← Адаб

Адаб · id 5446

أنوار الربيع في أنواع البديع

ابن معصوم الحسني

Полный текст (514 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أحن إلى هواها وهو حتفي ... كمجروح يداوى بالجراح ولا وأبيك ليس الحب سهلا ... فكم جد تولد من مزاح خلقت من الغرام فلا أبالي ... أكان به فسادي أم صلاحي ولولا تمسك الأطمار جسمي ... لطار من النحول مع الرياح وحب الغانيات حياة روحي ... وراحتها وريحاني وراحي محبتهن ضاهت في فؤادي ... محبة أحمد طرق السماح ومن مخالصي التي فاقت سبائك الخلاص قولي من قصيدة علوية، أرجو بها التخلص في يوم القصاص، وقد مر إنشاد مطلعها وصدر منها في حسن الابتداء، ومنها بعدما تقدم: ترمي ولا تدري بما سفكت ... تلك اللواحظ من دم هدر الله لي من حب غانية ... ترمي الحشا من حيث لا تدري بيضاء من كعب وكم منعت ... كعب لها من كاعب بكر زعمت سلوي وهي سالية ... كلا ورب البيت والحجر ما قلبها قلبي فأسلوها ... يوما ولا من أمرها أمري أبكي وتضحك إن شكوت لها ... حر الصدود ولوعة الهجر وعلى وفور ثراي لي ولها ... ذل الفقير وعزة المثري لم يبق مني حبها جلدا ... إلا الحنين ولا عج الذكر ويزيد غلي الماء ما ذكرت ... والماء يثلج غلة الصدر قد ضل طالب غادة حميت ... في قومها بالبيض والسمر ومؤنب في حبها سفها ... نهنهته عن منطق الهجر يزداد وجدي من ملامته ... فكأنه بملامه يغري لا يكذبن الحب أليق بي ... وبشيمتي من سبة الغدر هيهات يأبى الغدر لي نسب ... أعزى به لعلي الطهر وقلت في مديحها: إن تنكر الأعداء رتبته ... شهدت بها الآيات في الذكر شكرت حنين له مساعيه ... فيها وفي أحد وفي بدر ومنه: وأذكر مباهلة النبي به ... وبزوجه وابنيه للنفر وأقرأ وأنفسنا وأنفسكم ... فكفى بها فخرا مدى الدهر هذي المفاخر والمكارم لا ... قعبان من لبن ولا خمر ومناقب لو شئت أحصرها ... لحصرت قبل أهم بالحصر وقولي من أخرى في سيدي الوالد، وهو يستغني بتمكنه وقوته من ذكر ما قبله، وهو: ما كنت أحسب فيه أيضاً عارضت بها قصيدة ابن منير اليائية التي تقدم إنشاد شيء منها استطرادا في نوع القسم، ومن غزل قصيدتي هذه قولي: قامت تدير سلافا من مراشفها ... حبابها لؤلؤ الثغر الجماني في ليلة من أثيث الشعر حالكة ... منها دجا حندس الليل الدجوجي تريك إن أسفرت غراء مائسة ... بدر السماء على أعطاف خطي من أين للظبي أن يحكي ترائبها ... ولو تشبه ما حاك كمحكي كم لوعة بت أخفيها وأظهرها ... فيها وسر التصابي غير مخفي أما وصعدة قد من معاطفها ... وعضب لحظ نضته هندواني ما أن عذلت على حبي الفؤاد لها ... إلا وجاء بعذر فيه عذري وافت فأذكت هموما غير جامدة ... واذكرتني عهدا غير منسي وما زلت أحمل على كواهل الغزل ثقل هذه القافية، إلى أن قلت: يا حبذا نظرة هام الفؤاد بها ... أزرت وعينيك بالظبي الكناسي لقد نعمت بوعد منك منتظر ... ونائل من نظام الدين مقضي هذا المخلص مما صدقت فيه التخلص وما تخرصت، ووثبت فيه من التغزل إلى المديح وما تربصت، واستوفيت فيه شروط حسن التخلص لما تخلصت. وقولي أيضاً من أخرى تخلصت فيها من الافتخار إلى المدح: كم قلبتني الليالي في تقلبها ... فكنت قرة عين الفضل والأدب تزيدني نوب الأيام مكرمة ... كأنني الذهب الأبريز في اللهب لا أستريب بعين الحق أدفعه ... ولا أراب بعين الشك والريب لقد طلبت العلى حتى انتهيت إلى ... ما لا ينال وكانت منتهى أربي حسبي من الشرف العليا أرومته ... أن انتمي لنظام الدين في حسبي وقد تقدم أكثر هذه القصيدة في نوع الاستعارة. ولنكتف من محاسن التخلص بهذا المقدار، فقد أوردنا منها ما تستحليه الأسماع وتستجلبه الأفكار. تنبيه - قد تقدم أن أحسن التخلص ما كان في بيت واحد، وأحسن منه ما كان من الغزل إلى المدح. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح اللامية: وقد ذم بعض المتأخرين ذلك، لكنه حسن ما قبح، فقال:

стр. 247

بينا ذوائب من يحب بكفه ... حتى تعلق لحية الممدوح انتهى. وهذا ذم ظرافة لا تحقيق، فعلى الأول المعول. وإذ ذكرنا هذه الجملة من محاسن المخالص، تعين علينا أن ننبه على ضدها، ليتحرز المبتدي، ويتيقظ المنتهي من سنة الغفلة عن الوقوع في مثلها. فمن قبيح التخلص قول أبي نواس من قصيدة في الفضل بن يحيى: سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا فإنه ما زاد على أن يجعله قوادا له، ولهذا استحق به السخط من ممدوحه. حدثت رابعة البرمكية قالت: كنت يوما وأنا وصيفة على رأس مولاي الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي، وبيدي مذبة أذب بها عنه، إذ استؤذن لمسلم بن الوليد الأنصاري فأذن له، فلما دخل أعظمه وأكرمه، واستنشده، ثم خلع عليه وأجازه وانصرف. فما قلت أنه جاز الستر حتى استؤذن لأبي نواس، فامتنع من الإذن له، حتى سأله بعض من كان في المجلس أن يأذن له ففعل على تكره منه، فلما دخل عليه ما علمت أنه رد عليه، ولا أمره بالجلوس، ولا رفع إليه رأسه. فلما طال عليه وقوفه قال: معي أبيات أفأنشدها؟ فقال: افعل، وهو في نهاية التكره له والتثقل منه. فأنشده: طرحتم من الترحال أمرا فغمنا ... ولو قد فعلتم صبح الموت بعضنا فلما بلغ إلى قوله: سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا قطب في وجهه، وقال: امسك عليك لعنة الله، أعزب قبحك الله، وأمر بإخراجه محروما فأخرج، والتفت الفضل إلى أنس بن أبي شيخ فقال: ما رأيت مثل هذا الرجل، ولا أقل تمييزا لكلامه منه، فقال أنس: فإن اسمه كبير، فقال: عند من ويلك؟ هل هو إلا عند إسقاط مثله. ويقال أن أبا نواس اعتذر عن ذلك وقال: ما أردت بالفضل في قولي (لعل الفضل يجمع بيننا) إلا معنى الإفضال لا الممدوح، وهو عذر غير واضح. وتبعه المتنبي في معنى هذا المخلص وزاد عليه فجاء بالطامة الكبرى حيث قال: عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا فأتى بما لا يحتمل التأويل والاعتذار، ولا يقال معه عثار. وممن وقع في حبائل هذا القبح لما رام حسن التخلص، الشيخ عبد الرحمن بن المهدي العقبي من قصيدة في الشيخ عبد الرحمن المرشدي يهنئه بتقلده الإمامة والخطابة والفتوى في آخر عام تسعة عشر وألف: أنا لم أدر ما الصبابة لولا ... نظرة الريم من خلال الحجال منية دونها المنية والآجال نيطت بأعين الآجال لو رثت لي لألصقتني بما بين مجال القروط والأحجال غير أن الهوى شديد محال ... يفتك الريم فيه بالرئبال لذت من حربه بسلم فما زا ... د سوى تيه عزة ودلال أشكلت قصتي وها أنا أعدد ... ت لها رأي موضح الإشكال غير أن هذا أخف من ذاك على كل حال، على أن الكل قبيح. والأصل في هذا المعنى لقيس بن ذريح حين طلق زوجته لبنى فتزوجت غيره، ثم ندم على طلاقها وكان مشغوفا بها، فشبب بها وما زال يشكو لوعة فراقها في أشعاره حتى رحمه ابن أبي عتيق، فسعى في طلاقها من زوجها وأعادها إلى قيس، فقال يمدحه ويشكره: جزى الرحمن أحسن ما يجازي ... على الإحسان خيرا من صديق وقد جربت إخواني جميعا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي فلما سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس: يا حبيبي امسك عن مدحك هذا، فما يسمعه أحد إلا ظنني قوادا. ومن قبيح المخالص قول المتنبي أيضاً: غدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح كل مستور خليعا أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبير أو ابن إبراهيم ريعا فإن هذا المخلص جمع بين الثقل والبرودة وتعسف المعنى، ومعناه أنه علق انقضاء حبها على أمر مستحيل عادة، وهو أن يجر النمل الجبل المسمى ثبير أو مستحيل ادعاء وهو خوف الممدوح. ومراده أن يقرر أن كلا من هذين الأمرين من المستحيلات. وقوله أيضاً: لا يجذبن ركابي نحوه أحد ... ما دمت حيا وما قلقن كيرانا لو استطعت ركبت الناس كلهم ... إلى سعيد بن عبد الله بعرانا

стр. 248

قال الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى: في هذا البيت أراد أن يزيد على الشعراء في ذكر المطايا فأتى بأخزى الخزايا، ومن الناس أمه، فهل ينشط لركوبها، وللمدوح أيضاً عصبة لا يجب أن يركبوا إليه. فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب، وأوضع من هذا التبسط. ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله: فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما يراه من الإحسان عميانا وإذا انتقل الشاعر مما ابتدأ به الكلام إلى المدح ونحوه من غير ملائمة سمي اقتضابا، وافتطاما، وارتجالا، وهو مذهب العرب الجاهلية والمخضرمين الذين أدركوا الإسلام؛ كلبيد؛ وحسان، وكثير من الإسلاميين ومن المولدين يتبعونهم في ذلك، ويجرون على مذهبهم فيه. كقول أبي تمام: لو رأى الله أن في الشيب خيرا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا ثم قال بعده من غير ملائمة: كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلقا من أبي سعيد رغيبا وقوله من أخرى يمدح المعتصم بالله العباسي: وقد طوى الشوق في أحشائنا بقر ... عين طوتهن في أحشائها الكلل يخزي ركان النقا ما في مآزرها ... ويفضح الكحل في أجفانها الكحل تكاد تنتقل الأرواح لو تركت ... من الجسوم إليها حيث تنتقل طلت دماء هريقت عندهن كما ... طلت دماء هدايا مكة الهمل هانت على كل شيء فهو يسفكها ... حتى المنازل والأحداج والإبل ثم قال بعده من غير مناسبة، ولا تقريب: بالقائم الثامن المستخلف أطأدت ... قواعد الملك ممتدا لها الطول وهو في شعره كثير. وكقول البحتري: تمادت عقابيل الهوى وتطاولت ... لجاجة معتوب عليه وعاتب إذا قلت قضيت الصبابة ردها ... خيال ملم من حبيب مجانب يجود وقد ضن الألى شغفي بهم ... ويدنو وقد شطت ديار الحبائب ترينيك أحلام النيام وبيننا ... مفاوز يستفرغن جهد الركائب ثم قال بعده بلا مناسبة: لبسنا من المعتز بالله نعمة ... هي الروض موليا بغزر السحائب وقوله من أخرى في الفتح بن خاقان: ويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصول بلحظيهما السحر توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر ثم قال بعده: لعمرك ما الدنيا بنا قصة الجدا ... إذا بقي الفتح بن خاقان والبحر وهو في شعره: أكثر، حتى أن السليماني الشاعر عرض به في قوله: يغتابني فإذا التفت أبان عن محض صحيح وثبا كوثب البحتري ... من النسيب إلى المديح وهو في شعر الشريف الرضي كثير جدا، ولا فائدة في إيراد شيء منه هنا، لأنه خارج عن البديع وما كان الغرض من إيراد هذه الجملة منه إلا بيانه بالتمثيل، والله أعلم. تنبيه - ذهب أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي إلى أنه لم يقع في القرآن شيء من التخلص لما فيه من التكلف، وقال: إن القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم وقد أنكر عليه جماعة من العلماء ذلك، وغلطوه في قوله هذا، وقالوا: إن في القرآن من التخلصات العجيبة ما يحير العقول. فانظر إلى سورة الأعراف، كيف ذكر فيها الأنبياء، والقرون الماضية، والأمم السالفة؛ ثم ذكر موسى؛ إلى أن قص حكاية السبعين رجلا ودعائه لهم ولسائر أمته بقوله: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة) وجوابه تعالى عنه، ثم تخلص بمناقب سيد المرسلين بعد تخلصه لأمته بقوله: (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين) من صفاتهم كيت وكيت، وهم (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) ، وأخذ في صفاته الكريمة، وفضائله العظيمة. وفي سورية الكهف حكى قول ذي القرنين في السد (فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا) ، فتخلص منه إلى وصف حالهم بعد دكه الذين هو من أشراط الساعة، ثم بالنفخ في الصور، ثم ذكر الحشر، ووصف مآل الكفار والمؤمنين؛ ومثل ذلك في القرآن كثير، والله أعلم. وقد طال الكلام في هذا النوع، فلنتخلص إلى إثبات أبيات البديعيات. فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: من كل معربة الألفاظ معجمة ... يزينها مدح خير العرب والعجم

стр. 249

هذا المخلص جار على الشرط الذي قرر في حسن التخلص، من كونه في بيت واحد، وأن يثب الشاعر من شطره الأول إلى الثاني، وهو كذلك. غير أن تمام معناه متعلق بما قبله، فهو غير صالح للتجريد. وقد مر أن أبيات البديعيات التزموا أن يكون كل بيت فيها شاهدا على نوعه بمجرد لا يتعلق بما بعده، ولا بما قبله، ومخلص الشيخ صفي الدين هذا إذا لم يذكر ما قبله كان ناقص المعنى؛ منخرم النظام، لا يظهر كمال حسنه، ولا تستحلي الأذواق طعم حلاوته؛ ما لم يؤت بمتعلقه وهو بيت القسم، وبيت الاستعارة، وبيت مراعاة النظير. فيتعين إيرادها هنا لإيضاح ذلك، وهي: لا لقبتني المعالي بابن بجدتها ... يوم الفخار ولا بر التقى قسمي إن لم أحث مطايا العزم مثقلة ... من القوافي تؤم المجد عن أمم تجار لفظي إلى سوق القبول بها ... من لجة الفكر تهدي جوهر الكلم من كل معربة الألفاظ معجمة ... يزينها مدح خير العرب والعجم قال ابن حجة: وأين الشيخ صفي الدين من قول كمال الدين بن النبيه وقد تقدم: يا طالب الرزق إن سدت مطالبه ... قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت هذا المخلص لحسن تجريده يستغني به عن قصيدة. انتهى. قلت: تقدم أن ابن النبيه تخلص قبل هذا البيت بقوله: في أحسن الناس أشعاري إذا نسبت ... وفي أجل ملوك الأرض إن مدحت فالمخلص هذا البيت لا ذاك، فلا يخفى عليك غباوة ابن حجة، وصلود زند فهمه. ومخلص بديعية ابن جابر الأندلسي قوله: يمم بنا البحر إن الركب في ظمأ ... فقلت سيروا فهذا البحر عن أمم قد تقدم أن ابن جابر أتى في مطلعه بصريح المدح حيث قال: بطيبة انزل ويمم سيد الأمم ... وانثر له المدح وانثر طيب الكلم فأطلق التصريح وبين المدح، ونشر الكلم، فلم يبق لحسن التخلص محل ولا موقع، لأن معنى التخلص أن يكون من غزل ونسيب ونحو ذلك إلى المديح، لا من المديح إلى المديح - قاله ابن حجة بالمعنى - وأنا أقول: هذا اعتراض في غير محله، لأن ابن جابر وإن صرح بالمدح في مطلعه فقد انتقل بعده إلى الغزل والتشبيب كما يدلك عليه أبياته السابقة في الأنواع المتقدمة، ثم تخلص إلى المدح مرة أخرى، فالتخلص في محله، وكثير من الشعراء من يفعل ذلك، فلا يلتفت إلى كلام ابن حجة فإنه ليس بحجة. وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: حسن التخلص من ذنبي العظيم غدا ... بمدح أكرم خلق الله كلهم الشيخ عز الدين جاء بالاقتضاب وسماه حسن التخلص، فإنه قال قبل هذا البيت من غير فاصلة: وارع النظير من القوم الآلى سلفوا ... من الشباب ومن طفل ومن هرم فليس بين بيت التخلص بزعمه وبين هذا البيت علاقة أصلا، ولا أدنى ملائمة، ولا مناسبة، بل هو استئناف كلام آخر، فهو اقتضاب قطعا. وبيت بديعية ابن حجة قوله: ومن غدا قسمه التشبيب في غزل ... حسن التخلص بالمختار من قسمي أقول: قد تقرر أن حسن التخلص من المواضع التي ينبغي للشاعر التأنق فيها لفظا ومعنى، ولا ينبغي له أن يرتكب فيه ضرورة، لأنه مناف للتأنق المشروط فيه، وابن حجة قد ارتكب في مخلصه هذا الضرورة بحذف فاء الجواب المختص بالضرورة على الصحيح، لأنه كان ينبغي أن يقول: فحسن التخلص، لكنه حذف الفاء لإقامة الوزن ضرورة، كقول الآخر: (من يفعل الحسنات الله يشكرها) . قال ابن هشام في المغني: وعن المبرد: أنه منع ذلك حتى في الشعر وزعم أن الرواية (من يفعل الخير فالرحمن يشكره) . ومخلص بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله: راعي النظير طوى نشر العلى عملا ... رام التخلص بالمختار في الأمم هذا المخلص أيضاً لا يظهر وجه المناسبة بينه وبين ما قبله، لأن قبله قوله: خوافي الحب أورتها قوادمه ... من استعارة نار الهجر مع سدم ومعنى هذا البيت بمعزل عن معنى بيت التخلص، فكأن انتقاله إلى المدح اقتضابا لا تخلصا، وإن سماه به ادعاء. ومخلص بديعيتي قولي: وقد هديت إلى حسن التخلص من ... غي النسيب بمدحي سيد الأمم

стр. 250

هذا البيت مستوف لشروط حسن التخلص لفظا ومعنى مع التصريح بذكر حسن التخلص في أثناء الشطر الأول، فلا عبرة بقول ابن حجة: جل القصد أن يكون التصريح به في الشطر الثاني، إذ لا يظهر لهذا الشرط فائدة. نعم التصريح به في أول البيت كما فعل الموصلي لا يتأتى معه الانتقال من الكلام الأول إلى المدح في بيت واحد. ومخلص بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله: تزداد حسنا وتزهو كلما وضعت ... في جيد أوصاف خير الخلق كلهم هذا البيت أيضاً غير صالح للتجريد، لتعلقه بما قبله، وهو بيت القسم وبيت الاستعارة وهما: لا أسفرت لي وجوه المشكلات ولا ... حللت عقدة معنى غير منفهم إن لم أصغ ناظما عقدا فرائده ... وسائط كلها من جوهر الكلم تزداد حسنا وتزهو كلما وضعت ... في جيد أوصاف خير الخلق كلهم وكل من هذه الأبيات غير صالح للتجريد الإطراد محمد أحمد الهادي البشير ابن ... عبد الله فخر نزار باطرادهم الإطراد في اللغة، مصدر أطرد الشيء: إذا تبع بعضه بعضا وجرى والأنهار تطرد أي تجري، وفي الاصطلاح، هو أن يجيء الشاعر باسم الممدوح ولقبه وكنيته وصفته وأبيه وجده وقبيلته غالبا، أو ما أمكن من ذلك مطردا متواليا في بيت واحد، من غير تعسف ولا تكلف، ولا انقطاع بألفاظ أجنبية لأنه مشتق من إطراد الماء. كقول أبي تمام: عبد المليك بن صالح بن علي بن قسيم النبي في نسبه وأحسن ما قيل من ذلك، قول بعض المتأخرين في الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي: مؤيد الدين أبو جعفر ... محمد بن العلقمي الوزير هكذا حده الشيخ صفي الدين الحلي، ومثل له في شرح بديعيته، وهو أعم من حد الجمهور له، بأنه عبارة عن الإتيان باسم الممدوح أو غيره وأسماء آبائه على ترتيب الولادة من غير تكلف في السبك، حتى تكون الأسماء في تحدرها كالماء الجاري في إطراده، وسهولة انسجامه. كقول الشاعر: أن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب لكن قد تقدم أن الشيخ صفي الدين الحلي لخص بديعيته من سبعين كتابا في هذا الفن، اجتنى من ثمرات أوراقها ما شاء، فقوله عمدة في هذا الباب. قال الشيخ بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح: ومنهم من سمى الإطراد ذكر الأسماء مطلقا. وكذلك صنع ابن رشيق في العمدة، فإنه جعل الإطراد في قول المتنبي: وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد انتهى. وأخذ الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى على المتنبي في هذا البيت فقال: لم نزل مستحسنين لجمع الأسامي في الشعر. كقول دريد بن الصمة: قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب واحتذى هذا الفاضل على طرقهم فقال: وأنت أبو الهيجا بن حمدان يا ابنه ... تشابه مولود كريم ووالد وحمدان حمدون وحمدون حارث ... وحارث لقمان ولقمان راشد وهذا من الحكمة التي ادخرها أرسطاليس وأفلاطون لهذا الخلف الصالح. انتهى. وأجاب عنه ابن فورجة فقال: أما سبك البيت، فأحسن سبك، يريد أنت تشبه أباك، وأبوك كان يشبه أباه، وأبوه كان يشبه أباه، إلى آخر الآباء. فليت شعري ما الذي استقبحه؟ فإن استقبح قوله: وحمدان حمدون وحمدون حارث، فليس في حمدان ما يستقبح من حيث اللفظ والمعنى، بل كيف يصنع والرجل اسمه هذا، والذنب في ذلك للآباء لا للمتنبي. وهذا على نحو ما قال أبو تمام: عبد المليك بن صالح بن علي بن قسيم النبي في نسبه والبحتري حيث يقول: علي بن عيسى بن موسى بن طلحة ... بن سائب بن مالك حين ينطق انتهى. وهذا من ابن فورجة دفع بالضد، وتجاف عن الحق، فإن الصاحب إنما استقبح من هذا البيت غلق تركيبه، وثقله على السمع، ونبو الطبع عن سماعه، كما يشهد به الذوق. وقوله: إن سبكه أحسن سبك ليس بصحيح، والطبع السليم أعدل حكم في ذلك. وأغرب من ذلك تشبيهه ببيتي أبي تمام والبحتري، وأين هو منهما؟ ولكن حبك الشيء يعمي ويصم كما أن عين السخط تبدي المساويا.

стр. 251

ومن وشاهد هذا النوع قوله ﵌: أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. قال في النهاية: لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم، والكمال والجمال، والعفة وكرم الأخلاق، والعدل ورياسة الدنيا والدين، فهو نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، رابع أربعة في النبوة. ويروى: أن سبرة بن عياش الجشمي أنشد عبد الملك بن مروان قصيدة دريد بن الصمة التي منها قوله: قتلنا بعبد الله خير لداته ... ذواب بن أسماء بن زيد بن قارب فلما وصل إلى هذا البيت قال: لولا القافية لبلغ به آدم. ومن شواهده الشعرية أيضاً قول الأعشى: أقيس بن مسعود بن قيس بن خالد ... وأنت الذي ترجو بقاءك وائل وقول ابن دريد وجمع ثمانية أسماء في بيت واحد، ولم يقع في شواهد هذا النوع نظيره انسجاما وجمعا: فنعم أخو الجلى ومستنبط الندى ... وملجأ محزون ومفزع لاهث عياذ بن عمرو بن الحسين بن غانم بن زيد بن منظور بن زيد بن حارث وقوله أيضاً في هذه القصيدة: خليلي من شمس بن عمرو بن غانم ... ونصر بن زهران بن كعب بن حارث وكان أبو تمام كثيرا ما يستعمل هذا النوع في شعره، فمنه قوله: لمحمد بن الهيثم بن شبانة ... مجد إلى حيث السماك مقيم وقوله: عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد سهمكم لا يسهم وقوله أيضاً، وهو أحسن مما تقدم له: نوح صفا من عهد نوح له ... شرب العلى في الحسب الفارع مطرد الآباء في نسبة ... كالصبح في إشراقة الساطع مناسب تحسب من ضوئها ... منازلا للقمر الطالع كالدلو والحوت وأشراطه ... والبطن والنجم إلى التالع نوح بن عمر بن حوي بن عم ... رو بن حوي بن الفتى مانع فأتى بستة من منازل القمر، وقابلها بستة من الأسماء، لولا أن نغص بذكر الفتى في سادس جد، وإن لم يرد فتى السن، وإنما أراد من الفتوة لكنه موهم. والتالع هو الدبران، كأنه تلع جيده أي مده. ومنه قول بعضهم: من يكن رام حاجة بعدت عن ... هـ وأعيت عليه كل العياء فلها أحمد المرجى بن يحيى بن معاذ بن مسلم بن رجاء وقول أبي سعيد الرستمي في تهنئة الصاحب بن عباد: تهني ابن عباد بن عباس بن عب ... د الله نعمى بالكرامة تردف وقول عبد الصمد بن بابك من أبيات: ت لاموا على ظمأي إليك فلا دروا ... في ماء خدك ما حلاوة موردي طورا أحيا بالأقاح وتارة ... في الخد بالريحان والورد الندي وجه كما سفر الصباح وحوله ... حسنا بقايا جنح ليل أسود وكأنما خاف العيون فألبست ... وجناته زردا مخافة معتد أنى يخاف من استجار محبه ... بمحمد بن علي بن محمد وقول سراج الدين عمر الوراق: فله الجمال غدا بغير منازع ... ولي الجوى فيه بغير قسيم وكذا العلى لمحمد بن محمد بن علي بن محمد بن سليم وقول الأديب أبي الحكم مالك بن المرحل في أبي عبد الله بن يربوع: صحبت عمري ناسا من ذوي حسب ... حازوا الثناء بموروث ومطبوع فلم أجد فاضلا فيما صحبت سوى ... محمد بن أبي العيش بن يربوع وقول أبي الحسن اللحام في أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن حامد: محمد بن علي ... سبط الحسين بن حامد وافى فسر ولي ... به وأكمد حاسد وقول بعض شعراء المغرب في إدريس بن حمود خليفة الأندلس: وكأن الشمس لما أشرقت ... فانثنت عنها عيون الناظرين وجه إدريس بن يحيى بن علي بن حمود أمير المؤمنين وقلت أنا وقد وصلت من هذا التأليف إلى هذا المحل سابع محرم الحرام: ما عاد عاشوراء إلا همت ... عيني بدمع هاطل ساكب وجدا علي بط الرسول الحسين بن علي بن أبي طالب ومن شواهد بالألقاب قول البطائحي في المستظهر بالله العباسي: أصبحت بالمستظهر بن المقتدي ... بالله ابن القائم بن القادر مستعصيا أرجو نوال أكفه ... وبأن يكون على العشيرة ناصري فيقر مع كبري قراري عنده ... ويفوز من مدحي بشعر سائر وهذه الأمثلة كلها جارية عل المشهور في الإطراد من ذكر اسم الممدوح وأسماء آبائه فقط.

стр. 252

وأما الأمثلة الجارية على ما قرره الشيخ صفي الدين الحلي فيه من ذكر اسم الممدوح، ولقبه وكنيته، واسم أبيه وجده، أو ما أمكن من ذلك. فمنها ما ذكره أبو منصور الثعالبي في اليتيمة، ترجمة أبي علي الدامغاني حيث قال: لا أذكر أن أحدا ما الصدور يسع دعاءه ولقبه، وكنيته واسمه واسم أبيه وبلده بيت واحد من الشعر سواه. فإن أبا القاسم الأليماني أنشدني لنفسه من قصيدة فيه، ومنها هذا البيت: إلى الشيخ الجليل أبي علي ... محمد بن عيسى الدامغاني وقول الأديب يعقوب بن أحمد النيسابوري في أبي القاسم الموسوي: يقولون لي هل للمكارم والعلى ... قوام ففيه لو علمت دوامها فقلت لهم والصدق خلق ألفته ... علي بن موسى الموسوي قوامها وقوله فيه أيضاً: يقول صديقي ألا دلني ... على برمك الجود أو حاتم فقلت وأقسمت رب العلى ... علي بن موسى أبو القاسم وقول أبي محمد الحسين بن أحمد الزيادي في الشيخ أبي علي الجشمي: إن الدراية والرواية خاتم ... حقا أقول ولست فيه بزاعم وأبو علي أحمد بن محمد بن عميرة الجشمي فص الخاتم فأجابه الجشمي بقوله: قد قلت عن حق فعوا ما قلت إذ ... ليس المقلد في الورى كالعالم إن الزيادي الحسين أبا محمد بن أحمد شمس هذا العالم وقول أبي الحسن الباخرزي في أبي القاسم الموسوي أيضاً: وسقت الركائب حتى أنخن ... بسبط الأنامل سبط النبي علي بن موسى مواسي العفاة ... أبي القاسم السيّد الموسوي وقول بعضهم يهجو الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع: عبد العظيم الزكي بن أبي افصبع رب القريض والخطب يزعم أني بالهجو أذكره ... تعصبا منه ساعة الغضب لكنني والطلاق يلزمني ... ما ملت فيه يوما إلى الكذب نكت ابنه وأخته وخالته ... ونكتب قدما أخاه وهو صبي وليس فيما أتيت مبتدعا ... قد كان هذا في سالف الحقب ناك أبي أمه وجدته ... وعمته لله در أبي ونحن في بيته على دعة ... والنيك ما بيننا إلى الركب وهذه الأبيات - على ما فيها - في غاية السهولة والانسجام. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي جار على ما قرره هو في الإطراد، وهو: محمد المصطفى الهادي النبي أجل المرسلين بن عبد الله ذي الكرم وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله: قد أورث المجد عبد الله شيبة عن ... عمرو بن عبد مناف عن قصيهم ابن جابر جرى في نظم هذا البيت على ما ذهب إليه بعضهم في الإطراد من أنه ذكر الأسماء مطلقا، وإليه جنح ابن رشيق في العمدة كما تقدم نقله عن عروس الأفراح. ولا مشاحة في الإصلاح، غير أن الخروج عن القول المشهور خلاف الأولى. وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: محمد بن عبد الله شيبة جده بن عمرو كرام في اطرادهم هذا البيت ظاهر التكلف، شديد التعسف، يأباه شرط الإطراد الذي هو عدم التكلف في السبك، لأنه إنما سمي اطرادا، لكون الأسماء في تحدرها كالماء الجاري في اطراده وانصبابه. والذي أقول: إن هذا البيت لو كان الماء لكان عكرا لا يسيغه شارب، كما لا يسيغه الآن سامع. وبيت بديعية ابن حجة قوله: محمد بن الذبيحين الأمين أبو البتول خير نبي في اطرادهم وبيت بديعية الطبري قوله: محمد نجل عبد الله نجل أبي ال ... عباس آبا كرام في اطرادهم قوله: آبا، يريد به آباء جمع أب، فحذف الهمزة، وقصر المد لضرورة الوزن؛ فثقل لفظها؛ واستبشع التلفظ بها حتى لو وقعت في بحر صاف لكدرته؛ ولو ألقيت على جبل شامخ لضعضعته، على أن البيت برمته في غاية التكلف والتعسف. وبيت بديعيتي هو قولي: محمد أحمد الهادي البشير بن ... عبد الله فخر نزار باطرادهم هذا البيت فيه أسماء الممدوح ﵌، ولقبان من ألقابه الشريفة وذكر أبيه، وذكر قبيلته، مع عدم ارتكاب ضرورة، ولا تكلف في النظم. وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله: محمد المصطفى بن المصطفين إما ... من الأنبياء رسول الله في الأمم تذنيب - عد بعضهم من الإطراد مثل قول أبي تمام: بكريها علويها صعبيها ال ... حصني شيبانيها الصنديدا

стр. 253

ذهليها مريها مطريها ... يمنى يديها خالد بن يزيدا وهو غير معروف. العكس عز الذليل ذليل العز مبغضه=فاعجب لعكس أعاديه وذلهم العكس في اللغة: ردك آخر الشيء إلى أوله، وفي الاصطلاح على نوعين لفظي ومعنوي. فاللفظي هو أن تقدم في الكلام جزأ ثم تعكس وتقدم ما أخرت، وتؤخر ما قدمت، ويسمى التبديل أيضاً، وهو على وجوه كما سيظهر لك من الأمثلة التي سنوردها نثرا ونظما. فمنه قوله ﵌: جار الدار أحق بدار الجار. رواه النسائي، وأبو يعلى في مسنده، وابن حيان في صحيحه عن أنس وأحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي عن سمرة. قاله العلامة السيوطي في الجامع الصغير. وابن حجة لبعد معرفته عن مثل ذلك جاء به بصيغة التمريض فقال: قيل: إنه ورد في الحديث، وذكر الحديث المذكور، وهو جهل منه. وقول أبي الفتح البستي: عادات السادات سادات العادات. وقولهم: كلام الملوك ملوك الكلام. وقولهم: شيم الأحرار أحرار الشيم. وقولهم: كتب الأحباب أحباب الكتب. وأنشد الشيخ شهاب الدين أبو الثناء محمود لنفسه في هذا النوع ما كتبه جوابا لصاحب اليمن عن هدية وردت منه قرين كتاب: أتاني كتابك والمكرمات ... تسير لديه مسير السحب لئن جاء في موكب من نداك ... فكتب الملوك ملوك الكتب ومنه قول القاضي الأرجاني: أنا أشعر الفقهاء غير مدافع ... في العصر لا بل أفقه الشعراء شعري إذا ما قلت دونه الورى ... بالطبع لا بتكلف الإلقاء أخذه الآخر فقال: هو في الفقه شاعر لا يبارى ... وهو في الشعر أفقه الشعراء لا إلى هؤلاء إن طلبوه ... وجدوه ولا إلى هؤلاء غير أن ذلك مدح وهذا ذم. ومنه قوله تعالى: (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) . وقول الحماسي: رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا وقول أبي هلال العسكري يصف الربيع: لبس الماء والهواء صفاء ... واكتسى الروض بهجة وبهاء فتخال السماء بالليل أرضا ... وترى الأرض في النهار سماء وقول مجير الدين محمد بن تميم: وليلة بتها من ثغر حبي ... ومن كأسي إلى فلق الصباح أقبل أقحوانا في شقيق ... وأشربها شقيقا في أقاح وقول بعضهم في رئيس ركب البحر: ولما امتطى البحر ابتهلت تضرعا ... إلى الله يا مجري الرياح بلطفه جعلت الندى من كفه مثل موجه ... فسلمه واجعل موجه مثل كفه وقول عبد الرحمن بن الحسن القوشنجي فو الله ما فارقت عهدة عقده ... ووالله ما أحللت عقدة عهده وأني على هجرانه عبد وده ... فمن لي بمولى يرتضي ود عبده وقول السيّد عز الدين المرتضى من قصيدة: وعين شأني شأن لا أبوح به ... وشأن عيني عين ذات تهتان ومنها: لقد خبرت بني الدنيا فليس يرى ... إنسان عيني فيهم عين إنسان ومنه قوله ﵌: اشكر لمن أنعم عليك، وانعم على من شكرك. وقوله ﵇ أن الإنسان ليسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه. وقول الحسن البصري: إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير ممن آمنك حتى تلقى الخوف. وقول بعض الحكماء: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. وقيل لحكيم: لم لا تمنع من يسألك؟ فقال: لئلا أسأل من يمنعني. ولما قصد أبو تمام عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان، وامتدحه بقصيدته التي أولها (أهن عوادي يوسف وصواحبه) أنكر عليه أبو سعيد الضرير، وأبو العميثل هذا الابتداء وقالا له: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال لهما: لم لا تفهمان ما أقول فاستحسن منه هذا الجواب. وقيل للحسن بن سهل: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. وقال أبو العيناء لأبي الصقر بن بلبل وهو وزير: أنت والله تقرب منا إذا احتجنا إليك، وتبعد عنا إذا احتجت إلينا. وقيل لأبي دواد الأيادي - ونظر إلى ابنته تسوس فرسه - لقد أهنتها يا أبا دواد، فقال: أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بهواني. وقال الجرجاني لأبي علي الحاتمي: إنما تحرم لأنك تشتم، فقال: إنما أشتم لأني أحرم.

стр. 254

وقيل لمريض كيف أنت؟ فقال: أجد ما لا اشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان سوء، من وجد لم يجد، ومن جاد لم يجد. وقال الأضبط: ويجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه ويقطع الثوب غير لابسه ... يلبس الثوب غير من قطعه ويروى لهارون الرشيد: لساني كتوم لأسرارهم ... ودمعي بسري نموم مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم يكن لي دموع وأولع الشعراء بهذا المعنى فقال بعضهم: لعمري لعمري بكم عامر ... ولا أشتهي العمر لولاكم فلولاكم ما عرفنا الهوى ... ولولا الهوى ما عرفناكم وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: مسألة الدور جرت ... بيني وبين من أحب لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب وللشيخ نجيب الدين الشامي: علة شيبي قبل إبانه ... هجر حبيبي في المقال الصحيح ويدعي العلة في هجره ... شيبي ففي القولين دور صريح وقال آخر: مسائل دور شيب رأسي وهجرها ... وكل غدا عما به في الهوى ينبي فأقسم لولا الهجر ما شاب مفرقي ... وتقسم لولا الشيب ما كرهت قربي وما أحسن قول شمس الدين محمد بن التلمساني في هذا النوع: يا بأبي معاطف وأعين ... يصول منها رامح ونابل فهذه ذوابل نواضر ... وهذه نواظر ذوابل غير أن النواضر الأولى بالظاد المعجمة لأنها من النضرة وهي النعمة، والنواظر الثانية بالظاء المشالة لأنها من النظر وهو البصر، ومثل ذلك مغتفر في مثل هذا المقام. وقول المطوعي: ألست ترى أطباق ورد وحولها ... من النرجس الغض الطري ورود فتلك خدود ما عليهن أعين ... وتلك عيون ما لهن خدود ومن بديع هذا النوع ما أنشده أبو منصور الثعالبي في اليتيمة لصاحب ابن عباد في وصف الزجاج والشراب: رق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وكثير من ينسب هذين البيتين لأبي نواس، ولم أجدهما في ديوانه. ولأبي الطيب المتنبي في هذا النوع: فلا مجد في الدنيا لمن قل مال ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده فما ترزق الأيام من أنت حارم ... ولا تحرم الأقدار من أنت رازق إذا حقدت لم يبق في قلبها رضى ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد وقال ابن نباتة السعدي: ألا فاخش ما يرجى وجدك هابط ... ولا تخش ما يخشى وجدك رافع فلا نافع إلا مع النحس ضائر ... ولا ضائر إلا مع السد نافع وقال آخر وأجاد. وغلط ابن حجة في نسبته إلى المتنبي: إن الليالي للأنام مناهل ... تطوى وتنشر دونها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار وقال آخر: النفس ملأى من المعالي ... والكيس صفر الجناب خالي فليس مالي كمثل فضلي وليس فضلي كمثل مالي ومن الطريف النادر في هذا الباب قول أبي الحسن الباخرزي من قصيدة بديعة في السيّد ذي المجدين أبي القاسم علي بن موسى الموسوي: معاد معاديه مهما طوى ... على بغضه القلب قعر الطوي وأمثل أحوال أعدائه ... وكلهم نهب داء دوي عصي مكللة بالرؤوس ... وروس مكللة بالعصي قال في الدمية: أنشدت هذه القصيدة الممدوح بها بحضرة أبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني والمجلس غاص بالعام والخاص، فلما انتهيت فيها إلى قولي هذا صفق القاضي أبو منصور بيديه وقال: عين الله عليه، وأثنى علي في ذلك المجلس الغصان، بمثل ما أثنى به حسان على آل غسان. ومن مستجاده قول القاضي أبي الفتح نصر بن سيار الهروي يصف نار السذق، وهو بفتح السين المهملة والذال المعجمة وبعدهما قاف، ليلة الوقود، فارسي معرب: رب ليل كشعر ليلى ... سوادا شق جلبابها عن الأرض نار وترى الأرض كالسماء فكل ... قد تجلى خلالها أنوار وشرار كأنهن نجوم ... ونجوم كأنهن شرار وما ألطف قوله أيضاً في هذا المعنى، وإن لم يكن مما نحن فيه: وليلة سامحتني ... بها نوائب دهري بتنا نحث زجاجا ... ما بين خمر وجمر فتلك ذائب جمر ... وذاك جامد خمر

стр. 255

ويعجبني من هذا الباب قول شرف السادة أبي الحسن البلخي: أفدي بروحي من قلبي كوجنته ... في الوصف لا الحكم فالأحكام تفترق أعجب لحرقة قلب ما له لهب ... ومن تلهب خد ليس يحترق ومما انعقد الإجماع على حسنه من الأسماع، قول تميم بن مفرج الطائي، من خمرية له أولها: قم واسقني قبل الصباح المسفر ... يوم الخميس على طلوع المشتري وإذا لقيت الجمعة الزهراء فل ... يكن الغبوق على جبين أزهر واستقبل اليوم السعيد بمقبل ... طلق وأدبر عن عذول مدبر إن قيل أن الراح حرم شربها ... عن أهل دين محمد فتنصر (عن) هنا بمعنى (على) وهما يتعاقبان، قال الله تعالى: (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) . قوله المشار إليه في هذا النوع هو: قل للغزالة وهي غير غزالة ... والجؤذر النعسان غير الجؤذر لمذكر الخطوات غير مؤنث ... ومؤنث الخلوات غير مذكر قال في دمية القصر: هذا بيت شعر يساوي بيت تبر، وفيه قلب يقبله كل قلب. ثم الموازنة بين الخطوات والخلوات في نهاية الحلاوة. ومقول القول قوله بعده: قومي إلى الشيء الذي بتنا به ... بالأمس بذاك الجوهر وتسربلي قبل القيام وأسبلي ... ذاك العذار الجون ثم تزنري فتنبهت هيفاء غير بطيئة ... عما التمست ولا سحوب المئزر يعني أنها تشمرت للخدمة، فقلصت أذيالها، لا كالكسلان الذي يزود الأرض فضلة ردائه، إما لكسله، وإما لخيلائه. وبعده: تفتر عن برد وتنظم مثله ... عقدا وتنظر عن جفون فتر وتيممت دنين في مطمورة ... كانا معا فيما أظن لقيصر فتحتهما فكأنما فتحتهما ... عن لون ياقوت ونكهة عنبر ومن المستطرف هنا إلى الغاية، قول شيخ الشيوخ بحماة، وهو لسان الحال، حال تأليف هذا الكتاب: أفنيت عمري في دهر مكاسبه ... تطيع أهواءنا فيه وتعصينا تسعا وعشرين مد الهم شقتها ... حتى توهمتها عشرا وتسعينا وللشيخ صلاح الدين الصفدي: قد فاق غصن النقا حبيبي ... وأخجل البدر في التمام فذا قوام بلا محيا ... وذا محيا بلا قوام وأنشد الشيخ سعد الدين التفتازاني لنفسه في شرح التلخيص عند الكلام على هذا النوع: طويت بإحراز الفنون تجشما ... رداء شبابي والجنون فنون فحين تعاطيت الفنون وخطها ... تبين لي أن الفنون جنون وقال الشيخ صفي الدين الحلي: لا تحقرن المال فالعين للإنسان كالإنسان للعين وقال أيضاً: عين النضار كناظر العين الذي ... يتأمل القاصي به والداني ولرب إنسان بلا عين غدا ... وكأنه عين بلا إنسان وقال أيضاً ناظما قول الحكيم المقدم ذكره: إذا الجد لم يك لي مسعدا ... فما حركاتي إلا سكون إذا لم يكن ما يريد الفتى ... على رغمه فليرد ما يكون وقال آخر: معشوقتي جارية ساقية ... ونزهتي ساقية جاريه جارية أعينها جنة ... وجنة أعينها جاريه وهذان البيتان حسنان لو سلما من الإيطاء في القافية. وقلت أنا من قصيدة: أجلواها والدهر طلق المحيا ... والقماري تنادم الأقمارا في عذارى كأنهن رياض ... ورياض كأنهن عذارى والشعر في هذا النوع كثير جدا، والاقتصار على هذه الجملة منه فيها مقنع. وأما العكس المعنوي فهو من مستخرجات ابن أبي الإصبع، وحده بأن قال: هو أن يأتي الشاعر إلى معنى لغيره، أو لنفسه فيعكسه. فمثال عكس الشاعر معنى غيره، قول علي بن الجهم يصف السحاب: فمرت تفوت الطرف حتى كأنها ... جنود عبيد الله ولت بنودها فات عكس فيه قول أبي العتاهية يصف الرايات: ورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب وقول الآخر: وربما فات بعض الناس أمرهم ... مع التأني وكان الحزم لو عجلوا عكس فيه قول الأخطل: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل وعكس الصابي قول البحتري في الوداع: أقول له عند توديعه ... وكل بعبرته ملبس لئن قعدت عنك أجسادنا ... لقد سافرت معك الأنفس فقال الصابي ونبه على ذلك:

стр. 256

ولما حضرت لتوديعه ... وطرف النوى نحونا أشوس عكست له بيت شعر مضى ... يليق به الحال إذ يعكس لئن سافرت عنك أجسادنا ... لقد قعدت معك الأنفس وقال بعضهم: إذا ما رأيت فتى ماجدا ... فظن بعقل أبيه السخف فقد يلد النجب غير النجيب ... وهل يلد الدر إلا الصدف وعكسه الآخر فقال: إذا ما رأيت فتى ماجدا ... فكن بابنه سيئ الاعتقاد فلست ترى من نجيب نجيبا ... وهل تلد النار غير الرماد ومن هذا الباب ما حكاه علي بن عبد الله الجعفري، من بني جعفر الطيار ﵇ وكان ممن حمله المتوكل من المدينة إلى سر من رأى، وحبسه مع الطالبيين - قال: - مكثت في الحبس مدة، فدخل علي يوما رجل من الكتاب فقال: أريد هذا الجعفري الذي تديث في شعره، فقلت له: إلي فأنا هو، فعدل إلي وقال لي: جعلت فداك أحب أن تنشدني بيتيك اللذين تديثت فيهما. فأنشدته: ولما بدا لي أنها لا تودني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق حرارات الهوى فترق لي قال: فكتبهما، ثم قال: اسمع - جعلت فداك - بيتين قلتهما في الغيرة، فقلت: ما هما؟ فأنشدني: ربما سرني صدودك عني ... فلا طلابيك وامتناعك مني حذار أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني انتهى. فهذان البيتان عكس فيهما هذا الكاتب قول الجعفري. ومنه أيضاً ما حكاه محمد بن يحيى التغليب قال مررت بجعفر بن عفان الطائي يوما وهو على باب منزله فسلمت عليه فقال: مرحبا يا أخا تغلب اجلس، فجلست فقال لي: أما تعجب من ابن أبي حفصة حيث يقول: أنى يكون وليس ذاك بكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام فقلت بلى والله، أني لأتعجب منه، وأكثر اللعنة له. فهل قلت في هذا شيئا؟ قال نعم قلت: لم لا يكون وإن ذاك لكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام للبنت نصف كامل من ماله ... والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما ... صلى الطليق مخافة الصمصام وعلى ذلك قال صالح بن عطية الأضجم لما قال مروان بن أبي حفصة: عاهدت الله أن أغتاله فأقتله أي وقت أمكنني ذلك، وما زلت ألاطفه وأبره، وأكتب أشعاري، حتى خصصت به فأنس بي جدا، وعرف ذلك بنو حفصة جميعا فأنسوا بي، ولم أزل أطلب له غرة حتى مرض من حمى أصابته، فلم أزل أظهر الجزع عليه والإشفاق حتى خلا لي البيت يوما، فوثبت عليه فأخذت بحلقه، فما فارقته حتى مات، وخرجت وتركته؛ فخرج إليه أهله بعد ساعة فوجدوه ميتا، وارتفعت الصيحة؛ فحضرت وتباكيت، وأظهرت الجزع عليه، حتى دفن وما فطن بما فعلت أحد، ولا اتهمني. انتهى. ذكر ذلك في الأغاني. وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح اللامية، حكى ابن رشيق في الأنموذج: أن عبد الرحمن بن محمد الفراسي جلس مع بعض شيوخ تونس، وكان الشيخ نهاية في المجون، فاجتاز بهم رجل، فسأل عن دار ابن عبدون؛ فأقبل الشيخ عليه فقال: هي في تلك الرابعة حيث يقوم أيرك، فقال الفراسي: والله لأنظمنه فما رأيت مثل هذا المعنى. وأنشأ من وقته يقول: إن شئت أن تعرف عن صحة ... دار الذي يعزى لعبدونه فامش فإن أيرك أبصرته ... قام فإن الباب من دونه قال: وقد عكست أنا هذا المعنى فقلت: أقول لمن يسائل عن محلي ... تقدم وامش من خلف السواري ومر فحيث ما تلقى حكاكا ... بسرمك لا تعد فثم داري انتهى. ومثال عكس الشاعر معنى نفسه قول بعضهم: وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا وقول الآخر وأجاد: ها قد غدا من ثياب الشعر في كفن ... وقد تعفت معاني وجهه الحسن وكان يعرض عني حين أبصره ... فصرت أعرض عنه حين يبصرني وأحسن منه قول نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي: وجارية من بنات الحبوش ذات جفون صحاح مراض تعشقتها للتصابي فشبت ... غرما ولم أك بالشيب راضي وكنت أعيرها بالسواد ... فصارت تعيرني بالبياض وأرباب البديعيات إنما بنو أبياتهم على النوع الأول من العكس. فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله عن النبي ﵌:

стр. 257

أبدى العجائب فالأعمى بنفثته ... غدا بصيرا وفي الحرب البصير عمي هذا البيت مع خفة هذا النوع لا يخلو من نوع ثقل وعقادة في التركيب. وبيت ابن جابر أرشق منه حيث يقول: فاتبع رجال السرى في البيد واسر له ... سرى الرجال ذوي الألباب والهمم فالعكس في رجال السرى، وسرى الرجال يحكم الذوق السليم بخفته ورشاقته، وتعنت ابن حجة عليه - على جاري عادته - فقال: إن هذا البيت لم يخلص من العكس هنا، إذ ليس فيه نكتة تلم له مع البديع شملا. انتهى. وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: خير المقال مقال الخير فاصغ ودع ... عكس الصواب مع التبديل تستقم اعترض ابن حجة على هذا البيت بكونه أجنبيا من مدح النبي ﵌. قال: وليس له أدنى تعلق ببيت المديح الذي قبله، والذي بعده، ثم قال: وغالب مديحه النبوي في هذه القصيدة على هذا النمط وأطال الكلام في ذلك بما يوقف عليه في شرحه. قلت: وكأن الشيخ عز الدين إنما خاطب ابن حجة بهذا البيت. وبيت بديعية ابن حجة قوله: عين الكمال كمال العين رؤيته ... يا عكس طرف من الكفار عنه عمي صدر هذا البيت كامل، وأما عجزه فتعجز الجبال الرواسي عن تحمل ثقله. وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله: رب الجمال جمال الرب بعثته ... يا عكس منكرها والنار في ضرم حبس عنان القلم عن الكلام، أولى من إطلاقه في هذا المقام. وبيت بديعيتي هو قولي: عز الذليل ذليل العز مبغضه ... فاعجب لعكس أعاديه وذلهم وبيت بديعية الشيخ شرف الدين المقري قوله: أفدي ظباه فكم عظمن ذا صغر ... في الله قدرا وكم صغرن ذا عظم الترديد هو القسيم له أو في القسيم على ... نفي القسيم ولا ترديد في القسم الترديد - عبارة عن أن يعلق المتكلم لفظة من كلامه بمعنى، ثم يرددها بعينها معلقة بمعنى آخر كقوله تعالى: (حتى نؤتى مثل (ما) أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته) فالجلالة الأولى مضاف إليها متعلقة بمعنى، والثانية مبتدأ بها متعلقة بمعنى آخر. ومثله قوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) فليلة القدر الأولى مبتدأ عند الجمهور خبره (ما) الاستفهامية، قدم للزومه الصدر، وبالعكس عند سيبويه، وهي متعلقة بمعنى التعظيم، وليلة القدر الثانية مبتدأ خبرها ما بعدها، وهي متعلقة بمعنى الإخبار عنها بكونها خيرا من ألف شهر. ومثلوا له من الشعر بقول الحسن بن هاني وهو أبو نواس: صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء فقوله: مسها، مسته: ترديد. والأحسن، التمثيل له بقول محمد بن هاني المغربي: وقد أهبط الغيث غض الجميم ... غض الأسرة غض الندى يعني أن المطر لكثرة وقوعه هدل الروض وأنزله، والجميم بالجيم: النبت الكثير، أو الناهض المنتشر، والأسرة هنا مستعارة من قولهم: لمعت أسرة وجهه؛ وهي الخطوط التي تجتمع في الجبهة وتتكسر. ومثله قوله أيضاً: ويأبى لك الذم طيب النجار ... وطيب الخلال وطيب الشيم وقوله من أخرى: أقول وقد شق أعلى السحاب ... وأعلى الهضاب وأعلى الربى إذا الودق في مثل هذا الرباب ... وذا البرق في مثل هذا السنا وقول بدّر الدين بن مخزوم: عزيز قوم عزيز الجار والشرف ... عبد العزيز غدا يلقاه خير وفي وقول بعضهم في سوداء: ومسكية النشر مسكية ال ... عذارين مسكية المنظر تثنى وقامتها للقضيب ... وتنظر واللحظ للجؤذر وأحسبها في خلال الحديث ... تنثر عقدا من الجوهر فكل من هذه الألفاظ المرددة في هذه الأبيات تتعلق في كل موضع بمعنى غير الآخر، والفرق بين هذا النوع وبين التكرار: أن اللفظة التي تتكرر ولا تفيد معنى زائدا غير معنى الأولى هي التكرار، واللفظة التي تردد فتفيد بمتعلقها معنى آخر غير معنى الأولى هي الترديد. قال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته: وإن اتفق للشاعر توجيه اللفظة المرددة واشتراكها بمعنى آخر كان أبلغ. انتهى. قلت: ولا يخفى أنه حينئذ يكون من باب الجناس التام. ومثاله قول الشيخ الإمام عز الدين بن أبي الحديد في إحدى علوياته:

стр. 258

إمام هدى بالقرص آثر فاقتضى ... له القرص رد القرص أبيض أزهرا فلفظة القرص في أول البيت مراد بها قرص الشعير الذي آثر به المسكين، والأسير، واليتيم. وفي آخره: قرص الشمس في ردها له. ومنه قول بعضهم في وصف كتاب: كتاب كوشي الروض حظت سطوره ... يد ابن هلال عن فم ابن هلال أراد بابن هلال الأول: أبا الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب الكاتب المشهور، قال ابن خلكان: لم يوجد في المتقدمين ولا المتأخرين من كتب مثله، ولا قاربه. وبابن هلال الثاني: أبا إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع. وعلى ذلك بنى فحول أرباب البديعيات أبياتهم. فبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي (ره) قوله: له السلام من الله السلام وفي ... دار السلام تراه شافع الأمم السلام الأول: من التسليم، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: بمعنى السلامة، سميت الجنة بذلك، لأن الصائر إليها يسلم من كل آفة وغير ذلك. ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله: له الجميل من الرب الجميل ... على الوجه الجميل بترديد من النعم وبيت بديعية ابن حجة قوله: أبدى البديع له الوصف البديع وفي ... نظم البديع حلا ترديده بفمي وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله: هو الجواد رسول للجواد بمض ... مار الجواد له الترديد بالنعم الجواد الأول بمعنى السخي، والثاني: من أسمائه تعالى، والثالث: الفرس الرائع، ولكن انظر، ما معنى قوله: بمضمار الجواد؟ فإني لا أرى له هنا معنى. وبيت بديعيتي هو قولي: هو القسيم له أو في القسيم على ... نفي القسيم ولا ترديد في القسم القسيم الأول بمعنى الجميل - من القسامة وهو الحسن - والثاني بمعنى القسم بالكسرة وهو النصيب - نص عليه في القاموس -، والثالث بمعنى المقاسم. والمعنى: أن له أوفى النصيب من كل فضل وشرف، مع نفي المقاسم له في ذلك. وقولي: ولا ترديد في القسم: تذييل، والمعنى: أن القسم مقضية قضاء فصل لا ترديد فيها. وبيت بديعية شرف الدين المقري قوله: جلت فتوحا وجلت معشرا كفرا ... طردا وجلت دياجي الأعصر الدهم هذا البيت غير صالح للتجريد لتعلق معناه ببيت العكس قبله، والضمير في جلت عائد إلى الظبا في البيت المذكور. والترديد في لفظة جلت، فالأولى بمعنى عظمت، والثانية بمعنى أخرجت من الجلاء وهو الخروج من البلد - والثالثة بمعنى كشفت، يقال: جلى الشيء أي كشفه، ومنه جلى الصبح الظلام. المناسبة زاكي النجار علو المجد ناسبه ... زاهي الفخار كريم الجد ذو شمم المناسبة على ضربين: معنوية ولظفية، والمعنوية هي التناسب في المعاني ويندرج فيها مراعاة النظير، والتوشيح - وقد تقدما - وتناسب الأطراف، وائتلاف المعنى مع المعنى - وسيأتيان إن شاء الله تعالى _. وتوهم ابن حجة أن المناسبة المعنوية أمر غير ذلك، وعرفها بتعريف تناسب الأطراف الذي سماه بعضهم بتشابه الأطراف المعنوي، ومثل لها بأمثلته، وبأمثلة مراعاة النظير، وخلط بين النوعين. ونظمته أنا في بديعيتي وستراه إن شاء الله تعالى. وأما مراعاة النظير، والتوشيح، وائتلاف المعنى مع المعنى فقد نظموه كما مر، ويأتي. وأما المناسبة اللفظية، وهي المقصودة هنا بالذكر، فهي عبارة عن الإتيان بكلمات متزنات، أما مقفاة وتسمى التامة، أو غير مقفاة وتسمى الناقصة. فالأولى كقوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك بمجنون. وإن لك لأجرا غير ممنون) . ومن أمثلته في الشعر قول مروان بن أبي حفصة: هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا وقول السلامي: ظلت تزف له الدنيا محاسنها ... وتستعد له الألطاف والتحفا من عارض وكفا أو بارق خطفا ... أو طائر هتفا أو سائر وقفا وقول أبي سعيد الرستمي: يرد سناك البدر والبدر زاهر ... ويقفو نداك البحر والبحر زاخر والثانية كقوله تعالى: (وظل ممدود. وماء مسكوب) . وقول محمد بن هاني المغربي: تأتي له خلف الخطوب عزائم ... تذكي لها خلف الصباح مشاعل

стр. 259

فكأنهن على العيون غياهب ... وكأنهن على النفوس حبائل فقوله (على العيون) موازن (على النفوس) و (غياهب) موازن (حبائل) وهي مناسبة ناقصة لعدم التقفية. ويجمع النوعين قول أبي تمام: مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل فبين (مها) و (قنا) مناسبة تامة، وبين (الوحش) و (الخط) و (أوانس) وذوابل) مناسبة غير تامة. ومثله قول البحتري: فأحجم لما لم يجد فيك مطعما ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا فبين (أحجم) و (أقدم) مناسبة تامة، وبي (مطعما) و (مهربا) مناسبة ناقصة. وقل ابن المغلس من قصيدة في أبي نصر سابور: أن يواجه فطود حلم ركين ... أو يفاوض فبحر علم غزير أو يجد واهبا فغيث مطير ... أو يصل واثبا فليث هصور ومثل ذلك في الشعر أكثر من أن يحصى. وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: مؤيد العزم والإبطال في قلق ... مؤمل الصفح والهيجاء في ضرم المناسبة اللفظية في هذا البيت ناقصة، وقد بينها ف شرحه بقوله (مؤيد العزم) مناسب (مؤمل الصفح) في الزنة، وقوله (والإبطال) موازن (والهيجاء) وقوله (في قلق) موازن (في ضرم) . وتشدق ابن حجة هنا فقال: عجبت منه إذ لم يحتج في بيته إلى المناسبة المعنوية، وأتى باللفظية، كيف رضي لنفسه بقول القائل: إذا كنت ما تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنا وزان وما أنا شاعر وهذا قلة أدب من ابن حجة، والشيخ صفي الدين أجل مقاما في الأدب من أن يتمثل في حقه بمثل هذا البيت. فإنه لو أراد أن ينظم المناسبة المعنوية التي حدها هذا المتفيهق بحد تناسب الأطراف لم يعجزه ذلك. والذي أراه أن الشيخ صفي الدين جنح إلى أن هذه المناسبة داخلة في التوشيح ولذلك لم ينظمها في بديعيته كما سنبين ذلك في تناسب الأطراف إن شاء الله تعالى. على أنا لو أردنا أن نجعل بيته هذا جامعا للمناسبة المعنوية بالمعنى المذكور، وللمناسبة اللفظية معا لأمكن على أكمل وجه وأبينه وأوضحه من غير تكلف، وذلك أن ابن حجة فسر المناسبة المعنوية (التي قال أن الشيخ صفي الدين لم يحتج إليها) بقوله: هي أن يبتدي المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه في المعنى دون اللفظ. انتهى. وهذا هو معنى تناسب الأطراف. وأدخله الخطيب في مراعاة النظير وقال: إن بعضهم سماه تشابه الأطراف، إذ علمت ذلك فالشيخ صفي الدين ابتدأ كلامه بقوله: (مؤيد العزم) ثم تممه بقوله: (والهيجاء في ضرم) فحصلت المناسبة بين ذكر تأييد العزم، وبين ذكر الهيجاء حال كونها مضطرمة على أتم وجه ولا غبار عليه فذهب كلام ابن حجة جفاء. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي قوله: ألم ترى الجود يجر في يديه ألم ... تسمع مناسبة في قوله نعم هذا البيت عار من المناسبة اللفظية بالكلية كما لا يخفى، وأما المعنوية بالمعنى المذكور فقال ابن حجة: أنها ليست فيه أيضاً، وليس كذلك، بل هي ظاهرة فيه، فإن ابتداء كلامه بقوله (ألم تر الجود يجري في يديه) يناسب إتمامه بلفظة (نعم) وهي وإن كانت لمطلق التصديق والوعد، إلا أن الشعراء إذا ذكروها في المدح لا يريدون بها إلا الوعد في العطاء. كما قال: ما قال لاقط في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم وقال الآخر: أدام قول نعم حتى إذا اطردت ... نعماه من غير وعد لم يقل نعما فالمناسبة المعنوية المذكورة ظاهرة لا تخفى إلا على غبي مثل ابن حجة. وبيت بديعية ابن حجة قوله: فعلمه وافر والزهد ناسبه ... وحلمه ظاهر عن كل مجترم قال في شرحه: هذا البيت جمعت فيه بين المناسبة المعنوية واللفظية التامة المشتملة على الوزن والتقفية، فقولي (علمه) يناسبه (حلمه) وزنا وقافية، و (وافر) مثل (ظاهر) وزنا قافية، والمناسبة المعنوية ابتدأت بها في أول الشطر الثاني من البيت بذكر (الحلم) ، ثم تممت كلامي بقولي (عن كل مجترم) ، فجعلت المناسبة المعنوية بين الحلم وذكر الاجترام. انتهى.

стр. 260

وأنا أقول: أما المناسبة اللفظية التامة فيه فظاهرة، وأما المناسبة المعنوية فليست بتامة، لأنه كان ينبغي أن يبتدي بذكر الحلم في أول البيت، لأنه هو أول الكلام المبتدأ به، لا أول الشطر الثاني، فقوله: ابتدأت بها في أول الشطر الثاني مغالطة منه. وبيت بديعية الطبري قوله: أكرم به شرفا مناسبا ترفا ... أعظم به شغفا عفوا لمجترم أما أنا فقد سئمت من الكلام على ضد البديع في هذه البديعية، ومن ذاق من الأدب شيئا لا يخفى عليه مثل ذلك. وبيت بديعيتي هو قولي: زاكي النجار علو المجد ناسبه ... زاهي الفخار كريم الجد ذو شمم أنا لم أقصد في هذا البيت سوى المناسبة اللفظية التامة وهي بين (زاكي) و (زاهي) وبين (النجار) و (الفخار) وبين (علو المجد) و (كريم الجد) وأما المناسبة المعنوية بالمعنى المذكور، فقد أسكنتها في بيت على حده ويتمها تناسب الأطراف كما ستراه، على أن إمكان القول بها في هذا البيت ظاهر، فإن ابتداء الكلام بقولي (زاكي النجار) يناسبه إتمامه بقولي (ذو شمم) لأن النجار هو الأصل، والشمم ارتفاع قصبة الأنف وحسنها واستواء أعلاه، أو هو دليل على كرم الأصل وعراقة النسب، ولذلك يمدح به. قال حسان: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول وقال كعب بن زهير: شم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل وضده الغطس وهو دليل اللؤم وخسة الأصل، ولذلك قال من عكس بيت حسان: سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر فظهر أن زكاء الأصل يناسبه قولي: ذو شمم فصح في البيت المناسبة المعنوية أيضاً وإن لم تكن مقصودة. وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله: ففي السماحة غيث جاد من ديم ... وفي الحماسة ليث جال في أجم هذا البيت يشتمل على المناسبة اللفظية التامة والناقصة، فبين قوله (غيث) و (ليث) و (ديم) و (أجم) مناسبة تامة، وبين (السماحة) و (الحماسة) وقوله (جاد) و (جال) مناسبة ناقصة. الجمع أفضاله ومعاليه ورفعته ... جمع من الفضل فيه غير منقسم الجمع هو أن يجمع المتكلم بين نوعين فصاعدا في نوع واحد، بأن يعمد إلى شيئين مختلفين مثلا فيثبت لهما جهة جامعة يتحدان بها، كقوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) جمع المال والبنون وهما نوعان متباينان في نوع واحد وهو الزينة، وقوله ﵌: من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، أي بأسرها. وحذافير الشيء: نواحيه، جمع حذفار، ومعناه: أن من رزق الأمن من كل بلاء يتقيه، والعافية من كل داء يؤذيه؛ وأعطي بلغة يومه الذي هو فيه، فقد أحاط بما يهمه في الدنيا أطرافه ونواحيه. فجمع هذه الأمور الثلاثة في أنها أصل المقاصد الدنيوية. ومن أمثلته في الشعر قول أبي العتاهية: علمت يا مجاشع بن مسعده ... أن الشباب والفراغ والجده مفسدة للمرء أي مفسده فجمع أمورا ثلاثة مختلفة تحت نوع واحد وهي المفسدة. ومثله قولي: إن المكارم والفضائل والندى ... طبع جبلت عليه غير تطبع والمجد والشرف المؤمل والعلى ... وقف عليك وليس بالمستودع وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله: آراؤه وعطاياه ونقمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله: قد أحرز السبق والإحسان في نسق ... والعلم والحلم قبل الدرك للحلم وبيت بديعية الموصلي قوله: للفصل والفضل والألطاف منه يرى ... والحلم والعلم جمع غير منخرم وبيت بديعية ابن حجة قوله: آدابه وعطاياه ورأفته ... سجية ضمن جمع فيه ملتئم وبيت بديعية الطبري: كل من الأنس والأملاك مندرج ... والجن تحت لواه يوم جمعهم وبيت بديعيتي هو قولي: أفضاله ومعاليه ورفعته ... جمع من الفضل فيه غير منقسم وبيت بديعية المقري هو قوله: قضى وولى وفاضت نفسه وعفا ... عدلا وليس بعافي الحكم والحكم

стр. 261

قال في شرحه: قوله (قضى وولى وفاضت نفسه وعفا) أجاب عن الجميع بقوله (عدلا) هذا نصه. ولا أقبح من قوله: وفاضت نفسه فإن مثل هذه العبارة لا تليق في مرثية صديق فضلا عن المديح النبوي. وأغرب من ذلك تفسيره (عفا) بقوله: يجوز أن يكون بمعنى عفا عن المسيء، وإن يكون بمعنى ذهب. نعوذ بالله من آفة الغفلة والله أعلم. انتهى الجزء الأول من شرح البديعة. أنوار الربيع في أنواع البديع الجزء الرابع الانسجام أوصافه انسجمت للذاكرين لها ... في هل أتى في سبا في نون والقلم الانسجام في اللغة: الانصباب, وفي الاصطلاح أن يكون الكلام عذب الألفاظ, سهل التركيب؛ حسن السبك, خالياً من التكلف والعقادة؛ يكاد يسيل من رقته؛ وينحدر انحدار الماء في انسجامه, لا يتكلف فيه بشيء من أنواع البديع إلا ما جاء عفواً من غير قصد. وإذا قوي الانسجام في النثر جاءت فقراته موزونة من غير قصد, كما وقع في كثير من آيات القرآن العظيم, حتى وقع فيه من جميع البحور المشهورة أبيات, وأشطار أبيات. فمن بحر الطويل, من صحيحه "فمن شاء فليؤممن ومن شاء فليكفر". ومن مخرومه ويسمى الأثلم "منها خلقناكم وفيها نعيدكم". ومن بحر المديد "واصنع الفلك بأعيننا" وتفعليه: فاعلاتن فعلن فعلن. وغلط ابن حجة في قوله: إنه من العروض الثانية المحذوفة من المديد. بل هو من العروض الثالثة المحذوفة المخبونة, لأن العروض الثانية المحذوفة لها ثلاثة أضرب, وكل منها وزن العرض فيه فاعلن, والعروض في الآية وزنه فعلن كما رأيت في تفعيله, لا فاعلن؛ وغلط في التمثيل لذلك أيضاً بقول الشاعر: اعلموا إني لكم حافظ ... شاهداً ما كنت أو غائبا لأن هذا شاهد الضرب الثاني من العروض الثانية المحذوفة, وقد علمت أن وزن الآية ليس من هذا العروض, وهذا يدلك على أن ابن حجة كان راجلاً في هذا العلم أيضاً. وأعجب من ذلك أنه لم يدرك بسليقته أن وزن البيت زائد على وزن الآية. ومن بحر البسيط "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً". ومثله "فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم". ومن بحر الوافر وهو بيت تام: "ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنينا" ومنه "ويعلم ما جرحتم بالنهار". ومن بحر الكامل من مخرومه "سيعملون غداً من الكذب". ومنه "والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم". ومن بحر الهزج "تا لله لقد آثرك الله علينا". ومثله "ألقوه على وجه أبي يأت بصيراً". ومن بحر الرجز "دانيةً عليهم ظلالها وذلِلت قطوفها تذليلاً". ومنه "فعميت عليهم الأنباء". ومن بحر الرمل "قتل الإنسان ما أكفره". ومنه "بدت البغضاء من أفواههم". ومن مجزوه "وجفان كالجواب وقدور راسيات". ونظيره "أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم". ومثله "ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك". ومن بحر السريع "واصبر وما صبرك إلا بالله". ومثله "ألا إلى الله تصير الأمور". ومثله "ذلك تقدير العزيز العليم" ومنه "أو كالذي مرّ على قريةٍ". ومن بحر المنسرح "إنا خلقنا الإنسان من نطفة" وتفعليه: مستفعلن مفعولات مستفعلن. ومن بحر الخفيف "ربنا إننا إليك أنبنا". ومنه "لا يكادون يفقهون حديثا". ومنه "قال يا قوم هؤلاء بناتي". ومن بحر المضارع من مخرومه "يوم التناد. يوم تولون مدبرينا". وتفعيله: مفعول فاعلات مفاعيل فاعلاتن. ومن بحر المقتضب "في قلوبهن مرض". وتفعليه: فاعلات مفتعلن. ومن بحر المجتث "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم". ومن بحر المتقارب "ولا تبخسوا الناس أشياءهم". ومنه "وأملي لهم إن كيدي متين". ومن بحر المتدارك "أم تأمرهم أحلامهم" وتفعليه: فعلن فعلن فعلن فعلن. وهذا البحر لم يذكره الجليل, واستدركه الأخفش والمحدثون فسمي متداركاً, ومحدثا, ومخترعا؛ ويسميه أهل الأندلس مشي البريد. ومن بحر الدوبيت وهو المسمى عند العجم الرباعي, والترانة, وهو بحر مخترع مستحدث لطيف "إن كان الله يريد أن يغويكم" ومثله "ما كان عليهم من سلطان". وقد أكثر المتأخرون من العرب والعجم من النظم على هذا البحر لعذوبته, وسلاسته. وزعم بعضهم أنه مأخوذ من الكامل بطريقة متكلفة, وبعضهم أوصل أوزانه إلى عشرة آلاف.

стр. 262

ومن بحر المواليا وهو مشهور عند المتأخرين, واصله من البسيط "والطير محشورة كل له أواب". ومنه "لو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا". وسبب تسميته بالمواليا, ما يحكى من أن الرشيد لما قتل جعفر البرمكي أمر أن لا يرثى بشعر, فرثته جارية له بهذا الوزن, حيث لم يكن من الشعر المعروف, وهي تندب وتقول: يا مواليا, فسمي بذلك. ويقال: أن أول بيت قالته في هذا الوزن هذا البيت: يا دار أين ملوك الأرض أين الفرس ... أين الذي قد حموك بالقنا والترس. قالت تراهم رمم تحت الأراضي درس ... سكوت بعد فصاحة السنتهم خرس ويستعذب في هذا الوزن اللحن, وكونه ملحوناً أحسن من كونه معرباً. وإذا تأملت اشتمال القرآن العظيم على جميع أوزان هذه البحور المذكورة, بل وعلى غيرها مما لم نذكره علمت أن ذلك كله مندرج تحت قوله - علت كلمته وعظمت قدرته - "ما فرطنا في الكتاب من شيء". سبحانه "لا إله إلا هو إليه المصير". ومن النثر المسجم الذي جاء موزوناً من غير قصد لقوة الانسجام, قوله ﵌: أنا النبي لا كذب ... أنا عبد المطلب قيل: وقوله أيضاً صلى لله عليه وآله وسلم,_ هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت والصواب ما ذكره الجلال السيوطي, قال: قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر, حدثني محمد بن عبد الله, عن الزهري؛ عن عروة, قال: خرج سلمة بن هشام, وعياش بن ربيعة, والوليد بن الوليد مهاجرين إلى رسول الله ﵌, فطلبهم ناس من قريش ليردوهم فلم يقدروا عليهم. فلما كانوا بظهر الحرة قطعت إصبع الوليد بن الوليد فقال: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت. فدخل المدينة فمات بها. انتهى. وعلى هذا فيحتمل أن الوليد قصد بذلك الشعر, فلا يكون مما نحن فيه. ومنه قول إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر المشهور فيما كتبه عن الخليفة إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم: أما بعدد فإن لأمير المؤمنين أناة, فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً, فإن لم يغن أغنت عزائمه والسلام. فإن هذا النثر مع وجازته وإبداعه في غاية الانسجام. وينشأ منه بيت يشعر وهو: أناة فان لم تغن عقب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه وأما الانسجام في النظم فأمر يضيق عن الإحاطة به نطاق الحصر والإحصاء, ويقصر دون منال جله - فضلاً عن كله - باع الضبط والاستقصاء, غير أنا نورد منه هنا نبذاً مستطرفة, وقطعاً من رياض محاسن الشعر مقتطفة, ونبتدئ فيه من شعراء الجاهلية إلى شعراء أهل العصر. فمنه قول امرئ القيس في معلقته: تسلمت عمايات الرجال علن الصبا ... وليس فؤادي عن هواك بمنسل ومنها: أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل وقوله من أخرى: وظلت في دمن الديار كأنني ... نشوان باكره صبوح مدام هذا البيت لو مزج بأرق شعر لمهيار الديلمي أو من هو في طبقته لامتزج امتزاج الراح بالماء القراح. ومثله قوله أيضاً: حلت لي الخمر وكنت امرءاً ... عن شربها في شغل شاغل وقوله: وكل مكارم الأخلاق صارت ... إليه همتي وبه اكتسابي فقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب وقوله: ولو أنني أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنني أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي هذا ما وقع عليه الاختيار من ديوانه في هذا النوع من غير استقصاء له. ومنه قول زهير بن أبي سلمى: فما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النحل وقوله أيضاً: قوم سنان أبوهم حيث تسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأخلاقهم أو مجدهم قعدوا وقوله أيضاً: لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي لقد باليت مظعن أم أو في ... ولكن أوفى لا تبالي وقوله: قد جعل المبتغون الخير من هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا

стр. 263

من يلق يوماً على علاته هرما ... يليق السماحة منه الندى خلقا وفي معلقته أبيات تدخل في هذا الباب تقدم ذكرها في نوع المثل. ومنه قول عبيد بن الأبرص الأسدي: لا يبلغ الباني ولو ... رفع الدعائم ما بيننا كم من رئيس قد قتل ... ناه وضيم قد أبينا إنا لعمرك ما يضا ... م حليفنا أبداً لدينا وأوانس مثل الدمى ... حور العيون قد استبيان وقوله في مطلع قصيدة: طاف الخيال علينا ليلة الوادي=من أم عمرو ولم يلمم بميعاد ومنها: اذهب إليك فإني من بني أسد ... أهل القباب وأهل الجود والنادى الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد وقوله من مجمهرته التي كان يخطب بها في الجاهلية: وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب ساعد بأرض تكون فيها ... ولا تقل إنني غريب من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب ومنه قول عنترة بن شداد العبسي من معلقته: وإذا شربت فإنني مستهلك ... ما لي وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي وقوله أيضاً من أخرى: أمن سمية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف كأنها يوم صدت ما تكلمني ... ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف العبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف وهذه الأبيات مع بديع انسجامها, فيها من أنواع البديع لزوم مالا يلزم, وقد جاء فيها عفواً من غير قصد. وقوله وقد لامته أمه على لقاء الحروب: بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها أن المنية منهل ... لابد أن أسقى بذاك المنهل فاقني حياءك لا أبالك وأعلمي ... أني امرؤ سأموت أن لم أقتل عن ابن عائشة قال: انشد النبي ﵌ قول عنترة من هذه القصيدة: ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى نال به كريم المأكل فقال النبي ﵌: ما وصف ليل أعربي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة. قلت: وهذا البيت يروى في معلقته أيضاً, وينشد بدل (المأكل) , (المطعم) . ومنه قول الحارث بن حلزة في أول معلقته: آذنتنا بينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء آذنتنا ببينها ثم ولت ... ليت شعري متى يكون اللقاء ومنها: وثمانون من تميم بأيدي ... هم رماح صدورهن القضاء وقوله وهي من جيد الشعر: من حاكم بيني وبين الدهر ... مال علي عمداً أودى بسادتنا وقد ... تركوا لنا حلقاً وجردا خيلي وفارسها ورب أبي ... ك كان أعز فقدا فلو أن ما يأوي إلي ... أصاب من ثهلان هذا فضعي قناعك إن ري ... ب الدهر قد أفنى معدا ومنها البيت المشهور وهو: والنوك خير ظلال العيش ... ممن عاش كدا ومنه قول النابغة الذبياني في النعمان بن الحارث وهو غلام: هذا غلام حسن وجهه ... مقتبل الخير سريع التمام للحارث الأكبر والحارث إلا ... ... صغر والحارث خير الأنام ثم لهند ولهند فقد ... أسرع في الخيرات منه أمام هي أمامة أم عمرو الأصغر بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان الشقيقة. خمسة أباء هم ما هم ... أكرم من يشرب صوب الغمام وقوله وهو من المرقص والمطرب: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر المريض إلى وجود العود وقوله من قصيدة طويلة: لولا حبائل من نعم علقت بها ... لأقصر القلب عنها أي إقصار نبئت نعما على الهجران عاتبة ... سقيا رعيا لذاك العاتب الزاري أقول والنجم قد مالت أواخره ... إلى المغيب تبين نظرة حار ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه نعم بدالي أم سنا نار بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح ما بين أثواب وأستار ومنه قول المنخل اليشكري وكان نديماً للنعمان بن المنذر, فاتهمه بامرأته المتجردة, وقيل وجده معها فقتله. وهذا يعد في المرقص المطرب من مشهور شعره: إن كنت عاذلتي فسيري ... نحو العراق ولا تحوري

стр. 264

لا تسألي عن جل مالي ... وانظري كرمي وخيري وفوارس كأواحر ال ... نار أحلاس الذكور شدوا دوابر بيضهم ... في كل محكمة التقير واستلأموا وتلببوا ... إن التلبب للمغير وعلى الجياد المضمرات ... فوارس مثل الصقور يخرجن من خلل الغبار ... يجفن بالنعم الكثير أقررت عيني من أو ... لئك والفوائح بالعبير وإذا الرياح تناوحت ... بجوانب البيت الكبير ألفيتني هش اليدين ... بمري قد حي أو شجيري ولقد دخلت على الفتا ... ة الخدر في اليوم المطير الكاعب الحسناء ترفل ... في الدمقس وفي الحرير فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير ولثمتها فتنفست ... كتنفس الظبي الغريرٍ فدنت وقالت يا منخ ... ل هل بجسمك من فتور ما شف جسمي غير جسمك ... فاهدئي عني وسيري يا هند هل من نائل ... يا هند للعاني الأسير وأحبها وتحبني ... ويحب ناقتها بعيري ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير والكبير فإذا سكرت فإنني ... رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فأنني ... رب الشويهة والبعير يا رب يوم للمنخل ... قد لها فيه قصير وقول عبد الله بن العجلان شاعر جاهلي, وهو أحد من قتله العشق: فارقت هنداً طائعاً ... فندمت عند فراقها فالعين تذري عبرة ... كالدر من آماقها خود رداح طفلة ... ما الفحش من أخلاقها ولقد ألذ حديثها ... وأسر عند عناقها وقوله أيضاً وهو من المطرب: خليلي زورا قبل الشحط النوى هنداً ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لمت تكن هند لوجهكما قصدا وقولا لها ليس الطريق أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا والبيتان الأخيران يرويان من قصيدة للمرقش الأكبر. حدث أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني قال: عن إسحاق بن حميد (كاتب أبي الرازي, قال: غنى علوية الأعسر يوماً بين يدي المأمون: تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند فمن هذا يبلغه هندا فقال المأمون: اطلبوا لهذا البيت ثانياً, فلم يعرف وسأل كم من بحضرته من أهل الأدب والرواة والجلساء عن قائل هذا الشعر فلم يعرفه أحد. وقلد المأمون أبا الرازي كور دجلة وأنا أكتب له, ثم نقله إلى اليمامة والبحرين. وقال إسحاق بن حميد) : فلما خرجنا ركبت مع أبي الرازي في بعض الليالي في قبة على جمازة, فابتدأ الحادي يحدو بقصيدة طويلة, وإذا البيت الذي كنت أطلب له أخاً ثابت فيها, فسألته عنها, فذكر إنها للمرقش الأكبر. فاخترت منها وكتب بها إلى المأمون فسر بذلك, وأمر المغنين أن يصنعوا فيها ألحاناً ويغنون بها. انتهى. قلت: واخترت أنا من الأبيات التي اختارها إسحاق هذه الأبيات: خليلي عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا تنقيت من نعمان عود أراكة ... لهند فمن هذا يبلغه هندا ستبلغ هندا إن سلمنا قلائص ... مهاري يقطعن الفلاة بنا وخدا فناولتها المسواك والقلب خائف ... وقلت لها يا هند أهلكتنا وجدا فمدت يداً في حسن دل تناولا ... إليه وقالت ما أرى مثل ذا يهدى وأما ما وقع من الانسجام في أشعار المخضرمين, وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام, فمنه قول الأعشى يمدح النبي ﵌: فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفى حتى تلاقي محمدا متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا نبي يرى مالاً ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وانجدا له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم ما نعه غدا ومنها: شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا وما زلت أبغي المال مذ كنت يافعا ... وليدا وكهلا حيث شبت وأمردا وقوله: ودع هريرة أن المركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجل الوحل

стр. 265

كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل ويقال أن أغنج بيت قالته العرب قوله من هذه القصيدة: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري من قصيدة: أحمد الله فلا ند له ... عنده الخير وما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل فإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزي الفتى ليس الجمل ومنها: أعمل العيس على علاتها ... إنما ينجح إخوان العمل وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل أي لا تحدث نفسك بعدم الظفر أبداً, بل بشرها بحصول الأمل فإن صدقها بالجبن عن ملاقاة الأهوال يثبطها عن بلوغ الآمال. وقوله من معلقته: من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها لا يطبعون ولا يبور فعالهم ... بل لا تميل مع الهوى أحلامها فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأوفر حظنا قسامها فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها ومنه قول النابغة الجعدي من قصيدة أولها: خليلي عوجا ساعة وتهجرا ... ولو ما على ما أحدث الدهر أو ذرا ومنها: وإن جاء أمر لا تطيقان دفعه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا ألم تريا أن الملامة نفعها ... قليل إذا ما الشيء ولى وأدبرا ومنها: أتيت رسول الله إذ قام للهدى ... يتلو كتاباً كالمجرة نيرا خليلي قد لاقيت ما لم تلاقيا ... وسيرت في الآفاق ما لم تسيرا تذكرت والذكرى تهيج لدى الهوى ... ومن عادة المحزون أن يتذكرا وعنه أنه قال: لما أنشدت النبي ﵌ قولي من هذه القصيدة: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا قال النبي ﵌: فأين المظهر يا أبا ليلى؟ فقلت: الجنة, فقال: قل إن شاء الله. ولما أنشد قوله منها أيضاً: لا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال ﵌: أجدت, لا يفضض الله فاك. فبقيت أسنانه إلى آخر عمره كأنها اللؤلؤ المنظوم, ولم تسقط له سن. وعمر النابغة المذكور عمراً طويلاً في الجاهلية والإسلام, وكان أكبر من النابغة الذبياني, واختلف في عمره, قال الأصبهاني: والحق ما نقله ابن قتيبة: إنه عاش مائتين وعشرين سنة, وحضر صفين مع علي ﵇. ولما خرج علي ﵇ إلى صفين خرج معه النابغة, فساق به قوماً فقال: قد علم المصران والعراق ... أن عليا فحلها العتاق أبيض جحجاح له رواق ... وأمه غالى بها الصداق أكرم من شد بها نطاق ... أن الألى جاروك لا أفاقوا لهم سياق ولكم سياق ... قد علمت ذالكم الرفاق سقتم إلى نهج الهدى وساقوا ... إلى التي ليس لها عراق في ملة عادتها النفاق العتاق بضم العين المهملة - كغراب - العتيق وهو الفحل النجيب. ومنه قول حسان بن ثابت الأنصاري من قصيدة قالها يوم الفتح: ألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برج الخفاء بأن سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدار سادتها الإماء هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء وقوله من أخرى وهي مشهور شعره: لله در عصابة نادمته ... يوماً بجلق في الزمان الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول

стр. 266

ولقد طالعت طيوان حسان فلم أر له أسجم من قصيدته التي يفتخر فيها بقومه, ويعدد أفعالهم, وقد عن لي إثباتها هنا برمتها, لأنها جميعها داخلة في نوع من الانسجام. وديوان حسان قليل الوجود, وهذه القصيدة لم أرها في غير ديوانه وهي: أنسيم ريقك أخت آل العنبر ... هذا أم استنشأته من مجمر أبديد ثغرك ما أرى أم لمحة ... من بارق أن معدن من جوهر أودعتني ببريق ثغرك حرقة ... ألهبت جمرتها بطرف أحور ونشرت فرعك فوق متن واضح ... وطويت كشحك فوق خصر مضمر قولي لطرفك أن يكف عن الحشا ... سطوت نيران الهوى ثم اهجري وانهي جمالك أن ينال مقاتلي ... فينال قومك سطوة من معشري إني من القوم الذين جيادهم ... طلعت كسرى بريح صرصر وسلبن تاج الملك قسرا بالقنا ... وأخذن قهرا درب آل الأصفر آباي من كهلان أرباب العلى ... وبنو الملوك عمومتي من حمير قدنا من اليمن الجياد فما انثنت ... حتى حوت بالصين مهجة بعبر ورمت سمرقندا بكل مثقف ... لهج باحشاء الفوارس أسمر ووطئن أرض الشام ثم وفارسا ... بالحرث اليمني وابن المنذر صبحت بلاد الهند بالبيض التي ... صبحت بها كسرى صبيحة دستر ونصرن في الأحزاب حزب محمد ... وكسون مومة ثوب موت أحمر وطلعن من رجوي حنين شزبا ... يحملن كل سليل طبيب العنصر يلقى الرماح الشاجرات بنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر ويقول للطرف أصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر وإذا تأمل شخص ضيف طارق ... متسربل أثواب محل مقتر أو ما إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري من قد ولدنا من نجيب قسور ... دامي الأظافر أو ربيع ممطر سلكت أنامله بقائم مرهف ... وبنثر فائدة وذروة منبر كم فوق وجه الأرض من ذي ثروة ... لولا فواضل رفدنا لم يذكر لولا صوارم يعرب ورماحها ... لم تسمع الآذان صوت مكبر نحن الذين نذل أعناق القنا ... ونعز بالمعروف قل المعسر قحطان قومي ما ذكرت فخارهم ... إلا علوت على سنام المفخر السابقون إلى المكارم والعلى ... والحائزون غدا حياض الكوثر فإذا أردت بأن ترى مسعاتنا ... فصل النواظر بالسماك الأزهر لو أمت الجوزاء أن تعلوا على ... أدنى ذؤابة مجدنا لم تقدر ثم الصلاة على النبي وآله ... ما لاح برق في غمام ممطر هذه القصيدة من الرقة والانسجام والجزالة بمحل يشهد به الذوق السليم ولو قلت أنها أرق من كثير من شعر أبي تمام والبحتري لما أبعدت. ومثلها قوله أيضاً من أخرى: إن الذوائب من نهر أخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الآله وبالأمر الذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حالوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يجهلون وأن حاولت جهلهم ... في فضل أحلامهم عن ذاك متسع أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطبعون ولا يرديهم الطمع خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا ... ولا يكن همك الأمر الذي منعوا ومنه قول الحطيئة بضم الحاء المهملة على زنة جهينة, يمدح آل الشماس أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو مدوا المكان الذي سدوا أولئك قوم أن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لأكدروها لا كدروا وإن قال مولاهم على كل حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا مطاعين في الهيجا مكاشيف الدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد وقوله يمدح بغيض بن شماس السعدي: تزور امرءاً يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المكارم يحمد يرى البخل ولا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أن البخل غير مخلد

стр. 267

كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد ومنه قول كعب بن زهير في بردته وأولها: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكي قصر منها ولا طول ومنها: ولا تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما تمسك الماء الغرابيل فلا يغرنك ما منت وما وعدت ... إن الأماني والأحلام تضليل كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً ... وما مواعيدها إلا الأباطيل ومن مديحها: وقال كل خليل كنت آمله ... لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكلما قدر الرحمن مفعول أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول فقد أتيت رسول الله معتذرا ... والعذر عند رسول الله مقبول مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال ... قرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب وإن كثرت في الأقاويل والغاية فيها قوله: إن الرسول لنور يستضاء به=مهند من سيوف الله مسلول وقوله أيضاً: مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل وقال ابن هشام: ومما يستحسن من شعر كعب قوله: لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ... فالنفس واحدة والهم منتشر والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا تنتهي العين حين ينتهي الأثر ونمنه قول أمية بن أبي الصلت وهو ممن أدرك زمن النبي ﵌ ولم يسلم يمدح عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنَّ شيمتك الحياء وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المهذب والسناء كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الكريم ولا مساء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرُّضه الثناء وعلى ذكر هذه الأبيات سئل عطاء، ما معنى قول النبي ﵌: خير الدعاء دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي وهو لا إله إلا الله وحده وحده، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير؟ فقال: هذا. كما قال أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء أفيعلم ابن جدعان ما يراد منه بالثناء عليه ولا يعلم الله ما يراد منه بالثناء عليه؟ وينسب هذا الجواب إلى سفيان بن عيينة كما في الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني والله أعلم. ومنه قول فروة بن مسيك المرادي شاعر مخضرم من أهل اليمن, وفد على النبي ﵌: فإن نغلب فغلابون قدما ... وإن نهزم فغير مهزمينا وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال ... تكر صروفه حينا فحينا فلو خلد الملوك إذن خلدنا ... ولو بقي الكرام إذن بقينا إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا وقد تمثل ببعض هذه الأبيات الحسين بن علي ﵉ بكربلاء يوم قتله ومنه قول نهشل الدارمي وهو من المخضرمين أيضاً. كان شاعراً شريفاً في قومه, وكان مع علي ﵇ في حروبه: إنا محيوك يا سلمى فحيينا ... وإن سقيت كرام الناس فاسقينا وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا وهي من قصيدة مشهورة مثبتة في أشعار الحماسة لأبي تمام. ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخراً وهو غاية في الانسجام: أعيناي جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى ألا تبكيان الجري الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا

стр. 268

إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد ثم مضى مصعدا يحمله القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا ترى الحمد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا إذا ذكر المجد ألفيته ... تأزر بالمجد ثم أرتدى وأما ما وقع من الانسجام في أشعار الإسلاميين, فمنه قول الفرزدق في علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵈, وهي قصيدة مشهورة لا يسقط منها بيت واحد. وأما انسجامها فغاية لا تدرك, وعقيلة لا تملك, وقد جنبها حوشي الكلام, وجاء فيها ببديع الانسجام. ومن رأى سائر شعر الفرزدق, ورأى هذه القصيدة ملك نفسه العجب, فإنه لا مناسبة بينها وبين سائر قوله, نسيبا ومدحا وهجاء, على أنه نظمها بديهة وارتجالا, ولا شك أن الله سبحانه أيده في مقالها, وسدده حال ارتجالها, ومع شهرة هذه القصيدة فقد آثرنا إيرادها هنا تبركاً بها وبممدوحها ﵇, لئلا يخلو هذا الكتاب منها. ولنذكرها برواية الشيخ الأجل السيد الإمام العالم الحافظ الفقيه الزاهد جمال الدين شيخ الإسلام أوحد الأنام فخر الأئمة مسند العصر أبي طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني وهي: بسم الله الرحمن الرحيم أخبرنا الشيخ حسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي ﵀ بقراءتي عليه, في جمادى الأخرى من سنة خمس وتسعين وأربعمائة ببغداد, قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن علي الوراق قراءة عليه, قال: أخبرنا أبوا أحمد عبه السلام بن الحسين بن محمد بن عبد الله طيفور البصري اللغوي, قال: قرأت على أبي عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتوثي بالبصرة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة على باب داره, وكتبه عن كتاب إملاء أملاه من أصله, ثم قرأته بعد ذلك بعشر سنية عشية الجمعة لست بقين من شعبان سنة أربع وستين وثلاثمائة على أبي الحسين محمد ابن محمد بن جعفر بن لنكك اللغوي على باب داره, ولم يكن له أصل يرجع إليه, وذكر أنه قد سمعه, قالا: حدثنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن دينار, قال: حدثنا عبيد الله بن محمد - يعني بن عائشة - قال: حدثني أبي وغيره, قال: حج هشام بن عبد الملك في زمن عبد الملك أو الوليد, فطاف بالبيت, فجهد إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه, فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه أهل الشام, إذ أقبل علي بن الحسين بن علي ﵈ من أحسن الناس وجهاً, وأطيبهم ريحاً, فطاف بالبيت, فكلما بلغ إلى الحجر تنحى له الناس حتى يستلمه. فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه, مخافة أن يرغب فيه أهل الشام, وكان الفرزدق حاضراً فقال الفرزدق: لكني أعرفه, قال الشامي: من هو يا أبا فراس؟. فقال الفرزدق: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم روى ابن لنكك (الظاهر) بظاء معجمة, وروى المتوثي بطاء غير المعجمة. إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضي من مهابته ... ولا يكلم إلا حين يبتسم من جده دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له الأمم ينشق نور الهدى عن نور غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أنبياء الله قد ختموا الله شرفه قدما وفضله ... جرى بذاك له في لوحه القلم فليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم ليس هذا البيت في رواية المتوثي, وعرفه ابن لنكك كلتا يديه غياث عم نفعهما ... يستو كفان ولا يعروهما العدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والكرم حمال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب النفاء أريب حين يعتزم

стр. 269

عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنه الغيابة والإملاق والعدم من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عد أهل التقى كلوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم لا ينقص العسر بسطا من أكفهم ... سيان ذلك أن أثروا وإن عدموا وروى ابن لنكك (لا يقبض) . يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويسترب به الإحسان والنعم مقدم بعد ذك الله ذكرهم ... في كل بدء ومختوم به الكلم يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالندى هضم أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أوله نعم من يعرف الله يعرف أولوية ذا ... والدين من بيت هذا ناله الأمم قال: فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة وبلغ ذلك علي بن الحسين ﵉: فبعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم وقال: اعذرنا يا أبا فراس, فلو كان عندنا أكثر من هذا وصلناك, فردها الفرزدق وقال: يا بن رسول الله, ما قلت الذي قلت إلا غضباً لله ولرسوله, وما كنت لا رزأ عليه شيئاً, فقال: شكر الله لك ذلك, غير أنا أهل بيت إذا أنفذنا أمراً لم نعد فيه, فقبلها. وجعل يهجو هشاما وهو في الحبس, فكان مما هجاه به: أيحبسني بين المدينة والتي ... إليها قلوب الناس يهوي منيبها يقلب رأساً لم يكن رأس سيد ... وعينا له حولاء باد عيوبها وقوله أيضاً وهو من المطرب: حبيب دعا والرمل بيني وبينه ... فاسمعني سقيا لذلك داعيا فكان جوابي أن بكيت صبابة ... وفديت من لو يستطيع فدائيا لذكرى حبيب لم أزل مذ هجرته ... أعد له بعد الليالي لياليا ومثله قوله أيضاً: والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بحافتيه نهار ومنه قول جرير وهو معدود من الطرب في هذا الباب: إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا وقوله أيضاً: لعمرك لولا اليأس ما انقطع الهوى ... ولولا الهوى ما حن من واله قلبي سقى الرمل جون مستهل ربابه ... وما ذاك إلا حب من حل بالرمل وقوله أيضاً: يا أخت ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل وقوله وبعضه من المرقص, وبعضه من المطرب: سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يورم كل مرام ذم المنازل بعد منزلة الهوى ... والعيش بعد أولئك الأيام وإذا أتيت على المنازل باللوى ... فاضت دموعك غير ذات نظام طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام ومنه قول الأخطل وكان نصرانياً من بني تغلب: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذاخراً يكون كصالح الأعمال وقوله أيضاً: وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبلاً وإذا وزنت حلومهن مع الصبا ... رجح الصبا بحلومهن فمالا ومنه قول سحيم عبد بني الحسحاس عندما باعه مولاه وكان عبداً أسوداً نوبيا: أشوقا ولما تمض لي بعد ليلة ... فكيف إذا سار المطي بكم عشر وما كنت أخشى مالكاً أن يبيعني ... بشيء ولو كانت أنامله صفرا أخوكم ومولاكم وصاحب سركم ... ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا البيت الأول يعد من المرقص المطرب. سحيم هذا أقدم عصراً ممن قبله من الإسلاميين لأنه أدرك النبي ﵌. وأنشد عمر بن الخطاب قوله: عميرة ودع أن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا فقال له عمر: لو قلت شعرك كله مثل هذا لأعطيتك عليه ومن مشهور شعره ما تمثل به إبراهيم بن المهدي (حين قال له المأمون بعد الظفر به: إنه الخليفة الأسود يا عم, يهزأ به) وهو:

стр. 270

أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما ... أو أسود اللون إني أبيض الخلق ومن دقيق شعره الذي يعد من المطرب في هذا الباب قوله في أخت مولاه وقد مرضت: ماذا يريد السقام من قمر ... كل جمال لوجهه تبع ما يرتجى ... خاب من محاسنها أما له في القباح متسع وأنشد عمر بن الخطاب أيضاً قوله: توسدني كفا وتثني بمعصم ... علي وتلوي رجلها من ورائيا فقال له عمر: ويلك إنك مقتول, فكان كذلك. فإنه لما أكثر تعرضه للنساء وتشبيبه بهن قال مولاه لقومه: إن هذا العبد قد فضحنا, فقالوا اقتله ونحن طوعك فمسكوه. فمرت به امرأة كان بينها وبينه مودة فهجرها فضحكت شماتة فقال: فإن تضحكي مني فيا رب ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرج ولما أرادوا قتله نادى ما منكم امرأة إلا وقد أصبتها, فقتلوه. ومنه قول ذي الرمة غيلان: إذا هبت الأرواح من كل جانب ... به آل مي هاج قلبي هبوبها هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها وقوله أيضاً: وإلا يكن إلا تعلة ساعة ... قليل فإني نافع لي قليلها ومنه قول جميل بثينة وهو من المرقص المطرب: ولما تراجعنا الذي كان بيننا ... جرى الدمع من عيني بثينة كالكحل كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة ... إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي يقولون مهلاً يا جميل وإنني ... لا قسم مالي عن بثينة من مهل فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها ... ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي وقوله أيضاً: ألا هل إلى إلمامة أن ألمتها=بثينة يوماً في الحياة سبيل فإن هي قالت لا سبيل فقل لها ... عناء على العذري منك طويل وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس الظمآن إليه سبيل فيا أثلاث القاع من بطن توضح ... حنيني إلى أطلالكن طويل ويا أثلاث القاع قلبي موكل ... بكن وصبري دونكن قليل ويا أثلاث القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكن مقيل فاشرب من ماء الحجيلاء شربة ... يداوى بها قبل الممات عليل أريد انصبابا نحوكم فيصدني ... ويمنعني دين علي ثقيل أحدث نفسي عنك أن لست راجعاً ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل قال صاحب الأغاني: ولجميل قصيدة يائية من الطويل, والناس يخلطون بين أبياتها وبين أبيات يائية المجنون وهي: ألا طال كتماني بثينة حاجة ... من الحاج ما تدري بثينة ما هي أخاف إذا أنبأتها أن تضيعها ... فتتركها ثقلاً علي كما هيا أغرك إني لا بخيل عليكم ... ولا مفحش فيما لديك التقاضيا أعد الليالي ما نأيت ولم أكن ... لما مر من دهري أعد اللياليا ذكرتك بالديرين يوماً فأشرقت ... بنات الهوى حتى بلغن التراقيا إذا اكتحلت عيني بعينك لم يزل ... قريرا وجلت غمرة عن فؤاديا فأتت التي إن شئت كدرت عيشتي ... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا وأنت التي ما من صديق ولا عدى ... يرى نضو ما أبقيت ألا رثى ليا وأخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الضيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمى بليلى المراميا وإني لتثنيني الحفيظة كلما ... رأيتك يوماً إن أبثك ما بيا وما زلت بي يا بثن حتى لو أنني ... من الشوق استبكي الحمام بكى لي إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤها ... دعاء حبيب كنت أنت دعائيا وما زادني النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول التلاقي تقاليا ولا زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني ... أظل إذا لم أسق ريقك صاديا لقد خفت أن ألقى المنية بغتة ... وفي النفس حاجات إليك كما هيا وممن خلط بين أبيات هذه القصيدة وأبيات قصيدة المجنون, ابن حجة في شرح بديعيته, وجعل أول قصيدة المجنون قول جميل هذه القصيدة:

стр. 271

وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا ظنا منه أن ليلى هذه صاحبة المجنون, وليس كذلك, بل هي من أخوات بثينة, وتيماء من منازل بني عذرة الذي هم قوم جميل وبثينة لا من منازل بني عامر قوم المجنون وصاحبته ليلى, كما نص عليه الأصبهاني في الأغاني. ومنه قول كثير عزة وهو معدود من المرقص: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الاباطح وقيل هذان البيتان من أبيات ليزيد بن الطثرية, وقيل لعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى وهو الذي ذكره الشريف المرتضى ﵁ في الغرر والدرر. وقوله: وادنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الاباطح تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح أأقيل أن جريرا ساير رواية كثير قاصدين الشام, فطرب وقال: أنشدني لأخي بني مليح - يعني كثيراً - فلما انتهى إلى هذين البيتين قال: لولا أنه لا يحسن بشيخ مثلي النخير لنخرت حتى يسمعني هشام على سريره. ومن مشهور شعره كثير وجيده الفائق قصيدته التالية, وهي غاية في باب الانسجام, وهي: خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فلا يحسب الواشون أن صبابتي ... بعزة كانت غمرة فتجلت فوالله ثم الله ما حل قبلها ... ولا بعدها من خلة حيث حلت وما مر من يوم علي كيومها ... وأن عظمت أيام أخرى وجلت وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذرا فأوفت وبرت فقلت لها يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يوما لها النفس ذلت ولم يلق إنسان من الحب منعة ... بغم ولا عمياء إلا تجلت أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت أريد ثواء عندها وأظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت فوالله ما قاربت إلا تباعدت ... بهجر ولا أكثرت إلا أقلت يكلفها الغيران شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلت هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت فان تكن العتبى فأهلا ومرحبا ... وحقت لها العتبى علينا وقلت وإن تكن الأخرى فان وراءنا ... مهامه لو سارت بها العيس كلت أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية أن نقلت فما أنا بالداعي لغزة بالردى ... ولا شامت أن نعل عزة زلت وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت عنها برهة وتخلت لكالمرتجى ظل الغمامة كلما ... تبوء منها للمقيل اضمحلت كأني وإياها غمامة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك النيل ملت فما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلي وأما بالنوال فضنت فوا عجبا للقلب كيف اغتراره ... وللنفس لما وطنت كيف ذلت وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ... فلما تواثقنا شددت وحلت وكنا سلكنا في صعود من الهوى ... فلما توافينا ثبت وزلت فإن سأل الواشون كيف سلوتها ... فقل نفس حر سليت فتسلت وللعين تذراف إذا ما ذكرتها ... وللقلب وسواس إذا العين ملت فكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... وأخرى رمى فيها الزمان فشلت ولي عبرت لو يدمن قتلنني ... توالي التي ما بالتي قد تولت فليت قلوصي عند عزة قيدت ... بحبل ضعيف بان منها فضلت وأصبح في القوم المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فبلت تمنيتها حتى إذا ما رأيتها ... رأيت المنايا شرعاً قد أظلت أصاب الردى من كان يبغي لها الردى ... وجن اللواتي قلن عزة جنت عليها تحيات السلام هدية ... لها كل حين مقبل حيث حلت ومنه قول مجنون ليلى واسمه قيس بن الملوح تعلقت ليلى وهي ذات ذوائب ... ولم يبد للأتراب من صدرها حجم

стр. 272

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم وقوله أيضاً: إلى الله أشكو نية شقت العصا ... هي اليوم شتى هي أمسى جميع مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع أعائدة يا ليل أيامنا الألى ... بذي الرمث أم ما إن لهن رجوع وقوله أيضاً: قضى الله حب العامرية فاصطبر ... عليه وقد تجري الأمور على قدر ألا ليقل من شاء ما شاء إنما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر وقوله أيضاً: أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا وقوله أيضاً: وداع داعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشجان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري ومنه قول صاحبته ليلى فيه: ألا ليت شعري والخطوب كثيرة ... متى رحل قيس مستقل فراجع بنفسي من لا يستقل بنفسه ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع ومنه قول عبد الله بن الدمينة: قفي قبل وشك البين يا ابنة مالك ... ولا تحرمينا نظرة من جمالك قفي يا أميم القلب نقضي لبانة ... قبيل النوى ثم افعلي ما بدا لك سلي البانة الغناء بالأجرع الذي ... به البان هل حييت أطلال دارك ومنها: تعاللت كي أشجي وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك تقولين للعواد كيف ترونه ... فقالوا قتيلاً قلت أيسرها لك لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لقد سرني أني خطرت ببالك أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فافرح أم صيرتني في شمالك حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئاً يستحسنه أطرفني به, وأفعل مثل ذلك, فجاني يوماً فوقف بين الناس. وأنشد لابن الدمينة: إلا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجدا على وجد أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غض النبات من الرند بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جزوعاً وأبديت الذي لم تكن تبدي وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من أهواه ليس بذي ود ثم ترنح ساعة, وترجح أخرى, ثم قال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا الشعر؟ فقلت: لا, أرفق بنفسك. والدمينة بضم الدال المهملة, وفتح الميم وسكون المثناة التحتية وفتح النون, تصغير دمنة وهي أمه, وعهدي ببعض الطلبة المتزيدين لا يعرف كيف ينطق بهذا اللفظ لحيرته في ضبطه والله الموفق. ومنه قول بشار بن برد وهو من مخضرمين الدولتين الأموية والعباسية: عبد إني إليك بالأشواق ... لتلاق كيف لي بالتلاق أنا والله اشتهى سحر عيني ... ك وأخشى مصارع العشاق وقوله أيضاً وهو من المطرب: أيها الساقيان صبا شرابي ... وأسقياني من ريق بيضاء رود إن دائي الظما وإن شفائي ... رشفة من رضاب ثغر برود ولها مضحك كغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود نزلت في السواد من حبة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد ثم قالت نلقاك بعد ليال ... والليالي يبلين كل جديد عندها الصبر عن لقائي وعندي ... زفرات يأكلن قلب الجليد وقوله أيضاً: عذيري من العذال إذ يعذلونني ... سفاها وما في العاذلين لبيب يقولون لو عزيت قلبك لارعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب ومن المرقص قوله من أرجوزة: يا طلل الحي بذات الصمد ... بالله خبر كيف كنت بعدي أوحشت من دعد وترب دعد ... سقيا لأسماء ابنة المرشد صدت بخد وجلت عن خد ... ثم انثنت كالنفس المرتد عهدي بها سقيا له من عهد ... تخلف وعدا وتفي بوعد ومنه قول العباس بن الأحنف وهو من المبرزين في هذا الباب: وحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... جنوناً فزدني من حديثك يا سعد هواها هوى لا يعرف القلب غيره ... وليس له قبل وليس له بعد

стр. 273

وقوله: أيها النائمون حولي أعينو ... ني على الليل حسبة وائتجارا حدثوني عن النهار حديثا ... وصفوه فقد نسيت النهارا وقوله: لو كنت عاتبة لسكن روعتي ... أملي رضاك وزرت غير مراقب لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب ما ضر من قطع الرجاء بهجره ... لو كان عللني بوعد كاذب وقوله: قد سحب الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا قولهم فرقا فكاذب قد رمى بالحب غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا وقوله: تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم فإنك أن لا تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم وقوله: أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا فاستنهضوني فلما قمت منتصبا ... بثقل ما حملوني منهم قعدوا لا خرجن من الدنيا حبهم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد وقوله: يا أيها الرجل المعذب نفسه ... أقصر فإن شفاءك الإقصار نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار من ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أرأيت عينا للدموع تعار وقوله: إذا أنت لم تعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع وأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع واني إن لم ألزم الصبر طائعا ... فلا بد منه مكرها غير طائع وقوله: أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق وقوله: تعب يطول مع الرجاء الذي الهوى ... خير له من راحة في اليأس لولا محبتكم لما عاتبتكم ... ولكنني عندي كبعض الناس حكى عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي المعروف بالنديم سنة ثمان وثمانين ومائة, ومات في ذلك اليوم الكائي النحوي, والعباس بن الأحنف وهشيمة الخمارة, فرفع ذلك إلى الرشيد, فأمر المأمون أن يصلي عليهم, فخرج فصفوا بين يديه فقال: من هذا الأول؟ فقالوا: إبراهيم الموصلي, فقال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف, فقدم فصلى عليه. فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي كيف آثرت العباس بن الأحنف بالتقديم على من حضر؟ قال: بقوله: وسعى بها ناس قالوا إنها ... لهي التي تشقى بها وتكابد نجدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إني ليعجبني المحب الجاحد ثم قال: أتحفظهما؟ فقلت: نعم وأنشدته, فقال لي المأمون: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدم؟ فقلت: بلى والله يا سيدي. انتهى. قلت: هكذا أورد هذه الحكاية غير واحد من المؤرخين, غير أن ابن خلكان وغيره تعقب صحتها بأن الكسائي توفي بالري سنة تسع وثمانين ومائة, وقيل بطوس سنة اثنين أو ثلاث وثمانين ومائة, والعباس توفي سنة اثنين وتسعين لأن الرشيد مات ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين بمدينة طوس. قال ابن خلكان: وقال غيره: ومما يكذب هذه الحكاية أن المأمون ما كان ممن يقدم العباس بن الأحنف على مثل الكسائي وهو شيخه وأستاذه, مع منزلته عند الرشيد والله أعلم. ومنه قول مسلم بن الوليد من قصيدته التي لقب بها صريع الغواني أولها: أديرا علي الكاس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي فما جزعي أني أموت صبابة ... ولكن على من لا يحل لها قتلي كتمت تباريح الصبابة عاذلي ... فلم يدر ما بي واسترحت من العذل أحب التي صدت وقالت لتربها ... دعيه الثريا منه أقرب من وصلي أماتت وأحيت مهجتي فهي عندها ... معلقة بين المواعيد والمطل سأنقاد للذات متبع الهوى ... لا مضى هماً أو أصيب فتى مثلي هل العيش ألا أن تروح مع الصبا ... وتغدو صريح الكأس والأعين النجل يقال أنه أنشدها بحضرة الرشيد فلما بلغ هذا البيت سماه صريع الغواني. ومنه قول أبي نواس: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... ودواني بالتي كانت هي الداء صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء

стр. 274

من كف ذات حر في زي ذكر ذكر ... لها محبان لوطي وزناء قامت بإبريقها والليل متعكر ... فلاح من وجهها في البيت لألاء فأرسلت من فم الإبريق صافية ... كأنما أخذها بالعقل إعفاء رقت عن الماء حتى لا يلائمها ... لطافة وجفا عن شكلها الماء فلو مزجت بها نورا لمازجها ... حتى تولد أنوار وأضواء دارت على فتية ذل الزمان لهم ... فما يصيبهم إلا بما شاؤا لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة ... كانت تحل بها هند وأسماء فقل لم يدعي في الحب فلسفة ... حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء وقوله: قامت بكأس إلى ناش على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب قامت تريني وأمر الليل مجتمع ... صبا تولد بين الماء والعنب كأن صغري وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب ويتعلق بهذا البيت حكاية لطيفة, وبحث نحوي. أما الحكاية فهي ما ذكره المؤرخون, من أن المأمون ليلة دخوله ببوران بنت الحسن بن سهل فرش له حصير منسوج بالذهب, فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلي كثيرة, فلما رأى تساقط اللآلي المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب قال: قاتل الله أبا نواس كأنه شاهد هذا الحال حين قال في صفة الخمر والحباب (كأن صغرى وكبرى من فواقعها) . وأما البحث فهو أنه يجب استعمال (فعلى أفعل) بأل, أو بالإضافة, وقد استعملها أبوا نواس بدونهما فهو لحن. وأجاب بعضهم بأن (من) زائدة, فصغرى وكبرى مضافان, على حد قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد. ورد بان (من) لا تقحم في الإيجاب. ولا مع تعريف المجرور. والجواب الصحيح: أن اسم التفضيل المجرد إذا قصد أصل الفعل لا المفاضلة, فتكون (صغرى) , و (كبرى) في البيت بمعنى صغيرة, وكبيرة, فلا لحن فتأمل. وقال أبي نواس أيضاً: كأن ثيابه أطلع ... ن من أزراره قمرا يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا بعين خالط التفتير من ... أجفانها الحورا وخد سابري لو تصوب ... ماؤه قطرا ومنه قول الحسين بن الضحاك الملقب بالخليع: إذا ما الماء أمكنني ... وصفو سلافة العنب صببت الفضة البيضا ... ء فوق قراضة الذهب وقوله: وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراكا وإذا ما تنفس النرجس الغض توسمنته بسيم شذاكا خدع للمنى تعللني فيك ... بإشراق ذا وبهجة ذاكا لا دومن يا حبيبي على العه ... د لها وذاك إذ حكياكا وقوله: بأبي زور تلفت له ... وتنفست عليه صعدا بينما أضحك مسروا به ... إذ تقطعت عليه كمدا وقوله: تمنيت أن أسقى بعينيه شربة ... تذكرني ما قد نسيت من العهد سقى الله عيشا لم أبت فيه ليلة ... من الدهر إلا من حبيب على وعد وقول أبي العتاهية: لهفي على الزمن القصير ... بين الخورنق والسدير إذ نحن في غرف الجنا ... ن نعوم في بحر السرور في فتية ملكون عنا ... ن الدهر أمثال الصقور ما منهم إلا الجسور ... على الهوى غير الحصور يتعاورون مدامة ... صهباء من حلب العصير عذراء رباها شعاع ال ... شمس في حر الهجير لم تدن من نار ولم ... يعلق بها وضر القدور ومقرطق يمشي أمام القوم ... كالرشأ الغرير بزجاجة تستخرج السر ... الدفين من الضمير زهراء مثل الكوكب ال ... دري في كف المدير تدع الكريم ليس يد ... ري ما قبيل من دبير ومخصرات زرننا ... بعد الهدو من الخدور ريا رواد فهن يل ... بسن الخواتم في الخصور غر الوجوه محجبا ... ت قاصرات الطرف حور متغمسات في النعي ... م مضخمات بالعبير يرفلن في حلل المحا ... سن والمجاسد والحرير. ومن الانسجام المرقص قول ديك الجن الحمصي: أنظر إلى شمس القصور وبدرها ... وإلى خزاماها وبهجة زهرها لم تبل عينك أبيضا في أسود ... جمع الجمال كوجهها في شعرها وردية الوجنات يختبر اسمها ... من نعتها من لا يحيط بخبرها وتمايلت فضحكت من أردافها ... عجبا ولكني بكيت لخصرها

стр. 275

تستقيك كأس مدامة من كفها ... وردية ومدامة من ثغرها وهذه الأبيات قالها في جارية نصرانية من أهل حمص عشقها ودعاها إلى الإسلام فأسلمت فتزوجها, ثم بلغه أنها تهوى غلاماً فقتلها, وقال فيها: يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها رويت من دمها الثرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها مكنت سيفي من مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها فوحق نعليها وما وطيء الحصى ... شيء أعز علي من نعليها ما كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الغبار عليها لكن ضننت على سواي بحبها ... وأنفت من نظر الغلام إليها وقوله أيضاً: بها غير معذور فداو خمارها ... وصل بعشيات الغبوق ابتكارها ونل من عظيم الوزر كل عظيمة ... إذا ذكرت خاف الخفيظان نارها وقم أنت فاحثث كأسها غير صاغر ... ولا تسق إلا خمرها وعقارها فقام تكاد الكأس تحرق كفه ... من الشمس أو من وجنتيه استعارها موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها ظللنا بأيدينا نتعتع روحها ... فتأخذ من أقدامنا الراح ثارها ويحكى أنه لما اجتاز أبو نواس بحمص قاصداً مصر لامتداح الخصيب سمع ديك الجن بوصوله فاستخفى منه خوفاً من أن يظهر لأبي نواس, لكونه قاصراً بالنسبة إليه, فقصده أبو نواس في داره وهو بها, فطرب الباب, واستأذن عليه, فقالت الجارية: ليس هو هنا, فعرف مقصده فقال لها قولي له: أخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك: موردة في كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها فلما سمع دين الجن ذلك خرج إليه واجتمع به وأضافه. ومن بديع الانسجام ما أنشده إسحاق الموصلي لبعض الأعراب: ألا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ما هيجت حين غنت تغنت بصوت أعجمي فهيجت ... من الشوق ما كانت ضلوعي أجنت فلو قطرت عين امرء من صبابة ... دما قطرت عيني دما فألمت فما سكنت حتى أويت لصوتها ... وقلت ترى هذي الحمامة جنت ولي زفرات لو يدمن قتلنني ... بشوق إلى نأي التي قد تولت فيا محيي الموتى أقدني من التي ... بها نهلت نفسي سقاما وعلت لقد بخلت حتى لوني سألتها ... قذى العين من سافي التراب لضنت فقلت ارحلا يا صاحبي فليتني ... أرى كل نفس أعطيت ما تمنت حلفت لها بالله ما أم واحد ... إذا ذكرته آخر الليل حنت وما وجد أعرابية قذفت بها ... صروف النوى من حيث لم تك ظنت إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وبرد الحمى من بطن خبت أرنت بأكثر مني لوعة غير أنني ... أجمجم أحشائي على ما أجنت ومنه قول إسحاق الموصلي: إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم ومنه قول محمد بن كناسة: في انقباض وحشمة فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم قيل: أنشد محمد بن كناسة هذين البيتين إسحاق الموصلي, فقال له الموصلي: وددت أني نقص من عمري سنتان وإني كنت سبقت إلى إلى هذين البيتين فقلتهما. ومن المرقص في باب الانسجام قول عمر بن أبي ربيعة من قصيدة: أتاني رسول من ثلاث خرائد ... ورابعة تستكمل الحسن أجمعا تنوعتن حتى عاود القلب سقمه ... وحتى تذكرت الحديث المودعا فقلت لمطريهن في الحسن إنما ... ضررت فهل تستطيع نفعا فتنفعا وهيجت قلبا كان قد ودع الصبا ... وأشياعه فاشفع عسى أن تشفعا لئن كان ما قد قلت حقا فما أرى ... كمثل الألى أطريت في الناس أربعا ومنا وهو الغاية التي لا تدرك: فلما توافقنا وسلمت أشرقت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا قربن أسباب الهوى لمتيم ... يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا وقوله أيضاً: ردوا التحية أيها السفر ... وقفوا فإن وقوفكم أجر ماذا عليكم في وقوفكم ... ريث السؤال سقاكم القطر بالله ربكم أما لكم ... بالمشعرين وأهله خبر

стр. 276

مكية هام الفؤاد بها ... نسي العزاء فماله صبرا قدرت له حيناً لتقتله ... ولكل ما هو كائن قدر فالشهر مثل اليوم إن حضرت ... واليوم إن غابت به شهر زهراء آنسة مقبلها ... عذب كأنه مذاقه الخمر وإذا تجلت في الظلام جلت ... دجن الظلام كأنها البدر نظرت إليك بعين مغزلة ... حوراء خالط طرفها فتر وقوله أيضاً كما في تاريخ ابن خلكان ولم أجدها في ديوانه: حي طيفا من الأحبة زارا ... بعد ما صرع الكرى السمارا طارقا في المنام تحت دجى الليل ضنينا بأن يزور نهارا قلت ما بالنا جفينا كنا ... قبل ذاك الأسماع والأبصارا قال أنا كما عهدت ولكن ... شغل الحلي وأهله أن يعارا وقوله وقد تزوج سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري محبوبته الثريا: أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني ومنه قول يزيد بن الطثرية: عقيلية أما ملاث إزارها ... فدعص وأما خصرها فبتيل تقيظ أكناف الحمى ويظلها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل أليس قليلا نظرة أن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل فيا خلة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء خليل ويا من كتمنا حبها لم يطع به ... عدو ولم يؤمن عليه دخيل أما من مقام أشتكي غربة النوى ... وخوف العدى فيه إليك سبيل فديتك أعدائي كثير وشقتي ... بعيد وأشياعي لديك قليل وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يول لي إليك رسول صحائف عندي للعتاب طويتها ... ستنشر يوماً والعتاب طويل فلا تحملي إثمي وأنت ضعيفة ... فإن دمي يوم الحساب ثقيل ومن الفائق قول أبي تمام: وما حسرتي إن كدت أقضي إنما ... حسرات قليب إنني لم أفعل نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل وقوله وهو من المطراب: استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام ألليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيام يا لها زورة تلذذت الأر ... واح فيها سرا من الأجسام مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام وقوله أيضاً: أنت في حل فزدني سقما ... أفن صبري وأجعل الدمع دما وأرض لي الموت بهجريك فإن ... ألمت نفسي فزدني ألما محنة العاشق في ذل الهوى ... فإذا استودع سرا كتما ليس منا من شكا علته ... من شكا ظلم حبيب ظلما ومثله قوله أيضاً: الحسن جزء من وجهك الحسن ... يا قمرا موفيا على غصن وإن كنت في الحسن واحدا فأنا ... يا واحد الحسن واحد الحزن كل سقام تراه في أحد ... فذاك فرع والأصل في بدني كوامن الحب قبل كونك في ... أفئدة العاشقين لم تكن وقوله أيضاً: إذا راح مشهور المحاسن أو غدا ... بلين على لحظ العيون الغوامز فمن لم تفز عيناه منه بنظرة ... فليس بخير في الحياة بفائز إذا ما انتضى سيف الملاحة طرفه ... ونادى قلوب القوم هل من مبارز عجزت فألقى السلم قلبي لطرفه ... على أنه عن غيره عير حاجز وقوله من قصيدة: ومعرس للغيث تخفق فوقه ... رايات كل دجنة وطفاء نشرت حدائقه فصرن مآلفا ... لطرائف الأنواء والأنداء فسقاه مسك الطل كافور الصبا ... وانحل فيه خيط كل سماء عني الربيع بروضه فكأنما ... أهدى إليه الواشي من صنعاء صحبته بمدامة صحبتها ... بسلافة الخلطاء والندماء بمدامة تغدو المنى لكؤسها ... خولا على السراء والضراء راح إذا ما الراح كن مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء عنبية ذهبية سكبت لها ... ذهب المعاني صاغة الشعراء صعبت وراض المزج سيء خلقها ... فتعلمت من حسن خلق الماء

стр. 277

خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت كذلك قدرة الضعفاء ومن مديحه المرقص قوله ﵀: بيمين أبي إسحاق طالت يد العلى ... وقامت قناة الدين واشتد كاهله هو اليم من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله تعود بسط الكف حتى لواته ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله ومنه قول أبي عبادة البحتري وعد من المرقص أيضاً: أشرب على زهر الرياض تشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء من قهوة تنسي الهموم وتبعث ال ... شوق الذي قد ضل في الأحشاء يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء ولها نسيم كالرياض تنفست ... في أوجه الأرواح والأنداء وفواقع مثل الدموع ترددت ... في صحن خد الكاعب العذراء يسقيكها رشأ بالكاد يزيدها ... سكرا بفترة مقلة حوراء يسعى بها وبمثلها من طرفه ... عوداً وإبداء على الندماء وقوله وهو أول قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان: بنا أنت من مجفوة لم تعتب ... معذورة في هجرها لم تؤتب نازحة والدار منها قريبة ... وما قرب ثاو في التراب مغيب قضت نوب الأيام فيها بفرقة ... متى ما تغالب بالتجلد تغلب فإن أبك لأشفي الغليل وأن أدع ... أدع لوعة في القبلب ذات تلهب ألا لا تذكرني الحمى إن ذكره ... جوى للمشوق المستهام المعذب أتت دون ذاك الدهر أيام جرهم ... وطارت بذاك العيش عنقاء مغرب ويا لائمي في عبرة قد سفحتها ... لبين وأخرى قبلها للتجنب تحاول مني شيمة غير شيمتي ... وتطلب مني مذهبا غير مذهبي وما كبدي بالمستطيعة للأسى ... فأسلو ولا قلبي كثير التقلب ولما تزايلنا عن الجزع وانثنى ... مشرق ركب مصعدا عن مغرب تبينت أن لا دار من بعد عالج ... تسر وأن لا خلة بعد زينب لعل وجيف الركب في غلس الدجى ... وطي الفيافي سبسبا بع سبسب يبلغني الفتح بن خاقان أنه ... نهاية آمالي وغاية مطلبي حكي أنه سبب نظم البحتري لهذه القصيدة أنه ماتت للمتوكل جارية بارعة الجمال اسمها شجر الدر, فحزن المتوكل لموتها حزناً شديدا وتركها بغير دفن أياماً لشدة وجده عليها, ولم يستطع أحد من الوزراء أن ينصحه في ذلك, ولا قدر أحد من الشعراء أن يرثيها. فتقد الفتح بن خاقان إلى أبي عبادة البحتري بنظم قصيدة يكون نسيبها متعلقاً بشجر الدر ومديحها فيه, وأن ينشدها بين يدي المتوكل. فنظم هذه القصيدة وحظر بين يدي المتوكل, فأخذ في إنشادها والمتوكل يهتز لها طربا, ويستعيد كل بيت منها استحسانا, إلى أن بلغ قوله: يبلغني الفتح بن خاقان - البيت - فقال المتوكل: ويحك يا أبا عبادة انتقلت مما يطرب إلى ما ينصب. ثم أجازه كل من الخليفة والوزير جائزة سنية, وحصل للمتوكل بذلك سلوة, والله أعلم. ومن المطرب قوله أيضاً: بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح كأنما يضحك عن لؤلؤ ... منضد أو برد أو أقاح تحسبه نشوان إمارنا ... للفتر في أجفانه وهو صاح بت أفديه ولا أرعوي ... لنهي ناه عنه أو لحي لاح أمزج كأسي بجنى ريقه ... وإنما أمزج راحا براح يساقط الورد علينا وقد ... تبلج الصبح نسيم صباح أغضيت عن بعض الذي يتقى ... من حرج في حبه أو جناح سحر العيون النجل مستهلك ... لبي وتوريد الخدود الملاح وقوله: يا عارضا متلفعا ببروده ... يختال بين بروقه ورعوده لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فنزلت بين عقيقة وزروده لتجود في ربع بمنعرج اللوى ... قفر تبدل وجشه من غيده رفع الفراق قبابهم وتحملوا ... بفؤاد مختبل الفؤاد عميده وأنا الفداء لمرهف غض الصبا ... يوهيه حمل وشاحه وعقوده قصرت تحيته فجاد بخده ... يوم الوداع لنا وضن بجيده عنيت به عين الرقيب فلم تدع ... من نيله المطلوب غير زهيده

стр. 278

ولو استطاع لكان يوم وصاله ... للمستهام مكان يوم صدوده وقوله في غلام له اسمه نسيم, باعه فاشتراه أبو الفضل الحسن بن وهب ثم ندم على بيعه وتتبعته نفسه: دعا مقلتي تجري على الجور والقصد ... أظن نسيما قارف الهجر من بعدي خلا ناظري من طيفه بعد شخصه ... فيا عجبا للدهر فقداً على فقد خليل هل من نظرة توصلانها ... إلى وجنات ينتسبن إلى الورد وقد يكاد القلب يفقد دونه ... إذا اهتز في قرب من العين أو بعد بنفسي حبيب نقلوه عن اسمه ... فبات غريبا في رخاء وفي سعد فبا حائلا عن ذلك الاسم لا تحل ... وإن جهد الأعداء عن ذلك العهد كفى حزنا أنا على الوصل نلتقي ... فواقا فتثنينا العيون إلى الصد فلو تمكن الشكوى لخبرك البكا ... حقيقة ما عندي وإن جل ما عندي هوى لا جميل في بثينة ناله ... بمثل ولا عمرو بن عجلان في هند أبا الفضل في تسع وتسعين نعجة ... غنى لك عن ظبي بساحتنا فرد أتأخذه مني وقد أخذ الجوى ... مآخذه مما أسر وما أبدي وقلت أسل عنه والجوانح دونه ... وكيف سلو ابن المفرغ عن برد ابن المفرغ هذا هو يزيد بن زياد بن مفرغ واسمه ربيعة, وإنما لقب مفرغا لأنه راهن على سقاء من لبن يشربه كله فشربه حتى فرغه فسمي مفرغا وقيل في سبب لقبه بذلك غير هذا, وكان يزيد المذكور شاعراً غزلا محسنا من شعراء الصدر الأول في زمن معاوية بن أبي سفيان, وبرد الذي ذكره البحتري غلام له كان رباه مع قينة له تسمى الأراكة, وكان شديد الضن بهما, وله فيهما أشعار والله أعلم. ومنه قول أبي الطيب المتنبي: عزيز أسى من داؤه الحق النجل ... عياء به مات المحبون من قبل فمن شاء فلينظر إلي فمنظري ... نذير إلى من ظن أن الهوى سهل وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي ... فأصبح لي عن كل شغل بها شغل ومن جسدي لم يترك الحب شعرة ... فما فوقها إلا وفيها له فعل ومنها: كأن رقيباً منك سد مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلها العذل كأن سهاد الليل يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجر لنا وصل وقوله: من الجآذر في زي الأعاريب ... حمر الحلى والمطايا والجلابيب إن كنت تسأل شكا في معارفها ... فمن بلاك بتسهيد وتعذيب ومنها: سوائر بما سارت هوادجها ... منيعة بين مطعون ومضروب وربما وخدت أيدي المطي بها ... على نجيع من الفرسان مصبوب كم زورة لك في الأعرب خافية ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي قد وافقوا الوحش في سكنى مراتعها ... وحالفوها بتقويض وتطنيب ومنها: فؤاد كل محب في بيوتهم ... ومال كل أخيذ المال محروب ما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب ومنها: أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب قال الثعالبي في اليتيمة: وناهيك بهذه الأبيات جزالة وحلاوة, وحسن معان, وله طريقة طريفة في وصف البدويات قد تفرد بحسنها, وأجاد ما شاء فيها. ومنها قوله: هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لم تمدد له طنبا مظلومة القد في تشبيهه غصنا ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا وقوله: إن الذين أقمت واحتملوا ... أيامهم لديارهم دول الحسن يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل حيثما نزلوا في مقلتي رشأ تديرهما ... بدوية فتنت بها الحلل ومنها: ما أسارت في العقب من لبن ... تركته وهو المسك والعسل وقوله أيضاً, قال الثعالبي: وهي مما يتغنى به لرشاقتها وبلوغها كل مبلغ من حسن اللفظ وجودة المعنى واستحكام الصنعة: قد كان يمنعني الحياء من البكا ... والآن يمنعه البكا أن يمنعا حتى كأن لكل عظم رنة ... في جلده ولكل عرق مدمعا

стр. 279

سفرت وبرقعها الحياء بصفرة ... سترت محاجرها ول تك برقعا فكأنها والدمع يقطر فوقها ... ذهب بسمطي لؤلؤ قد رصعا نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... في ليلية فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معاً وقوله: فليت هوى الأحبة كان عدلا ... فحمل كل قلب ما أطاقا ومنها: وقد أخذ التمام البدر فيهم ... وأعطاني من السقم المحاقا وبين الفرع والقدمين نور ... يقود بلا أزمتها النياقا وطرف أن سقى العشاق كاسا ... بها نقص سقانيها دهاقا وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا وقوله: كأنما قدها إذا انقلبت ... سكران من خمر طرفها ثمل يجذبها تحت خصرها كفل ... كأنه من فراقها وجل وقوله: مثلت عينك في حشاي جراحة ... فتشابها كلتاهما نجلاء نفذت على السابري وربما ... تندق فيه الصعدة السمراء وقوله وهو من المرقص: كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا لبسن الوشي لا متجملات ... ولكن لكي يصن به الجمالا وضفرن الغدائر لا الحسن ... ولكن خفن في الشعر الضلالا وهذا من إحسانه المشهور الذي لا يشق غباره في والله أعلم. ومن الانسجام البديع قول سيف الدولة بن حمدان رحمه الله تعالى في جارية له من بنات ملوك الروم, كان لا يرى الدنيا إلا بها, ويشفق من الريح الهابة عليها, فحسدها سائر خطاياه على لطف محلها منه, وأزمعن على إيقاع مكروه بها من سم وغيره, وبلغ سيف الدولة ذلك فأمر بنقلها إلى الحصون احتياطاً على روحها وقال: راقبتني العيون فيك فأشفق ... ت ولم أخل قط من إشفاق ورأيت العذول يحسدني في ... ك اغتباطا يا أنفس الاعلاق فتمنيت أن تكوني بعيدا ... والذي بيننا من الود باق رب هجر يكون من خوف هجر ... وفراق يكون من خوف فراق وقوله أيضاً: تجنى علي الذنب والذنب ذنبه ... وعاتبني ظلما وفي شقه العتب وأعرض لما صار قلبي بكفه ... فهلا جفاني حين كان لي القلب إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب وقوله أيضاً: أقبله على جزع ... كشرب الطائر الفزع رأى ماء فأطعمه ... وخاف عواقب الطمع فصادف فرصة فدنا ... فلم يلتذ بالجرع وقول أبي فراس بن حمدان وهو ابن عم سيف الدولة. قال الثعالبي في ترجمته: كان فرد دهره, وشمس عصره أدبا وفضلا, وبلاغة وبراعة, وفروسية وشجاعة, وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة, والسهولة والجزالة, والعذوبة والفخامة, والحلاوة والمتانة, ومعه رقة الطبع وسمة الظرف وعزة الملك, ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز, وأبو فراس بعده أشعر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام. وكان الصاحب يقول: بديء الشعر بملك, وختم بملك, يعني امرأ القيس وأبا فراس. وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه, فلا ينبري لمباراته, ولا يجتري على مجاراته, وإنما لم يمدحه ومدح من دونه من آل حمدان تهيباً له وإجلالاً لا إغفالاً وإخلالاً. وكان سيف الدولة يعجب جداً بمحاسن أبي فراس, ويميزه بالإكرام على سائر قومه. انتهى. وقوله المشار إليه هو: أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ... ولكن مثلي لا يذاع له سر إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ... وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر تكاد تضيء النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والفكر معللتي بالوصل والموت دونه ... إذا مت عطشانا فلا نزل القطر بدوت وأهلي حاضرون لأنني ... أرى أن دارا لست من أهلها ققر وحاربت قومي في هواك وأنهم ... وإياي لولا حبك الماء والماء والخمر وإن كان ما قال الوشاة ولم يكن ... فقد يهدم الإيمان ما شيد الكفر وفيت وفي بعض الوفاء مذلة ... لإنسانة في الحي شيمتها الغدر وقور وريعان الصبا يستفزها ... فتأرن أحيانكما يارن المهر

стр. 280

تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل بفتى مثلي على حالة نكر فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتيلك قالت أيهم فهم كثير فأيقنت أن لا عز بعدي لعاشق ... وأن يدي مما علقت به صفر فلا تنكريني يا ابنة العم إنني ... ليعرف ما أنكرته البدو والحضر وقلبت أمري لا أرى لي راحة ... إذا البين أنساني ألح بي الهجر فعدت إلى حكم الزمان وحكمها ... لها الذنب لا تجزي به ولي العذر واني لحراب بكل مخوفة ... كثير إلى نزالها النظر الشزر فأظمأ حتى ترتوي البيض والقنا ... واسغب حتى يشبع الذيب والنسر ويا رب دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى وأنا والفجر وما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم أفر عرضي فلا وفر الوفر وقال أصيحا بي الفرار أو الردى ... فقلت هما أمران أحلاهما مر ولكنني أمضي لما لا يعيبني ... وحسبك من أمرين خيرهما الأسر أسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى ... ولا فرسي مهر ولا ربه غمر ولكن إذا حم القضاء على امرئ=فليس له بر يقيه ولا بحر هو الموت فاختر ما علا لك ذكره ... ولم يمت الإنسان ما حيي الذكر ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرو فإن عشت فالطعن الذي تعرفونه ... وتكل القنا والبيض والضمر الشقر وإن مت فالإنسان لا بد ميت ... وإن طالت الأيام وانفسح العمر يمنون أن خلوا ثيابي وإنما ... على ثياب من دمائهم حمر وقائم سيف فيهم اندق نصله ... وأعقاب رمح فيهم حطم الصدر سيذكرني قومي إذا جد جدها ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ولو سد غير ما سددت اكتفوا به ... وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر تهون علينا في المالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغله المهر وهي من غرر قصائده, ومع شهرتها فهذا المقدار كاف منها. وقوله من أخرى: وطال الليل بي ولرب دهر ... نعمت به لياليه قصار وندماني السريع إلى ندائي ... على عجل وأقداحي الكبار وكم من ليلة لم أرو منها ... حننت لها وأرقني أدكار قضاني الدين ماطله وأوفى ... إلي بها الفؤاد المستطار فبت أعل خمر من رضاب ... لها سكر وليس لها خمار إلى أن رق ثوب الليل عنا ... وقالت قم فقد برد السوار وقوله في النسيب: من أين للرشأ الغرير الأحور ... في الخد مثل عذراء المتحدر قمر كأن بعارضيه كليهما ... مسكا تساقط فوق ورد أحمر وقوله أيضاً: تبسم إذ تبسم عن أقاح ... وأسفر حين أسفر عن صباح وأتحفني براح من رضاب ... وراح من جنى خد وراح فمن لألاء غرته صباحي ... ومن صهباء ريقته اصطباحي وقوله أيضاً: أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان منه حبيب يعد علي الواشيان ذنوبه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب وقوله وهو من المطرب: قمر دون حسنه الأقمار ... وكثيب من النقا مستعار وغزال فيه نفار وما ين ... كر من شيمة الظباء النفار لا أعاصيه في اجتراح المعاصي ... في هوى مثله تطيب النار قد حذرت الملاح دهرا ولكن ... ساقني نحو حبه المقدار كم أردت السلو فاستعطفتني ... رقية من بين أصحابي وقوله وهو من المرقص: هبت لنا ريح شآمية ... متت إلى القلب بأسباب أدت رسالات الهوى بيننا ... فهمتها من بين أصحابي قال في اليتيمة: كان الصاحب يستطرف هذين البيتين ويستملحهما ويكثر الإعجاب بهما. انتهى. قلت: ورأيت في كتب كثير من الأدباء المتأخرين كابن حجة والنواجي نسبة هذين البيتين إلى أبي نواس, وهو غلط, والصواب أنهما لأبي فراس, وأظن القائل بذلك تصحف عليه أبو فراس بأبي نواس, فإن صورتها في الخط قريبة والله أعلم. وقوله رحمه الله تعالى: قد كنت عدتي التي أسطوبها ... يدي إذا اشتد الزمان وساعدي فرميت منك بضد ما أملته ... والمرء يشرق بالزلال البارد

стр. 281

وجميع شعر أبي فراس من الجيد الحسن, وهو كما قال فيه بعض العلماء: لو سمعته الوحش أنست, أو خوطب به الخرس نطقت, أو استدعي به الطير نزلت. ومن بديع الانسجام قول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان: وقد علمت بما لاقته منا ... قبائل يعرب وابنا نزار لقيناهم بأرماح طوال ... تبشرهم بأعمار قصار وقوله وهو مما يتغنى به: وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ فنعم ظلمتك فاغفري لي زلتي ... هذا مقام المستجير العائذ وقول أبي المطاع بن ناصر الدولة بن حمدان: إني لأحسد (لا) في أسطر الصحف ... إذا رأيت عناق اللام للألف وما أظنهما طال اجتماعهما ... إلا لما لقيا من شدة الشغف وقوله أيضاً: أفدي الذي زرته بالسيف مشتملا ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه فما خلعت نجادي للعناق له ... حتى لبست نجادا من ذوائبه وقوله وهو من المرقص: قالت لطيف خيال زارها ومضى ... بالله صفه ولا تنتقص ولا تزد فقال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد قالت صدقت الوفا في الحب عادته ... يا برد ذاك الذي قالت في كبدي وقول أبي وائل الحمداني لما أسر: يا خليلي أسعداني فقد عي ... ل اصطباري على احتمال البلية غربة قارظية وغرام ... عامري وحنة علويه وقول أبي العاشر: أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط لقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط وقوله أيضاً وأجاد: سطا علين امن حاز الجمال سطا=ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا له عذران قد خطا بوجنته ... فاستوقفا فوق خديه وما انبسطا وظل يخطو فكل قال من شغف ... يا ليته في سواد الناظرين خطا وحدث بعضهم قال: دخلت إلى أبي العاشر أعوده من علة عرضت له فقلت له: ما يجد الأمير؟ فأشار إلى غلام بين يديه كان رضوان غفل عنه فابق من الجنة, وأنشد: أسقم هذا الغلام جسمي ... بما بعينيه من سقام فتور عينيه من دلال ... أهدى فتورا إلى عظامي وامتزجت روحه بروحي ... تمازج الماء بالمدام وهؤلاء آل حمدان رضوان الله عليهم, ما منهم إلا شجاع مدقع وفصيح مصقع, وفيهم يقول الثعالبي: كان بنو حمدان ملوكاً؛ أوجههم للصباحة, وألسنتهم للفصاحة, وأيديهم للسماحة, وعقولهم للرجاحة. وقال: اخبرني جماعة من أهل الأدب؛ أن المتنبي لما عوتب في آخر أيامه على تراجع شعره قال: قد تجوزت في قولي, وأعفيت طبعي, واغتنمت الراحة منذ فارقت آل حمدان. انتهى. ومن الانسجام المرقص قول أبي الفرج الببغاء: يا سادتي هذه روحي تودعكم ... إذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع قد كنت أطمع في روح الحياة لها ... فالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع لا عذب الله روحي بالبقاء فما ... أظنني بعدكم بالعيش أنتفع ومثله قول الوأواء الدمشقي: بالله ربكما عوجا على سكني ... عاتباه لعل العتب يعطفه وعرضا بي قولا في كلامكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه فان بدا لكما من سيدي غضبا ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه ومثله قول أبي طالب الرقي: ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على زجاج أزرق والفجر فيه كأنه قطر الندى ... ينهل من سيح الغمام المغدق وقوله أيضاً: ومعير وجه البدر ما في وجهه ... والغصن ما في قده المتأود رمدت جفوني من تورد خده ... فكحلتها من عارضيه بأثمد ومن البديع في هذا الباب قول تميم بن أبي تميم معد بن تميم صاحب مصر: ما بان عذري فيه حتى عذرا ... ومشى الدجى في خده فتحيرا همت تقبله عقارب صدغه ... فاستل عارضه عليها خنجرا والله لولا أن يقال تغيرا ... وسلا وإن كان التسلي أجدرا لا عدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا وفاة ابنه: نحن بنو المصطفى ذوو محن ... يجرعها في الحياة كاظمنا عجيبة في الأنام محنتنا ... أولنا مبتلى وخاتمنا

стр. 282

يفرح هذا الورى بعيدهم ... طرا وأعيادنا مآتمنا وعدوا من الانسجامات المطربة قول محمد بن صالح العلوي: وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمتع أركانه فبدا لينظر أين لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصده سبحانه فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه ومن الانسجامات المرقصة قول أبي الحسين علي بن محمد الحماني العلوي: يا شادنا أفرغ من فضه ... في خده تفاحة غضة كأنما القبلة في خده ... للحسن من رقته عضه يهتز أعلاه إذا ما مشى ... وكله في لينه قبضه أرحم فتى لما تملكته ... أقر بالرق فلم ترضه وقوله أيضاً ﵀: بأبي فم شهد الضمير ... قبل المذاق بأنه عذب كشهادتي لله خالصة ... قبل العيان بأنه الرب والعين لا تغني بنظرتها حتى يكون دليلها القلب وقوله في الفخر: لنا من هاشم هضبات مجد مطنبة بأبراج السماء تطوف بنا الملائك كل يوم ... ونكفل في حجور الأنبياء ويهتز المقام لنا ارتياحا ... ويلقانا صفاه بالصفاء ومنه قول ابن المعتز: سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من المطر وطالما نبهتني للصبوح بها ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر أصوات رهبان في دير صلاتهم ... سود المدارع نعارين في السحر مزترين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلا من الشعر كم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يطبق جفنيه على حور لاحظته بالهوى حتى استطاب له ... طوعا وأسلفته الميعاد بالنظر وجاءني في قميص الليل مستترا ... مستعجل الخطو من خوف ومن حذر فقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلا وأسحب أذيالي على الأثر ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر وقوله وهو من المطرب في هذا الباب: ومقرطق يسعى إلى الندماء ... بعقيقة في درة بيضاء والبدر في أفق السماء كدرهم ... ملقى على ياقوته زرقاء كم ليلة قد سرني بمبيته ... عندي بلا خوف من الرقباء مهفهف عقد الشراب لسانه ... فحديثه بالرمز والإيماء حركته بيدي وقلت له انتبه ... يا فرحة الخلطاء والندماء فأجابني والخمر يخفض صوته ... بتلجلج كتلجلج الفأفاء إني لأفهم ما تقول وإنما ... غلبت علي سلافة الصهباء دعني أفيق من الخمار إلى غد ... واحكم بما تختار يا مولائي وقوله وهو من المرقص: ما أقصر الليل على الراقد ... وأهون السقم على العائد تفديك ما أبقيت من مهجتي ... لست لما أوليت بالجاحد كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد فلو ترانا في قميص الدحى ... حسبتنا في جسد واحد ومنه قول ابن الرومي: بلد صبحت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد وإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد وقول السري الرفاء: قامت وخوط البانة ال ... مياس في أثوابها ويهزها سكران سك ... ر شرابها وشبابها تسمى بصهبائين من ... ألحاظها وشرابها فكأن كأس مدامها ... لما ارتدت بحبابها توريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها وقوله أيضاً: ومن وراء سجوف الرقم شمس ضحى ... تجول في جنح ليل مظلم داج مقدودة خرطت أيدي الشباب لها ... حقين دون مجال العقد من عاج قال الثعالبي: عهدي بأبي بكر الخوارزمي يحن على هذا الوصف. وقوله وهو من المطرب: قم فانتصف من صروف الدهر والنوب ... واجمع بكأسك شمل اللهو والطرب أما ترى الصبح قد قامت عساكره ... في الشرق ينشر أعلاما من الذهب والجو يختال في حجب ممسكة ... كأنما البرق فيها قلب ذي رعب تجنبتك صروف الدهر فانصرفت ... وقابلتك سعود العيش عن كثب

стр. 283

فاخلع عذارك واشرب قهوة مزجت ... بقهوة الفلج المعسول والشنب فالعيش في ظل أيام الصبا فإذا ... ودعت طيب الشباب الغض لم يطب توج بكأسك قبل الحادثات يدا ... فالكأس تاج يد المثري من الأدب وقوله وهو من المرقص: خذوا من العيش فالأعمار فانية ... والدهر منصرف والعمر منقرض في حامل الكأس من بدر الدجى خلف ... وفي المدامة من شمس الضحى عوض كأن نجم الثريا كف ذي كرم ... مبسوطة للعطايا ليس تنقبض دارت علينا كؤوس الراح مترعة ... وللدجى عارض في الجو معترض حتى رأيت نجوم الليل غائرة ... كأنهن عيون حشوها مرض ومنه قول الخباز البلدي ذرى شجر للطير فيها تشاجر ... كأن صنوف النور فيها جواهر كأن القماري والبلابل فوقها ... قيان وأوراق الغصون ستائر شربنا على ذاك الترنم قهوة ... كأن على حافاتها الدر دائر ومما وقع الاتفاق على أنه من الانسجام المرقص قول الوزير المهلبي: تصارمت الأجفان منذ ضرمتني ... فما نلتقي إلا على عبرة تجري وقوله أيضاً: قال لي من أحب والبين قد وجد ... ودمعي مواصلا لشهيقي ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت أبكي عليك طول الطريق ومنه قول أبي إسحاق إبراهيم الصابي: لست أشكو هواك يا من هواه ... كل يوم يروعني منه خطب مر ما مر بي من أجلك حلو ... وعذابي في مثل حبك عذب وقوله أيضاً: أيها اللائم المضيق صدري ... لا تلمني فكثرة اللوم تغري قد أقام القوام حجة عشقي ... وأبان العذار في الحب عذري وقوله أيضاً: إن نحن قسناك بالغصن الرطيب فقد ... حفنا عليك به ظلما وعدوانا لأن أحسن ما نلقاه مكتسيا ... وأنت أحسن ما نلقاك عريانا ومنه قول القاضي التنوخي: غصن تأود فوق دعص من نقا ... ليل تبلج عن نهار مسفر كالشمس إلا أنه متنفس ... عن مسكة متبسم عن جوهر وأطال من ليلي وقصر ليله ... إني سهرت وأنه لم يسهر وقول أبي نصر الخبزارزي: خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأحسن من مولى تمشى إلى عبد أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أصونك عن تعليق قلبك بالوعد فما زال نجم الكأس بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد فطورا على تقبيل نرجس ناظر ... وطورا على تعضيض تفاحة الخد وقوله أيضاً: شاقني الأهل ولم تشقني الديار ... والهوى صائر إلى حيث صاروا جيرة فرقتهم غربة البين ... وبين القلوب ذاك الجوار كم أناس زعوا لنا حين غابوا ... وأناس جفوا وهم حضار عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا لا تلهم على التجني فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذار وقوله أيضاً: قالوا عشت صغيرا قلت أرتع في=روض المحاسن حتى يدرك الثمر ربيع حسن دعاني لافتتاح هوى ... لما تفتح منه النور والزهر ومن بديعه قول أبي طاهر الواسطي قال الثعالبي (وهو أحسن وأبلغ ما سمعته في طول الليل) : عهدي بنا ورداء الصبح يجمعنا ... والليل أطوله كاللمح بالبصر فالآن ليلي مذ غابوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر وقول أبي عبد الله الحامدي يا راحلا ترك البكاء مباحا ... ما رحت أنت بل اصطباري راحا إن أخلفتني فيك أسباب المنى ... وغدوت لي سقما وكنت صلاحا فلقد عهدتك مسعدا لي في الهوى ... وعهدت وجهك في الظلام صباحا وقول ابن نباتة السعدي: يا من أضر بحسن الشمس والقمر ... ولم يدع فيهما للناس من وطر نفسي فداؤك من بدر على غصن ... تكاد تأكله عيناي بالنظر وقوله وهو من المطرب سقى الله أرضاً لا أبوح بذكرها ... فتعرف أشجاني بها حين تذكر سوى أنها مسكية الترب ريحها ... ترف وتندى والهواجر تزفر نمت بها يجلو علي كؤوسها ... أغر الثنايا واضح الجيد أحور فوالله ما أدري أكانت مدامة ... من الكرم تجنى أم من الشمس تعصر إذا صبها جنح الظلام وعبها ... رأيت رداء الليل يطوى وينشر

стр. 284

وقوله وهو من المرقص: خلقنا بأطراف القنا في صدورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب بقوا قبلنا مرد العوارض وانثنوا ... وأوجههم منها لحى وشوارب وقوله في فرس أغر محجل أهداه إليه سيف الدولة: قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه أولاية وليتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه نختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه وخاض في أحشائه متمهلا والبرق من أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من إسرائه وقال فيه أيضاً: وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا ومن المرقص البديع قول السلامي: تبسطنا على الآثام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب ومثله قوله: الكأس للسكر التبري صائفة ... والماء للحبب الدري نظام بتنا نكفكف بالكاسات أدمعنا ... كأننا في حجور الروض أيتام وقوله: نفرغ أكياسنا في الكؤوس ... نبيع العقار ونشري العقارا حمدنا الهوى ونسينا الفراق ... ومن يشرب الخمر ينس الخمارا وقوله من قصيدة يمدح بها عضد الدولة: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار وهي الدنيا ويوم هو الدهر قال القاضي ابن خلكان في تاريخه بعد إنشاد هذه الأبيات: وعلى الحقيقة هذا الشعر هو السحر الحلال كما يقال. وقد أخذ هذا المعنى القاضي أبو بكر الأرجاني فقال: يا سائلي عنه لما جئت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار كم من شنوف لطاف من محاسنه ... علقن منه على آذان سمار لقيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار ولكن أين الثريا من الثرى, وهذا المعنى موجود في الشطر الأخير من بيت المتنبي وهو: هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق لكنه ما استوفاه, فإنه ما تعرض إلى ذكر اليوم الذي جعله السلامي هو الدهر, ومع هذا فليس عليه طلاوة ببيت السلامي. انتهى. ومن المطرب أيضاً قوله: عدل الحبيب فمن يجور ... ودنا فأين بنا تسير عوضت من عيس تدور ... بنا الفلا كأسا تدور وشربت ما وسع الصغير ... وزدت ما حمل الكبير نبهت ندماني وقد ... عبرت بنا الشعرى العبور والبدر في أفق السما ... ء كروضة فيها غدير هبوا فقد عيي الرقيب ... فنام وانتبه السرور وأشار إبليس فقل ... نا كلنا نعم المشير صرعى بمعركة تعف ... الوحش عنها والنسور نوار روضتنا خدو ... د والغصون بها خصور والعيش آنس ما يكون ... إذا تهتكت الستور هبوا إلى شرب المدا ... م فإنما الدنيا غرور طاف السقاة بها كما ... أهدت لك الصيد الصقور عذراء يكتمها المزا ... ج كأنها فيه ضمير وتظن تحت حبابها ... خدا تقبله ثغور حتى سجدنا والإمام ... أما منا بم وزير ومن الانسجام المطرب قول ابن سكرة الهاشمي في غلام بيده غصن منور: غصن بان أتى وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم فتحيرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم وقوله أيضاً: الليالي تسوء ثم تسر ... وصروف الزمان ما تستقر غير أني عن الحوادث راض ... بعد سخط والعيش حلو ومر كنت صبا بواحد ثم ثني ... ت فلي بالجميع وصل وهجر من كمثلي وعن يميني شمس ... تتجلى وعن يساري بدر ذا على خده من الحسن سطر ... وعلى طرف ذا من الغنج سحر بت يجري علي من ريق هذين ... وكأسي شهد ومسك وخمر وقال:

стр. 285

أنا والله سيدي ... آيس من سلامتي أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي ومنه قول أبي الحسن علي بن هارون المنجم وهو مما يتغنى به: بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يغنه الإعتاب يا غائبا بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتك إياب لولا التعلل بالرجاء تقطعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب لا يأس من فرج الإله فربما ... يصل القطوع ويقدم الغياب وقوله: سقى الله أياما لنا ولياليا ... مضين فلا يرجى لهن رجوع إذ العيش صاف والأحبة جيرة ... جميعاً وإذ كل الزمان ربيع وإذ أنا أما للعواذل في الصبا ... فعاص وأما للهوى فمطيع قال الصاحب رحمه الله تعالى: هذا الشعر إن شئت كان أعرابياً في شملته, وإن أردت كان عراقيا في حلته. وقوله من قصيدة صاحبية: ولما تنسمنا صبا صاحبيه ... تعيد عجاج الجو وهو عبير تركنا الظي الرمضاء وهي حديقة ... ندى وحصى المزاء وهي شذور ونلنا هشيم النبت وهو منور ... وجزنا قتاد الأيك وهو حرير وزير ومما يعجب الناس أنه ... وزير عليه للسماح أمير ويخطب من فوق الثريا بفخره ... فلا تعجبوا أن الخطيب خطيرا وقوله من أخرى فيه وهي من قلائده: هذا فؤادك نهبا بين أهواء ... وذاك رأيك شورى بين آراء هواك بين العيون النجل مقتسم ... داء لعمرك ما أدواه من داء لا تستقر بأرض أو تسير إلى ... أخرى بشخص غريب عزمه نائي يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال ... عذيب يوما ويوما بالخليصاء وتارة تنتحي نجدا وآونه ... شعب العقيق وطورا قصر تيماء قال أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدي: عهدي بأبي محمد الخازن ماثلاً بين يدي الصاحب ينشده هذه القصيدة, فرأيت الصاحب مقبلا عليه بمجامعه, حسن الإصغاء إليه, مستعيدا لأكثر أبياته, مظهرا من الإعجاب به والاهتزاز لهل ما تعجب الحاضرون منه. فلما بلغ قوله: أدعى بأسماء نبزا في قبائلها ... كأن أسماء أضحت بعض أسمائي أطلعت شعري وألقت شعرها طربا ... فألفا بين إصباح وإمساء زحف عن دسته طربا. فلما بلغ قوله بالمدح: لو أن سبحان باراه لا سحبه ... على خطابته أذيال فأفاء أرى الأقاليم قد ألقت مقالدها ... إليه مستبقات أي إلقاء فساس سبعتها منه بأربعة ... أمر ونهي وتثبيت وإمضاء كذاك ألوى الهدى منه بأربعة ... كفر وجبر وتشبيه وإرجاء جعل يحرك رأسه مستحسنا. فلما قال: نعم تجنب (لا) يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء استعاده وصفق بيديه. فلما ختمها بهذه الأبيات: أطري وأطرب بالأشعار أنشدها ... أحسن ببهجة إطرابي وإطرائي ومن منائح مولانا مدائحه ... لان من زنده قدحي وإيرائي فخذ إليك ابن عباد محبرة ... لا البحتري يدانيها ولا الطائي قال: أحسنت أحسنت والله أنت. وتناول النسخة, وتشاغل بإعارتها نظره, ثم أمر له بخلعة وحملان وصلة. ومن البديع المطرب قول أبي عثمان سعيد بن هاشم الخالدي: أدن من الدن يا فداك أبي ... وأشرب وسق الكبير وانتخب أما ترى الطل كيف يلمع في ... عيون نور يدعو إلى الطرب في كل عين للطل لؤلؤة ... كدمعة في جفون منتحب والصبح قد جردت صوارمه ... والليل قد هم منه بالهرب والجو في حلة ممسكة ... قد كتبتها البروق بالذهب فهاتها كالعروس محمرة ال ... خدين في معجز من الحبب كادت تكون الهواء في أرج ال ... عنبر لو لم تكن من العنب في كف را عند الصدود وقد ... غضبت من حبه على الغضب فلو ترى الكأس حين يمزجها ... رأيت شيئاً من أعجب العجب نار حواها الزجاج يلهبها ال ... ياء ودر يدور في لهب وقول أبي العلاء السروي في غلام سكران, وهو مما يتغنى به: بالورد في وجنتيك من لطمك ... ومن سقاك المدام لم ظلمك خلاك لا تستفيق من سكر ... توسع شتما وجفوة خدمك مشوش الصدغ قد ثملت فما ... تمنع من لثم عاشقيك فمك
следующие страницы →