبه) على أن يكون الضمير في حبه للطعام، أي مع حبه والاحتياج إليه. فإن الإطعام حينئذ أبلغ، وأكثر أجرا، فهو تتميم أفاد المبالغة. فلو طرح نقص المعنى، واختل حسن التركيب.
وقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف) فقوله: وهو مؤمن، تتميم في غاية الحسن، فلو حذفت هذه الجملة لاختل المعنى.
وقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل تتميم أفاد الدلالة على تقليل المدة، وأنه أسرى به في بعض الليل.
ومثاله من الشعر قول زهير:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
فقوله: على علاته، أي على كال حال، تتميم للمبالغة.
وقول الآخر:
أني على ما ترين من كبري ... أرعف من أين تؤكل الكتف
فقوله: على ما ترين من كبري، تتميم أفاد معنى زائدا، وحسنا آخر، لو حذف لفات ذلك.
وقول الأخطل:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر
قوله: حقا تتميم بديع.
وقول ابن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تتميم في غاية البراعة، فلو حذف لم يبق للبيت رونق، ولا لمعناه لطف.
ومن بديع أمثلته أيضاً قول أبي العلاء المعري:
الموقدون بنجد نار بادية ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر
إذا همى القطر شبتها عبيدهم ... تحت الغمائم للسارين بالقطر
فقوله: تحت الغمائم تتميم أفاد مبالغة تأكيد لإرادة الإيقاد، والاهتمام بشأنه. وقوله: بالقطر تتميم للتميم، وذلك أن نزول المطر لا يمنعهم من الإيقاد، ولا يوقد عندهم إلا بالحطب الجزل، وإذا كان الحطب قطرا، وهو العود الذي يتبخر به، كان نهاية في إرادة المبالغة في الاهتمام بشأن الإيقاد، ويحتمل الاستتباع أيضاً، لأن صفة السخاوة استتبعت صفة الثروة لأن الوقود إذا كان عودا لدل على أنهم لم يكونوا من أوساط الناس.
وقول الآخر:
نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل
شبه عينها بعين الظبية على سبيل التجريد، ثم قصد بجازئة المبالغة في الحسن والملاحة، فجاء بقوله: حانية على طفل، تتميما، لأن في نظر الظبية إلى خشفها حال إشفاقها عليه من الملاحة وحسن الفتور ما ليس في غير تلك الحالة.
وقد يؤتى بالتميم لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت الكلمة التي قصد بها التتميم، لم ينقص معنى البيت، بل استقل بدونها، ويسمى حشوا، وهو على ضربين: ضرب لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب وهو حشو قبيح معيب، وضرب يفيد مع ذلك نوعا من المحاسن، فإن حذاق الشعراء إذا اضطروا إلى الكلمة لإقامة الوزن، أفادوا بها لطيفة زائدة تفاديا من أن تكون لمجرد الوزن فتعد حشوا قبيحا، وهذا الضرب يسميه بعضهم حشو اللوزينج.
فالأول كقول بعضهم:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
فذكر الرأس حشو قبيح لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس وعد منه الطيبي في التبيان قول البحتري:
إذا نضون شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا
قال: شبه أجسادهن إذا خلعن ثيابهن بلؤلؤ قشر عنه الصدف، فتم معنى البيت ولم يتم وزنه، فجاء بذكر البحرين حشوا مستهجنا. انتهى كلامه وليس في محله، بل في ذكر البحرين معنى زائد، فإنه أفاد به تشبيه أجسادهن بأعلى أنواع اللؤلؤ وأغلاها، لأن لؤلؤ البحرين لا يدانيه شيء من اللآلئ التي تستخرج من سائر البحور في حسنه وصفائه ورونقه. نعم لو كان اللؤلؤ منحصرا في لؤلؤ البحرين لتوجه ما ذكره؛ وليس كذلك؛ بل اللؤلؤ يستخرج من بحر الهند، وبحر اليمن وغيرهما، لكن ليس شيء منه في الحسن كلؤلؤ البحرين، فذكر البحرين في البيت من التتميم الحسن البديع.
والضرب الثاني كقول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما
стр. 180
فإنه بقوله: يا جنتي تتميما لإقامة الوزن، وأفاد به مع ذلك الطباق الذي هو نوع من محاسن البديع.
قال الصفدي: ولو قال: يا مالكي لكان تورية، ولكن جنتي ألطف في اللفظ وأغزل.
ومنه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لو ذقت برد ثناياه ومبسمه ... يا حار ما لمت أعطافي التي ثملت
فقوله: يا حار، حشو يتم المعنى بدونه، ولكن أفاد إقامة الوزن والتورية (في حار، فإنه ورى به، أنه منادى) اسم حارث مرخم، وهو يريد الحار الذي هو مرادف السخن، بدليل قوله: برد ثناياه، وهذا مع ما فيه من النظر في حار في غاية الحسن.
ولما أنشد الشيخ جمال الدين هذا البيت شرف الدين حسين بن القاضي جمال الدين سليمان بن ريان قال له: لو قلت: يا صاح بدل يا حار لتمت التورية أيضاً، فإنه يخدم معك في المعنيين، لأن صاح ترخيم (صاحب، وصاح) اسم فاعل من الصحو، وترشحه (للتورية - ثملت - وهذا في غاية الذوق) اللطيف وقد أورد (كثير من الناس) في هذا الباب.
قول كثير:
لو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها
قال الصفدي: وهذا ليس من الحشو في شيء، لأن من شرط ذلك أن يكون المعنى تاما بدونه، ولا تمام لهذا المعنى بدون موفق، لأنه لا بدّ أن يقول: عند حاكم، أما كونه موفقا أو غير موفق فهذا من متممات البلاغة إذ قوله موفقا: مبالغة لاحتمال أن يظن بالحاكم أنه يميل في حكمه لأمر ما، فإذا كان موفقا فلا. انتهى. وعلى هذا فيكون من التتميم والمعنى.
واعلم أن في شرح بديعية ابن حجة والكلام على هذا النوع (خللا لا بأس بالتعقيب عليه، وأنه تعدى) حد التتميم بقوله: هو (عبارة) عن الإتيان في النظم والنثر بكلمة إذا طرحت من الكلام نقص حسنه ومعناه. قال: وهو على ضربين، ضرب في المعاني، وضرب في الألفاظ، فالذي في المعاني هو تتميم المعنى، والذي في الألفاظ هو تتميم الوزن. ثم قال بعد إيراد أمثلة التتميم في المعاني: وأما التتميم الذي جاء في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث أنه لو طرحت الكلمة استقل المعنى بدونها. فجعل التتميم الذي ينقص بطرحه المعنى مقسما للتتميم المعنوي واللفظي الذي يستقل بدونه المعنى، وهو تهافت ظاهر وغلط واضح. والحاصل: أنه جعل القسيم قسما، فإن الحد الذي ذكره للتتميم إنما هو للتتميم المعنوي، واللفظي قسيم له، لا قسم منه.
واعلم أن قوما مزجوا نوع التتميم بنوع التكميل وهو خطأ، فإن بينهما فرقا ظاهرا وسنبينه هناك مع مشيئة الله سبحانه.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
وكم نظمت طريفي والتليد لكم ... طوعا وأرضيت عنكم كل مختصم
التتميم في قوله: طوعا، فإنه أفاد به أنه لم يبدل ذلك كرها.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
والبدر مذ لاح في التتميم دان له ... والشمس مذعنة طوعا لمحتكم
فالتتميم في قوله: في التتميم، مع زيادة التورية في التشبيه، وقوله: طوعا تتميم ثان.
وبيت بديعية ابن حجة:
بكل بدر بليل الشعر يحسده ... بدر السماء على التتميم في الظلم
فقوله: بليل الشعر هو التتميم، وقوله: على التتميم، تتميم ثان، لكن سبقه الشيخ عز الدين في بيته على التورية، وقوله: في الظلم، تتميم ثالث.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
تدرعوا الحسن تتميما وكم منحوا ... مآثراً أثمرت حمدا لمجدهم
التتميم في قوله: تتميما، ولكن ليس له ذاك الموقع في ألفاظ البيت، ويمكن أن يكون قوله (لمجدهم) تتميما ثانيا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
أنا الذي جئت تتميما لمدحهم ... نظما بقول يباهي الدر في القيم
فقولي: تتميما، هو التتميم بعينه، وقولي: نظما، تتميم ثان، وقلي: في القيم، تتميم ثالث.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
بالوصل بعت دمي راض مناجمة ... يا بدر قد حل نجم المشتري لدمي
قال في شرحه: التتميم فيه قوله: راض. انتهى. وكان الواجب نصب راض على الحال: لكنه رفعه لضرورة الوزن، أو لضرب من التأويل بعيد_
الهجو في معرض المدح
هجوت في معرض المدح الحسود لهم ... فقلت أنك ذو صبر على السدم
стр. 181
هذا النوع قال الشيخ صفي الدين الحلي: هو من مستخرجات ابن أبي الإصبع، وهو عبارة عن أن يقصد المتكلم هجاء إنسان، فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح، وباطنها القدح.
كقول الحماسي:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الخلق إنسانا
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم، والعفة، والخشية، والتقوى، وباطنه المقصود: أنهم في غاية الذل وعدم المنفعة، لقوله بعد ذلك:
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا
ومثله قول النجاشي يهجو بني عجلان:
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل
تعاف الذئاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
وهذا الشعر هو الذي أشار إليه ابن بسام فيما نقلناه عنه من الذخيرة في نوع النزاهة، وقال: منعتني شهرته عن ذكره. وأن بني عجلان استعدوا عمر بن الخطاب على النجاشي، وأنشدوه قوله هذا فيهم فدرء الحد بالشبهات.
ويقال أن عمر بن الخطاب لما سمع البيت الأول قال: وددت أن آل الخطاب هكذا، فلما سمع البيت الثاني قال: ما أحب كل هذه المذلة.
وفي الأغاني: أن تميم بن مقبل العامري كان يهاجي النجاشي الشاعر، فهجاه النجاشي فاستعدى عليه عمر، وقال: إنه هجاني، فقال عمر: يا نجاشي ما قلت؟ قال: قلت: ما لا أرى علي فيه بأسا.
وأنشده:
إذا الله جازى أهل لؤم بذمة ... فجازى بني العجلان رهط بن مقبل
فقال عمر: إن كان مظلوما استجيب له، وإن لم يكن مظلوما لم يستجب له.
قال: وقد قال أيضاً:
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر: ليتني من هؤلاء، وفي رواية: ليت آل الخطاب هكذا.
قال: فقد قال أيضاً:
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل
فقال عمر: ما على هؤلاء متى شاؤا أوردوا.
قال: فقد قال أيضاً:
وما سمي العجلان إلا لقوله ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: ما لقوم أنفعهم لأهله. فقال تميم لعمر: سله عن قوله:
أولئك أولاد الهجين وأسرة ... اللئيم ورهط العاجز المتذلل
تعاف السباع الضاريات لحومهم ... وتأكل من أبناء كعب ونهشل
فقال عمر: أما هذا فلا أعذرك عليه، فسبه وضربه.
ومن لطيف أمثلة هذا النوع قول محمد بن حمزة السلمي في الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ﵈:
له حق وليس عليه حق ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول
وقول ابن سناء الملك في قواد:
لي صاحب أفديه من صاحب ... لولا التأني حسن الاحتيال
لو شاء من رقة ألفاظه ... ألف ما بين الهدى والضلال
يكفيك منه أنه ربما ... قاد إلى المهجور طيف الخيال
وأحسن من هذا قول محي الدين بن قرناص:
لي صاحب جلت جميع صفاته ... قد عمني ببدائع الإحسان
لو لم يكن مثل النسيم لطافة ... ما بات يعطف لي غصون البان
وقال آخر في المعنى:
يسهل كل [ممتنع] شديد ... ويأتي بالمراد على اقتصاد
فلو كلفته تحصيل طيف ... الخيال ضحى لزار بلا رقاد
والأصل في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فأتتها طبة عالمه ... تمزج الجد مرارا باللعب
تغلظ القول إذا لانت لها ... وتراخى عند سورات الغضب
قيل أن ابن عتيق لما سمع ذلك قال لعمر: ما أحوج المسلمين إلى خليفة (يدبر أمرهم) مثل قوادتك هذه.
وقال زكي الدين بن أبي الإصبع فيمن يدعي الفقه والكرم:
إن فلانا أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ... نص على التقليد في درسه
فيحسن البحث على وجهه ... ويوجب الدخل على نفسه
ومن طريفه قول أبي محمد الحسن بن أحمد البغدادي الحريمي الشاعر في الشريف أبي السعادات هبة الله بن الشجري:
يا سيدي والذي يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر
مالك من جدك النبي سوى ... أنك ما ينبغي لك الشعر
стр. 182
ولعمري ما أنصف في هذا الكلام، فإن شعر الشريف في غاية الحسن والجزالة، ولكن العدو يقول في عدوه ما شاء.
فمن شعر الشريف الذي لا يشق غباره قوله:
هذي السديرة والغدير الطافح ... فاحفظ فؤادك إنني لك ناصح
يا سدرة الوادي التي هي ظله الساري أهذا نشرك المتفاوح
هل عائد قبل الممات لمغرم ... عيش تقضى في ظلالك صالح
ما أنصف الرشأ الضنين بنظرة ... لما دعى مصغي البابة طامح
شط المزار به وبويء منزلا ... بصميم قلبك فهو دان نازح
غصن يعطفه النسيم وفوقه ... قمر يحف به ظلام جانح
وإذا العيون تساهمته لحاظها ... لم يرو منه الناظر المتراوح
فقلد مررنا بالعقيق فشاقنا ... فيه مراتع للمها ومسارح
ظلنا بها نبكي فكم من مضمر ... وجدا أذاع هواه دمع سافح
برت الشؤون رسومها فكأنما ... تلك العراص المقفرات نواضح
يا صاحبي تأملا حييتما ... وسقى دياركما الملث الرائح
أدمى بدت لعيوننا أم ربرب ... أم خرد أكفالهن رواجح
أم هذه مقل الصوار رنت لنا ... خلل البراقع أم قنا وصفائح
لم تبق جارحة وقد واجهننا ... ألا وهن لها بهن جوارح
كيف ارتجاع القلب من أسر الهوى ... ومن الشقاوة أن يراض القارح
لو بله من ماء ضارج شربة ... ما أثرت للوجد فيه لواقح
هذا والله الشعر الذي يجلى به صدأ الفكر، ولا يصدأ به الفكر كما زعمه ذلك الشاعر المنافس.
ومن شعره أيضاً قوله:
هل الوجد خاف والدموع شهود ... وهل مكذب قول الوشاة جحود
وحتى متى تفني شؤونك بالبكا ... وقد حد حدا للبكاء لبيد
وإني وإن حنت قناتي كبرة ... لذو مرة في النائبات جليد
يشير إلى قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
ولنكتف من شعر الشريف بهذا المقدار، وما كان المقصود إلا إيراد أبيات يستدل بها على حسن طريقته فيه، ويكذب ذلك الشاعر في قوله ذاك.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
من معشر يرخص الأعراض جوهرهم ... ويحملون الأذى من كل مهتضم
قال في شرحه: الهجاء الباطن فيه في موضعين، أحدهما أن مراده بالأعراض جمع عرض بكسر العين وسكون الراء المهملتين، وأوهم بذكر الجوهر أنه يريد جمع عرض (_) والآخر وهو المثال المقصود - لكون الأول يشتبه بالمواربة والإبهام أيضاً - قوله: ويحملون الأذى من ظالمهم، يريد وصفهم بالذل وقلة المنفعة كما في بيت الحماسة المقدم ذكره. انتهى.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
في معرض المدح يهجى من قبيلته ... أعراضهم بين معمور ومنهدم
قال ابن حجة: الذي (أقوله) : أن الشيخ عز الدين قفل مصراعي بيته، ومنع الإفهام من (الدخول) إليه، فإني لم أجد فيه ما يدل على مجرد المدح، ولا اقترن به ما يصرفه إلى صيغة الهجو، بل أقول أن ألفاظ هذا البيت أجساد ما دب فيها من المعاني روح، وليس له بهذا النوع إلمام. انتهى، وهو في محله.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وكم بمعرض مدح قد هجوتهم ... وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم
فحمل الضيم ينظر إلى قول الحماسي، إذ ظاهره الحلم، وباطنه الذل، ولكن حمل التهم، وإن قال ناظمه: أنه الغاية القصوى، فظاهره وباطنه أخرج البيت من معرض المدح إلى صريح (الهجو) ، فخرج بذلك عن حد النوع الممثل له به.
والشيخ عبد القادر الطبري عجز عن (نظم هذا) النوع، فأخذ صدر بيت الشيخ عز الدين، وعجز بيت الشيخ صفي الدين الحلي فقال:
في معرض المدح كم يهجون من ملأ ... ويحملون الأذى من كل مهتضم
وبيت بديعيتي هو قولي:
هجوت في معرض المدح الحسود لهم ... فقلت أنك ذو صبر على السدم
السدم بفتح السين والدال المهملتين: الغيظ مع حزن وهم، وهذا ظاهره المدح بأنه صبور، وباطنه الهجو بأنه يحمل غيظ الحسد وحزمه، ويصبر على مضضه، ويتجرع غصصه ولا يترك الحسد لهم.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
ما في عذولي بأس ذاك من فئة ... تغضي احتمالا وتشفي الكلم بالكلم
стр. 183
هذا بيت معمور بالحسن لفظا ومعنى. قال ناظمه في شرحه: قوله: ما في عذولي بأس، تورية ظاهرها أنه لا بأس فيه، أي لا عيب، والمراد: لا قوة فيه ولا شجاعة، وهذا من باب الإبهام. وقوله: تغضي احتمالا، يصفهم بالذل وإن كان ظاهره أنهم حلماء. وقوله: تشفي الكلم بالكلم، أي أنهم يشفون غيظهم بالكلام، كما قال الشاعر: (أشبعتهم سبا وراحوا بالإبل) وإن كان ظاهره أن كلامهم يقوم مقام الدواء للجراحات. انتهى.
الاكتفاء
لم يكتفوا بي عميدا في محبتهم ... بل كل ذي نظر فيهم أراه عمي (دا)
الاكتفاء - ضرب من الإيجاز، وهو نوعان: نوع يكون بكلمة فأكثر ونوع يكون ببعض كلمة.
فالأول هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط، فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتة، ولا يكون المكتفى عنه إلا آخرا لدلالة الأول عليه. وذلك الارتباط قد يكون بالعطف وهو الغالب، وأعظم شواهده قوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وخص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة، والوقاية عندهم من الحر أهم، لأنه أشد عندهم من البرد. وقوله تعالى: (وله ما سكن بالليل والنهار) أي وما تحرك، وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون.
وقد يكون بالشرط وجوابه، كقوله تعالى: (فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء) أي فافعل. وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون) أي أعرضوا، بدليل ما بعده، وقوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) أي لرأيت أمرا فظيعا، وقوله تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم) أي لسلطكم على أهل مكة.
وقد يكون بالقسم بدأ به، كقوله تعالى: (والنازعات غرقا - الآيات _) أي لتبعثن، وقوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر) أي أنه لمعجز.
وقد يكون بطلب الفعل للمتعلق، كقوله تعالى: (خلطوا عملا صالحا) أي بسيئ (وآخر سيئا) أي بصالح. أو بطلبه للمفعول كقوله تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل) أي إلها (وقوله تعالى) : (كلا سوف تعلمون) أي عاقبة أمركم.
وقد يكون بطلب حرف الشرط لجملة الشرط وجوابه كقوله:
قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدا قالت وإن
أي وإن كان كذلك رضيته أيضاً. وفي الخبر، أنه ﵌ رأى رجلا يسوق بدنة فقال له: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها وإن، أي وإن كانت بدنة اركبها.
وقد يكون بالاسمية والخبرية لأن وأمثالها، كما روي أن المهاجرين قالوا للنبي ﵌: إن الأنصار قد فضلونا وفعلوا بنا كذا وكذا، فقال ﵌: ألستم تعرفون ذلك؟ قالوا: بلى، قال: فإن ذاك. قال أبو عبيدة: إن الحديث ليس فيه أكثر من قوله: فإن ذاك، ومعناه: فإن ذاك مكافأة، أي معرفتكم إحسانهم مكافأة لهم.
وقول الشاعر:
ويقلن شبي قد علاك ... وقد كبرت فقلت إنه
على قول ابن هشام (إنه) يجوز أن لا تكون الهاء للسكت، بل اسما لأن، على أنها المؤكدة والخبر محذوف، أي أنه كذلك. وقد يكون بغير ذلك من وجوه الارتباط كما يظهر من الأمثلة الآتية في النظم.
وقد حد الشيخ صفي الدين الحلي الاكتفاء في النظم بقوله: هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف تقاضى ذكره ليفهم به المعنى، فلا يذكره لدلالة ما في لفظ البيت عليه، ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى.
كقوله:
لا أنثني لا أنتهي لا أرعوي ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
فمن المعلوم أن تمامه: ولا إذا مت، ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبا من عيوب الشعر، يسمى في علم القوافي بالتضمين. انتهى. وهذا الحد شامل لنوعي الاكتفاء، غير أنه لا يشمل الاكتفاء في النثر كما هو ظاهر، والحد الذي ذكرناه شامل للنظم والنثر معا.
وأما النوع الثاني فسيأتي الكلام عليه، وهذا محل إثبات محاسن الأمثلة الشعرية لهذا النوع الأول من الاكتفاء: فمنه قول هبة الله بن سناء الملك في مطلع قصيدة:
دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى ... فقبلته في الثغر تسعين أو إحدى
وقول ابن مطروح:
والله ما خطر السلو بخاطري ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
стр. 184
إن عشت عشت على هواه وإن أمت ... وجدا به وصبابة يا حبذا
وقول أبي الحسن الباخرزي:
يا جاهلا عاب شعري ... فكد قلبي وآلم
علي نحت القوافي ... وما علي إذا لم
وأصله من قول الشاعر:
عليَّ نحت القوافي من معادنها ... وما عليَّ إذا لم تفهم البقر
وقد كان أبو الحسن الباخرزي المذكور مولعا بهذا النوع من الاكتفاء ونظمه في شعره كثير، فمنه قوله:
بالأمل الكاذب والخوف ... جعلت لي قلبين في جوفي
آمل قربا وأخاف النوى ... فمهجتي في راحة أو في
وقوله:
قد صح عندي أن حبك لم يكن ... إلا كنرجسك الكحيل سقيما
ووجدت عندك ما كرهت وكلما ... حاسبت فعلي لم تجد عندي ما
وقوله أيضاً:
لقد كنت أعرف بابن الحسن ... فلقبني الحب بابن الحزن
ولولا الهوى ما لقيت الهوان ... ولولا الدمى لم أقف بالدمن
فيا أيها النفس لا تيأسي ... من الاجتماع عسى الله أن
وقوله:
ولي حشف وبي تطفيف كيل ... وها حشفي مع الكيل الطقيف
فإن تردد علي فرغبتي من ... وإن تحسن إلي فرغبتي في
وقوله:
وما زاده عز الولاية رفعة ... وقد كان مرفوع الدعائم قبل أن
وقوله:
يا صاحبي سلا فؤادي هل سلا ... عمن كلفت بحبه ليجيب لا
وما أحسن قوله بعده:
يا رب إن تك لا تجود بسلوة ... تحيا بها نفس المشوق المبتلي
فانف الحلاوة عن مجاجة ريقه=وأمر بنفسج صدغه أن يذبلا وقوله أيضاً:
يا شرف السادة أعلق يدي ... حبلك أمسك عقده المحكما
بي بكم خطيت شفاهي به ... وقصة تستنطق الأبكما
مسني الضر ... وحوشيته
والمشتكى أنت وحالي كما
وقوله مع الاقتباس:
قل لإخواننا أعينوا على الله ... وونفسي فداكم أن أعنتم
نحن من قبل أن ...
..
بعد لا تقربوا الصلاة وأنتم
وقوله في التعزية:
لئن مضى من رضعت درته ... ففيك مستمتع من الخلف
وربما يشمت العدى جزع ... والصبر مستروح فرأيك في
ومنه قول الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض:
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة عبد العزيز الأنصاري قوله مع التضمين:
صلي ودعي نفارك عن محب ... بذكرك آنس والليل ساكن
ولا تستقبحي شيبا برأسي ... فما إن شبت من كبر ولكن
هذا صدر بيت لأبي فراس بن حمدان عجزه (رأيت من الأحبة ما أشابا) .
وقوله أيضاً:
أهلا بطيفكم وسهلا ... (لو كنت للإغفاء) أهلا
لكنه وافى وقد ... حلف السهاد علي أن لا
وقوله:
راموا فطامي عن هوى ... غذيته طفلا وكهلا
فوضعت في طوقي يدي ... وقلت خلوني وإلا
وقول سراج الدين الوراق بين اكتفائين مع التضمين:
يا لائمي في هواها ... أفرطت في اللوم جهلا
ما يعرف الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا
البيت لابن المعلم وأصله هكذا:
ما يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
وقول سديد الدين بن كاتب المرج في النيل، وقد زاد زيادة مؤذية، وفيه اقتباس:
يا نيل يا ملك الأنهار قد رزقت ... منك الأراضي شرابا سائغا وإذا
وقد أتيت القرى تبغي منافعها ... فنالها بعد فرط النفع منك أذى
فقال تذكر عني أنني ملك ... وتغتذي ناسيا أن الملوك إذا
وقول ابن أبي حجلة في مثل ذلك:
يا رب أن النيل زاد زيادة ... أدت إلى هدم وطول تشتت
ما ضره لوجا على عاداته ... في دفعه أو كان يدفع بالتي
وقول الآخر، وجمع فيه بين اكتفائين مع الاقتباس:
بمكارم الأخلاق كن مختلقا ... ليفوح عطر ثنائك العطر الشذي
وانفع صديقك إن صدقت وداده ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي
ومن لطائف البهاء زهير قوله:
فما كان أحسن من مجلسي ... فحدث بما شئت عن ليلتي
بشمس الضحى وببدر الدجى ... على يمنتي وعلى يسرتي
وبت وعن خبري لا تسل ... بذاك الذي وبتلك التي
وقوله:
يا حسن بعض الناس مهلا ... صيرت كل الناس قتلى
стр. 185
أغرت جفونك بالهوى ... من كان يعرفه ومن لا
لم تبق غير حشاشة ... في مهجتي وأخاف أن لا
ورسوم قلب لم يدع ... منه الهوى إلا الأقلا
وبمهجتي من لا أسمي ... هـ وأكتمه لئلا
عانقت منه الغصن في ... حركاته قدا وشكلا
وكشفت فضل قناعه ... بيدي عن قمر تجلى
فلثمته في خده ... تسعين أو تسعين إلا
ومنه قول جمال الدين بن نباتة:
ولقد كملت فلا يقال لقد ... حزت الجمال جميع إلا
وقول ابن مكانس مع التورية:
من شرطنا أن أكسرتنا الطلا ... صرفا تداوينا بشرب اللما
نعاف مزج الماء في كأسها ... لا وأخذ الله الندامى بما
وقول صدر الدين بن عبد الحق مع زيادة التورية والاقتباس:
جهنم حمامكم نارها ... تقطع أكبادنا بالظما
وفيها عصاة لهم ضجة ... وإن يستغيثوا يغاثوا بما
ومثله قول الشيخ برهان الدين القيراطي:
بأبي شامات حسن ... قد أطالت حسراتي
كلما ساءت فعالا ... قلت إن الحسنات
وقول ابن أبي حجلة مع التضمين:
شمس الضحى بعد العشا ... زارت فزال تلهفي
واستقبلت قمر السما ... فأرتني القمرين في
وقوله يرثي أخا له:
أخي تركتني فقضيت نجا ... فدمعي قد ملا حزنا وسهلا
وكل أخ مفارقه أخوه ... كذا قالوا لعمر أبيك إلا
يشير إلى قول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
ومن بديع الاكتفاء مع زيادة التورية ما اتفق للشيخ شهاب الدين التلعفي مع شمس الدين الشيرجي، وذلك أنهما حضرا بين يدي الملك الناصر في ليلة أنس، فاتفق أن الشيرجي ذهب لضرورة وعاد، فأشار إليه الملك الناصر بصفع التلعفري (فصفعه، فنهض) التلعفري على الفور، وقبض على لحية الشيرجي - وكان رجلا ألحى _.
وأنشد ارتجالا ويده فيها:
قد صفعنا في ذا المقام الشريف ... وهو إن كنت ترتضي تشريفي
فارث للعبد من مصيف صفاع ... يا ربيع الندى وإلا خري في
ومنه قول الأديب لاعبده من أدباء العصر بالمدينة المنورة على ساكنها وآله الصلاة والسلام مؤرخا دارا بناها بعض قضاة تلك الديار:
صاح بين النقا وبين المصلى ... منزل في حلى المفاخر يجلى
مجلس من أتاه يسمع منه ... مرحبا مرحبا وأهلا وسهلا
فيه حبر وهمت بل فيه بحر ... جامع للعلوم عقلا ونقلا
جاء سهل التاريخ من غير عيب ... هكذا من أراد يبني وإلا
وقلت أنا في ذلك:
يا عاذلي في الأماني ... أكثرت في العذل قولا
دعني أعلل نفسي ... ما أضيق العيش لولا
وهو من قول الطغرائي في لامية العجم:
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
تنبيه - قد تبين من الأمثلة المذكورة أن الاكتفاء قد يكون بحذف المستثنى، ومعمول الجوازم، والجار، والصلة، من غير دلالة صلة أخرى عليها، وكل ذلك عند النحويين ضرورة.
قال الحافظ السيوطي في جمع الجوامع: واستحسن أهل البديع بعض ما سماه النحاة ضرورة، كحذف معمول الجوازم المسمى بالاكتفاء، فإن اشتمل على تورية تصرفه عنه - أي عن الاكتفاء - فأحسن. انتهى.
وقيل على هذا: يرد على البديعيين أن المحسنات البديعية إنما تعد محسنة بعد رعاية الفصاحة، فما خالفها يعد قبيحا، فكيف تعد الضرورة من المحسنات؟.
وأما النوع الثاني من الاكتفاء وهو الذي يكون ببعض الكلمة.
فهو حذف بعض حروف القافية من آخرها لدلالة الباقي عليه. واحترزنا (بالقافية) عن غيرها.
كقوله:
فنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والحصر
أي ابن مالك. وبقولنا (من آخرها) عن مثل قوله (غرثى الوشاحين صموت الخلخل) أي الخلخال، فلا يسمى ذلك كله اكتفاء عند البديعين. وقد يسمى في غير هذا العلم بالاقتطاع، ولا يختص بالقافية.
وسماه ابن جني في كتاب التعاقب بالإيماء وعقد له بابا، فقال باب الإيماء وهو الاكتفاء عن الكلمة بحرف من أولها.
وسماه ابن فارس في فقه اللغة بالقبض. وهو وارد في القرآن والحديث وكلام العرب.
стр. 186
أما وروده في القرآن، فقال الحافظ السيوطي في الإتقان: أنكره ابن الأثير ورد: بأن بعضهم جعل منه فواتح السور، على القول بأن كل حرف منها، من اسم من أسمائه تعالى، وهو منقول عن ابن عباس. وادعى بعضهم: أن الباء في (وامسحوا برؤوسكم) أول كلمة (بعض) ثم حذف الباقي، ومنه قراءة بعضهم (ونادوا يا مال) بالترخيم. ولما سمعها بعض السلف قال: ما أغنى أهل النار عن الترخيم، (وأجاب) بعضهم: بأنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة.
قال: ويدخل في هذا النوع، حذف همزة (أنا) من قوله: (لكنا هو الله ربي) إذ الأصل (لكن أنا) حذفت همزة (أنا) تخفيفا، وأدغمت النون في النون.
ومثله ما قرئ (ويمسك السماء أن تقع علرض) (بما أنزليك) (فمن تعجل في يومين فلثم عليه) (إنها لحدى الكبر) . انتهى.
وأما وروده في الحديث فقد روي عنه ﵌ أنه قال: (كفى بالسيف شا) أي شاهدا، وقيل: أنه مكتفى به عن (شافي) وله وجه.
وأما وروده في كلام العرب فكثير جدا، بل قال ابن فارس في فقه اللغة: في سنن العرب، القبض محاداة للبسط، وهو النقصان من عدد الحروف، كقولهم: درس المنا، يريدون المنازل. ونار الحبا، أي الحباحب. انتهى.
وأنشد ابن جني عليه قول الشاعر (وعدتني أم عمر وإن تاريخ) أي أن تسمح، وقول علقمة (مفدم بسبا الكتان مختوم) أي بسبائب، وقول لبيد (درس المنا بمتالع فأبان) ، وقال آخر (قواطن مكة من ورق الحما) أي الحمام، وقال آخر (ليس حي على المنون بخال) أي بخالد.
إذا علمت ذلك، بالاكتفاء ببعض الكلمة على ضربين، ضرب يكون بدون تورية كما تقدم من قول الشاعر (قواطن مكة من ورق الحما) وقوله (ليس حي على المنون بخال) .
ومنه قول القاضي الفاضل من قصيدة فريدة:
لعبت جفونك بالقلوب وحبها ... والخد ميدان وصدغك صولجا (ن)
وأول هذه القصيدة:
زار الصباح فكيف حالك يا دجى ... قم فاستند بفروعه أو فالنجا
رأت الغصون قوامه فتأودت ... والروض أنشر نشره فتأرجا
يا زائري من بعد يأس ربما ... تمنى المنى من بعد أرجاء الرجا
أترى الهلال ركبت منه زورقا ... أولا فكيف قطعت بحرا من دجى
أم زرتني ومن النجوم ركائب ... فأرى ثرياها تريني هودجا
ومنه قول هبة الله بن سناء الملك:
أهوى الغزالة والغزال وإنما ... نهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهدا ... حتى إذا أعييت أطلقت العنا (ن)
ويعجبني من هذا النوع قول الشيخ قطب الدين الحنفي المكي المتوفى سنة تسعين وتسعمائة بمكة المشرفة زادها الله شرفا وتعظيما:
رعى الله ليلة زار الحبيب ... وغاب الرقيب إلى حيث أل
يشير إلى قول الشاعر (إلى حيث ألقت رحالها أم قشعم) وأم قشعم: المنية والداهية. وهذا البيت من جملة أبيات لطيفة للشيخ المذكور لا بأس بغيرادها هنا، وهي:
ألا حلل الله سيف المقل ... فكم ذا أباد وكم ذا قتل
وما من قتيل له في الهوى ... سوى ألف راض بما قد فعل
لقد نصر الله جيش الملاح ... ببدر لنا حسنه قد كمل
إذا قتلتني عيون الظبا ... فيا فرحي قد بلغت الأمل
رعى الله ليلة زار الحبيب ... وغاب الرقيب إلى حيث أل
فأجلسته في سواد العيون ... وقد غسل الدمع ذاك المحل
وألصقت خدي بأقدامه ... وذبلت أخمصه بالقبل
وعانقته وخلعت العذار ... ومزقت ثوب الحيا والخجل
فرق ومال بأعطافه ... فديت بروحي ذاك الميل
وما زلت أشغله بالحديث ... وستر الظلام علينا انسدل
إلى أن غفا جفنه ناعسا ... وعني تغافل أو قد غفل
فحليت عن خصره نده ... وأنضيت عن معطفيه الحلل
وبت أشاهد صنع الإله ... تبارك رب البرايا وجل
فظن بي الخير أولا تظن ... فما أنت تسأل عما حصل
حكى لي بعض الأصحاب: أن الشيخ كان قد ختم هذه الأبيات بالبيت الذي قبل البيت الأخير، حتى أنشدها يوما في مجلس سلطان مكة المشرفة الشريف حسن بن أبي نمى، فقال له الشريف مداعبا: ثم ماذا؟ فإنه محل ريبة. فأنشد البيت الأخير مرتجلا وختم به الأبيات، والله أعلم.
ومن هذا النوع من الاكتفاء أيضاً قول سيدي الوالد متع الله ببقائه:
стр. 187
يا خليلي أبكيا عني فقد ... صار دمع العين مني أحمرا
وأمطرا دمعكما وادي الحمى ... إن من حق الحمى أن يمطرا
وإذا شارفتما بي رامة ... فرما الريم الذي قد نفرا
تجداه راتعا مستفيئا ... سلمات وبشاما وأرا (ك)
والضرب الثاني - ما كان مع التورية كقول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بروحي أمر الناس نأيا وجفوة ... وأحلاهم ثغرا وأملحهم شكلا
يقولون في الأحلام يوجد شخصه ... فقلت ومن ذا بعده يجد الأحلا (م)
وقل فخر الدين بن مكانس:
لم أنس بدرا زارني ليلة ... مستوقرا ممتطيا للخطر
فلم يقم إلا بمقدار أن ... قلت له أهلا وسهلا ومر (حبا)
وقول ابنه مجد الدين بن مكانس:
نزل الطل بكرة ... وتوالى تجددا
والندامى تجمعوا ... فأجل كأسي على الندا (مى)
وقول العلامة بدر الدين الدماميني:
أقول لصاحبي والروض زاه ... وقد فرش الربيع بساط زهر
تعال نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى إلى ورد ونسري (ن)
وقوله أيضاً:
شقائق النعمان الهو بها ... إن غاب من أهوى وعز اللقا
فالخد في القرب نعيمي وإن ... غاب فإني اكتفي بالشقا (ئق)
وقوله:
الدمع قاض فافتضاحي في هوى ... رشأ يغار الغصن منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهدا ووشى بما ... أخفي فيا لله من قاض وشا (هد)
وقوله:
ورب نهار فيه نادمت أغيدا ... فما كان أحلاه حديثا وأحسنا
منادمتي فيها مناي وحبذا ... نهارا تقضى بالحديث وبالمنا (دمه)
وقول صدر الدين بن الآدمي الحنفي:
يا متهمي بالسقم كن منجدي ... ولا تطل رفضي فإني علي (ل)
أنت خليلي فبحق الهوى ... كن لشجوني راحما يا خلي (ل)
وأغرب ابن حجر في قوله وأجاد:
أطيل الملام لمن لامني ... وأملأ في الروض كأس الطلا
وأهوى الملاهي وطيب الملاذ ... فها أنا منهمك في الملا (م. ذ. هي)
وأبدع ابن حجة في قوله:
يقولون صف أنفاسه وجبينه ... عسى للقا يصبو فقلت له صبا (ح)
وغالطت إذ قالوا أباح وصاله ... وإلا أبى قربا فقلت لهم أبا (ح)
وقلت أنا في ذلك وفيه توريتان:
هجر الحبائب جانبي ... ونزلن منعرج اللوى
فظللت أعسف في الهوا ... جر سائرا طوع النوى
وصلى الهوى قلبي فوا ... كرباه من حر الهوا (جر)
وقلت أيضاً:
سمح البدر بوصل فشفى ... من جوى الحب سقيما مغرما
وسما عن مشبه ثم ومن ... أين للبدر شبيه في السما (ح)
وقلت أيضاً:
أصابت نواظره مهجتي ... وزادت نواه فؤادي جوى
فقلت وقد أكثر العاذلون ... دعوني فأني قتيل النوا (ظر)
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي من النوع الأول من الاكتفاء الذي هو بجميع الكلمة وهو قوله:
قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم
قال ابن حجة: عجبت للشيخ صفي الدين كيف استحسن هذا البيت ونظمه في سلك أبيات بديعيته مع ما فيه من الركة، والنظم السافل، وبرد موضع الاكتفاء بلفظة (لم) مع أنه غير مكلف بتسمية النوع، ولا ملتفت إلى تورية. انتهى. أسرف وما أنصف.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي جمع بين نوعي الاكتفاء وهو:
وما اكتفى الحب كسف الشمس منه إذا ... حتى انثنى يخجل الأغصان حين يمي
فقوله: (إذا) من النوع الأول، إذ من المعلوم أن بعده (بدا) لما تقدم ذكره كسف الشمس، وقوله (حين يمي) من النوع الثاني، لأن المراد (حين يميل) أو (يميس) أو (يميد) ، ولا أرى في هذا البيت تورية، وقد قال ابن حجة: أنه التزم فيه التورية.
وبيت بديعية ابن حجة من النوع الثاني من الاكتفاء مع التورية:
لما اكتفى خده القاني بحمرته ... قال العواذل بغضا أنه لدمي
أراد: لدميم، وهو بالدال المهملة: الحقير، وهذا الاكتفاء ينظر إلى قول القائل:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا أنه لدميم
стр. 188
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري جمع فيه مع الاكتفاء عتاب المرء نفسه، و رد العجز على الصدر ، وهو من النوع الأول من الاكتفاء، ولم يلتزم التورية وهو قوله:
لم ترعو النفس عتبا ويحك أتته عن ... تصدير غيك كيما نكتفي بلم
ما أحق هذا البيت بكلام ابن حجة الذي تكلم به على بيت الصفي الحلي.
وبيت بديعيتي من النوع الثاني من الاكتفاء، وهو الذي يكون ببعض الكلمة مع زيادة التورية والتلميح، وهو قولي:
لم يكتفوا بي عميدا في محبتهم ... بل كل ذي نظر فيهم أراه عمي (دا)
أردت بقولي (عمي) عميدا، وهذا هو الاكتفاء ببعض الكلمة. وفي الظاهر أن المراد بعمي: اسم فاعل من عمي يعمى، وهذا هو التورية، ويرشحها لذلك قولي (كل ذي نظر) وفيه تلميح لقوله عليه وآله السلام: حبك لشيء يعمي ويصم، وهذا هو التلميح.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري من النوع الأول من الاكتفاء والتزم فيه التورية، وهو قوله:
ألم أقل لك أن اللوم آلمني ... وزاد في لوعتي يوم النوى ألم
قال ناظمه في شرحه: الاكتفاء بقوله (ألم) لأن صدر البيت (ألم أقل لك) فلا يخفى أن مراده: ألم أقل لك، فاكتفى بذلك. وفيه أيضاً التورية فإنه يحتمل أنه أراد: ألمي، من الألم، فإن لفظة (آلمني) رشحتها لذلك، فيكون معناه: ألمي ما للوم زاد في لوعتي. وفيه أيضاً رد العجز على الصدر.
رد العجز على الصدر
بهجرهم كم وكم فل الهوى أمما ... ورد عجزا على صدر بهجرهم
هذا النوع سماه بعضهم بالتصدير، والأول أولى، لأنه مطابق لمسماه، وخير الأسماء ما طابق المسمى. وهو في النثر: أن يجعل أحد اللفظين المكررين، أعني المتفقين في اللفظ والمعنى أو المتجانسين وهما المتشابهان في اللفظ دون المعنى، أو الملحقين بالمتجانسين، وهما اللفظان اللذان يجمعهما الاشتقاق أو شبهه، في أول الفقرة، واللفظ الآخر في آخرها فيكون أربعة أقسام.
الأول: أن يكونا مكررين، كقوله تعالى: (تخشى الناس والله أحق أن تخشاه) .
والثاني: أن يكونا متجانسين، نحو قولهم: سائل اللئيم يرجع ودمعه سائل.
والثالث: أن يجمع اللفظين الاشتقاق، نحو قوله تعالى: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) .
والرابع: أن يجمعهما شبه الاشتقاق، نحو قوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين) .
وفي النظم: على أربعة أقسام وهو: أن يقع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، أو حشوه، أو عجزه، أو صدر المصراع الثاني؛ فهذه أربعة أقسام.
وعلى كل تقدير، فاللفظان إما مكرران، أو متجانسان، أو ملحقان بهما، فتصير الأقسام اثني عشر، حاصلة من ضرب أربعة في ثلاثة، وباعتبار أن الملحقين قسمان، لأنه إما أن يجمعهما الاشتقاق، أو شبه الاشتقاق تصير الأقسام ستة عشر، حاصلة من ضرب أربعة في أربعة.
فالأول، وهو وقوع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، واللفظان مكرران، مثاله قول الشاعر:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع
وقول أبي نواس:
وحياة رأسك لا أعود ... لمثلها وحياة رأسك
وقول البستي:
سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان
وقول ابن جابر الأندلسي:
جمال هذا الغزال سحر ... يا حبذا ذلك الجمال
هلال خديه لم يغب ... عني وإن غيب الهلال
غزال أنس يصيد أسدا ... فأعجب لما يصنع الغزال
دلاله دلّ دل شوق ... علي إذ زانه الذلال
كماله لا يخاف نقصا ... دام له الحسن والكمال
نباله قد رمت فؤادي ... لا أخطأت تلكم النبال
حلال وصلي له حرام ... وحكم قتلي له حلال
زلال ذاك اللمى حلالي ... وأين لي ذلك الزلال
قتاله لا يطاق لكن ... يعجبني ذلك القتال
والثاني، وهو وقوع أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والثاني في حشو المصراع الأول، مثاله قول الشاعر:
تمتع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشية من عرار
وقول جرير:
سقى الرمل جون مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل
وقول زهير:
كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم
وقول أبي تمام:
стр. 189
ولم يحفظ مضاع المجد شيء ... من الأشياء كالمال المضاع
وقول المعري:
فلو سمح الزمان بها لضنت ... ولو سمحت لضن بها الزمان
وقول الخليع الشامي:
خذ يا غلام عنان طرفك فاثنه ... عني فقد ملك الشمول عناني
وقول ابن جابر الأندلسي وأجاد:
بين تلك الخيام أكرم قوم ... ضربت للندى عليهم خيام
قد أقاموا بين العقيق وسلع ... فحياة النفوس حيث أقاموا
وقول أبي جعفر البحاث وقد حلم بخيال حبيب فنبهه ذلك الحبيب:
يا من ينبهني من رقدة جمعت ... بيني وبين خيال منه مأنوس
دعني فإنك محروس ومرتقب ... وخلني وخيالا غير محروس
والثالث، وهو وقوع أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول أبي تمام:
ومن كان بالبيض الكواعب مغرما ... فما زلت بالبيض القواضب مغرما
وقوله أيضاً:
وجوه لوان الأرض فيها كواكب ... توقد للساري لكانت كواكبا
وقول أبي عبادة البحتري:
لقد غادرت في جسمي سقاما ... بما في مقلتيك من السقام
وقوله:
إذا أردت ملأت العين من بلد ... مستحسن وزمان يشبه البلدا
وقوله:
وحملت عندك ذنب المشي ... ب حتى كأني ابتدعت المشيبا
وقول أبي فراس بن حمدان:
فلست أرى إلا عدوا محاربا ... وآخر خير منه عندي المحارب
وقوله:
بنفسي وإن لم أرض نفسي لراكب ... يسائل عني كلما لاح راكب
وقوله:
هو الموت فاختر ما حلا لك ذكره ... فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر
وقول الكافي العماني:
عطل المروة خانه إمكانه ... إن المروة حليها الإمكان
وقوله:
فيا ليت شعري كيف أنت أشيق ... فؤادك كالمعمود أم غير شيق
وقول البهاء زهير:
وإن قلتم أهوى الرباب وزينبا ... صدقتم سلوا عني الرباب وزينبا
والرابع، وهو وقوع أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والآخر في أول المصراع الآخر، مثال قول ذي الرمة:
وإن لم يكن إلا معرج ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها
وقول البحتري:
عدمت الغواني كيف يعطين للصبا ... محاسن أسماء يخالفها الفعل
فنعم ولم تنعم بنيل نعده ... وجمل ولم تجمل بعارفه جمل
وقوله:
على الحي سرنا عنهم وأقاموا ... سلام وهل يدني البعيد سلام
وقول كثير عزة:
أصاب الردى من أن يبغي لها الردى ... وجن اللواتي قلن عزة جنت
وما أحسن قول ابن جابر فيه:
صفحوا عن محبهم وأقالوا ... من عثار الهوى ومنوا بوصل
لست أستوجب الوصال ولكن ... أهل تلك الخيام أكرم أهل
والخامس، وهو وقوع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، واللفظان متجانسان، مثاله قول القاضي الأرجاني:
دعاني من ملامكما سفاها ... فداعي الشوق قبلكما دعاني
وقول الآخر:
سل سبيلا فيها إلى راحة النف ... س براح كأنها سلسبيل
وقول الآخر:
ذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منا النفوس ذوائب
وقول الآخر:
يسار من سجيتها المناسا ... ويمنى من عطيتها اليسار
وقول الشيخ عبد الرحيم العباسي:
ناظراه إذا تنكر تيها ... في الذي أورث الحشا ناظراه
والسادس، وهو وقوع أحد اللفظين المتجانسين في آخر البيت، والآخر في حشو المصراع الأول، مثاله قول الثعالبي:
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فأنف البلابل باحتساء بلابل
وقول الآخر:
لا كان إنسان تيمم قاصدا ... صيد المها فاصطاده إنسانها
والسابع، وهو وقوع أحد اللفظين المتجانسين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول البحتري:
العيش في ظل داريا إذا بردا ... والراح تمزجها بالماء من بردا
برد الأول: فعل ماض من البرد، والثاني: نهر كبير بدمشق.
وقول الحريري:
فمشغوف بآيات المثاني ... ومفتون برنات المثاني
المثاني الأولى: القرآن أو ما ثني منه مرة بعد مرة، وقيل غير ذلك. والمثاني الثاني: جمع مثنى، وهو من أوتار العود ما كان بعد الأول.
وقول ابن جابر الأندلسي:
стр. 190
زرت الديار عن الأحبة سائلا ... ورجعت ذا أسف ودمع سائل
ونزلت في ظل الأراكة قائلا ... والربع أخرس عن جواب القائل
والثامن، وهو وقوع أحد اللفظين المتجانسين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع، ومثاله قول الأرجاني:
أملتهم ثم تأملتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فلاح
وقول الأمير أبي الفضل الميكالي:
إن لي في الهوى لسانا كتوما ... وفؤادا يخفي حريق جواه
غير أني أخاف دمعي عليه ... ستراه يبدي الذي ستراه
والتاسع، وهو وقوع أحد اللفظين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، واللفظان ملحقان بالمتجانسين جمعهما الاشتقاق، مثاله قول السري الرفاء، ووهم من نسبه إلى أبي عبادة البحتري:
ضرائب أبدعتها في السماح ... فلسنا نرى لك فيها ضريبا
وقول البحتري:
ضرب الجبال بمثلها من عزمه ... غضبان يطعن بالحمام ويضرب
وقوله أيضاً:
وخيبت أسبابي النازعات ... إليك وما حقها أن تخيبا
يريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا
العاشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين بالمتجانسين في آخر البيت، والآخر في حشو المصراع الأول، مثاله قول امرئ القيس:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان
وقول أبي فراس:
يقول لي انتظر زمنا ومن لي ... بأن الموت ينتظر انتظاري
وقول الكافي العماني:
ما زال يسلب كل من حمل الظبا ... قلمي وأحداق الظباء سوالبي
والحادي عشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين بالمتجانسين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول الشاعر:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري ... أطنين أجنحة الذباب يضير
وقول أبي تمام:
أعاذلتا ما أخشن الليل مركبا ... وأخشن منه في الملمات راكبه
وقوله:
إنسية إن حصلت أنسابها ... جنية الأبوية ما لم تنسب
وقول البحتري:
وإني لأبَّاء على كل لائم ... عليك وعصَّاء لكل ملام
وقوله:
لطيف بطلق الوجه لا متجهم ... علينا ولا نزر العطاء جهام
وقوله:
وكنت أرجي في الشباب شفاعة ... فكيف لباغي حاجة بشفيعه
وقوله:
إذا وصلتنا لم تصل عن تعمد ... وإن هجرت أبدت لنا هجر عامد
والثاني عشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين بالمتجانسين في آخر البيت، والآخر في أول المصراع الثاني، مثاله قول أبي تمام:
ثوى في الثرى من كان يحيى به الورى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
وقد كانت البيض القواضب في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
وقول أبي فراس:
كأن ابنة القيسي في أخواتها ... خذول تراعيها الظباء الخواذل
وقوله:
ولكنني في ذا الزمان وأهله ... غريب وأفعالي لديه غرائب
والثالث عشر، وهو وقوع أحد اللفظين الملحقين اللذين يجمعهما شبه الاشتقاق في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول، مثاله قول الحريري:
ولاح يلحى على جري العنان إلى ... ملهى فسحقا له من لائح لاح
فالأول ماض يلوح، والآخر اسم فاعل من لحاه.
وقول الكافي العماني:
ثنينا السوء عن ذاك التثني ... وأثنيناه عن تلك الثنايا
والرابع عشر، وهو وقوع أحد اللفظين المذكورين في آخر البيت، والآخر في حشو المصراع الأول، مثاله قول الشاعر:
لعمري لقد كان الثريا مكانه ... تراه فأضحى الآن مثواه في الثرى
فالثريا واوي: تصغير ثروي من الثروة، وهي كثرة العدد، وإنما سمي النجم بذلك لكثرة كواكبه مع ضيق المحل. والثرى يائي.
وقول أبي العلاء المعري:
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر
والخامس عشر، وهو وقوع أحد اللفظين المذكورين في آخر البيت، والآخر في آخر المصراع الأول، مثاله قول الحريري:
ومضطلع بتلخيص المعاني ... ومطلع إلى تلخيص عاني
فالأول من عنى يعني، والثاني من عنا يعنو وقول البحتري:
صفت مثلما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله
وقول الآخر:
يا سقى الله عقيقا باللوى ... ورعى ثم طريقا من لوى
стр. 191
والسادس عشر، وهو وقوع أحد اللفظين المذكورين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الثاني، مثاله قول التهامي:
طيف ألم فزاد في آلامي ... ألما ولم أعهده ذا إلمام
فالهمزة في (ألم) أصلية وفي (الإلمام) زائدة.
وقوله أيضاً:
تخمد الحرب حين تغمد بأسا ... وتسيل الدماء حين تسل
فالأول من السيلان، والثاني من السل.
فهذه جملة أمثلة الأقسام الستة عشر. وأرباب البديعيات بنوا أبياتهم على النوع الأول، وهو جعل أحد اللفظين المكررين في آخر البيت، والآخر في صدر المصراع الأول. وقد وقع الاتفاق على أنه أفضل الأنواع، وعندي إذا كان اللفظان متجانسين كان أحسن.
فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي:
فمي تحدث عن سري فما ظهرت ... سرائر القلب إلا من حديث فمي
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
وحقهم ما نسينا عهد حبهم ... ولا طلبنا سواهم لا وحقهم
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله مع زيادة التورية:
فهم بصدر جمال عجز عاشقه ... عن وصله ظاهر من باحث فهم
هذا البيت يمكن أن يكون من نوع مكرر اللفظين، ومن نوع المتجانسين والتورية فيه ظاهرة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ألم أصرح بتصدير المديح لهم ... ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم
إن فتحت الهمزة من لفظ (ألم) في عجز البيت كان من النوع الأول وإن ضمت كان من النوع الثالث عشر وهو ما كان اللفظان فيه ملحقين بالمتجانسين، يجمعهما شبه الاشتقاق، ولكن كثرة آلام هذا البيت لا يطيقها السمع.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري تقدم إنشاده في نوع الاكتفاء فإنه جمع فيه بينه وبين هذا النوع فلا حاجة لنا بإعادته هنا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
بهجرهم كم وكم فل الهوى أمما ... ورد عجزا على صدر بهجرهم
التورية باسم هذا النوع لم يتفق لأحد من أرباب البديعيات الذي التزموها كما اتفقت لي في هذا البيت. فإن العز الموصلي إنما ذكر العجز والصدر، ولم يذكر الرد الذي هو العمدة، وابن حجة فر إلى اسم التصدير وهذا الاسم كما علمت غير مطابق للمسمى، وكذا الشيخ عبد القادر الطبري تبع ابن حجة في التسمية بالتصدير.
وأما أنا فأتيت بالاسم الذي هو (رد العجز على الصدر) كما هو، ووريت عنه بمعنى لطيف غريب، وما ذاك إلا أن الجيش إذا فل رجع القهقرى، ولشدة زحامهم حينئذ يتساقطون، فتقع أعجاز بعضهم على صدور بعض. ولك أن تحمل العجز على معنى عدم المقدرة، والمعنى حينئذ ظاهر.
وبيت بديعية المقري قوله، مع زيادة التورية:
رم العزا من سوى قلبي فلي غرض ... رميت فيه وما غير العزاء رم (ي)
قال ناظمه: التورية في قولي (وما غير العزاء رم) فإنه يحتمل وجهين أحدهما (رم) بمعنى أطلب، فيكون رد العجز على الصدر، ويحتملا ن يريد (وما رمي شيء سوى العزا) .
الاستثناء
سلوت من بعدهم هيف القدود فلم ... استثن إلا غصونا شبهت بهم
الاستثناء هو المذكور في كتب النحو، وحده إخراج (بألا) أو إحدى أخواتها تحقيقا أو تقديرا من مذكور أو متروك، والمراد بالمخرج تحقيقا: المتصل، كقام القوم إلا زيدا، فزيد مخرج تحقيقا من القوم، لأنه داخل فيهم تحقيقا، وبالمخرج تقديرا: المنقطع، نحو (ما لهم به من علم إلا إتباع الظن) ، فإن الظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو في تقدير الداخل فيه، إذ هو مستحضر بذكر العلم لكثرة قيامه مقامه، فهو مخرج منه تقديرا، وبالمذكور التام كهذين المثالين، وبالمتروك المفرغ نحو: ما ضربت إلا زيدا.
إذا علمت ذلك فليس كل استثناء يعد من المحسنات البديعية، بل يشترط فيه اشتماله على معنى يزيد على معنى الاستثناء اللغوي، حتى يستحق به نظمه في سلك أنواع البديع كما قلناه في الاستدراك، وإلا لم يكن منه.
стр. 192
ومن أعظم شواهده قوله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس) فإن في هذا الكلام معنى زائدا على معنى الاستثناء اللغوي، وهو تعظيم أمر الكبيرة التي ارتكبها إبليس عليه لعنة الله، مع كونه خرق إجماع الملائكة المؤكدين (بكل) و (أجمع) مع أنهم الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم ﵇، وذلك مثل قولك - ولله المثل الأعلى -: أمر أمير المؤمنين بالمثول بين يديه، فامتثل أمره الناس جميعا، من وزير، وأمير، وصغير، وكبير؛ إلا فلانا. فأنت ترى ما في التعبير عن الأخبار بمعصية هذا العاصي من التعظيم والتهويل اللذين يستحق بهما الذم وزيادة التوبيخ، ولا كذلك قولك، أمر أمير المؤمنين بكذا فعصى فلان.
ومثل ذلك قوله تعالى إخبارا عن نوح ﵇: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) . فإن في الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة من التهويل ما يمهد عذر نوح ﵇ في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم، إذ لو قيل: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لم يكن فيه من التهويل ما في الأول، لأن لفظ الألف في الأول، أول ما يطرق السمع، ويشتغل به عن سماع بقية الكلام. وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف، مع ما في هذا التعبير من الاختصار والإيجاز.
ومثاله من الشعر قول النميري:
فلو كنت كالعنقاء أو في أطومها ... لخلتك
إلا أن تصد تراني
فإن في قوله (إلا أن تصد) وتأخير مفعول خلتك عن حرف الاستثناء زيادة حلاوة، مع تضمنه المبالغة في زيادة المدح، إذ معناه: لو كنت في حال العدم (لأن العنقاء عند العرب اسم لا حقيقة لمسماه، ولهذا يضربون المثل بها لكل شيء متعذر الوجود) لخلتك متمكنا من رؤيتي، ليس لك مانع منها، إلا أن تكون أنت الممتنع، فأنت في القدرة علي غير ممنوع.
وهذا غاية المبالغة في المدح. واعتراض بعضهم: أن هذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم ليس بشيء.
ومنه قول الآخر:
تبت يد سألت سواك وأجدبت ... أرض بغير بحار جودك توسم
فالعز إلا في حياتك ذلة ... والمال إلا من يديك محرم
وقال أبو بكر بن حجاج:
يقولون إن السحر في أرض بابل ... وما السحر إلا ما أرتك محاجره
وما الغصن إلا ما انثنى تحت برده ... وما الدعص إلا ما طوته مآزره
وما الدر إلا ثغره وكلامه ... وما الليل إلا صدغه وغدائره
ومن الاستثناء الذي ما خرق حجاب السمع ألطف منه قول الصالح طلائع بن رزيك، وقد ألزم الأمير ابن سنان بمال رفع عليه، لكونه كان يتولى أموالا له، واعتقله، فأرسل إليه يمت بقديم الخدمة والتشيع الموافق لمذهبه فقال الصالح:
أتى ابن سنان ببهتانه ... يحصن بالدين ما في يديه
برئت من الرفض إلا له ... وتبت من النصب إلا عليه
وكان قدر المال ستين ألف دينار، فأخذ منه اثني عشر ألف وترك له الباقي.
وكان الملك الصالح هذا متشيعا وكان شاعرا مجيدا، وله ديوان مشهور ذكر منه ابن خلكان في تاريخه جملة جيدة.
ومن شعره قصيدته التي وازن بها قصيدة دعبل الخزاعي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
وأول قصيدة الملك المذكور قوله:
ألائم دع لومي على صبواتي ... فما فات يمحوه الذي هو آت
وما جزعي من سيئات تقدمت ... ذهابا إذا اتبعتها حسنات
إلا أنني أقلعت عن كل شبهة ... وجانبت غرقى أبحر الشبهات
شغلت عن الدنيا بحبي معشرا ... بهم يصفح الرحمن عن هفواتي
وقال في آخرها:
أعارض من قول الخزاعي دعبلا ... وإن كنت قد أقللت من مدحاتي
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات
قال ابن حجة: ومن الاستثناء نوع سماه ابن أبي الإصبع، استثناء الحصر، وهو غير الاستثناء بإخراج القليل من الكثير، ونظم فيه قوله:
إليك وإلا لا تحث الركائب ... وعنك وإلا فالمحدث كاذب
فإن خلاصة هذا البيت: لا تحث الركائب إلا إليك، ولا يصدق المحدث إلا عنك. انتهى.
стр. 193
وأنا أقول: أما لفظ البيت فليس فيه استثناء و (إلا) المذكورة في صدره وعجزه ليست هي الاستثنائية، وإنما هي بمعنى (إن لم) فهي كلمتان (إن) الشرطية و (لا) النافية. مثلها في قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله) . لأن تقدير البيت هكذا: إليك تحث الركائب وإلا، أي وإن لم يحدث عنك فالمحدث كاذب. وأما معناه الذي ذكره، فالاستثناء فيه ظاهر، فعلى هذا فالأليق أن يسمى هذا استثناء معنويا لئلا يتوهم من لا له دربة في العربية، أن (إلا) فيه هي الاستثنائية فيخبط خبط عشواء.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي بناه على أسلوب بيت النميري المقدم ذكره فقال:
فكلما سر قلبي واستراح به ... إلا الدموع عصاني بعد بعدهم
فأخر خبر (كلما) وهو (عصاني) عن الاستثناء، كما أخر النميري مفعول (خلتك) عنه. وقد قال هو في شرح بديعيته: أن في تلك زيادة حلاوة.
وجعل ابن حجة ذلك من العقادة. فما أحقه أن ينشد:
إذا محاسني اللائي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف اعتذر
ومعنى البيت أن كل شيء كان يسره ويستريح به ويطيعه قبل الفراق عصاه بعده إلا الدموع فإنها أطاعته. وفي هذا المعنى من الرقة الزائدة على معنى الاستثناء ما لا يخفى على أهل الذوق.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
الناس كل ولا استثناء لي عذروا ... إلا العذول عصاني في ولائهم
مراده في زيادة معناه على الاستثناء: أن عذوله خرق الإجماع بمعصيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
عفت القدود ولم أستثن بعدهم ... إلا معاطف أغصان بذي سلم
ابن حجة تبجح بهذا البيت، وحق له ذلك، فإنه أجاد فيه ما شاء، فإن زيادة معناه على الاستثناء، وحسن انسجامه، وسهولة ألفاظه، ومراعاة نظيره، لا ينكرها إلا متعنت خارج عن أوصاف الإنصاف. وما أحسن ترشيحه تورية الاستثناء بذكر القد=ود والمعاطف والتكميل بذي سلم لكون القصيدة نبوية، في غاية الكمال.
غير أن لقائل أن يقول: أن مهيار الديلمي كان أغزل منه حيث يقول من قصيدة فريدة:
بانت وبقتني وليس خلفا ... على ظباء رامة وبانها
فما خدعت عن لحاظ عينها ... بما رنا إلي من غزلانها
ولا عتبت عن تثني قدها ... بأن أحالتني على أغصانها
فابن حجة صبا إلى معاطف الأغصان بعد معاطف أحبابه، ومهيار لم يرض بلحاظ الغزلان، وتثني أغصان البان خلفا عن لحظ حبيبته، وتثني قدها، فبين صبابتي الرجلين بعد المشرقين.
وبيت بديعية الطبري قوله:
رفضت جانبهم مما جنوه فلم ... استثن إلا ذوي لطف بصبهم
أنى الوادي فطم على القري. ولله ابن النبيه حيث يقول:
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه ... حلوا فقد جهل المحبة وادعى
وانظر المعنى الزائد على معنى الاستثناء في هذا البيت ما هو؟ فإن ركة لفظه ومعناه لم تبق للسامع جلدا يتأمل به ذلك.
وبيت بديعيتي هو قولي:
سلوت من بعدهم هيف القدود فلم ... استثن إلا غصونا شبهت بهم
زيادة معنى هذا البيت على معنى الاستثناء، ومراعاة نظيره، وترشيح تورية الاستثناء فيه بذكر الهيف، هيف القدود والغصون، مثلها في بيت ابن حجة على حد سواء، غير أن في التكميل بقولي: شبهت بهم، أمرين: أحدهما - التقصي عن الانتقاد الذي أوردناه عليه من أبيات مهيار الديلمي، فإن الاستثناء إنما وقع للغصون التي شبهت بهم، فالاستثناء لها إنما هو من هذه الحيثية لا لمعاطفها وتثنيها، فلولا تشبيهها بهم لم يستثنها ولا أعارها طرفه.
وعلى ذلك فما أرق قول مهيار الديلمي أيضاً:
أراك بوجه الشمس والبعد بيننا ... فاقنع تشبيها بها وتمثلا
واذكر عذبا من رضا بك مسكرا ... فما أشرب الصهباء إلا تعللا
وقوله أيضاً:
إذا استوحشت عيني أنست بأن أرى ... نظائر تصبيني إليها وأشباها
فاعتنق الغصن القويم لقدها ... وأرشف ثغر الكأس أحسبه فاها
والأمر الثاني - إن فيه من المبالغة ما جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا. وهذا فصل من فصول العربية طريف، عقد له ابن جني في كتاب الخصائص بابا وسماه: غلبة الفروع على الأصول، قال: والغرض فيه المبالغة.
فمما جاء في ذلك للعرب قول ذي الرمة:
стр. 194
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... إذا لبسته المظلمات الحنادس
أفلا ترى ذا الرمة كيف جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا؟ وذاك أن العادة والعرف في نحو هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الانقاء، ألا ترى إلى قوله:
ليلى قضيب تحته كثيب ... وفي القلاد رشأ ربيب
فقلب ذو الرمة العرف والعادة في هذا، فشبه كثبات الانقاء بإعجاز النساء، وهذا كأنه يخرج مخرج المبالغة، أي قد ثبت هذا الموضع، وهذا المعنى لإعجاز النساء، وصار كأنه الأصل، فشبه به كثبان الانقاء.
مثله للطائي الصغير - يعين أبا عبادة البحتري -:
في طلعة البدر شيء من ملاحتها ... وللقضيب نصيب من تثنيها
وآخر من جاء به شاعرنا - يعني أبا الطيب المتنبي - فقال:
نحن ركب ملجن في زي ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال
فجعل كونهم جنا أصلا، وكونهم ناسا فرعا، وجعل كون مطاياهم طيرا أصلا، وكونها جمالا فرعا. انتهى ملخصا.
فقولي (إلا غصونا شبهت بهم) من هذا الباب، لأن العرف والعادة تشبيه القدود بالغصون فقلبت ذلك، وجعلت الغصون مشبهة بقدودهم مبالغة.
ومنه أيضاً قولي من قطعة تقدم إنشادها في نوع الافتنان وهو:
في ليلة مدت غياهبها ... من فرعها كالفاحم الجعد
فإن العرف تشبيه الشعر الفاحم بالظلمة، فقلبت ذلك وشبهت الظلمة به.
إذا عرفت ذلك، فالتكميل في بيت بديعيتي باشتماله على هذين المعنيين أكمل منه في بيت ابن حجة والله أعلم.
وبيت بديعية الشرف المقري قوله:
أهوى حياتي إلا حيث لم أرهم ... وأكره الموت إلا في جوارهم
فالمعنى الزائد على معنى الاستثناء في هذا البيت أظهر من أن ينبه عليه.
مراعاة النظير
وقد قصدت مراعاة النظير لهم ... من جلنار ومن ورد ومن عنم
هذا النوع أعني مراعاة النظير، سماه قوم بالتوفيق، وآخرون بالتناسب وجماعة بالائتلاف، وبعضهم بالمواخاة.
قالوا: وهو عبارة عن أن يجمع المتكلم بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد سواء كانت المناسبة لفظا لمعنى، أو لفظا للفظ، أو معنى لمعنى، إذ القصد جمع شيء وما يناسبه من نوعه، أو ملائمة من إحدى الوجوه. انتهى.
ولا يخفى أن هذا التفسير يدخل فيه ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف اللفظ مع اللفظ، وائتلاف المعنى مع المعنى، وكل من هذه الأقسام عده أرباب البديعيات نوعا برأسه، ونظموا له شاهدا مستقلا، وجعلوه مغايرا لهذا النوع، مع أنهم مثلوا لائتلاف اللفظ بما مثلوا به لمراعاة النظير بعينه ولا وجه لذلك، بل كان الصواب تنويع هذا النوع إلى هذه الأنواع الثلاثة كما فعل صاحب التبيان، حيث قال: مراعاة النظير هو أن يجمع بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد، وهو أصناف: الأول - ائتلاف اللفظ والمعنى. والثاني - ائتلاف اللفظ مع اللفظ. والثالث - ائتلاف المعنى مع المعنى. وهذا كتنويعهم اللف والنشر إلى أنواعه المذكورة، والالتفات إلى أنواعه الستة، وغير ذلك من أنواع البديع التي هي تتنوع إلى أنواع. وإذ قد اصطلح أرباب البديعيات على جعل مراعاة النظير نوعا برأسه، وكل من ائتلاف اللفظ والمعنى، وائتلاف اللفظ مع اللفظ، وائتلاف المعنى مع المعنى، نوعا برأسه، فينبغي أن يحد كل منها بحد لا يشمل الآخر.
فيحد مراعاة النظير: بأنه عبارة عن أن يجمع المتكلم بين لفظين أو ألفاظ متناسبة المعاني، أما حقيقة أو ظاهرا. فالأول كقوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) . فالشمس والقمر متناسبا المعنى حقيقة، من حيث اشتراكهما في وصف مشهور، وهو الإضاءة.
والثاني كقول مهيار الديلمي:
ومدير سيان عنياه والإبريق فتكا ولحظه والمدام
فمعنى الإبريق مناسب لمعنى المدام، إذ الإبريق يطلق على إناء الخمر، لكن هذه المناسبة ظاهرية، إذ ليس مقصوده بالإبريق هذا المعنى، بل مقصوده به السيف، سمي بذلك لبريقه، فخرج عن هذا الحد لمراعاة النظير؛ ائتلاف اللفظ مع المعنى، وائتلاف المعنى مع المعنى، وسيأتي كل منهما في محله إن شاء الله تعالى.
стр. 195
وأما ائتلاف اللفظ مع اللفظ فيحد بما ذكره العلامة السيوطي في الإتقان، وهو كون الألفاظ تلائم بعضها بعضا، بأن يقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله، رعاية لحسن الجوار والمناسبة، وهذه المناسبة غير المناسبة التي في مراعاة النظير - كما هو ظاهر - فاستقل كل نوع من هذه الأنواع برأسه، وكان كل منها مغايرا للآخر.
وتكلف الشيخ صفي الدين للفرق بين مراعاة النظير وائتلاف اللفظ مع اللفظ بما يأتي ذكره هناك، ولم يذكر بين النوعين الآخرين وبين مراعاة النظير فرقا، مع شمول حده مراعاة النظير لهما، وعده كلا منهما قسما برأسه.
ومن بديع أمثلة هذا النوع - أعني مراعاة النظير - قول البحتري يصف إبلا أنحلها السري:
يترقرقن كالسراب وقد خض ... ن غمارا من السراب الجاري
كالسقي المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار
فإنه شبه الإبل بالقسي، وأراد أن يكرر التشبيه فكان يمكنه أن يشبهها بالمعراجين والأهلة والأطناب ونحو ذلك، لكنه اختار الأسهم، والأوتار، لمناسبتها للقسي. وترقى في التشبيه، فكأنه قال: إن تلك الإبل المهازيل في شكلها، ودقة أعضائها، شابهت القسي، بل أدق مها وهي الأسهم المنحوتة بل أدق منها وهي الأوتار.
وقد تداول الشعراء هذا المعنى، وتجاذبوا أطرافه، ومن ذلك قول الشريف الرضي ﵁:
هن القسي من النحول فإن سما ... طلب فهن من النجاء الأسهم
أخذه بان قلاقس بأكثر ألفاظه فقال:
خوص كأمثال القسي نواحلا ... فإذا سما طلب فهن سهام
وقال أيضاً:
طرحن العجز عن أعجاز عيس ... توشحها على الحزم الحزاما
وتدفع بالسرى منها قسيا ... فتقذف بلانوى منها سهاما
وقال ابن النبيه:
إن خوص الظلماء أطيب عندي ... بمطايا أمست تشكى كلاله
هن مثل القسي شكلا ولكن ... هن في السبق أسهم لا محاله
ومن أحسن ما ورد من مراعاة النظير أيضاً قول ابن خفاجة يصف فرسا:
وأشقر تضرم منه الوغى ... بشعلة من شعل الباس
من جلنار ناضر جلده ... وأذنه من ورق الآس
فناسب بين الجلنار والآس والنضارة ومثله قول أبي نواس:
يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب
يبكي فيذري الدمع من نرجس ... ويلطم الورد بعناب
وقول ابن المعتز:
ومهفهف ألحاظه وعذاره ... يتعاضدان على قتال الناس
سفك الدماء بصارم من نرجس ... كانت حمائل غمده من آس
وقول أبي الحسن السلامي:
أو ما ترى طرز البروق توسطت ... أفقا كأن المزن فيه شفوف
واليوم من خجل الشقيق مضرج ... خجل ومن مرض النسيم ضعيف
والأرض طرس والرياض سطوره ... والزهر شكل بينها وحروف
فناسب بين الطرس والسطور، والشكل والحروف.
ومثل قوله أيضاً من قصيدة أخرى:
أشربا واسقيا فتى يصحب الأي ... أم نفسا كثيرة الأوطار
والنفوس الكبار تأنف للسا ... دة أن يشربوا بغير الكبار
في جوار الصبا نحل بيوتا ... عمرت بالغصون والأقمار
ونصلي على أذان الطنابي ... ر ونصغي لنغمة الأوتار
بين قوم إمامهم ساجد لل ... كاس أوراكع على المزمار
فناسب بين الصلاة والآذان، والسجود والركوع.
وقوله أيضاً:
والنقع ثوب بالسيوف مطرز ... والأرض فرش بالجياد مخمل
وسطور خيلك إنما ألفاتها ... سمر تنقط بالدماء وتشكل
فناسب بين الثوب والتطريز، والفرش والتخميل، وبين السطور والألفات والنقط والشكل.
ومثل هذه المناسبة قول الوزير الطغرائي:
لبس شفوف النقع تخمل بالقنا ... عليهن إضريج من الدم مخضوب
عليها سطور الضرب يعجمها القنا ... صحائف يغشاها من النقع تثريب
فناسب في البيت الأول: بين اللبس والشفوف والخمل، والإضريج - بالضاد المعجمة والراء المهملة والياء المثناة من تحت والجيم - وهو الخز الأحمر. وفي الثاني: بين السطور والإعجام، والصحائف والتثريب.
ومن جيد هذا النوع قول السلامي أيضاً:
الحب كالدهر يعطينا ويرتجع ... لا اليأس يصرفنا عنه ولا الطمع
صحبته والصبا يغري الصبابة بي ... والوصل طفل غرير والهوى يفع
стр. 196
أيام لا النوم في أجفاننا خلس ... ولا الزيارة من أحبابنا لمع
إذ الشبيبة سيفي والهوى فرسي ... ورايتي اللهو واللذات لي شيع
وما ألطف قول ابن الساعاتي في مثل هذه المناسبة:
السحب رايات ولمع بروقها ... بيض الظبا والأرض طرف أشهب
والند قسطلة وزهر شموعنا ... صم القنا والفحم نبل مذهب
وما أبدع قول بعضهم في آل بيت النبي صلوات الله عليهم:
أتنم بنو طه ونون والضحى ... وبنو تبارك والكتاب المحكم
وبنو الأباطح والمشاعر والصفا ... والركن والبيت العتيق وزمزم
فإنه أحسن في المناسبة في الأول: بين أسماء السور، وفي الثاني: بين الجهات الحجازية.
ومثله قول الآخر في بني هاشم:
بني هاشم عفو عفا الله عنكم ... وإن كان ثوبي حشوه اليوم مجرم
لكم حرم الرحمن والبيت والصفا ... وجمع وما ضم الحطيم ومزم
فإن قلتموا باديتنا بعظيمة ... فأحلامكم فيها أجل وأعظم
وقول ابن رشيق:
أصح وأقوى ما رويناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
فأجاد ما شاء في المناسبة بين الصحة والقوة، والرواية والخبر المأثور، ثم بين السيل والحياء، والبحر وكف تميم، لما شاع بين الشعراء من جعل كف الممدوح سحابا وبحرا ونحوهما، مع ما فيه من حسن الترتيب في الرتقي، إذ جعل الرواية لصاغر عن كابر كما يقع في سند الأحاديث. فإن السيول أصلها المطر، والمطر أصله البحر (على ما يقال) والبحر أصله كف الممدوح على ادعاء الشاعر، مع رعاية العنعنة المستعملة في الأسانيد.
قال ابن حجة في باب المناسبة - بعد ذكره هذين البيتين - أقول: إنني زاحمت ابن رشيق هنا بالمناكب، وأبطلت موانع التعقيد لما دخلت معه إلى هذه المطالب، وما ذاك إلا أنني امتدحت شيخي علاء الدين القضامي بموشح ببيت مخلصه تحفة في هذا الباب، لأن مناسبته المعنوية رفعت عن وجه محاسنها الحجاب، وهو:
رقم السوالف يروي لي بمسنده ... عن رقمتي حيهم يا طيب مورده
وثغرها قد روى لي قبل ما احتجبت ... عن برق ذاك النقا أيام معهده
والريق أمسى عن المرد ... يروي حديث العذيب مسند
عن الصفا عن مذاق الشهد والعسل ... عن ذوق سيدنا قاضي القضاة علي
قال: وقد حبست عنان القلم عن الاستطراد إلى وصف محاسن هذا البيت، ومناسبته المعوية، فإن برهانه غير محتاج إلى إقامة دليل. انتهى كلامه.
قلت: هيهات، أين الثريا من الثرى، وأين مطلع سهيل من موقع السيل، على أن هذه الرواية المعنعنة التي ذكرها في مخلصه هذا إنما كانت تحسن عن ذوق المحبوب، لا ذوق الممدوح، وهذا من الغلط بوضع الكلام في غير موضعه.
كما قالوا في قول المتنبي:
أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين
قالوا: إن هذه الغيرة إنما تكون بين المحب والمحبوب، كما قال كشاجم:
أغار إذا دنت من فيه كأس ... على رد يقبله زجاج
فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاهها، اللهم إلا أن يكون بين ابن حجة وبين شيخه الممدوح أمر يقتضي هذه الرواية المعنعة عن ذوقه، فهو أدرى به.
ومن محاسن هذا النوع أيضاً قول ابن الخشاب في المستضيئ:
ورد الورى سلسال جودك فارتووا ... ووقفت دون الورد وقفة حائم
ظمآن أطلب خفة من زحمة ... والورد لا يزداد غير تزاحم
قال صاحب التبيان: انظر إلى هذين البيتين فإنهما كادا يجريان مع الماء في السلاسة، مع أن قائلهما لم يتجانف فيهما عن حكاية الماء، وما يناسبه، حتى عد فيهما ائتلاف عشر. انتهى. أي ائتلافا بين عشرة أشياء، هي: الورد، والسلسال، والارتواء، والورد، والحائم، والظمأ، والخفة؛ والزحمة، ثم الورد مرة أخرى والتزاحم.
وقال أبو العلاء المعري:
دع اليراع لقوم يفخرون به ... وبالطوال الردينيات فافتخر
فهن أقلامك اللاتي إذا كتبت ... مجدا أتت بمداد من دم هدر
فناسب بين الأقلام والكتابة والمداد.
ومثله قول أبي العشائر:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط
لرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط
стр. 197
ألفاظ المناسبة في هذا أكثر كما لا يخفى، فإنها هناك ثلاثة، وهنا خمسة.
ومن أعجب ما وقع في هذا النوع قول الشريف الرضي ﵁:
حيرني روض على خده ... ويلي من ذاك وويلي عليه
أي جنى يقطف من حسنه ... وكل ما فيه حبيب إليه
نرجستي عينيه أم وردتي ... خديه أم ريحانتي عارضيه
هذا هو الشعر الذي قيل فيه: إنه أرق أنفاسا من نسيم السحر، وأدق اختلاسا من النفاث إذا سحر.
وقول ابن زيلاق في مليح محروس بخادم:
ومن عجب أن يحرسوك بخادم ... وخدام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحان وثغرك جوهر ... وخالك ياقوت وخدك عنبر
فناسب بين العذار والثغر، والخال والخد، وبين ريحان وجوهر، وياقوت وعنبر، لوضعها غالبا أسماء للخدام.
وما أحسن قول الزغاري في هذا النوع:
كأن السحاب العز لما تجمعت ... وقد فرقت عنا الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب وكف الريح حالب ضرعها
فإنه أتى بالتشبيه الغريب، وحسن المناسبة العديمة النظير في مراعاته مع حلاوة الانسجام، ولطف المعنى.
ومن بديعه قول الشيخ عمر بن الفارض:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة ... سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
لها البدر كأس وهي شمس يديرها ... هلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
فأبدع في المناسبة بين البدر والشمس والهلال والنجم، وبين الكأس والإدارة والمزج.
ومن الغايات التي حسرت دونها سوابق الأفكار في هذا النوع البديع، قول البديع الهمداني من قصيدة يمدح بها خلف بن أحمد وإلى سجستان مطلعها:
سماء الدجى ما هذه الحدق النجل ... أصدر الدجى حال وجيد الضحى عطل
وبعده يصف طول السرى وهو المقصود بالإثبات هنا:
لك الله من عزم أجوب جيوبه ... كأني في أجفان عين الردى كحل
كأن الدجى نقع وفي الجو حومة ... كواكبه جند طوائرها الرسل
كأن مطايانا سماء كأننا ... نجوم على أقتابها برجنا الرحل
كأن السرى ساق كأن الكرى طلا ... كأنا له شرب كأن المنى نقل
كأن الفلا ناد به الجن فتية ... عليه الثرى فرش حشيته رمل
كأنا جياع والمطي لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن السرى أكل
كأن ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل
كأنا على أرجوحة في مسيرنا ... بغور بنا يهوي ونجد بنا يعلو
ومنها في وصف براعته، ودواته ويراعته، ولم يخرج عما نحن فيه:
كأن غمي قوس لساني له يد ... مديحي له نزع به أملي نبل
كأن دواتي مطفل حبشية ... كأني لها بعل ونقشي لها نسل
كأن يدي في الطرس غواص لجة ... له كلمي در به قيمي تغلو
تأمل أيها الناظر في هذه العارضة القوية، والملكة التي لا يستطيعها ذو بديهة ولا روية، فإنه ما شاد بيتا إلا وعمره بمحاسن مراعاة النظير، وأسكن فيه ما يلائمه من المناسبات التي يحسدها الروض النضير. وأنا ما زلت معجبا بهذه القصيدة أشد الإعجاب، مشغوفا بمحاسنها التي ما خرق مثلها للسمع حجاب.
وقد عن لي أن أثبت بقية ما حضرني منها هنا، لينتظم شملها بما قبلها ويتملى بها من أراد أن يتأملها - وإن كان بعضها قد سبق ذكره في نوع التفويف - فما أحسن قوله بعد ما تقدم من التشبيه يذكر أباه بهمدان، واستقباله الحجيج للسؤال عن خبره، والبحث عن وطنه ووطره.
ثم تخلص إلى المديح أحسن تخلص، وجاء من المديح بما بهر الألباب، واستفز أولي الآداب، وهو:
يذكرني قرب العراق وديعة ... لدى الله لا يسليه مال ولا أهل
حنته النوى بعدي وأضنته غيبتي ... وعهدي به كالليث جؤجؤه عبل
إذا ورد الحجاج لاقى رفاقهم ... بفوارتي دمع هما النجل والسجل
يسائلهم أين ابنه كيف داره ... إلى م انتهى لم لم يعد هل له شغل
أضاقت به حال أطالت له يد ... أأخره نقص أقدمه فضل؟
يقولون وافى حضرة الملك الذي ... له الكنف المألوف والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبي ... وخير له قصر ودر له نزل
يذكرهم بالله ألا صدقتم ... لدي أجد ما تقولون أم هزل؟
كأن أبانا أودع الملك الذي ... قصدناه كنزا لم يسع رده مطل
стр. 198
ولما بلوناكم تلونا مديحكم ... فيا طيب ما نبلو ويا صدق ما نتلو
طوينا لرؤياك الملوك وإنما ... بمثلك عن أمثالهم مثلنا يسلو
فدى لك من أبناء دهرك من غدا ... ولا قوله علم ولا فعله عدل
فيا ملكا أدنى مناقبه العلى ... وأيسر ما فيه السماحة والبذل
هو البدر إلا أنه البحر زاخرا ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
محاسن يبديها العيان كما ترى ... فإن نحن حدثنا بها دفع العقل
فقولا لو سام المكارم باسمه ... ليهنك إذ لم تبق مكرمة غفل
وجاراك أفراد الملوك إلى مدى ... وحقا لقد أعجزتهم ولك الخصل
سما بك من عمرو بن يعقوب محتد ... كذا الأصل مفخوراً به وكذا النسل
هذا هو الشعر الذي يخجل الدرر في الأسلاك، بل الدراري في الأفلاك. ولا غرو فهذا البديع هو إمام المقامات الذي صلى الحريري خلفه، وأشار إليه في ديباجة مقاماته بقوله: إن التصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف إلا من فضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته ولله القائل:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
فإن البديع هو الذي أبدع المقامات، فأملى أربعين مقامة، عزا إلى أبي الفتح الإسكندري نشأتها، وإلى عيسى بن هشام روايتها، وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام، وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام، وجد يروق فيملك القلوب، وهزل يشوق فيسحر العقول. فقفى الحريري إثر عيسى بن هشام بالحرث ابن همام، وأثر الإسكندري بأبي زيد السروجي.
وسئل بعض علماء الأدب عن الحريري والبديع في مقاماتهما فقال: لم يبلغ الحريري أن يسمى بديع يوم، فكيف يقارب بديع الزمان.
رجع إلى ما نحن بصدده من حسن المناسبة في مراعاة النظير.
فمن المستحسن منه قول بديع الزمان أيضاً في الاعتذار من النحافة:
هلم إلى نحيف الجسم مني ... لتنظر كيف آثار النحاف
ولي جسد كواحدة المثاني ... له كبد كثالثة الأثافي
وما أحسن ما ناسب بين ألفاظ الأعداد وترقى فيها من الواحد إلى الثلاثة على ترتيبها، بمعنى يجمعها ويضم أطرافها. قال الباخرزي في الدمية: ولا يكاد ينقضي إعجابي بهذا البيت.
ومنه قول أبي منصور الثعالبي:
طالع يومي غير منحوس ... فسقني يا طارد البوس
خمرا كعين الديك في روضة ... كأنها حلة طاووس
وما ألطف وأبدع قول ابن مطروح:
لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل
ومثله قول العماد التلمساني:
شقت عليك يد الأسى ... ثوب الدموع إلى الذيول
وأبدع القاضي الفاضل في قوله:
في خده فخ لعطفة صدغه ... والخال حبته وقليب الطائر
ومنه قول الأديب أبي القاسم بن العطار:
وسنان ما أن يزال عارضه ... يعطف قلبي كعطفة اللام
لحاظه أسهم وحاجبه ... قوس وإنسان عينه رام
وقول التهامي:
وعصابة مال الكرى برؤوسهم ... ميل الصبا بذوائب الأغصان
ما أحلى ما ناسب بين العصابة والرؤوس والذوائب. قال الصفدي: وهذا المعنى والألفاظ تكاد ترقص لها السطور، وتحلى بدرره الترائب من الغواني والنحور.
وما أعلم مثله في بديع صناعته غير قول أبي الطيب المتنبي:
على سابح موج المنايا ببحره ... غداة كأن النبل في صدره وبل
فإنه ناسب فيه بين السابح والموج، والبحر والوبل.
ومنه قول الأديب الفاضل شرف الدين يحيى العصامي من فضلاء العصر:
سفينة أشعار هي البحر درها ... نتائج أفكار وشتى معارف
بها اللفظ كأس والمعاني مدامة ... وما ذاق منها نشوة غير عارف
وعلى ذلك فما ألطف قوله أيضاً:
رأى سقم الكتاب فمال عنه ... سقيم الجفن ذو حسن بديع
فقلت له فدتك النفس هلا ... مراعاة النظير من البديع
ومما وقع لي من هذا النوع قولي من قصيدة طويلة مدحت بها الوالد:
كأن المذاكي المقربات يقودها ... عرائس تجلى إذ يراد لها زف
وقد أسدلت من ثائر النقع دونها ... ستور ولم يرفع لمسد لها سجف
فناسب بين العرائس والزف، والستور والأسدال والسجف.
стр. 199
وقولي في مطلع قصيدة أخرى خمرية:
طاف بدر الدجى بشمس الكؤوس ... في نجوم من الندامى جلوس
وقلت بعده:
فكأن المدام في الكأس إذ تج ... لى سراج يضيء في فانوس
قهوة عسجدية من كناها ... بنت رأس مقرها في الرؤوس
هي لهو لنا إذا حلت الكا ... سولاه في دنها للمجوس
لقبت بالعجوز وهي عروس ... فاعجب اليوم للعجوز العروس
هذا المعنى ما أظن أني سبقت إليه، ولا زاحمني أحد عليه، وكررته في قصيدة خمرية أخرى.
فقلت:
جليت كالعروس وهي عجوز ... من عذيري من العروس العجوز
وقلت بعد البيت السابق وفيه شاهد لما نحن فيه أيضاً:
قام يسعى بها كعين الديك ساق في حلة الطاووس
ذو دالالة يبدي نفيس جمال ... فيفدى بغاليات النفوس
راضه السكر فاقتنى الرشأ الوحشي أنسا من خلقه المأنوس
بين حور من الحسان بدور ... وحوال من الغواني شموس
ورياض بها الأقاح ثغور ... يتبسمن في الزمان العبوس
يا ليالي الهنا إلينا فأنا ... في زمان المدام من كل بوس
قد حسونا من السلاف رضابا ... ورشفنا الثغور رشف الكؤوس
وجمحنا عن الهموم شماسا ... مذ غدونا على الكميت الشموس
هذا أيضاً فيه حسن المناسبة بين الجموح والشماس، والكميت والشموس.
وأما النوع الثاني من مراعاة النظير، وهو ما كانت المناسبة فيه ظاهرية فأعظم شواهده قول أبي العلاء المعري:
وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيره النقط
فإنه ناسب بين حروف الهجاء والرسم والنقط، ومقصوده غيرها، لأنه أراد (بالحرف) الناقة و (بالراء) الراكب الذي يضرب رئتها، و (بالدال) الرافق بها، و (بالرسم) رسم المنزل، و (بالنقط) المطر.
ومثله قوله أيضاً:
إذا صدق الجد افترى العم للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال
فناسب في الظاهر بين الجد الذي هو أب الأب، والعم الذي هو أخوه، والخال الذي هو أخو الأم، وليس ذلك مقصوده، بل أراد (بالجد) الحظ و (بالعم) الجماعة من الناس، و (بالخال) الظن. ولا يخفى أن هذا النوع من التورية، وسيأتي الكلام عليه في محله إنشاء الله تعالى.
واعلم أن الشاعر متى أدخل بين الألفاظ المناسبة لفظا غير مناسب عد نقصا وعيبا كما عيب على أبي نواس قوله:
قد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب
برب زمزم والحو ... ض والصفا والمحصب
فإن ذكر الحوض هنا غير مناسب للمذكورات، وإنما يناسب الحشر والميزان والسراط.
وكذا يعاب على الشاعر إذا قرن بين لفظين غير متناسبين. كما حكى ابن جني أنه اجتمع الكميت مع نصيب، فأنشد الكميت (هل أنت عن طلب الإيفاع منقلب) .
حتى إذا بلغ إلى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب
عقد نصيب بيده واحدا، فقال الكميت: ما هذا؟ فقال: أحصي خطأك تباعدت في قولك: الدل والشنب.
ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
وهذا مما يدلك على أن المحسنات البديعية كانت معتبرة عند العرب وأنهم يهتمون بها ويعدون خلافها خطأ وعيبا في الكلام.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
تجار لفظ إلى سوق القبول بها ... من لجة الفكر تهدي جوهر الكلم
المناسبة فيه بين التجار والسوق، واللجة والجوهر.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
يروي حديث الندى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهل ومبتسم
قال رفيق الناظم - أبو جعفر - شارح هذه البديعية: العنعنة في البيت ب (عن) تناسب الرواية في الحديث، والندى والبشر فيهما مناسبة الكرم. انتهى.
قال ابن حجة: هذا لعمري جهد من لا جهد له، وإلا فهذا البيت ما رأيت له وجها تظهر به مراعاة النظير، ولا بينه وبين النسبة البديعية نسب ثابت. انتهى.
وأنا أقول: إن المناسبة في البيت أظهر من أن تخفى، ولا أعلم كيف لم يبينها الشارح بأكثر مما ذكر. فإن بين الرواية والحديث وعن مناسبة - كما قال - وبين البشر والوجه والابتسام مناسبة أخرى ظاهرة لم ينبه عليها الشارح، ولم يرها ابن حجة، مع أن الأعمى إنما هو الناظم.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
стр. 200
وارع النظير من القوم الآلي سلفوا ... من الشباب ومن طفل ومن هرم
المناسبة فيه ظاهرة وهي بين الشباب والطفل والهرم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ذكرت نظم اللآلي والحباب له ... راعى النظير بثغر منه منتظم
المناسبة بين نظم الآلي والحباب والثغر المنتظم، ومعنى البيت أنه ذكر الآلي والحباب لمحبوبه، فراعى النظير بثغر منه منتظم، كأنه تبسم عند ذكر ذلك له.
فكان يجب عطف قوله: راعى النظير (بالفاء) على قوله (ذكرت) كما قدرناه ليفهم المعنى ويصح التركيب، والوصل بين الجملتين بالعطف متعين في مثل هذا التركيب عند أرباب المعاني، وبسبب هذا الفصل خفي معنى البيت على بعض الأدباء، فأعرب الحباب مبتدأ، وجعل قوله: راعى النظير خبره وأعاد الضمير المستتر (في راعى) على الحباب، واستعار له الثغر، وهذا خبط منه سببه هذا الفصل القبيح والصواب ما ذكرناه أولا.
ولا أعجب إلا من إعجاب ابن حجة بهذا البيت حتى قال: إن مهجته ذابت لعدم الإطناب في مدحه، مع أن ما ذكره فيه فوق الإطناب والله أعلم.
والشيخ عبد القادر الطبري جمع بين هذا النوع والتخلص في بيت واحد فقال:
راعي النظير طوى نشر العلى عملا ... رام التخلص للمختار في الأمم
ليس في هذا البيت من مراعاة النظير شيء أصلا غير الاسم، وأما قوله: طوى نشر العلى فهو مطابقة لا مناسبة، وقد تقدم تقييدهم المناسبة في هذا النوع بكونها لا بالتضاد، احترازا من المطابة. وأما معنى البيت فعلمه عند ربه. وما أقبح هذا التخلص الذي أتى به، فإن الاقتضاب أحسن منه بكثير.
وبيت بديعيتي هو قولي:
وقد قصدت مراعاة النظير لهم ... من جلنار ومن ورد ومن عنم
المناسبة بين الجلنار والورد والعنم ظاهرة، لكن في تناسب هذه الثلاثة في اللون وهو الحمرة مناسبة معنوية أخرى، والعنم قال في القاموس: شجرة حجازية لها ثمرة حمراء يشبه بها البنان المخضوب.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
قلبي الكليم بموسى اليأس من خضر ... هود بإسحاقه عيسا خليلهم
مراعاة المناسبة في هذا البيت من النوع الثاني من مراعاة النظير، فإنه ناسب في الظاهر بين أسماء الأنبياء ﵈، ومقصوده غيرها.
قال ناظمه في شرحه: معناه، قلبي الكليم، أي الجريح، بموسى اليأس هنا ضد الرجاء واستعار له موسى يجرح بها، وقوله: من خضر، صفة محبوبه. ثم قال: (هود بإسحاقه عيسا خليلهم) فعيسا: تثنية عيس وهي الإبل، والإسحاق: الإبعاد، وهاد: إذا رجع.
يقول: إن الإبل هود بإبعاده، أي راجعة بإبعاده. يقال: هادت الإبل تهود هودا، فهي هود، إذا رجعت. انتهى بنصه.
ولعمري لقد تكلف الشيخ في هذا البيت ما شاء، والسهولة والانسجام غير هذا.
التوجيه
رفعت حالي إليهم إذ خفضت وقد ... نصبت طرفي إلى توجيه رسلهم
التوجيه، قال ابن حجة: مصدر توجه إلى ناحية كذا، إذا استقبلها وسعى نحوها. انتهى.
وهو غلط واضح دل على عدم معرفته باللغة والصرف، وإنه كان فيهما راجلا جدا، إذ لا يخفى على أصغر الطلاب أن التوجيه مصدر وجهه إلى كذا توجيها، كما يقال: وجهت وجهي لله سبحانه. وقد يقال: وجهت إليك، بمعنى توجهت، لازما. وأما توجه، فمصدره التوجه، وهذا أمر قياسي ولا يحتاج فيه إلى سماع.
قال ابن مالك في الخلاصة:
وغير ذي ثلاثة مقيس ... مصدره كقدس التقديس
وزكه تزكية وأجملا ... إجمال من تجملا تجملا
قال ابنه في شرحها: إن كان الفعل على فعل فمصدره من الصحيح اللام، على تفعيل نحو قدس تقديسا، وعلم تعليما. ومن المعتل على تفعلة، نحو زكى تزكية، وغطى تغطية. وإن كان على تفعل فمصدره على تفعل، نحو تجمل تجملا، وتعلم تعلما، وتفهم تفهما. انتهى.
وابن حجة لم يتعلم ولم يتفهم، فجعل التوجيه مصدر توجه، قولا بغير علم.
وأما التوجيه في اصطلاح البديعيين فهو عند جماعة كالسكاكي، والخطيب والطيبي اسم لمسمى الإبهام المتقدم ذكره، وهو إيراد الكلام محتملا لمعنيين متضادين لا يتميز حدهما عن الآخر، كالمديح والهجاء وغيرهما، والإبهام عند هؤلاء: اسم مرادف للتورية لا لهذا المعنى.
стр. 201
وجاء جماعة من المتأخرين فجعلوا الإبهام اسما لإيراد الكلام محتملا لمعنيين متضادين، لأنهم رأوا أن هذا الاسم أليق بهذا المسمى من التوجيه وقد مر الكلام على الإبهام بهذا المعنى مستوفى في محله مع ذكر شواهده. وجعلوا التوجيه عبارة عن أن يؤلف المتكلم مفردات بعض كلامه أو جمله، ويوجهها إلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، أو قواعد العلوم، أو غيرها توجيها مطابقا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقي بخلاف التورية. وبهذا يظهر الفرق بينه وبين التورية خلافا لمن أدخله فيها. وسيأتي مزيد بيان للفرق بينهما في أواخر هذا الباب إن شاء الله تعالى.
وهذا الحد للتوجيه هو مذهب الشيخ صفي الدين الحلي، وعليه نشج بيت بديعيته، وهي نتيجة سبعين كتابا في هذا الفن، وعلى منواله نسج ابن حجة بديعيته، وكذا الشيخ عبد القادر الطبري، والعلوي، وهو الطريق الذي سلكته أنا أيضاً في بيت بديعيتي كما سيأتي فمن التوجيه بأسماء الأعلام قول الشيخ علاء الدين الوداعي وأجاد ما شاء:
من أم بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن
الشيخ علاء الدين أحرز قصبات السبق في مضمار هذا النوع بهذين البيتين، وأبدى بهذا التوجيه وجوها أسفرت عن محاسن هي شنوف للسمع وقرة للعين، وبمثل طيب هذه الآثار فليتمسك الأديب، وبنحو هذه الرواية فليتوثق الأريب، ولا غرو أن صدرناهما على سائر الشواهد في هذا الباب، فاستحقاقهما للتصدير معترف به عند أولي الألباب.
وما أحسن مناسبته بين القرة والعين، والصلة والكف، والجبر والقلب والسمع والحسن.
أما قرة فقال ابن حجة: هو قرة بن خالد السدوسي. وليس بمتعين لأنه اسم لجماعة من الرواة منهم قرة بن أياس أبو معاوية المزني، له صحبة عنه ابنه، ومنهم قرة بن موسى الهجيمي، وعنه قرة بن خالد، ومنهم قرة بن بشر الكلبي، عن أبي برده، وعنه أخوه إسماعيل بن أبي خالد.
وأما صلة، فقال بن حجة: هو صلة بن أشيم العدوي، كان من كبار التابعين، والأولى أن يكون صلة بن زفر العبسي لأنه أشهر من ذاك وقد روى عن علي ﵇ وعبد الله وعمار.
وأما جابر فهو اسم لجماعة كثيرين من الرواة أعظمهم جابر بن عبد الله صاحب رسول الله ﵌.
وأما الحسن فقال ابن حجة: هو الحسن البصري، وليس بمتعين أيضاً لكثرة الرواة المسمين بهذا الاسم، ومنهم صحابيون، فتخصيصه بالحسن البصري لا وجه له.
والوادعي المذكور صاحب البيتين هو الشيخ علي بن المظفر بن إبراهيم الكندي الإسكندراني.
وعلى ذكره، فقد اتفقت لي نكتة لطيفة لا بأس بذكرها هنا استطرادا وهي: أني كنت في بعض الأيام في مجلس مع بعض الأصحاب، فتجاذبنا أهداب الصحبة والحديث من قديم وحديث، فكان في جملة ما حدثني به أن قال: أني دخلت شيراز في أيام الشبيبة مع رفقة لي فرأينا في بعض مساجدها أيام مولد النبي ﵌ شيخا كبيرا من أهل العجم أناف سنه على التسعين، وجف من ماء عمره العذب المعين، وهو يقرأ في المولد، فبينا نحن جلوس إذ وضع عمامته عن رأسه فبدت له ذؤابة بيضاء تنوس عذبتها. قال: فاستغربنا في الضحك من ذلك، إذ لم نعهد الذؤابة في بلادنا إلا للصبيان، فضحكت أنا من هذه الحكاية، واستطرفت هذه الرواية.
فلم يمض على ذلك يوم أو يومان حتى وقفت في الدرر الكامنة - تاريخ أهل المائة الثامنة - للحافظ بن حجر العسقلاني، على ترجمة الشيخ علاء الدين الوداعي المذكور، وقال فيها: وكانت له ذؤابة بيضاء إلى أن مات، وفيها يقول:
يا عائبا مني بقاء ذؤابتي ... مهلا فقد أفرطت في تعييبها
قد واصلتني في زمان شبيبتي ... فعلام أقطعها أوان مشيبها
فتعجبت في نفسي من هذا الاتفاق، وقلت: إن هذين البيتين قاما لذلك الرجل العجمي مقام العذر، وكان له أسوة في إبقاء ذؤابته بالشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى.
قال ابن حجة: كانت وفاة الشيخ علاء الدين المذكور في رجب سنة ست عشرة وسبعمائة.
قال: وكان شديدا في مذهب التشيع رحمه الله تعالى. انتهى.
رجع. ومن التوجيه بأسماء الأعلام أيضاً قول ابن النقيب يهجو:
أرح ناظري من عابس الوجه يابس ... له خلق صعب ووجه مقطب
стр. 202
أقول له إذ آيستني صفاته ... وإن قيل أني في المطابع أشعب
متى يظفر الآتي إليك بسؤله ... وينجح من مسعاه قصد ومطلب
ولومك سيارٌ وشرك ياسر ... ووجهك عباس وخلقك مصعب
وقول محي الدين بن عبد الظاهر يصف نهرا:
إذا فاخرته الريح ولت عليلة ... بأذيال كثبان الربى تتعثر
به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر
ومثله قول بعضهم:
بخالد الأشواق يحيى الدجى ... يعرف هذا العاشق الوامق
خذوا حديث الوجد عن جعفر ... من دمع عيني إنه الصادق
وقلت أنا في التوجيه بأسماء الرواة:
صح عن جوده حديث العطايا ... مستفيضا ما بين باد وقار
كم رجاء فيه روى عن وفاء ... عن عطاء عن واصل عن يسار
فرجاء اسم لعدة من الرواة. ووفاء، هو وفاء بن شريح المصري، رو عن رويفع بن ثابت وغيره، وعنه بكر بن سوادة، وزياد بن نعيم. وعطاء اسم لاثنين وعشرين راويا، منهم جلة أعلام كعطاء بن أبي رباح، وابن السائب الثقفي الكوفي، وعطاء بن يسار، كان من كبار التابعين. وواصل، اسم جماعة من الرواة أيضاً، منهم واصل بن حيان الأسدي، وابن السائب الرقاشي وابن عبد الأعلى. ويسار جماعة، منهم يسار بن زيد مولى النبي ﵌، روى عن أبيه وعنه ابنه بلال، ويسار أبو نجيح روى عن ابن عباس وابن عمر.
فهذه خمسة من أسماء الرواة وقع بها التوجيه مع تمام المناسبة بينها وبين المعنى المقصود.
ومنه قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي من قصيدة يمدح بها الوالد:
كم للزمان ولا أخشى بوائقه ... من ضنةٍ ولعين الملك من جود
عف الشبيبة ميمون النقية منصور الكتيبة مأمون المواعيد
ومما علق بخاطري من هذه القصيدة قوله:
أخلاق أحمد في تقوى أبي حسن ... وحسن يوسف في ملك ابن داود
لا يحسن الشعر غلا في مدائحه ... كالدر أحسن ما يبدو على الجيد
ومن التوجيه بأسماء القبائل قول زين الدين بن الوردي وأجاد:
هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي فيه عذاب مذاب
رأسي بنو شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب
ومن التوجيه بأسماء الرجال أيضاً قول بعضهم في الخمر:
تخبر عن نافع فإن قرأت ... لابن كثير روت لعباس
فهي لنا شمسة الزمان فما ... تكسف إلا بعقدة الرأس
وقول بعضهم:
سهري من المحبوب أصبح مرسلا ... وأراه متصلا بفيض مدامعي
قال الحبيب بأن ريقي نافع ... فاسمع رواية مالك عن نافع
وقول الوزير مؤيد الدين العلقمي رحمه الله تعالى:
ثراؤك موهوب وبرك كامل ... وحظك مسعود وفضلك منجح
وفعلك محمود ورأيك صالح ... ووجهك وضاح وسعيك مصلح
وطبعك مشكور وعرضك سالم ... وجدك منصور وراجيك مفلح
ومن التوجيه بأسماء الكتب أيضاً قول بعضهم:
وظبي معانيه معان بديعة ... له حار فكري إذ حوى كل معجز
قرأت مقامات الحريري كلها ... بعارضه مشروحة للمطرزي
وقول تقي الدين السروجي:
تفقهت في عشقي لمن قد هويته ... ولي فيه بالتحرير قول ومذهب
وللعين تنبيه به طال شرحه ... وللقلب منه صدق ود مهذب
وقول أمين الدين السليماني:
لو أنه الكشاف من لمع الهوى ... لرأى مفصل ذا الغرام ومجمله
أو لو رأى إيضاح نور جبينه ... جعل الوصال لعاشقيه تكمله
وقول بعضهم دوبيت:
الصب بحبكم عراه الوله ... في طوع هواكم عصى عذله
إيضاح غرامه غدا تكملة ... إذا صار مفصل الهوى مجمله
ومن التوجيه بأسماء سور القرآن قول السراج الوراق:
كل قلب علي كالصخر ملآ ... ن وهيهات أن تلين الصخور
مغلق الباب ما تلا سورة الفت ... ح وقاف من دونها والطور
وقول الشيخ علي بن ملك: ت
ألا يا بني الروم القتال فدونكم ... فأنا تدرعنا الحديد إلى الحشر
ولا زال آي الفتح تتلو رماحنا ... وأسيافنا تتلو بها سورة النصر
وقول الشيخ عبد الرحمن العباسي:
وزلزلة كادت تهد بعزمها ... أقاليم لا يبقى لها أبدا أثر
وواقعة قد صار منها تغابن ... على الروم لا تنفك أو يحصل الحشر
стр. 203
لقد سئموا وقع الحديد فلا يرى ... لهم همة نحو القتال ولا كر
فائدة - قال الحافظ السيوطي في الإتقان: التوجيه بالألفاظ القرآنية في الشعر وغيره جائز بلا شك.
وروينا عن الشريف تقي الدين الحسيني أنه لما نظم قوله:
مجاز حقيقتها فاعبروا ... ولا تعمروا هونوها تهن
وما حسن بيت له زخرف ... تراه إذا زلزلت لم يكن
خشي أن يكون ارتكب حراما باستعماله هذه الألفاظ القرآنية في الشعر فجاء إلى شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد ليسأله عن ذلك، فأنشده إياهما فقال له: قل (فما حسن كهف له زخرف) ، فقال له: يا سيدي أفدتني وأفتيتني. انتهى.
ولابن جابر قصيدة في التوجيه بجميع أسماء السور مدح بها النبي ﵌ وأولها:
في كل فاتحة للقول معتبره ... حق الثناء على المبعوث بالبقرة
وهي قصيدة طويلة ذكرها رفيقه في شرح بديعيته فلا حاجة بذكرها هنا، وعارضها جماعة فما شقوا لها غبارا.
وما أحسن قول الآخر:
لي عبرة في المرسلات ومهجة ... في النازعات ومقلة في هل أتى
ومثله قول محمد بن عيسى الخالدي:
في النازعات غدا من باب يعشقكم ... والعاديات عليه منكم الحدق
وبالحديد تلاقوه إذا انفطرت ... أكباده وهو بالإخلاص يحترق
والذاريات جفوني حشوها أرق ... والمرسلات على الخدين تستبق
وقول الآخر:
إذا ما غدا مثل الحديد فؤاده ... فو العصر إن العاشقين لفي خسر
ومن التوجيه بأسماء المذاهب قول بعضهم:
قلت وقد لج في معاتبتي ... وظن أن الملال من قبلي
خدك ذا الأشعري حنفني ... وكان من أحمد المذاهب لي
حسنك ما زال شافعي أبدا ... يا مالكي كيف صرت معتزلي
ذكرت ما وقفت عليه في بعض الكتب الأدبية: إن بعض المغفلين سأل بعض العلماء: إن الناس قد اختلفت مذاهبهم، فما مذهب الله تعالى؟ وما مذهب رسول الله ﵌؟ وما مذهب علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵇؟ فقال له: الله مالكي، والنبي شافعي، وعلي إمامي، فاستحسن منه هذا الجواب.
ومن التوجيه بقواعد العلوم قول القاضي شرف الدين المقدسي موجها بألفاظ من قواعد الفقه:
احجج إلى الزهر لتحظى به ... وارم جمار الهم مستنفرا
من لم يطف بالزهر في وقفة ... من قبل أن يحلق قد قصرا
وقول ابن جابر موجها بألقاب الحديث:
قالت أعندك من أهل الهوى خبر ... فقلت أني بذاك العلم معروف
مسلسل الدمع من عيني مرسله ... على مدبج ذاك الخد موقوف
وقلت أنا في ذلك وفيه نكتة لطيفة:
روى لنا المشط حديثا عجبا ... من فرعها الداجي كليل اليل
إذ أرسلته واردا مسلسلا ... فاعجب له من مرسل مسلسل
ومن التوجيه في علم النحو قول البوصيري في البردة:
خفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم
وقول أمين الدين علي السليماني:
أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر
وحاجبه نون الوقاية ما وفت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر
وقوله أيضاً:
نصبت على التمييز إنسان مقلتي ... أشاهد قدا منه نصبا على الظرف
أأخشى فراقا بعدها أو قساوة ... وقد جاء واو الصدغ للجمع والعطف
وقول ابن العفيف التلمساني:
ومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في
كوى القلب مني بلام العذار ... فعرفني أنها لام كي
وما ألطف قول ابن الحنبلي:
ضممت إلى صدري فتاة صغيرة ... لها سحر أجفان خلون عن الذم
فمذ كسرت أجفانها قلت أنها ... على الفتح لم تقدر فمالي سوى الضم
ومن لطيف ما يحكى هنا: أنه كان بالعراق عاملان أحدهما اسمه عمر والآخر اسمه أحمد، وكان عمر عادلا في حكومته، لكنه فقير، وكان لأحمد مال ينفقه على من يسعى له في الولاية. فعزل عمر عن ولايته، واستقر أحمد مكانه بسبب المال.
فقال بعض الشعراء في ذلك:
أيا عمر استعد لغير هذا ... فأحمد بالولاية مطمئن
فإن تك فيك معرفة وعدل ... فأحمد فيه معرفة ووزن
ونحو ذلك قول كمال الدين الشرفي في قاض عزل اسمه أحمد الرازي:
стр. 204
يا أحمد الرازي قم صاغرا ... عزلت عن أحكامك المسرفه
ما فيك إلا الوزن والوزن لا ... يمنعك الصرف بلا معرفه
ومثله قول ابن عنين فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة:
شكى ابن المؤيد من عزله ... وذم الزمان وأبدى السفه
فقلت له لا تذم الزمان ... فتظلم أيامه المنصفه
ولا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفة
وقال الغزي:
غيري له المجد والأيام تقسم بي ... وهي الجديرة بالضيزى من القسم
أظنها أقسمت باسمي لتخفضني ... ولم يكن غير فضلي أحرف القسم
ومن أحسن ما يقع في هذا الباب ما وافقت ألفاظه صفاتها، كأن يكون الموصوف بأسماء أدوات الإعراب لفظة معربة بها.
قال الصلاح الصفدي: لم أر من استعمل هذا المعنى وأتى به كاملا غير الشهاب التلعفري في قوله:
وإذا الثنية أشرقت وشممت من ... أرجائها أرجا كنشر عبير
سل هضبها المنصوب أين حد ... يثها المرفوع عن ذيل الصبا المجرور
فانظر كيف نصب الهضب، ورفع الحديث، وجر ذيل الصبا. وهذا في غاية الحسن مع كمال الانسجام وعدم التكلف في التركيب.
وقد نظم هذا المعنى التلعفري أيضاً فقصر عن هذه الغاية في قوله:
قل للصبا سرا فإن لها شذى ... يضحى لما يفضي إليه مذيعا
يا ذيلها المجرور عن هضب الحمى ال ... منصوب هات حديثها المرفوعا
قلت: وقد شن الغارة الشيخ صفي الدين الحلي على الشهاب التلعفري حيث قال في رياض الميطور بدمشق:
إن جزت بالميطور مبتهجا به ... ونظرت ناضر دوحه الممطور
وأراك بالآصال خفق هوائه ال ... ممدود تحريك الهوى المقصور
سل بأنه المنصوب أين حديثه ال ... مرفوع عن ذيل الصبا المجرور
والشهاب التلعفري أقدم أم الصفي الحلي، لأن التلعفري توفي قبل أن يولد الصفي بسنتين.
وممن نظم هذا المعنى وقصر فيه ابن حجة حيث يقول:
رفعتم قبابا نصب عيني ونحوها ... تجر ذيول الشوق والقلب يجزم
فيا عرب الوادي المنيع جنابه ... وأعني به قليب الذي فيه خيموا
فائدة: - التلعفري نسبة إلى تلعفر - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام، وسكون العين المهملة، وبعدها راء مهملة - قرية من أعمال الشام، ويعرف بهذه النسبة شاعران.
أحدهما أبو الحسن علي بن أحمد التلعفري، كان شاعرا مطبوعا مقتدرا، من أقران أبي الفرج الببغاء وأبي عثمان الخالدي، ونحوهما من مذكوري الشعراء.
ومن شعره ما أنشده له الثعالبي في يتيمة الدهر:
يا راكب العيس قف وعرج ... واقرأ سلامي على بني طي
وقل لهم ظبيكم جفاني ... لما رآني وما معي شي
وأنشد له من قصيدة:
من ذا يدل على الرقاد جفوني ... قد ضاع بين صبابتي وشجوني
أما النجوم فقد ألفن رعايتي ... والعائدات فقد مللن أنيني
وللسلامي فيه هجاء كثير، وسبب ذلك: أن السلامي لما خرج من مدينة السلام ورد الموصل وهو صبي حين راهق. فوجد بها أبا عثمان الخالدي، وأبا الحسين التلعفري المذكور، وأبا الفرج الببغاء، وغيرهم من شيوخ الشعر فلما رأوه عجبوا منه واتهموه بأن الشعر ليس له.
فقال الخالدي: أنا أكفيكم أمره، فاتخذ دعوة جمع الشعراء فيها، وحصل السلامي معهم، فلما توسطوا الشراب، أخذوا في ملاحاته والتفتيش عن قدر بضاعته، فلم يلبثوا أن جاء مطر شديد، وبرد ستر الأرض كثرة، فألقى أبو عثمان نارنجا كان بين أيديهم على ذلك البرد وقال: ي أصحابنا هل لكم في أن نصف هذا؟ فقال السلامي ارتجالا:
لله در الخالدي الأوحد الندب الخطير
أهدى لماء المزن عن ... د جموده نار السعير
حتى إذا صدر العتا ... ب إليه عن حنق الصدور
بعثت إليه بعذره ... مع خاطري أيدي السرور
لا تعذلوه فإنه ... أهدى الخدود إلى الثعور
فلما رأوا ذلك أمسكوا عنه وأخذوا يصفونه بالفضل، ويعترفون له بالحذق إلا التلعفري فإنه أقام على قوله الأول، حتى قال فيه السلامي:
يا شاعرا بسقوطه لم يشعر ... ما كنت أول طامع لم يظفر
لو كنت تعرف والدا تسمو به ... لم تنتسب ضعة إلى تلعفر
تاه ابن نابغة الفوق على الورى ... بقذال صفعان ونكهة أبخر
стр. 205
وبلادة في الشعر تشهد أنه ... تيس ولو نصرت بطبع البحتري
يحلو بأفواه الأنامل صفعه ... حتى كأن قذاله من سكر
وقال فيه أيضاً:
سما التلعفري إلى وصالي ... ونفس الكلب تكبر عن وصاله
ينافي خلقه خلقي فتأبى ... فعالي أن تضاف إلى فعاله
فصنعتي النفيسة في لساني ... وصنعته الخسيسة في قذاله
فإن أشعر فما هو من رجالي ... وإن يصفع فما أنا من رجاله
ولم أقف على تاريخ ولادة التلعفري المذكور ولا وفاته، إلا أنه من أهل المائة الرابعة.
والشاعر الثاني، هو شهاب الدين محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة الشيباني التلعفري، الأديب البارع المشهور ولد بالموصل سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، واشتغل بالأدب، ومدح الملوك والأعيان، وكان خليعا ممتحنا بالقمار، وكلما أعطاه الملك الأشرف شيئا قامر به، فطرده إلى حلب فمدح العزيز فأحسن إليه، وقرر له رسوما، فسلك ذلك المسلك في القمار، فنودي في حلب من قامر الشهاب التلعفري قطعت يده، فضاقت عليه الأرض، فارتحل من حلب إلى دمشق، ولم يزل يستجدي ويقامر حتى بقي في أتون حمام، وفي الآخر نادم صاحب حماة، وله ديوان شعر مشهور.
ومن شعره قوله:
أقلعت إلا عن العقار ... وتبت إلا عن القمار
فالكأس والزهر ليس يخلو ... منه يميني ولا يساري
ومن رقيق شعره قوله أيضاً:
ألا يا صاحبي هذا المصلى ... وتلك ملاعب الظبي الرخيم
فحي وقل سلاما من سليم ... بذي سلم على الرشأ السليم
وسل غزلان وادي بان سلع ... إذا سنحت عن العهد القديم
وعرض بي فما لي من جنان ... يلاقي بي ظبا ذاك الصريم
وفي تلك الخيام هلال خدر ... غرامي في محبته غريمي
روى عن خصره جسمي وأدى ... صحيحا مسند الخبر السقيم
يخاف قضيب قامته انهصارا ... فلم يبرح يميل مع النسيم
وقوله أيضاً:
يا خليلي وللخليل حقوق ... واجبات الأداء في كل حاله
سل عقيق الحمى وقل إذ تراه ... خاليا من ظبائه المختاله
أين تلك المراشف العسليا ... ت وتلك المعاطف العسالة
وليال قضيتها كلآل ... مع غزال تغار منه الغزاله
بابلي اللحاظ والريق والأل ... فاظ كل مدامة سلساله
وسقيم الجفون والخصر والعه ... د فكل تراه يشكو اعتلاله
ونقي الجبين والخد والثغ ... ر فطوبى لمن حسا جرياله
طويل الصدود والشعر والمط ... ل ومن لي بأن يديم مطاله
وقوله أيضاً:
لم أزل مكثرا عليه السؤالا ... وجوابي ما عنده لي سوى لا
كلما رمت رشف معسول فيه ... هز لي من قوامه عسالا
وتثنى عجبا وماس دلالا ... وانثنى معرضا وصال وقالا
كان عهدي بالخمر وهي حرام ... فبماذا صارت لديك حلالا
ما كأني في الحب إلا فقيه ... جئته ابتغي لديه الجدالا
أنا قصدي تقبيله أرشادا ... كان رشفي رضابه أم ضلالا
هازئا بالغصون عطفا وبالكث ... بان ردفا وبالرماح اعتدالا
وبضوء الصباح ثغرا وبالظل ... ماء شعرا وبالبدور جمالا
ما شجاني فقدي لحبة قلبي ... عندما صاغها لخديه خالا
ما ألطف هذا المعنى وأحلاه، وله كل مقطوع لطيف، ومعنى طريف.
وكانت وفاته سنة خمس وسبعين وستمائة. وإنما آثرت إيراد هذه الفائدة هنا لأنه كان وقع في بعض المجالس ذكر الشهاب التلعفري المذكور، فلم يعرف له أحد من الحاضرين ترجمة، ولا فرقوا بينه وبين أبي الحسين التلعفري المقدم ذكره، فأحببت التنبيه على ذلك هنا عندما عن ذكر الشهاب التلعفري، والاستشهاد بشيء من شعره في التوجيه. ولنرجع إلى ما كنا بصدده من أمثلة التوجيه بقواعد النحو.
فمنه قول ابن أبي الإصبع:
أيا قمرا من حسن وجنته لنا ... وظل عذاريه الضحى والأصائل
جعلتك للتمييز نصبا لناظري ... فهلا رفعت الهجر والهجر فاعل
ويحكى أنه دخل رجل مجلس كافور الأخشيدي، ودعا له وقال في دعائه: أدام الله أيام مولانا - بكسر الميم - فتحدث جماعة من الحاضرين في ذلك وعابوا عليه.
فقام أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي اللغوي كاتب كافور وأنشد مرتجلا:
стр. 206
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... أو غص من دهش بالريق أو بهر
فتلك هيبته حالت جلالته ... بين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيام من غلط ... في موضع النصب لا عن قلة النظر
فقد تفاءلت من هذا لسيدنا ... فالفال مأثورة عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن دولته صفو بلا كدر
وما أحسن قول الآخر:
كأن النوى إذا نادت الدمع رخمت ... ولا أثر فيها أجاب على العين
جعل استلزام النوى للبكاء نداء منها للدمع، ولما كان يبكي دما قال: كأن النوى قالت للدمع - على ترخيم المنادي - يا دم.
وقال ابن عنين في الهجاء:
مال ابن ماذة دونه لعفاته ... خرط القتاد أو مناط الفرقد
مال لزوم الجمع منع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد
وقد تقدم في نوع الاقتباس جملة مقنعة من هذا النوع، فلنكتف منه هنا بهذا المقدار.
ومن التوجيه في النحو والعروض قول بعضهم يهجو:
لا تنكروا ما ادعى الأديب فلا ... ن من الشعر أنه قادر
يقصر ممدوده ويرفعه ... في الجر نصب الغرمول في الآخر
يريك وهو البسيط دائرة ... تجمع بين الطويل والوافر
ومن التوجيه في العروض قول الشيخ جلال الدين بن الصفار:
لتعليق قلبي في رسوم خيالكم ... مثال له نثر الدموع رسائل
بكائي سريع والجوى متواتر ... وحزني طويل والأسى منه كامل
وبحر دموعي وافر في مد يده ... سفائنه الأجفان والخد ساحل
وقول الشاعر عبد علي بن رحمة الحويزي ﵀:
قلت لمن قد جفا فأضحى ... جسمي من هجره عليلا
قصرت مني طويل حب ... والقصر لا يلحق الطويلا
وقوله:
يقول لي الألى جهلوا مكاني ... ببحر وافر ماذا تقول
فقلت لهم كشأنكم وشأني ... مفاعيلن مفاعيلن فعول
ومن التوجيه في علم المعاني قول ابن رحمة المذكور أيضاً:
إن كان قاطعني الحبيب مواصلا ... لطريق زناء مباح الأسفل
فصناعة الفصحاء قادته إلى ... ترك الحقيقة للمجاز المرسل
وقوله:
أتظن تنكير اللئيم محقرا ... لك إن كساك الفضل ثوب عظيم
لا تخش من تنكيره فبمثل ذا ... يتعين التنكير للتعظيم
ومن التوجيه في علم البديع قول الشيخ شرف الدين العصامي:
رأى سقم الكتاب فمال عنه ... سقيم الجفن ذو حسن بديع
فقلت له فدتك النفس هلا ... مراعاة النظير من البديع
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة:
أبدى ضروب بديع طرفه فله ... في فتية العشق تصريع وتشطير
وقلت أنا في ذلك وفيه من الرشاقة ما لا يخفى:
ليس احمرار لحاظه من علة ... لكن دم القتلى على الأسياف
قالوا تشابه طرفه وبنانه ... ومن البديع تشابه الأطراف
ومن التوجيه في علم المنطق قول ابن رحمة رحمه الله تعالى:
أوجبت للقلب الجوى وسلبته ... صبرا يدافع سورة الإلهاب
فنتجن أشكال السرور سوالبا ... لقضيتين السلب وافيجاب
وقوله:
وممتنع على المعروف أضحى ... من الإمكان حيرة كل عارف
يفيد ضرورة الطرف الموالي ... ويسلبها عن الطرف المخالف
وقوله:
تجيء بزور القول ثم تلومني ... عليه وهذا مطلب غير معقول
وترجوا احتمالي ما وضعت علي من ... حديثك والموضوع ليس بمحمول
وقوله:
لم تصلني تصورات زماني ... لي بإيصال قدري الذاتي
ليتها حين لم تصب لي حدا ... عرفتني باللازم الرسمي
ومن التوجيه في علم النجوم قول الشهاب محمود في حراث:
عشقت حراثا مليحا غدا ... في يده المساس ما أجمله
كأنه الزهرة قدامه ال ... ثور يراعي مطلع السنبله
وقول ابن عروة الحلي:
وحاجب ليس فيه ... من المروة شعره
بصرفة يلتقيني ... وجبهة ثم زبره
وقول زكي الدين بن أبي الإصبع:
تنقلت من طرف لقلب مع النوى ... وهاتيك للبدر التمام منازل
стр. 207
ومنه ما يحكى أن شهاب الدين القوصي حضر عند الملك الأشرف وقد دخل إليه سعد الدين الحكيم، فقال الملك الأشرف: ما تقول في سعد الدين الحكيم؟ فقال: يا مولانا السلطان، إذا كان بين يديك فهو سعد الدين، على السماط: سعد بلع، وفي الخبا عن الضيوف: سعد الأخبية، وعند مرضى المسلمين: سعد الذابح. فضحك الملك الأشرف، واستحسن اتفاقه البديع.
ومنه قول بعضهم:
قد ذهب الناس فلا ناس ... وصار بعد الطمع الياس
وساس أمر الناس أدناهم ... وصار تحت الذنب الراس
وقد أورد بعض شراح البديعيات أمثلة في هذا النوع ليست منه قطعا، كقول أبي الفتح البستي:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
ألم تر الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا برج نجم اللهو والطرب
فإن هذا ونحوه ليس من التوجيه في شيء، بل هو بنوع (_) أشبه، وفي بابه أدخل كما سنذكره هناك عند إفضاء النوبة إليه، مع مشيئة الله سبحانه.
ومن التوجيه في علم الهندسة قول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة:
وبي هندسي الشكل يسبيك لحظه ... وخال وخد بالعذار مطرز
ومذ خط بركار الجمال عذاره ... كقوس علمنا إنما الخال مركز
وقول بعضهم:
قد بينت فيه الطبيعة آية ... ببديع أعمال المهندس باهرة
عبثت بمبسمه فخطت فوقه ... بالمسك قوسا من محيط دائرة
ومن التوجيه في علم الكلام قول هبة الله بن سناء الملك:
ومن قال إن الخيزرانة قدها ... فقولوا له إياك أن يسمع القد
ولو أبصر النظام جوهر ثغرها ... لما شك فيه أنه الجوهر الفرد
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة:
قلت هل تقسم لي ... جوهر ثغر أشتهيه
قال ثغري الجوهر الفر ... د ولا قسمة فيه
ومن التوجيه في علم الرمل قول البهاء زهير:
تعلمت علم الرمل لما هجرتم ... لعلي أرى شكلا يدل على الوصل
فقالوا طريق قلت يا رب للقا ... وقالوا اجتماع قلت يا رب للشمل
وقول ابن مطروح:
حلا ريقه والدر فيه منضد ... ومن ذا رأى في العذب درا منضدا
رأيت بخديه بياضا وحمرة ... فقلت له البشرى اجتماع تولدا
ومن التوجيه في الكتابة قول بعضهم:
غبار ذنوبي في الرقاع محقق ... بنسخ الكرام الكاتبين ذوي العدل
وتوقيع ريحاني رجائي لعفو من ... ينادي بثلث الليل يا واسع الفضل
وقول ابن عبد الظاهر وأجاد:
مفرد في جماله أن تبدى ... خجلت منه جملة الأقمار
كيف أرجو الوفاء منه وعامل ... ت غريما من لحظه ذا انكسار
ذو حواش تلوح من قلم الريحان في خده فجل الباري
فيه وجدي محقق وسلوي ... وكلام العذول مثل الغبار
فلساني في وصفه قلم الشع ... ر ورقي المكتوب بالطومار
وقول ابن جابر وقد ذكر الأقلام السبعة: ت
تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ... ثلث الجمال وقد وفته أجفان
خد عليه رقاع الروض قد جعلت ... وفي حواشيه للصدغين ريحان
خط الشباب بطومار العذار له ... سطرا ففضاحه للناس فتان
محقق نسخ صبري عن هواه ومن ... توقيع مدمعي المنثور برهان
يا حسن ما قلم الأشعار خط على ... ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان
أقسمت بالمصحف السامي وأحرفه ... ما مر بالبال يوما عنك سلوان
وقول ابن الوردي:
فديت فقيرا في المرقعة التي ... على حسنه دلت وحسن طباعه
بخديه ريحان الحواشي محقق ... إلى الثلث والفضاح تحت رقاعه
وقول ابن مليك:
وورد خد قد زكا نثره ... عليه لما ضاع دار العذار
أقسم بالفضاح من عبرتي ... ريحانه ليس عليه غبار
وقوله:
والخد بان الورد فيه محققا ... والصدغ فيه مسلسلا ريحانه
وقول ابن القيسراني:
بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت فيه ولا تحاشي
فنسخة حسنه قرئت وصحت ... وها خط الكمال على الحواشي
стр. 208
ومنه قول القرشي الكاتب، وقد اختفى في بيته ثلث سنة - لما طلبه السلطان بسبب لوح البريد الذي نقشه لعز الدولة - فكتب إلى القاضي علاء الدين بن عبد الظاهر - يسأله القيام ي أمره - رقعة أولها: يقبل الأرض وينهي أنه له ثلث سنة محقق مختف في حواشي البيت يخشى توقيعات الرقاع من صاحب الطومار، وسؤال الملوك نسخ هذا الأمر الفضاح بحيث لا يبقى عليه غبار، فإن المملوك وحق المصحف ما يحمل عود ريحان.
فأعجبه ذلك فلم يزل يتلطف له عند أكابر الدولة حتى خمدت قضيته وسكنت.
ونحو ذلك وهو من التوجيه في علم الطب، ما حكي أن بعض الأطباء كان في خدمة بعض الملوك في غزو، ولم يكن معه وقت النصرة كاتب ترسل فتقدم للطبيب أن يكتب إلى الوزير يعلمه بذلك فكتب: - أما بعد، فأنا كنا مع العدو في حلقه كدائرة البيمارستان، حتى لو رميت مبضعا لما وقع إلا على قيفال. فلم يكن إلا كنبضة أو نبضتين حتى لحق العدو بحران عظيم، فهلك الجميع بسعادتك يا معتدل المزاج.
ومثله وهو من التوجيه في علم الرياضي قول بعضهم حين احتضر: اللهم يا من يعلم قطر الدائرة ونهاية العدد والجذر الأصم، اقبضني إليك على زاوية قائمة واحشرني على خط مستقيم.
ومن التوجيه في علم الموسيقى قول ابن جابر الأندلسي:
يا أيها الحادي اسقني كأس السرى ... نحو الحبيب ومهجتي للساقي
حي العراق على النوى واحمل إلى ... أهل الحجاز رسائل العشاق
وقول البدر لؤلؤ الذهبي:
وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين تلازم وعناق
وحداتهم أخذت حجازا بعدما ... غنت وراء الركب في عشاق
وما أحسن ما قال بعده:
وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... في الواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب والألحان عن إسحاق
قامت على ساق تطارحني الهوى ... من دون صحبي في الهوى ورفاقي
أنى تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض مآقي
وأنا الذي أملي الهوى من خاطري ... وهي التي تملي من الأوراق
ومنه قول الشيخ عبد النافع بن عراق:
يا غائبين وقولي حين أذكرهم ... كم هكذا اغتدي في غربة وفراق
لو سار ركب بعشاق اللوى رملا ... نحو الحجاز لما ذاق النوى ابن عراق
وقال الشيخ العلامة جمال الدين العصامي من أبيات مادحا بها الشيخ عبد النافع المذكور وقد وصل إلى مكة المشرفة من الروم بمنصب خطابة الشافعية بمكة.
قال الشيخ جمال الدين: واتفق أن تلك السنة كانت مجدبة، فدعا واستسقى في أول خطبة خطبها، فغيمت السماء وأمطرت وهو يخطب، وحصل خصب عظيم، فكان يقال: الشيخ عبد النافع، عبد نافع، وهو:
ظرف الحجاز بمقدم ابن عراق ... من بعد ما قاسى نوى العشاق
فاليوم نيروز الحجاز وعيده ... إذ صام فيه وعيد ابن عراق
قال الشيخ جمال الدين: واتفق أن جاء القاضي حسين في موكبه إلى بيت الشيخ عبد النافع زائرا، فذيل الشيخ عبد النافع بيتي المذكورين بقوله - موجها أيضاً:
وله أتى الركب الحسيني زائرا ... سعيا على الآماق والأحداق
ومنه قول الشيخ شرف الدين يحيى بن الشيخ عبد الملك بن الشيخ جمال الدين العصامي المذكور، فيمن اسمه حسين - وقد قدم من مكة المشرفة إلى المدينة وبها الشيخ شرف الدين المذكور:
أقول لمعشر العشاق لما ... بدا ركب الحجاز وقر عيني
أمنتم من نوى المحبوب فاسمعوا ... له رملا وغنوا في حسيني
ولنكتف من أمثلة التوجيه بهذا المقدار، فقد طال الشرح حتى كاد يفضي إلى الإملال والإكثار.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
خلت الفضائل بين الناس ترفعني ... بالابتداء فكانت أحرف القسم
التوجيه في هذا البيت بألفاظ القواعد النحوية، ومقاصد المحاسن فيه محوية.
والشيخ شمس الدين بن جابر نظم هذا النوع على تفسير السكاكي والخطيب ومن وافقهما، وهم الأكثر، وهو إيراد الكلام محتملا لمعنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر، وهذا معنى الإبهام عند أكثر أرباب البديعيات.
وبيت بديعيته قوله:
ترى الغني لديهم والفقير وقد ... عادا سواء فلازم باب قصدهم
стр. 209
هذا البيت يحتمل المدح وهو الظاهر، فيكون المراد: أنهم يجودون على الفقير حتى يعود مساويا للغني، ويحتمل الذم، فيكون المراد: أنهم ينهبون الغني ويسلبونه غناه حتى يعود مساويا للفقير، غير أن قوله: فلازم باب قصدهم، يعين المعنى الأول، وهو إرادة المدح فيخرج عن نوع التوجيه الذي قصده. وابن حجة فاته إدراك المعنى الثاني، وهو إرادة الذم حتى قال: (وأما المعنى الآخر فما وجدت له قرينة صالحة تدلني عليه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه) .
وبيت بديعية الشيخ عز الدين قوله يخاطب العذول:
نزهت طرفي وسمعي في محاسنه ... وعنك أن تقصد التوجيه في الكلم
هذا البيت لا أرى فيه للتوجيه وجها، لا على تفسير الشيخ صفي الدين ولا على تفسير السكاكي والخطيب. أما الأول - فظاهر إذ ليس في مفرداته ولا جمله توجيه إلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، ولا قواعد العلوم ونحوها. وأما على الثاني - فلعدم احتماله معنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر. وقول ابن حجة: أن الكلمة التي اقتضت اشتراك المعنيين قوله: نزهت، فإنه قال: أنه نزه طرفه في محاسن محبوبه، وكأنه التفت إلى العذول وقال له: وعنك. إن أراد به بيان التوجيه، فليس بشيء، لأن هذا ليس بتوجيه قطعا، وإن أراد به بيان استعمال قوله (نزهت) في معنييه، فمسلم على أن قوله: (نزهت طرفي وسمعي في محاسنه) مأخوذ من استعمالهم التنزه في الخروج إلى البساتين والخضر والرياض، وقد نص صاحب القاموس على أن هذا الاستعمال غلط قبيح، وقال في الصحاح: قال ابن السكيت: ومما يضعه الناس في قولهم: خرجنا نتنزه، إذا خرجوا إلى البساتين، قال: وإنما التنزه: التباعد عن المياه والأرياف، ومنه قيل: فلان يتنزه عن الأقذار، وينزه نفسه عنها، أي يباعدها عنها. انتهى.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وأسود الخال في نعمان وجنته ... لي منذر منه بالتوجيه للعدم
التوجيه فيه بأسماء الأعلام هي: الأسود والنعمان والمنذر، والأسود أخو النعمان بن المنذر وكان من ملوك العرب.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
قاد الجنائب أغراء موجهة ... لا صرف فيها ولا نصب لمنجزم
التوجيه في هذا البيت بقواعد النحو وهي: الإغراء والصرف والنصب والجزم، ولكن انظر، ما معنى قوله: ولا نصب لمنجزم؟.
وبيت بديعيتي هو قولي:
رفعت حالي إليهم إذ خفضت وقد ... نصبت طرفي إلى توجيه رسلهم
التوجيه في هذا البيت بقواعد النحو أيضاً وهي: الرفع والحال والخفض والنصب.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
لا تطعني هند فالأنساب واحدة ... ونحن إن نفترق نرجع إلى حكم
الشيخ شرف الدين فارق الجماعة في هذا النوع فقال في شرح بديعيته (التوجيه كالتورية، وأكثر البديعيين يجعلها شيئا واحدا، وفرق الصفي الحلي وغيره بينهما بفروق لا تكاد تظهر، والظاهر أن التورية منها ما يحتاج إلى توجيه ألفاظ قبلها ترشح الكلام للتورية، ومنها ما لا يحتاج، فيكون هذا الاسم خاصا لما يحتاج كالنوع منها واسم التورية كالجنس لها. والترشيح ومعنى البيت على هذا: أن هندا طعنت في نسبه، وفخرت بقومها عليه (فأخبرها) أن نسبه ونسبها واحد وأنهما إن افترقا في الآباء القريبة فكلهم يرجعون إلى حكم من سعد العشيرة، ولكن لفظة حكم مشتركة، فذكر الطعن والنسب فيه يوجهها إلى اسم القبيلة، وذكر الافتراق يوجهها إلى الحكم الفاصل بين الخصومة) . هذا نصه، وعليه مؤاخذات من وجوه: أحدها - أن قوله: أكثر البديعيين يجعلهما شيئا واحدا ليس بصحيح، بل الأكثر على أن كلا منهما غير الآخر كما يشهد به استقراء كتبهم.
стр. 210
الثاني - أن قوله: فرق بينهما الصفي وغيره بفروق لا تكاد تظهر، غير مسلم، بل الفرق مثل الصبح ظاهر. أما على مذهب السكاكي ومن وافقه، من أن التوجيه هو إيراد الكلام محتملا لمعنيين مختلفين، فالفرق بينه وبين التورية: أن التوجيه يلتزم فيه أن يكون المعنيان متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر، بخلاف التورية فإنه يلتزم فيها تضاد المعنيين، ولا عدم تمييز أحدهما عن الآخر كما سيأتي في بابها. وأما على مذهب الشيخ صفي الدين من أنه - أعني التوجيه - تأليف المتكلم مفردات بعض كلامه وجمله وتوجيهها إلى أسماء متلائمة من أسماء الأعلام، أو قواعد علوم، أو غيرها، فالفرق بينه وبين التورية من وجهين: أحدهما أن التورية تكون باللفظ المشترك، والتوجيه باللفظ المصطلح. والثاني أن التورية تكون باللفظ الواحد، والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ متلائمة. فظهر الفرق بينهما، ودعوى عدم ظهوره تعنت.
الثالث - أن تخصيصه التوجيه بما يحتاج إلى ألفاظ قبلها ترشح الكلام للتورية هو بعينه التورية المرشحة، ولا يؤثر عن أحد تسميتها بالتوجيه فهو اصطلاح جديد، إذا اختاره لنفسه فلا مشاحة في الإصلاح.
التمثيل
طربت في البعد من تمثيل قربهم والمرء قد تزدهيه لذة الحلم
التمثيل - قالوا هو تشبيه حال بحال على سبيل الكناية، وذلك أن تقصد الإشارة إلى معنى فتوضع ألفاظ على معنى آخر، ويكون ذلك المعنى لا تكون لو ذكر بلفظ الخاص، وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصور. لأنه إذا صور في نفسه مثال ما خوطب به كان أسرع إلى الرغبة عنه، والرغبة فيه.
ومثاله قوله تعالى: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا) فإنه مثل الاغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله لحم الأخ، ثم لم يقتصر عليه حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في غاية الكراهية موصولا بأخيه، ففيه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله.
أما تمثيل الاغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا، لأن الاغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس، وتمزيق أعراضهم. وأما قوله (لحم أخيه) فلما في الاغتياب من الكراهية لأن العقل والشرع قد أجمعا على استكراهه، وأمرا بتركه، والبعد عنه. وأما قوله (ميتا) فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها.
ومن أمثلته في السنة الشريفة قوله ﵌ لرجل رآه ينهك نفسه في العبادة (إن هذا الدين لمتين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى) .
فمثل ﵇ حال من يعسف نفسه فينهك جسمه في العبادة بحال المنبت، وهو الرجل المنقطع عن أصحابه، فيعسف راحلته في السير في لحاقهم فتعيا راحلته ولا يبلغ رفقته. وأخرج التمثيل مخرج المثل السائر، وهو من أحسن أنواعه.
ومنها أيضاً قوله ﵌ في حديث أم زرع حكاية عن المرأة الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا برد ولا وخامة ولا سآمة. فإنها أرادت وصفه بحسن العشرة مع نسائه، فعدلت عن لفظ المعنى الموضوع له إلى لفظ التمثيل لما فيه من الزيادة، وذلك تمثيلها الممدوح بليل تهامة (الذي) وصفته بأنه معتدل، فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن الخلق وكمال العقل، اللذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة. وخصت الليل بالذكر لما فيه من راحة الحيوان - وخصوصا الإنسان - لأنه يستريح من الكد والتعب اللذين يحصلان بالتردد في النهار لكون الليل جعل سكنا، والسكن: ما يسكن إليه، لاسيما وقد جعلته ليلا معتدلا بين الحر والبرد، والطول والقصر. فهذه صفة ليل تهامة، لأن الليل يبرد بالنسبة إلى النهار مطلقا، لغيبوبة الشمس وخلوص الهواء من اكتساب الحر، فيكون في البلاد الباردة شديد البرد وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابه، فلهذا قالت: زوجي مثل ليل تهامة، وحذفت أداة التمثيل لتقرب المشبه به، وهذا مما يبين لك لفظ التمثيل في كونه لا يجيء إلا مقدرا بمثل غالبا.
стр. 211
ومن أمثلته أيضاً في هذا الحديث - أعني حديث أم زرع - قوله ﵇ حكاية عن المرأة الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعث لا سهل فيرقى، ولا سمين فينتقى. فإنها أرادت وصفه بقلة الخير مع تعذر الوصول إليه لسوء أخلاقه، فمثلته بلحم الجمل المهزول الذي وضع على رأس جبل وعر لا يرتقى إليه، ودلت على هزال اللحم الممثل به بعدم إمكان استخراج نقيه - وهو المخ - لقلته، وهو دليل الهزال. فتضمن ذلك وصفه بقلة خيره وشكاسة أخلاقه التي لا ينال معها شيء من خيره على قلته.
قلت: ولعل الواقف على هذا المقدار من حديث أم زرع يتشوق إلى الاطلاع على سائر الحديث، فلا بأس بذكر جميعه تتميما للفائدة وتعميما للعائدة.
أخرج البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو عبيدة، والهيثم بن عدي، والحارث بن أبي أسامة، والإسماعيلي، وابن السكيت، والأنباري، وأبو يعلى، والزبير بن بكار، والطبراني، وغيرهم، واللفظ لمجموعهم (والمحدثون يعبرون عن هذا بقولهم: دخل حديث بعضهم في بعض) .
عن عائشة قالت: جلس إحدى عشرة امرأة من أهل اليمن، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا.
قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعث، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى.
قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: زوجي العشنق، إن انطق أطلق وإن أسكت أعلق على حد السنان المذلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا وخامة ولا سآمة والغيث غيث غمامة.
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد، ولا يدفع اليوم لغد.
قالت السادسة: زوجي إن أكل اقتف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، وإن ذبح اغتث، ولا يولج الكف ليعلم البث.
قالت السابعة: زوجي عياياء، أو غياياء، طباقاء، كل داء له داء، شجك، أو بجك، أو فلك، أو جمع كلا لك.
قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب، والريح ريح زرنب، وأنا أغلبه، والناس تغلب.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد، لا يشبع ليلة يضاف، ولا يرقد ليلة يخاف.
قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك وهو أمام القوم في المهالك.
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت نفسي إلي. وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل واطيط، ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقنح، وآكل فأتمنح.
أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رادح، وبيتها فساح.
ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، وتشبعه ذراع الجفرة، وترويه فيقة اليعرة، ويميس في حلق النثرة.
بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها، وزين أهلها ونسائها، وملء كسائها، وصفر ردائها، وغيظ جارتها، قباء هضيمة الحشا، جائلة الوشاح، عكناء فعماء، نجلاء دعجاء، رجاء زجاء قنواء، مؤنقة مفنقة، برود الظل، وفي الإل، كريمة الخل.
جارية أبي زرع فما جارية أبي زرع؟ لا تبثث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا، ولا تغثث طعامنا تغثيثا.
ضيف أبي زرع فما ضيف أبي زرع؟ في شبع وري ورتع.
طهاة أبي زرع فما طهاة أبي زرع؟ لا تقتر ولا تعرى، تقدح وتنصب أخرى، فتلحق الأخرى بالأولى.
مال أبي زرع فما مال أبي زرع؟ على الجمم معكوس، وعلى العفاة محبوس.
قالت: خرج أبو زرع من عندي والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها، كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فنكحها فأعجبته فلم تزل به حتى طلقني، فاستبدلت - وكل بدل أعور - فنكحت بعده رجلا سريا ركب شريا، وأخذ خطيا؛ وأراح علي نعما ثريا؛ وأعطاني من كل رائحة زوجا، وقال: كلي أم زرع وميري أهلك.
قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
قالت عائشة: قال لي رسول الله ﵌: كنت لك كأبي زرع لأم زرع، إلا أنه طلقها وأني لا أطلقك. فقالت عائشة: بأبي أنت وأمي، لأنت خير لي من أبي زرع لأم زرع.
تفسير الغريب من هذا الحديث وضبط ألفاظه:
стр. 212
قول الأولى (غث) بفتح الغين وتشديد الثاء المثلثة، أي مهزول. و (وعث) بفتح الواو وسكون العين والثاء المثلثة، أي صعب المرتقى، ويروى (وعر) وهما بمعنى واحد. و (ينتقى) بالبناء للمفعول من النقي - بفتح النون وسكون القاف وبعدها ياء تحتية - وهو مخ العظم، يقال: نقوت العظم ونقيته وانتقيته: إذا استخرجت نقيه، وفي رواية (فينتقل) باللام في آخره، أي ينقله الناس إلى بيوتهم فيأكلونه.
وقول الثانية (لا أبث) بالثاء المثلثة، أي لا أنشر خبره لقبح آثاره.
وقولها: إني أخاف أن لا أذره (أن) بفتح الهمزة وتخفيف النون: مصدرية و (أذره) ب الذال المعجمة والراء المهملة، فعل مضارع منصوب بأن بمعنى أتركه، والضمير راجع إلى الخبر في قولها (لا أبث خبره) أو إلى زوجها على التفسيرين كما سيأتي. ولم يستعملوا من مادة (وذر) بمعنى الترك إلا فعل الأمر والمضارع يقال: ذره بمعنى اتركه، ويذره بمعنى يتركه وإن كان أصله وذره يذره، كوسعه يسعه، لكن ما نطقوا بماضيه، ولا بمصدره ولا باسم الفاعل، وقيل: جاء وذرته شاذا. ومعنى قولها: إني أخاف أن لا أذره: أني أخاف أن لا أترك وصفه، ولا أقطعه من طوله. وقيل معناه: أني أخاف أن لا أقدر على تركه وفراقه، لأن أولادي منه، وللأسباب التي بيني وبينه.
قولها: أن أذكره أذكر عجره وبجره (العجر) بضم العين المهملة وفتح الجيم وبعدها راء مهملة جمع عجرة - كركب جمع ركبة - وهي العروق المنعقدة في الظهر و (البجر) بضم الباء الموحدة وفتح الجيم وبعدها راء مهملة، جمع بجرة، وهي العروق المنعقدة في البطن - هذا أصل معنى العجر والبجر ثم نقل إلى ما ظهر من أحوال الإنسان وما خفي - أرادت عيوبه الظاهرة والباطنة.
وقول الثالثة (العشنق) بفتح العين المهملة والشين المعجمة والنون المشددة، كلها مفتوحة ثم قاف، وهو الرجل الطويل الممتد القامة، أرادت أن له منظرا بلا مبخر، لأن الطول في الغالب دليل السفه، وقيل: هو السيئ الخلق.
وقولها (إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق) قيل معناه: إن أنطق بصفاته، أنطق بما يسؤه، فيغضب فيطلقني. والظاهر أن معناه: أني إذا نطقت له، وشكوت عليه سوء عشرته طلقني، ولم يشكني، وإن سكت تركني كالمعلقة، لا ممسكة ولا مطلقة.
وقولها (المذلق) بالذال المعجمة، اسم مفعول من ذلق السنان: إذا حدده. أرادت أنها معه على مثل السنان المحدد، فلا تجد معه قرارا. قاله في النهاية.
وقول الرابعة: زوجي كليل تهامة، (تهامة) أرض أولها ذات عرق - ميقات أهل العراق إلى البحر وجدة - وقيل: هي ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة وما وراء ذلك من المغرب، فهو غور، فمكة من تهامة والمدينة لا تهامية ولا نجدية، فإنها فوق الغور ودون نجد. و (القر) بضم القاف وبعدها راء مهملة مشددة: البرد، ويوم (قر) بفتح القاف: بارد. و (الوخامة) بفتح الواو والخاء المعجمة، مصدر وخم: الطعام إذا ثقل ولم يستمر. (والسآمة) بفتح السين المهملة والهمزة وبعدها ألف فميم مفتوحة فهاء: الملل والضجر.
وقول الخامسة: إن دخل (فهد) بفتح الفاء وكسر الهاء وبعدها دال مهملة، وهو فعل ماض (كعلم) أي نام كما ينام الفهد، لأن الفهد يوصف بكثرة النوم، وهو كناية عن عدم تفقده لما في بيته، وغفلته عن معائب بيته التي يلزمني إصلاحها، وعدم التفاته إلى ما يتلف أهله.
قولها: وإن خرج (أسد) هو أيضاً فعل ماض (كعلم) أي صار كالأسد في الشجاعة.
قولها: ولا يسأل عما (عهد) أي عما كان يعرفه في البيت من طعام وشراب ونحوهما لسخائه وسعة نفسه.
قولها: ولا يدفع اليوم لغد، أي لا يماطل، ولا يسوف أمر اليوم لغد، وذلك لحزمه وهمته.
وقول السادسة: إن أكل (اقتف) بالقاف والتاء المثناة من فوق، وبعدها فاء مشددة، وهو فعل ماض (على افتعل) أي جمع واستوعب. ويروى بدله (لف) أي قش وخلط من كل شيء، و (اشتف) بالشين المعجمة والتاء المثناة الفوقية وبعدها فاء مشددة، وهو أيضاً فعل ماض (على افتعل) أي استقصى ما في الإناء من الشراب. و (التف) أي إذا نام تلفف في ثوبه ونام عني ناحية. قاله في النهاية.
وقولها: إن ذبح (اغتث) هو أيضاً فعل ماض (على افتعل) من الغث وهو المهزول، يعني أنه إذا أراد أن يذبح من نعمه شيئا اختار المهزول منها وذلك لبخله.
стр. 213
وقولها: ولا يولج الكف ليعلم البث، (البث) بفتح الباء الموحدة وتشديد الثاء المثلثة: الحال والحزن وأشد المرض، تعني: أنه لا يدخل يده في ثوبها إذا مرضت ليعلم ما بها كما هو عادة الأجانب فضلا عن الأزواج. وقيل: إن كل كلامها هذا مدح لزوجها، وهو بعيد.
وقول السابعة (عياياء) أو (غياياء) الأول بفتح العين المهملة والياء المثناة من تحت فألف فياء تحتية أيضاً فألف ممدودة وهو العنين الذي يعيه مباضعة النساء، قاله في النهاية. وفي الصحاح: جمل عياياء: إذا لم يهتد للضراب، ورجل عياياء: إذا عي بالأمر والمنطق. انتهى. و (غياياء) الثاني كالأول في الحركات، غير أن الغين منه معجمة: من الغواية، أي عاجز لا يهتدي لأمر، وقيل: هو المنهمك في الشر. و (طباقاء) بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة فألف فقاف فألف ممدودة، قيل: هو الذي ينطبق عليه أمره وقيل: هو الذي يعجز عن الكلام فتنطبق شفتاه، وقيل: الأحمق، وقيل: الثقيل الصدر عند الجماع.
وقولها: كل داء له داء (الداء) بالدال المهملة: المرض، والظاهر أن قولها: له داء، جملة اسمية في محل الخبر أي كل داء يعرف في الناس فهو داء له، أي حاصل فيه. ويجوز أن يكون له صفة الداء، وداء وحده خبرا، أي كل داء حاصل له فهو داء، أي متناه بليغ، كما يقال: زيد رجل وما كل من لبس العمامة برجل. قاله شارح التبيان.
وقولها (شجك) بالشين المعجمة والجيم المشددة وبعدها كاف الخطاب، فعل ماض من الشج، وهو كسر الرأس، أي كسر رأسك. و (بجك) بالباء الموحدة والجيم المشددة وبعدها كاف الخطاب أيضاً فعل ماض من البج، وهو الطعن، أي طعنك و (فلك) بالفاء واللام المشددة، فعل ماض - والكاف للخطاب - من الفل وهو الكسر والضرب وقيل: أرادت بالفل: الخصومة - قاله في النهاية - وقيل: فلك أي جرح جسدك.
وقولها: أو جمع كلا لك، تريد أنها معه بين شج رأس، وطعن في البدن، وكسر عضو أو جمع بينها كلها. والخطاب في كل ذلك عام، أي كل من تزوجها تلقى منه ذلك، ليعلم أن ذلك ليس لتقصير من جانبها، بل هو من شكاسة أخلاقه وسوء طباعه.
وقول الثامنة: المس مس أرنب، (المس) بفتح الميم وتشديد السين المهملة: اللمس و (الأرنب) بفتح الهمزة (وسكون) الراء المهملة وفتح النون وبعدها باء موحدة: دويبة لينة اللمس، ناعمة الوبر، قيل: يطلق على الذكر والأنثى، وقيل: إنما يطلق على الأنثى، ويقال لذكرها: خزز - بمعجمات على وزن صرد - قولها هذا عبارة عن لين جانبه، وحسن خلقه. وهو من أمثلة التمثيل.
وقولها: والريح ريح زرنب، (الزرنب) بزاء مفتوحة، فراء مهملة ساكنة، فنون مفتوحة، فباء موحدة: طيب، وقيل: شجر طيب الرائحة. تعني: أن زوجها طيب الرائحة، ليس منتن الجسد، ولا أبخر الفم، ولا ذفر الإباط.
وقول التاسعة: رفيع العماد طويل النجاد، (العماد) بكسر العين المهملة وفتح الميم وبعد الألف دال مهملة: الخشبة التي يقوم بها البيت. قال في النهاية: أرادت عماد بيت شرفه، والعرب تضع البيت موضع الشرف في النسب والحسب. انتهى. وفي الصحاح: فلان طويل العماد، إذا كان بيته معلما لزائريه، و (النجاد) بكسر النون وفتح الجيم وألف فدال مهملة: حمائل السيف، عنت بطول نجاده: طول قامته، فإنها إذا طالت طال نجاده، وهو من أحسن الكنايات.
وقولها: عظيم الرماد: كناية عن أنه مضياف، ومثل هذه الكناية يسميها أرباب البيان: كناية بعيدة، وتلويحا لبعد المطلوب بها. ألا ترى أن قولها: عظيم الرماد، يدل على كثرة إحراق الحطب تحت القدر، وهي على كثرة الطبائخ، وهي على كثرة الأكلة، وهي على كثرة الضيفان، وهي على أنه مضياف، وهو المقصود بهذه الكناية.
وقولها: قريب البيت من الناد، أرادت (النادي) بفتح النون وبعد الألف دال مهملة، وهو مجتمع القوم. تقول: إن بيته قريب من وسط المحلة ليغشاه الأضياف والطراق - قاله في النهاية -.
стр. 214
وقول العاشرة: له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، (المبارك) جمع مبرك وهو الموضع (الذي) ترك فيه الإبل، و (المسارح) بفتح الميم والسين المهملة وبعد الألف راء فحاء مهملتين: جمع مسرح، وهو الموضع الذي تسرح إليه الإبل بالغداة للرعي. تريد: أن إبله على كثرتها لا تغيب عن الحي، ولا تسرح إلى المراعي البعيدة، ولكنها تترك بفنائه ليقرب الضيفان من لبنها ولحمها، وخوفا من أن ينزل به ضيف وهي بعيدة عازبة. وقيل معناه: أن إبله كثيرة في حال بروكها، فإذا سرحت كانت قليلة لكثرة ما نحر منها في مباركها - قاله في النهاية -.
وقولها: إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك، (المزهر) بكسر الميم وسكون الزاي وفتح الهاء فراء مهملة: العود الذي يضرب به للهو، تريد أن إبله إذا سمعن صوت المزهر علمن بمكان الضيفان، فيوقن بالنحر لا محالة، وأدمجت فيه أنه يكرم ضيفه بإحضار ما يطربهم ويلهيهم.
وقولها: وهو أمام القوم في المهالك (أمام) يجوز أن يكون بفتح الهمزة بمعنى: قدام، يعني أنه يكون قدامهم في المهالك لشجاعته، ويجوز أن يكون بكسر الهمزة، أي يأتمون به، بمعنى أنه عقيدهم ورئيسهم.
وقول الحادية عشرة: أناس من حلي أذني. (أناس) بالنون والسين المهملة، فعل، ماض - كأقام - من النوس، وهو تحرك الشيء متدليا كحركة الذؤابة والعذبة، وأناسه غيره: حركة. و (الحلي) بفتح الحاء المهملة، كالرمي: اسم لكل ما يتزين به من مصاغ الفضة والذهب، تريد أنه حلاها أقراطا وشنوفا تنوس بأذنيها، فتنوس أذناها لذلك أيضاً. فكأنه هو الذي أناس أذنيها بذلك.
وقولها: وبجحني فبجحت نفسي إلي (بجحني) بالباء فالجيم المشددة فالحاء المهملة، فعل ماض، مثل فرحني، (وبجحت) كفرحت لفظا ومعنى فيهما، من البجح، وهو كالفرح زنة ومعنى، أي فرحني ففرحت نفسي إلي، جعلت نفسها شخصا آخر يظهر إليها الفرح على سبيل التجريد ليكون أدخل في المبالغة. وقيل معناه: عظمني فعظمت نفسي عندي. يقال: فلان يتبجح بكذا، أي يتعظم.
وقولها: في أهل غنيمة بشق، (الغنيمة) بضم الغين المعجمة، تصغير غنم، من غنم، كذا قيل، فيكون زيادة التاء في غنيمة شاذا، لأنها لا تزاد إلا إذا أمن اللبس، وهنا اللبس حاصل بالتباسه بمصغر غنمة. و (الشق) بالشين المعجمة والقاف، يروى بكسر أوله وفتحه، فالكسر: من المشقة، يقال: هم في شق من العيش، إذا كانوا في جهد، ومنه قوله تعالى: (لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) ، وأما الفتح، فهو من الشق، وهو الفصل في الشيء. كأنها أرادت أنهم في موضع حرج ضيق كالشق في الجبل، وقيل: شق: اسم موضع بعينه - قاله في النهاية -.
وقولها: فجعلني في أهل صهيل واطيط ودائس ومنق، (الصهيل) بفتح الصاد المهملة وبعد الهاء ياء تحتية - على فعيل - وهو صوت الخيل و (الأطيط) بفتح الهمزة وكسر الطاء المهملة وياء تحتية ثم طاء مهملة - على فعيل أيضاً - وهو صوت الإبل، و (الدائس) بالدال والسين المهملتين - فاعل من الدوس - وأرادت به الذي يدوس الطعام لإخراج الحب من السنبل و (المنق) بضم الميم وكسر النون وتشديد القاف - اسم فاعل من أنق إذا صار ذا نقيق - وهو أصوات المواشي والأنعام، تصفه بكثرة أمواله. تقول: أنه أخذني من أهل قلة وجهد، فنقلني إلى أهل كثرة وثروة، من خيل وإبل وزرع وأنعام.
وقولها: فلا أقبح، أي لا يرد علي قولي لميله إلي، وكرامتي عليه. يقال: قبحت فلانا إذا قلت له: قبحك الله، من القبح وهو الإبعاد.
وقولها: فأتصبح، بفتح الهمزة والتاء المثناة من فوق الصاد المهملة والباء الموحدة المشددة وبعدها حاء مهملة - فعل من الصبحة بالضم وتفتح - وهي النوم أول النهار، تريد أنها مكفية فهي تنام الصبحة.
وقولها (فأتقنح) بالهمزة وفتح التاء المثناة من فوق والقاف والنون وبعدها حاء مهملة - فعل مضارع ماضيه تقنح، وهو من القنح كالمنع - وهو أن يرفع الشارب رأسه ريا. يقال: قنح الشارب - كمنع - وتقنح، إذا فعل ذلك. وقيل: التقنح، هو أن يقطع الشارب الشرب ويتمهل فيه. وقيل: الشرب بعد الري.
وقولها (فاتمنح) هو تفعل من المنحة - بكسر الميم وسكون النون وفتح (الحاء) المهملة - وهي العطية، أي أطعم غيري.
стр. 215
وقولها: عكومها رداح، (العكوم) بضم العين المهملة والكاف: الأحمال والغرائر التي تكون فيها الأمتعة وغيرها، وأحدها عكم بكسر أوله وسكون ثانيه. و (رداح) بفتح الراء والدال المهملتين، وبعد الألف حاء مهملة، أي ثقيلة، لكثرة ما فيها من المتاع والثياب. وأصله في المرأة، يقال: امرأة رداح أي ثقيلة الأوراك، وقد يوصف به الكتيبة أيضاً، يقالك كتيبة رداح، إذا كانت ثقيلة جرارة.
وقولها: وبيتها (فساح) بفتح الفاء والسيح المهملة وبعد الألف حاء مهملة، أي فسيح واسع.
وقولها: مضجعه كمسل شطبة، (المسل) بضم الميم والسين المهملة و (الشطبة) بفتح الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة وفتح الموحدة: السعفة من سعف النخل ما دامت رطبة. أرادت أنه قليل اللحم، دقيق الخصر فشبهته بالشطبة، أي موضع نومه دقيق لنحافته. وقيل: أرادت بمسل الشطبة: سفا سل من غمده. و (المسل) مصدر بمعنى السل، أقيم مقام المفعول، أي كمسلول الشطبة، فيكون من إضافة الصفة إلى الموصوف.
وقولها: تشبعه ذراع الجفرة، (الجفرة) بفتح الجيم وسكون الفاء فراء مهملة: الأنثى من أولاد المعز إذا بلغت أربعة أشهر، تصفه بقلة الأكل.
وقولها: ترويه فيقة اليعرة، (الفيقة) بكسر الفاء وسكون التحتية وقاف: ما يجتمع في الضرع بين الحلبتين، و (اليعرة) بفتح التحتية وسكون العين المهملة: العناق. تصفه بقلة الشرب.
وقولها: يميس في حلق النثرة، (يميس) مضارع ماس: إذا تبختر. و (الحلق) بفتح الحاء المهملة واللام: جمع حلقة - بسكون اللام - وهي معروفة، و (النثرة) بفتح النون وسكون الثاء المثلة فراء مهملة: الدرع اللطيفة، أو الواسعة، أي يتبختر في حلق الدرع.
وقولها: ملء كسائها، (الملء) بكسر الميم وسكون اللام وبعدها همزة: ما يملأ الإناء، وهو وصف لها بالسمن، وهو ممدوح في النساء.
وقولها: صفر رداؤها، (الصفر) بضم الصاد المهملة - وقد يثلث - وسكون الفاء وبعد الفاء راء مهملة، ويقال: صفر ككتف، وصفر كزبر: الخالي، وهذا كناية عن أنها ضامرة البطن، فكأن رداءها خال، والرداء ينتهي إلى البطن فيقع عليه.
قولها: وغيظ جارتها، (الغيظ) بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية فظاء مشالة، وهو الغضب أو شدته أو سورته. تريد أن جارتها ترى من حسنها ما يغيظها ويهيج حسدها، لأن التحاسد يكون بين الجيران كثيرا؛ ولتحاسدهم حكايات عجيبة.
следующие страницы →