Полный текст (514 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الوزير أبو الفضل محمد بن عبد الواحد التميمي الدرامي البغدادي. سمع من جماعة من العلماء ببغداد، وخرج منها رسولا من القائم بأمر الله العباسي إلى صاحب إفريقية المعز بن باديس، واجتمع بأبي العلاء المعري بالمعرة، وأنشده قصيدة لامية يمدح بها صاحب حلب فقبل عينيه وقال: لله أنت من ناظم، وخرج من إفريقية من أجل فتنة العرب، وخيم عند المأمون بن ذي النون بطليطلة؛ وله فيه مدائح كثيرة، ولم يزل في كنفه إلى أن مات ليلة الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال خمس وخمسين وأربعمائة.
ومن فريد شعره قوله:
يا ليل ألا انجليت عن فلق ... طلت ولا صبر لي على الأرق.
جفت لحاظي التغميض فيك فما ... تطبق أجفانها على الحدق.
كأنني صورة ممثلة ... ناظرها الدهر غير منطبق.
رجع- ومنه قول أبي عبد الله محمد بن الفراء الأندلسي:
شكوت إليه بفرط الدنف ... فأنكر من قصتي ما عرف.
وقال الشهود على المدعي ... وأما أنا فعلي الحلف.
فجئنا غلى الحاكم الألمعي ... قاضي المجون وشيخ الظرف.
وكان بصيرا بشرع الهوى ... ويعلم من أين أكل الكتف.
فقلت له اقض ما بيننا ... فقال الشهود على ما تصف.
فقلت له شهدت ادمعي ... فقال إذا شهدت تنتصف.
ففاضت دموعي من حينها ... كفيض السحاب إذا ما يكف.
فحرك رأسا إلينا وقال ... دعوا يا مهاتيك هذا الصلف.
كذا تقتلون مشاهيرنا ... إذا مات هذا فأين الخلف.
وأومى إلى الورد أن يجتنى ... وأومى إلى الريق أن يرتشف.
فلما رآه حبيبي معي ... ولم يختلف بيننا مختلف.
أزال العناد فعانقته ... كأني لام وحبي ألف.
وظلت أعاتبه حتى الجفا ... فقال عفا الله عما سلف.
وقول الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
يا سيدي إن جرى من مدمعي ودمي ... للعين والقلب مسفوح ومسفوك.
لا تخش من قود يقتص منك به ... فالعين جارية القلب مملوك.
وقوله:
ما الكاس عندي بأطراف الأنامل بل ... بالخمس تقبض لا يحلو لها الهرب.
شججت بالماء منها الرأس موضحة ... فحين أعقلها بالخمس لا عجب.
وقوله:
لم يصب الراووق إلا عندما ... قطع الطريق على الهموم وعاقها.
وقوله:
أرقت دم الراووق حلا لأنني ... رأيت صليبا فوقه فهو مشرك.
وزوجت بنت الكرام بابن غمامة ... فصح على التعليق والشرط أملك.
وقول أبي العلاء المعري:
أن يكرهوا طعم القريض فعذرهم ... باد كحاشية الرداء المعلم.
هم محرمون عن المناقب والعلى ... والشعر طيب لا يحل لمحرم.
وقول علي بن همام:
سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعة يضمخ أو فما.
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أخرج فدية من احرما.
وقول الشهاب أحمد بن يوسف الغرناطي:
حضر العيد يا غزال وقد غب ... ت وذاك المغيب منك حرام.
كيف صومتنا عن الوصل في العي ... د وما حل يوم عيد وصيام.
وفي معناه لابن الدهان البغدادي:
نذر الناس يوم برئك صوما ... غير أنني نذرت وحدي فطرا.
عالما أن يوم برئك عيدا ... لا أرى صومه ولو كان نذرا.
وقول محمد بن جابر الأندلسي صاحب البديعية:
طلبت زكاة الحسن منها فجاوبت ... إليك فهذا ليس تدركه مني.
على ديون للعيون فلا ترم ... زكاة فإن الدين يسقطه عني.
وقول جعفر بن شمس الخرفة:
بنت كرم تجلى لنا وعليها ... تاج در من الحباب وعقد.
حد سكري منها ثمانون كأسا ... والثمانون هن للسكر حد.
وقول ولادة بنت المستكفي:
لحاظنا تجرحكم في الحشى ... ولحظكم يجرحنا في الخدود.
جريح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود.
ومن الاقتباس من أصول الفقه قول شمس الدين محمد التلمساني:
قضاة الحسن ما صنع بطرف ... تمنا مثله الرشأ الربيب.
رمى فأصاب قلبي باجتهاد ... صدقتم كل مجتهد مصيب.
وقل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد:
قالوا فلان عالم فاضل ... فأكرموه مثلما يرتضي.
فقلت أما لم يكن ذا تقى ... تعارض المانع والمقتضي.
стр. 142
يشير إلى المسألة الأصولية وهي أنه إذا تعارض المانع والمقتضى يقدم المانع.
وقول ابن جابر:
جئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت لقد جهلت الطريقة.
إنما موعدي مجاز فقلت الأصل في سائر الكلام الحقيقة.
وقول الشيخ عبد علي بن ناصر الشهير بابن رحمة الحويزي:
وجهك لما قد غدا ظاهرا ... مخبرا عن أصلك الطاهر.
حققت من هذا الذي بان لي ... تطابق الأصل مع الظاهر.
وقوله:
يا هاجري وأنا المحقق حبه ... لحديث حب عن هواه بمعزل.
لو كنت من أهل الأصول وعلمها ... لعلمت باستصحاب حكم الأول.
ومن الاقتباس من علم المنطق قول الشيخ شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
للمنطقيين أشتكي أبدا ... عين رقيب فليته هجعا.
حاذرها من أحبه فأبى ... أن نختلي ساعة ونجتمعا.
كيف غدت دائما وما انفصلت ... ما نعمة الجمع والخلو معا.
وقد تعقب الشيخ صلاح الدين الصفدي هذه الأبيات في شرح اللامية: بأن المراد في مثل هذا أن يتعجب مما خرج عن القواعد، وهذه القضية موجودة مستعملة، وذلك قولهم: العدد إما زوج أو فرد، فهذه القضية مانعة الجمع، فإن الفردية والزوجية لا يجتمعان، ومانعة الخلو من أحدهما، فلا معنى للتعجب. انتهى.
وقلده في مثل هذا التعجب جماعة كابن حجة وغيره ممن لا يعرف هذا العلم.
وأنا أقول: إن تعجبه ليس من وجود هذه القضية فقط، بل من وجودها مع عدم انفصالها، ومانعة الجمع والخلو لا تكون إلا منفصلة البتة، للحكم بانفصال أحد النسبتين فيها عن الأخرى؛ كما هو صريح قوله (كيف غدت دائما وما انفصلت) ؛ فالتعجب في محله فاعلم.
ومنه قول المحقق نصير الدين الطوسي رحمه الله تعالى:
مقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصلة.
تمنعنا الجمع والخلو معا ... وإنما ذاك حكم منفصلة.
وقوله وأجاد ما شاء ﵀:
ما لمثال الذي ما زال مشتهرا ... للمنطقيين في الشرط تسديد.
أما رأوا وجه من أهوى وطرته ... الشمس طالعة والليل موجود.
وقلت أنا في ذلك:
تجن واعتب تجد مني بذاك رضا ... والعذر إن شئت مسموع ومقبول.
ولم أواخذك في ذنب ولا عتب ... فالذنب والعتب موضوع ومحمول.
وقلت أيضاً:
والله لو رمت في غرامي ... إلزام من عنه قد نهاني.
أقمت من حاجبي حبيبي ... عليه برهاناً اقتراني.
وقال آخر:
تالله ما لمعذبي في حسنه ... شبه فأي حشا عليه لم يهم.
لام العذار وميم مبسمة على ... ما أدعي من حسنه برهان لم.
وأما الاقتباس من علم النحو فكثير جدا؛ حتى غلب على غالبهم فيه التوجيه.
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
وإنما نحن في جيل سواسية ... شر على الحر من سقم على البدن.
حولي بكل مكان منهم حلق ... تخطي إذا جئت في استفهامه بمن.
(من) إنما يستفهم بها عمن يعقل؛ يقول: هؤلاء كالبهائم التي لا تعقل؛ فالاستفهام عنهم (بمن) بأن يقال لهم: من أنتم؛ أو من هم خطأ إنما ينبغي أن يستفهم عنهم (بما) لأن موضوعها لما لا يعقل، فيقال لهم: ما أنتم؛ أو ما هم.
ويحكى أن جريرا لما قال:
يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا.
قال له الفرزدق: ولو كان ساكنة قرودا؟ فقال: لو أردت هذا لقلت: ما كانا؛ ولم أقل من كانا.
وروي أن ابن الزبعرى لما سمع قوله تعالى "إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" قال: لأخصمن محمداً؛ فجاء إلى النبي ﷺ فقال أليس قد عبدت الملائكة؟ أليس قد عبد المسيح؟ فيكون هؤلاء حصب جهنم؛ فقال له ﷺ : ما أجهلك بلغة قومك؛ (ما) لما لا يعقل.
ومنه قول المتنبي:
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم.
وقوله:
إذا كان ما ينويه فعلا مضارعا ... مضى قبل أن تلقي عليه الجوازم.
يقول: إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته؛ وقبل أن يقال: لم يفعل=عل؛ وإن يفعل.
وقول أبي العلاء المعري:
فدونكم خفض الحياة فإننا ... نصبنا المطايا بالفلاة على القطع.
وقول نجم الدين الحنفي:
أضمرت في الحب هوى شاد ... مشتغل بالنحو لا ينصف.
стр. 143
وصفت ما أضمرت من حبه ... فقال لي المضمر لا يوصف.
وما أحسن قول أبي المحاسن يوسف بن إسماعيل الشواء:
هاتيك يا صاح ربى لعلع ... ناشدتك الله فعرج معي.
وانزل بنا بين بيوت النقا ... فقد غدت آهلة المربع.
حتى نطيل اليوم وقفا على ال ... ساكن أو عطفا على الموضع.
وقوله وكان كثيرا ما يستعمل هذا النوع في شعره:
وكنا خمسة عشر في التئام ... على رغم الحسود بغير آفة.
فقد أصبحت تنوينا وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافة.
وقوله في غلام عقد أحد صدغيه وأرسل الآخر:
أرسل صدغا ولوى قاتلي ... صدغا فأعيا بهما واصفه.
فخلت ذا في خده حية ... تسعى وهذا عقربا واقفة.
ذا ألف ليست لوصل وذا ... واو ولكن ليست العاطفة.
وقوله أيضاً:
هواك يا من له اختيال ... مالي على مثله احتيال.
قسمة أفعاله لحيني ... ثلاثة مالها انتقال.
وعدك مستقبل وصبري ... ماض وشوقي إليك حال.
وقوله أيضاً:
أرى الصفع أورد منه القذالا ... وأوسع من أخدعيه المجالا.
وأسلاه عن حب ذات اللمى ... وإن هي راقت وفاقت جمالا.
لئن كان قد حال ما بينه ... وبين الحبيبة صفع توالى.
فقد يحدث الظرف بين المضاف ... وبين المضاف إليه انفصالا.
وقوله أيضاً:
وجارة قلت لها ألا ... رعيت في الحب لنا إلا.
وطرفك الأزرق ما باله ... يحث فينا لحظة القتلا.
قالت ألا تقبل طرفا حكى ... لون سنان الرمح والشكلا.
قد عملت إن على أنها ... حرف وقد أشبهت الفعلا.
ومن لطيف ما يحكى هنا، إن شرف الدين بن عنين الشاعر مرض فكتب إلى الملك المعظم صاحب دمشق هذين البيتين:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي.
أنا كالذي احتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي.
فعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار، وقال له: أنت (الذي) وأنا (العائد) وهذه (الصلة) .
ونظم هذا المعنى الصفي الحلي يشكر رئيسا عاده في مرضه فقال:
لما رأت علياك أني كالذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد.
وافيتني ووفيت لي بمكارم ... فنداك صلة وأنت العائد.
وقال أيضاً: وعلمت أني في محبتك الذي=فنداك لي صلة وبرك عائد.
وما ألطف قول البهاء زهير المصري في ذلك من قصيدة:
يقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليك ووارد.
هبوني كما تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي.
وما أحسن قوله منها:
فعلتم وقلتم واستطلتم وجرتم ... ولست عليكم في الجميع بواحد.
إذا كان هذا بالأقارب فعلكم ... فما الذي أبقيتم للأباعد.
وله في المعنى الأول:
فديت حبيبا زارني متفضلا ... وليس ذاك على التفضل زائدا.
وما كثرت مني إليه رسائل ... ولا مطلت بالوصل منه مواعد.
رآني عليلا في هواه فعاداني ... حبيب له بالمكرمات عوائد.
فمت كمدا يا حاسدي فأنا الذي ... له صلة ممن يحب وعائد.
وقال آخر:
لا تهجروا من لا تعود هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي.
ورفعت مقداره بالإبتدا ... حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي.
وقال الشيخ شرف الدين العصامي من فضلاء العصر:
قد ذبت من ألم البعا ... د وسقمي المتزايد.
وأنا الذي موصول حبكم فهل من عائد.
وقال الأمير أمين الدين علي بن عثمان السليماني في المعنى:
وأنا الذي أضنيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي.
وقال ابن أبي حجلة:
قطع الأحبة عادتي من وصلهم ... فكأن قلبي بالتواصل ما غذي.
فإذا سمعتم في النحاة بعاشق ... منعوه من صلة له فأنا الذي.
وما أحلى قول ابن الوردي:
وشادن يقول لي ... ما المبتدأ وما الخبر.
مثلهما لي مسرعا ... فقلت أنا القمر.
وقوله أيضاً:
وأغيد يسألني ... أيبتدى بالمضمر.
قلت نعم كقولهم ... أنت شبيه القمر.
وقول بعضهم:
يا مانعي القلب إلا عن مودتهم ... وصار في الطرف إلا عنهم نظرة.
стр. 144
صيرتموا خبري في الحب مبتدأً ... وكل معرفة لي في الهوى نكرة.
ومنه أخذ ابن الوردي حيث قال:
أنتم أحباي وقد ... فعلتم فعل العدى.
حتى تركتم خبري ... للعاشقين مبتدا.
وقال آخر: قالوا أحب مليحا ما تأمله=فكيف حل به للسقم تأثير.
فقلت قد يعمل المعنى لقوته ... في ظاهر الاسم رفعا وهو مستور.
وقال القاضي ابن الخطير:
وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجبا يعرب عن ظرفه.
علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلة في طرفه.
وقال آخر:
والله ما من خبر سرني ... إلا وذكراك له مبتدا.
وطالما باسمك في خلوتي ... ناديت واستخدمت حرف الندا.
وقال القاضي الفاضل:
لي عنده دين هل له ... من طالب وفؤادي المرهون.
فكأنني ألف ولام في الهوى ... وكأن موعد وصله التنوين.
وقال أبو الفتح البستي:
عزلت ولم أذنب ولم أك خائنا ... وهذا لإنصاف الوزير خلاف.
حذفت وغير ي مثبت في مكانه ... كأني نون الجمع حين يضاف.
وقال الصفي الحلي:
في روضة نصبت أغصانها فغدا ... ذيل الصبا بين مرفوع ومجرور.
والماء ما بين مصروف وممتنع ... والظل ما بين ممدود ومقصور.
والريح تجري رخاء فوق بحرتها ... ومطلق ماؤها في زي مأسور.
قد جمعت جمع تصحيح جوانبها ... والماء يجمع فيها جمع تكسير.
وقوله:
فلو استطعت رفعت حالي نحوكم ... لكن رفع الحال ليس يجوز.
وقول الفقيه أبي الحسين بن جبير الشاطبي الغرناطي:
تغير إخوان هذا الزمان ... وكل صديق عراه الخلل.
وكانوا قديما على صحة ... فقد داخلتهم حروف التعليل.
قضيت التعجب من أمرهم ... فصرت أطالع باب البدل.
وقول ابن العفيف:
يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواه ثاني.
لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان.
وقد أورد الصلاح الصفدي على هذين البيتين نقدا حسنا فقال: إن الساكنين إذا اجتمعا كسر أحدهما وهو الأول، وكلامه يؤدي إلى أن المكسور غيرهما. انتهى.
وتكلف بعضهم في الجواب عنه بأنه يمكن توجيه ذلك، بجعل في للسببية، أي لأي سبب كسرت قلبي، والحال انه ما التقى فيه ساكنان، بسبب سكونه وإخلاده إلى حضيض الاطمئنان وعدم تحركه واضطرابه خوفا من طروق نار الهجر، فيكون إذا أحد الساكنين، ويحسن توجيه السؤال عن كسره بلامين. انتهى.
ونظم بعضهم جوابا للبيتين فقال:
سكنته وهو ذو سكون ... لم يثنه عن هواي ثان.
فكان كسري له قياسا ... لما التقى فيه ساكنان.
وقال مجيبا عنهما أيضاً بعض فضلاء المغرب:
نحلتني طائعا فؤادا ... فصار إذا حزته مكاني.
لا غرور إذا كان لي مضافا ... إني على الكسر فيه باني.
ولأبي الحسن الباخرزي يهجو:
سئلت عن نائك الوزير أبي ... سعد وقد مزقت أسافله.
فقلت دعني فإنه رجل ... مفعول ما لم يسم فاعله.
ومن الاقتباس في علم الصرف قول الباخرزي:
أجدك لا ينفك قلب محبس ... عليك وإبصار إليك شواخص.
فطرفك معتل وجسمك سالم ... وصدغك مهموز وخصرك ناقص.
ومن الاقتباس في علم البيان قول الشيخ عبد علي بن رحمة:
قد قلت للبدر التمام منزلها ... عنه معذب مهجتي تنزيها
أشبهته لما استعرت جماله ... والاستعارة تقتضي التشبيها
وقوله أيضاً:
ولا تعجب لهجر من حبيب ... قريب الدار مرجو الوصال
فحكم الجملتين الفصل حتما ... وبينهما كمال الاتصال
ومن الاقتباس من علم البديع قوله ابن رحمة المذكور أيضاً:
وحوراء العيون إذا تجلت ... لجيش الهم آذن بالشتات
إذا التفت أفادتني نشاطاُ ... وذلك وجه حسن الالتفات
ومن الاقتباس من علم العروض قول أبي نصر الله المصري
وبقلبي من الجفاء مديد ... وبسيط ووافر وطويل
لم أكن عالما بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل
وقول الشيخ شهاب الدين بن صارو:
وبي عروضي سريع الجفا ... وجدي به مثل جفاء طويل
قلت له قطعت أسى ... فقال لي التقطيع دأب الخليل
وقال سراج الدين الوراق:
стр. 145
قلت صلني فقد تقيدت في الحب به والإسار في الحب ذل
قال يا من يريد علم القوافي ... لا تغالط ما للمقيد وصل
وقول برهان الدين القيراطي:
ومليح علم الخليل يعاني ... ليته لو غدا خليل خليع
رمت وصلا منه فقال لحاظي ... ناطقات بأحرف التقطيع
أحرف التقطيع التي تتألف منها الأجزاء الموزون بها عشرة يجمعها قولك (لمعت سيوفنا) هذا الذي أشار إليه.
وقول ابن جابر الأندلسي:
سبب خفيف خصرها ووراءه ... من ردفها سبب ثقيل ظاهر
لم يجمع النوعان في تركيبها ... إلا لأن الحسن فيها وافر
وقول ابن العدوي:
بي عروضي مليح ... موتتي فيه حياة
عاذلاتي في هواه ... فاعلاتن فاعلات
وقول بعضهم يهجو:
وجهك يا عمرو فيه طول ... وفي وجوه الكلاب طول
والكلب يحمي عن الموالي ... ولست تحمي ولا تصول
مستفعلن فاعلن فعول ... مستفعلن فأعلن فعول
بيت كما أنت ليس فيه ... شيء سوى أنه فصول
وقول أبي جعفر الألبري رقيق لبن جابر وشارح بديعيته:
دائرة الحب قد تناهت ... فما لها في الهوى مزيد
فبحر شوقي بها طويل ... وبحر دمعي بها مديد
وإن وجدي بها بسيط ... فليفعل الحب ما يريد
وقول بعضهم:
يا كاملا شوقي إليه وافر ... وبسيط وجدي في هواه عزيز
عاملت أسبابي لديك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوز
وقول يحيى الأصيلي:
وبي عروضي إذا ... أبصره لبدر احتجب
أعطافه لصبه ... فاصلة بلا سبب
ومن الاقتباس من علم النجوم قول ابن الساعاتي:
تعجبت من نحولي وهي واصلة ... توهما أنني بالوصل انتفع
وما درت أن خديها ومصطبري ... كجذوة النار منها قرب الشمع
والبدر يكمل حيث الشمس نائية ... عنه ويمحق إذ بالشمس يجتمع
وقول ابن قلاقس يشير إلى أن نور البدر عرضي:
ما أنت والقمر المنير وإن غدا ... ملء العيون وراقهن سواء
للبدر بالعرض الضياء وأنت قد ... جمعت بجوهر ذاتك الأضواء
وقول أبي إسحاق الغزي:
لست أنسى قول سلمى ذات يوم ... ما لهذا المنحني الظهر ومالي
أنا شمس في الضحى وهو هلال ... وكسوف الشمس من قرب الهلال
وفي معناه قول ابن التلميذ:
أشكو إلى الله صاحبا شكا ... تسعفه النفس وهو يعسفها
فنحن كالشمس والهلال معا ... تكسبه النور وهو يكسفها
وقول الطغرائي:
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
وما أحسن ما ضمنه الشيخ صلاح الدين الصفدي فقال:
أفدي حبيبا له في كل جارحة ... مني جراح بسيف اللحظ والمقل
تقول وجنته من تحت شامته ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
ومنه قول الأخر وأجاد:
وصل الحبيب جنان الخلد اسكنها ... وهجره النار يصليني به النارا
والشمس في القوس أمست وهي نازلة ... إن لم يزرني وفي الجوزاء إن زارا
ولهذين البيتين حكاية حكاها الخطيب في تاريخه أبي محمد إسماعيل ابن أبي منصور موهوب الجواليقي قال: كنت في حلقة والدي والناس يقرؤن عليه فوقف عليه شاب وقال: يا سيدي بيتان من الشعر لم أفهم معناهما، وانشد البيتين، فقال له والدي: يا بني هذا من علم النجوم، لا من علم الأدب، ثم قام من الحلقة وآلى على نفسه أن لا يجلس في حلقته حتى ينظر في علم النجوم، ويعرف تسيير الشمس، فنظر في ذلك وعرف ثم جلس في الحلقة. ومعنى البيتين: أن محبوبته إذا لم تزره فليله في غاية طوله، وإذا زارته فليله في غاية قصره، كنى بكون الشمس في القوس عن غاية طول الليل لأن ذلك لا يكون إلا والشمس بهذا البرج، وبكونها في الجوزاء عن غاية قصره، لأن ذلك لا يكون إلا والشمس فيها.
وقول ابن جابر:
يا حسن ليلتنا التي قد زارني ... فيها فأنجز ما مضى من وعده
قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده
وقول أبي الحسن الباخرزي:
أطلعت يا قمري على بصري ... وجها شغلت بحسنه نظري
ونزلت في قلبي ولا عجب ... فالقلب بعض منازل القمر
ومن الاقتباس من علم الهندسة، قول ابن جابر:
стр. 146
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن به إقليدسا يتحدث
فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث
وقول ابن التلميذ أو غيره:
تقسم قلبي في محبة معشر ... بكل فتى منهم هواي منوط
كأن فؤادي مركز وهم له ... محيط وأهوائي إليه خطوط
وقول الشيخ عبد علي بن رحمة ﵀:
وفتاة قد أقبلت تتهادى ... بين حور كواعب كالشموس
قلت للهندسي لما تبدت ... مثل هذا يكون شكل العروس
ومن الاقتباس من علم الحساب، قول ابن جابر الأندلسي:
قسم العلم في الغرام بلحظ ... يضرب القلب حين يرسل سهمه
هذه في هواه يا قوم حالي ... ضاع قلبي ما بين ضرب وقسمة
وقول كمال الدين بن النبيه:
خدمت بديوان المحبة ناظرا ... على غرة يا ليتني كنت عاملا
وحاسبت فرط السقم وحدي فلم يكن ... بواقيه إلا أعظما ومفاصلا
وقول بعضهم:
ولقد علمت حساب صبري بعدكم ... ونظمته في هذه الأوراق
وأقمت صبري حاصلا وأصبت ما ... وجبت أضافته إلى العشاق
وخصمت بالمضروب حتى وفره ... فوحقكم ما انساق عندي باق
وقول ابن رحمة:
وإذا جالس الكريم لئيما ... لم يفد غير نقصه من أفاده
مثل ضرب الصحيح بالكسر لا يث ... مر إلا نقصا بغير زيادة
وقوله:
قلت له كسرت قلبي ويدي ... عندك ما قابلتها بنافله
فاجبر وقابل منعما فقال ما ... قرأت علم الجبر والمقابلة
وهذا المقدار كاف في الاقتباس من القرآن والحديث وعلم الفقه وغيره من العلوم، وأكثر الاقتباس من الشواهد المذكورة، ما عدا شواهد القرآن والحديث يدخل في نوع التوجيه، وهو الذي جرى عليه أرباب البديعيات كما سيأتي بيانه في نوع التوجيه إن شاء الله تعالى وأصحاب البديعيات لم يقتبسوا من غير القرآن.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
هذي عصاي التي فيها مآرب لي ... وقد أهش بها طورا على غنمي
اقتبسه من قوله تعالى حكاية عن موسى (هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) .
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ... ولا اقتباس يرى من هذه الأطم
الأطم بضمتين: القصر، وكل حصن مبني بحجارة، وهو صريح في أن الأطم مفرد، فالإشارة إليه (بهذه) غير صحيح، وكأنه توهم أنه جمع فأشار إليه بذلك.
وأحسن اقتباس هذه الآية الشيخ أبو إسحاق الباعوني حيث قال:
إذا رأيت ذوي ظلم فقل لهم ... ستندمون وحاذر أن تساكنهم
كم مثلهم في الورى كانوا جبابرة ... فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وقلت يا ليت قومي يعلمون بما ... قد نلت كي يلحظوني باقتباسهم
قافية هذا البيت متداعية، وما أحوجه إليها إلا اسم النوع.
وبيت بديعتي قولي:
قالوا سمعنا وهم لا يسمعون وقد ... أوروا بجنبي نارا باقتباسهم
تمكين القافية في هذا البيت، واشرق نور الاقتباس فيه مع التورية، لا يخفى على من له أدنى ذوق في الأدب والاقتباس من قوله تعالى في سورة الأنفال (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) ولم يذكر ابن حجة بيت بديعية العميان في هذا النوع.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
هم أشدا على الكفار والرحما ... ما بينهم اقتباس الود والسلم
هذا البيت أضعف البيوت، وأوهن من بيت العنكبوت، وابن فصاحة الآية الشريفة من هذا الاقتباس، فأنه اقتبسه من قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) فانظر إلى هذه البلاغة الشريفة، واقتباس الشيخ منها.
المواربة
هديت يا لائمي فاترك مواربتي ... فليس يحسن إلا ترك ودهم
المواربة - براء مهملة فباء موحدة - في اللغة المداهاة المخاتلة، كذا في القاموس، وفي الحديث: وإن بايعتهم واربوك، أي خادعوك، من الورب وهو الفساد، وقد ورب يرب، ويجوز أن يكون من الإرب وهو الدهاء، وقلبت الهمزة واوا -قاله في النهاية- وقال ابن أبي الإصبع: هي مشتقة من ورب العرق -بفتح الواو والراء- إذا فسد فهو ورب بكسر الراء، كأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر كلامه بما أبداه من تأويل باطنه.
стр. 147
وحقيقة المواربة: أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه فيه بسببه وتتوجه عليه المواخذة فيستحضر بحذقة وجها من الوجوه التي يمكن التخلص به من تلك المؤاخذة، أما بتحريف كلمة أو تصحيفها، أو بزيادة أو نقص، أو غير ذلك من الوجوه. انتهى.
وظاهر أنه لا يتعين نقلها إلى الاصطلاح من الورب بمعنى الفساد بل يجوز أن يكون من المداهات والمخاتلة كما في القاموس، بل هو أنسب بالمعنى الاصطلاحي كما لا يخفى.
قال ابن أبي الإصبع: ومنه قوله تعالى حكاية عن أكبر أولاد يعقوب (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق) ولم يسرق، فأتى بالكلام على الصحة بإبدال ضمة من فتحة وتشديد في الراء وكسرتها، انتهى، وهو من المواربة بالتحريف.
وأحسن شاهد وقع في هذا النوع في الشعر وهو من التخلص بالتحريف أيضاً، ما روي: أن عبد الملك بن مروان أحضر إليه رجل يرى رأي الخوارج وهو عتبان الحروري بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوقها وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون_فقال له: ألست القائل يا عدو الله.
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين سبيب
فقال: لم أقل كذا يا أمير المؤمنين، وإنما قلت: ومنا أمير المؤمنين شبيب -ونصب أمير المؤمنين- فاستحسن قوله وأمر بتخليته.
وهذا الجواب في نهاية الحسن، فأنه إذا كان (أمير) مرفوعا كان مبتدأ فيكون: شبيب أمير المؤمنين، وإذا كان منصوبا فقد حذف منه حرف النداء ومعناه: يا أمير المؤمنين من شبيب، فلا يكون أمير المؤمنين بل يكون منهم.
وشاهد التصحيف في المواربة ما حكي: أنه أحضر أبو المقداد الهذلي عند جعفر بن سليمان الهامشي، فقال له جعفر بن سليمان: أنت القائل في؟
يا ابن الزواني من بني معاوية ... أنت لعمري منهم ابن الزانية
ثم قال: وهذا خطك. فقال صدقت هو خطي، ولكن إنما قلت: يا ابن الرواثي أنت ابن الراثية، أي اللواتي ينحن على موتاهن.
ومنه أنه اجتمع جماعة من الصوفية على علوية الشاعر وقالوا له: أنت قلن (طاب لنا الرفض بغير حشمة) ؟ فقال: إنما قلت: طاب لنا الرفض، بالصاد المهملة، فانصرفوا عنه.
ومن لطيفه ما حكي: أن بعض الملوك كان له ولد أسمه يحيى، ووزير اسمه نجم، وكان الوزير يهوى ولد الملك، فبلغ به الحب حتى كتب على فض خاتمه (نجم عشق يحيى) فوشى به بعض أعدائه إلى الملك؛ فدعاه ولامه على عشقه لولده؛ وكتابته ذلك على خاتمه؛ وتهدده بالوعيد الشديد؛ فأنكر أنه يعشقه وقال: إنما كتبت في خاتمي دعاء وتوسلا باسم سورة من القرآن وهو (بحم عسق نجني) فصحف النون بباء موحدة؛ والجيم بحاء مهملة والشين المعجمة بالمهملة؛ واليائين المثناتين من تحت بنونين؛ والحاء المهملة بجيم.
ومن بديعه قول الشيخ عز الدين الموصلي لما بلغه وفاة القاضي فتح الدين -وكان يرجح جانب الشيخ عز الدين بن المزين على جانب عز الدين الموصلي، لبغض كان في خاطره لا لاستحقاق:
دمشق قالت لنا مقالا ... معناه في ذا الزمان بين
اندمل الجرح واسترحت ... نفسي من الفتح والمزين
هذا ذكره ابن حجة في شرح بديعته ولم يبين وجه المواربة فيه. وقد خفي على بعضهم وجهها وهو في قوله: الفتح، فأنه إنما قصد فتح الدين بن الشهيد، حتى إذا أنكر عليه ذلك قال: إنما قلت: القيح، فيصحف الفاء بالقاف؛ والتاء المثناة من فوق بالياء المثناة من تحت، وهو مناسب للجرح.
وقريب من ذلك أن الوزير أبا محمد بن سفيان من وزراء المغرب كتب إلى أبي أمية بن عصام: عين زمانه، فوقعت نقطة على العين، فتوهمها وظن أنه أبهمها.
فكتب إليه الوزير أبو محمد:
لا تلزمني ما جنته يراعة ... طمست بريقتها عيون ثنائي
حقدت علي لزامها فتحولت ... أفعى تمج سمامها بسخاء
غدر الزمان وأهله عرف ولم ... أسمع بغدر يراعة وإناء
وشاهد المواربة بالحذف، قول أبي نواس في خالصه جارية الرشيد هاجيا لها وكانت سوداء:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع حلي على خالصة
فلما بلغ الرشيد ذلك تهدده بسببه فقال: لم أقل ذلك وإنما قلت:
لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء حلي على خالصة
стр. 148
فاستحسن الرشيد مواربته، وقال بعض الحاضرين: لله دره من شعر قلعت عيناه فأبصر.
ومن شواهدها بغير ذلك: قصة أبي مسلم الخراساني مع سليمان بن كثير وهي: أن أبا مسلم قال لسليمان: بلغني أنك كنت في مجلس، وقد جرى ذكري فقلت: اللهم سود وجهه واقطع رأسه واسقني من دمه، فقال نعم قلت ذلك، ونحن جلوس تحت كرم حصرم؛ فاستحسن أبو مسلم ذلك منه. انتهى.
وغلط ابن حجة في عد هذه الواقعة من نوع الإبهام، بل هي من نوع المواربة قطعا، كما ذكره بعض الفضلاء المتأخرين، لما اشتملت عليه من إفساد سليمان بن كثير ظاهر كلامه بتأويله بما لا يخطر ببال، ولا يتبادر إلى ذهن، من إرجاع ضمائره إلى الحصرم، ولا يعد إبهاما كما قدمنا الكلام عليه في نوع الإبهام.
ومنها ما روي: إن المتوكل رمى عصفورا فأخطأه فقال ابن حمدون النديم: أحسنت والله يا سيدي، فاستشاط المتوكل غيظا وقال: ويلك أتهزأ بي؟ أحسنت؟ فقال: إلى العصفور يا أمير المؤمنين، فسكن غيظه وضحك، فافسد ظاهر كلامه بجعله أحسنت بمعنى أسديت الإحسان إلى العصفور بعدم أصابتك له.
ومنها ما حكي: أن المعذل (وكان شيعيا) مر بقوم من النواصب فسلم عليهم، فلم يجيبوه فقال: لعلكم تظنون في ما يقال من الرفض؟ اعلموا أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵇، من تنقص واحدا منهم فهو كافر وامرأته طالق، فسر القوم بذلك، ودعوا له، فقال له أصحابه: ويحك ما هذه اليمين؟ فقال: إني أردت بقولي واحدا منهم عليا وحده لا غير.
ومثل ذلك ما روي أن بعض النواصب قال لرجل من الشمعة: ما تقول في العشرة من الصحابة؟ قال: أقول فيهم الخير الجميل الذي يحبط الله به سيأتي، ويرفع درجاتي، قال السائل: الحمد لله على ما أنقذني من بغضك كنت أظنك رافضيا تبغض الصحابة؛ فقال الرجل: من أبغض واحدا من الصحابة فعليه لعنة الله، قال: لعلك تتأول، ما تقول فيمن أبغض العشرة من الصحابة؟ فقال: من أبغض العشرة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فوثب فقبل رأسه وقال: اجعلني في حل مما قذفتك به من الرفض قبل اليوم، قال أنت في حل وأنت أخي، ثم انصرف السائل. وأراد بقوله: من أبغض واحدا من الصحابة: عليا ﵇، بقوله من أبغض العشرة جميعا، فيكون علي ﵇ داخلا فيهم.
وقريب من هذا ما روي عن جعفر بن محمد الصادق ﵇: أن حزقيل مؤمن آل فرعون كان يدعو قوم فرعون إلى الإيمان، فوشي به واشون إلى فرعون، وقالوا: أن حزقيل يدعو إلى مخالفتك، ويعين أعداءك على مضادتك، فقال لهم فرعون: ابن عمي وخليفتي على ملكي وولي عهدي، إن فعل ما قلتم فقد استحق العذاب على كفره نعمتي، وان كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم أشد العقاب لا يثاركم الدخول في مسائته. فجيء بحزقيل وجيء بهم وكاشفوه وقالوا: أنت تجحد ربوبية فرعون الملك وتكفر نعماه، فقال حزقيل: أيها الملك هل جربت علي كذبا قط؟ قال: لا، قال: فسلهم من ربهم؟ قالوا فرعون، قال: ومن خالقكم؟ قالوا: فرعون هذا، قال: ومن رازقكم الكافل لمعائشكم، والدافع عنكم مكارهكم؟ قالوا: فرعون هذا، قال حزقيل أيها الملك فأشهدك وكل من حضرك أن ربهم هو ربي، وخالقهم هو خالقي، ورازقهم هو رازقي، ومصلح معاشهم هو مصلح معاشي؛ لا رب ولا خالق ولا رازق غير ربهم وخالقهم ورازقهم، فاشهد لي ومن حضرك أن كل رب وخالق ورزاق سوى ربهم وخالقهم ورازقهم فأنا بريء منه ومن ربوبيته، وكافر بإلهيته.
يقول حزقيل هذا وهو يعني أن ربهم هو الله ربي، ولم يقل: أن الذي قالوا أنه ربهم هو ربي. وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره، وتوهموا أنه يقول: فرعون ربي وخالقي ورازقي، فقال لهم فرعون: يا رجال السوء ويا طلاب السوء في ملكي، ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمي وهو عضدي أنتم المستحقون لعذابي لإرادتكم فساد أمري، وأهلاك ابن عمي، والفت في عضدي، ثم أمر بالأوتاد؛ فجعل في ساق كل واحد منهم وتدا، وفي صدره وتدا، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فمشطوا بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله تعالى (فوقاه الله سيئات ما مكروا) لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه (وحاق بآل فرعون سوء العذاب) وهم الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الأوتاد، ومشط عن أبدانهم لحومهم بالأمشاط.
стр. 149
ومنها ما ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر في ترجمة أبي القاسم الكسروي قال: كان يقول: قولي لعدوي: أعزك الله، إنما أريد أعزه الله حتى لا يوجد في الدنيا، وقولي: أطال الله بقاك: وأدام عزك وتأييدك، وجعلني فداك، أي من هذا الدعاء كله، فصار الدعاء لي دونه.
وقد ذكر بعضهم في هذا النوع أمثلة ليست منه قطعا فلا يغتر بها.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لأنت عندي أخص الناس منزلة ... إذ كنت أقدرهم عندي على السلم
المواربة في (أخص) يريد بها (أخس) بالسين المهملة و (أقدرهم) يريد بها (أقذرهم) بالذال المعجمة.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
لأنت أفتح ذهنا في مواربة ... وبالتعقل منسوب إلى النعم
مراده ب (أفتح) ؛ (أقبح) بالقاف والباء الموحدة؛ و (بالتعقل) ؛ (التغفل) بالغين المعجمة والفاء، وب (النعم) بكسر النون (النّعم) بفتحها وهو اسم جامع للإبل وغيرها.
وبيت بديعية لبن حجة قوله:
يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا ... توارب العقل مني واستفد حكمي
أراد ب (محبوب) ، (مجنون) وبلفظة (توارب) ، (توازن) .
ولم ينظم الشيخ عبد القادر الطبري هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعيتي هو قولي:
هديت يا لائمي فاترك مواربتي ... فليس يحسن إلا ترك ودهم
المواربة في موضعين: أحدهما (هديت) من الهدى، والمراد (هذيت) بالذال المعجمة من الهذيان وهو التكلم بغير معقول لمرض أو غيره، والثاني (يحسن) بالحاء والسين المهملتين، والمراد (يخشن) بالخاء والشين المعجمتين.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
والعاذلان على من قده غصن ... كالبان هزا متى ما ناضحا اتهم
هذا البيت بديع في هذا النوع جدا؛ والمواربة في قوله (كالبان هزا) فأن الظاهر أن الكاف للتشبيه، والبان: الشجر المعروف، وهزا بالزاي المعجمة تمييز من هز الغصن يهزه: إذا حركه، والمراد (كلبان) تثنيه كلب، و (هرا) بالراء المهملة من هرير الكلب، وهو صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد.
التفويف
أحسن أسئ ظن حقق أدن أقص أطل ... حك وش فوف أبن أخف ارتحل أقم
التفويف: مشتق من قولهم: برد مفوف، وهو الذي فيه خطوط بيض تغاير سائر لونه. وحقيقته: إتيان المتكلم بمعان شتى من أغراض الشعر من غزل أو مدح أو غير ذلك في جمل من الكلام، كل جملة منفصلة من أختها مع تساوي الجمل في الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة وهي أحسنها، لدلالتها على قدرة الشاعر وتذليله صعب الألفاظ، فأنها أصعب مسلكا مما كان بالجمل الطوال والمتوسطة، ووجه تسمية ذلك بالتفويف أن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضها من بعض، فكان الكلام حينئذ برد مفوف.
وعلى ذلك فما أحلى قول أبي محمد عبد الله بن محمد التنوخي المعروف بابن قاضي ميلة من قصيدته المشهورة:
ولما التقينا محرمين وسيرنا ... بلبيك ربا والركائب تعسف
نظرت إليها والمطي كأنما ... غواربها منها معاطس رعف
فقالت أما فيكن من يعرف الفتى ... فقد رابني من طول ما يتشوف
أردنا إذا سرنا يسير حذاءنا ... ونوقف أخفاف المطي فيوقف
فقلت لتربيها أبلغاها بأنني ... بها مستهام قالتا نتطلف
وقولا لها يا أم عمر وأليس ذي ... منى والمنى في خيفه ليس تخلف
تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا ... بأن عن لي منك البنان المطرف
وفي عرفات ما يخبر أنني ... بعارفه من عطف قلبك أسعف
وأما دماء الهدي فهي هدى لنا ... يؤم ورأي في الهوى يتألف
وتقبيل ركن البيت إقبال دولة ... لنا وزمان بالمودة يعطف
فأوصلتا ما قلته فتبسمت ... وقالت أحاديث العيافة زخرف
بعيشي ألم أخبركما أنه فتى ... على لفظه برد الكلام المفوف
وما أحسن ما قال بعده:
فلا تأمنا ما استطعتما كيد نطقه ... وقولا سدري أينا اليوم أعيف
إذا كنت في منى الفوز بالمنى ... ففي الخيف من أعراضنا تتخوف
وقد أنذر الإحرام أن وصالنا ... حرام وأنا عن مزارك نصدف
стр. 150
وهذا وقذفي بالحصى لك مخبر ... بأن النوى بي عن ديارك تقذف
وحاذر نفاري ليلة النفر أنه ... سريع فقل من بالعيافة أعرف
فلم أر مثلينا خليلي مودة ... لكل لسان ذو غرارين مرهف
وبعده وهو مثال التفويف بالجمل الطويلة:
إلا أنه لولا أغن مهفهف ... وأشنب براق واحور أوطف
لراجع مشتاق ونام مسهد ... وأيقن مرتاب وأقصر مدنف
ومن ذلك قول النابغة أيضاً:
فلله عينا من رأى أهل قبة ... أضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاما واكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
وقول ابن عنين:
دعت في أعالي السعد يوما حمامة ... على فنن في ظل ريان باليم
فهاجت مشوقا واستفزت متيما ... وأبكت غربيا واستخفت أخا حلم
وقول الآخر:
ولو أن ما بي بالجبال لدكدكت ... وبالنار أطفاها وبالماء لم يجر
وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن ... وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر
وقول بديع الزمان الهمداني:
ما الليث مقتحما والسيل مرتطما ... والبحر ملتطما والليل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقة ... أجدى يمينا وأدنى منك مطلبا
وكاد يحيك صوت الغيث منسكبا ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقوله من قصيدة يذكر فيها أباه ويمدح خلف بن أحمد والي سجستان:
يذكرني قرب العراق وديعة ... لدى الله لا ينسيه مال ولا أهل
إذا ورد الحجاج وافي رفاقهم ... بفوارتي دمع هما النجل والسجل
يسائلهم كيف ابنه أين داره ... إلى م انتهى لم يعد هل له شغل
أضافت به حال أحالت أطالت له يد ... أأخره نقص أقدمه فضل
يقولون وافي حضرة الملك الذي له الكنف المألوف والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبي ... وخير له قصر ودر له نزل
المثال في البيت الثالث والرابع والأخير.
ومثاله بالجمل المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعا حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واحتكم أصبر وعزَّاهن ... ودل أخضع وقل أسمع ومراطع
المثال البيت الأخير.
ومثال ما جاء بالجمل القصار قول المتنبي:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي ... والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
أقل أنل اقطع احمل عل سل أعد ... زد هش بش تفضل ادن سر صل
روي أنه لما انشد أبو الطيب سيف الدولة هذه القصيدة التي هذان البيتان منها، وناوله نسختها وخرج، نظر فيها سيف الدولة، فلما انتهى إلى هذا البيت المفوف وقع تحت (أقل) قد أقلناك، وتحت (أنل) أنلناك وتحت (اقطع) قد أقطعناك الضيعة الفلانية ضيعة بباب حلب، وتحت (أحمل) يقاد إليك الفرس الفلاني، وتحت (عل) قد فعلنا -وهو من العلو- وتحت (سل) قد فعلنا، قاسل -وهو من السلو- وتحت (أعد) قد أعدناك إلى حالك من حسن رأينا، وتحت (زد) يزاد كذا، وتحت (تفضل) قد فعلنا، وتحت (ادن) قد أديناك، وتحت (سر) قد سررناك.
قال ابن جني: فبلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت (سر) من السرية فأمر له بجارية، وتحت (صل) قد وصلناك.
قال: وحكى لي بعض أخوننا: أن المعقلي وهو شيخ بحضرته ظريف قال له -وحسد المتنبي على ما أمر له به-: يا مولاي (قد فعلت) به كل شيء سالكه، فهلا قلت له لما قال لك (هش بش) هه هه هه - يحكي الضحك- فضحك سيف الدولة، وقال: وأعطيناك أيضاً ما تحب، وأمر له بصلة.
ولما أنشد المتنبي هذا البيت المفوف رآهم يعدون ألفاظه فزاد فيه وقال:
أقل أنل أن صب أحمل عل سل عد ... زد هش بش هب اغفر أدن سر صل
أن من الأون، وهو الرفق. وصب، من صلب السهم الهدف يصيبه يقال: صاب وأصاب أو من صابت السماء بالمطر.
وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب الوساطة: أن أبا الطيب نسج على منوال ديك الجن حيث قال:
أحل وامرر وضر وانفع ولن ... وأخشن ورش وابر وانتدب للمعالي
وقال الواحدي: أصل هذه الطريقة من قول امرئ القيس:
стр. 151
أفاد وجاد وساد وزا ... د وذاد وقاد وعاد وافضل
ومثله لأبي العميثل في عبد الله بن طاهر ذي اليمنين:
يا من يؤمل أن تكون خصاله ... كخصال عبد الله أنصت واسمع
أصدق وعف وبر واصبر واحتمل ... واحلم ودار وكاف وابذل وأشجع
ومنه قول بعض المعاصرين من قصيدة يمدح بها سيدي الوالد متع الله بحياته:
وابق دم راع رع تأبد تأيد ... اخفض ارفع من العلوم منارا
انتصر اخذل أقل أنل اغن أفقر ... أنه مر سد أذق عداك البوارا
أفد أرفد اعز تعزز تمنع ... جد تفضل أول العديم اليسارا
وأول هذه القصيدة قوله:
ما نضت ليلة المزار الأزارا ... هند إلا لتهتك الأستارا
طرقتنا ولات حين طروق ... حبذا زائرا إذا النجم غارا
رق بعد الصدود عطفا لرق ... ورعى حرمة العهود فزارا
غير ما موعد ألم ولما ... نرتقب للمام منه ازديارا
قابلتنا بطلعة قد أرتنا ... الشمس ليلا فأوهمتنا النهارا
طفلة تخلب العقول بطرف ... وبدل يستبعد الأحرارا
دمية لو تصورت لمجوس ... تخذوها لاها وعافوا النارا
ناهد تسلب النفوس بطرف ... غنج زاده الفتور احورارا
ذات خدٍ جنى لنا الورد غضا ... وشتيت جلى علينا العقارا
وفم مثل خاتم من عقيق ... عمر الدر في نواحيه دارا
ولحاظ تصمي القلوب وخصر ... زاده باسط الجمال اختصارا
غادة لذ لي بها هتك سري ... في طريق الهوى وخلعي العذارا
وعجيب ممن توغل أمرا ... في الهوى أن يروم منه استتارا
أيسر الهوى وشأن دموع الصب ... بالصب يظهر الأسرار
والذي عقله غدا بيد الغي ... د أسيرا لا يستبد اختيارا
ولم أورد منها هذه النبذة إلا لانسجامها وبلاغتها، وكلها من جيد الشعر.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
أقصر أطل أعذل أعذر سل خل اعن ... حن هن عز ترفق لج كف لم
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية عز الدين الموصلي قوله:
فوف أرف أنظم انثر خص عم أفد ... أعتب أدر أبرق أرعد اضحك ابك لم
قال ابن حجة: هذا البيت ما نحت من الجبال ولكن الجبال نحتت منه.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
اخشن ألن احزن افرح امنع أعط انل ... فوف أجد وش رقق شد حب لم
لا يقول (اخشن) في أول بيته ثم يطنب في مدحه إلا ابن حجة.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
تجن أصبر تدلل أرض عز أهن ... ته أحتمل مر أطع صل مفوفا ادم
ما أبرد قوله: مفوفا ادم وبيت بديعيتي هو قولي:
أحسن أسئ ظن حقق ادن أقص اطل ... حك وش فوف ابن أخف ارتحل أقم
الخطاب في ذلك للعاذل، يعني أن كل ما تفعله من هذه الأشياء في العذل فهو غير مقبول، ولا ملتفت إليه. وكذا الكلام في سائر أبيات البديعيات المذكورة إلا بيت بديعية الشيخ عبد القادر فأن الخطاب فيه للمحبوب.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
فأعذل وجر واقتصر أو طل وعز وهن ... وانقص وزد وامض وارجع وانقطع ودم
الكلام الجامع
من رام رشد أخي غي هدى واتى ... كلامه جامعا للصدق لا التهم
الكلام الجامع هو عبارة عن أن يأتي الشاعر ببيت يكون جملته حكمة، أو موعظة، أو نحو ذلك من الحقائق الجارية مجرى الأمثال. هكذا قال غير واحد من البديعيين. وقال الطيبي في التبيان: هو أن يحلي المتكلم كلامه بشيء من الحكمة والموعظة، وشكاية الزمان والإخوان، وهذا اعم من الأول........
تعلم يا فتى والعود رطب ... وطينك لين والطبع قابل
فأن الجهل واضع كل عال ... وأن العلم رافع كل خامل
فحسبك يا فتى شرفا وعزا ... سكوت الحاضرين وأنت قائل
ومنها ما كتب به الصاحب بهاء الدين الجويني إلى ابنه شمس الدين:
بني اجتهد في اقتناء العلوم ... تفز باجتناء ثمار المنى
ألم تر في رقعة بيدقا ... إذا جد في سيره فززنا
فأجدادنا الغر قد أسسوا ... من المجد شم المباني لنا
فأن لم نشدها بمجهودنا ... سينهار والله ذاك البنا
وقول أبي تمام:
стр. 152
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار في جزل الغضا ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وقول الآخر:
من عاشر الشرفاء شرف قدره ... ومعاشر السفهاء غير مشرف
فانظر إلى الجلد الحقير مقبلا ... بالثغر لما صار جار المصحف
وقول ابن الرومي:
وما الشرف الموروث لادّر درّه ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده الناس في الحطب
وقول التهامي:
لا تحسبن حسب الآباء مكرمة ... لمن يقصر عن غايات مجدهم
حسن الرجال بحسنى لا بحسنهم ... وطولهم في المعالي لا بطولهم
وقول أبي فراس:
كانت مودة سلمان لهم نسبا ... ولم تكن بين نوح وابنه رحم
وقول الآخر:
سأنفق ريعان الشبيبة آنفا ... على طلب العلياء أو طلب الأجر
أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
وقول الآخر:
على المرء أن تسعى لما فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر
فأن نال بالسعي المنى تم أمره ... وأن عرض المقدور كان له عذر
وقول الآخر:
غرست غروسا كنت أرجو لقاحها ... آمل يوما أن تطيب جناتها
فأن أثمرت لي غير ما كنت آملا ... فلا ذنب لي أن حنظلت نخلاتها
وقول الآخر:
حاول جسيمات الأمور ولا تقل ... أن المحامد والعلى أرزاق
فارغب بنفسك أن تكون مقصرا ... في غاية فيها الطلاب سباق
وقول العتابي يخاطب محبوبته:
تحبين أني نلت ما نال جعفر ... من الملك أو نال يحيى بن خالد
فقالت: نعم، فقال:
وأن أمير المؤمنين أحلني ... محلهما بالمرهفات البوارد
فقالت: لا، فقال:
دعيني ميتتي مطمئنة ... ولم أتجثم هول تلك الموارد
فأن جسيمات الأمور منوطة ... بمستودعات في بطون الأساود
هذه جملة ما أورده الطيبي من أمثال الحكمة، ونزيد نحن عليها فنقول: منها قول أبي الأسود الدؤلي لابنه، بعد أن قال له: يا بني إذا كنت في قوم فحدثهم على قدر سنك، وفاوضهم على قدر محلك، ولا تتكلمن بكلام من هو فوقك فيستقثلوك، ولا تنحط إلى من دونك فيحتقروك، فإذا وسع الله عليك فأبسط، وإذا أمسك عليك فامسك ولا تجاود الله أجود منك. واعلم أنه لا شيء كالاقتصاد، ولا معيشة كالتوسط، ولا عز كالعلم، إن الملوك حكام الناس، والعلماء حكام الملوك.
ثم أنشأ يقول:
العيش لا عيش إلا ما اقتصدت فان ... يسرف وتبذر لقيت الضر والعطبا
والعلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنون العلم والأدبا
لا خير فيمن له أصل بلا أدب ... حتى يكون على ما زانه حدبا
كم من حسيب أخي عي وطمطة ... فدم لدى القوم معروف إذا انتسبا
في بيت مكرمة آباؤه نجب ... كانوا رؤوسا فأمسى بعدهم ذنبا
وخامل مقرف الآباء ذي أرب ... نال المعالي بالآداب والرتبا
أضحى عزيزا عظيم الشأن مشتهرا ... في خده صعر قد ظل محتجبا
العلم كنز وذخر لا نفاذ له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع ما لا ثم يسلبه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وحامل العلم مغبوط به أبدا ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
يا جامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به درا ولا ذهبا
وقول الآخر:
إذا قل ماء الوجه قل بهاؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه
حياؤك فاحفظه عليك فإنما ... يدل على فضل الكريم حياؤه
وقول ابن دريد في مقصورته:
من لم يعظه الدهر لم ينفعه ما ... راح به الواعظ يوما أوغدا
من لم تفده عبرا أيامه ... كان العمى أولى به من الهدى
من قاس ما لم يره بما رأى ... أراه ما يدنوا إليه ما نأى
من ملك الحرص القياد لم يزل ... يكرع في ماء من الذل صرى
من عارض الأطماع باليأس رنت ... إليه عين العز من حيث رنا
من عطف النفس على مكروهها ... كان الغنى قرينه حيث انتوى
من لم يقف عند انتهاء قدره ... تقاصرت عنه فسيحات الخطا
من ضيع الحزم جنى لنفسه ... ندامة ألذع من سفع الذكا
стр. 153
من ناط بالعجب عرى أخلاقه ... نيطت عرى المقت إلى تلك العرى
من طال فوق منتهى بسطته ... أعجزه نيل الدنا بله القصل
من رام ما يعجز عنه طوقه ... ملعب يوما آض مخزول المطا
والناس ألف منهم كواحد ... وواحد كالألف أن أمر عنى
وقول الشنفرى في لاميته وهي المعروفة بلامية العرب:
من الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحول
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ ... سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل
وقول مؤيد الدين الطغرائي في لامية العجم:
حب السلامة يثني هم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فأن جنحت إليه فاتخذ نفقا ... في الأرض أو سلما في الجو واعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهن بالبلل
ومنها:
أعدى عدوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
غاص الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شرا وكن منها على وجل
وقال آخر:
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العالية
وكن في مكان إذا ما سقط ... ت تقوم ورجلاك في عافية
وقول ابن الشبل البغدادي وأجاد:
غاية الحزن والسرور انقضاء ... ما لحي من بعد ميت بقاء
غير أن الأموات مروا فأبقوا ... غصصا لا يسيغها الأحياء
نتمنى وفي المنى يذهب العم ... ر فيغدو بما يسر يساء
إنما الناس قادم إثر ماض ... بدء قوم لآخرين انتهاء
موت ذا العالم المؤيد بالنط ... ق وذا السارح البهيم سواء
لا شقي بفقده تبسم الأر ... ض ولا للتقى تبكي السماء
صحة المرء للسقام طريق ... وطريق الفناء هذا البقاء
بالذي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الداء للنفوس الدواء
ما لقينا من غدر دنيا فلا كانت ولا كان أخذها والعطاء
راجع جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساء
ليت شعري حلما تمر به الأي ... ام أم ليس تعقل الأشياء
من فساد يكون في عالم الكو ... ن فما للنفوس منه اتقاء
وقليلا ما تصحب المهجة الجس ... م ففيم الشقا وفيم العناء
قبح الله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفق ... د فإيجادنا علينا بلاء
وقول أبي تمام:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاُ بأهل وجيرانا بجيران
ومن الموعظة قول الصعلوكي:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا أخضر منها جانب جف جانب
فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة ... على ذاهب منها فأنك ذاهب
وقال ابن المعتز:
نسير إلى الآجال في كل ساعة ... وأيامنا تطوى وهن مراحل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام تعد قلائل
وقال الآخر:
وما الليل والأيام إلا منازل ... يسير بها سار إلى الموت قاصد
فيا عجبا منها وتلك عجيبة ... منازل تسري والمسافر قاعد
وقال ابن هاني
وما الناس إلا ظاعن ومودع ... وثاوٍ قريح الجفن يبكي لراحل
وما هذه الأيام إلا كما ترى ... وهل نحن إلا كالقرون الأوائل
نساق من الدنيا إلى غير دائم ... ونبكي من الدنيا على غير طائل
فما عاجل نرجوه إلا كآجل ... ولا آجل نخشاه إلا كعاجل
وقيل عاش عبيد الجرهمي ثلثمائة سنة، وأدرك زمن معاوية، فدخل عليه وقال له معاوية: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا.
فاغرورقت عيناي وتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب أنك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
فلست تدري وما تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
واستقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
стр. 154
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور
فقيل لي: أتعرف قائلها؟ قلت: لا، قيل: قائلها: هذا المدفون، وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس به رحما وأسرهم بموته، فقال معاوية: لقد رأيت عجبا، فمن الميت؟ قال: عثير بن لبيد العذري.
وقريب من هذا الاتفاق، ما حكاه القاضي ابن خلكان في تاريخه_وفيات الأعيان_قال: أخبرني بعض الفضلاء أنه رأى في مجموع: أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي ﵁ ببغداد وهو لا يعرفها وقد أخنى عليها الزمان، وذهبت بهجتها، وخلقت ديباجتها؛ وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن الشارة؛ فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان.
وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور:
ولقد وقفت على ربوعهم ... وطلولها بيد البلى نهب
فبكيت حتى ضج من لغبٍ ... نضوي ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الديار تلفت القلب
فمر به شخص وهو ينشد الأبيات فقال له: هل تعرف هذه الدار لمن هي؟ فقال: لا، فقال: هذه الدار لصاحب هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجب من حسن الاتفاق.
وانشد بديع الزمان في مقاماته، لزين العابدين بن الحسين ﵉:
هم في بطون الأرض بعد ظهورها ... محاسنهم فيها بوال دوائر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم ... وساقتهم نحو المنايا المقادر
وأضحوا رميما في التراب وأقفرت ... مجالس منهم عطلت ومقاصر
وحلو بدور لا تزاور بينهم ... وأنى لسكان القبور تزاور
يرى مغردا في لحده وتوازعت ... مواريثه أرحامه والأواصر
وأضحوا على أمواله يهضمونها ... ولا حامد منهم عليه وشاكر
فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها ... ويا آمنا من أن تدور الدوائر
على خطر تمسي وتصبح لاهيا ... أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
أتخرب ما يبقى وتعمر فانيا ... فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي ... ودينك منقوص ومالك وافر
وكيف يلذ العيش من هو موقن ... بموقف عدل يوم تبلى السرائر
وأن امرءاً يسعى لدنياه دائبا ... ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
وقال العلوي الكوفي:
مررت بدور بني مصعب ... بدور السرور ودور الفرح
فشبهت سرعة أيامهم ... بسعة قوس يسمى قزح
تلون معترضا في السما ... ء فلما تمكن منها نزح
هذا ما أورده الطيبي من أمثال الموعظة.
قلت: ومنها ما أنشده العلامة النيسابوري في كتاب خلق الإنسان، قال كان الحسين بن علي سيد الشهداء كثيرا ما ينشد هذه الأبيات، وتزعم الرواة أنها مما أملته نفسه الطاهرة على لسان مكارمها الوافرة:
لأن كانت الأفعال يوما لأهلها ... كما لا فحسن الخلق أبهى وأكمل
وإن كانت الأرزاق رزقا مقدرا ... فقلة جهد المرء في الكسب أجمل
وإن كانت الدنيا تعد نفيسة ... فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت=فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن كانت الأموال للترك جمعها ... فما بال متروك به المرء يبخل
وأنشد لأحمد بن أبي طاهر في التوسط بين الدنيا والدين، وقضاء كل واحد منهما في حينه:
ركبت الصبا حتى إذا ما ونى الصبا ... نزلت من التقوى بأكرم منزل
ودين الفتى بين التماسك والنهى ... ودنيا الفتى بين الهوى والتغزل
وقال آخر:
جمعوا فما أكلوا الذي جمعوا ... وبنوا مساكنهم فما سكنوا
وكأنهم كانوا بها ظعنا ... لما استراحوا ساعة ظعنوا
وقال آخر:
وما الدهر إلا شره قبل خيره ... ولذات عيش غالبتها الفجائع
فثغر بأيام المسرة ضاحك ... طرف بأيام الحوادث دامع
وقال آخر:
غنى المرء ما يكفيه عن سد خلة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
وقال آخر:
أيا جامع المال وفرته ... لغيرك إذ لم تكن خالدا
فإن قلت أخشى صروف الزما ... ن فكن من تصاريفه واحدا
وقال آخر:
ومن البلاء وللبلاء علامة ... أن يرى لك عن هواك رجوع
والعبد عبد النفس في شهواتها ... والعبد يشبع مرة ويجوع
стр. 155
ومن الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين علي ﵇:
وما الدهر والأيام إلا كما ترى ... رزية مال أو فراق حبيب
وإن امرءاً قد جرب الدهر لم يخف ... تقلب حاليه لغير لبيب
ومنه:
فرض على الناس أن يتوبوا ... لكن ترك الذنوب أو جب
والدهر في صرفه عجيب ... وغفلة المرء فيه أعجب
والصبر في النائبات صعب ... لكن فوت الثواب أصعب
وكل ما يرتجى قريب ... والموت من كل ذاك أقرب
ومنه:
أرى الدنيا ستؤذن بانطلاق ... مشمرة على قدم وساق
فما الدنيا بباقية لحي ... ولا حي على الدنيا بباق
ومنه:
فمن يحمد الدنيا لعيش يسره ... فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أقبلت كانت على المرء حسرة ... وإن أدبرت كانت كثيرا همومها
وقال آخر:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذل الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى زوال
أخر:
ألا يا نفس أن ترضي بقوت ... فأنت عزيزة أبدا غنيه
دعي عنك المطامع والأماني ... فكم أمنية جلبت منية
آخر:
نهاية أهواء القلوب بعيدة ... ومن دونها للحدثات مصائد
فنحن كطير يبتغي الحب مسرعا ... ودون الذي يبغيه فخ وصائد
آخر:
يجد بنا الزمان ونحن نلهو ... ولا ندري متى يرد الحمام
ويخدعنا الهوى في ظل عيش ... يمر بنا كما مر الغمام
كركب سفينة في لج بحر ... تسير بهم وهم فيها نيام
(قال) أبو الفتح البستي:
يا من يؤمل في دنياه عافية ... أبعدت ما أنت في دار المعافاة
دنياك ثغر فكن منها على حذر ... فالثغر مأوى مخافات وآفات
(وقال) عبدة بن الطبيب:
المرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
آخر:
متى تنقضي حاجات من ليس بالغا ... إلى حاجة حتى تكون له أخرى
آخر:
تموت مع المرء حاجاته ... وحاجات من عاش لا تنتهي
وقال آخر:
دنياك دار غرور ... ومتعة مستعارة
ودار كسب ولبس ... ومغنم وتجارة
ورأس مالك نفس فاحذر عليها الخسارة
فلا تبعها بأكل ... وطيب عيش وشاره
فأن ملك سليما ... ن لا يقي يشراره
وقال محمد بن ظفي المكي صاحب سلوان المطاع:
يا متعبا كده الحر ... ص في الفضول وكاده
لو حزت ما حاز كسرى ... وما حوى وأفاده
ما كنت إلا معنى ... ومغرما بالزيادة
لم يصف في الأرض عيش ... إلا لأهل الزهاده
فرض على الزهد نفسا ... فإنما الخير عادة
وقلت أنا في نوع الموعظة:
لا تجزعن إذا نابتك نائبة ... ولا تضيقن من خطب إذا نابا
ما يغلق الله بابا دون قارعة ... إلا ويفتح بالتيسير أبوابا
ومن الكلام الجامع في شكاية الزمان قول أبو العلاء المعري:
منك الصدود ومني بالصدود رضى ... من ذا علي بهذا في هواك قضى
بي منك ما لو غدا بالشمس ما طلعت ... من الكآبة أو بالبرق ما ومضا
إذا الفتى ذم عيشا في شبيبته ... فما يقول إذا عصر الشباب مضى
وقد تعوضت عن كل بمشبهه ... فما وجدت لأيام الصبا عوضا
الشاهد في البيت الثالث.
وقول الشريف الرضي ﵁:
واها على عهد الشباب وطيبه ... والغض من ورق الشباب الناضر
واها له ما كان غير دجنة ... قلصت صبابته كظل الطائر
وأرى المنايا إن رأت بك شبيه ... جعلتك مرمى نبلها المتواتر
كان السواد سواد عين حبيبه ... فغدا البياض بياض طرف الناظر
لو يفتدى ذاك السواد فديته ... بسواد عيني بل سواد ضمائري
أبياض رأس واسوداد مطالب ... صبرا على حكم الزمان الجائر
وقال آخر:
فسلام على المروة والدي ... ن وربعي ذراهما المأنوس
حيث فعل الأيام ليس بمذمو ... م ووجه الأيام غير عبوس
وقال أبو الطيب:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم
وذيله السيد علي بن الأبزر من شعراء العصر فقال:
فهم على كل حال أدركوا هرما ... ونحن جئناه بعد الموت والعدم
стр. 156
وقال أبو العلاء المعري:
تمتع أبكار الزمان بأسره ... وجئنا بوهن بعد ما خرف الدهر
فليت الفتى كالبدر جدد عمره ... يعود هلالا كلما فني الشهر
وقال أيضاً:
كأنما الخير ماء كان وارده ... أهل العصور وما ابقوا سوى العكر
وقال ابن شماخ:
صفا للأولى قبلي أتوا در دهرهم ... فلم يصف لي مذ جئت بعدهم غير
فجاؤا إلى الدنيا وعصرهم ضحى ... وجئت وعصري من تأخره عصر
وقال ابن قاسم المحدث:
لقي الناس قبلنا غرة الده ... ر ولم نلق منه إلا الذنابى
وقال ابن الخياط المكفوف الأندلسي:
لم يخل من نوب الزمان أديب ... كلا فشأن النائبات تنوب
وغضارة الأيام تأبى أن يرى ... فيها لأبناء الذكاء نصيب
ولذاك من سأل الليالي طالبا ... جدا ًوفهما ًفاته المطلوب
(وقال) ابن لنكك البصري:
عجبت للدهر في تصرفه ... وكل أفعال دهرنا عجب
يعاند الدهر كل ذي أدب ... كأنما ناك أمه الأدب
(وقال) ابن نباتة السعدي:
سقام لا يصاب له طبيب ... وأيام محاسنها عيوب
ودهر ليس يقبل من أديب ... كما لا يقبل التأديب ذيب
يحب على المصائب والرزايا ... فلا كان المحب ولا الحبيب
فائدة_قال زكريا بن محمد القزويني في عجائب المخلوقات: اعتقد الحكماء أن الحوادث أسبابها أوضاع الفلك، فلذلك يشكون من الزمان ومن الدهر.
كما قال قائلهم:
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برام
ولو أنها نبل إذن لا تقيتها ... ولكنني أرمى بغير سهام
فلما ورد الشرع نبه على أن الأمر ليس كما اعتقدوا بل الحوادث بقضاء الله تعالى، وقال ﵌: لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله. انتهى كلام صاحب العجائب.
وقد خطر لي هنا سؤال وجواب ذكرتهما في رسالتي التي سميتها (نفثة المصدور) ولا بأس بذكرهما هنا لما (فيهما من) الغرابة.
أما السؤال- فهو أنه إذا كان شكوى الزمان وذمه هو رأي الحكماء وقد ورد الشرع بالنهي عن هذا الرأي والاعتقاد، فكيف يستجيز متشرع ذم الزمان وشكواه؟ وقد وقع ذلك في كلام كثير من علماء المسلمين نظما ونثرا.
والجواب: أنا لا ندم الزمان من حيث أنه سبب للحوادث كما هو اعتقاد الحكماء، بل من حيث أنه ظرف للحوادث المكروهة، وهذا كما يذم الإنسان السنة المجدية، واليوم الشديد الحر، والبلدة الوخمة ألهواء الكريهة الماء، ونحو ذلك، وعلى هذا ورد ذم الدنيا في الأحاديث الشريفة، فلا يرد علينا ما ذكره من هذه الجهة، فافهم وبالله التوفيق.
وأما شكاية الإخوان فمنها قول أبي العلاء المعري:
وليس صبا يفاد وراء شيب ... بأعوز من أخي ثقة يفاد
وقول أبي فراس بن حمدان:
أراني وقومي فرقتنا مذاهب ... وإن جمعتنا في الأصول المناسب
فأقصاهم أقصاهم من مساءتي ... وأقربهم مما كرهت الأقارب
غريب وأهلي حيث ماكر ناظري ... وحيد وحولي من رجالي عصائب
وأعظم أعداء الرجال ثقاتها ... وأهون من عاديته من تحارب
وما أحسن قول أحمد بن نظام الملك:
ولما بلوت الناس أطلب منهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشدائد
تطعنت من حالي رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد
وكتب المعتصم إلى ابن عمار:
وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى النوائب
فأجابه بقطعة طويلة أولها:
فديتك لا تزهد فثم بقية ... سيرغب فيها عند وقع التجارب
وقال آخر:
أناس أمناهم فنموا حديثنا ... فلما كتمنا السر عنهم تقولوا
ولم يحفظوا الود الذي كان بيننا ... ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا
وقال آخر:
أحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصدي ... ق فكان أعرف بالمضرة
وقال آخر:
وما أكثر الإخوان حين تعدهم ... ولكنهم في النائبات قليل
(وقال) آخر:
стр. 157
دعوى الإخاء على الرخاء كثيرة ... بل في الشدائد تعرف الإخوان
(وقال) آخر:
أخلاء الرخاء هم كثير ... ولكن في البلاء هم قليل
فلا تغررك خلة من تواخي ... فمالك عند نائبة خليل
(وقال) أبو العلاء المعري:
جربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ود امرئ غرضا
(وقال) أبو فراس:
بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحر الكريم صحاب
وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ذئابا على أجسادهن ثياب
وقد أنصف من قال:
خليلي جربت الزمان وأهله ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا
وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد ... خليلا يوافي بالعهود ولا أنا
ولنكتف في هذا المعنى بهذا المقدار. وقد عقدت لكل من ذم الزمان وذم أبناء فصلا في (نفثة المصدور) وذكرت فيهما من النثر والنظم ما يشفي الصدور، فمن أراد بذلك فعليه بها.
تنبيه- قد بينا لك أن تعريف صاحب التبيان للكلام الجامع أعم من تعريف سائر البديعيين له، وعلى تعريفه جرى كثير من هذه الأمثلة التي ذكرها وذكرناها، وفيها ما هو جار على طريقتهم أيضاً، وإني لأستحسن تعميمه هذا تبعا للعلامة الكرماني شارح التبيان.
وأما أصحاب البديعيات فلم يبنوا أبياتهم إلا على ذلك فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
من كان يعلم أن الشهد مطلبه ... فلا يخاف للدغ النحل من ألم
هذا المعنى مطروق جدا لكنه أحسن الأتباع، وجاء فيه من الكلام الجامع والرقة والانسجام ما شنف الأسماع وأبهج الطباع.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
كلامه جامع وصف الكمال كما ... يهيج الشوق أنواعا من الرتم
قال ابن حجة: قد تقرر أن الكلام الجامع، أن تأتي الناظم ببيت حلته حكمة أو موعظة أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال، وليس بين الشطر الأول من البيت وبين الشطر الثاني مناسبة، ولم أر لجريان المثل دخولا في باب هذا البيت. انتهى، وهو انتقاد في محله.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
جمع الكلام إذا لم تغن حكمته ... وجوده عند أهل الذوق كالعدم
قال ناظمه: حكمة هذا البيت، ما أجريت مثلها على هذا النمط، إلا ليعلم المتيقظ أن فيه إشارة لطيفة إلى بيت عز الدين، فإني قررت أن ليس في كلامه الجمع ما يشعر بحكمة تجري مجرى الأمثال، فوجوده كالعدم. انتهى.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
من حام حول الحمى يا ذاك يوشك أن ... يرعى به أن ذا من جامع الكلم
هذا اقتباس من الحديث المشهور، وهو: من رتع حول الحمى يوشك أن يخالطه. ولا يخفى تداعي بناء هذا البيت.
وبيت بديعيتي قولي:
من رام رشد أخي غي هدى واتى ... كلامه جامعا للصدق لا التهم
إني خاطبت العاذل ببيت التفويف وقلت له:
أحسن أسيء ظن حقق ادن أقص أطل ... حك وش فوف أبن اخف ارتحل أقم
والمعنى: أن كل ما تفعله من هذه الأفعال غير مقبول، ولا ملتفت إليه.
حسن إيراد هذا البيت وهو بيت الكلام الجامع بعده، وقام مقام التعليل لعدم الالتفات إليه، وصح إجراؤه مجرى المثل، لأن معناه، أن من يروم إرشاد الغاوي ينبغي أن يهديه، وان يكون كلامه جامعا للصدق لا للتهم فكلام العاذل لما كان متهما فيه لم يلتفت إليه. وهذا البيت يصح أن يتمثل به لكل من أظهر النصيحة والإرشاد وهو منطو على خلاف ذلك.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
لا يدرك الرتبة العلياء ذو دعة ... لا بد من تعب فيها ومن سأم.
المراجعة
قالوا تراجعهم من بعد قلت نعم ... قالوا أتصدق قلت الصدق من شيمي
المراجعة- وسماها جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي السؤال والجواب- عبارة عن أن تحكي المتكلم ما جرى بينه وبين غيره من سؤال وجواب، بعبارة رشيقة وسبك لطيف، يستحلي ذوقه السمع، أما في بيت واحد أو في أبيات.
قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعته: وذكر ابن أبي الإصبع: أن هذا النوع من مخترعاته، وقد وجدناه في كتب غيره بالاسم الثاني. انتهى.
ومن لطيف شواهد هذا النوع قول عمر بن أبي ربيعة:
بينما ينعتنني أبصرنني مثل قيد الرمح يعدو بي الأغر
стр. 158
قالت الكبرى ترى من ذا الفتى ... قالت الوسطى لها هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر
هكذا أنشد هذه الأبيات ابن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير، ثم قال بعد إنشادها: إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه، وما ذاك إلا أن قوافي البيت لو أطلقت لكانت مرفوعة كما قالوا في قول رؤبة (قد جبر الدين الإله فجبر) فأنها تزيد على سبعين شطرا ولو أطلقت قوافيها لكانت كلها مفتوحة.
وأما بلاغته في الأبيات، فأنه جعل التي عرفته وعرفت به وشبهته تشبيها يدل على شغفها به، هي الصغرى، ليظهر بدليل الالتزام أنه فتى السن بما أخرجه مخرج المثل السائر موزونا ولا يقال: إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلها وقلة تجربتها، فإني أقول: أنه تخلص من هذا الدخل بكونه أخبر: إن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل ذلك، وإنما كانت تهواه على السماع، فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف، أظهرت من وجدها على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه ولم تتجاوز ذلك، وقنعت بالسؤال عنه، وقد علمته بلذة السؤال وبسماع اسمه، وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله، والعقل يمنعها من التصريح.
وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم، فكانت دون الكبرى في الثبات؛ والصغرى منزلتها في الثبات دون الوسطى؛ لأنها أظهرت في معرفة وصفه ما دل على شدة شغفها به؛ وكل ذلك وان لم يكن كذلك؛ فألفاظ الشاعر تدل عليه. انتهى.
قلت: رأيت هذه الأبيات في ديوان عمر بن أبي ربيعة من جملة قصيدة لكنها على غير هذه الصورة؛ وسياق النظم يدل على أن رواية ما في الديوان هي الصحيحة؛ وأول القصيدة قوله:
هيج القلب معان وصير ... دراسات قد كساهن الشجر
ورياح الصيف قد أزرت به ... تنسج الريح فنونا والمطر
وظلت فيها ذات يوم واقفا ... أسأل المنزل هل فيه خبر
للتي قالت لا تراب لها ... قطف فيهن انس وخفر
إذ تمشين بجثل ناعم ... ناضر النبت تغشاه الزهر
برمال سهلة زينها ... يوم غيم لم يخالطه قتر
قد خلونا فتمنين بنا ... في خلاء اليوم نبدي ما نسر
قلن يسترضينها منيتنا ... لو أتانا اليوم في سر عمر
بينما يذكرنني أبصرنني ... دون قيد الرمح يعدو بي الأغر
قلن تعرفن الفتى قلن نعم ... قد عرفناه وهل يخفى القمر
قد أتانا ما تمنينا وقد ... غيب الأبرام عنا والكدر
من حبيب لم يعرج دوننا ... ساقه الشوق إلينا والقدر
وكثير ما يشتمل شعر عمر بن أبي ربيعة على نوع المراجعة، وذلك لحكايته فيه مغازلته وحديثه للنساء، فقد كان رجلا غزلا، ومن جيد شعره قصيدته اللامية التي اعترف له جميل بالقصور عنها، وقد تضمنت هذا النوع من البديع، فلا بأس بإثباتها هنا لحسنها ورقتها، وهي:
جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحساب إلى قتلي
فطارت بوجد من فؤادي وقربت ... قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي
فما أنس مل أشياء لم أنس موقفي ... وموقفها وهنا بقارعة النخل
فلما توافقنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
وقالت لا تراب لها شبه الدمى ... أطلن مليا والوقوف على شغل
فقلن لها هذا عشاء وأهلنا ... قريب ألما تسامي موقف البغل
فقالت بما شئتن قلن لها انزلي ... فللأرض خير من وقوف على رحل
فأنزلن أمثال المها فاكتنفها ... وكل يفدي بالعشيرة والأهل
فسلمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدو مقامي أو يرى كاشح فعلي
فقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقب ... ولكن سري ليس يحمله مثلي
فلما اقتصرنا دونهن حديثنا ... وهن طبيبات بحاجة ذي التبل
عرفن الذي نهوى فقلن لها ائذني ... نطف ساعة في طيب أرض وفي سهل
فقالت ولا تلبثن قلن تحدثي ... أتيناك وانسبن انسياب مها الرمل
وقمن وقد افهمن ذا اللب إنما ... فعلن الذي قد كان منهن من أجلي
فباتت تمج المسك في فيّ غادة ... بعيدة مهوى القرط صامتة الحجل
стр. 159
تقلب عيني ظبية ترتعي الخلا ... وتحنو على رخص الشوى رشأ طفل
وتفتر عن كالأقحوان بروضة ... جلتها الصبا والمستهل من الوبل
أهيم بها في كل ممسى ومصبح ... وأكثر ذكراها إذا خدرت رجلي
قال أبو الحارث مولى بني مخزوم: اجتمع جميل وعمر بن أبي ربيعة بالأبطح، فأنشده جميل قوله:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلاً يا جميل وإنني ... لأقسم ما لي عن بثينة من مهل
حتى أتى على آخر القصيدة، ثم قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروي شيئا؟ قال: نعم، وأنشده قوله (جرى ناصح بالود بيني وبينها) حتى أتى على آخرها، فقال له جميل: ما خاطب النساء مخاطبتك أحد لا والله، لا أقول أنا مثل هذا أبدا، ثم نهض.
وقال أبو الحسن المدائني: سمع الفرزدق عمرو بن ربيعة ينشد قصيدته:
جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحساب إلى قتلي
فلما بلغ إلى قوله:
وقالت وأرخت جانب الستر إنما ... معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي
حتى أنشد بعد هذا أربعة أبيات، فلما بلغ قوله (وانسبن انسياب مها الرمل) صاح الفرزدق وقال: هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته، وبكت على الديار والدمن.
ومن محاسن أمثلة نوع المراجعة قول وضاح اليمن في معشوقته روضة:
يا روض جيرانكم الباكر ... فالقلب لا لاه ولا صابر
قالت ألا لا تلجن دارنا ... أن أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غرة ... منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن القصر من دوننا ... قلت فإني فوقه طافر
قالت فإن البحر من بيننا ... قلت فإني سابح ماهر
قالت فحولي أخوة سبعة ... قلت فإني غالب ظافر
قالت فليث رابض بيننا ... قلت فإني أسد عاقر
قالت فإن الله من فوقنا ... قلت فربي راحم غافر
قالت لقد أعييتنا حجة ... فأت إذا ما هجع السامر
واسقط علينا كسقيط الندى ... ليلة لا ناه ولا زاجر
قال هشام: كان وضاح اليمن، والمقنع الكندي، وأبو زبيد الطائي يردون مواسم العرب مقنعين، يسترون وجوههم خوفا من العين، وحذرا من النساء لجمالهم، واسم وضاح اليمن عبد الرحمن بن إسماعيل، ولقب الوضاح لحسنه وجماله.
ومن مليح هذا النوع أيضاً قول بشار بن برد:
قد لامني في خليلتي عمر ... واللوم في غير كنهه ضجر
قال أفق قلت لا فقال بلى ... قد شاع في الناس منكما الخبر
قلت وأن شاع ما اعتذاري ... مما ليس لي فيه عندهم عذر
ماذا عليهم وما لهم ... خرسوا
لو أنهم في عيوبهم نظروا
أعشق وحدي ويؤخذون به ... كالترك تغزوا فيقتل الخزر
يا عجبا للخلاف يا عجبا ... في فم من لام في الهوى الحجر
حسبي وحسب التي كلفت بها ... مني ومنها الحديث والنظر
أو قبلة في خلال ذاك وما ... بأس إذا لم تحل لي الأزر
أو عضة في ذراعها ولها ... فوق ذراعي من عضها أثر
أو لمسة دون مرطها بيدي ... والباب قد حال دونه الستر
والساق براقة مخلخلها ... أو مص ريق وقد علا البهر
واسترخت الكف للعراك وقا ... لت إيه عني والدمع منحدر
انهض فما أنت كالذي زعموا ... أنت وربي مغازل أشر
قد غابت اليوم عنك حاضنتي ... فالله لي منك فيك ينتصر
يا رب خذلي ... فقد ترى ضرعي
من فاسق جاء ما به سكر
أهوى إلى معضدي فرضرضه ... ذو قوة ما يطاق مقتدر
الصق بي لحية له خشنت ... ذات سواد كأنها الإبر
حتى علاني وأسرتي غيب ... ويلي عليهم لو أنهم حضروا
أقسم بالله لا نجوت بها فأذهب فأنت المغادر الظفر
كيف بأمي إذا رأت شفتي أم كيف إن شاع منك ذا الأثر
قد كنت أخشى الذي ابتليت به ... منك فماذا أقول يا غدر
قلت لها عند ذاك يا سكني ... لا بأس أني مجرب خبر
قولي لها بقة لها ظفر ... إن كان في البق ما له ظفر
وقول أبي نواس يهجو سليمان:
قال لي يوما سليما ... ن وبعض القول أشنع
قال صفني وعليا ... أينا أبقى وأنفع
стр. 160
قلت إني أن أقل ما ... فيكما بالحق تجزع
قال كلا قلت مهلاً ... قال قل لي قلت فاسمع
قال صفه قلت يعطي ... قال صفني قلت تمنع
وقوله في النسيب:
وفاتر بالنظر الرطب ... يضحك عن ذي أشر عذب
خاليته في مجلس لم يكن ... ثالثنا فيه سوى الرب
فقال لي والكف في كفه ... بعد التجني منه والعتب
تحبني قلت مجيبا له ... أوفر أو خير من الحب
قال فتصبو قلت يا سيدي ... وأي شيء فيك لا يصبي
قال اتق الله ودع ذا الهوى ... فقلت إن طاوعني قلبي
وقوله:
ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر
وخمارة نبهتها بعد هجعة ... وقد غابت الجوزاء وانحدر النسر
فقالت من الطراق قلت عصابة ... خفاف الاداوى يبتغى لهم خمر
ولا بد أن يزنوا فقالت أو الفدا ... بأجور كالدينار في طرفه فتر
فقلنا لها هاتيه ما إن لمثلنا ... فدنياك بالأهلين عن مثله صبر
فجاءت به كالبدر ليلة تمه ... تخال به سحرا وليس به سحر
فبتنا يرانا الله شر عصابة=نجرر أذيال الفسوق ولا فخر وقوله يهجو جعفر بن يحيى البرمكي:
قالوا امتدحت فما أعطيت قلت لهم ... خرق النعال وأخلاق السراويل
قالوا فسم لنا هذا فقلت لهم ... أو وصفه يعدل التفسير في القيل
ذاك الأمير الذي طالت علاوته ... كأنه ناظر في السيف بالطول
قاتله الله في هذا التشبيه، فأن جعفر بن يحيى كان طويل الوجه جدا طويل العنق، طويل القامة.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: كان الرشيد أيام حسن رأيه في جعفر بن يحيى، يحلف الله أفصح من قس بن ساعدة، وأشجع من عامر بن الطفيل، واكتب من عبد الحميد بن يحيى، وأسوس من عمر ابن الخطاب، وأنصح له من الحجاج لعبد الملك، وأسمح من عبد الله بن جعفر، وأعف من يوسف بن يعقوب، وأحسن من مصعب بن الزبير؛ وكان جعفر ليس بحسن الصورة، كان طويل الوجه جدا، فلما تغير رأيه فيه أنكر محاسنه الحقيقة التي لا يختلف اثنان أنها فيه، نحو كتابته وسماحته. انتهى.
ومن بديع هذا النوع قول أبي عبادة البحتري:
بت أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الرأس مائلا يتكفا
قلت عبد العزيز تفديك نفسي ... قال لبيك قلت لبيك ألفا
هاكها قال هاتها خذها ... قال لا أستطيعها ثم أغفى
وظريف قول ابن حجاج هنا:
قالت لقد أشمت بي حسدي ... إذ بحت بالسر لهم معلنا
قلت أنا؟ قالت نعم أنت هو ... قلت أنا قالت وإلا أنا
قلت نعم أنت التي صيرت ... أجفانك قلبي حليف الضنى
قالت فلم طرفك فهو الذي ... جنى على قلبك ما قد جنى
قلت فقد كان الذي كان من ... طرفي فكوني مثل من أحسنا
قالت فما الإحسان قلت اللقا ... قالت لقانا عز ما أمكنا
قلت فمنيني بتقبيلة ... قالت أمنيك بطول العنا
قلت فما بحت بسر الهوى ... قالت ولو بحت فما ضرنا
قلت فإني ميت هالك ... قالت فمت فهو لقلبي منى
قلت حرام قتل نفس بلا ... ذنب فقالت ذاك حل لناد
من يعشق العينين مكحولة ... بالسحر لا يأمن أن يفتنا
ومنه قول الصفي الحلي يمدح الملك الصالح
وقفت وأهل العصر تنشر فضله ... وتسألني عن فضله فأعيد
فقالوا له حكم فقلت وحكمة ... فقالوا له جد فقلت وجود
فقالوا له قدر فقلت وقدرة ... فقالوا له عزم فقلت شديد
فقالوا له عفو فقلت وعفة ... فقالوا له رأي فقلت سديد
فقالوا له أهل فقلت أهلة ... فقالوا له بيت فقلت قصيد
وقوله من أخرى يمدحه أيضاً:
وقائلة ما لي أراه كدمعه ... يظل ويمسي وهو من الأرض سائح
أطالب معنى قلت كلا ولا غنى ... ولست على كسب الذوات أكافح
ولكن لي في كل يوم إلى العلى ... حوائج لكن دونهن جوائح
فقالت ألا أن المعالي عزيزة ... فكيف وقد قلت لديك المنائح
فهل لك وفر قلت أي وهو ناقص ... فقالت وقدر قلت أي وهو راجح
стр. 161
فقالت وجد قلت أي وهو أعزل ... فقالت وضد قلت أي وهو رامح
فقالت ومجد قلت أي وهو متعب ... فقالت وسعد قلت أي وهو ذابح
فقالت وملك قلت أي وهو فاسد ... فقالت وملك قلت أي وهو صالح
ومن لطائف ابن الوردي قوله في هذا النوع:
نمت وإبليس أتى ... بحياة منتدبة
فقال ما قولك في ... حشيشة منتخبه
فقلت لا قال ولا ... خمرة كرم مذهبه
فقلت لا قال ولا ... مليحة مطيبة
فقلت لا قال ولا ... أغيد بالبدر اشتبه
فقلت لا قال ولا ... آلة لهو مطربة
فقلت لا قال فنم ... ما أنت إلا خشبه
وقال الشيخ صفي الدين الحلي معارضا له:
وليلة طال سهادي بها ... فزارني إبليس عند الرقاد
فقال لي هل في شمعة ... كيسة تطرد عنك السهاد
قلت نعم قال وفي قهوة ... عتقها العاصر من عهد عاد
قلت نعم قال وفي مطرب ... إذا شدا يرقص منه الجماد
قلت نعم قال وفي طفلة ... في وجنتيها للحياء اتقاد
قلت نعم قال وفي شادن ... قد كحلت أجفانه بالسواد
قلت نعم قال فنم آمنا ... يا كعبة الفسق وركن الفساد
ويعجبني هنا قول علم الدين علي بن محمد السخاوي المقري وانشدها لنفسه عند وفاته:
قالوا غدا نأتي ديار الحمى وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلي ذنب فما حيلتي ... بأي وجه أتلقاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم ... لاسيما عمن ترجاهم
ولنقتصر من أمثلة هذا النوع على هذا المقدار.
وبيت بديعية الشيخ الدين الحلي قوله:
قالوا اصطبر قلت صبري غير متسع ... قالوا اسلهم قلت ودي غير منصرم
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
راجعت في القول إذ طلقت سلوتهم ... قال اسلهم قلت سمعي عنك في صمم
انتقده ابن حجة، بأن المراجعة أن لم تتكرر لم يبق لها في القلوب حلاوة ولا يطابق اسمها مسماها، وعز الدين لم يكرر مراجعته، ولم يأت بها إلا في مكان واحد. والذي أقوله إنما صده عن ذلك الاشتغال بتسمية النوع ولكن ليته لو دخل سوق الرقيق. انتهى. وهو في محله.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
قالوا اصطبر قلت صبري ما يراجعني ... قالوا احتمل قلت من يقوى لصدهم
لا يخفى أن صدر البيت للصفي الحلي أخذه قسرا.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
قالوا مراجعة تهوى فقلت نعم ... قالوا اصطبر قلت صبري خان من قدم
صدر هذا البيت منحل جدا، وعجزة بيت الصفي الحلي.
وبيت بديعيتي قولي:
قالوا تراجعهم من بعد قلت نعم ... قالوا أتصدق قلت الصدق من شيمي
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
واستخبرا هل سلا قلبي فقلت سلا ... غيري وهل ثم صبر قلت وسط فمي
المناقصة
وإنني سوف أوليهم مناقصة ... إذا هرمت وشب الشيخ بالهرم
المناقصة - هي تعليق الشرط على نقيضين، ممكن عادة، ومستحيل عادة، ومراد المتكلم المستحيل ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط، فكأن المتكلم ناقص نفسه في الظاهر، إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين ممكن ومستحيل.
ومثاله قول النابعة:
وأنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
تناهى، أي تصير ذا نهية وهو العقل، وجمعها نهى، علق حلم المهجو وعقله على شيبه أولا وهو ممكن، وعلى شيب الغراب ثانيا وهو مستحيل، وإنما مراده الثاني لا الأول، لأن مقصوده أنه لا يحلم ولا يعقل أبدا.
قيل ومثله قول المتنبي:
أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا
стр. 162
(أو) هنا بمعنى (حتى) علق زوال حبه عن محبوبته على جر النمل ثبيرا، لاستحالته عادة لا على أن يرتاع الممدوح لإمكانه عادة، والمقصود أن حبها لا يزول أبدا. هكذا قال بعضهم في هذا البيت وليس هذا مقصود المتنبي، بل علق زوال حبها على الأمرين، لاستحالة جر النمل ثبيرا حقيقة واستحالة ارتياع الممدوح إدعاء، فالأمران كلاهما مستحيلان في اعتقاده وإن كانا تقيضين في الحقيقة، ولذلك قدم المستحيل حقيقة على المستحيل ادعاء، ولو قصد المتنبي ما قاله هذا القائل لما كان في بيته كبير مدح.
وقلت أنا في هذا النوع في معنى سنح:
وخود تحاول وصلي وقد ... أضاعت عهودي وملت جنابي
فقلت ستلقين مني الوصال ... إذا شبت أوعاد عصر الشباب
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
وأنني سوف أسلوهم إذا عدمت روحي وأحييت بعد الموت والعدم
علق السلو على عدم روحه أولا وهو ممكن، وعلى وقوع الحياة في دار الدنيا بعد الموت ثانيا وهو مستحيل وهو المراد، لأن مقصوده أنه لا يسلو أبدا.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
إني أناقض عهد النازحين إذا ... ما شاب عزمي وشبت شهوة الهرم
تعقبه ابن حجة بأنه قرر في بيته وشرحه أن شيب العزم ممكن، وشباب شهوة الهرم مستحيل، فرأيت تصوير شيب العزم وإمكانه، وسبك استعارته في قالب التشبيه كما تقرر في باب الاستعارة فيه أشكال، فأنهم قالوا الاستعارة هي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء مبالغة في التشبيه، ولم أر في شيب العزم وجها للبالغة في التشبيه؛ وعلى كل تقدير فالممكن والمستحيل في بيت عز الدين فيهما نظر. انتهى.
ونحن نقول: أضمر تشبيه انحلال العزم بشيب الإنسان، وتشبيه استكمال شهوة الهرم بشباب الإنسان، ثم استعار اسم المشبه به في كلا التشبيهين للمشبه؛ واشتق منه صيغة الفعل على قانون الاستعارة التبعية؛ والعادة جارية بأن العزم والشهوة يهرمان بهرم الإنسان كما قيل:
وهت عزماتك عند المشيب ... وما كان من شأنها أن تهي
وان ذكرت نفسك شهوات النفوس ... فما تشتهي غير أن تشتهي
فيكون شيب العزم عند الهرم ممكنا عاديا وشباب الشهوة إذ ذاك محالا عاديا، وهذا القدر من الاستحالة كاف فيما رامه الموصلي من بيان المناقصة، فلا نظر حينئذ لابن حجة.
وبيت بديعية لبن حجة قوله:
إني أناقصهم إذ أزمعوا ونأوا ... وجر نمل ثبيرا أثر عيسهم
أخذه من قول أبي الطيب:
أحبك أو يقولا جر نمل ... ثبيرا وابن إبراهيم ريعا
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
وسوف أسلوهم إذ ناقضوه إذا ... شبنا وعاد شبابي مترف الأدم
وبيت بديعيتي هو قولي:
وإنني سوف أوليهم مناقضة ... إذا هرمت وشب الشيخ بالهرم
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
هيهات أسلو بلى أن عشت وانقلبت ... صفا صفاتي أو أودعت في الرجم
الرجم بفتح الراء المهملة والجيم: القبر
المغايرة
غايرت غيري في حبيهم فأنا ... أهوى الوشاة لتقريبي لسمعهم
المغايرة والتغاير، ويسميه قوم التلطف، هو أن يتلطف الناظم أو الناثر في التوصل إلى مدح مذموم، أو ذم ممدوح، سواء كان هو الذي ذمة أو مدحه من قبل نفسه أو غيره.
فمن ذلك مدح علي ﵇ للدنيا بعد أن ذمها هو وغيره. فمن ذمها له قوله ﵇: ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته؛ ومن قعد عنا واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته.
قال السيد الرضي ﵁: إذا تأمل المتأمل قوله: ومن أبصر بها بصرته، وجد تحته من المعنى العجيب والغرض البعيد، ما لا يبلغ غايته ولا يدرك غوره، ولاسيما إذا قرن إليه قوله ﵇: ومن أبصر إليها أعمته فأنه يجد الفرق بين (أبصر بها) و (أبصر إليها) واضحا نيرا وعجيبا باهرا. انتهى.
ومن ذمها قول يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان، من شرب منها سكر، فلم يفق منها إلا في عسكر الموتى.
وقال عبادة: الدنيا قحبة، فيوما عند عطار ويوما عند بيطار.
وقال أبو الحسن الباخرزي:
ما هذه الدنيا سوى قحبة ... تبرز في الزينة للزاني
стр. 163
حتى إذا اغتر بإقبالها ... مالت لأعراض وهجران
وكان المأمون يقول: لو نطقت الدنيا لما وصفت نفسها بأحسن من قول أبي نواس:
إذا خبر الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق
وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق
وقد ألم بمعناه ابن بسام حيث قال:
أف من الدنيا وأيامها ... فأنها للحزن مخلوقة
غمومها لا تنقضي ساعة ... عن ملك فيها ولا سوقه
يا عجبا منها ومن شأنها ... عدوة للناس معشوقة
وذمها في النثر كثير جدا: ومدح علي ﵇ للدنيا هو قوله، وقد سمع رجل يذمها: أيها الذّام للدنيا المغتر بغرورها، بم تذمها، أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك؟ متى استهو أم متى غرتك؟ أبمصارع آبائك من البلى؟ أبمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك، تبغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، لم ينقع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك. إن الدنيا دار صدق لمن صدقها؛ ودار عافية لمن فهم عنها؛ ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها. مسجد أحياء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله. اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة. فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها فمثلت لهم ببلائها البلاء، وشوفتهم بسرورها إلى السرور. راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا، وتخويفا وتحذيرا، فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة. ذكرتهم الدنيا فذكروا وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا. انتهى.
ويوجد اختلاف كثير في روايات هذه الخطبة، وهذه الرواية أصحها فاني نقلتها من نهج البلاغة، وهو العمدة في كلامه ﵇.
وذكرت بقوله ﵇: مسجد أحباء الله قول بعضهم: الدنيا أحب إلي من الجنة فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: لا أني في الدنيا مشغول بعبادة ربي، وفي الجنة مشغول بلذة نفسي، وبين الأمرين بون بائن.
ولعبد الله بن المعتز رسالة يمدح فيها الدنيا، حذا فيها حذو هذه الخطبة، وأين الثريا من الثرى، ومطلع سهيل من موقع السيل، قال فيها: الدنيا دار التأديب والتعريف التي بمكروهها يوصل إلى محبوب الآخرة، ومضمار الأعمال السابقة بأصحابها إلى الجنان، ودرجة الفوز التي يرقى عليها المتقون إلى دار الخلد، وهي الواعظة لمن عقل، والناصحة لمن قبل وبساط المهل، وميدان العمل، وقاصمة الجبارين، وملحقة الرغم بمعاطس المتكبرين، وكاسيه التراب أبدان المختالين، وصارعة المغترين، ومفرقة أموال الباخلين، وقاتلة القالين؛ والعادلة بالموت بين العالمين، ومهبط القرآن المبين، ومسجد العابدين، وأم النبيين صلوات اله عليهم أجمعين، وناصرة المؤمنين، ومبيرة الكافرين. فالحسنات فيها مضاعفة، والسيئات بآلامها ممحوة، ومع عسرها يسران، والله تعالى قد ضمن أرزاق أهلها وأقسم في كتابه بما فيها. ورب طيبة من نعمها قد حمد الله عليها فتلقفتها يد الكتبة، ووجبت بها الجنة، ومال من زينتها قد وجه إلى معروفها فكان جوازا على الصراط. وكم نائبة من نوائبها، وتجربة لحوادثها قد راضت الفهم، ونبهت الفطنة، وأذكت القريحة، وأفادت فضيلة الصبر وكثرت ذخيرة الآخرة. انتهى.
وقال أبو العتاهية:
ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع اله من نالها
وقال آخر:
تذم دنيا إن تأملتها ... وجدت منها ثمر الجنة
ولأبي منصور عبد الملك الثعالبي كتاب كل شيء وذمه، ترجمه بيواقيت المواقيت، وهو غاية في بابه، فلنذكر منه هنا نبذا مستطرفة: مدح العقل_قال ﵌: إن الناس يعملون الخيرات، وإنما يعطون أجورهم يوم القيامة على مقادير عقولهم.
وقيل له ﵇ في الرجل الحسن العقل الكثير الذنوب فقال: ما من آدمي إلا وله خطأ وذنوب، فمن كانت سجيته العقل لم تضره ذنوبه لأنه كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة تمحو ذنوبه وتدخله الجنة. وكان الحسن البصري يقول: العقل هو الذي يهدي إلى الجنة ويحمي من النار، أما سمعت قول الله تعالى حكاية عن أهلها (لو كنا نسمع ونعقل ما كنا في أصحاب السعير) .
وقال آخر: العقل أحصن معقل.
стр. 164
وقال آخر: أشد الفاقة عدم العقل.
ومن فصول ابن المعتز: العقل غريزة تزينها التجارب. ومنها: حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن العقل الجمال الباطن.
ومن الشعر السائر على وجه الدهر:
يعد شريف القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
إذا حل أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
أرى العلم نورا والتأدب حكمة ... فخذ منهما في رغبة بنصيب
وما اجتمعا إلا لمن صح عقله ... وكم عالم للشيء غير لبيب
ذم العقل_كان يقال: إن العقل والهم لا يفترقان.
وقال ابن المعتز:
وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا
ومن قلائد أبي الطيب:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
فصل لابن المعتز - العقل كالمرآة المجلوة يرى صاحبه فيها مساوئ الدنيا حتى يشرب النبيذ، فإذا ابتدأ بشربه صدئ عقله بمقدار ما يشرب، فإن أكثر منه غشيه الصدأ كله حتى لا تظهر له صورة تلك المساوئ، فيفرح ويمرح. والجهل كالمرآة الصدية أبدا فلا يرى صاحبه إلا مسرورا نشيطا قبل الشرب وبعده.
وقال الحسن البصري: لو كانت للناس كلهم عقول لخربت الدنيا. وقال بعضهم: لو كان الناس كلهم عقلاء ما أكلنا رطبا ولا ماء باردا. يعني أن العاقل لا يقدم على صعود النخيل لاجتناء الرطب ولا على حفر الآبار لاستنباط المياه.
وأنشد:
لما رأيت الدهر دهر الجاهل ... ولم رأى المغبون غير العاقل
رحلت عيسا من خمور بابل ... فبت من عقلي على مراحل
مدح القلم والخط والكتابة - كان يقال: القلم أحد اللسانين، وعقول الرجال تحت أسنة أقلامها.
وقال بعض الفلاسفة: صورة الخط في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.
وقال إقليدس: القلم صائغ الكلام، يفرغ ما يجمعه القلب، ويصوغ ما يسبكه اللب.
وقال أيضاً: الخط هندسة روحانية وإن ظهرت بآلة جثمانية.
وقال جعفر بن يحيى: لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم.
وقال المأمون: لله در القلم كيف يحوك وشي المملكة.
وقال أبو الفتح البستي:
إذا افتخر الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتاب فخرا ورفعة ... مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
هذا ما اخترته في مدح الخط والقلم من الكتاب المذكور. ونضيف إليه من مختار غيره فنقول: قال صاحب كتاب أدب المسافر: الخط لليد لسان، وللخلد ترجمان فرداءته زمانة الأدب، وجودته تبلغ بصاحبه شرائف الرتب، وفيه المرافق العظام التي من الله بها على عباده فقال جل ثناؤه (وربك الأكرم الذي علم بالقلم) .
وروى جبير عن الضحاك في قوله تعالى (علمه البيان) قال: الخط، وهو لمحة الضمير، ووحي الفكر، وسفير العقل، ومستودع السر؛ وقيد العلوم والحكم؛ وعنوان المعارف، وترجمان الهمم. انتهى.
نظر أعرابي إلى فقال: كواكب الحكم في ظلم المداد.
(وقال) حكيم: القلم قيم الحكمة. إن هذه العلوم تند فاجعلوا الكتب لها حماة، والأقلام لها رعاة.
(وقال) سهل بن مروان: القلم أنف الضمير إذا رعف أعلن أسراره، وأبان آثاره.
وقيل: الأقلام رسل الكلام.
وقيل: ما أثبتته الأقلام لا تطمع في دروسه الأيام.
وقال فيلسوف: الخط لسان اليد.
قيل لنصر بن سيار: إن فلانا لا يكتب فقال: تلك الزمانة الخفية.
وزعم المنجمون: إن القلم في حساب الجمل وزنة نفاع، لأن لكل منهما من العدد مائتان وواحد.
وقال ابن الرومي وأجاد:
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم
بذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
ذم القلم والخط والكتابة: قال ابن المعتز في ذم القلم:
وأجوف مشقوق كأن شباته ... إذا استعجلتها الكف منقار لاقط
وتاه به قوم فقلت رويدكم ... فما كاتب بالكف إلا كشارط
وقال أبو العلاء المعري: لو كان في الخط فضيلة لما حرمها رسول الله ﵌.
стр. 165
وقال بعض مجان الحكماء: ما لقينا من الكتاب في الدنيا والآخرة خيرا. أما الدنيا فقد بلينا به، وأخذنا بحفظ فرائضه، وإقامة شرائطه. أما في الآخرة فأنا نلقاه منشورا بسرائرنا، وخفايا صدورنا.
وذكر الجاحظ عامة الكتاب فقال: أخلاق حلوة، وشمائل معسولة وثياب مغسولة، وتظرف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإذا اصطلوا بنار الامتحان كانوا كالزبد بذهب جفاء، أو كنبات الربيع بالصيف يحركه هيف الرياح،، لا يستندون إلى وثيقة، ولا يدينون بحقيقة أخفر الخلق لأماناتهم وأشراهم بالثمن البخس لعهودهم (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) .
مدح الشعر والشعراء.
كان يقال: الشعر ديوان العرب، ومعدن حكمتها، وكنز آدابها، والشعر لسان الزمان، والشعراء أمراء الكلام.
وقال بعض السلف: الشعر أدنى مروة السري، وأسرى مروة الدني.
وقال آخر: الشعر جزل من كلام العرب تقام به المجالس، وتستنجح به الحوائج، ويشفى به الغيظ.
قلت: روي الزمخشري في ربيع الأبرار هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله، بتقديم وتأخير، وتغيير يسير، وعبارته عنه ﵇: الشعر جزل من كلام العرب يشفى به الغيظ ويوصل به إلى المجلس وتقضى به الحاجة.
وكان يقال: المدح مهزة الكرام، وإعطاء الشاعر من بر الوالدين.
وقال بعضهم: أنصف الشعراء فإن ظلامتهم تبقى، وعقابهم لا يفنى، وهم الحاكمون على الحكام.
وقال آخر: الشعر أصالة في العقل، وذكاء للقلب، وطول في السان وجود في الكف.
وقال ﵇: إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا.
وكان يقال: النثر يتطاير تطاير الشرر، والنظم يبقى بقاء النقش في الحجر.
وقال دعبل في كتابه -كتاب الشعراء- من فضائل الشعر أنه لا يكذب أحد إلا اجتواه الناس وقالوا كذاب إلا الشاعر، فأنه يكذب فيستحسن منه كذبه، ويحتمل ذلك له ولا يكون عليه عيبا، ثم لا يلبث إن يقال له أحسنت. أن الرجل_الملك أو السوقة_إذا صير ابنه في الكتاب أمر معلمه أن يعلمه القرآن والشعر، فيقرنه بالقرآن، ليس لأن الشعر كالقرآن، لا ولا كرامة للشعر ولكنه من أفضل الآداب فيأمره بتعليمه إياه، لأنه يوصل به المجالس، وتضرب فيه الأمثال ويعرف به محاسن الأخلاق ومساويها، فيذم به ويحمد ويهجى ويمدح. انتهى.
ومن أحسن ما قيل في مدح الشعر: قول أبي تمام:
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بناة المعالي أين تبنى المكارم
وأحسن منه قول ابن الرومي:
أرى الشعر يحيي الجود والباس بالذي ... تبقيه أرواح له عطرات
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد ... وما الناس إلا أعظم نخرات
فصل لأبي بكر الخوارزمي جامع في مدح الشعراء: ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم، والكذب مذموم إلا فيهم. إذا ذموا ثلبوا، وإذا مدحوا سلبوا، وإذا رضوا رفعوا الوضيع، وإذا غضبوا وضعوا الرفيع وإذا أقروا على أنفسهم بالكبائر لم يلزمهم حد، ولم تمتد إليهم بالعقوبة يد.
غنيهم لا يصادر، فقرهم لا يحتقر، وشيخهم يوقر، وشابهم لا يستصغر وسهامهم تنفذ في الإعراض إذا نبت السهام عن الأغراض، وشهادتهم مقبولة وإن لم ينطبق بها سجل، ولم يشهد عليها عدل، وسرقتهم مغفورة وإن جاوزت ربع دينار وبلغت ألف قنطار. إن باعوا المغشوش لم يرد عليهم وإن صادروا الصديق لم يستوحش منهم، بل ما ظنك بقوم هم صيارفة أخلاق الرجال، وسماسرة النقص والكمال، بل ما ظنك بقوم اسمهم ناطق بالفضل، واسم صناعتهم مشتقة من العقل.
هذا مختار ما ذكره في اليواقيت في مدح الشعر وأهله.
ومن مختاره: قال المطرزي: كان يقال: اختص اله العرب بأشياء.
العمائم تيجانها، والحبى حيطانها، والسيوف سيجانها، والشعر ديوانها. وإنما قيل: الشعر ديوان العرب لأنهم كانوا يرجعون إليه عند اختلافهم في الأنساب والحروب، ولأنه مستودع علومهم، وحافظ آدابهم، ومعدن أخبارهم. انتهى.
وكانت العرب تعظم الشعر، وتفتخر بقوله. وكانت القبيلة منهم إذا نبغ فيهم شاعر أتت القبائل فهنأتها بذلك، وضعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس، وتباشر الرجال والوالدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم، واشادة لذكرهم. وكانوا لا يهنون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبع فيهم، أو فرس ينتج.
стр. 166
وقال بعضهم: الشعراء أمراء الكلام، يقصرون الممدود، ويمدون المقصور، ويقدمون ويؤخرون، ويشيرون، ويختلسون، ويعيرون ويستعيرون. فأما لحن في إعراب أو إزالة كلمة عن نهج الصواب فليس لهم ذلك.
وعن الشريد قال: استنشدني النبي ﵌ شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته, فأخذ النبي ﵌ يقول: هيه هيه، حتى أنشدته مائة قافية.
وقال بعضهم:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به ... والشعر أفخر ما ينبي عن الكلم
لولا مقال زهير في قصائده ... ما كنت تعرف جودا كان في هرم
فائدة - أعلم أن الشعر من خواص لغة العرب، ولم يكن في غيرها من اللغات، وما يذكر أنه كان لليونانيين شعر فليس المراد به هذا الشعر وإنما كانوا يؤلفون الألفاظ المشتملة على المعاني التي تورث النفس انفعالا من قبض أو بسط، ولا يراعون وزنا ولا قافية. وأما ما هو المشهور الآن من الشعر الذي للفرس والترك ونحوهم فهو أمر حادث أخذوا طريقته من العرب، وتتبعوا أقوالهم وأوزانهم، واستخرجوا بأفكارهم بحورا زائدة. وقد يكون لغير العرب إلى الآن أيضاً ألفاظ يتغنون بها، ويتصرفون فيها بحسب ما يريدون من الألحان من دون رجوع إلى وزن أو قافية والله أعلم. وقد أمليت كتابا لطيفا، وديوانا طريفا في مقاصد الشعر، ترجمته ب (محك القريض) أوردت فيه من مدح الشعر والشعراء ما فيه مقنع لمن كان منه بمرأى ومسمع والله الموفق ذم الشعر والشعراء - كان يقال: الشعر رقية الشيطان.
ولذلك قال جرير وهو يمدح عمر بن عبد العزيز ويصف ترفعه عن استماع الشعر:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
وقال آخر: لا خير في شيء أحسنه أكذبه.
وكان أبو مسلم يقول: إياك والشاعر فأنه لا يهجو إلا جليسه، ويطلب إلى الكذب مثوبة.
وقال آخر: لا تجالس الشاعر فأنه إذا غضب عليك هجاك، وإذا رضي عنك كذب عليك. وقد وصفهم الله سبحانه ومتبعهم من ورائهم بالصفة الخاصة بهم فقال "والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ملا يفعلون".
وقرنهم بشر صنف من مستحلي الأباطيل وهم الكهنة فقال "وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون".
ومن أحسن وأصدق ما ذم به الشاعر قول عبد الصمد بن المعذل لأبي تمام وقد قصد البصرة وشارفها:
أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وكلتاهما بوجه مذال.
لست تنفك طالبا لوصال ... من حبيب أو راغبا في نوال.
أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال.
فلما بلغت الأبيات أبا تمام قال: صدق والله أحسن. وثنى عنانه عن البصرة وأقسم أن لا يدخلها أبدا.
وقال أبو سعيد المخزومي:
الكلب والشاعر في حالة ... يا ليت أني لم أكن شاعرا.
أما تراه باسطا كفه ... يستطعم الوارد والصادرا.
وقال أبو سعيد الرستمي الأصبهاني:
تركت الشعر للشعراء إني ... رأيت الشعر من سقط المتاع.
مدح الكتب- قال الجاحظ: الكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا وجدا.
إن شئت كان أعيى من باقل، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل، وإن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت من غرائبه، وإن شئت ألهتك نوادره، وإن شئت أشجتك مواعظه.
والكتاب نعم الظهر والعمدة، ونعم الكنز والعقدة، ونعم الذخر والعدة ونعم النزهة والسلوة؛ ونعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل، ونعم الوزير والنزيل. والكتاب هو الجليس الذي لا يغويك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والمستميح الذي لا يستزيدك، وهو الذي يعطيك بالليل طاعته بالنهار ويفيدك في السفر إفادته في الحضر.
ثم قال: وبعد فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة يقلب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء. ومن لك بواعظ مله وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وبساكت ناطق. ومن لك بطيب أعرابي، وبرومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، وبميت حي.
стр. 167
ثم قال: ولولا رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجائب حكمها، ودونت من محاسن سيرها، حتى شاهدنا به ما غاب عنا، وفتحنا به ما استغلق علينا، وأضفنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم، لقد كان يبخس حظنا من الحكمة؛ وتضعف أسبابنا عن المعرفة والفطنة. ولولا الكتب المدونة، والأخبار المخلدة، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النسيان على سلطان الذكر.
وكان يقال: إنفاق الفضة على كتب الآداب يخلفك عليه ذهب الألباب.
وقرأ أبو الحسن بن طباطبا العلوي في بعض الكتب: الكتب معقل العقلاء إليها يلجؤون، وبساتينهم فيها يتنزهون، فقال:
اجعل جليسك دفترا في نشره ... للميت من حكم العلوم نشور.
فكتاب علم للأديب موانس ... ومؤدب ومبشر ونذير.
ومفيد آداب ومؤنس وحشة ... وإذا انفردت فصاحب وسمير.
وقال المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب.
انتهى ما اخترناه من اليواقيت في مدح الكتب.
وقال جمال الدين إبراهيم بن القاقشوشي الكتبي في الكتب وأجاد ما أراد:
ورب صحب حووا جمع العلوم رضوا ... بالفقر ليس لهم قوت ولا مال.
في الحر والبرد أطمار الجلود لهم ... قمص وفخر لهم إذ هن أسماك.
سؤالهم بعيون الناس لا بفم ... ونطقهم بفم السؤال قوال.
كل يراهم ولا يدري بخبرهم ... إلا لبيب له في العلم إيغال.
يحيون في العلم ما عاشوا بلا ضجر ... الجد عندهم والمزح أمثال.
وربما اختلفت منهم عقائدهم ... ولا يرى بينهم قيل ولا قال.
فكن مصاحبهم تحيا بلا كدر ... ومن سواهم فختار وختال.
فإن علمت بعلمي عشت في دعة ... وإن جهلت فجل الناس جهال.
ذم الكتب- كان يقال: من تأدب من الكتاب صحف الكلام، ومن تفقه من الكتاب غير الأحكام. ومن تطبب من الكتاب قتل الأنام، ومن تنجم من الكتاب أخطأ الأيام وأنشد: ليس بعلم ما حوى القمطر=ما العلم إلا ما حواه الصدر.
وأنشدني مؤدب لي في صباي:
صاحب الكتب تراه أبدا ... غير ذي فهم ولكن ذا غلط.
كلما فتشته عن علمه ... قال علمي يا خليلي في سفط.
في كراريس جياد أحكمت ... وبخط أي خط أي خط.
فإذا قلت له هات إذن ... شد لحييه جميعا وامتخط.
وأنشد الجاحظ لمحمد بي يسير وهو أحسن ما قيل في معناه:
أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذلك ما أجمع.
ولم أستفد غير ما قد جمع ... ت لقيل هو العلم المصقع.
ولكن نفسي إلى كل شيء ... من العلم تسمعه تنزع.
فلا أنا أحفظ ما قد جمع ... ت ولا أنا من جمعه أشبع.
ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع.
إذا لم تكن حافظا واعيا=فجمعك للكتب لا ينفع.
وأنشد يوسف النحوي قول الشاعر:
أستودع العلم قرطاسا فضيعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس.
فقال: قاتله الله ما أشد صبابته بالعلم، وأحسن صيانته له.
وقال أخر:
إني لأكون علما لا يكون معي ... إذا خلوت به في جوف حمام.
ولأبي بكر الخوارزمي فصل في آفات الكتب نظم نكتها تلميذ له فقال:
عليك بالحفظ دون الجمع في كتب ... فإن للكتب آفات تفرقها.
الماء يغرقها والنار تحرقها ... واللص يسرقها والفار يخرقها.
انتهى ما أورده الثعالبي.
وقال آخر في ذلك:
الكتب تذكرة لمن هو عالم ... وصوابها بخطائها معجون.
من لم يشافه عالما بأصوله ... فيقينه في المشكلات ظنون.
وقال آخر:
يظن الغمر أن الكتب تهدي ... أخا جهل لإدراك العلوم.
وما علم الغبي بان فيها ... مهامه حيرت عقل الفهيم.
إذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصراط المستقيم.
فائدة، ممن اخذ العلم بالمطالعة من الكتب- دون شيخ- ابن حزم الظاهري، وابن الجوازي، ووقع لهما بسبب ذلك تصحيفات كثيرة.
وقيل والزمخشري صاحب الكشاف، وليس بصحيح.
مدح الغنى- قال ابن المعتز:
إذا كنت ذا ثروة من غنى ... فأنت المسود في العالم.
وحسبك من نسب صورة ... تخبر أنك من آدم.
وقال أب الأسود الدؤلي:
стр. 168
وباه تميما بالغنى أن للغنى ... لسان به المرء الهيوبة ينطق.
ذم الغنى- قال الله عز ذكره (إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى) .
ويستجاد جداً قول محمود الوراق في هذا الباب:
لا تشعرن قلبك حب الغنى ... إن من العصمة أن لا تجد.
كم واجد أطلق وجدانه ... عنانه في بعض ما لم يرد.
ومدمن للخمر غاد على ... سماع عود وغناء غرد.
لو لم يجد خمرا ولا مسمعا ... برد بالماء غليل الكبد.
وكم يد للفقر عند امرء ... طأطأ منه الفقر حتى اقتصد.
مدح الفقر- من أحسن ما قيل فيه قول أبي العتاهية:
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر.
وقول محمود الوراق:
يا عائب الفقر ألا تنزجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر.
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صح منك النظر.
إنك تعصي الله تبغي الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر.
قلت: محمود الوراق أخذ هذا المعنى من سبيكة ذهب، وقلبه في قطعة خشب، وأين هذا من قول الأول:
دليلك أن الفقر خير من الغنى ... وأن قليل المال خير من المثري.
لقاؤك مخلوقا عصى الله للغنى ... ولم تر مخلوقا عصى الله للفقر.
ذم الفقر- في كتاب المهبج: الفقر في الأذن وقر، وفي العين عقر، وفي القلب بقر، وفي الجوف بقر، وأنشد:
إذا قل مال المرء قل حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه.
وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه.
وقال صالح بن عبد القدوس:
بلوت أمور الناس سبعين حجة ... ولا بست صرف الدهر في العسر واليسر.
فلم أر بعد الدين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر.
@أنوار الربيع في أنواع البديع
الجزء الثالث تتمة باب المغايرة وقال أبو أحمد التمامي:
غالبت كل شديدة فغلبتها ... والفقر غالبني فأصبح غالبي
إن أبده يفضح وإن لم أبده ... يقتل فقبح وجهه من صاحب
مدح الصبر - قال بعضهم:
ما أحسن الصبر في مواطنه ... والصبر في كل موطن حسن
وقال علي بن الجهم:
وعاقبة الصبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرجال التفضل
وقال بعضهم:
الصبر مفتاح ما يرجى ... وكل خطب يهون
اصبر وإن طالت الليالي ... فربما أمكن الحرون
وربما نيل باصطبار ... ما قيل هيهات لا يكون
والنظم والنثر في هذا المعنى كثير جدا.
ذم الصبر - قال البرقعي:
من حمد الصبر وحالاته ... فلست بالحامد للصبر
كم جرعة للصبر جرعتها ... أمر في الذوق من الصبر
وقال آخر:
ما أحسن الصبر ولكنه ... في ضمنه يذهب عمر الفتى
وقال القاضي الفاضل:
يقولون أن الصبر يعقب راحة ... وما ضمنوا تبليغ عاقبة الصبر
وفي الصبر ربح أو طريق مبلغ ... إلى الربح لكن الخسارة من عمري
وما أحسن قول الشاعر:
ومصبر للصب قلت له وهل ... صبر لمن عنه الحبيب يغيب
والله إن الشهد بعد فراقهم ... ما لذ لي فالصبر كيف يطيب
مدح المشورة - قال بعض البلغاء: المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب، والمستشير على طريق النجاح، واستنارة المرء برأي أخيه من عزم الأمور وحزم التدبير. وقد أمر الله بالمشورة أكمل الخلق لبابة، وأولاهم بالإصابة، فقال لرسوله الكريم، في كتابه الحكيم (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله) .
وقال الأصمعي: قلت لبشار بن برد: يا أبا معاذ، والله ما سمعت في المشورة أحسن من قولك:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم
فقال لي: أما علمت أن المشاور بين إحدى الحسنيين، صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه. فقلت له: والله لأنت في كلامك هذا أشعر منك في شعرك.
ذم المشورة - كان عبد الملك بن صالح الهاشمي يذم المشورة ويقول: ما استشرت أحدا قط إلا تكبر علي وتصاغرت له، ودخلته العزة، ودخلتني الذلة. فإياك والمشاورة وإن ضاقت بك المذاهب، واستبهمت عليك المسالك وأداك الاستبداد إلى الخطأ الفادح.
стр. 169
وكان عبد الله (بن) طاهر يقول: ما حك ظهري مثل ظفري، ولأن أخطأ مع الاستبداد ألف خطأ أحب إلي من أن استشير فالحظ بعين النقص والحاجة.
مدح العتاب - قال بعض البلغاء: العتاب حدائق المتحابين، وثمار الأوداء، والدليل على الضن بالأخوة. وكان يقال: ظاهر العتاب خير من باطن الحقد.
(وقال) أبو لادرداء: معاتبة الأخ أهون من فقده، ومن لك بأخيك كله.
(وقال) بعضهم:
ترك العتاب إذا استحق أخ ... منك العتاب ذريعة الهجر
وقال الشاعر:
نعاتبكم يا آل عمرو لحبكم ... إلا إنما الملقي من لا يعاتب
وقال آخر: - (ويبقى الود ما بقي العتاب) وقال آخر: - (وفي العتاب حياة بين أقوام) وقال آخر:
إذا تخلفت عن صديق ... ولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعده إليه ... فإنما حبه تكلف
(وقال) آخر:
علامة ما بين المحبين والهوى ... عتابها في كل حق وباطل
(وقال) آخر:
ومن لم يعاتب في التواني خليله ... وأملى له صار التواني تماديا
ذم العتاب - قال بعضهم: كثرة العتاب داعية الاجتناب. وقال الشاعر:
إن بعض العتاب يدعو إلى الع ... ب ويوذي من المحب الحبيبا
وإذا ما القلوب لم تضمر الود ... فلن يعطف العتاب القلوبا
وقال آخر:
ودع ذكر العتاب فرب شر ... طويل هاج أوله العتاب
وقال آخر:
إذا ما كنت منكر كل ذنب ... ولم تحمل أخاك عن العتاب
تباعد من تقارب بعد قرب ... وصار به الزمان إلى اجتناب
وقال آخر:
أقلل عتاب من استربت بوده ... ليست تنال مودة بعتاب
وفي نوابع الكلم: الكتاب الكتاب، أن أردت العتاب، إن العتاب مسافهة، متى كان مشافهة.
مدح الشباب - قال الصولي في كتاب فضل الشباب على الشيب الذي ألفه للمقتدر: إن السن لا تقدم مؤخرا ولا تؤخر مقدما، بل ربما عدل بجلائل الأمور ومهمات الخطوب عن المشايخ إلى الشبان لاستقبال أيامهم، وسرعة حركاتهم، وحدة أذهانهم، وتيقظ طباعهم؛ ولأنهم على ابتناء المجد أحرص وإليه أصبا وأحوج. وقد أخبر الله عز اسمه أنه أتى يحيى بن زكريا ﵉ الحكمة في سن الصبا فقال: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا) وذكر الفتية في غير موضع من كتابه فقال: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) وقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم) وقال عز ذكره: (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) وقال (في موضع) آخر: (وإذ قال موسى لفتيه) وعن ابن عباس أنه قال: ما بعث الله نبيا من الأنبياء ﵈ إلا شابا، ولا أتى العلم عالما إلا وهو شاب ثم تلا هذه الآية: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) .
وقال بعض البلغاء: الشباب باكورة الحياة، وأطيب العيش أوائله كما أن أطيب الثمار بواكيرها.
ولما أنشد منصور النمري الرشيد قوله:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
ما كنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
بكى الرشيد حتى اخضلت لحيته ثم قال: يا نمري ما خير دنيا لا يخطر فيها برداء الشباب.
(وقال) يوتس أغوى: ما بكت العرب على شيء ما بكت على الشباب، وما بلغت منه ما يستحق.
وقال الجاحظ في معنى قول أبي العتاهية:
إن الشباب حجة الصتابي ... روائح الجنة في الشباب
معنى كمعنى الطرب الذي تشهد بصحته القلوب وتعجز عن صفته الألسنة.
ذم الشباب - كان يقال: الشباب مطية الجهل، ومطية الذنب.
وقال النابغة الذبياني:
فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإن مطية الجهل الشباب
وقال الغيبي: قالت عهدتك مجنونا فقلت لها=إن الشباب جنون برؤه الكبر وقال أبو الطيب المصعبي:
لم أقل للشباب في كنف الله وفي سترة غداة استقلا
زائر زارني أقام قليلا ... سود الصحف بالذنوب وولى
وقال آخر:
ما أبصرت عيناي أغدر زائر ... في الدهر من هذا الشباب الراحل
أكرمته وبررته حتى إذا ... واحا حال على المشيب القاتل
مدح الشيب - في الخبر أن الله سبحانه يقول: الشيب نوري، وأنا أستحي أن أحرق نوري بناري.
وكان يقال: الشيب حلية العقل وسمة الوقار.
وكان يقال: المشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضة سبكتها التجارب.
стр. 170
وقال بعض الحكماء: إذا شاب العاقل سرى في طريق الرشد بمصباح.
فصل للبديع الهمداني في مدح الشيب (و) ذم الشباب: جزى الله المشيب خيرا فإنه أناة ولا رد الشباب فإنه هناة. وأظن الشباب والمشيب لو مثلا لمثل الأول كلبا عقورا، والآخر شيخا وقورا، ولاشتعل الأول نارا، واشتهر الثاني نورا. فالحمد لله الذي بيض القار وسماه الوقار، وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد. إن السعيد من شابت لمته، ولم تخص بالبياض لحيته.
وقال دعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وهيبة المتحرج
ضيف أحل بك النهى فقريته ... رفض الغواية واقتصاد المنهج
لا شيء أحسن من مشيب وافد ... بالحلم مخترم الشباب الأهوج
فكأن شعري نظم در زاهر ... في تاج ذي ملك أغر متوج
وقال طريح بن إسماعيل الثقفي:
والشيب أن يحلل فإن وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفس
لم ينتقص مني المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألب وأكيس
وقال أبو تمام:
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
وقال أبو السمط:
إن المشيب رداء العقل والأدب ... كما الشباب رداء اللهو والطرب
هذا مختار اليواقيت في مدح الشيب.
وقال الشريف الرضي:
مسيري في ليل الشباب ضلال ... وشيبي ضياء في الورى وجمال
سواد ولكن البياض سيادة ... وليل ولكن النهار جلال
وما المرء قبل الشيب إلا مهند ... صدي وشيب العارضين صقال
وأطرب لقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي أبقاه الله تعالى:
وإن في الشعرات البيض لو عملوا ... نورا لعيني ونوارا على عودي
بيض وسود إذا ماستجمعا حسنا ... حسن البياض على أحداقها السود
ذم الشيب - ومن أحسن ما قيل فيه على كثرته قول أبي تمام:
غدا الشيب مختطا بفودي خطة ... طريق الردى منها إلى النفس مهيع
هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع
له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسقع
ونحن نزجيه على الكره والرضى ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وقول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
تضاحكت لما رأت ... شيبا تلالا غرره
قلت لها لا تضحكي ... أنبيك عندي خبره
هذا غمام للردى ... ودمع عيني مطره
وقول الآخر:
من شاب قد مات وهو حي ... يمشي على الأرض مثل هالك
لو كان عمر الفتى حسابا ... لكان في شيبه فذالك
هذا ما أورده الثعالبي من الشعر في ذم الشيب.
ويعجبني إلى الغاية قول مهيار بن مرزويه الكاتب ﵀:
قالوا المشيب لبسة جديدة ... خذوا الجديد واستردوا لي الخلق
وقال القاضي شمس الدين بن خلكان: أنشدني الأديب أبو عبد الله شهاب الدين محمد بن يوسف بن سالم المعروف بالتلعفري في بعض ليالي شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وستمائة بالقاهرة، وهو من شعراء العصر المجيدين:
يا شيب كيف وما انقضى زمن الصبا ... عاجلت مني اللمة السوداء
لا تعجلن فو الذي جعل الدجى ... من ليل طرتي البهيم ضياء
لو أنها يوم الحساب صحيفتي ... ما سر قلبي كونها بيضاء
فقلت له: قد أغرت على بيت نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي حتى أنك قد أخذت معظم لفظه وجميع معناه والوزن والروي، وهو قوله:
لو أن لحية من يشيب صحيفة ... لمعاده ما اختارها بيضاء
فحلف أنه لم يسمع هذا البيت إلا بعد عمله الأبيات، والله أعلم بذلك.
وهذا البيت لابن صابر من جملة أبيات وهي:
قالوا بياض الشيب نور ساطع ... يكسو الوجوه مهابة وضياء
حتى سرت وخطاته في مفرقي ... فوددت أن تنفذ الظلماء
وغدوت أستبقي الشباب تعللا ... بخضابها فخضبتها سوداء
لو أن لحية من يشيب صحيفة ... لمعاده ما اختارها بيضاء
وهنا انتهى ما أردنا إيراده من كتاب يواقيت المواقيت للثعالبي في نوع المغايرة، مع زيادات فيه نبهنا على بعضها، وأغفلنا البعض.
ومن مشهور أمثلة المغايرة قول ابن الرومي في هجو الود، وهو الذي يقول فيه ابن سكرة الهاشمي:
للود عندي محل ... لأنه لا يمل
стр. 171
كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجل
وما حمل ابن الرومي على هجوه إلا أنه كان يزكم من رائجته حتى قال فيه ما هو من عجائب التشبيه، ونوادر تقبيح الحسن والتهجين، وهو قوله:
وقائل لم هجرت الورد مقتبلا ... فقلت من شؤمه عندي ومن سخطه
كأنه سرم بغل حين أخرجه ... عند البراز وباقي الروث في وسطه
أين هذا التشبيه القبيح من قول الآخر في الورد:
كأنه وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار
وقد كان ابن الرومي ممن يخالف الناس، ويعكس القياس، فيذم الحسن ويمدح القبيح، وهو القائل:
في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه بعض تغيير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن ذممت تقل قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما ... سحر البيان يري الظلماء كالنور
قال الصفدي: والحريري إنما فاق على من سواه بما أتى به في مقاماته في مدح الشيء وذمه، كما فعل في المقامة الدينارية، والتي فاضل فيها بين كتابة الإنشاء والحساب، والتي ذكر فيها البكر والثيب والزواج والعزوبة، وغير ذلك، وهذا هو البلاغة والتلعب بالكلام وصحة التخيل والذوق. انتهى.
وحكى الشريف المرتضى علم الهدى ﵁ في كتاب الغرر والدرر قال: حكي أن أبا النظام جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد ليعلمه فقال له الخليل يوما يمتحنه وفي يده قدح زجاج: يا بني صف لي هذه الزجاجة فقال: بمدح أم بذم؟ فقال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى ولا تقبل الأذى ولا تستر ما ورا.
قال: فذمها، قال: سريع كسرها بطيء جبرها. قال: فصف هذه النخلة - وأومأ إلى نخلة في داره - قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هي حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها؛ قال: هي صعبة المرتقى؛ بعيدة المجتنى؛ محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعلم منك أحوج.
قال السيّد المرتضى قدس الله سره الشريف: وهذه بلاغة من النظام حسنة، لأن البلاغة هي وصف الشيء ذما أو مدحا بأقصى ما يقال فيه. انتهى.
ويحكى أنه لما حفر عبد الله بن عامر بالبصرة نهره المعروف بنهر عامر ركب إليه يوما ومعه غيلان الضبي؛ فقال له: يا غيلان ما أنفع هذا النهر لأهل هذا المصر؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير: هو سقياهم، وتأتيهم فيه ميرتهم، وتتعلم منه السباحة صبيانهم. فلما عزل عبد الله، وولي زياد وكان مولعا برفع آثار عبد الله، وأراد طم هذا النهر فلم يمكنه لفرط منافع الناس به، فركب يوما ومعه غيلان على شط ذلك النهر، فقال له زياد: يا غيلان ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير، تنز منه دورهم، ويكثر به بعوضهم، وتغرق فيه ولدانهم. فعجب الناس من تصرفه.
وتكلف ابن الرومي في هجو القمر وعدد له معائب فقال:
لو أراد الأديب أن يهجو البد ... ر رماه بالخطة الشنعاء
قال يا بدر أنت تغدر بالسا ... ري وتغري بزورة الحسناء
كلف في بياض وجهك يحكي ... نمشا فوق وجنة برصاء
يعتريك المحاق في كل شهر ... فترى كالقلامة الحجناء
وأبلغ ما قيل في ذلك وأجمعه قول بعض ظرفاء الكتاب ممن يسكن دور الكراء، وقد قيل له: أنظر إلى القمر ما أحسنه، فقال: والله ما انظر إليه لبغضي له، قيل: ولم؟ قال لأن فيه عيوبا لو كانت في حمار لرد بالعيب، قيل: وما هي؟ قال: ما يصدقه العيان، ويشهد به الأثر. فإنه يهدم العمر، ويقرب الأجل، ويحل الدين، ويوجب كراء المنزل، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويسخن الماء، ويفسد اللحم؛ ويعين السارق؛ ويفضح العاشق الطارق.
وتأذى ابن المعتز في ليلة من ليالي البدر بالقمراء، وذلك في الصيف فقال يذم القمر:
يا سارق الأنوار من شمس الضحى ... يا مثكلي طيب الكرى ومنغصي
أما ضياء الشمس فيك فناقص ... وأرى زيادة حرها لم تنقص
لم يظفر التشبيه منك بطائل ... متسلخ بهقا كجلد الأبرص
وما أسنى قول (ابن) سناء الملك:
ليل الحمى بات بدري وهو معتنقي ... وبات بدرك مرميا على الطارق
شتان ما بين بدر صيغ من ذهب ...
وذاك بدري
وبدر صيغ من بهق
стр. 172
وأين هؤلاء من ذلك البدوي الذي شردت راحلته بالليل فاتبعها حتى أعيا فلما طلع القمر وجدها معلقة بخطامها ترعى من الشجر، فرفع رأسه إلى القمر فقال:
ماذا أقول وقلي فيك ذو حصر ... وقد كفيتني التفصيل والجملا
إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا ... أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا
وقد عدوا في الشمس معائب، كما عدوا في القمر، فقال بعضهم: الشمس تشحب اللون، وتغير العرق، وترخي البدن، وتثير المرة. إن أضحيت فيها أمرضتك، وإن أطلت النوم فيها أفلجتك، وإن قربت منها صرت زنجيا، وإن بعدت عنها صرت صقلبيا.
وقال المشرف التيفاشي في ذمها:
في خلقة الشمس وأخلاقها ... شتى عيوب ستة تذكر
من صبحها النور لا مسائها ... مغائر الأشكار لا يفتر
رمداء عمشاء إذا أصبحت ... عمياء عند الليل لا تبصر
ويغتدي البدر لها كاسفا ... وجرمه من جرمها أصغر
حرورها في القيظ لا يتقى ... ونورها في القر مستحقر
وخلقها خلق الملول الذي ... ينكث في العهد ولا يصبر
ليست بحسناء وما حسن من ... يقصر عنه اللفظ أن يخبر
وأحسن من هذا قول ابن سناء الملك:
لا كانت الشمس فكم أصدأت ... صفحة خد كالحسام الصقيل
وكم وكم صدت بوادي الكرى ... طيف خيال جاءني من خليل
وأعدمتني من نجوم الدجى ... ومنه روضا بين ظل ظليل
تكذب في الوعد وبرهانه ... إن سراب القفر منها سليل
وتحسب النهر حساما فتر ... تاع وتحكي فيه قلب الذليل
إن صدئ الطرف فما صقله ... إلا التجلي بمحيا جميل
وهي إذا أبصرها مبصر ... حديد طرف عاد عنها كليل
يا غلة المهموم يا جلدة ال ... محموم يا زفرة صب نحيل
يا قرعة المشرق وقت الضحى ... وسلحة المغرب وقت الأصيل
أنت عجوز لم تبرجت لي ... وقد بدا منك لعاب يسيل
وأنت بالشيطان قرنانة ... فكيف تهدينا سواء السبيل
قال الصفدي: انظر إلى هذا التمحل الذي تكلفه لإظهار معائب الشمس لتعلم تفاوت الناس في البلاغة. وأحسن ما في هذه القطعة قوله: يا غلة المهموم - البيت - والذي بعده حسن، والثالث أيضاً.
وهو مأخوذ من قول أبي العلاء المعري:
وفضل الشمس في الآفاق باق ... وإن مدت من الكبر اللعابا
انتهى. وما أحسن قول بعض الأعراب يصف أحوالها:
مخبأة أما إذا الليل جنها ... فتخفى وأما في النهار فتظهر
إذا انشق عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجى الليل وإنجاب الحجاب المنمر
وألبس عرض الأرض لونا كأنه ... على الأفق الغربي ثوب معصفر
تجلت سريعا حين يبدو شعاعها ... ولم يبد للعين البصيرة منظر
عليها كردع الزعفران يشوبه ... شعاع تلألأ فهو أبض أصفر
فلما انجلت وابيض منها اصفرارها ... وجالت كما جال الوشاح المشهر
وجللت الآفاق نورا فأصعدت ... بحر له صدر الشجى يتسعر
ترى الظل يطوى حين تبدو وتارة ... تراه إذا زالت على الأرض ينشر
كما بدأت إذ أشرقت بطلوعها ... تعود كما عاد الكبير المعمر
وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبين إذا ولت لمن يتبصر
وأفنت قرونا وهي إذ ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كل يوم وتنشر
رجع إلى التغاير - وغاير الناس ابن المعتز في ذم الجود ومدح البخل فقال:
يا رب جود جر فقر امرئ ... فقام في الناس مقام الذليل
فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل
وقال ابن الرومي في مدح الحقد:
وما الحقد إلا توأم العقل في الفتى ... وبعض السجايا ينسبن إلى بعض
إذا الأرض أدت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
وجرى الحجاج بن يوسف على سجيته فذم العدل ومدح الجور في قوله:
إذا عدل السلطان هان وإن يكن ... لدى جوره أمر فإن له نبلا
وما العدل إلا عجز رأي وضلة ... وكل أخي عدل سيورثه ذلا
وقال آخر في ذم الحلم والتواضع مغايرا للناس في ذلك:
الحلم عجز والتواضع ذلة ... عندي وبعض الحول حلو المجتنى
ولجام ذي السفه الجفاء فإن تزل ... عنه جفاءك عاد يركض في الخنا
стр. 173
كالعود يكفيك اللهيب دخانه ... فإذا اللهيب انجاب عنه تدخنا
ومن شعر محمد بن أبي حمزة العقيلي يذم الشجاعة:
ظلت تشجعني هند فقلت لها ... إن الشجاعة مقرون بها العطب
يا هند لا والذي حج الحجيج له ... ما يشتهي الموت عندي من له أرب
ووصف البحتري يوم الفراق بالقصر، وقد أجمع الناس على طوله فقال:
قصرت مسافته على متزود ... منه لوهن صبابة وغليل
ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل
وقال التهامي في النوائب:
لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار
ما كنت إلا زبرة فطبعنني ... سيفا وأرهف حدهن غراري
وقال آخر في ذلك:
جزى الله الشدائد كل خير ... وإن هي جرعت غصص الرفيق
وما شكري لها إلا لأني ... عرفت بها عدوي من صديقي
وقال آخر في الدعاء لأعدائه:
عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
ولم أسمع في نوع المغايرة بأبدع من قول أبي الحسن الباخرزي في عميد الملك الكندري، حين اختصى وحلق لحيته. وسبب ذلك: أن مخدومه الملك ألب أرسلان أرسله إلى خوارزم شاه ليخطب له ابنته، فأرجف أعداؤه: إن عميد الملك خطبها لنفسه، وشاع ذلك بين الناس، فبلغ عميد الملك الخبر، فخاب تغير مخدومه عليه، فعمد إلى لحيته فحلقها، وإلى مذاكيره فجبها، وكان ذلك سبب سلامته من مخدومه. وقيل أن السلطان خصاه.
فلما فعل ذلك قال فيه أبو الحسن الباخرزي قصيدة يمدحه بها مطلعها:
طاب العميد الكندري شمائلا ... حتى استعار الروض منه مخائلا
منها في جب مذاكيره وهو قوله المشار إليه:
قالوا محا السلطان عنه ... لا انمحى
سمة الفحول وكان قرما صائلا
قلت اسكتوا فالآن زاد فحولة ... لما اغتدى عن أنثييه عاطلا
والفحل يأنف أن يسمى بعضه ... أنثى لذلك جذها مستأصلا
ومتى يضن على الحديد بفرعه ... أصل يسيل على الحديد مقاتلا
وله بما يخصى الجواد فيكتسي ... سمنا وقد رثت قواه ناحلا
فيغير في الظلماء غير منبه ... جيش العدو بأن يحمحم صاهلا
يهنيه نفي الأنثيين فإنه ... نقص يسوق إليه مجدا كاملا
ومنها في حلق لحيته:
هذا وقد كان الكسوف لشمسه ... متطرقا يذكي سنا متضائلا
فجلوا عن الشمس الكسوف ليملأ الأقطاب والأقطار ضوء شاملا
إن الأشاء إذا أصاب مشذب ... منه أتمهل ذرى وأث أسافلا
قال في الدمية: ولا أعرف أحدا مدح بهذا المديح، وهو نوع من الصنعة يسمى تحسين القبيح. انتهى.
وقد طال الشرح في نوع التغاير ولكنني متعت الأذواق بمحاسن أمثاله الغريبة، وقرَّطت المسامع بدرر شواهده التي لا تعتري حسنها ريبة.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
فالله يكلؤ عذالي ويلهمهم ... عذلي فقد فرجوا كربي بذكرهم
غاير الناس في الدعاء لعذاله، وسؤاله الهامهم عذله، وما ذاك إلا أن العذول لا يزال يذكر الأحباب في عذله، فلما كرر العذال عذله بذكر أحبابه فرجوا كربه بذلك.
وما أحسن قول الشيخ عمر بن الفارض:
اعد ذكر من أهوى ولو بملام ... فإن أحاديث الحبيب مدامي
ليشهد سمعي من أحب وإن نآى ... بطيف ملام لا بطيف منام
فلي ذكرها يحلو على كل صيغة ... وإن مزجوه عذلي بخصام
كان عذولي بالوصال مبشري ... وإن كنت لم أطمع برد سلام
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
تغاير الحال حتى في النوى فبه ... أصبحت منتظرا أيام وصلهم
قال ابن حجة أنه نظم المغايرة ولكن غاير بها الأفهام، وما أرانا من عقادة بيته غير الإبهام.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أغاير الناس في حب الرقيب فمذ ... أراه أبسط آمالي بقربهم
قال في شرحه: الناس قد أجمعوا على ذم الرقيب وغايرتهم أنا في مدحه لمعنى، وما ذاك إلا أنني لما أراه أتحقق أنه ما تجرد للمراقبة إلا وقد علم بزيارة الحبيب. فانظر إلى حسن المغايرة وغرابة المعنى وحسن التركيب. انتهى.
стр. 174
وأنا أقول: المغايرة بمدح الرقيب أمر مشهور من قديم العصر في النظم والنثر، فمنه قول بعض الظرفاء: متى أؤدي شكر الرقيب وهو يحفظ حبيبي - وهو من الدنيا نصيبي - وكما يمنعه مني، يمنعه من غيري.
وكان عبد الصمد بن معذل يقول: مرحبا بالرقيب، فإنه ثاني الحبيب. وهو القائل لابن الرومي:
موقف للرقيب لا أنساه ... لست أختاره ولا أأباه
مرحبا بالرقيب من غير وعد ... جاء يجلو علي من أهواه
وقال آخر:
أحب العذول لتكراره ... حديث الحبيب على مسمعي
وأهوى الرقيب لأن الرقيب ... يكون إذا كان حبي معي
فإن كان ابن حجة لم يطرق سمعه شيء من ذلك فقد دل على قلة اطلاعه وقصر باعه، وإن اطلع عليه ثم قال: (الناس قد أجمعوا على ذم الرقيب وغايرتهم أنا في مدحه فانظر إلى حسن المغايرة وغرابة المعنى) فهذا منه وقاحة زائدة وتزيد ليس له فائدة.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
وقيت يا عاذلي مني التغاير ما ... ذكرتهم لي إلا فرجت غممي
هذا معنى بيت الشيخ صفي الدين الحلي بعينه أخذه من ذلك العقد وأودعه هذا الودع.
وبيت بديعيتي هو قولي:
غايرت قولي في حبيهم فأنا ... أهوى الوشاة لتقريبي لسمعهم
المغايرة فيه، محبته للوشاة به، لتقريبهم له من سمع أحبابه، والناس قد أجمعوا على مقت الوشاة في بغضهم لهم، وهذه المغايرة لم أقف عليها في نظم ولا نثر ممن تقدمني مع شدة الفحص عنها والطلب لها.
ووقع في شعر مسلم بن الوليد المغايرة بمدح الواشي على غير هذا الوجه، وهو قوله:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق
وهذا المعنى ليس من ذلك في شيء كما هو ظاهر.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
جرى الفراق فراق الالتقا ووقى ... ملالة الوصل فأحمده ولا تذم
المغايرة فيه ظاهرة وهو مدح الفراق، لكونه حسن الالتقاء بعده، ولكونه وقى من ملالة الوصل، والمعروف ذم الفراق والتبرم منه.
التوشيح
هم وشحوني بمنثور الدموع وقد ... توشحوا من لآليهم بمنتظم
التوشيح هو أن يكون في أول الكلام ما يستلزم القافية ويدل على لفظها، ولذلك سمي توشيحاً، لأن الكلام لما دل أوله على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح، ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، والفرق بينه وبين رد العجز على الصدر، أن هذا دلالته معنوية، وذاك لفظية.
ومن أعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فإن اصطفى يدل على أن الفاصلة (العالمين) لا باللفظ، لأن لفظ العالمين غير لفظ اصطفى ولكن بالمعنى، لأنه يعلم من لوازم اصطفاء شيء أن يكون مختارا على جنسه، وجنس هؤلاء المصطفون العالمون. وقوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون) .
قال ابن أبي الإصبع: فإن من كان حافظا لهذه السورة متفطنا إلى أن مقاطع آيها النون، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل علم أن الفاصلة (مظلمون) لأن من انسلخ النهار عن ليله أظلم أي دخل في الظلمة.
ومن أمثلته الشعرية قول الراعي:
وإن وزن الحصى فوزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا
قال قدامة في كتابه نقد الشعر: إن الإنسان إذا سمع هذا البيت وقد عرف قافية القصيدة، علم أن وزن الحصى سيأتي بعده رزين لأمرين: أحدهما أن قافية القصيدة نونية، والثاني أن نظام البيت يقتضيه، لأن الذي يفاخر برجاحة الحصى وهو العقل، يلزمه أن يقول في حصاه أنه رزين. انتهى.
ونحوه قول الفرزدق من قصيدته التي أجاب بها جريرا:
وأغلق من وراء بني كليب ... عطية من مخازي اللؤم بابا
فإن السامع إذا تحقق أن القافية مجردة منطلقة رويها الباء وحرف إطلاقها الألف، ورأى في صدر البيت ذكر الإغلاق، لم يعتره شك في أن القافية (بابا) .
وذكر ابن حجة وغيره في هذا النوع أمثلة هي من نوع التسهيم، ستقف عليها هناك، وتعلم أنها منه لا من باب التوشيح.
ومما وقع لي أنا في هذا النوع، أني أنشدت مرة شيخنا العلامة جعفر ابن كمال الدين البحراني سقى الله غيث الرحمة ثراه أبياتا من شعري أولها:
سقى الله أيامنا بالحجاز ... ولا جازها الغيدق الهاطل
стр. 175
فما كان أطيب عيشي بها ... إذ المنزل القفر بي آهل
إلى أن وصلت إلى قولي فيها:
أتعذلني جاهلا حاله ... لك الويل يا أيها العاذل
فلما بلغت (حاله) لإنشاد قولي (لك الويل) سبقني هو فقال (يا أيها العاذل) .
ومن شواهده أيضاً قول الشريف الرضي ﵁ في قصيدة:
ما أنصف الفاسق في لحظه ... لما أرانا عفة العابد
تعزز الحب إلي ذلة ... وناقص الحب إلى زائد
وقوله منها:
يا عذبة المبسم بلي الجوى ... بنهلة من ريقك البارد
أرى غديرا شبما ماؤه ... فهل لذاك الماء من وارد
من لي به من عسل ذائب ... يجري خلال البرد الجامد
وقول أمية بن (أبي) الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذب والبناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق السني ولا مساء
الشاهد في البيت الثالث، فإن السامع إذا سمع صدره وقد عرف القافية لا يختلجه شك في أن القافية (مساء) .
وقول أبي فراس بن حمدان:
ولما ثار سيف الدين ثرنا ... كما هيجت آسادا غضابا
أسنته إذا لاقى طعانا ... صوارمه إذا لاقى ضرابا
دعانا والأسنة مشرعات ... فكنا عند دعوته الجوابا
الشاهد في البيت الثالث أيضاً وهو ظاهر.
وقول أبي عبادة البحتري: والشاهد في البيت الثالث أيضاً:
ما لي وللأيام صرف صرفها ... حالي وأكثر في البلاد تقلبي
أمسي زميلا للظلام وأغتدي ... ردفا على كفل الصباح الأشهب
فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى وطورا مغربا للمغرب
فإن صدر البيت يدل دلالة بينة على أن القافية (مغرب) .
وما أحسن قوله بعده، وهو من أبياته السائرة:
وإذا الزمان كساك حلة معدم ... فالبس لها حلل النوى وتغرب
ولنكتف من شواهد هذا النوع بهذه النبذة ففيها للأديب مقنع والله أعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
هم أرضعوني ثدي الوصل حافلة ... فكيف يحسن منهم حال منفطم
فذكر الرضاع والثدي مع العلم أن القصيدة ميمية يعلم منها من له أدنى ذوق أن القافية ينبغي أن تكون (منفطم) .
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
نومي وعقلي بتوشيح الهوى سلبا ... فبت صبا بلا حلم ولا حلم
فذكر النوم في صدر البيت يعلم منه - وقد عرف أن القصيدة ميمية - إن قافيته تكون (حلم) . غير أن قوله: توشيح الهوى، استعارة غير مقبولة.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
توشيحهم بملا تلك الشعور إذا ... لفوه طيا تعرفنا بنشرهم
ابن حجة سود وجه نصف صفحته في إطراء هذا البيت، وتعديد محاسنه، وهو من التكلف على جانب كما يشهد به الذوق السليم، وعلى أمر خال من مثال النوع، إذ ليس في صدر البيت ما يدل على انه ينبغي أن تكون القافية (نشرهم) ، إذ النشر إنما يناسبه الطي أو الرائحة الطيبة، وذكر الطي والعرف في العجز لا يجدي، فإنه خروج عن شرط التوشيح لما تقدم من أنه ينبغي أن يكون في أول الكلام ما يدل على القافية لا في آخر الكلام، فتأمل.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
توشحوا الود وامتنوا علي به ... فكيف يحسن سعيي في فراقهم
هذا البيت أيضاً ليس فيه من التوشيح غير لفظ توشحوا، وأما معناه فلا. واستعارة التوشيح للود لا وجه لها ولا مناسبة أصلا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
هم وشحوني بمنثور الدموع كما ... توشحوا من لآليهم بمنتظم
فذكر منثور الدموع في صدر البيت بعد العلم بأن القافية ميمية يستلزم عند غير الأجنبي عن هذا العلم أن تكون قافية البيت (منتظم) . وفي قوله: وشحوني بمنثور الدموع استعارة تبعية، أضمر تشبيه انصباب الدموع على العاتق والكشح بتوشيح الوشاح، ثم استعار اسم المشبه به للمشبه واشتق منه صيغة الفعل على قانون الاستعارة التبعية، فاجتمع في هذا البيت من أنواع البديع: الاستعارة، والتشبيه، والطباق، والسهولة، والانسجام والتمكين، والتعطف في وشحوني وتوشحوا، والتوشيح الذي هو المقصود فيه والله أعلم.
وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله:
стр. 176
ألا يمين لكم يا لائمين لنا ... كم تركبون عظيم الحنث بالقسم
قال ناظمه في شرحه: بدئ وختم بالقسم.
التذييل
عدمت تذييل حظي حين قصره ... طول التفرق والدنيا إلى عدم
التذييل - ضرب من الأطناب، وهو تعقيب الجملة التامة نظما كانت أو نثرا بجملة تشتمل على معناها لتوكيد منطوقها، أو مفهومها، ليظهر المعنى لمن لم يفهمه، ويتقرر عند من فهمه، وهو ضربان: ضرب - يخرج مخرج المثل السائر، بأن يكون مستقلا بإفادة المراد فيكون جائز الاستعمال على الإنفراد، وهذا النوع هو الذي بنى عليه أرباب البديعيات أبياتهم، ومثاله قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) فالجملة الأولى دلت بمنطوقها على زهوق الباطل. والجملة الأخيرة تأكيد وتقرير لذلك، وهو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر.
وقول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المذهب
فصدر البيت دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال، وقوله: أي الرجال المهذب جملة مشتملة على هذا المعنى مؤكدة له خارجة مخرج المثل السائر وهو التذييل.
وقول الحطيئة:
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المدائح يحمد
فعجز البيت كله تذييل أخرج مخرج المثل، وكل من صدره وعجزه مستقل بنفسه وتمام معناه ولفظه، مع ما بينهما من التلاحم الذي قلما يوجد بين صدر بيت وعجزه.
ومثله قول أبي الشيص:
وأهنتني وأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك مما يكرم
فعجز البيت بجملته تذييل خارج مخرج المثل، وفي ضمنه مطابقة بين الهوان والكرامة.
ومثله في ذلك كله قول الكافي أبي علي أبزون العماني:
نفر تعاقبهم بعفوك عنهم ... كم بالغ بالعفو فعل معاقب
وضرب - لا يخرج مخرج المثل لعدم استقلاله بإفادة المراد، وتوقفه على ما قبله، كقوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) إن قلنا: إن المعنى: وهل نجازي ذلك الجزاء المخصوص، فيكون متعلقا بما قبله. وقال الزمخشري: وفيه وجه آخر، وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله تعالى: ذلك جزيناهم بما كفروا، بمعنى عاقبناهم بكفرهم، قيل: وهل نجازي إلا الكفور بمعنى وهل يعاقب. فعلى هذا يكون من الضرب الأول.
ومن ذلك قول الحماسي:
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
فعجز البيت كله تذييل لكنه لم يخرج مخرج المثل به واستقلاله وتوقفه على ما قبله.
وقول أبي الطيب المتنبي:
وما حاجة الأظعان حولك في الدجى ... إلى قمر ما واجد لك عادمه
فقوله: ما واجد لك عادمه، تذييل بديع لكنه لم (يخرج مخرج المثل لعين الأمر) .
وقوله أيضاً:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
فالعجز كله تذييل على حد ما تقدم.
وقول ابن نباتة السعدي:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
قال الخطيب في الإيضاح: قيل: نظر فيه إلى بيت أبي الطيب، وقد أربى عليه في المدح والأدب مع الممدوح، حيث لم يجعله في حيز من يتمنى شيئا. انتهى.
وغلط من قال: إن التذييل فيه أخرج مخرج المثل السائر، بل هو من الضرب الثاني لعدم استقلاله بإفادة المراد، لكون الخطاب في قوله (تركتني) للسابق، والمثل لا يكون إلا مستقلا بمعناه، منفصلا عما قبله.
وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت) فقوله: أفإن مت فهم الخالدون، تذييل الضرب الثاني لتوقفه على ما قبله، وتعلقه به، وقوله: كل نفس ذائقة الموت، من الضرب الأول، لأنه حكم كلي منفصل عما قبله. وقد يشتبه على من لا قدم له راسخة في هذا العلم، التذييل بالإيغال والتكميل والتكرير.
والفرق بين التذييل والإيغال من وجهين: أحدهما أن الإيغال يكون بغير الجملة، وبغير التأكيد، بخلاف التذييل.
والثاني - أن الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق بها، والتذييل يكون في أكثر عجز البيت، ويستوعبه غالبا.
والفرق بينه وبين التكميل من ثلاثة أوجه:
стр. 177
أحدها - أن التكميل يكون في الحشو والمقاطع بخلاف التذييل، فإنه لا يكون إلا في المقطع دون الحشو.
الثاني - أن التكميل قد يكون بغير الجملة بخلاف التذييل.
الثالث - أن التكميل يخرج عن معنى الكلام المتقدم لأنه يفاد به معنى زائد على ما تقدم بخلاف التذييل.
والفرق بين التذييل والتكرير: أن التكرير يكون بلفظ الجملة المتقدمة ولا تغاير فيه بين الجملتين بحسب الذات، بخلاف التذييل، فإن التغاير فيه بين الجملتين بحسب الذات، والله أعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
لله لذة عيش بالحبيب مضت ... فلم تدم لي وغير الله لم يدم
فقوله: وغير الله لم يدم، هو التذييل الذي أخرج مخرج المثل السائر. ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
تذييل عيشي ورزقي قسمة حصلت ... في أول الخلق والأرزاق بالقسم
والتذييل فيه ظاهر.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم
التذييل في قوله (وكفى بالله في القسم) وأجاد في ذكر الطول الذي ترشحت به التورية، لأن الطول من لوازم الذيل، وقد فات ذلك عز الدين الموصلي فجاء بالتورية مجردة.
وبيت بديعيتي هو قولي:
عدمت تذييل حظي حين قصره ... طول التفرق والدنيا إلى عدم
فقولي: والدنيا إلى عدم، هو التذييل، وقد أخرجته مخرج المثل السائر، وذكر التقصير رشح التورية في لفظ التذييل الذي هو تسمية هذا النوع. فإن القصر من لوازم الأذيال كالطول، وفيه أيضاً المطابقة، ورد العجز على الصدر، والسهولة، والانسجام، والاستعارة.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
تذييل جمعي بهم لم يصف لي زمنا ... من ذا الذي قد صفا دهرا ولم يضم
ما أظن أحدا ممن يشعر يرضى أن ينسب إليه مثل هذا البيت أبدا. وفي كون هذا تذييلا نظر ظاهر لا يحتاج إلى البيان.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
أهزلت مرعاي جدا إذ رعت هممي ... روض المنى والمنى ضرب من الحلم
التذييل في قوله: والمنى ضرب من الحلم، وهو حسن جدا.
تشابه الأطراف
تشابهت فيهم أطراف وصفهم ... ووصفهم لم يطقه ناطق بفم
تشابه الأطراف عبارة عن أن يعيد الشاعر لفظة القافية في أول البيت الذي يليها، فتكون الأطراف متشابهة. وسماه قوم: التسبيغ بالسين المهملة، والغين المعجمة، والتسمية الأولى أولى، وقد يكون ذلك في النثر أيضاً، بأن يعيد الناثر سجعة القرينة الأولى في أول القرينة التي تليها. ووقع ذلك في القرآن العظيم وهو قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) فأعاد فاصلة الآية الأولى في أول الآية الثانية.
ووقع في غير الفواصل أيضاً، وهو قوله تعالى: (ألله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري) .
ومثاله في الشعر قول أبي حية النميري:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم
رميم التي قالت لجيران بيتها ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم
وقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف:
إذا نزل الحجاج أرضا مريضة ... تتبَّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجالها ... دماء رجال يحلبون ضراها
الضرى بالضاد المعجمة: دم العرق الذي لا ينقطع. ويروى البيت هكذا:
سقاها دماء المارقين وعلها ... إذا جمحت يوما وخف أذاها
ويقال أن الحجاج قال لها: قولي (همام إذا هز القناة سقاها) .
ومنه قول النابغة الذبياني:
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلا علي الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع
وقول فضالة بن وكيع. قال الشريف المرتضى: وهو من أحسن ما وصف به الثغر:
تبسم عن حم اللثاث كأنها ... حصى برد أو أقحوان كثيب
إذا ارتفعت عن مرقد عللت به ... من اليانع القوري فرع قضيب
قضيب نجاه الركب أيام عرفوا ... لها من ذرى مال النبات خضيب
стр. 178
يعني من يانع الأراك. ونجاه: قطعه. ومال النبات: ناعمه وحسنه. وعرفوا، أي اجتنوه من عرفات. وذكر أنه خضيب بالطيب الذي بيديها. قاله في الغرر والدرر.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا ... عشية راحت وجهها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضحى ... عصاها ووجه لم تلحه النسائم
وأحسن ما وقع في هذا النوع، قول أبى نواس:
خزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم
ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم
ورد على أبي نواس هذا القول الحافظ فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري. فقال وأجاد:
محمد خير بني هاشم ... فمن تميم وبنوا دارم
وهاشم خير قريش وما ... مثل قريش في بني آدم
ومن رسالة ابن غرسية:
لله مما قد برى صفوة ... وصفوة الخلق بنو هاشم
وصفوة الصفوة من بينهم ... محمد النور أبو القاسم
وقال آخر:
قريش خيار بني آدم ... وخير قريش بنو هاشم
وخير بني هاشم أحمد ... رسول الإله إلى العالم
ومن أمثلة هذا النوع قول بعضهم، وهو دون ما تقدم في الحسن:
ما أن تريم فؤاده أشجانه ... كثرت بها يوم النوى أحزانه
أحزانه لما جرت بعظامه ... من حب من شهدت له أجفانه
أجفانه شهدت له أن الورى ... طرا أذل رقابهم سلطانه
سلطانه برع الجمال بوجهه ... وروادف خضعت لها أركانه
أركانه أبدا تميد إذا مشى ... ويكاد تقطر كفه وبنانه
وبنانه كالخيزران وقده ... قد القضيب زهت به أغصانه
وفي هذا النوع أعني تشابه الأطراف دلالة على قوة عارضة الشاعر، وتصرفه في الكلام، وإطاعة الألفاظ له، ولا يخلو مع ذلك من حسن موقع في السمع والطبع، فإن معنى الشعر يرتبط ويتلاحم به، حتى كأن معنى البيتين أو الثلاثة معنى واحد، وفي أنواع البديع ما هو أخفض رتبة منه فلا عبرة بقول ابن حجة: ليس تحته كبير أمر، وتالله ما خطر لي يوما ولا حسن لي في الفكر أن ألحق طرفا من تشابه الأطراف بذيل من أبيات شعري. انتهى.
ومن ابن حجة في فحول الشعراء حتى يقول مثل هذا الكلام؟ ويكون عدم حضور هذا النوع في باله وعدم ذكره في شعره مما يدل على أن هذا النوع من البديع ليس تحته طائل، ولا كبير أمر، وكفاه شرفا وقوعه في القرآن الكريم مكررا، فما شعر ابن حجة وإضرابه؟.
ولما كان هذا النوع لا يتأتى إلا في بيتين، قال الشيخ صفي الدين في بديعيته:
قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم
لم أدر قبل هواهم والهوى حرم ... أن الظباء تحل الصيد في الحرم
تشابه الأطراف بين (لم) في قافية البيت الأول و (لم) في أول البيت الثاني.
والشيخ عز الدين لما التزم بالتورية بتسمية النوع شطر البيت شطرين، وجعل كل شطر بمنزلة بيت كامل، وجعل القافية في آخر الشطر الأول، وأعادها في أول الشطر الثاني، فجاء به في غاية اللطف في بيت واحد فقال:
أطرافك اشتبهت قولا متى تلم ... تلم فتى زائد البلوى فلم يلم
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
شابهت أطراف أقوالي فإن أهم ... أهم إلى كل واد من صفاتهم
تعدية الهيام بإلى فيه نظر ظاهر.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
شابهت أطراف مدحي في صفاتهم ... صفاتهم ساميات المجد والشيم
وبيت بديعيتي هو قولي:
تشابهت فيهم أطراف وصفهم ... ووصفهم لم يطقه ناطق بفم
والشيخ شرف الدين المقري جرى على طريقة الشيخ صفي الدين الحلي التي هي الأصل في هذا النوع فقال:
جرى الفراق فراق الالتقا ووقى ... ملالة الوصل فاحمده ولا تذم
لا تذممن نوى أبقت عليه هوى ... به استبحت عناق الطيف في الحلم
ما أظن أحدا من البديعيين يسلم له أن قوله (لا تذممن) في أول البيت الثاني هو لفظة قافية البيت الأول.
التتميم
أنا الذي جئت تتميما لمدحهم ... نظما بقول يباهي الدر في القيم
стр. 179
التتميم - ومنهم من سماه التمام، وسماه ابن المعتز اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه، والتسمية الأولى للحاتمي، وهي أولى، وهو عبارة عن الإتيان في الكلام نظما كان أو نثرا بكلمة أو جملة إذا طرحت منه نقص حسنه ومعناه.
ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: (يطعمون الطعام على حبه) على أن يكون الضمير في حبه للطعام، أي مع حبه والاحتياج إليه. فإن الإطعام حينئذ أبلغ، وأكثر أجرا، فهو تتميم أفاد المبالغة. فلو طرح نقص المعنى، واختل حسن التركيب.
وقوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف) فقوله: وهو مؤمن، تتميم في غاية الحسن، فلو حذفت هذه الجملة لاختل المعنى.
وقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) مع أن الإسراء لا يكون إلا بالليل تتميم أفاد الدلالة على تقليل المدة، وأنه أسرى به في بعض الليل.
ومثاله من الشعر قول زهير:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
فقوله: على علاته، أي على كال حال، تتميم للمبالغة.
وقول الآخر:
أني على ما ترين من كبري ... أرعف من أين تؤكل الكتف
فقوله: على ما ترين من كبري، تتميم أفاد معنى زائدا، وحسنا آخر، لو حذف لفات ذلك.
وقول الأخطل:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر
قوله: حقا تتميم بديع.
وقول ابن المعتز:
وخيل طواها القود حتى كأنها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، تتميم في غاية البراعة، فلو حذف لم يبق للبيت رونق، ولا لمعناه لطف.
ومن بديع أمثلته أيضاً قول أبي العلاء المعري:
الموقدون بنجد نار بادية ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر
إذا همى القطر شبتها عبيدهم ... تحت الغمائم للسارين بالقطر
فقوله: تحت الغمائم تتميم أفاد مبالغة تأكيد لإرادة الإيقاد، والاهتمام بشأنه. وقوله: بالقطر تتميم للتميم، وذلك أن نزول المطر لا يمنعهم من الإيقاد، ولا يوقد عندهم إلا بالحطب الجزل، وإذا كان الحطب قطرا، وهو العود الذي يتبخر به، كان نهاية في إرادة المبالغة في الاهتمام بشأن الإيقاد، ويحتمل الاستتباع أيضاً، لأن صفة السخاوة استتبعت صفة الثروة لأن الوقود إذا كان عودا لدل على أنهم لم يكونوا من أوساط الناس.
وقول الآخر:
نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل
شبه عينها بعين الظبية على سبيل التجريد، ثم قصد بجازئة المبالغة في الحسن والملاحة، فجاء بقوله: حانية على طفل، تتميما، لأن في نظر الظبية إلى خشفها حال إشفاقها عليه من الملاحة وحسن الفتور ما ليس في غير تلك الحالة.
وقد يؤتى بالتميم لإقامة الوزن، بحيث لو طرحت الكلمة التي قصد بها التتميم، لم ينقص معنى البيت، بل استقل بدونها، ويسمى حشوا، وهو على ضربين: ضرب لا يفيد إلا إقامة الوزن فحسب وهو حشو قبيح معيب، وضرب يفيد مع ذلك نوعا من المحاسن، فإن حذاق الشعراء إذا اضطروا إلى الكلمة لإقامة الوزن، أفادوا بها لطيفة زائدة تفاديا من أن تكون لمجرد الوزن فتعد حشوا قبيحا، وهذا الضرب يسميه بعضهم حشو اللوزينج.
فالأول كقول بعضهم:
ذكرت أخي فعاودني ... صداع الرأس والوصب
فذكر الرأس حشو قبيح لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس وعد منه الطيبي في التبيان قول البحتري:
إذا نضون شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا
قال: شبه أجسادهن إذا خلعن ثيابهن بلؤلؤ قشر عنه الصدف، فتم معنى البيت ولم يتم وزنه، فجاء بذكر البحرين حشوا مستهجنا. انتهى كلامه وليس في محله، بل في ذكر البحرين معنى زائد، فإنه أفاد به تشبيه أجسادهن بأعلى أنواع اللؤلؤ وأغلاها، لأن لؤلؤ البحرين لا يدانيه شيء من اللآلئ التي تستخرج من سائر البحور في حسنه وصفائه ورونقه. نعم لو كان اللؤلؤ منحصرا في لؤلؤ البحرين لتوجه ما ذكره؛ وليس كذلك؛ بل اللؤلؤ يستخرج من بحر الهند، وبحر اليمن وغيرهما، لكن ليس شيء منه في الحسن كلؤلؤ البحرين، فذكر البحرين في البيت من التتميم الحسن البديع.
والضرب الثاني كقول المتنبي:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما
стр. 180
فإنه بقوله: يا جنتي تتميما لإقامة الوزن، وأفاد به مع ذلك الطباق الذي هو نوع من محاسن البديع.
قال الصفدي: ولو قال: يا مالكي لكان تورية، ولكن جنتي ألطف في اللفظ وأغزل.
ومنه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لو ذقت برد ثناياه ومبسمه ... يا حار ما لمت أعطافي التي ثملت
فقوله: يا حار، حشو يتم المعنى بدونه، ولكن أفاد إقامة الوزن والتورية (في حار، فإنه ورى به، أنه منادى) اسم حارث مرخم، وهو يريد الحار الذي هو مرادف السخن، بدليل قوله: برد ثناياه، وهذا مع ما فيه من النظر في حار في غاية الحسن.
ولما أنشد الشيخ جمال الدين هذا البيت شرف الدين حسين بن القاضي جمال الدين سليمان بن ريان قال له: لو قلت: يا صاح بدل يا حار لتمت التورية أيضاً، فإنه يخدم معك في المعنيين، لأن صاح ترخيم (صاحب، وصاح) اسم فاعل من الصحو، وترشحه (للتورية - ثملت - وهذا في غاية الذوق) اللطيف وقد أورد (كثير من الناس) في هذا الباب.
قول كثير:
لو أن عزة حاكمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها
قال الصفدي: وهذا ليس من الحشو في شيء، لأن من شرط ذلك أن يكون المعنى تاما بدونه، ولا تمام لهذا المعنى بدون موفق، لأنه لا بدّ أن يقول: عند حاكم، أما كونه موفقا أو غير موفق فهذا من متممات البلاغة إذ قوله موفقا: مبالغة لاحتمال أن يظن بالحاكم أنه يميل في حكمه لأمر ما، فإذا كان موفقا فلا. انتهى. وعلى هذا فيكون من التتميم والمعنى.
واعلم أن في شرح بديعية ابن حجة والكلام على هذا النوع (خللا لا بأس بالتعقيب عليه، وأنه تعدى) حد التتميم بقوله: هو (عبارة) عن الإتيان في النظم والنثر بكلمة إذا طرحت من الكلام نقص حسنه ومعناه. قال: وهو على ضربين، ضرب في المعاني، وضرب في الألفاظ، فالذي في المعاني هو تتميم المعنى، والذي في الألفاظ هو تتميم الوزن. ثم قال بعد إيراد أمثلة التتميم في المعاني: وأما التتميم الذي جاء في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث أنه لو طرحت الكلمة استقل المعنى بدونها. فجعل التتميم الذي ينقص بطرحه المعنى مقسما للتتميم المعنوي واللفظي الذي يستقل بدونه المعنى، وهو تهافت ظاهر وغلط واضح. والحاصل: أنه جعل القسيم قسما، فإن الحد الذي ذكره للتتميم إنما هو للتتميم المعنوي، واللفظي قسيم له، لا قسم منه.
واعلم أن قوما مزجوا نوع التتميم بنوع التكميل وهو خطأ، فإن بينهما فرقا ظاهرا وسنبينه هناك مع مشيئة الله سبحانه.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
وكم نظمت طريفي والتليد لكم ... طوعا وأرضيت عنكم كل مختصم
التتميم في قوله: طوعا، فإنه أفاد به أنه لم يبدل ذلك كرها.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
والبدر مذ لاح في التتميم دان له ... والشمس مذعنة طوعا لمحتكم
فالتتميم في قوله: في التتميم، مع زيادة التورية في التشبيه، وقوله: طوعا تتميم ثان.
وبيت بديعية ابن حجة:
بكل بدر بليل الشعر يحسده ... بدر السماء على التتميم في الظلم
فقوله: بليل الشعر هو التتميم، وقوله: على التتميم، تتميم ثان، لكن سبقه الشيخ عز الدين في بيته على التورية، وقوله: في الظلم، تتميم ثالث.
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
تدرعوا الحسن تتميما وكم منحوا ... مآثراً أثمرت حمدا لمجدهم
التتميم في قوله: تتميما، ولكن ليس له ذاك الموقع في ألفاظ البيت، ويمكن أن يكون قوله (لمجدهم) تتميما ثانيا.
وبيت بديعيتي هو قولي:
أنا الذي جئت تتميما لمدحهم ... نظما بقول يباهي الدر في القيم
فقولي: تتميما، هو التتميم بعينه، وقولي: نظما، تتميم ثان، وقلي: في القيم، تتميم ثالث.
وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله:
بالوصل بعت دمي راض مناجمة ... يا بدر قد حل نجم المشتري لدمي
قال في شرحه: التتميم فيه قوله: راض. انتهى. وكان الواجب نصب راض على الحال: لكنه رفعه لضرورة الوزن، أو لضرب من التأويل بعيد_
الهجو في معرض المدح
هجوت في معرض المدح الحسود لهم ... فقلت أنك ذو صبر على السدم
следующие страницы →