Полный текст (514 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وجميع شعر أبي فراس من الجيد الحسن, وهو كما قال فيه بعض العلماء: لو سمعته الوحش أنست, أو خوطب به الخرس نطقت, أو استدعي به الطير نزلت.
ومن بديع الانسجام قول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان:
وقد علمت بما لاقته منا ... قبائل يعرب وابنا نزار
لقيناهم بأرماح طوال ... تبشرهم بأعمار قصار
وقوله وهو مما يتغنى به:
وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ
فنعم ظلمتك فاغفري لي زلتي ... هذا مقام المستجير العائذ
وقول أبي المطاع بن ناصر الدولة بن حمدان:
إني لأحسد (لا) في أسطر الصحف ... إذا رأيت عناق اللام للألف
وما أظنهما طال اجتماعهما ... إلا لما لقيا من شدة الشغف
وقوله أيضاً:
أفدي الذي زرته بالسيف مشتملا ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادي للعناق له ... حتى لبست نجادا من ذوائبه
وقوله وهو من المرقص:
قالت لطيف خيال زارها ومضى ... بالله صفه ولا تنتقص ولا تزد
فقال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب عادته ... يا برد ذاك الذي قالت في كبدي
وقول أبي وائل الحمداني لما أسر:
يا خليلي أسعداني فقد عي ... ل اصطباري على احتمال البلية
غربة قارظية وغرام ... عامري وحنة علويه
وقول أبي العاشر:
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط
لقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنة تنقط
وقوله أيضاً وأجاد: سطا علين امن حاز الجمال سطا=ظبي من الجنة الفردوس قد هبطا
له عذران قد خطا بوجنته ... فاستوقفا فوق خديه وما انبسطا
وظل يخطو فكل قال من شغف ... يا ليته في سواد الناظرين خطا
وحدث بعضهم قال: دخلت إلى أبي العاشر أعوده من علة عرضت له فقلت له: ما يجد الأمير؟ فأشار إلى غلام بين يديه كان رضوان غفل عنه فابق من الجنة, وأنشد:
أسقم هذا الغلام جسمي ... بما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلال ... أهدى فتورا إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي ... تمازج الماء بالمدام
وهؤلاء آل حمدان رضوان الله عليهم, ما منهم إلا شجاع مدقع وفصيح مصقع, وفيهم يقول الثعالبي: كان بنو حمدان ملوكاً؛ أوجههم للصباحة, وألسنتهم للفصاحة, وأيديهم للسماحة, وعقولهم للرجاحة.
وقال: اخبرني جماعة من أهل الأدب؛ أن المتنبي لما عوتب في آخر أيامه على تراجع شعره قال: قد تجوزت في قولي, وأعفيت طبعي, واغتنمت الراحة منذ فارقت آل حمدان. انتهى.
ومن الانسجام المرقص قول أبي الفرج الببغاء:
يا سادتي هذه روحي تودعكم ... إذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع
قد كنت أطمع في روح الحياة لها ... فالآن إذ بنتم لم يبق لي طمع
لا عذب الله روحي بالبقاء فما ... أظنني بعدكم بالعيش أنتفع
ومثله قول الوأواء الدمشقي:
بالله ربكما عوجا على سكني ... عاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضا بي قولا في كلامكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه
فان بدا لكما من سيدي غضبا ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
ومثله قول أبي طالب الرقي:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
وكأن أجرام النجوم لوامعا ... درر نثرن على زجاج أزرق
والفجر فيه كأنه قطر الندى ... ينهل من سيح الغمام المغدق
وقوله أيضاً:
ومعير وجه البدر ما في وجهه ... والغصن ما في قده المتأود
رمدت جفوني من تورد خده ... فكحلتها من عارضيه بأثمد
ومن البديع في هذا الباب قول تميم بن أبي تميم معد بن تميم صاحب مصر:
ما بان عذري فيه حتى عذرا ... ومشى الدجى في خده فتحيرا
همت تقبله عقارب صدغه ... فاستل عارضه عليها خنجرا
والله لولا أن يقال تغيرا ... وسلا وإن كان التسلي أجدرا
لا عدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا
وفاة ابنه:
نحن بنو المصطفى ذوو محن ... يجرعها في الحياة كاظمنا
عجيبة في الأنام محنتنا ... أولنا مبتلى وخاتمنا
стр. 282
يفرح هذا الورى بعيدهم ... طرا وأعيادنا مآتمنا
وعدوا من الانسجامات المطربة قول محمد بن صالح العلوي:
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمتع أركانه
فبدا لينظر أين لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصده سبحانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه
ومن الانسجامات المرقصة قول أبي الحسين علي بن محمد الحماني العلوي:
يا شادنا أفرغ من فضه ... في خده تفاحة غضة
كأنما القبلة في خده ... للحسن من رقته عضه
يهتز أعلاه إذا ما مشى ... وكله في لينه قبضه
أرحم فتى لما تملكته ... أقر بالرق فلم ترضه
وقوله أيضاً ﵀:
بأبي فم شهد الضمير ... قبل المذاق بأنه عذب
كشهادتي لله خالصة ... قبل العيان بأنه الرب
والعين لا تغني بنظرتها حتى يكون دليلها القلب
وقوله في الفخر:
لنا من هاشم هضبات مجد مطنبة بأبراج السماء
تطوف بنا الملائك كل يوم ... ونكفل في حجور الأنبياء
ويهتز المقام لنا ارتياحا ... ويلقانا صفاه بالصفاء
ومنه قول ابن المعتز:
سقى المطيرة ذات الظل والشجر ... ودير عبدون هطال من المطر
وطالما نبهتني للصبوح بها ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان في دير صلاتهم ... سود المدارع نعارين في السحر
مزترين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلا من الشعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يطبق جفنيه على حور
لاحظته بالهوى حتى استطاب له ... طوعا وأسلفته الميعاد بالنظر
وجاءني في قميص الليل مستترا ... مستعجل الخطو من خوف ومن حذر
فقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلا وأسحب أذيالي على الأثر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
وقوله وهو من المطرب في هذا الباب:
ومقرطق يسعى إلى الندماء ... بعقيقة في درة بيضاء
والبدر في أفق السماء كدرهم ... ملقى على ياقوته زرقاء
كم ليلة قد سرني بمبيته ... عندي بلا خوف من الرقباء
مهفهف عقد الشراب لسانه ... فحديثه بالرمز والإيماء
حركته بيدي وقلت له انتبه ... يا فرحة الخلطاء والندماء
فأجابني والخمر يخفض صوته ... بتلجلج كتلجلج الفأفاء
إني لأفهم ما تقول وإنما ... غلبت علي سلافة الصهباء
دعني أفيق من الخمار إلى غد ... واحكم بما تختار يا مولائي
وقوله وهو من المرقص:
ما أقصر الليل على الراقد ... وأهون السقم على العائد
تفديك ما أبقيت من مهجتي ... لست لما أوليت بالجاحد
كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدحى ... حسبتنا في جسد واحد
ومنه قول ابن الرومي:
بلد صبحت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
وإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد
وقول السري الرفاء:
قامت وخوط البانة ال ... مياس في أثوابها
ويهزها سكران سك ... ر شرابها وشبابها
تسمى بصهبائين من ... ألحاظها وشرابها
فكأن كأس مدامها ... لما ارتدت بحبابها
توريد وجنتها إذا ... ما لاح تحت نقابها
وقوله أيضاً:
ومن وراء سجوف الرقم شمس ضحى ... تجول في جنح ليل مظلم داج
مقدودة خرطت أيدي الشباب لها ... حقين دون مجال العقد من عاج
قال الثعالبي: عهدي بأبي بكر الخوارزمي يحن على هذا الوصف.
وقوله وهو من المطرب:
قم فانتصف من صروف الدهر والنوب ... واجمع بكأسك شمل اللهو والطرب
أما ترى الصبح قد قامت عساكره ... في الشرق ينشر أعلاما من الذهب
والجو يختال في حجب ممسكة ... كأنما البرق فيها قلب ذي رعب
تجنبتك صروف الدهر فانصرفت ... وقابلتك سعود العيش عن كثب
стр. 283
فاخلع عذارك واشرب قهوة مزجت ... بقهوة الفلج المعسول والشنب
فالعيش في ظل أيام الصبا فإذا ... ودعت طيب الشباب الغض لم يطب
توج بكأسك قبل الحادثات يدا ... فالكأس تاج يد المثري من الأدب
وقوله وهو من المرقص:
خذوا من العيش فالأعمار فانية ... والدهر منصرف والعمر منقرض
في حامل الكأس من بدر الدجى خلف ... وفي المدامة من شمس الضحى عوض
كأن نجم الثريا كف ذي كرم ... مبسوطة للعطايا ليس تنقبض
دارت علينا كؤوس الراح مترعة ... وللدجى عارض في الجو معترض
حتى رأيت نجوم الليل غائرة ... كأنهن عيون حشوها مرض
ومنه قول الخباز البلدي
ذرى شجر للطير فيها تشاجر ... كأن صنوف النور فيها جواهر
كأن القماري والبلابل فوقها ... قيان وأوراق الغصون ستائر
شربنا على ذاك الترنم قهوة ... كأن على حافاتها الدر دائر
ومما وقع الاتفاق على أنه من الانسجام المرقص قول الوزير المهلبي:
تصارمت الأجفان منذ ضرمتني ... فما نلتقي إلا على عبرة تجري
وقوله أيضاً:
قال لي من أحب والبين قد وجد ... ودمعي مواصلا لشهيقي
ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت أبكي عليك طول الطريق
ومنه قول أبي إسحاق إبراهيم الصابي:
لست أشكو هواك يا من هواه ... كل يوم يروعني منه خطب
مر ما مر بي من أجلك حلو ... وعذابي في مثل حبك عذب
وقوله أيضاً:
أيها اللائم المضيق صدري ... لا تلمني فكثرة اللوم تغري
قد أقام القوام حجة عشقي ... وأبان العذار في الحب عذري
وقوله أيضاً:
إن نحن قسناك بالغصن الرطيب فقد ... حفنا عليك به ظلما وعدوانا
لأن أحسن ما نلقاه مكتسيا ... وأنت أحسن ما نلقاك عريانا
ومنه قول القاضي التنوخي:
غصن تأود فوق دعص من نقا ... ليل تبلج عن نهار مسفر
كالشمس إلا أنه متنفس ... عن مسكة متبسم عن جوهر
وأطال من ليلي وقصر ليله ... إني سهرت وأنه لم يسهر
وقول أبي نصر الخبزارزي:
خليلي هل أبصرتما أو سمعتما ... بأحسن من مولى تمشى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أصونك عن تعليق قلبك بالوعد
فما زال نجم الكأس بيني وبينه ... يدور بأفلاك السعادة والسعد
فطورا على تقبيل نرجس ناظر ... وطورا على تعضيض تفاحة الخد
وقوله أيضاً:
شاقني الأهل ولم تشقني الديار ... والهوى صائر إلى حيث صاروا
جيرة فرقتهم غربة البين ... وبين القلوب ذاك الجوار
كم أناس زعوا لنا حين غابوا ... وأناس جفوا وهم حضار
عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا
لا تلهم على التجني فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذار
وقوله أيضاً: قالوا عشت صغيرا قلت أرتع في=روض المحاسن حتى يدرك الثمر
ربيع حسن دعاني لافتتاح هوى ... لما تفتح منه النور والزهر
ومن بديعه قول أبي طاهر الواسطي قال الثعالبي (وهو أحسن وأبلغ ما سمعته في طول الليل) :
عهدي بنا ورداء الصبح يجمعنا ... والليل أطوله كاللمح بالبصر
فالآن ليلي مذ غابوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر
وقول أبي عبد الله الحامدي
يا راحلا ترك البكاء مباحا ... ما رحت أنت بل اصطباري راحا
إن أخلفتني فيك أسباب المنى ... وغدوت لي سقما وكنت صلاحا
فلقد عهدتك مسعدا لي في الهوى ... وعهدت وجهك في الظلام صباحا
وقول ابن نباتة السعدي:
يا من أضر بحسن الشمس والقمر ... ولم يدع فيهما للناس من وطر
نفسي فداؤك من بدر على غصن ... تكاد تأكله عيناي بالنظر
وقوله وهو من المطرب
سقى الله أرضاً لا أبوح بذكرها ... فتعرف أشجاني بها حين تذكر
سوى أنها مسكية الترب ريحها ... ترف وتندى والهواجر تزفر
نمت بها يجلو علي كؤوسها ... أغر الثنايا واضح الجيد أحور
فوالله ما أدري أكانت مدامة ... من الكرم تجنى أم من الشمس تعصر
إذا صبها جنح الظلام وعبها ... رأيت رداء الليل يطوى وينشر
стр. 284
وقوله وهو من المرقص:
خلقنا بأطراف القنا في صدورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب
بقوا قبلنا مرد العوارض وانثنوا ... وأوجههم منها لحى وشوارب
وقوله في فرس أغر محجل أهداه إليه سيف الدولة:
قد جاءنا الطرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه
أولاية وليتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه
نختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه وخاض في أحشائه
متمهلا والبرق من أسمائه ... متبرقعا والحسن من أكفائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلها ... حتى يكون الطرف من إسرائه
وقال فيه أيضاً:
وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا
سرى خلف الصباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا
فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا
ومن المرقص البديع قول السلامي:
تبسطنا على الآثام لما ... رأينا العفو من ثمر الذنوب
ومثله قوله:
الكأس للسكر التبري صائفة ... والماء للحبب الدري نظام
بتنا نكفكف بالكاسات أدمعنا ... كأننا في حجور الروض أيتام
وقوله:
نفرغ أكياسنا في الكؤوس ... نبيع العقار ونشري العقارا
حمدنا الهوى ونسينا الفراق ... ومن يشرب الخمر ينس الخمارا
وقوله من قصيدة يمدح بها عضد الدولة:
إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر
فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشياء كما اجتمع النسر
وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار وهي الدنيا ويوم هو الدهر
قال القاضي ابن خلكان في تاريخه بعد إنشاد هذه الأبيات: وعلى الحقيقة هذا الشعر هو السحر الحلال كما يقال.
وقد أخذ هذا المعنى القاضي أبو بكر الأرجاني فقال:
يا سائلي عنه لما جئت أمدحه ... هذا هو الرجل العاري من العار
كم من شنوف لطاف من محاسنه ... علقن منه على آذان سمار
لقيته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار
ولكن أين الثريا من الثرى, وهذا المعنى موجود في الشطر الأخير من بيت المتنبي وهو:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
لكنه ما استوفاه, فإنه ما تعرض إلى ذكر اليوم الذي جعله السلامي هو الدهر, ومع هذا فليس عليه طلاوة ببيت السلامي. انتهى.
ومن المطرب أيضاً قوله:
عدل الحبيب فمن يجور ... ودنا فأين بنا تسير
عوضت من عيس تدور ... بنا الفلا كأسا تدور
وشربت ما وسع الصغير ... وزدت ما حمل الكبير
نبهت ندماني وقد ... عبرت بنا الشعرى العبور
والبدر في أفق السما ... ء كروضة فيها غدير
هبوا فقد عيي الرقيب ... فنام وانتبه السرور
وأشار إبليس فقل ... نا كلنا نعم المشير
صرعى بمعركة تعف ... الوحش عنها والنسور
نوار روضتنا خدو ... د والغصون بها خصور
والعيش آنس ما يكون ... إذا تهتكت الستور
هبوا إلى شرب المدا ... م فإنما الدنيا غرور
طاف السقاة بها كما ... أهدت لك الصيد الصقور
عذراء يكتمها المزا ... ج كأنها فيه ضمير
وتظن تحت حبابها ... خدا تقبله ثغور
حتى سجدنا والإمام ... أما منا بم وزير
ومن الانسجام المطرب قول ابن سكرة الهاشمي في غلام بيده غصن منور:
غصن بان أتى وفي اليد منه ... غصن فيه لؤلؤ منظوم
فتحيرت بين غصنين في ذا ... قمر طالع وفي ذا نجوم
وقوله أيضاً:
الليالي تسوء ثم تسر ... وصروف الزمان ما تستقر
غير أني عن الحوادث راض ... بعد سخط والعيش حلو ومر
كنت صبا بواحد ثم ثني ... ت فلي بالجميع وصل وهجر
من كمثلي وعن يميني شمس ... تتجلى وعن يساري بدر
ذا على خده من الحسن سطر ... وعلى طرف ذا من الغنج سحر
بت يجري علي من ريق هذين ... وكأسي شهد ومسك وخمر
وقال:
стр. 285
أنا والله سيدي ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي
ومنه قول أبي الحسن علي بن هارون المنجم وهو مما يتغنى به:
بيني وبين الدهر فيك عتاب ... سيطول إن لم يغنه الإعتاب
يا غائبا بوصاله وكتابه ... هل يرتجى من غيبتك إياب
لولا التعلل بالرجاء تقطعت ... نفس عليك شعارها الأوصاب
لا يأس من فرج الإله فربما ... يصل القطوع ويقدم الغياب
وقوله:
سقى الله أياما لنا ولياليا ... مضين فلا يرجى لهن رجوع
إذ العيش صاف والأحبة جيرة ... جميعاً وإذ كل الزمان ربيع
وإذ أنا أما للعواذل في الصبا ... فعاص وأما للهوى فمطيع
قال الصاحب رحمه الله تعالى: هذا الشعر إن شئت كان أعرابياً في شملته, وإن أردت كان عراقيا في حلته.
وقوله من قصيدة صاحبية:
ولما تنسمنا صبا صاحبيه ... تعيد عجاج الجو وهو عبير
تركنا الظي الرمضاء وهي حديقة ... ندى وحصى المزاء وهي شذور
ونلنا هشيم النبت وهو منور ... وجزنا قتاد الأيك وهو حرير
وزير ومما يعجب الناس أنه ... وزير عليه للسماح أمير
ويخطب من فوق الثريا بفخره ... فلا تعجبوا أن الخطيب خطيرا
وقوله من أخرى فيه وهي من قلائده:
هذا فؤادك نهبا بين أهواء ... وذاك رأيك شورى بين آراء
هواك بين العيون النجل مقتسم ... داء لعمرك ما أدواه من داء
لا تستقر بأرض أو تسير إلى ... أخرى بشخص غريب عزمه نائي
يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال ... عذيب يوما ويوما بالخليصاء
وتارة تنتحي نجدا وآونه ... شعب العقيق وطورا قصر تيماء
قال أبو عبد الله محمد بن حامد الحامدي: عهدي بأبي محمد الخازن ماثلاً بين يدي الصاحب ينشده هذه القصيدة, فرأيت الصاحب مقبلا عليه بمجامعه, حسن الإصغاء إليه, مستعيدا لأكثر أبياته, مظهرا من الإعجاب به والاهتزاز لهل ما تعجب الحاضرون منه.
فلما بلغ قوله:
أدعى بأسماء نبزا في قبائلها ... كأن أسماء أضحت بعض أسمائي
أطلعت شعري وألقت شعرها طربا ... فألفا بين إصباح وإمساء
زحف عن دسته طربا. فلما بلغ قوله بالمدح:
لو أن سبحان باراه لا سحبه ... على خطابته أذيال فأفاء
أرى الأقاليم قد ألقت مقالدها ... إليه مستبقات أي إلقاء
فساس سبعتها منه بأربعة ... أمر ونهي وتثبيت وإمضاء
كذاك ألوى الهدى منه بأربعة ... كفر وجبر وتشبيه وإرجاء
جعل يحرك رأسه مستحسنا. فلما قال:
نعم تجنب (لا) يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء
استعاده وصفق بيديه. فلما ختمها بهذه الأبيات:
أطري وأطرب بالأشعار أنشدها ... أحسن ببهجة إطرابي وإطرائي
ومن منائح مولانا مدائحه ... لان من زنده قدحي وإيرائي
فخذ إليك ابن عباد محبرة ... لا البحتري يدانيها ولا الطائي
قال: أحسنت أحسنت والله أنت. وتناول النسخة, وتشاغل بإعارتها نظره, ثم أمر له بخلعة وحملان وصلة.
ومن البديع المطرب قول أبي عثمان سعيد بن هاشم الخالدي:
أدن من الدن يا فداك أبي ... وأشرب وسق الكبير وانتخب
أما ترى الطل كيف يلمع في ... عيون نور يدعو إلى الطرب
في كل عين للطل لؤلؤة ... كدمعة في جفون منتحب
والصبح قد جردت صوارمه ... والليل قد هم منه بالهرب
والجو في حلة ممسكة ... قد كتبتها البروق بالذهب
فهاتها كالعروس محمرة ال ... خدين في معجز من الحبب
كادت تكون الهواء في أرج ال ... عنبر لو لم تكن من العنب
في كف را عند الصدود وقد ... غضبت من حبه على الغضب
فلو ترى الكأس حين يمزجها ... رأيت شيئاً من أعجب العجب
نار حواها الزجاج يلهبها ال ... ياء ودر يدور في لهب
وقول أبي العلاء السروي في غلام سكران, وهو مما يتغنى به:
بالورد في وجنتيك من لطمك ... ومن سقاك المدام لم ظلمك
خلاك لا تستفيق من سكر ... توسع شتما وجفوة خدمك
مشوش الصدغ قد ثملت فما ... تمنع من لثم عاشقيك فمك
стр. 286
بالله يا أقحوان مبسمه ... على قضيب العقيق من نظمك
وقول القاضي أبي علي المحسن بن علي التنوخي:
قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت دين أخي التقي المترهب
نور الخمار ونور خدك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يلتهب
وجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن ذهبيهما من مذهب
وإذا أتت عين لتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي
وما ألطف قوله: اذهبي لا تذهبي وعلى ذكر هذه الأبيات, يحكى أن بعض التجار قدم مدينة الرسول ﵌ ومعه حمل من الخمر السود, فلم يجد لها طالبا, فكسدت عليه, وضاق صدره, فقيل له: ما ينفقها لك إلا مسكين الدارمي وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين في الظرف والخلاعة. فقصده فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد, فأتاه وقص عليه القصة, فقال: وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحالة, فقال له التاجر: أنا غريب وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل, وتضرع إليه فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول.
وعمل هذين البيتين وشهرهما, وهما:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا أردت بناسك متعبد
قد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى وقفت له بباب المسجد
فشاع بين الناس أن مسكين الدرامي رجع إلى ما كان عليه, وأحب واحدة ذات خمار أسود, فلم يبق في المدينة ظريفة إلا وطلب خمارا أسود, فباع التاجر الحمل الذي كان معه لكثرة رغبتهم, فلما فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه, والله أعلم.
وهذا حين أتلو عليك من انسجامات مهيار بن مرزويه الديلمي ما هو أرق من النسيم, وأشرف من المحيا الوسيم. وما أصدق قول أبي الحسن الباخرزي في حقه: هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر, وكاتب تجلى تحت كل كلمة من كلماته كاعب, وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكم عليه لو, وليت, فهي مصبوبة في قوالب القلوب, وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب.
فمن ذلك قوله من قصيدة:
يا نسيم الريح من كاظمة ... شد ما هجت البكا والبرجا
من عذيري يوم شرقي الحمى ... من هوى جد بقلب مزرحا
الصبا إن كان لابد الصبا ... أنها كانت لقلبي أروحا
يا نداماي بسلع أهل أرى ... ذلك المغبق والمصطحبا
اذكرونا مثل ذكرانا لكم ... رب ذكرى قربت من نزحا
وارحموا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا
وقوله من أخرى:
ولائم ملتفت عن صبوتي ... ينكرها ولو أحب لصب
إذا نسيت بهواي ساءه ... مصرحا وإن كنيت غضبا
وما عليه أن غرمت بابلا ... بحاجر وفاطما بزينبا
يلومني لا مات إلا لائما ... أو عاش عاش بالهوى معذبا
قال عشقت أيبا يعدها ... منقصة نعم عشقت اشيبا
هل شعر بدلته بشعر ... مبدل بأرب لي أربا
أبى الوفاء والهوى وبالغ ... معذرة من سيم عذرا فأبى
وقوله في صدر أخرى:
أتراها يوم صدت أن أرها ... علمت أني من قتلى هواها
أم رمت جاهلة ألحاظها ... لم تميز عمدها لي من خطاها
لا ومن أرسلها مفتنة ... تجرح النسك بجمع وقضاها
ما رمى نفسي إلا واثق ... أنه يقضي عليها من رماها
سنحت بين المصلى ومنى ... مسنح الظبية تستقري طلاها
فجزاها الله عن فتكها ... في حريم الله سواءا ما جزها
قال واشيها وقد راودتها ... رشفة تبرد قلبي من لماها
لا تسمها فما أن الذي ... حرم الخمرة قد حرم فاها
أعطيت من كل حسن ما اشتهت ... فرآها كل طرف فاشتهاها
حماها خفر في وجهها ... ووقار قبل أن تسمي أباها
غدت الشمس إذا ما أسفرت ... أختها والغصن إن مست أخاها
ولو أن النجم يرتاح لها ... لحظة في غير ما جمع ما اجتلاها
آه مما أسارت في كبدي ... من جوى تلك الليالي البيض آها
وقال من أخرى
من بمنى وأين جيران منى ... كانت ثلاثا لا تكون أربعا
راحوا فمن ضامن دين ما وفي ... وحالف بالبيت ما تورعا
وفي الحدوج غاربون أقسموا ... لا تركوا شمسا تضيء مطلعا
سعى بي الواشي إلى أميرهم ... لا طاف إلا خائفا ولا سعى
стр. 287
لا بأبي ظبية لولا طيفها ... ما أستأذنتها مقلتي أن تهجعا
ولا رجوت بسؤالي عندها ... جدوى سوى أن أشتكي وتسمعا
يا صاحبي سر الهوى إذاعة ... طغت خروق سرنا أن ترقعا
إشرافة على منى إشرافة ... واجتهداها دعوة أن تسمعا
يا طلقاء الغدر هل من عطفة ... على أسير بالوفاء جمعا
سلبتموني كبدا صحيحة ... أمس فردوها علي قطعا
عدمت صبري فجزعت بعدكم ... ثم ذهلت فعدمت الجزعا
وأنت يا ذات الهوى من بينهم ... عهدك يوم وجرة ما صنعا
لما ملكت بالخداع جسدي ... نقلت قلبي وسكنت الأضلعا
وارتجعا لي ليلة بحاجر ... إن تم في الفائت أن يرتجعا
وغفلة سرقتها من زمني ... بلعلع سقى الغمام لعلعا
وقال في صدر أخرى:
أنذرتني أخت سعد أن سعدا ... دونها ينهد لي بالشر نهدا
ما على قومك أن صار لهم ... أحد الأحرار من أجلك عبدا
أجتلي البدر فلا أنساك وجهها ... وأرى الغصن فلا أسلاك قدا
وإذا هبت صبا أرضكم ... جملت تراب الغضابان ورندا
لام في نجد وما استنصحته ... بابلي لا أراه الله نجدا
لو تصدى رشأ السفح له ... لم يلم فيه ولو جار وصدا
يصل الحول على العهد وما ... أنكر التذكار من قلبي عهدا
أفيروى عندكم ذو غلة ... عدم الظلم فما يشرب بردا
رد لي يوما على وادي منى ... أن قضى الله لأمر أن يردا
وقال في صدر أخرى:
بطرفك والمسحور يقسم بالسحر ... أعمدا رماني أم أصاب ولا يدري
تعرض لي في القانصين مسدد ... الإشارة مدلول السهام على النحر
رمى اللحظة الأولى فقلب مجرب ... فكررها أخرى فأحسست بالشر
فهل ظن ما قد حرم الله من دمي ... مباحاً له أم نام قومي عن الوتر
بنجد ونجد دار جود وذمة ... مطال بلا عس ومطل بلا عذر
وسمراء ود البدر لو حال لونه ... إلى لونها في صبغة الأوجه السمر
خليلي هل من وقفة والتفاتة ... إلى القبة السوداء من جانب الحجر
وهل من أرانا الحج بالخيف عائد ... إلى مثلها أم عدها حجة العمر
ولله ما أوفى الثلاث على منى ... لأهل الهوى لو لم تحن ليلة النفر
لقد كنت لا أوتى من الصبر قلة ... فهل تعلمان اليوم أين مضى صبري
وكنت ألوم العاشقين ولا أرى ... مزية ما بين الوصال إلى الهجر
فأعدي إلي الحب صحبة أهله ... ولم يدر قلبي أن داء الهواء يسري
أيشرد لبي يا غزالة حاجر ... وأنت بذات البان مجموعة الأمر
وخذي الحظ عيني في الغصون إضافة ... إلى القلب أو ردي فؤادي إلى صدري
وقال من أخرى:
ولما وقفنا بالديار تشابهت ... جسوم براهن البلى وطلول
فبال بداء بين جنبيه عارف ... وبال بما جر الفراق جهول
ونسأل عن ظمياء صماء لا تعي ... فترضى بما قالت وليس تقول
هل أنت يا ظمياء إلا يراعة ... تميل مع الأرواح حيث تميل
فإن كان سؤلا للنفوس بلاؤها ... فإنك للبلوى وإنك سول
تهجر واش فيك عندي فسائني ... فقلت عدو أنت قال عذول
وسفهني في أن تعلقت مانعا ... فقلت وأي الغانيات منيل
إذا لم تكن حسناء إلا بخيلة ... فلا عجب في أن يحب بخيل
وقال في صدر أخرى وهي من مشهور شعره:
بكر العارض تحدوه النعام ... فسقاك الري يا دار أمام
وتمشت فيك أرواح الصبا ... يتأرجن بأنفاس الخزامى
أجتدي المزن وماذا أر بي ... أن تجود المزن أطلالا رماما
وقليلا قبلا أن أدعو لها ... ما رآني الله أستجدي الغماما
أين سكانك لا أين هم ... أحجازا أوطنوها أما شآما
صدعوا بعد التئام فغدت ... بهم أيدي المرامي تتراما
يا لواة الدين عن ميسرة ... الضنينات وما كن لئاما
قد وقفنا بعدكم في ربعكم ... فقضيناه استلاما والتثاما
بجرعاء الحمى قلبي فعج ... بالحمى وأقرأ على قلبي السلام
وترجل فتحدث عجبا ... إن قلبا سار عن جسم أقاما
قل لجيران الغضا آه على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
стр. 288
نصل العام وما أنساكم ... وقصارى الوجد أن أسلخ عاما
حملوا ريح الصبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحا وثماما
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما
وقف الظامي على أبوابكم ... أفيقضي وهو لم يشف أواما
ما يبالي من سقيتن اللمى ... منعكن الماء عنه والمداما
أشتكيكم وإلى من أشتكي ... شمل الداء فمن يبري السقاما
وقال في صدر أخرى:
ليتها إذ منعت ماعونها ... لم تكن ناهرة مسكينها
دمية ما اجتمع والشمس في ... موطن إلا رأتها دونها
ما عليها إذ أطاعت حسنها ... يوم جمع لو أطاعت دينها
نسكت بين المصلى ومنى ... حجة لم تتبع مسنونها
تصف الظبية إلا عطفها ... لك والبانة إلا لينها
فأسالت أنفسا معجلة ... لم تشارف من كتاب حينها
أنبلتها وهي لا سهم لها ... إنما ألحاظها يكفينها
سألت ظمياء من ذا فتنت ... أي قلب لم يكن فمتونها
يا ابنة المثنى عليهم بالندى ... وعهود حرموا تخوينها
ما لهم جادوا وأبخلت وما ... للمواثيق التي تلوينها
رمست عند عادات لهم ... كان حق المجد لو تحيينها
أزف النفر وفي أسرى الهوى ... كبد عند لا تفدينها
ذهبت هائمة فأطلعت ... عذرة تحسبها مجنونها
قضي الحج تماما ولنا ... حاجة بعد نهل تقضينها
ما بك الصد ولكن وفرة ... لونتها نوب تلوينها
كالقطا مرَّ عليها قانص ... أخذ الكر وبقى جونها
وإنما آثرت إيراد هذا المقدار من رقائق مهيار لغرابة أسلوبه في طريقته وتفرده في مجازه وحقيقته, وعزة وجود ديوانه في هذا الزمن الذي وقف فيه الأدب على ثنية الوداع, وهم قبلي مزنه بالإقلاع والله المستعان.
ومن الغايات في باب الانسجام قول أبي عبد الله محمد بن نصر المعروف بابن القيسراني
بالسفح من نعمان لي ... قمر منازله القلوب
حملت تحيته الشمال ... فردها عني الجنوب
فرد الصفات غريبها ... والحسن في الدنيا غريب
لم أنس ليلة قال لي ... لما رأى جسدي يذوب
بالله قل لي من أعللك يا ... فتى قلت الطبيب
وقول أبي بكر محمد بن الصائغ الأندلسي:
أسكان نعمان الأرك تيقنوا ... بأنكم في ربع قلبي سكان
ودوموا على حفظ الوداد فطالما ... بلينا بأقوام إذا ائتمنوا خانوا
سلو الليل عني مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
وقول أبي إسحاق إبراهيم بن خفاجة الأندلسي:
ألا ساجل دموعي يا غمام ... وطارحني يشجوك يا حمام
فقد وفيتها ستين حولا ... ونادتني ورائي هل أمام
وكنت من الباناتي لبينى ... هناك ومن مراضعي المدام
يطالعنا الصباح ببطن حزوى ... فيعرفنا وينكرنا الظلام
وكان به البشام مراح أنس ... فيالله ما فعل البشام
فيا شرخ الشباب ألا لقاء ... يبل به على برح أوام
ويا ظل الشباب وكنت تندى ... على أوفياء دوحتك السلام
وقول أبي عبد الله محمد بن بختيار المعروف بالأبله البغدادي:
زار من أحيا بزورته ... والدجى في لون طرته
قمر يثني معاطفه ... بانة في طي بردته
بت أستجلي المدام على ... غرة الواشي وغرته
يا لها من ليلة قصرت ... وأماتت طول جفوته
يا له من الحسن من صنم ... كلنا في جاهليته
وقول موفق الدين محمد بن يوسف الأربلي:
رب دار بالفضا طال بلاها ... عكف الركب عليها فبكاها
درست إلا بقايا أسطر ... سمح الدهر بها ثم محاها
كان لي فيها زمان وانقضى ... فسقى الله زماني وسقاها
وقفت فيها الغوادي وقفة ... ألصقت حر ثراها بحشاها
وبكت أطلالها نائبة ... عن جفوني أحسن الله جزاها
قل الجيران مواثيقهم ... كلما أحكمتها رثت قواها
كنت مشغوفا بكم إذ كنتم شجرا لا يبلغ الطير ذراها
لا تبيت الليل إلا حولها ... حرس ترشح بالموت ظباها
وإذا مدت إلى أغصانها ... كف جان قطعت دون جناها
стр. 289
فتراخى الأمر حتى أصبحت ... هملا يطمع فيها من يراها
تخصب الأرض فلا أقربه ... رائدا إلا إذا عز حماها
لا يراني الله أرعى روضة ... سهلة الأكناف من شاء رعاها
وإذا طمع أعرى بكم ... عرض اليأس لنفسي فثناها
فصبابات الهوى أولها ... طمع النفس وهذا منتهاها
لا تظنوا لي إليكم رجعة ... كشف التجريب عن عيني عماها
وقول أبي الفتح محمد بن عبد الله المعروف بسبط بن التعاويدي:
قل للسحاب إذا مرت ... هـ يد الجنائب فارجحن
عج باللوى فاسمح بدم ... عك في المعاهد والدمن
يا منزل الأنس الجميع ... وملعب الحي الأغن
سكنت بك الآرام من ... بعد الأحبة السكن
أين استقلت بالحبيب ... ركابه ومتى ظعن
شوقي إلى زمن الحمى ... سقي الغوادي من زمن
شوق المغرب شردت ... هـ يد البعاد عن الوطن
ولقد عهدتك والزمان ... لشملنا بك ما فطن
وثراك ما اغبرت مسار ... حه وماؤك ما أجن
وظباؤك الأتراب لي ... وطر وتربك لي وطن
لام العذول وما درى ... وجدي وبلبالي بمن
وجدي بمن فضح القضي ... ب وأخجل الرشأ الأغن
ما ضر من هو فتنتي ... لو كان يرحم من فتن
دمعي طليق في ... محبته وقلبي مرتهن
يا منيتي أودى الصدو ... د بعاشق بك ممتحن
غادرته وقفا على ال ... عبرات بعدك والحزن
كلف الفؤاد معذبا ... بين الإقامة والظعن
عطفا على قرح الجفو ... ن بعيد عهد السوسن
لا تبخلي فالبخل يذ ... هب بهجة الوجه الحسن
ولرب ليل بت في ... هـ صريع باطية ودن
أختال من مرح وأسحب فضل ذيلي والردن
مع معطف لدن القوا ... م إذا انثنى رخص البدن
وقوله في صدر أخرى:
سقاك سار من الوسمي هتان ... ولا رقت للغوادي فيك أجفان
يا دار الهوى وأطرابي وملعب أت ... رابي وللهو الأطراب أوطان
هل عائد لي ماض من جديد الهوى ... أبليته وشباب فيك فينان
إذ الرقيب لنا عين مساعدة ... والكاشحون لنا في الحب أعوان
وإذ جميلة توليني الجميل وعن ... د الغانيات وراء الحسن إحسان
ولي إلى الرمل من نحو الحمى طرب ... واليوم لا الرمل يصبيني ولا البان
وما عسى يدرك المشتاق من وطر ... إذا بكى والأحباب قد بانوا
كانوا معاني المغاني والمنازل أم ... وات إذا لم يكن فيهن سكان
لله كم قمرت لبي بجوك أق ... مار وكم غازلتني فيك غزلان
خال من الهم في خلخاله حرج ... فقلبه فارغ والقلب ملآن
يذكي الجوى بارد من ثغره شبم ... ويوقظ الوجد طرف منه وسنان
أن يمس ريان من ماء الشباب فلي ... قلب إلى ريقه المعسول ظمآن
بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان
وقول أبي الغنائم محمد بن علي المعروف بابن المعلم الواسطي:
هو الحمى ومعانيه ومغانيه ... فاحبس وعان بليلى ما تعانيه
لا تسأل الركب والحادي فما سأل العشاق قبلك من ركب وحاديه
ما في الصحاب أخو وجد تطارحه ... حديث نجد ولا صب تجاريه
إليك عن كل قلب في أماكنه ... ساه وعن كل دمع في أماقيه
وقوله أيضاً من أخرى:
ردوا علي شوارد الأظعان ... ما الدار إن لم تغن من أوطاني
ولكن بذاك الجزع من متمنع ... هزأت معاطفه بغصن البان
ألوى تلونه بأول موعد ... فمن الكفيل لنا بوعد ثاني
ومتى اللقاء ودونه من قومه ... أبناء معركة وأسد طعان
نقلوا الرماح وما أظن أكفهم ... خلقت لغير ذوابل المران
وتقلدوا بيض السيوف فما ترى ... في الحي غير مهند وسنان
ولئن صددت فمن مراقبة العدى ... ما الصد عن ملم ولا سلوان
يا ساكني نعمان أين زماننا ... بطويلع يا ساكني نعمان
وقول أبي الحسن علي بن محمد بن بسام المعروف بالبسامي الشاعر:
لله أيام الشباب ولهوه ... لو أن أيام الشباب تباع
فدع الصبا يا قلب واسل عن الهوى ... ما فيك بعد مشيبك استمتاع
стр. 290
وقول أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصردر من قصيدة:
نسائل عن ثمامات بحزوى ... وبان الرمل يعلم ما عنينا
فقد كشف الغطاء فما نبالي ... أصرحنا بذكرك أم كنينا
ولو أني أنادي يا سليمى ... لقالوا ما عنيت سوى لبينى
وقول الأمير ناصر الدين محمد وهو من المرقص:
قلب المتيم كاد أن يتفتتا ... فإلى متى هذا الصدود إلى متى
يا معرضين عن المشوق تلفتوا ... فعوائد الغزلان أن تتلفتا
كنا وكنتم والزمان مساعد ... لله ذاك الشمل كيف تشتتا
صد وبعد واشتياق دائم ... ما كل هذا الحال يحمله الفتى
وعدوا من الانسجام المرقص أيضاً قول ابن الدباغ:
يا رب أن قدرته لمقبل ... غيري فللمسواك أو للأكؤس
ولئن قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا رب فلتك شمعة في المجلس
وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... يا رب فلتك من عيون النرجس
وذيل عليها الشيخ عبد الرحمن الخياري من أهل العصر فقال:
ولئن قضيت لجسمه بملامس ... يا رب فليك من سني الأطلس
وذيل عليه آخر فقال:
ولئن قضيت لنا بصوت مطرب ... فمن الحمائم في الليالي الحندس
وذيلت عليه أنا فقلت:
ولئن قضيت لنا بشرب مدامة ... يا رب فلتك من لماه الألعس
وقول أبي عبد الله أحمد بن محمد المعروف بابن الخياط الدمشقي:
يا نسيم الصبا الولوع بوجدي ... حبذا أنت إن مررت بنجد
أجر ذكري نعمت وأنعمت غرامي ... بالحمى ولتكن يدا لك عندي
ولقد رابني شذاك فبالله متى عهد بأطلال هند
إن يكن عرفها امتطاك إلينا ... فلقد زرتنا بأسعد سعد
يا خليلي خلياني وهمي ... أنا أولاكما بغيي ورشدي
لو أمنت الملام والذم ما اخ ... ترت وقوفي على المنازل وحدي
ولقد أصحب المراح إلى اللذ ... ات ملقى الوشاح أسحب بردي
بين دعج من الظباء ونعج ... ولدان من الحسان ملد
في زمان من الشبيبة مصقو ... ل وعيش من البطالة رغد
وقوله في صدر أخرى وهي من مشهور شعره:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق ذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوي الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمن منها داءه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من أعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنه ... حذارا وخوفا أن تكون لحبه
وقد طويت كشحا عن إيراد ما لكثير من المتأخرين, كالبلهاء زهير, والحاجري وابن الفارض, وابن النبيه, والتلعفري وابن نباته, والصفي الجلي, والتلمساني وابن الجهني وأمثالهم, وما ذلك إلا لاشتهار دواوينهم, وتداول أشعارهم.
فلنذكر طرفا مما وقع لأهل العصر في هذا الباب, ونمتع بلذتها الأسماع والألباب, فإن لكل جديد لذة, خصوصاً إذا كان من النوادر الفذة.
فمن ذلك قول الشيخ العلامة بهاء الدين محمد بن حسين العاملي:
خلياني بلوعتي وغرامي ... يا خليلي واذهبا بسلام
قد دعاني الهوى فلباه لبي ... فدعاني ولا تطيلا ملامي
خامرت خمرة المحبة عقلي ... وجرت في مفاصلي وعظامي
أيها السائر الملح إذا ما ... جئت نجدا فعج بوادي الخزام
وتجاوز عن ذي المجاز وعرج ... عادلا عن يمين ذاك المقام
وإذا ما بلغت حزوى فبلغ ... جيرة الحي يا أخي سلامي
وأنشدن قلبي المعنى لديهم ... فلقد ضاع بين تلك الخيام
وإذا ما رثوا لحالي فسلهم ... أن يمنوا ولو بطيف منام
يا نزولا بذي الأرك إلى كم ... تنقضي في فراقكم أعوامي
ما سرت نسمة ولا ناح في الدو ... ح حمام إلا وحان حمامي
أين أيامنا بشرقي نجد ... يا رعاها الإله من أيام
حيث غصن الشباب غض وروض العيش قد طرزته أيدي الغمام
стр. 291
وزماني مساعد وأيادي ال ... لهو نحو المنى تجر زمامي
ومن المرقص قول الأديب حسين جلبي بن الجزري الشامي:
اغمدا شبا مرهفك الباتر ... بالسيف لا حاجة للساحر
لحظك أمضى منه فينا شب ... ما أقتل الفاتك بالفاتر
يا قمرا أشرق من فرعه ... الزاهي على غصن نقا زاهر
أهديت لي السهد وفرط البكا ... أمرك محمول على الناظر
ويا غزالا آنسا نافرا ... ما عهدنا بالآنس النافر
لا تقس قلبا وتلن جانبا ... فهذه من شيم الغادر
ولا تطع واشيك في عذله ... فالعذل لا يؤخذ من جائر
كم ليلة سامرت فيه السها ... شوقا إلى لقياك يا هاجري
لا سامح الله ليالي الهوى ... فإنها أظلم من كافر
أهيم أن هبت نسيم الصبا ... وليل من هام بلا آخر
تقصر للراقد في هجعة ... وطالما طالت على الساهر
وقول أبي الطيب بدر الدين رضي الدين الغزي العامري الشامي:
هات اسقني حلب العصير ولا سوى ... زهر النجوم تجاه زهر المجلس
أنظر إليه كأنه متبرم ... مما تغازله عيون النرجس
وكأن صفحة خده ياقوته ... وكأن عارضه خميلة سندس
وقول الخفاجي:
أتظن الورق في الأيك تغني ... إنما تضمر حزنا مثل حزني
لا أراك الله نجدا بعدها ... أيها الحادي بها إن لم تجبني
هل تباريني إلى بث الجوى ... في دياري الحي نشوى ذات غصن
هب لها السيبق ولكن زادنا ... أننا نبكي عليها وتغني
يا أهيل الخيف هل من عودة ... يسمح الدهر بها من بعد ضن
أرضينا بثنيات اللوى ... عن زرود يا لها صفقة غبن
سل أراك الجزع هل مرت به ... مزنة روت ثراه غير جفني
وأحاديث الغضا هل علمت ... أنها تملك قلبي قبل أذني
وقول الشيخ الأديب الأريب عبد العلي بن ناصر بن رحمة الحويزي:
لمن العيس عشيا تترامى ... تركتها شقق البين سهاما
كلما برقعها نشر الصبا ... لبست من أحمر الدمع لثاما
وترامت خضعا أعناقها ... كلما هز لها البرق حساما
شفها جذب براها للحمى ... وهي تثني لربا نجد زماما
وتلقيها حديثا حاملا ... عن ثرى وجرة أنفاس الخزامى
ما على من حملت لو وقفوا ... ساعة نشرح وجدا وغراما
ومن الجهل ارتجائي يقظة ... أربا لا أترجاه مناما
يا بني عذرة هل من آخذ ... بدمي المسفوك من حل الخياما
قمرا لو لم ير البدر دجى ... ما حوى البدر كمالا وتماما
غادرا لم يرع مني نسبا ... دون أن يحفظ عهدا وذماما
نسبا أيسره أن الحشا ... مثل خديه لهيبا واضطراما
ولجسمي من بقايا حبه ... شبه الطرف فتورا وسقاما
يا نديمي دعا خمريكما ... أن أراق الحب من فيه مداما
وانثني يا قضيب البان إذا ... رنحت سكرى اللمى ذاك القواما
وانس يا روض أقاحيك بها فلقد لاح لنا الثغر ابتساما
أيها الظاعن عن عيني وفي ... مهجتي بوء ربعا ومقاما
عاقب الله بأدهى صصم ... أذني إن سمعت فيك ملاما
وقوله أيضاً في صدر أخرى:
لمع البرق في أكف السقاة ... وبدا الصبح من سنى الكاسات
فالبدار البدار حي على الرا ... ح وهبوا لأكمل اللذات
نار موسى بدت فأين كليم الذات يمحو بها حجاب الصفات
صاح ديك الصباح يا صاح بالراح فوات الأفراح قبل الفوات
واصطحباه اصطباح من راح لا يف ... رق بين الشموس والذرات
تلق فيها العقول منتقشات ... كانتقاش الأشخاص في المرآة
فهي الشربة التي عثر الخض ... ر عليها في عين ماء الحياة
وتقصى الإسكندر البحث عنها ... فعداها وتاه في الظلمات
سكنت حظائر القدس حانا ... جل عن أن يقاس بالحانات
نور حق بنفسه قام ما أحتا ... ج إلى كوة ولا مشكاة
قبس أشعلته أيدي التجلي ... فأضاءت به جميع الجهات
حجبت بالزجاج وهي عيان ... كاحتجاب البدور بالهلات
يا نديمي اجل لي عرائس سر ... بغواشي الكؤوس محتجبات
هات راحي وناد خذها فإني ... لست أنسى يوم اللقا خذ وهات
стр. 292
فلقد هد ركن نحسي لما ... سعدت بالحبيب كل جهاتي
يا سقاتي لا تصرفوا الصرف عني ... فحياتي في رشفها يا سقاتي
هي شهد الشهود بل راحة الأر ... واح بل حسن طلعة الحسنات
غير بدع ممن حساها إذا ارتا ... ح وقال الوجود بعض هباتي
قام زين العباد من شربها قط ... با عليه دارت رحى البينات
وخطت بالجنيد لجة بدر ... غرقت فيه أكثر الكائنات
ورزت بالحسين حتى ترقى ... فأن المحق أرفع الدرجات
اسمعتنا من شيخ بسطام ما أع ... ظم شاني بالنفي والإثبات
وقصارى خلع العذار بهل ني ... ل مقام يقاوم المعجزات
ومن الانسجام المرقص قول شيخي العلامة المحقق, محمد بن علي بن محمود الشامي العاملي قدس الله روحه, وجعل من الرضوان غبوقه وصبوحه, وهو أستاذي الذي أخذت عنه في بدء حالي, وأنضيت إلى موائد فوائده يعملات رحالي, واشتغلت عليه فاشتغل بي, وكان دأبه تهذيب أدبي ووهبني من فضله مالا يضيع, وحنا علي حنو الظئر على الرضيع, حتى شحذ من طبعي مرهفا, وبرى من نبعي مثقفا, وكان قطب الفضل الذي عليه مداره, وإليه إيراده وإصداره. وأما الأدب فهو مناره السامي, وملتزم كعبته وركنه الشامي, ينشر منه ما هو أذكى من النشر في أثناء النواسم, بل أحلى من الظلم يترقرق في ثنايا المباسم, ونظمه أبهى من نظيم الدر الباهر, وألذ من الغمض في مقلة الساهر. إن ذكرت الرقة فهو سوق رقيقها, أو الجزالة فهو سفح عقيقها, أو الانسجام فهو غيثه الصيب, أو السهولة فهو نهجها الذي تنكبه أبو الطيب.
وقوله المشار إليه وهو:
أنت يا شغل المحب الواجد ... قبلة الداعي ووجه المقاصد
فت آرام الفلا حسنا فما ... قابلت إلا بطرف جامد
شأن قلبينا إذا صح الهوى ... يا حياتي شأن قلب واحد
أكثر الواشون فينا قولهم ... ما علينا من مقال الحاسد
لست أصغي لا راجيف العدا ... من يغالي في المتاع الكاسد
وقوله أيضاً:
يا خليلي دعاني والهوى ... أنني عبد الهوى لو تعلمان
عرجا نقضي لبانات الهوى ... في ربوع أقفرت منذ زمان
مربع أولع عيني بالبكا ... أمر العين به ثم نهاني
وقصارى الخل وجد وبكا ... فأبكياني قبل أن لا تبكياني
يا عريبا منحناهم أضلعي ... وغضاهم نار شوق في جناني
إن قلبا أنتم سكانه ... ضاع مني بين شعب والقنان
وقوله أيضاً من قصيدة:
باجتلاء المدام والأقداح ... وبمرآة وجهك الوضاح
لا تذرني على مرارة عيشي ... أكل واش ولا فريسة لاح
صاح كلني إلى المدام ودعين ... والليالي تجول جول القداح
لا تخف جور حادثات الليالي ... نحن في ذمة الظبا والرماح
صاح إن الزمان أقص عمرا ... من بكاء في دمنة ونواح
رق عنا ملاحف الجو فاسمح ... برقيق من طبعك المرتاح
يا مليك الملاح إن زمانا ... أنت فيه زمان روح وراح
طاب وقت المدام فاشرب عساه ... يا صاحبي يطيب وقت الصباح
واسقنيها سقيت في فلق الفج ... ر على نغمة الطيور الفصاح
لا تؤآخذ جفونه بفؤادي ... يا إلهي كلاهما غير صاح
وقوله:
ما أنس ولا أنس خيالا سرى ... يسترشد الشوق إلى مضجعي
حسبت بدر التم قد زارني ... فبت لا أقفو سوى المطلع
أسأل عنه الشوق لا يرعوي ... وأنشد البين به لو يعي
آليت والدار لها حرمة ... لا أسأل الدار وصبري معي
كأن دمي حجراً على حاجر ... فلم أباحته مها الاجرع
علالة كان وقوفي بها ... أبغي شفا القلب من الموجع
وقوله من أخرى:
نسخت سحر بابل مقلتاه ... فتنب في فترة الأجفان
في ربوع كأنهن جنان ... عطفت حورها على الولدان
ورياض كأنهن سماء أطلعت أنجما من الأقحوان
بين ورق كأنهن نشاوى ... يترقصن عن قدود الغواني
وأقاح كأنهن ثغور ... يتبسمن في وجوه الجنان
ونسيم الصبا يصح ويعتل على برده وحر جناني
كلما غنت البلابل فيها ... رقص الدمع بالبكا أجفاني
عطفتني على الرياض قدود ... خلعت لينها على الأغصان
стр. 293
يتلقاني الاقاح بنشر ... غصون النقا علي حوان
قل لعتب وما أظن نوالا ... عند عتب لواجد أسيان
أين قلبي لا أين إلا طلولا ... أذهبتها الرياح منذ زمان
أذكرتني معاهدا وربوعا ... كاد يدمى لذكرهن بناني
حيث غصني من الشباب رطيب ... وعيون المها إلي رواني
أطرد النوم عن جفون نشاوى ... بحديث أرق من جثماني
وقواف لو ساعد الجد نيطت ... موضع الدر من رقاب الغواني
سائرات بيوتهن على الأل ... سن سير الأمثال في البلدان
قصد كالفرند في صفحات ... الدهر أو كالشنوف في الآذان
عاصيات على الطباع ذلول ... يتغنى بهن في الركبان
ساقطت والنوى يطل علينا ... من عيون المها حصى المرجان
أنظر أيها المتأمل إلى انسجام هذا الكلام, وشرف هذا النظام, لتعلم مصداق (كم ترك الأول للآخر) ويقف العقل حسير دون لج الفيض الزاخر.
ومن ذلك قوله أيضاً:
لثموا موشى العصب فوق بدور ... وتنقبوا بالنور فوق النور
وفروا جلابيب الظلام ودونهم ... سوران سور قنا وسور خدور
يزجون مهزوز القوام إذا مشى ... جالت عليه مناطق الزنبور
نشوان من خمر الشبا وحى به ... سكران سكر صبا وسكر غرور
لاطفته سحرا فبرقعه الحيا ... بالورد فوق صفائح البلور
هل ركبوا الخيلان وجناته ... أم فتتوا مسكا على كافور
قمر يفور النور من أطواقه ... فكأنها فوارة للنور
أو غادة نظرت بعيني شادن ... وتلفتت عن ناظري مذعور
قال وقد عجبت لشيب مفارقي ... هذا البياض قذى عيون الحور
فأجبتها والبين يخلج صدرها ... إن المشيب جلا صدا المأثور
لله ليلتنا وقد لف الهوى ... منا قواما ذابلا بنضير
حيت فأحيت بالمدام معاشرا ... حضروا وما ألبابهم بحضور
في حبهم صرعى وما حضروا وغى ... نشوى وما مزجوا الهوى بخمور
أنظر إلى الورد الجني كأنه ... متبرم من رنة الشحرور
والنرجس الغض الشهي كأنه ... يرنو إليه عن عيون غيور
في روضة لعب الصبا بغصونها ... لعب الصبا بمعاطف وخصور
أصبا الأصايل لا كبت بك عثرة ... كم عقبة لك في جيوب الحور
لله درك إن مررت على اللوى ... حلي عري جيب الحيا المزرور
وقوله أيضاً من أخرى:
ليت التي بعثت إلي خيالها ... أذنت لعيني أن تذوق كراها
ما انسها لا انس ليلة أقبلت ... والدل يمزج سخطها برضاها
فالدعص ما عقدت عليه إزارها ... والغصن ما زرت عليه قباها
ولرب نفس مثل نفسي حرة ... ضربت عليها النائبات خباها
تالله لولا أن يعنفني الهوى ... لا صاب بعدهم الأساة دواها
جلبت إلى الشامي أسباب الردى ... لو أنها في كفه لرماها
وقوله أيضاً:
على رسلك يا صاح ... فما أنت وأتراحي
وما شأنك والواشي ... وما خطبك والملاحي
فهب قلبك للساقي ... وهب عقلك للراح
وخذ أهبة مشتاق ... وثب وثبة مرتاح
فمن عالم أشباح ... إلى عالم أرواح
وقوله من أبيات:
بعث طيفها إلي وأخرى الشوق في قلبها وأولاه عندي
ثم قالت لتربها ليت شعري ... كيف حال الشامي يا مي بعدي
إن بي فوق ما به من هواه ... غير أني أخفي هواه ويبدي
ما درت أنني وإن طال وجدي ... في هواها نسيج وحدي وحدي
وقوله أيضاً:
إذا أبصرت شخصك قلت بدر ... يلوح وأنت إنسان العيون
جرى ماء الحياة بفيك حتى ... أمنت عليك من ريب المنون
وقوله من قصيدة, وهو من إحسانه المشهور:
وقد جعلت نفسي تحن إلى الهوى ... حلا فيه عيش من بثينة أو مرا
وأرسلت قلبي نحو تيماء رائدا ... لي الخفرات البيض والشدن العفرا
تعرف منها كل لمياء خاذل ... هي الريم لولا أن في طرفها فترا
من الظبيات الرود لو أن حسنها ... يكلمها أبدت على حسنها كبرا
وآخر أن عرفته الشوق راعني ... بصد كأني قد أبنت لو وترا
أناشد فيه البدر والبدر غائر ... وأسأل عنه الريم وهو به مغرى
стр. 294
فما ركب البيداء لو لم يكن رشا ... ولا صدع الديجور لو لم يكن بدرا
لحاظ كأن السحر فيها علامة ... تعلم هاروت الكهانة والسحرا
وقد هو الغصن الرطيب كأنما ... كسته تلابيب الصبا ورقا نضرا
رتقت على الواشين فيه مسامعا ... طريق الردى منها إلى كبدي وعرا
أعاذلتي واللوم لؤم ألم تري ... كأن بها عن كلا لائمة وقرا
بفيك الثرى ما أنت والنصح إنما ... رأيت بعينيك الخيانة والغدرا
وما للصبا يا ويح نفسي من الصبا ... تبيت تناجي طول ليلتها البدرا
تطارحه القول حق وباطل ... أحاديث لا تبقي لمستودع سرا
وتلقي على النمام فضل ردائها ... فيعرف للأشواق في طيها نشرا
تعانقها خوف النوى ثم تنثني ... تمزق من غيظ على قدك الأزرا
ألما ترى بأن النقا كيف هذه ... تميل بعطفيها حنوا على الأخرى
وكيف وشى غصن إلى غصن هوى ... وأبدى فنونا من خيانته تترى
فمن غصن يومي إلى غصن هوى ... ومن رشأ يوحي إلى رشأ ذكرى
هما عذلاني في الهوى غير أنني ... عذرت الصبا لو تقبلين لها عذرا
هبيها فدتك النفس راحت تسره ... إليه فقد أبدته وهي به سكرى
على أنها لو شايعت كثب النقا ... وريح الخزامى إنما حملت عطرا
ولنكتف من لطائفه بهذا المقدار طلبا للاختصار, فإن محاسنها لا تنتهي حتى ينتهي عنها, ولا تقف حتى يوقف عليها.
ومن لطائف الانسجام قول الشيخ الفاضل الحكيم حسين بن شهاب الدين الكركي العاملي ﵀, في صدر قصيدة يمدح بها الوالد رحمة الله تعال:
سرت والليل محلول الوشاح ... ونسر الجو مبلول الجناح
وثغر الشرق يبسم عن رياض ... مكللة الجوانب بالأقاح
كأن المشتري والنجم ساق ... يدير على الندامى كأنه كأس راح
فوا عجبا وهل يخفي سراها ... وقد أرجت برياها النواحي
من البيض الحسان إذا تجلت ... تخال جبينها فلق الصباح
مهفهفة يغار البدر منها ... ويخجل قدها هيف الرماح
أبث لطرفها شكوى غرامي ... وهل يشكو الجريح إلى السلاح
واطمع أن يزايلني هواها ... ومن ينجو من القدر المتاح
فلا تأوي لكسرة ناظريها ... فكم أودت بألباب صحاح
أحن إلى هواها وهو حتفي ... كمجروح يداوى بالجراح
ولا وأبيك ليس الحب سهلا ... فكم جد تولد من مزاح
خلقت من الغرام فلا أبالي ... أكان به فسادي أم صلاحي
ولولا تمسك الأطمار جسمي ... لطار من النحول مع الرياح
وحب الغانيات حياة روحي ... وراحتها وريحاني وراحي
ومن الانسجام المطرب قول الشيخ الأديب محمد بن سيعد باقشير المكي ﵀:
ألآل ما أرى أم حبب ... أم أقام لا ولكن شنب
حرمت وهي حلال قد جرى ... في خلال الطلع منها الضرب
ما درى بارق ذياك اللمى ... أن لي قلبا به يلتهب
دع لما قد نقل الراوي لنا ... عن لماه ما روته الكتب
آه ما أعذبه من مبسم ... وهو لو جاد به لي أعذب
ليت لو أن منالا منه لي ... غير أن البرق منه خلب
جؤذر يرنو بعيني أغيد ... من مها الرمل أغن أغلب
ومحيا كلف الحسن به ... فغدا ينشد أين المذهب
هز عطفيه فلم يدر النقا ... أقنا ما هزه أم قضب
رق فاستبعد ألباب الورى ... فله في كل قلب ملعب
يا لها من نعمة في ضمنها ... مهلك هان وعز المطلب
وهذا فصل عقدته لما وقع من الانسجام في أشعار العترة النبوية, والسلالة العلوية, التي يلوح عليها سيماء النبوة والخلافة, ويفوح منها ريا السيادة والشرافة. وإنما أفردته عما سبق, وميزته طبقا عن طبق, لتعلم أن الحصباء ليست كالدرر, والحجول وأن اتضحت دون الغرر.
فمن المطرب المرقص قول السيد أبي محمد بن عبد الله المحض بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉:
بيض حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرم
يحسبن من لين الكلام فواسقا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام
وقول الشريف أبي عبد الله محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض المذكور:
стр. 295
طرب الفؤاد وعاودت أحزانه ... وتلعبت شعبا به أشجانه
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنع أركانه
فمضى لينظر كيف لاح فلم يطق ... نظرا إليه وصده سبحانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سمحت به أجفانه
وقول السيد علي بن محمد بن محمد بن زيد الشهيد المعروف بالحماني:
لنا من هاشم هضبات مجد ... مطبنة بأبراج السماء
تطوف بنا الملائك كل يوم ... ونكفل في حجور الأنبياء
ويهتز المقام لنا ارتياحا ... ويلقانا صفاه بالصفاء
وقوله:
وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما انتضين ليوم سفوك
منابرهن بطون الأكف ... وأغمادهن رؤوس الملوك
وقوله:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمط خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا الفخار قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا ... عليهم جهير الصوت في كل جامع
ومن نسيبه المرقص قوله:
يا شادنا أفرغ من فضه ... في خده تفاحة غضة
كأنما القبلة في خده ... بالحسن من رقته عضه
يهتز أعلاه إذا ما مشى ... وكله في لينه قبضه
أرحم فتى لما تملكته ... أقر بارق فلم ترض
وقوله أيضاً:
بأبي فم شهد الضمير له ... قبل المذاق بأنه عذب
كشهادتي لله خالصة ... قبل العيان بأنه الرب
والعين لا تغني بنظرتها ... حتى يكون دليلها القلب
وقوله:
كأن هموم الناس في الأرض كلها ... علي وقلبي بينهم قلب واحد
ولي شاهدا عدل سهاد وعبرة ... وكم مدع للحق من غير شاهد
وقوله:
وجه هو البد إلا أن بينهما ... فضلا تحير عن حافاته النور
في وجه ذاك أخاليط مسودة ... وفي مضاحك هذا الدر منثور
حدث بعض الصالحين قال: لقيت علي بن محمد الحماني المذكور بالكوفة بعد خلاصه من حبس الموفق - وكان قد حبس مرتين, مرة لكفالته بعض أهله, ومرة لسعاية عليه - وهنأته بالسلامة, وقلت له, قد عدت إلى وطنك الذي تلذه, وإخوانك الذين تحبهم. فقال: يا أبا علي, ذهب الأتراب والشباب والأصحاب.
وأنشد:
هبني بقيت على الأيام والأبد ... ونلت ما شئت من مال ومن ولد
من لي برؤية من قد كنت آلفه ... وبالزمان الذي ولى ولم يعد
لا فارق الهم قلبي بعد فرقتهم ... حتى يفرق بين الروح والجسد
والحماني بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون. قال السمعاني في الأنساب هذه النسبة إلى حمان وهي قبيلة من تميم نزلوا الكوفة. قال صاحب العمة كان جده ينزل بالكوفة في بني حمان وتخفيف الميم فهو تصحيف لا يعول عليه والله أعلم.
ومن المرقص في هذا الباب قول الشريف المرتضى ذي المجدين أبي القاسم علي بن أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي:
يا خليلي من ذؤابة قيس ... في التصابي رياضة الأخلاق
علاني بذكرها تطرباني ... واسقياني دمعي بكأس دهاق
وخذا النوم عن جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق
لما وصلت هذه الأبيات إلى البصري الشاعر قال: المرتضى خلع مالا يملك على من لا يقبل.
وحي عن الشريف المرتضى المذكور أنه كان جالساً في علية له تشرف على الطريق, فمر به المطرز الشاعر يجر نعلاً له بالية وهي تثير الغبار, فأمر بإحضاره ثم قال له أنشدني أبياتك التي تقول منها:
إذا لم تبلغني إليكم ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا
فانشده إياها, فلما انتهى إلى هذا البيت أشار الشريف إلى نعله البالية وقال: هذه كانت من ركائبك؟ فاطرق المطرز ساعة ثم قال: لما عادت هبات سيدنا الشريف إلى مثل قوله:
وخذا النوم عن جفوني فإني ... قد خلعت الكرى على العشاق
عادت ركائبي إلى مثل ما يرى, فإنه خلع مالا يملك على من لا يقبل. فاستحيا الشريف ووصله.
سرى مغرما بالعيس ينتجع الركبا ... يسائل عن بدر الدجى الشرق والغربا
إذا لم تبلغني إليكم ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا
على عذبات الجزع من ماء تغلب ... غزال يرى ماء العيون له شربا
стр. 296
إذا ملأ البدر العيون فإنه ... لعمرك بدر يملأ العين والقلبا
ومن المرقص أيضاً قول المرتضى المذكور:
قل لمن خده من اللحظ دام ... رق لي من جوانح فيك تدمى
يا سقيم الجفون من غير سقم ... لا تلمني أن مت منهن سقما
أنا خاطرت في هواك بقلب ... ركب البحر فيك أما وأما
ومن المطر قوله أيضاً:
أحب ثرى نجد ونجد بعيدة ... ألا حبذا نجد وإن لم تفد قربا
يقولون نجد لست من شعب أهلها ... وقد صدقوا لكنني منهم حبا
كأني وقد فارقت نجدا شقاوة ... فتى ضل عنه قلبه ينشد القلبا
وقوله:
مولاي يا بدر كل داجية ... خذ بيدي قد وقعت في اللجج
حسنك ما تنقضي عجائبه ... كالبحر حدث عنه بلا حرج
بحق من خط عارضيك ومن ... سلط سلطانها على المهج
مد يديك الكريمتين معا ... ثم ادع لي من هواك بالفرج
وقوله:
ولما تفرقنا كما شاءت النوى ... تبين ود خالص وتودد
كأني وقد سار الخليط عشية ... أخو جنة مما أقوم وأقعد
وقوله:
قل لمغر بالصبر وهو خلي ... وجميل العذول ليس جميلا
ما جهلنا أن السلو مريح ... لو وجدنا إلى السلو سبيلا
وقوله:
ألا يا نسيم الريح من أرض بابل ... تحمل إلى أهل الخيام سلامي
وقل لحبيب فيك بعض نسيمه ... أما آن أن تستطيع رجع كلامي
وأني لأرضى أن أكون بأرضكم ... على أنني منها استفدت سقامي
وقوله:
قل للذين على موا ... عدهم لنا خلف ومطل
كم ضامني من لا أضي ... م وملني من لا أمل
يا عاذلا لملامه ... كل على سمعي وثقيل
إن كنت تأمر بالسلو فقل لقلبي كيف يسلو
قلبي رهين في الهوى ... أن الهوى سقم وذل
وتعجبت جمل لشي ... ب مفارقي وتشيب جمل
ورأت بياضا في سوا ... د ما رأته هناك قبل
كذبالة رفعت على ال ... هضبات للسارين ضلوا
لا تنكريه ويب غير ... ك فهو للجهلات غل
ومن المقص أيضاً قول أخيه الشريف أبي الحسن الرضي ﵁:
يا روض ذي الاثل من شرقي كاظمة ... قد عاود القلب من ذكراك أشجانا
أشم منك نسيما لست أعرفه ... أظن ظيماء جرت فيك أردانا
ألقاك والقلب صاح من رحيق هوى ... وأنثني عنك بالأشواق نشوانا
وما تداويت من قرح على كبدي ... ولا سقاني راقي الحب سلوانا
وقوله:
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمى ... فلاقي بها ليلا نسيم ربى نجد
فإن بذاك الجو حيا عهدته ... وبالرغم مني أن يطول به عهدي
ولولا تداوي القلب من ألم الجوى ... بذكر تلاقينا قضيت من الوجد
وقوله:
أحبك ما أقام منى وجمع ... وما أرسى بكمة أخشباها
وما اندفع الحجيج إلى المصلى ... يجرون المطي على وجاها
وما نحروا بخفيف منى وكبوا ... على الأذقان مشعرة ذراها
نظرتك نظرة بالخيف كانت ... جلاء العين بل كانت قذها
ولم يكن غير موقفنا وطارت ... بكل قبيلة منا نواها
فواها كيف تجمعنا الليالي ... وآها من تفرقنا وآها
وقوله:
يا ليلة كرم الزمان.. ... .. بها لوان الليل باق
كان اتفاق بيننا ... جار على غير اتفاق
فاستروح المشتاق من ... زفرات هم واشتياق
حتى إذا نست رياح ال ... صبح تؤذن بالفراق
برد السوار لها فأحميت القلائد بالعناق
وقوله:
عارضا بي ركب الحجاز أسائله متى عهده بأعلام جمع
واستملا حديث من سكن الخي ... ف ولا تكتباه إلا بدمعي
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي
يا غزالا بين النقا والمصلى ... ليس تقوى على نبالك درعي
كلما سل من فؤادي سهم ... عاد سهم لكم مضيض الوقع
من معيد أيام سلع على ما ... كان منها وأين أيام سلع
وقوله:
أيها الرائح المجد تحمل ... حاجة للمتيم المشتاق
أقر عني السلام أهل المصلى ... فبلاغ السلام بعض التلاقي
وإذا ما مررت بالخيف فاشهد ... أن قلبي إليه بالأشواق
стр. 297
وابك عني فطالما كنت من قب ... ل أعير الدموع للعشاق
حكى أبو الحسن العمري قال: دخلت على الشريف المرتضى, فأراني بيتين قد عملهما وهما:
سرى طيف سعدى فارقا فاستفزني ... هبوبا وصحبي بالفلاة هجود
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعل خيالا طارقا سيعود
فخرجت من عنده ودخلت على أخيه الرضي, فعرضت عليه البيتين فقال بديها:
فردت جوابا والدموع بوادر ... وقد آن للشمل المشت ورود
فهيهات من لقيا حبيب تعرضت ... لنا دون لقياه مهامه بيد
فعدت إلى المرتضى بالخبر فقال: يعز علي, أخي قتله الذكاء, فما كان إلا يسير حتى مضى الرضي لسبيله.
ومن المرقص قول السيد أبي الحسن محمد بن أحمد بن الحسن بن إبراهيم طباطبا الحسني:
بانوا وأبقوا في حشاي لبينهم ... وجدا إذا ظعن الخليط أقاما
لله أيام السرور كأنما ... كانت لسرعة مرها أحلاما
لو دام عيش رحمة لأخي هوى ... لأقام لي ذاك السرور وداما
يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... عاما ورد من الصبا أياما
وقوله في طول الليل:
كأن نجوم الليل سارت نهارها ... فوافت عشاء وهي انضاء أسفار
وقد خيمت كي يستريح ركابها ... فلا فلك جار ولا كوكب سار
وما أحسن قوله في العفاف:
الله يعلم ما أتيت خنى ... أن لا مني العذال أو سفهوا
ماذا يعيب الناس من رجل ... خلص العفاف من الأنام له
يقضانه ومنامه شرع ... كل بكل منه مشتبه
إن هم في حلم بفاحشة ... زجرته عفته فينتبه
ومنه قول الشريف أبي القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل بن طباطبا:
خليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد
أيبقى جميعا شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد
وقوله:
قالت لطيف خيال زارني مضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال أبصرته لو مات من ظمأ ... وقلت قف لا ترد للماء لم يرد
قالت صدقت وفاء الحب عادته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي
وقول السيد ذي المجدين أبي القاسم علي بن موسى الموسوي نقيب النقباء بمرو:
يا أضعف العالمين وصلا ... وأسعف الناس بالفراق
ومن غرامي به شديد ... ليس يداوي بألف راق
إن كان لابد من فراق ... فعن وداع وعن عناق
وزورة ترغم الأعادي ... وخلوة حلوة المذاق
ومن المطرب قول السيد شرف السادة محمد بن عبيد الله الحسيني البلخي من قصيدة:
أشبه الغصن إذ قدا ... وحكى الورد إذ تفتح خدا
وثنى للوداع في حومة البي ... ن بنانا يكاد يعقد عقدا
لست أنسى وإن تقادم عهدا ... عهد أحبابنا بنجد ونجدا
حين غصن الشباب غض ونجم ال ... وصل سعد بحسن إسعاد سعدى
وغزال قد أورث البدر غيظا ... وجهه الطلق والغزالة حقدا
ألف الصد والتجنب حتى ... علم الطيف في الكرى أن يصدا
فسقى عهده العهاد وإن لم ... يقض لنا ولم يرع عهدا
وقوله وهو في معنى غريب:
شد النطاق بخصره ... فغدا فريدا في جماله
يجبى اللجين من الجبال ... فكيف عاد إلى جباله
وقول السيد أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبيد الله البلخي بن أخي المذكور قبله رحمهما الله:
وكم مضى ليل على أبرق الحمى ... مضيء ويوم بالمسرة مشرق
تسرَّقت فيه اللهو أملس ناعما ... وأطيب عيش المرء ما يتسرق
ويا حسن طيف قد تعرض موهنا ... وقلب الدجى من صولة الصبح يخفق
تنسمت رياه قبيل وروده ... وما خلته يحنو علي ويشفق
ومنه قول السيد أبي المحاسن إسماعيل بن حيدر العلوي ﵀:
أفي الصبا أشتاق وصل الصبا ... كلا ولكن معالي شيب
لو أن ما حملته همتي ... حمل رضوى لاعتراه المشيب
ومن المرقص قول السيد أبي البركات علي بن الحسين بن جعفر الحسيني:
وأغيد سحار بألحاظ عينه ... حكى لي تثنيه من البان أملودا
سلخت بذكراه عن الصبح ليلة ... أنادمه والكأس والناي والعودا
ترى أنجم الجوزاء والنجم فوقها ... كباسط كفيه ليقطف عنقودا
стр. 298
ومنه قول السيد الإمام أبي الرضا ضياء الدين فضل الله بن علي بن عبد الله الراوندي من قصيدة:
سفرت لنا عن طلعة البدر ... إحدى الخرائد من بني بدر
فأجل قدر الليل مطلعها ... حتى تراءت ليلة القدر
لو أنها كشفت لآلئها ... من قولها والعقد والثغر
لأضاءت الدنيا لساكنها ... والليل في باكورة العمر
حتى يظن الناس أنهم ... هجم العشاء بهم على الفجر
وحديثها سحر إذا نطقت ... لو كان طعم الشهد للسحر
وحسبتها بدر التمام إذا ... حاذاك لولا كلفة البدر
يا لائمي كف الملام فقد ... غلب الغرام بها على الصبر
فوحق فاحمها الأثيث وهل ... في ذلكم قسم لذي حجر
إني إلى معسول ريقتها ... أظما من الصادي إلى القطر
عهدي بنا والوصل يجمعنا ... كالوز توأمتين في قشر
أقول: هذا تشبيه ليس في اللطف شبيه, وهو معنى بكر, ولم يفتضه قبله فكر في هذا الباب.
وقوله أيضاً:
آه لبرق أومضا ... هاج غرامي ومضى
كأنه لما بدا ... لمع سيوف تنتضى
أو التواء حية ... قتلته فنضنضا
ويا لريح نسمت ... من ساكني ذات الاضا
مريضة لم تستطع ... من ضعفها أن تنهضا
فاحتبست على الربى ... وكل نبت روضا
حتى غدت لطيمة ... مفضوضة على الفضا
يا برق يا ريح معا ... تركتماني حرضا
ما لكما أوقدتما ... على الحشا جمر الغضا
وا أسفا على الصبا ... أكان دينا يقتضي
عاد برغم معطسي ... ذاك الغداف أبيضا
وعاد حقي باطلا ... وعدا جسمي غرضا
لهفي على عهد الصبا ... أفلت عني وانقضى
جار عليه الشيب لما أن قضى فلا قضى
أظلمت الدينا على ... عيني لما أن أضا
من الذي أشكو إذا ... صار الطبيب ممرضا
آه على شبيبة ... إذا شدا أو قرضا
على مراثيها فقد ... أبقت بقلبي مرضا
وقوله أيضاً وهو من الحسن بمكان:
يا سقى الله عشيات الحمى ... بين أكناف النقا فالمنحنى
وليالي بجمع أنها ... فرص العمر وتارات المنى
بينما نحن معا نرتع إذ ... تركوا الخيف وأمو اليمنا
حرست بيضهم بيض الظبي ... ورعت سمرهم سمر القنا
وأتت عاذلتي باكرة ... أن رأتني صبا حلف ضنى
ثم لما أعجبتها نفسها ... وأذابت قلبي الممتحنا
حلفت لو أنني كنت أنا ... أنت لم أختر لروحي المحنا
قالت خليني وخلي عذلي ... ما أنا أنت ولا أنت أنا
ومنه قول ابنه السيد الإمام عز الدين علي بن أبي الرضا فضل الله الراوندي ﵀:
سلا عذبات رامة بل رباها ... سلاها لا عدمتكما سلاها
أنازحه فراجعة سليمى ... إليك أم استقر بها نواهاه
أما ومنى وزمزم والمصلى ... وأركان العقيق من بناها
لقد ألف الفؤاد هوى سليمي ... ولم يخلص إليه هوى سواها
وربة ليلة زهراء بتنا ... نروي من جوانحنا صداها
فلف الصبح أردية الدياجي ... ورف على مطارفنا نداها
فقامت تعقد الأزرار عجلى ... وقد حلت مدامعنا حباها
فتبكي تارة وتنوح أخرى ... أسى فلها بكاي ولي بكاها
وقوله أيضاً: يقولون أن الركب بعد غد غاد=فهل لفؤادي أن غدا الركب من فادي
يقولون لا قالوا ويحكون لا حكوا ... بأن غدا يحدو بضعنهم الحادي
فيا نفس فيضي لات حين تبلد ... ويا عين فيضي ليس ذا وقت ابلاد
فهذا ولما يخل منهم نديهم ... فكيف بأحوالي إذا ما خلا النادي
فديتك هل بعد الفراق تواصل ... وهل يرتجى التقريب من بعد إبعاد
هداني إليك الحب ثم أضلني ... فكيف احتيالي والمضل هو الهادي
دعاني الهوى سرا فلبيت جهرة ... وإن كان إضلالي إليه وإرشادي
فقال الحجى مهلا فقلت له مهٍ ... فإني في واد وإنك في واد
ومن المطرب قوله أيضاً:
ذكرتكم والشهب رزجى من السرى ... وكف الثريا للغرب تشير
فقلت لندماني قوما فعالجا ... فؤادا يسير الوجد حيث يسير
стр. 299
فقال إلى صب له من جوى النوى ... قرين ومن فرط الغرام عشير
له رنة من بعدها ألف رنة ... إليكم ومن بعد الزفير زفير
فقالا معا في السر ناد فؤاده ... فإن لم يعد لا عاد فهو أسير
نهل من فؤاد سالم نستعيره ... فإن فؤاد الهاشمي كسير
وقوله أيضاً:
سري طيفها والشهب صاح ونشوان ... وجنح الدجى في عرصة الجو حيران
وكف الثريا بالدعاء مليحة ... وصحن الثرى من عسكر الزنج ملآن
فأرقني بالوجد والركب جنح ... وأكثرهم من قهوة النوم سكران
ألا أيها الوجد الذي هو قاتلي ... ترفق قليلا إنما أنا إنسان
فلو أنه ما بي بثهلان بعضه ... لأصبح رجراج الذرى منه ثهلان
ومنه قول الشريف أبي السعادات هبة الله بن علي الحسني المعروف بابن الشجري البغدادي:
هذي السديرة والغدير الطافح ... فاحفظ فؤادك إنني لك ناصح
يا سدرة الوادي التي هي ظلة ... الساري هداه نشرها المتفاوح
هل عائد قبل الممات لمغرم ... عيش تقضى في ظلالك صالح
ومنها:
ولقد مررنا بالعقيق فشاقنا ... فيه مراتع للمها ومسارح
ظلنا بها نبكي فكم من مضمر ... وجدا أذاع هواه دمع سافح
محت السنون رسومها فكأنما ... تلك العراص المقفرات نواضح
يا صاحبي تأملا حييتما ... وسقى دياركما الملث الرائح
أدمى بدت لعيوننا أم ربرب ... أم خرد أكفالهن رواج
أم هذه مقل الصوار رنت لنا ... خلل البراقع أم قنا وصفائح
لم تبق جارحة وقد واجهننا ... إلا وهن لها بهن جوارح
كيف ارتجاع القلب من أسر الهوى ... ومن الشقاوة أن يراض القارح
لو بله من ماء ضارج شربة ... ما أثرت للوجد ففيه لواقح
ومنه قول السيد أبي الحسن علي بن رضي الدين الحسيني:
لعمرك ما نجدية الدار أتهمت ... فحنت إلى نجد وأنت من الوجد
بأجزع مني لا وأسكب عبرة ... وأدنى الذي أخفي كأقصى الذي تبدي
أقول إذا ما الليل أرخى سدوله ... وطال مطال الصبح والقول لا يجدي
ألا ليت شعري هل أرى الصبح طالعا ... بوجهك لي أفديه من طالع سعد
وإن جل ذاك الوجه عن قدر مهجتي ... فليس على العبد الضعيف سوى الجهد
لو كنت أعطى ما أشاء من المنى ... لما كنت تمشي قط إلا على خدي
وقوله أيضاً:
وما زهرات الروض باكرها الندى ... ولا البدر فيما بين أنجمه الزهر
بأحسن من سعدى إذا ما تبسمت ... بياقوت فيها عن نظام من الدر
ومن المرقص قول الشريف أبي محمد الحسن بن أبي الضوء العلوي الحسيني من قصيدة يرثي بها النقيب الطاهر أبا عبيد الله:
أحملاني إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان
هكذا عزا هذين البيتين العماد الكاتب في الخريدة للشريف.
قال المؤلف: ووقفت في كتاب الأذكياء للشيخ أبي الفرج بن الجوزي على حكاية تنافي كون البيتين المذكورين للشريف أبي محمد المذكور. وصورة الحكاية: قال: بلغني عن بعض أصحاب المبرد أنه قال: انصرفت من مجلس المبرد فعبرت على خربة, فإذا أنا بشيخ قد خرج منها وفي يده حجر, فهم أن يرميني به, فتسترت بالمحبرة والدفتر. فقال لي: مرحبا بالشيخ, فقلت: وبك, فقال لي: من أين أقبلت؟ فقلت: من مجلس المبرد, قال: البارد, ثم قال: ما الذي أنشدكم وكان عادته أن يختم مجلسه ببيت وببيتين؟ فقلت: أنشدنا:
أعار الغيث نائله ... إذا ما ماؤه نفدا
وأن أسد شكا جبنا ... أعار فؤاده الأسدا
فقال أخطأ قائل هذا الشعر. قلت كيف؟ قال: ألا يعلم أنه إذا أعار الغيث نائله بقي بلا نائل, وإذا أعار الأسد فؤاده بقي بلا فؤاد؟ هلا قال مثل هذا.
وأنشد:
علم الغيث نداه فإذا ... ما وعاه علم البأس الأسد
فله الغيث مقر بالندى ... وله الليث مقر بالجلد
فكتبتهما عنه وانصرفت. ثم مررت به بعد أيام, وإذا به قد خرج وبيده حجر, فكاد أن يرميني به ثم ضحك وقال مرحبا بالشيخ, أتيت من مجلس المبرد؟ فقلت نعم, فقال: ما الذي أنشدكم؟ فقلت: أنشدنا:
стр. 300
إن السماحة والمروة ضمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح
فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الجياد وكل طرف سابح
فقال لي: أخطأ قائل هذا الشعر, فقلت: كيف؟ قال: ويحك لو نحر نجب خراسان ما أثر في حقه, هلا قال مثل هذا.
وأنشد:
احملاني إن لم يكن لكما عق ... ر إلى جنب قبره فاعقراني
وافضحا من دمي عليه فقد كا ... ن دمي من نداه لو تعلمان
فلما عدت إلى المبرد قصصت عليه القصة فقال لي: تعرفه؟ قلت: لا, قال: ذاك خالد الكاتب, تأخذه السوداء أيام الباذنجان. انتهى قلت: إن صحت هذه الحكاية, بطل نسبة البيتين المذكورين إلى السيد أبي محمد المذكور, لأن المبرد توفي سنة خمس وقيل ست وثمانين ومائتين ووفاة الشريف أبي محمد المذكور على ما أرخه العماد الكاتب في الخريدة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة, فيتعين نظم البيتين المذكورين قبل وجوده بمدة مديدة والله أعلم.
ومن المرقص أيضاً قول السيد شيخ الشرف تاج الدين محمد بن القاسم بن معيد الحسيني:
لا وما قد ضمه مر ... طك من غصن رطيب
ما حوى رمان نهدي ... ك سوى حب القلوب
وقول الشريف ضياء الدين ابي عبد الله زيد بن محمد بن عبيد الله الحسيني نقيب العلويين بالموصل:
قالوا سلا صدقوا عن السلوان ليس عن الحبيب
قالوا فلم ترك الزيا ... رة قلت من خوف الرقيب
قالوا فكيف يعيش مع ... هذا فقلت من العجيب
وأنشدني شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي للسيد أحمد الصفوي الشامي من شعراء العصر:
صه يا حمام فلست المشوق ... ولا بات حالك فيها كحالي
فمن من تباكى كمن قد بكى ... ودمع الأسى غير دمع الدلال
وهو من مهيار الديلمي:
أبكي وتبكي غير أن الأسى ... دموعه غير دموع الدلال
ومما وقع لي أنا في هذا الباب قولي:
على ما حاديهم لو كان عاجا ... فقضى حين مضى للصب حاجا
ظعنوا والقلب يقفوا إثرهم ... تبع العيس بكورا وأدلاجا
سلكوا من بطن فج سبلا ... لا عدا صوب الحيات تلك الفجاجا
هم أرقوا بنواهم أدمعي ... وأهاجوا لاعج الوجد فهاجا
كم أداجي في هواهم كاشحا ... أعجز الكتمان من حب فداجى
وعذولا يظهر النصح بهم ... فإذا نهنهته زاد لجاجا
طارحتني الورق فيهم شجنا ... والصبا أوجت شجى والبرق ناجى
يا بريقا لاح من حيهم ... يصدع الجو ضياء وابتلاجا
أنت جددت بتذكارهم ... للحشا وجدا وللطرف اختلاجا
هات فاشرح لي أحاديهم ... إنها كانت لما تشكو علاجا
علها تبرئ وجدا كامنا ... كلما عالجته زاد اعتلاجا
ما لقلبي والصبا ويح الصبا ... كلما مرت به زاد اهتياجا
خطرت سكرى بريا نشرهم ... وتحلت منهم عقدا وتاجا
يحسد الروض شذاها سحرا ... فترى الأغصان سرا تتناجى
آه من قوم سقوني في الهوى ... صرف حب لم أذق معه مزاجا
خلفوا جسمي وقلبي معهم ... كيفما عاجت حداة العيس عاجا
أتراهم علموا كيف دجا ... مربع كانوا لناديه سراجا
أم دروا أنا ودنا بعدهم ... سائغ العذب من البلوى أجاجا
وهم غاية آمالي وهم ... سار في الحب بهم ذكري فراجا
لا عراهم حادث الدهر ولا ... برحت أيامهم تبدي ابتهاجا
وقولي أيضاً:
يا دار مية باللوى فالأجرع ... حياك منهمل الحيا من أدمعي
وسرى نسيم الروض يسحب ذيله ... بمصيف أنس من حماك ومربع
لو لم تبيتي من أنيسك بلقعا ... ما بت أندب كل دار بلقع
لم أنس عهدي والأحبة جيرة ... والعيش صفو في ثراك الممرع
أيام لا أصغي للومة لائم ... سمعاً وأن تعر الصبابة أسمع
حيث الربى تسري برياها الصبا ... والروض زاهي النور عذب المشرع
تحنو علي عواطفا أفنانه ... عند المبيت به حنو المرضع
والورق في عذب الغصون سواجع ... تشد وبمرأى من سعاد ومسمع
كم بت فيه صريع كأس مدامة ... حلف البطالة لا أفيق ولا أعي
أصبو بقلب لا يزال موزعا ... في الحب بين معمم ومقنع
مستهترا طوع الصبابة في هوى ... قمري جمال مسفر ومبرقع
стр. 301
ما ساءني أن كنت أول مغرم ... بجمال رب ردا وربة برقع
يقتادني زهو الشباب وعفتي ... فيه عفاف الناسك المتورع
لله أيامي بمنعرج اللوى ... حيث الهوى طوعي ومن أهوى معي
لم أنسه والبين ينعق بيننا ... متصاعد الزفرات وهو مودعي
إن شب في قلبي الغضا بفراقه ... فلقد ثوى بالمنحى من أضلعي
أتجشم السلوان تكلفا ... والطبع يغلب شيمة المتطبع
وقولي أيضاً:
طاب نشر الصبا ووقت الصباح ... وزمان الصبا ووصل الصباح
فاسقني الراح يا نديمي ودعني ... أتلهى ما بين روح وراح
ما ترى الروض مذ بكى الغيم فيها ... كيف يضحكن عن ثغور الأقاح
وقد وفى لي الربيع منه بشرطي ... وضماني عليه حسب اقتراحي
برح اليوم عن هواي خفاه ... ما لقلبي عن الهوى من براح
فاسقنيها وداو قرح فؤادي ... واجتنب مزجها بماء قراح
ذات لون كأنما اعتصروها ... من جنى الورد أو خدود الملاح
اغتنم بهجة الربيع وقض ... باقتراحي ليالي الأفراح
مرحبا بالربيع والقصف وال ... عزف وحث الكؤوس والأقداح
إن يكن للخليع فيك اصطباح ... يا صاحبي فذا أوان اصطباحي
وقولي أيضاً:
من أين يا ريح الصبا هذا الشذا ... إن كان من حي الحبيب فحبذا
بالله هل يممت شرقي الحمى ... ووردت منهله المصون عن القذى
أم هل حظيت بلثم مسحب برده ... فسكبت من أنفاسه طيب الشذا
وبمهجتي إن كان يرضاها فدا ... رشأ على كل القلوب استحوذا
لما رأت منه المحيا عذلي ... فداه كل بالنفوس وعوذا
وعدا يقول مكلفي بسلوه ... ما كنت أحسب من كفلت به كذا
لما جلا ياقوت صفحة خده ... أبدى لنا من عارضيه زمرذا
ورمى القلوب فكان سهم لحاظه ... أمضى من السهم المصيب وأنفذا
ليت الذي أروى بقلبي حبه ... أنجاه من نار الصدود وأنقذا
وعلى جفاه فما ألذ غرامه ... لو كنت أسلم في هواه من الأذى
ظن العذول بأن هداني نصحه ... بعد الضلال وما هدى لكن هذى
وقول أبي نواس وهو أول ما قاله من الشعر وهو صبي:
حامل الهوى تعب ... يستخفه الطرب
إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب
تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب
تعجبين من سقمي ... صحتي هي العجب
وقوله يخاطب الأمين وكان قد سخط عليه وحبسه:
بك أستجير من الردى ... متعوذا من سطو باسك
وحياة رأسك لا أعو ... د لمثلها وحياة رأسك
من ذا يكون أبا نواس ... ك أن قتلت أبا نواسك
وقول إسحاق الموصلي:
سلام على سير القلاص مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام وإن لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
لعمري لئن حلئت عن منهل الصبا ... لقد كنت وراداً لمشربه العذب
ليالي أمسي بين بردي لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب
ومن المطرب قول البحتري:
ألام على هواك وليس عدلا ... إذا أحببت مثلك أن ألاما
لقد حرمت من وصلي حلالا ... وقد حللت هجري حراما
تناءت درة علوة بعد قرب ... فهل ركب يبلغها السلاما
وجدد طيفها عتبا علينا ... فما يعتادنا إلا لماما
وربة ليلة قد بت أسقي ... بعينيها وكفيها مداما
قطعنا الليل لثما واعتناقا ... وأفنيناه ضما والتزاما
وقد علمت بأني لم أضيع ... لها عهدا ولم أفخر ذماما
ومن مديحه المرقص قوله من قصيدة يمدح بها المتوكل ويذكر خروجه لصلاة عيد الفطر:
بالبر صمت وأنت أفضل صائم ... وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بيوم الفطر عيدا أنه ... يوم أغر من الزمان مشهر
أظهرت عز الملك فيه بجحفل ... لجب يحاط الدين فيه وينصر
خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت ... عدداً يسيرا بها العديد الأكثر
فالخيل تصهل والفوارس تدعي ... والبيض تلمع والأسنة تزهر
والأرض خاشعة تميد بثقلها ... والجو متعكر الجوانب أغبر
حتى طلعت بضوء وجهك فانجلى ... ذاك الدجى وأنجاب عنه العثير
стр. 302
وافتن فيك الناظرون فأصبع ... يومي إليك بها وعين تنظر
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا ... لما طلعت من الصفوف وكبروا
حتى انتهيت إلى المصلى لابسا ... نور الهدى يبدو عليك ويظهر
فلو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
أيدت من فصل الخطاب بحكمة ... تنبي عن الحق المبين وتخبر
ووقفت في برد النبي مذكرا ... بالله تنذر تارة وتبشر
سبحان الله ما أشرف هذا الكلام, وانهج هذا النظام, وهذا هو السحر الحلال على الحقيقة, والسهل الممتنع. فلله دره ما أسلس قياده, وأعذب ألفاظه, وأحسن سبكه, وألطف مقاصده, وبحق ما قال أبو العلاء المعري وقد سئل, أي الثلاثة أشعر, أبو تمام أم البحتري أم المتنبي؟ فقال: حكيمان والشاعر البحتري. وكان يقال لشعره سلاسل الذهب. ومع شهرة ديوانه فلا حاجة إلى الإكثار منه.
ومن الغايات في باب الانسجام قول علي بن الجهم يمدح المتوكل أيضاً:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث ندري ولا ندري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن ... سلوت ولكن زدن جمرا على جمر
سلمن وأسلمن القلوب كأنما ... تشك بأطراف المثقفة السمر
خليلي ما أحلى الهوى وأمره ... وأعرفني بالحلو منه وبالمر
كفى بالهوى شغلا وبالشيب زاجرا ... لو أن الهوى مما ينهنه بالزجر
بما بيننا من حرمة هل علمتما ... أرق من الشكوى وأقسى من الهجر
وأفضح من عين المحب لسره ... ولاسيما أن أطلقت عبرة تجري
وما أنس من الأشياء لا أنس قولها ... لجارتها ما أولع الحب بالحر
فقالت لها الأخرى فما لصديقنا ... معنى وه في قتله لك من عذر
صليه لعل الوصل يحييه وأعلمي ... بأن أسير الحب في أعظم الأسر
فقالت أذود الناس عنه وقلما ... يطيب الهوى إلا لمهنتك الستر
وأيقنا أن قد سمعت فقالتا ... من الطارق المصغي إلينا وما ندري
فقلت فتى أن شئتما كتم الهوى ... وإلا فخلاع الأعنة والعذر
على أنه يشكو ظلوما وبخلها ... عليه بتسليم البشاشة والبشر
فقالت هجينا قلت قد كان بعض ما ... ذكرت لعل الشر يدفع بالشر
فقالت كأني بالقوافي سوائرا ... يردن بنا مصرا ويصدرن عن مصر
فقلت أسأت الظن بي لست شاعرا ... وإن كان أحيانا يجيش به صدري
وما أنا ممن سار بالشعر ذكره ... ولكن أشعاري يسير بها ذكري
وللشعر أتباع كثير ولم أكن ... له تابعا في حال عسر ولا يسر
ولكن إحسان الخليفة جعفر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر
ولو جل عن شكر الصنيعة منعم ... لجل أمير المؤمنين عن الشكر
ومن قال إن البحر والقطر أشبها ... نداه فقد أثنى على القطر والبحر
ومن المطرب قول ابن الرومي:
يا شبابي وأين منى شبابي ... آذنتني أيامه بانقضاب
لهف نفسي على نعيمي ولهوي ... تحت أفنانه اللدن الرطاب
ومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب الأتراب والأصحاب
قلت لما انتحى يعد أناساً ... من مصاب شبابه فمصاب
ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به وما بي ما بي
ومن الغايات التي لا تدرك قول موسى بن عبد الملك الاصبهاني:
لما وردنا القادسي ... ة حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أحب ... بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقا ... ء كما بكيت من الفراق
لم يبق لي إلا تجش ... م هذه السبع البواقي
حتى يطول حديثنا ... بصفات ما كنا نلاقي
القادسية بفتح القاف بعد الألف دال مهملة وياء مثناة من تحتها: قرية فوق الكوفة, مر بها إبراهيم الخليل ﵇ فوجد بها عجوزاً, فغسلت رأسه فقال: قدست من أرض, فسميت بالقادسية, ودعا لها أن تكون محلة الحاج, فلم تزل كذلك.
стр. 303
وأنت إذا انتهيت في هذا الباب إلى قصيدة الأديب محمد بن زريق الكاتب البغدادي انتهي إلى ما يسكر بلا شراب, ويطرب بلا سماع. وقد عن لي إثباتها هنا برمتها على طولها, لئلا يخلو هذا المجموع منها, وهي:
لا تعذليه فإن العذل يولعه ... قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حد أضر به ... من حيث قدرت أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا ... من عنفه فهو مضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعا بالخطب يحمله ... فضلعت بخطوب البين أضلعه
يكفيه من لوعة التفنيد أن له ... من النوى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأي إلى سفر بالرغم يجمعه
كأنما هو من حل ومرتحل ... موكل بفضاء الأرض يذرعه
إذا الزماع أراه في الرحيل غنى ... ولوالى السند أضحى وهو مزمعه
يأبى المطامع إلا أن تجشمه ... للرزق كدحا وكم ممن يودعه
وما مجاهدة الإنسان توصله ... زرقا ولا دعة الإنسان تقطعه
والله قسم بين الخلق رزقهم ... لم يخلق الله مخلوقا يضيعه
لكنهم ملئوا حرصا فلست ترى ... مسترزقا وسوى الغايات تقنعه
والسعي في الرزق قد قسمت ... بغي ألا إن بغي المرء يصرعه
والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه ... يوما ويمنعه من حيث يطعمه
أستودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
ودعته وبودي لو يودعني ... صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشفع بي أن لا أفارقه: وللضرورات حال لا تشفعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى ... وأدمعي مستهلات وأدمعه
لا أكذب الله ثوب العذر منخرق ... عني بفرقته لكن أرفعه
إني أوسع عذري في خيانته ... بالبين عنه وقلبي لا يوسعه
أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه
ومن عدا لابسا ثوب النعيم بلا ... شكر الإله فعنه الله ينزعه
اعتضت عن وجه خلي بعد فرقته ... كأسا أجرع منها ما أجرعه
كم قائل لي ذنب البين قلت له ... ألذنب الله ذنبي لست أدفعه
هلا أقمت فكان الرشد أجمعه ... لو أنني يوم بان الرشد أتبعه
إني لأقطع أيامي وانفدها ... بحسرة منه في قلبي تقطعه
بمن إذا هجع النوام بت له ... بلوعة مني ليلي لست أهجعه
لا يطمئن لجنبي مضجع كذا ... لا يطمئن له مذ بنت مضجعه
بالله يا منزل القصف الذي درست ... آثاره وعفت مذ غبت أربعه
هل الزمان معيد فيك لذتنا ... أم الليالي التي أمضته ترجعه
في ذمة الله من أصبحت منزله ... وجاد غيث على مغناك يمرعه
من عنده لي عهد لا يضيعه ... كما له عهد صدق لا أضيعه
ومن يصدع قلبي ذكره وإذا ... جرى على قلبه ذكري يصدعه
لا صبرن لدهر لا يمتعني ... به ولا بي في حال يمتعه
علما بأن اصطباري معقب فرجا ... وأضيق الأمر أن فكرت أوسعه
عل الليالي التي أضنت بفرقتنا ... جسمي ستجمعني يوما وتجمعه
وأن تنل أحدا منا منيته ... فما الذي بقضاء الله يصنعه
ومن بديعه المطرب قول أبي الطيب المتنبي من قصيدة في سيف الدولة ﵀:
وقد طرقت فتاة الحي مرتديا ... بصاحب غير عزهاة ولا غزل
فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل
ثم اغتدى وبه من ردعها اثر ... على ذوائبه والجفن والخلل
لا أكسب الذكر إلا من مضاربه ... أو من سنان أصم الكعب معتدل
جاد الأمير به لي في مواهبه ... فزانها وكساني الدرع في الحلل
ومن علي بن عبد الله معفتي ... بحمله من كعبد الله أو كعلي
معطي الكواعب والجرد السلاهب ... والبيض القواضب والعسالة الذبل
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك ... ملء الزمان وملء السهل والجبل
فنحن في جذل الروم في وجل ... والبر في شغل البحر في خجل
من تغلب الغالبين الناس منصبه ... ومن عدي أعادي الجبن والبخل
والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده ... بالجاهلية عين العي والخطل
стр. 304
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع ما قد سمت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل
ومن المطرب المرقص قول أبي محمد عبد الرزاق بن الحسين المعروف بابن أبي الثياب البغدادي اللغوي المنطقي, من قصيدة في الوزير ابن العميد الكاتب:
برح اشتياق وادكار ... ولهيب أنفاس حرار
ومدامع عبراتها ... ترفض عن نوم مطار
لله قلبي ما يجن ... من الهموم وما يواري
لقد انقضى سكر الشباب ... وما انقضى وصب الخمار
وكبرت عن وصل الصغا ... ر وما سلوت عن الكبار
سقيا لتغليسي إلى ... باب الرصابة وابتكاري
أيام أخطر في الصبا ... نشوان مسحوب الأزار
حجي إلى حجر الصراة ... وفي حدائقها اعتماري
ومواطن اللذات أوطا ... ني ودار اللهو داري
لم يبق لي عيش يلذ ... سوى معاقرة العقار
حثا بألحان قمرت ... بهن ألحان القماري
وإذا استهل ابن العميد ... تضاحكت ديم القطار
خرق صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النضار
كان عضد الدولة يقول: إذا رأيت السلامي في مجلسي ظننت أن عطارد أنزل من الفلك إلي ووقف بين يدي. ومن شعر السلامي قوله:
فسمونا والفجر يضحك في الشر ... ق إلينا مبشرا بالصباح
والثرايا كراية أو كجام ... أو بنان أو طائر أو وشاح
وكأن النجوم في يد ساق ... تتهادى تهادي الأقداح
وجمعنا بين اللواحظ والرا ... ح وبين الخدود والتفاح
وشممنا بنفسج الصدغ حتى ... طالعتنا من الثغور الأقاحي
زمن فات بين لهو وشرب ... وغناء وراحة وارتياح
ولعمري ما كذب حيث يقول في قصيدة من شعره:
كلما أنشدت شهدت بأن ال ... شعر أمر مسلم للسلامي
ومن المطرب المرقص أيضاً قول عبد الصمد بن بابك من قصيدة:
وأغيد معسول الشمائل زارني ... على فرق والنجم حيران طالع
فلما جلا صبغ الدجى قلت حاجب ... من الصبح أو قرن من الشمس لامع
إلى أن دنا والسحر رائد طرفه ... كما ريع ظبي بالصريمة راتع
فنازعته الصهباء والليل دامس ... رقيق حواشي البرد والنسر واقع
عقار عليها من دم الصب نقطة ... ومن عبرات المستهام فواقع
تدير إذا شجت عيونا كأنها ... عيون العذارى شق عنها البراقع
معودة غصب العقول كأنما ... لها عند ألباب الرجال ودائع
تحير دمع المزج في كأسها كما ... تحير في ورد الخدود المدامع
فبتنا وظل الوصل باد وسرنا ... مصون ومكتوم الصبابة ذائع
إلى أن سلاعن ورده فارط القطا ... ولاذت بأطراف الغصون السواجع
وقول محمد بن أحمد الرستمي من قصيدة يمدح بها الصاحب ابن عباد:
سلام على رمل الحمى عدد الرمل ... وقل له التسليم من عاشق مثلي
وقفت وقوف الغيث بين طلوله ... بمنسكب سح ومنسجم وبل
وما حلت حتى خالني الريم رمة ... كأن لم يقف في دمنة أحد من قبلي
ومما شجاني والعواذل وقف ... ولي أذن صمت هناك عن العذل
ظباء سرت بالأبطحين عواطلا ... وكنت أراها في الرعاث وفي الحجل
تبدلن أسماء سوى ما عرفتها ... لهن مما تدعى بسعدى ولاجمل
تشابهن أحداقا وطول سوالف ... وخص الغواني بالملاحة والدل
ومكحولة الأجفان مخضوبة الشوى ... ولم تدر ما لون الخضاب من الكحل
ذكرت بها من لست أنسى دنوها ... وإن بعدت والشيء بالشيء يذكر بالمثل
سقى الدمع مغنى الوائلية بالحمى ... سواجم تغني جانبيه عن المحل
ولا برحت عيني تنوب عن الحيا ... بدمع على تلك المناهل منهل
مغاني الغواني والشبيبة والصبا ... ومأوى الموالي والعشيرة والأهل
ليالي لا روض الكثيب بلا ندى ... ولا شجرات الأبرقين بلا ظل
وما كان يخلو أبرق الحزن من هوى ... ولكنني أمسي بغير الهوى شغلي
وقول القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني:
يا نسيم الجنوب بالله بلغ ... ما يقول المتيم المستهام
стр. 305
قل لأحبابنا فداكم فؤاد ... ليس يسلو ومقلة لا تنام
بنتم فالسهاد عندي رقاد ... مذنأ يتم والعيش عندي حمام
فعلى الكرخ فالقطيعة فالشط فباب الشعير مني السلام
يا ديار السرور لا زال يبكي ... بك في مضحك الرياض غمام
رب عيش صحبته فيك غض ... وجفون الخطوب عني نيام
في ليال كأنهن أمان ... من زمان كأنه أحلام
وكأن الأوقات فيها كؤوس ... دائرات وأنسهن مدام
زمن مسعد والفٌ وصولٌ ... ومنى تستلذها الأوهام
كل أنس ولذة وسرور ... قبل لقياكم علي حرام
وقوله:
قد برح الحب بمشتاقك ... فأوله أحسن أخلاقك
لا تجفه وأروع له حقه ... فإنه خاتم عشاقك
وقوله:
مالي ومالك يا فراق ... أبدا رحيل وانطلاق
يا نفس موتي بعدهم ... فكذا يكون الاشتياق
ومن المرقص أيضاً قول القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي:
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار
هواء لكنه ساكن ... وماء ولكنه غير جار
كأن المدير لها باليمين ... إذا مال للسقي أو باليسار
تدرع ثوبا من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار
هكذا أورد هذه الأبيات الثعالبي في يتيمة الدهر.
وحكى أبو محمد الحسن بن عسكر الصولي الواسطي قال: كنت ببغداد في سنة أحدى وعشرين وخمسمائة جالساً على دكة بباب أبرز للفرجة, إذ جاء ثلاث نسوة جلسن إلى جانبي فأنشدت متمثلا:
هواء ولكنه راكد ... وماء ولكنه غير جار
وسكت فقالت إحداهن: هل تحفظ لهذا البيت تماما؟ فقلت: وما أحفظ سواه, فقالت: أن أنشدك أحد تمامه وما قبله ماذا تعطيه؟ فقلت: ليس لي شيء أعطيه, ولكني أقبل فاه. فأنشدتني الأبيات المذكورة, وزادت بعد البيت الأول:
إذا ما تأملته وهي فيه ... تأملت ماء محيطا بنار
فهذه النهاية في الابيضاض ... وهذا النهاية في الاحمرار
فحفظت الأبيات منها, فقالت لي: أين الوعد؟ - يعني التقبيل - أرادت مداعبة بذلك والله أعلم ومن المطرب قول أبي القاسم نصر الخبز أرزي:
جيرة فرقتهم غربة البين وبين القلوب وذاك الجوار
كم أناس رعوا لنا حين غابوا ... وأناس جفوا وهو حضار
عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا
لا تلمهم على التجني فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذار
ومن المرقص قول بديع الزمان الهمداني:
طربا فقد رق الظلا ... م ولاح مصباح الصباح
وسرى إلى القلب العلي ... ل عليل أنفاس الرياح
ومليحة ترنو بنرجسة وتبسم عن أقاح
تشدو كل غنائها ... برد على نيل اقتراحي
قامت وقد برد الحيل تميس في ثني الوشاح
يا ليل هل لك من صبا ... ح أم لنجمك من براح
سأريق ماء شبيبتي ... ما بين ريحاني وراحي
فيم العتاب ولا لهم ... غيي ولا لهم صلاحي
ولعاذلاتي في المليحة عاذلاتك في السماح
وهواي للبيض الصبا ... ح هواك للبيض الصفاح
وولوع كفي بالقداح ... ولوع كفك بالرماح
وعليك إدمان الندى ... وعلي إدمان امتداحي
وقوله من أخرى في السلطان محمود بن سبكتكين:
تعالى الله ما شاء ... وزاد الله إيماني
أأفريدون في التاج ... أم الإسكندر الثاني
أم الرجعة قد عادت ... إلينا بسليمان
أظلت شمس محمود ... على أنجم سامان
وأمسى آل بهرام ... عبيدا لابن خاقان
إذا ما ركب الفيل ... لحرب أو لميدان
رأت عيناك سلطان ... على منكب شيطان
فمن واسطة الهند ... إلى ساحة جرجان
ومن ناحية السند ... إلى أقصى خرسان
على مقتبل العمر ... وفي مفتتح الشان
لك السرج إذا شئت ... على كاهل كيوان
يمين الدولة العقبى ... لبغداد وغمدان
وما يقعد بالمغرب ... عن طاعتك اثنان
إذا شئت ففي يمن ... وفي أمن وإيمان
لما رأيت الزمان نكسا ... ليس في العشرة انتفاع
كل رئيس به ملال ... وكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضا ... به عن الذلة امتناع
стр. 306
أشرب مما اقتنيت راحا ... لها على راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامى ... ومن قراقيرها سماع
وأجتني من عقول قوم ... قد أقفرت منهم البقاع
ومنه قول أبي الحسن علي بن أحمد الجوهري من قصيدة أولها:
يا سقيط الندى على الأقحوان ... شأنك الآن في الصبوح وشاني
أنت ذكرتني دموعي وقد صو ... بن بين العتاب والهجران
إن يكن للخليع فيك أوان ... ينقضي بالمنى فهذا أواني
سحر مدنف وجو عليل ... ومليح يميل كالنشوان
صاح إن الزمان أقصر عمرا ... أن تراع المنى بصرف الزمان
رق عنا الملاحف الجو فانهض ... برقيق من صوب تلك الدنان
قهوة عقها ... النواظر لما
حسبتها عصارة العقيان
كعصير الخدود في يقق الأو ... جه أو كالدموع في الأجفان
وقول هبة الله بن المنجم:
شكا إليك ما وجد ... من خانه فيك الجلد
حيران لو شئت اهتدى ... ظمآن لو شئت ورد
يا أيها الظبي الذي ... ألحاظه تردي الأسد
أما لأسراك فدى ... أما لقتلاك قود
الراح في إبريقها ... أحسن روح في جسد
فهاتها نصلح بها ... من الزمان ما فسد
ولقد طال بنا الشرح في هذا الباب, وخرجنا عن حد الاختصار الذي هو شرط الكتاب. ولكن لذ نوع الانسجام للسان القلم, فأورد منه ما هو أحلى من ظلم الحبيب وما ظلم.
ومن تأمل ما أوردته, وما أورده ابن حجة في هذا المقام, علم أن الرشح ليس كالانسجام. فإنه لم يورد إلا ما نبت العين عن أخلاق جدته, وبلي بردته, ومج السمع لمردداته, ومل القلب من مكرراته. ولم أورد إلا كل مستطرف مستبدع, أودعه قائله من الحسن ما أودع. وفي أنصاف أولي الألباب والأذهان ما يغني عن إثبات الحجة, وإقامة البرهان (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) وبيت بديعة صفي الدين قوله:
فذكره قد أتى في هل أتى وسبا ... وفضله ظاهر في نون والقلم
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعة الموصلي قوله:
بأن انسجام كلام منزل عجب ... يهدي ويخبرنا عن سالف الأمم
وبيت بديعة ابن حجة قوله:
لذ انسجام دموعي في مدائحه ... بالله شنف بها يا طيب النغم
وبديعة المقري قوله:
مستكثر من أياد يستقل بها ... فخرا ومن خلق زاك ومن شيم
وبيت بديعة السيوطي قوله:
دعا وقد عم جدب الأرض فانتشأت ... في الحال سحب نعيم أي منسجم
وبيت بديعة العلوي قوله:
حاز الفخار فلا ند يعانده ... وكل فخر سوى ما فيه كالعدم
وبيت بديعة الطبري قوله:
ولانسجام مديحي في فضائله ... بيان منزلة للغير لم ترم
وبيت بديعتي قولي:
أوصافه انسجمت للذاكرين لها ... في هل أتى في سبا في نون القلم
تناسب الأطراف
فاسمع تناسب أطراف المديح له ... وأفهم معانيه إن كنت ذا فهم
تناسب الأطراف - عبارة عن أن يبتدئ المتكلم كلامه بمعنى, ثم يختمه بما يتناسب ذلك المعنى الذي ابتدأ به, وهذا النوع جعله الخطيب في التلخيص والإيضاح من مراعاة النظير. قال: ومن مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الأطراف, وهو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى. انتهى.
وقد علمت أن الشيخ زكي الدين بن أبي الإصبع نقل هذا الاسم وهو تشابه الأطراف إلى نوع التسبيغ الذي هو عبارة عن أن يعيد الشاعر لفظة القافية في أول البيت الذي يليها, فتكون الأطراف متشابهة, وهي تسمية مطابقة للمسمى. وسمى بعضهم هذا النوع تشابه الأطراف المعنوي, وهو تطويل في العبارة, فرأينا نحن تسميته بتناسب الأطراف أولى لمطابقته لمسماه وهو نوعان, ظاهر وخفي
стр. 307
فالأول - نحو قوله تعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) فإن اللطيف يناسبه كونه غير مدرك بالأبصار, والخبير يناسب كونه مدركاً للأشياء, لأن المدرك للشيء يكون خبيرا. وقوله تعالى (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون. أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) فقوله (أفلا يسمعون) في ختام الآية الأولى يناسب قوله سبحانه في أولها (أو لم يهد لهم) لأن الموعظة سمعية, وقوله سبحانه في ختام الثانية (أفلا يبصرون) يناسب قوله في أولها (أو لم يروا) لأن الموعظة بصرية.
ومنه ما روي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ (فغن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله - غفور رحيم بدل - عزيزي حكيم) ولم يكن الإعرابي يقرأ القرآن فقال: إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا, لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل, إنه إغراء عليه. فظهر أن المناسب ما عليه التلاوة.
والثاني - كقوله تعالى (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) . فإن قوله (وإن تغفر لهم) يوهم أن الفاصلة, الغفور الرحيم, ولكن إذا أمعن وأنعم النظر علم أنه يجب أن تكون على ما عليه التلاوة, لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه, فهو العزيز الحكيم.
وفي صفاته تعالى, وهو الغالب, من قولهم: عزه يعزه: إذا غلبه, ومنه المثل (من عزَّ بزَّ) أي من غلب سلب, ووجب أن يوصف بالحكيم أيضاً لأن الحكيم من يضع الشيء في محله, والله تعالى كذلك, فكان في الإتيان به احتراس لئلا يتوهم أن الغفران لهم مع استحقاق العذاب خارج عن الحكمة, أي أن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا اعتراض لأحد عليك في ذلك والحكمة فيما فعلته.
إذا عرفت ذلك فبيت بديعتي المذكور من النوع الأول من تناسب الأطراف, وهو الظاهر. فإن قولنا في صدر البيت (فاسمع تناسب أطراف المديح له) يناسب قولنا في عجزه (وأفهم معانيه إن كنت ذا فهم) . لأن من سمع شيئاً يلزمه فهمه, فالمناسبة ظاهرة. والفهم بتحريك الهاء أفصح من الفهم بسكونها, كما نص عليه في القاموس, والله أعلم.
ائتلاف المعنى مع المعنى
معظم بائتلاف المعنيين له ... من عفو مقتدر أو عز منتقم
هذا النوع أيضاً قسم من المناسبة المعنوية وهو قسمان: أحدهما - أن يشتمل الكلام على معنى يصح معه معنيان أحدهما ملائم له بحسب نظر دقيق, والآخر ليس كذلك, فيقرن بالملائم.
كقول أبي الطيب:
فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل
فان الكدري وهو ضرب من القطا من طير السهل؛ والعرب بلادها المفاوز؛ فقارن بينهما لمكان هذه الملائمة الدقيقة؛ والحجل من طير الجبل والروم بلادها الجبال, فقارن بينهما لهذا التناسب الدقيق. والمعنى: أن العرب تفر منه مع القطا في السهل, والروم تفر منه مع الحجل في الجبال. قال الطيبي: وعليه قول تعالى (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم) . ناسبت هذه التوبة لفظة الباري دون غيره من الأسماء, لأن الباري هو الذي خلقهم بريئا من التفاوت, وهي نعمة جسيمة, وكان من حق الشكر أن يخصوه بالعبادة, فلما عكسوا وقابلوها بالكفران حيث عبدوا مالا تميز له أصلاً استردت منهم تلك النعمة بالقتل والانفكاك عن الحياة.
وثانيهما - أن يشتمل الكلام على معنى له ملائمان, يصح أن يقرن كل منهما به, لكن يختار الأحسن منهما, وما لاقترانه به مزية على الآخر فيقرن بذلك المعنى.
كقول أبي الطيب أيضاً:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك ضحاك وثغرك باسم
стр. 308
فإن عجز كل من البيتين يلائم كلا من الصدرين, ولكنه أختار ذلك الترتيب لأمرين, أحدهما أن قوله (كأنك في جفن الردى وهو نائم) مسوق لتمثيل السلامة في مقام العطب, فجعله مقررا للوقوف والبقاء في موضع يقطع على صاحبه بالهلاك, أنسب من جعله مقررا لثباته في حال مرور الأبطال به مهزومة. وثانيهما أن في تأخير قوله (ووجهك وضاح وثغرك باسم) تتميما للوصف, وتفريعاً على الأصل, اللذين يفوتان بالتقديم. فالوصف هو ثباته في الحرب, والتتميم هو أن ثباته في الحرب لاحتقاره كل خطب عظيم كما يفيده وضاحة الوجه, وتبسم الثغر في ذلك الموقف, لا لضرورة فقدان المهرب. والتفريع على الأصل هو أن وضاحة وجهه وابتسام ثغره عند مرور الأبطال مكلومين مهزومين فرع ثباته في الحرب, حين لاشك لواقف في الموت, والردى محيط به من جميع الجوانب ثم أنه يسلم منه.
ونظيره في الكتاب العزيز قوله تعالى (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) فإن لم يراع فيه مناسبة الري للشبع, والاستظلال للبس, بل روعيت المناسبة بين اللبس والشبع في عدم الاستغناء عنهما وأنهما من أصول النعمة, وبين الاستظلال والري في كونهما تابعين لهما, ومكحلين لمنافعهما, وهذا أدخل في الامتنان, لما في تقديم أصول النعم وارداف التوابع من الاستيعاب.
حكى الثعالبي في يتيمة الدهر قال: استنشد سيف الدولة أبا الطيب المتنبي يوما قصيدته التي أولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
وكان معجباً بها, كثير الاستعادة لها, فاندفع أبو الطيب ينشدها, فلما بلغ قوله فيها (وقفت وما في الموت شك لواقف) - البيتين - قال له سيف الدولة: لقد انتقدنا عليك هذين البيتين كما انتقد على امرئ القيس بيتاه وهما:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما لا يلتئم شطرا هذين البيتين. كان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الرزق الروي للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال
ولك أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فقال: أيد الله مولانا, إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا كان أعلم بالشعر منه, فقد أخطأ امرئ القيس, وأخطأت أنا. ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز معرفة الحائك, لأن البزاز يعرف جملته وتفاريقه, لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية, وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد, وقرن السماحة في شرب الخمر للاتصاف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنا لما ذكرت الموت في أول البيت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه, ولما كان وجه الجريح المهزوم لا يخلو من أن يكون عبوسا, وعينه من أن تكون باكية قلت (ووجهك وضاح وثغرك باسم) لأجمع بين الأضداد في المعنى وأن لم يتسع اللفظ لجميعها. فأعجب سيف الدولة بقوله, وأجازه بخمسين دينارا من دنانير الصلات وفيها خمسمائة دينا. انتهى بنصه.
قال أبو الفتح عثمان بن جني بعد حكاية انتقاد سيف الدولة بيتي أبي الطيب بما ذكرنا: ليس الملك والشجاعة في شيء من صناعة الشعر, ولا يمكن أن يكون في ملائمة بين الصدر والعجز أحسن من بيتي المتنبي, لأن قوله (كأنك جفن الردى وهو نائم) هو في معنى قوله (وقفت وما في الموت شك لواقف) فلا معدل لهذا العجز عن هذا الصدر, لأن النائم إذا أطبق جفنه أحاط بما تحته, فكأن الموت قد أظله من كل مكان كما يحدق بالجفن بما يتضمنه من جميع الجهات, وجعله نائما لسلامته من الهلاك, لأنه لم يبصره وغفل عنه بالنوم فسلم ولم يهلك.
وقوله:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
هو النهاية في البشاشة. يقول: المكان الذي تكلم فيه الأبطال فتكلح وتعبس ثم وجهك وضاح لاحتقارك الأمر العظيم, ومعرفتك به, ألا تراه يقول بعده:
تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم
стр. 309
انتهى. قال العلامة الطيبي في التبيان: ومما يواخي هذه القصة (يعني قصة المتنبي مع سيف الدولة) انتقاد الإمام فخر الدين الرازي على أبي العلاء المعري قوله:
أعن وخد القلاص كشفت حالا ... ومن عند الظلام طلبت مالا
قال: كان المناسب أن يضم الكشف مع الظلام, والطلب مع الوخد, فيقال غرضه الإنكار على نفسه بإدمان السفر, وآداب السير, والتأكيد فيه, ولأن قوله:
ودرا خلت أنجمه عليه ... فهلا خلتهن به ذبالا
لا يلتئم إلا على التأليف المذكور تنبيه - الحق بهذا النوع ما أن يشتمل الكلام على لفظ يمكن حمله على معنيين كل منهما صحيح فيختار الأولى منهما كقول بعضهم:
لما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنا بدمع ناطق
فرقن بين معاجر ومحاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق
يحتمل أن المراد بالبنفسج والشقائق عارض الرجل وخد المرأة الملتقيان عند التعانق للوداع, ويحتمل أنه أراد أنها حين قامت للوداع مزقت خمارها, ولطمت وجهها حتى اخضرت من اللطم, أي جمعت بين أثر اللطم وهو شبيه بالبنفسج, وبين لون الخد وهو شبيه بالشقائق, لكن الثاني وهو حمل البنفسج على أثر اللطم أولى, لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند طريان الخضرة, وليس في الشعر ما يدل على شباب المودع. قيل: وللكلام في ترجيح الأول مجال.
وقد نص علماء البلاغة أن كلام البليغ إذا احتمل معنيين متفاوتين في البلاغة والعذوبة تعين أن يحمل على الأبلغ الأعذب, ليطابق المعنى كلام المهذب والله وأعلم.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
من مفرد بغرار السيف منتثر ... ومزوج بسنان الرمح منتظم
تحامل ابن حجة على جاري عادته على الشيخ صفي الدين في هذا البيت فقال: أنه غير صالح للتجريد, وعدم صلاحيته للتجريد هو الذي عقده وحجب إيضاح معناه عن مواقع الذوق فأعلم. انتهى.
وأنا أقول: إن أراد بمواقع الذوق ذوقه فنعم, وإلا فلا يخفى على من له أدنى ذوق مناسبة المفرد للمنتثر, والموج للمنتظم, وجعل الأول بغرار السيف, لأن الغالب أن السيف لا يضرب به إلا واحدا عند المبارزة, وجعل الثاني بسنان الرمح, لأن البطل كثيرا ما ينظم برمحه فارسين في طعنة واحدة, كما يحكى أن أبا دلف لحق قوما من الأكراد قطعوا الطريق, فطعن فارسا نفذت الطعنة إلى فارس آخر أمامه فقتلهما.
فقال بكر بن النطاح:
قالوا وينظم فارسين بطعنة ... يوم الهياج ولا تراه كليلا
لا تعجبوا فلو أن طول قناته ... ميل إذا نظم الفوارس ميلا
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعته.
وبيت بديعية الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
ذو معنيين بصحب والعدى ائتلفا ... للخلف ما أشهب البازي كالرخم
قال ابن حجة: إن هذين المعنيين لشدة العقادة أتعبت الفكر على أن يتضح لي منهما معنى فعجزت عن ذلك. وهو في محله.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
سهل شديد له بالمعنيين بدا ... تألف في العطا والدين للعظم
قال في شرحه: سهولة النبي ﵌ قرنتها بالعطاء وشدته قرنتها بالدين لعظمته. انتهى.
ولا يخفي عدم انسجام هذا البيت.
والشيخ عبد القادر الطبري مسخ بيت أبي حجة فقال:
بر رؤوف غدا بالمعنيين له ... تألف بالعطا والحلم ذو نعم
وبيت بديعيتي هو قولي:
معظم بائتلاف المعنيين له ... من عفو مقتدر أو عز منتقم
فقرنت العفو بالقدرة, مع إمكان مقارنته بالانتقام, كأن يقال (من عز مقتدر أو عفو منتقم) لما بين العفو والقدرة من المناسبة والملائمة, فإن العفو إنما يكون مع القدرة, ولذلك قيل: إن أحسن ما قيل في حده ما قاله بعض العلماء وقد سئل ما العفو؟ فقال: هو ترك المكافأة عند المقدرة قولا وفعلا. وكان كسرى يقول: عفوي عمن أساء إلي بعد قدرتي عليه أسر لي مما ملكت.
وقال الشاعر:
فدهره يفصح عن قدرة ... ويغفر الذنب على علمه
كأنه يأنف من أن يرى ... ذنب امرئ أعظم من حلمه
стр. 310
وأعظم من عفا عن قدرة, رسول الله ﵌, فإن أهل مكة كانوا يؤذونه في نفسه, ويقصدون نكايته في أهله, قتلوا أعمامه, وعذبوا أصحابه, وألبوا عليه, وأخرجوه من أحب البقاع إليه, حتى إذا فتحها الله عليه, ودخلها بغير حمدهم, وظهرت بها كلمته على رغمهم, قام فيهم خطيبا, فحمد الله وشكره على ما منحه من الظفر, ثم قال: أقول لكم كما قال أخي يوسف (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) .
وقرنت بين العز والانتقام مع صحة مقارنته بالاقتدار كما مر, لما بين العز والانتقام من الملائمة عند أهله, كما قال أبو الطيب المتنبي:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
ولك أن تجعل المقارنة الأولى من النوع الثاني, والثانية من النوع الأول, لأن في الملائمة بين العز والانتقام نوع دقة, والله أعلم.
وبيت بديعة المقري قوله:
فرد المطالب لاثان لعزمته ... شفع الرغائب دون الوتر لم ينم
قال في شرحه يمكن أن يقال في هذا البيت:
شفع الرغائب لا ثان لعزمته ... فرد المطالب دون الوتر لم ينم
ولكن اخترنا الترتيب الأول لما فيه من التورية والترشيح, ومقابلة الشفع بالوتر. أما التورية فهي في قوله (لاثان لعزمته) أي لا شيء يرد عزمته, وقوله (فرد المطالب) رشحت (لاثان) للتورية, وصلحت لها. فيقول: لاثان لعزمته بل هي وحيدة. وقوله (شفع الرغائب) فيه تورية أيضاً, فإن الرغائب نوع من الصلاة معروف يسمى شفعا, والمراد بالرغائب العطايا, وإنها ليست ترد أفرادا بل أشفاعاً. وفي قوله (دون الوتر لم ينم) المراد به الذحل, ولكن ذكر الشفع قبله رشحه لصلاة الوتر, ولذلك ذكر النوم بعده وصلح له أيضاً, فأفهم ذلك. انتهى بنصه.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فرد النظير فمن والاه في نعم ... زوج المعالي فمن عاداه في نقم
قال في شرحه: كان يصح أن يقول:
فرد النظير فمن عاداه في نقم ... زوج المعالي فمن والاه في نعم
فلا يختل معناه, إلا أن تقديم الموالاة والنعم أولى من تقديم المعاداة والنقم.
المبالغة
كل البليغ وقد أطرى مبالغة ... عن حصر بعض الذي أولى من النعم
اختلف أرباب البديع في عد المبالغة من المحسنات في الكلام, فذهب قوم إلى أنها مردودة مطلقا, لا تعد من المحسنات أصلا, وأن خير الكلام ما خرج مخرج الحق, وجاء على منهج الصدق.
كما يشهد له قول حسان بن ثابت:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه ... على المسامع أن كيس وأن حمقا
وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
وذهب آخرون إلى أنها مقبولة مطلقا, بل الفضل مقصور عليها, لأن أحسن الشعر أكذبه, وخير الكلام ما بولغ فيه. ومن فقراتهم المستعذبة قولهم في الشعر (أعذبه أكذبه) . ولهذا استدرك النابغة على حسان قوله:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
حيث استعمل جمع القلة - أعني الجفنات والأسياف - وذكر وقت الضحوة وهو وقت تناول الطعام, وقال: يقطرون دون يسلن, ويفضن, أو نحو ذلك. ويروى هذا الاستدراك للخنساء بحضرة النابغة على وجه أتم من هذا.
ذكروا أن النابغة الذبياني كان يجلس للشعراء في سوق عكاظ وينشدونه فيفضل من يرى تفضيله.
وأنشدته الخنساء في بعض المواسم قصيدتها التي مطلعها:
قذى بعينيك أم بالعين عوار ... أم أوحشت إذ خلت ن أهلها الدار
فأعجبه شعرها فقال: والله لولا أن هذا الأعمى - يعني الأعشى - أنشدني قبلك لفضلتك على شعراء هذا الموسم. وفي رواية, لقلت: أنك أشعر الجن والأنس, وقيل: قال لها: والله ما رأيت ذات مثانة أشعر منك, فقالت: وذا خصية يا أبا أمامة, فقال: وذا خصية. وكان ممن عرض شعره في ذلك الموسم حسان بن ثابت, فغضب وقال: انا أشعر منك ومنها, فقال: ليس الأمر كما ظننت, ثم ألتفت الخنساء فقال: يا خناس خاطبيه, فالتفتت إليه فقالت: ما أجود بيت في قصيدتك التي عرضتها آنفا؟ قال: قولي:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
стр. 311
فقالت: ضعفت افتخارك وانزرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا, قال وكيف؟ قالت: قلت (الجفنات) والجفنات ما دون الشعر, ولو قلت الجفان لكان أكثر. وقلت (الغر) والغرة بياض يكون في الجبهة, ولو قلت: البيض لكان أكثر اتساعا. وقلت (يلمعن) واللمع شيء يأتي بعد شيء, ولو قلت: يشرقن لكان أكثر, لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت (بالضحى) ولو قلت: بالدجى لكان أكثر إشراقا. وقلت (وأسيافنا) والأسياف دون العشر ولو قلت: سيوفنا كان أكثر. وقلت: يقطرن, ولو قلت: يسلن كان أكثر. وقلت من نجدة, والنجدات أكثر. وقلت: دما والدماء أكثر من الدم. فلم يجر جوابا. انتهى.
وأجيب, أولا بأن حسان لا يرى حسن المبالغة, كما صرح به في شعره بالسابق, مع تسليمه فالجواب: عن الأول, بأن جمع القلة قد يستعمل في الكثرة,, وهنا كذلك كقوله تعالى (وهم في الغرفات آمنون) مع أن في الجنة غرفا كثيرة, والقرينة وصف الجفنات بالغر, وهي جمع كثرة.
وعن الثاني, بأن الغر هنا ليس جمع غرة كما نقد, وإنما الغرِ: البيض المشرقات من كثرة الشحوم وبياض اللحوم, وهي جمع غراء وهي البيضاء.
وعن الثالث, بأن اللمعان هو المستعمل في هذا النحو الذي يدل به على البياض كما تقول: لمع السراب, ولمع البرق.
وعن الرابع, بأن الذي يلمع في الضحى أشد نورا, فإن قليل النور يضمحل في ضوء الشمس, ولذلك ترى كثيرا من الأشياء المشرقة النيرة يلمع ليلا ولا يلمع نهارا, كعيون بعض السباع, وخاصة الضبع, فإن عينيه ترى في الليل كأنها جمرة تتقد, ولا ترى في النهار كذلك؛ وما ذلك إلا لضعف نورها وغلبه نور الشمس عليها. فكلما يلمع نهارا يلمع ليلا ولا عكس.
وعن الخامس, بما أجيب به عن الأول.
وعن السادس, بأنه تبع فيه الاستعمال في مثل هذا المقام. فإن العرب يقولون في وصف الشجاع: سيفه يقطر دما, ولم تجر العادة بأن يقال: سيفه يسيل دما, أو يجري دما. مع أن يقطر أمدح, لأنه يدل على مضاء السيف, وسرعة خروجه عن الضريبة, حتى لا يكاد يعلق به دم, ولو علق إنما يعلق شيء يسير, بحيث يقطر ولا يسيل, وكثرة الدم على السيف تدل على ثقل حركة الضارب وضعف ساعده. ومن هذا يظهر الجواب الثامن أيضاً.
وعن السابع, أن للتنكير في قوله: من نجدة, للتعظيم, فالمبالغة موجودة.
وعن الثامن, ما تقدم في جواب السادس والله وأعلم.
وقال جماعة من المحققين: إن المذهب المرضي في المبالغة أنه أن أريد بها ادعاء بلوغ وصف في الشدة والضعف حدا مستبدا, ممكنا عقلا وعادة, فهي من المحسنات المقبولة بل المطلوبة, وسماها بعضهم حينئذ: التبليغ, وابن المعتز: الإفراط في الصفة. وأن أريد بها ما يشتمل التبليغ والإغراق والغلو (كما في التلخيص والإيضاح) انقسمت باعتبار أقسامها المذكورة إلى مقبولة ومردودة. فالتبليغ والإغراق مبالغتان مقبولتان, والغلو أن أفضى إلى الكفر أو قاربه كان مبالغة مردودة وإلا فمقبولة, والفرق بين الثلاثة أن المدعي للوصف في الشدة أو الضعف إن كان ممكنا عقلا أو عادة فهو التبليغ كما عرفت, وإن كان ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق, وإن لم يكن ممكنا لا عقلا ولا عادة فهو الغلو.
وقال بعض المتأخرين - وهو القول الأمم والمذهب الأقوم -: الحق أن فضل المبالغة لا ينكر لوقوعها في القرآن الكريم, ومنها جميع أبواب التشبيه والاستعارة والكناية, وقد استكثر منها حسان وإضرابه من مرجحي جانب الصدق, لكن لا تنحصر الإجادة فيها فقد رأينا الصدق المحض كثيرا في غاية الحسن ونهاية الجودة.
كقول زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وقول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقول الآخر:
وأكرم أخلاق يدل بها الفتى ... عفاف مشوق حين يخلو بشائق
ورأينا كثيرا من المبالغة لا يرضاها ذو طبع سليم كقول ابن الحجاج:
وراحة لو صفعت حاتما ... علمت الجود قفا حاتم
وعلم من ذلك أن المردود من المبالغة غير منحصر في الغلو المفضي إلى الكفر. انتهى.
وهو كما تراه كلام من الحسن بمحل, ثم ليس المراد المبالغة هنا إلا التبليغ, وأما الإغراق والغلو فسيأتي الكلام على كل منها مستوفى في محله إنشاء الله تعالى.
стр. 312
ومن أمثلتها في الكتاب العزيز قوله تعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها) . الذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة. والمرضعة, هي التي ألقمت ثديها الصبي. والمرضع - بغير هاء - هي التي من شانها أن ترضع. والمعنى أن هول القيامة إذا فاجأها وقد ألقمت الصبي ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة عن الذي أرضعته.
وعن الحسن, تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام, وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام. فالذهول والوضع المذكوران مبالغة في وصف يوم القيامة بالشدة وهما ممكنان, ووصف يوم القيامة في شدة الهول إلى هذا الحد أمر ممكن عقلا وعادة, وهي عادة مبالغة مستحسنة.
ومن أمثلتها في الشعر قول امرئ القيس:
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا فلم ينضح بماء فيغسل
العداء بالكسر والمد: الموالاة بين الصيدين, يصرع أحدهما على أثر الآخر في طلق واحد.
يقول: عاديت بين الصيدين, أي صدتهما في شوط واحد للفرس. واراد بالثور الذكر من بقر الوحش, وبالنعجة الأنثى منها. والدرك بالكسر: المتتابع, وهو صفة لعداء في البيت. ويغسل مجزوم معطوف على ينضح, أي لم يعرف فلم يغسل. ادعى أن هذا الفرس أدرك ثورا وبقرة وحشيين في مضمار واحد ولم يعرق. وهذا أمر ممكن عقلا وعادة.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي:
وأصرع أي وحش قفَّيته به ... وانزل عنه مثله حين أركب
وقال ابن أبي الأصبع: أبلغ شعر سمعته في باب المبالغة قول شاعر الحماسة, إذ بالغ في مدح ممدوحه فقال:
رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد
ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكن مالا يستطاع شديد
فانظر ما أحلى احتراسه عن ذلك بقوله (وما فوق شكري للشكور مزيد) . وانظر كيف أظهر عذره في عجزه مع قدرته بأن قال في البيت الثاني (ولو كان مما يستطاع استطعته) ثم اخرج بقية بيت المبالغة مخرج المثل السائر حيث قال (ولكن ما لا يستطاع شديد) .
ومن هنا قال أبو نواس:
لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
قلت: ومثل هذين البيتين في حسن مبالغتهما وبديع لفظهما ومعناهما قول الآخر:
وكم لك نعمى لو تصدى لشكرها ... لسان معد لاعتراه كلول
أكلف نفسي أن أقابل عفوها ... بجهدي وهل يجزي الكثير قليل
ومن المبالغة المجازية قول نصيب في هشام. قيل: دخل نصيب بن رباح على هشام بن عبد الملك فأنشده:
إذا استبق الناس العلى سبقتهم ... يمينك عفوا ثم صلت شمالكا
فقال له هشام: بلغت غاية المدح فسلني, فقال: يا أمير المؤمنين يداك. بالعطية أطلق من لساني بالمسألة, فقال: لابد أن تفعل, قال: لي ابنة نفضت عليها من سوادي فأكسدها, فلو نفقها أمير المؤمنين بشيء يجعله لها. فأقطعها أرضا وأمر بحلي وكسوة, فنفقت السوداء.
ومن المبالغة المستجادة قول مسلم بن الوليد في الخمر:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب ... تمشت بنا مشي المقيد في الوحل
حكي أن الرشيد لما ظفر بمسلم بن الوليد وكان قد رمي عند بالتشيع رق عليه, وعفا عنه, ثم قال له. أنشدني أشعر شعر لك. فكلما بدأ بقصيدة قال: لا, التي يقول فيها: الوحل, فإني رويتها وأنا صغير, حتى انتهى إلى قوله:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب ... تمشت بنا مشي المقيد في الوحل
فضحك هارون وقال: أما رضيت أن قيدته حتى جعلته يمشي في الوحل؟ انتهى.
وهذا الذي قصده قدامة في حده للمبالغة حيث قال: هي أن يذكر المتكلم حالا من الأحوال لو وقف عندها لا جزأت, فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره أبلغ من معنى قصده. انتهى.
غير أن هذا الحد للمبالغة بالمعنى الشامل للإغراق, والغلو, والتبليغ. لا للتبليغ وحده كما توهمه ابن حجة. ويدلك على ذلك إنه مثل لها بما مثل من غير للإغراق وهو:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فإن دعوى أن جاره لا يميل عنه إلى جانب, إلا وهو يرسل الكرامة والعطاء على أثره, أمر يمكن عقلا لا عادة, فهو إغراق لا تبليغ. والمبالغة في الشعر أكثر من أن يوقف لها على آخر.
ولقد تصفحت ديوان حسان بعد سماع قوله:
وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
فرأيت أكثر شعره مبنيا على المبالغة, كقوله في الغزل:
стр. 313
أما النهار فلا أفتر ذكرها ... والليل توزعني بها أحلامي
أقسمت أنساها وأترك ذكرها ... حتى تغيب في التراب عظامي
وقوله وهو من الإغراق:
لو يدب الحولي من ولد الذر عليها لأندبتها الكلوم
يقول لو يدب الصغير من ولد الذر على جلدها لأثر فيه وجرحه. ولم يرد بالحولي ما أتى عليه الحول ولكن جعله في صغره كالحولي من ولد الحافر والخف في صغره.
وقوله, وهو من الغلو المقبول:
ولو وزنت رضوى بحلم سراتنا ... لمال برضوى حلمنا ويلملم
وقوله في وصف الحرب, وهو إغراق وتبليغ:
تشيب الناهد العذراء وفيها ... يسقط من مخافتها الجنين
فالأول إغراق لا مكانه عقلا وامتناعه عادة, والثاني تبليغ لا مكانه عقلا وعادة. وهو في شعره كثير جدا. فالمنازع في حسن المبالغة, وعلو رتبتها مطلقا مكابرة لا عبرة بقوله.
واعلم أن كثيراً ممن تشبث بعلم البديع أورد في نوع المبالغة التي هي بمعنى التبليغ بعض أمثلة الإغراق والغلو, توهما منه أنه تبليغ, ولم يميز بفهمه بين الثلاثة, وقد أوضحنا في أول هذا النوع ما يتميز به كل واحد منها عن الآخر, فلا تخل ذهنك منه عند الوقوف على الأمثلة.
وبيت البديعية الشيح صفي الدين في هذا النوع قوله:
كم قد جلت جنح ليل النقع طلعته ... والشهب أحلك ألوانا من الدهم
قال في شرحه: موضع المبالغة في بيت القصيدة عجزه. انتهى.
وبيانها: إنه أدعى بلوغ ظلمة النقع وشدة سواده إلى حد صارت فيه الشهب - وهي التي يغلب بياض لونها على سواده - أشد حلكة - أي سوادا - من الدهم - وهي السود - وهذا ممكن عقلا وعادة.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله:
يمم نبيا تباري الريح أنمله ... والمزن من كل هامي الودق مرتكم
كان أولى بابن جابر أن يبالغ في مدح النبي ﵌ بالكرم بأكثر من هذا, فإن المبالغة في مدحه عليه وآله والصلاة والسلام كلا مبالغة.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
إمدح وجز كل حد في مبالغة ... حقا ولا تطر تقبل غير متهم
هذا البيت لا يظهر منه إلا وصيته للمادح بأنه إذا مدح يتجاوز كل حد. قوله (ولا تطر تقبل غير متهم) لا يفهم ما غنى به, فإن الإطراء - كما في القاموس - المبالغة في المدح, فالنهي عنه لا معنى له هنا, ولعله له هنا, ولعله فهم للإطراء معنى آخر.
وبيت بديعة ابن حجة قوله:
بالغ وقل كم رجلا بالنور ليل وغى ... والشهب قد رمدت من عثير الدهم
بالغ ابن حجة في إعجابه بمبالغة هذا البيت, وليس تحته كبير أمر. أما صدره فمأخوذ من صدر بيت الشيخ صفي الدين كما ترى, وأما عجزه فعليه مؤاخذة ظاهرة, ونقد بين, وذلك: أنه عنى بالشهب النجوم بقرينة استعارة الرمد منها, والحرب لا تكون في الليل حتى يغشى عثير الخيل ضوءها فيخفي شعاعها, إلا إذا كانت تبييتا, والنبي ﵌ لم يبيت أحدا من أعدائه قط, ولا كان يرى ذلك, وليس من عاداتهم استمرار الحرب إلى الليل, بل إذا أمسى المساء تحاجزوا, ورجعوا عن مصافهم إلى مواطنهم. وبعد الإغماض عن هذه المؤاخذة المعنوية التي لا يحوم حولها فهم ابن حجة نقول: ليس في هذا العجز كبير مبالغة - وقد زعم أنه أبلغ من صدره - وذلك أنه أراد برمد الشهب في قوله (قد رمدت من عثير الدهر) على طريق الاستعارة التبعية: قلة إشراقها, وعدم شدة لمعانها, من الغبار الذي أثارته حوافر الخيل, ولا خفاء أن كل جيش سار بالليل وأثارت حوافر خيله الغبار ضعف معه إشراق الكواكب وهذا أمر واقعي لا مبالغة فيه فتدبره. ولعله فهم أن الشيخ صفي الدين أراد بالشهب في بيته (الكواكب) فأراد أن يحذو حذوه, وليس في بيت الشيخ صفي الدين ما يعين أنه أراد بالشهب الكواكب. ولو سلم فالمبالغة فيه التي في بيت ابن حجة قطعا كما لا يخفى.
وبيت بديعيتي هو قولي:
كل البليغ وقد أطرى مبالغة في هذا البيت أظهر من أن تبين, والإطراء هو المبالغة في المدح كما في القاموس فإنه قال: أطراه: بالغ في مدحه, وفي الصحاح, أطراه: مدحه, غير أن صاحب القاموس جعله مهموزاً وصاحب الصحاح يائيا. ودعوى كلال البليغ حال مبالغته في مدحه ﵌ بالجود عن حصر بعض ما جاد به من النعم الجسام, والرغائب العظام, أمر ممكن عقلا وعادة.
стр. 314
وبيت بديعية الشيخ عبد القادر الطبري قوله:
بالغ بما شئت مدحا فيه مجتنبا ... ما لا يليق بخير الخلق كلهم
هذا البيت مثل بيت الشيخ عز الدين الموصلي, فإنه ما زاد على أن وصى المادح أن يبالغ بما شاء في مدحه صلى اله عليه وآله وسلم مجتنبا ما لا يليق به, وليس فيه من المبالغة شيء.
وبيت بديعية المقري قوله:
وروت الأرض طرا من حديث دم ... جرى قديما فأغناها عن الديم
قال في شرحه: المبالغة في قوله (روت الأرض) يعني الظبا, من الدم بما أغناها عن الديم, والحديث ضد القديم. وقوله (جرى قديما) بالنسبة إلى وقتنا, ففي البيت التوهيم أيضاً. انتهى ملخصا.
ولا يخفى أن قوله (طرا) أخرج البيت من المبالغة إلى الإغراق , بل إلى الغلو, لأن ذلك مستحيل عقلا وعادة.
الإغراق
لو أنه رام إغراق العداة له ... لأصبح البر بحرا غير مقتحم
الإغراق هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الإمكان عقلا, والاستحالة عادة.
كقول عمرو بن الأيهم:
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فإنه أدعى أن جاره لا يميل عنه إلى وجهة إلا وهو يتبعه الكرامة. وهذا عقلا, مستحيل عادة.
ومنه قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
فإن أذرعات الشام, ويثرب مدينة النبي ﵌, ورؤية النار من بعد هذه المسافة - إذا لم يكن ثم حائل من جبل ونحوه - لعظم جرمها لا يمتنع عقلا ويمتنع عادة. هذا أن فسر قوله (تنورتها) بمعنى نظرت إلى نارها حقيقة, وأما أن فسر بمعنى توهمت نارها, وتخيلتها في فكري, لم يكن فيه إغراق.
وقول أبي الطيب المتنبي:
روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا أنني رجلا ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فدعوى نحول الشخص حتى يصير مثل الخلال, ولا يستدل عليه إلا بالكلام, أمر ممكن عقلا, إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدا لا يرى, بخلاف الصوت, ولكن ذلك ممتنع عادة.
وقد تفنن الشعراء في المبالغة في النحول, فمن ذلك قول الآخر:
ها فانظروني سقيما بعد فرقتكم ... لو لم أقل ها أنا للناس لم أبن
لو أن إبرة رفاء أكلفها ... جريت في ثقبها من دقة البدن
والبيت الثاني من الغلو.
وما أحلى وألطف قول الشيخ عمر بن الفارض:
كأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي
وقول نصر السفاقسي والبيت الأول من الغلو, والثاني من الإغراق:
أذابه الحب لو تمثله ... بالوهم خلق لأعياهم توهمه
لولا الأنين ولوعات تحركه ... لم يدره بعيان من يكلمه
وقول بعضهم:
قد سمعتم أنينه من بعيد ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين
وقول الآخر مع بديع التلميح, وهو ممدود من محاسن شواهد هذا النوع:
فلو أن ما بي من جوى وصبابة ... على جمل لم يبق في الناس كافر
يريد أنه لو كان ما به من الحب على جمل لنحل حتى يلج في سم الخياط فيخرج الكفار من النار, لأنه تعالى قال (ولا يدخلون الجنة حتى يلح الجمل في سم الخياط) فلمح إلى الآية بناء على ظاهرها, وإلا فالمراد بها التأبيد. قالوا: ونحول الجمل حتى يدخل في سم الخياط غير مستحيل عقلا, إذ القدرة صالحة لذلك, لكنه ممتنع عادة.
ومنه قول النظام:
توهمه طرفي فآلم خده ... فصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه كفي فآلم كفه ... فمن صفح كفي في أنامله عقر
ومر بذكري خاطرا فجرجته ... ولم أر خلقا قط يجرحه الفكر
يقال: أن الجاحظ لما بلغته هذه الأبيات قال: هذا لا ينبغي أن يناك إلا بأير من الوهم.
وفي معنى البيت الأول قول الآخر:
وإذا توهم أن يراها ناظري ... ترك التوهم وجهها مكلوما
ومن الإغراق في المدح قول (الحسين) بن مطير:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس انعم
فيمطر يوم الجود من كفه الندى ... ويقطر يوم البؤس من كفه الدم
فلو أن يوم البؤس لم يثن كفه ... عن الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أن يوم الجود فرغ كفه ... لبذل الندى لم يبق في الأرض معدم
وقال إعرابي في النحول أيضاً:
стр. 315
ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعوم ثمام ما تأود عودها
وقال المجنون في ذلك:
إلا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب به الريح يذهب
وقال بشار بن برد:
في حلتي جسم فتى ناحل ... لو هبت الريح به طاحا
حدث علي بن الصباح على بعض الكوفيين قال: مررت ببشار وهو منبطح في دهليزه كأنه جاموس, فقلت له: يا أبا معاذ من الذي يقول (في حلتي جسم فتى ناحل) البيت؟ قال: أنا, فقلت: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إني لا أرى أن الله لو بعث الرياح التي أهلك بها الأمم الخالية ما حركتك من موضعك. فقال بشار من أين؟ قلت من أهل الكوفة, فقال: يا أهل الكوفة لا تدعون ثقلكم ومقتكم على كل حال.
وقال أحمد بن عبد ربه:
سبيل الحب أوله اغترار ... وآخره هموم وادّكار
وتلقى العاشقين لهم جسوم ... براها الشوق لو نفخوا لطاروا
ومنه قول ربيعة الرقية للعباس بن محمد:
إن المكارم لم تزل معقولة ... حتى حللت براحتيك عقالها
العود يرطب إن مسست لحاءه ... والأرض تعشب أن وطئت رمالها
وقول ابن الرومي:
أيامنا غدوات كلها بكم ... خلالهن ليال مثل أسحار
لكم خلائق لو تحظى السماء بها ... لما ألاحت نجوما غير أقمار
وقوله أيضاً:
تغنون عن كل تقريظ بفضلكم ... غنى الظباء عن التكحيل بالكحل
تلوح في دولة الإسلام دولتكم ... كأنها ملة الإسلام في الملل
وقول أبي تمام من قصيدة يمدح بها عبد الله بن الطاهر:
فنول حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حتى لم يجد من يحاربه
وقوله في قصيدة المأمون:
الله أكبر جاء أكبر من جرت ... فتحيرت في كنه الأوهام
من لا يحيط الواصفون بقدره ... حتى يقولوا قدره إلهام
من شرد الإعدام عن أوطانه ... بالبذل حتى استطرف الإعدام
وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام
وقوله من أخرى في المعتصم:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
وقول الشريف الرضي في النسيب:
ولو نفضت تلك الثنيات بردها ... على الصبر الممرور كان يطيب
وقول أن نباته السعدي في فرس:
لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلا إذا كفكفت من غلوائه
وقول النظام في معنى ما تقدم له آنفا:
ظبي بدا يأنس الأنس ... يجرح اللحظ وباللمس
تحار عين الشمس في وجهه ... كما تحار العين في الشمس
لو صاح بالميت على غفلة ... أجابه الميت من الرمس
ويقال: أن أبا العتاهية قال: أنشدت النظام: أأأههخثقهخعقهيبتنيمبتلنميبتلنميبإذا هم النديم له بلحظ=تمشت في محاسنه الكلوم فقال ينبغي أن ينادم هذا أعمى.
وقد استعمل النظام هذا المعنى في شعره كثيرا, فمنه ما تقدم, ومنه قوله أيضا:
رق فلو بزت سراويله ... علق بالجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكراره ... ويشتكي الإيماء بالطرف
وسيأتي في نوع الغلو ما هو قريب من هذا المعنى, لكنه أكثر مبالغة.
ودون هذا الإغراق قول بعضهم:
لو خليت لمشت نحوي على قدم ... تكاد من رقة للمشي تنفطر
وهذا البيت من جملة أبيات لها حكاية لطيفة وهي, ما روي أن سليمان بن عبد الملك كان في بادية يسمر على ظهر سطح, ثم تفرق عنه جلساؤه, فدعا بضوء, فجاءته جارية به, فبينا هي تصب على يديه قطعت الصب, فأشار إليها بيديه مرارا فلم تصب عليه, فأنكر ذلك, ورفع رأسه, وإذا هي مصغية إلى ناحية العسكر.
وإذا صوت رجل يغني بأبيات وهي:
محجوبة سمعت صوتي فأرقها ... في آخر الليل لما ظلها السحر
تثني على جيدها ثنتي معصفرة ... والحلي منها على لبانها خصر
في ليلة النصف لا يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر
لو خليت لمشت نحوي على قدم ... تكاد من رقة للمشي تنفطر
وكأن غيورا فأمر بإخصاء المغنين.
والشعر في نوع الإغراق كثير, وفي هذا المقدار كفاية إنشاء الله تعالى.
стр. 316
وتبين بهذه الأمثلة المذكور سقوط ابن حجة: إن الإغراق لا يعد من المحاسن إلا إذا أقترن بما يقربه إلى القبول, كقد: للاحتمال, ولولا: للامتناع, وكاد: للمقاربة, ونحو ذلك. انتهى. فإن الأمثلة المذكورة ما خلي عن ذلك, وهو في غاية الحسن, فلا عبرة بقوله.
وبيت البديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
في معرك لا تثير الخيل عثيره ... مما تروي المواضي تربه بدم
هذا البيت عامر بالمحاسن, والإغراق فيه ظاهر لإمكان معناه عقلا, واستحالة عادة.
وبيت بديعية ابن جابر الأندلسي قوله في النبي ﵌:
لو قابل الشهب ليلا في مطالعها ... خرت حياء وأبدت بر محترم
هذا البيت لكونه في مدح سيد المرسلين صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين كأن معناه ممكنا عقلا, ولو كان معناه ممكنا عقلا, ولو كان في مدح غيره لكان من باب الغلو .
وبيت البديعية عز الدين الموصلي قوله:
لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعه ... ندى يديه لأحياها ولم يضم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
لو شاء إغراق من في الحق كذبه ... لفاض إصبعه بالزاخر العمم
وبيت بديعيتي هو قولي:
لو أنه رام إغراق العداة له ... لأصبح البر بحرا غير مقتحم
الإغراق في هذا البيت ظاهر, وهو أبلغ منه في بيت ابن حجة, لأنه قال (لو شاء إغراق من ناواه مد له في البر بحرا) وأنا قلت (لا نقلب البر بحرا) وبينهما بون بائن.
وبيت البديعية المقري قوله:
لولا غليل شفته الأرض من دمهم ... شربا لما جت ببحر منه ملتطم
قال في شرحه معناه: لولا أن الأرض كان بها على قتلاه من الكفار غيظ وخنق فشفت غليلها منهم بشرب دمائهم كما يفعله المبالغون في العداوة لكانت الدماء من كثرتها تموج من فوقها بحرا. انتهى.
الغلو
ولا غلو إذا ما قلت عزمته ... تكاد تثني عهود الأعصر القدم
الغلو هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الاستحالة عقلا وعادة. فتبين بهذا أن المبالغة دون الإغراق, والإغراق دون الغلو, لما مر من أن المدعي في المبالغة ممكن عقلا وعادة, وفي الإغراق ممكن عقلا ولا عادة, وفي الغلو مستحيل عقلا وعادة. والغلو أن أفضى إلى الكفر كان قبيحا مردودا, وإلا كان مقبولا, والمقبول يتفاوت في الحسن, وأحسنه ما دخل عليه ما يقر به إلى الصحة, ككاد, ولو, ولولا وحرف التشبيه كقوله تعالى (يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) فإن إضاءة الزيت مع عدم مسيس النار مستحيلة عقلا وعادة, وبدخول (يكاد) خرج عن الامتناع, لأنها دلت على مقاربة الإضاءة لا وقوعها الذي هو المستحيل.
ومثله قول الفرزدق في علي بن الحسين ﵇:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقول الشريف الرضي ﵁ والغلو فيه مجازي:
أشكو ليالي غير معتبة ... أما من طول أو من القصر
تطول في هجركم وتقصر في الوصل فما تلتقي على قدر
يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيه العشاء بالسحر
قيل أول ما بالغ في الشعر وكذب فيه المهلهل بقول:
ولولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وهذا من الغلو, فإنه ممتنع عقلا وعادة, لأنه كان بين حجر وبين موضع الوقع عشرة أيام, ولهذا قيل فيه: أنه كذب بيت قالته العرب.
ومنه قول أبي العلاء المعري في شدة الحنين عند لمع البرق:
شجا ركبا وأفراسا وإبلا ... وزاد فكاد أن يشجو الرحالا
وقوله أيضاً من هذه القصيدة:
تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم انسلالا
وما أبدع قوله منها وهو مما نحن فيه:
يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه انسلالا
وفي معناه قول ابن المعتز:
يكاد يجري من القميص من ال ... نعمة لولا القميص يمسكه
وقول أبي الشيص:
لولا التمنطق والسوار معا ... والحجل والدملوج في العضد
لتزايلت من كل ناحية ... لكن جعلن لها على عمد
ومنه أخذ ابن النبيه قوله:
لها معصم لولا السوار يصده ... إذا حسرت أكمامها لجرى نهرا
ومثله قول بعضهم:
لها من الليل البهيم طرة ... على جبين واضح نهاره
стр. 317
ومعصم يكاد يجري رقة ... وإنما يعصمه سواره
وقال عبد العزيز بن عبد الرزاق في معناه:
قالت وقد صرت كطيف الخيال ... كيف ترى فعل الدمى بالرجال
وسددت سهما إلى مقتلي ... تقول هل فيك لدفع النصال
رقيقة الجسم فلولا الذي ... يمسكه من قسوة القلب سال
وما ألطف قول شرف الدين الحلاوي يصف قدحا من أبيات:
رق فلولا الأكف تمسكه ... سال مع الخمر حين ترشفه
وأبدع من ذلك كله وألطف قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
شرقت معاطفه بأمواه الصبا ... وجرى عليه بضاضة ونعيم
قد كاد تشربه العيون لطافة ... لكن سيف لحاظه مسموم
وقوله أيضاً في معناه:
رقت شمائله ورق أديمه ... فيكاد تشربه عيون الناظر
ويعجبني جدا قول بعضهم في الخمر:
كادت تطير وقد طرنا بها ... لولا الشباك التي صيغت من الحبب
وما أعجب قول بعضهم في الخمر:
أما الصبوح فإنه فرض ... فإلى من يكحل جفنك الغمض
هذا الصباح بدت بشائره ... ولخيله في ليله ركض
والليل قد شابت ذوائبه ... وعذراه بالفجر مبيض
فانهض إلى حمراء صافية ... قد كاد يشرب بعضها بعض
يستقيكها من كفه رشأ ... لدن القوام مهفهف بض
سيان خمرته وريقته ... كلتاهما عنبية محض
تدمي اللواحظ خده نظرا ... للحظ في وجناته عض
من ضمه فتح السرور له ... بابا وكان لعيشه الخفض
باهت وقد أبدى محاسنه ... قمر السماء بحسنه الأرض
يسعى بها كالشمس مشرقة ... للعين عن إشراقها غض
والكأس إذ تهوي بها يده ... نجم بجنح الليل منقض
بات الندامى لا حراك بهم ... إلا كما يتحرك النبض
في روضة يهدي لنا شقها ... أرج الحبائب زهرها الغض
ختم الحيا أزهارها فغدا ... بيد النسيم لختمها فض
فاشرب على حافتها طربا ... وأنهض لها ما أمكن النهض
لا تنكرن لهوى على كبري ... فعلي من عصر الصبا قرض
أعرى العذول بلومه شغفي ... فكأنما إبرامه نقض
خالفته والرأي مختلف ... شأني الوداد وشأنه البغض
مهلا فليس على الفتى دنس ... في الحب ما لم يدنس العرض
وبديع قول ابن حمديس القلي في وصف فرس:
يجري ولمع البرق في آثاره ... من كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق
ومثله قول شمس الدولة عبدان:
أبت الحوافر أن يمس بها الثرى ... فكأنه في جريه متعلق
فكأن أربعة تراهن طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق
ولمؤيد الدين الطفرائي يصف خيلا:
سبقت حوافرها النواظر فاستوى ... سبق إلى غاياتها وشفون
لولا ترائي الغايتين لأقسم ال ... راؤن أن حراكها تسكين
وتكاد تشبهها البروق لو أنها ... لم تعتلقها أأعين وظنون
وقال معاوية بن مرداس:
يكاد في شأوه لولا أسكنه ... لو طار ذو حافر من قبله طارا
ومثله قول الآخر:
لو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر
ومنه قول البحتري:
لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
ومنه أخذ المتنبي قوله:
لولا تعقل الشجر التي قابلتها ... مدت محيية إليك الأغصنا
إلا أن بيت البحتري أحسن وأمكن.
حدث أحمد البلاذري المؤرخ قال: كنت من جلساء المستعين, فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلا ممن قال: مثل قول البحتري في المتوكل (لو أن مشتاقا - البيت) فرجعت إلى داري, وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن مما قاله البحتري, فقال: هاته, فأنشدته:
ولو أن برد المصطفى إذ لبسته ... يظن لظن البرد أنك صاحبه
وقال وقد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه
فقال ارجع إلى منزلك وأفعل ما آمرك به. فرجعت, فبعث إلي بسبعة آلاف دينار وقال: أدخر هذه للحوادث بعدي, ولك على الجراية والكفاية ما دمت حيا. انتهى.
قلت: ولعمري لقد أساء الأدب هذا الشاعر مع المصطفى ﵌, وسيجازيه الله تعالى على قلة أدبه. وهذا من الغلو القبيح المردود.
ومنه قول التمار الواسطي وقيل غيره:
стр. 318
قد كان لي فيما مضى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت من شوق فلو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه
وقول المظفر بن كيغلغ:
عبدك أمرضته فعده ... أتلفه إن لم تكن ترده
ذاب فلو فتشت عليه ... كفك في الفرش لم تجده
وقول ابن دانيال:
محب غدا جسمه ناحلا ... يكاد لفرط الضنى أن يذوبا
ورق فلو حركته الصبا ... لصار نسيما وعادت قضيبا
وقول بعضهم:
ولو شئت في طي الكتاب لزرتكم ... ولم تدر عني أحرف وسطور
وقول الوزير ابن العميد:
لو أن ما أبقيت من جسمي قذى ... في العين لم يمنع من الإغفاء
ومن هنا أخذ الشيخ جعفر الخطي من شعراء هذا القرن فقال:
لقد تضائل حتى لو قذفت به ... في مقلة ما أحسته مآقيها
وأكثر من ذلك غلوا قول أبي عثمان الخالدي:
بنفسي حبيب بأن صبري ببينه ... وأودعني الأحزان ليلا ودعا
وأنحلني بالهجر حتى لو أنني ... قذى بين جفني أرمد ما توجعا
وتجاوز المتنبي أبعد من ذلك فقال:
أراك ظننت السلك جسمي فعقته ... عليك بدر عن لقاء الترائب
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب
ومنه قول الشيخ جعفر الخطي ﵀:
وعبرة لو دعي نوح ليسلكها ... بفلكه قال بسم الله مجريها
ومقلة ألفت فرط السهاد فلو ... رد الرقاد عليها كاد يؤذيها
وقولي من أبيات خمرية:
رقت فلولا الكأس لم تبصر لها ... جسما ولم تلمس براحة لامس
فكأنها عند المزاج لطافة ... وهمٌ يخيله توهم هاجس
وقول الشريف الرضي ﵁:
لو أن قومك نصلوا أرماحهم ... بعيون سربك ما أبل طعين
ومن أحسن أنواع الغلو أيضاً ما تضمن نوعا حسنا من التخييل, وإن لم يأت فيه بأداة التقريب, ومثل له الخطيب في الإيضاح والتلخيص بقول أبي الطيب:
عقدت سنابكها عليها عثيرا ... لو تبتغي عنقا عليه لا مكنا
وتبعه على ذلك ابن حجة فقال: ومن الغلو المقبول بغير أداة التقريب قول أبي الطيب - وأنشد البيت - وأعترض ذلك بعض المتأخرين فقال: قد عدوا من أدوات التقريب (لو) وصرح بذلك ابن حجة في الإغراق فقال: ولم يقع شيء من الإغراق والغلو في الكتاب العزيز, ولا في الكلام الفصيح إلا مقرونا بما يخرجه من باب الاستحالة, ويدخله في باب الإمكان مثل (كاد) و (لو) وما يجري مجرهما, ثم قال: ومن شواهد تقريب نوع الإغراق (بلو) قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لأولهم أو مجدهم قعدوا
قال (لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا) وهو محل الشاهد, فإن صدره لا غلو فيه البتة, فكيف يقال أنه من الغلو بغير أداة التقريب؟.
وقد جمع القاضي الأرجاني بين حسن التخييل وأداة التقريب في قوله:
يخيل لي أن سمر الشهب في الدجى ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقوله (يخيل) هي أداة التقريب, فإنه جعل المدعى توهما لا حقيقة وأما حسن التخييل فهو ما أدعاه من أنه لطول ليلة وشدة سهره يوقع في خياله أن الشهب محكمة بالمسامير لا تزول عن مكانها. وشدت أجفانه إليها بأهدابه لعدم انطباقها والتقائها, فجعل الأهداب بمنزلة الحبال. ولا خفاء بما في هذا التخييل من الحسن.
وإلى هذا المعنى لمح ابن نباتة في قوله - وإن لم يستوفه -:
كم ليلة بت أشكو من تطاولها ... علي والليل داجي القلب كافره
وأرقب الشهب فيه وهي ثابتة ... كأنما سمرت منها مسامره
ومن الغلو المقبول, ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة كقول أبي الشكر محمود بن سليمان بن سعيد الموصلي المعروف بابن المحتسب من قصيدة:
أمر بالكرم خلف حائطه ... تأخذني نشوة من الطرب
أسكر بالأمس إن عزمت على الشرب غدا إن ذا من العجب
فإن السكر في الأمس للعزم على الشرب في الغد محال, لكنه مقبول لإخراجه مخرج الهزل والخلاعة, وذلك مما تميل إليه الطباع.
وقول ابن الحجة أنه من الغلو الذي هو غير مقبول, فقد نص على ما ذكرناه الخطيب في كتابه, وغيره من المحققين, فلا عبرة بقوله.
ومنه قول أبي الحسن أحمد بن المؤمل:
وقائلة ما بالك بالدهر طافحا ... وأنت مسن لا يليق به السكر
стр. 319
فقلت لها أفكرت في الخمر مرة ... فاسكرني ذاك التوهم والفكر
ومن الغلو بغير أداة التقريب قول أبي نواس في الخمر:
فلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو على شعاعها ... فيطلع ندماني على سري الخفي
قوله أيضاً:
وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
روي أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس فقال: ما استحييت من الله بقولك (وأخفت أهل الشرك - البيت) فقال له أبو نواس: وأنت ما استحييت من الله بقولك:
ما زلت في غمرات الموت مطرحاً ... يضيق عني وسيع الرأي من حيلي
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
فقال العتابي: قد علم الله, وعلمت أن مثل هذا ليس قول مثلك, ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا.
وقد استعمل أبو نواس معنى البيت ثانيا فقال:
حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان
ومنه قوله أيضاً:
لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار
وقول الآخر:
منعت مهابتك القلوب كلامها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
وقول النظام:
نظرت إليه نظرة فتحيرت ... دقائق وهمي في جليل صفاته
فأومى إليه الوهم أني أحبه ... فأثر ذاك الوهم في وجناته
وقوله أيضا:
حركات الضمير تؤثر في الخد ... ويدميه وهم لحظ العيون
رق حتى لو لامسته أذابت ... هـ بإيمائها يد المكنون
وقول أبي العتاهية في فرس للرشيد. حدث ابن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل فجاء فرس يقال له المشمر سابقا, وكان الرشيد معجبا بذلك الفرس, فأمر الشعراء أن يقولوا فيه فبدرهم أبو العتاهية فقال:
جاء المشمر والأفراس يقدمها ... عفوا على رسله منها وما انبهرا
وخلف الريح حسرى وهي جامدة ... ومر يختطف الأبصار والنظرا
قال: فأجزل وصلته, وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول شيئا.
وقول الآخر في فرس أيضا:
كم سابح أعددته فوجدته ... عند الكريهة وهو نسر طائر
لم يرم قط بطرفه في غاية ... إلا وسابقه إليها الحافر
وقول ابن حجاج في مرثية فرس له:
قال له البرق وقالت له الريح ... جميعا وهما ما هما
أأنت تجري معنا قال لا ... إن شئت أضحكتكما منكما
هذا ارتداد الطرف قد فته ... إلى المدى سبقا فمن أنتما
وقول ابن خفاجة الأندلسي:
وأبلق خوار العنان مطهم ... طويل الشوى والساق أقود أتلعا
جرى وجرى البرق اليماني عشية ... فأبطأ عنه البرق عجزا وأسرعا
وحسب الأعادي أن يزجروا به ... مغيرا غربا صبح القوم أبقعا
ومعنى البيت الأخير في غاية الحسن.
وقول الشيخ صفي الدين الحلي ﵀:
وأغر تبري الإهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض
وأخشى عليه أن يصاب بأسهمي ... لما يسابها إلى الأغراض
وقوله أيضا:
وأدهم يقق التحجيل ذي مرح ... يميس من عجبه كالشارب الثمل
مضمر مشرف الأذنين تحسبه ... موكلا باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليلٍ تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت بهاديه وانحطت عن الكفل
وقول الشيخ صلاح الدين الصفدي:
يا حسنه من أشقر قصرت ... عنه بروق الجو في الركض
لا تستطيع الشمس من جريه ... ترسمه ظلا على الأرض
فهذه الأمثلة كلها من نوع الغلو الذي لم يؤت فيه بأداة التقريب, ومنها البديع المستحسن, والمقبول غير المستهجن كما ترى, فظهر لك أن حسن الغلو غير مقصور على ما قرب من الإمكان بأداة التقريب كما زعم ابن حجة في شرح بديعيته.
ومن الغريب أن ابن حجة عد من أدوات التقريب (لو) كما مر ببيانه, ثم قال: ومن الغلو بغير أداة التقريب قول بعضهم:
قد كان لي فيما مضى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه
قال: ومثل هذا لا يقبله العقل, ولا عليه رونق القبول. انتهى. وقد ترى أن الغلو في هذين البيتين كليهما مقرون (بلو) فهل هذا إلا تناقض؟.
стр. 320
وأما الغلو المردود القبيح الذي يجب اجتنابه, ويهجر جنابه, فهو ما آل بصاحبه إلى الكفر والاستخفاف بقدرة الله تعالى, والمدح الذي لا يليق إلا بجنابه , سواء قرن بشيء من أدوات التقريب أم لا.
كقول ابن دريد في مقصورته يخاطب الدهر:
ما رست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا
يقال: أنه أصابه فالج بطل له من محزمه إلى قدمه, فكان إذا دخل عليه الداخل صاح وتألم لدخوله وإن لم يصل إليه. قال تلميذه أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي: فكنت أقول في نفسي أن الله عاقبه لقوله المذكور, فكان يصيح لذلك صياح من يمشي عليه, أو يشك بالمسال؛ أعاذنا الله من ذلك.
ويقرب من ذلك ما حكي أن الشيخ عمر بن الفارض لما نظم قوله:
وبما شئت في هواك اختبرني ... فاختباري ما كان فيه رضاكا
ابتلي بحصر البول, حتى أنه صار يأتي للصبيان في المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب.
ومن غلو ابن دريد القبيح في مقصورته هذه قوله أيضاً في ممدوحه:
ولو حمى المقدار عنه مهجة ... لرامها أو يستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمره ... ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
وقول أبي العتاهية:
فإذا أضرم حربا كان في ... مهج القوم شريكا للقدر
وقول علي بن جبلة المعروف بالعكوك:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر في حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال
وبهذين البيتين استحل المأمون دم الشاعر المذكور.
ذكروا أن المأمون لما بلغه قول علي بن جبلة في أبي دلف:
كل من في الأرض من عرب ... بين باديه ومحتضره
مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره
استشاط من ذلك وغضب غضباً شديداً وقال: ويلي على ابن الفاعلة, يزعم أنا لا نعرف مكرمة إلا مستعارة من أبي دلف وقال: اطلبوه حيث ما كان, وأتوني به. فطلبوه ولم يقدروا عليه, لأنه كان مقيما بالجبل. فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة الفراتية, حتى توسط الشامات فظفروا به وأخذوه, وحمل مقيدا إلى المأمون. فلما صار بين يديه قال: يابن اللخناء أنت القائل في قصيدتك للقاسم بن عيسى - وهو أبو دلف - (كل من في الأرض من عرب) وأنشد البيتين, جعلتنا ممن يستعير المكارم منه يوم الافتخار؟ قال: يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاس بكم, لأن الله اختصكم لنفسه على عباده, وآتاكم الكتاب والحكم وآتاكم ملكا عظيما. وإنما ذهبت في قولي إلى أقران وأشكال القاسم بن عيس من الناس. فقال: والله ما أبقيت أحدا, ولقد أدخلتنا في الكل, وما استحل دمك بكلمتك هذه, ولكن استحله بكفرك في شعرك, حيث قلت في عبد ذليل مهين فأشركت بالله وجعلت معه ملكاً قادراً, وهو (أنت الذي تنزل الأيام منزلها) وأنشد البيتين.
ثم قال: أخرجوا لسانه من قفاه, فمات, وكان ذلك في سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد.
والشعراء المشهورون بالاستكثار من الغلو المردود والقبيح: أبو نواس وأبو الطيب المتنبي, وابن هاني الأندلسي وهو أشهرهم بذلك, وأبو العلاء المعري, والمتأخرين ابن النبيه.
فمن غلو أبي نواس القبيح قوله يمدح الفضل بن العباس:
يداه في الأرض والسماء فما ... تجوز قطريه كف مخلوق
وقوله في الرشيد:
فلا يتعذرن عليك عفو ... وسعت به جميع العالمينا
وهذا إنما هو عفو الله سبحانه لا عفو الرشيد.
وقوله فيه أيضاً:
يا ناق لا تسأمي أو تبلغي ملكا ... تقبيل راحته والركن سيان
وقوله في الغزل:
متتايه بجماله صلف ... لا يستطاع كلامه تيها
للحسن في وجناته بدع ... ما إن ميل الدرس قاريها
لو كانت الأشياء تعقله ... أجللته إجلال باريها
وقال أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر عند ذكره ما نعي على أبي الطيب المتنبي من معائب شعره ومقابحه: منها الإفصاح عن ضعف العقيدة, ورقة الدين. على أن الديانة ليست عيارا على الشعر, ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشعر, ولكن الإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به, قولا وفعلا ونظما ونثرا, ومن استهان بأمره, ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه فقد باء بغضب من الله تعالى, وتعرض لمقته في وقته.
следующие страницы →