Полный текст (514 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ولنكتف منه بهذا المقدار وله كل معنى مليح، وكانت وفاته سنة سبع وسبعين وألف بمكة المشرفة، وهي مولده ومنشؤه وموطنه.
رجع. ومنه بين أربعة وأربعة قول بعضهم:
ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والوهجِ
وقول ابن خفاجة وليس لها في الحسن نظير:
ومهفهف طاوي الحشا ... خنث المعاطف والنظرْ
ملأ العيون بصورة ... تليت محاسنها سور
فإذا رنا وإذا مشى ... وإذا شدا وإذا سفر
فضح الغزالة والغما ... مة والحمامة والقمر
وهذه الأبيات عارض بها قول أبي الحسين علي بن بشر الكاتب أحد شعراء اليتيمة:
يا من يمر ولا تمر ... به القلوب من الفرق
بعمامة من خده ... أو خده منها استرقْ
فكأنه وكأنها ... قمر تعمم بالشفق
فإذا بدا وإذا انثنى ... وإذا شدا وإذا نطق
شغل الخواطر والجوا ... رح والمسامع والحدق
ولا يخفى أن أبيات ابن خفاجة تفوق هذه بترتيب اللف والنشر وتزيد عليها زيادة العشرين على العشر.
ومنه بين خمسة وخمسة.
قول أبي جعفر الأندلسي رفيق بن جابر وشارح بديعيته:
ملك يجيء بخمسة من خمسة ... كفي الحسود بها فمات لما به
من وجهه ووقاره وجواده ... وحسامه بيديه يوم ضرا به
قمر على رضوى تسير به الصبا ... والبرق يلمع من خلال سحابه
وقول أبي محمد بن حزم الأندلسي:
خلوت بها والسراح ثالثة لنا ... وجنح الظلام الليل قد مد واعتلج
فتاة عدمت العيش إلا بقربها ... فهل في ابتغاء العيش ويحك من حرج
كأني وهي والكأس والخمر والدجى ... حيا وثرى كالبدر والتبر والسبج
ولابن جابر ناظم البديعية بن ستة وستة:
إن شئت ظبياً أو هلالاً أو دمى ... أو زهر غصن في الكثيب الأملدِ
فللحظها ولوجهها ولشعرها ... ولخدها والقد والردف أقصد
وقلت أنا في ذلك:
الصبح والليل وشمس الضحى ... والدهر والدر ولين القضيبْ
في الفرق والطرة والوجه وال ... خدين والثغر وقد الحبيب
ولنجم الدين البارزي بين سبعة وسبعة:
يقطع بالسكين بطيخة ضحى ... على طبق في مجلس لا صاحبهْ
كبدر ببرق د شما أهلة ... لدى هالة في الأفق بين كواكبه
كل من ألفاظ النشر في البيت الثاني من هذين البيتين راجع إلى منصوص في البيت الأول، إلا الأهلة فإنه راجع إلى الأشطار المفهومة من قوله: يقطع.
وسبق إلى هذا المعنى ابن قلاقس حيث قال:
أتانا الغلام ببطيخة ... وسكينة أحكموها صقالا
فقسم بالبرق شمس الضحى ... وأعطى لكل هلال هلال
وقال آخر:
ولما بدا ما بيننا منية النفس ... يحزز بالسكين صفراء كالورسِ
توهمت بدر التم قد أهلة ... على أنجم بالبرق من كرة الشمس
ولابن مقاتل الحموي بين ثمانية وثمانية:
خدود وأصداغ وقد ومقلة ... وثغر وأرياق ولحن ومعربِ
كورد وسوسان وبان ونرجس ... وكأس وجريال وجنك ومضرب
وللصفي الحلي:
وظبي بقفر فوق طرف مفوق ... بقوس رمى في النقع وحشا بأسهمِ
كبدر بأفق فوق برق بكفه ... هلال رمى في الليل جنا بأنجم
ولبعضهم بين عشرة وعشرة:
شعر جبين محيا معطف كفل ... صدغ فم وجنات ناظر ثغرُ
ليل صباح هلال بانة ونقا ... آس أقاح شقيق نرجس در
ولابن جابر بين اثني عشرة واثني عشرة:
فروع سنى قد كلام فم لمى ... حلى عنق ثغر شذى مقلة خدُّ
دجى قمر غصن جنى خاتم طلا ... نجوم رشا در كبى نرجس ورد
وجل القصد هنا أن يكون اللف والنشر في بيت واحد خاليا من الحشو وعقادة التركيب جامعاً بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة، وهنا انقضى الكلام على اللف والنشر المرتب.
والضرب الثاني مما ذكر فيه المتعدد تفصيلاً، هو ما كان فيه النشر على غير ترتيب اللف، وهو إما أن يكون الأول من النشر للآخر من اللف، والثاني لما قبله، وهكذا على الترتيب، ويسمى معكوس الترتيب.
كقول ابن حيوس:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظاً وقداً وردفا
стр. 72
فاللحظ للغزال والقد للغصن والردف للحقف، وهو النقا من الرمل، أو لا يكون كذلك، وليسم مختلط الترتيب، واللف والنشر المشوش، ولم يذكروا له من النظم مثالاً.
فقلت ممثلاً له:
حكيت الدجى والصبح والغصن والنقا ... قواماً وأردافاً وفرعاً ورونقا
وأخجلت حسنا طلعة البدر والرشا ... وورق الحمى لحظاً ووجهاً ومنطقا
والثاني - وهو ذكر المتعدد إجمالاً، قسم واحد، لا يتبين فيه ترتيب ولا عكس، مثاله قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى. فلف بين الفريقين إجمالاً في قوله: وقالوا، فإن الضمير فيه لليهود والنصارى، وإنما سوغه ثبوت العناد بين اليهود والنصارى، أو التضليل كل فريق صاحبه فلا يمكن أن يقول أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنة، فوثق بالعقل في أنه يرد كل قول إلى فريقه لأمن اللبس.
ومنه قول طرفة بن العبد وهو بالطاء والراء المهملتين المفتوحتين. ومنهم من يقول: طرفة بضم الطاء المهملة. وهو تحريف بحت فاحذره:
فلولا ثلاث هن من لذة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكري إذا نادى المضاف مجنباً ... كسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة نحت الخباء المعمد
الجد: السعد. وقوله: لم أحفل، أي لم أبال، والعود جمع عائد وهو الزائر في المرض، يعني لم أبال متى قام عودي من عندي آيسين من حياتي. والشربة هنا: الخمر، وكميت: فيها حمرة وبياض. وتعل: تمزج. وتزبد: تصير عليها رغوة، يريد أن يباكر شرب الخمر قبل انتباه العواذل. والكر: العطف. والمضاف - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة -: ألذي أحيط به في الحرب. ومجنبا - بالجيم -: فرساً في رجله تجنيب، وهو انحناء وتوتير مستحب في أرجل الخيل. والشيد: الذئب. والغضا: شجر. والمتورد: الذي صار لونه أحمر من دم الفرائس. والدجن: الباس الغيم آفاق السماء. والبهكنة: المرأة السمينة الناعمة. والمعمد: المرفوع بالعمد.
ولأبي حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي، ومولده بالمدائن يوم السبت سنة ست وثمانين وخمسمائة:
لولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبدِ
أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلاً جهدي
وأن أناجي الله مستمتعا ... بخلوة أحلى من الشهد
وإن أتيه الدهر كبرا على ... كل لئيم أصغر الخد
لذاك أهوى لا فتاةٍ ولا ... خمر ولا ذي ميعة نهد
ولضياء الدين أبي جعفر أحمد بن صابر القيسي الطاهري:
لولا ثلاث هن والله من ... أكبر آمالي في الدنيا
حج لبيت الله أرجو به ... أن يقبل التوبة والسعيا
والعلم تحصيلاً ونشراً إذا ... رويت أوسعت الورى ريا
وأهل ود أسأل الله أن ... يمتع بالبقيا إلى اللقيا
ما كنت أخشى الموت أنى أتى ... بل لم أكن ألتذ بالمحيا
وللشيخ أثير الدين أبي حيان النحوي:
أما أنه لولا ثلاث أحبها ... تمنيت أني لا أعد من الأحيا
فمنها رجائي أن أفوز بتوبة ... تكفر لي ذنباً وتنجح لي سعيا
ومنهن صوتي النفس عن كل جاهل ... لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا
ومنهن أخذي للحديث إذا الورى ... نسوا سنة المختار واتبعوا ألرأيا
أتترك نصاً للرسول وتقتدي ... بشخص لقد بدلت بالرشد الغيا
وللشيخ صلاح الدين الصفدي على وزن أبيات ابن أبي الحديد ورويه:
لولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي
تكميل ذاتي بالعوم التي ... تنفعني إن صرت في لحدي
والسعي في رد الحقوق التي ... لصاحب نلت به قصدي
وأن أرى الأعداء في صرعة ... لقيتها في جمعهم وحدي
فبعدها اليوم الذي حم لي ... عندي استوى في القرب والبعد
стр. 73
تنبيه - قال الحافظ السيوطي في الإتقان: قد يكون الإجمال في النشر لا في اللف، بأن يؤتى بمتعدد، ثم يلفظ يشتمل على متعدد يصلح لها كقوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) على قول أبي عبيدة: إن الخيط الأسود أريد به الفجر الكاذب لا الليل. انتهى. فعلى هذا يكون ذكر المتعدد إجمالاً قسمين، أحدهما ما كان فيه الإجمال في اللف والثاني ما كأن فيه الإجمال في النشر، وإذا ثبت ذلك كانت الفذلكة أيضاً من القسم الإجمالي الذي وقع فيه الإجمال في النشر، لأنها عكس ما تقدم من الأمثلة لذكر المتعدد إجمالاً في اللف فأعلم.
وأرباب البديعيات لم ينظموا إلا اللف والنشر المرتب، لأنه هو أشهر أقسامه وأعلاها رتبة عند علماء البديع.
وبيت الشيخ صفي الدين قوله:
وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي ... منهم إليهم عليهم فيهم بهمِ
هذا البيت غاية في بابه لما اشتمل عليه من السهولة والرقة وعدم الحشو.
وابن جابر لم ينظم هذا النوع إلا في بيتين مع عقادة التركيب وهما:
حيث الذي إن بدا في قومه وحبا ... عفاته ورمى الأعداء بالنقمِ
والبدر في شبهه والغيث جاد الذي ... محل وليث الشرى قد جال في الغنم
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
نشر ويسر وبشر من شذا وندى ... وأوجه فتعرف طي نشرهمِ
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
فالطي والنشر والتغيير مع قصر ... للظهر والعظم والأحوال والهممِ
لا يخفى ما في هذا البيت من الثقل الذي يخف عنده رضوى، ومعناه من الركاكة في الغاية القصوى، ولا أعظم من نشر العظم في هذا النظم، فإن الأسماع لا تسيغه، والعز الموصلي وإن لم يكن لقوله: فتعرف طي نشرهم نص في اللف، بل هو فضلة أتى به لتسمية النوع، لكنه على كل حال أخف على السمع من هذا البيت لفظاً ومعنى، وأحسن منه تشييداً ومبنى.
وبيت الطبري قوله:
لفي ونشري اعتمادي لوعتي ولهي ... فيهم إليهم عليهم منهم بهمِ
وبيت بديعيتي هو قولي:
لفي ونشري انتهائي مبدئي شغفي ... معهم لديهم إليه منهم بهمِ
في هذين البيتين وهما فرساً رهان في هذا الميدان، رد على ابن حجة حيث قال: لو التزم الشيخ صفي الدين إن يسمى هذا النوع لتجافت عليه تلك الرقة، وهذان مع التزام التسمية ملكاً من حسن الانسجام والسهولة رقه، فلو أدركهما ابن حجة لقامت عليه الحجة.
وبيت المقري قوله:
سقمي دموعي نحولي خمرتي معه ... في اللحظ والعقد والأحشا وريق فمِ
الالتفاف
ما أسعد الظبي لو يحيك لحاظهم ... أو كنت يا ظبي تعزى لالتفاتهمِ
الالتفات - مأخوذي من التفات الإنسان من يمينه إلى شماله، ومن شماله إلى يمينه، وهو عند الجمهور: التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة، أعني: التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بطريق آخر منها.
وقال السكاكي: هو أما ذلك أو أن يكون مقتضى الظاهر التعبير عنه بطريق منها، فعدل إلى الآخر. فهو عنده أعم، فكل التفات عند الجمهور التفات عنده من غير عكس.
فقول امرئ القيس:
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلي ولم ترقدِ
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرني عن أبي الأسود
فيه عند السكالي ثلاث التفاتات، أحدهما في (ليلك) ، لأنه خطاب ومقتضى الظاهر (ليلي) بالتكلم، والثاني في (باتَ) لأنه غيبة ومقتضى الظاهر (بت) بالتكلم أيضاً، والثالث في (جاءني) لأنه تكلم ومقتضى الظاهر (جاءك) بالخطاب. وعند الجمهور فيه التفاتان وهما الثاني والثالث وأما الأول فليس عندهم بالتفاف، لأنه لم يقع بعد التعبير عنه بطريق آخر من الطرق الثلاثة بخلاف الآخرين.
стр. 74
قال في المفتاح: والعرب يستكثرون من الالتفات، ويرون الكلام إن انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القلوب عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه، واملأ باستدرار إصغائه، وهم أحرياء بذلك، أليس قري الأضياف سجيتهم، ونحر العشار للضيف دأبهم وهجيراتهم؟ - لا مزقت أيدي الأدوار لهم أديماً ولا أباحت لهم حريما - أفتراهم يحسنون قري الأشباح فلا يخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح فلا يخالفون بين أسلوب وأسلوب، وإيراد وإيراد؟ فإن الكلام المفيد عند الإنسان - لكن بالمعنى لا بالصورة - أشهى غذاء لروحه، وأطيب قرى لها. انتهى.
وهذا الوجه وهو إفادة التطرية لنشاط السامع هو فائدته العامة، وقد يختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله. وأقسامه ستة، حاصلة من ضرب الطريق الثلاثة في الاثنين، لأن كلا من الطرق الثلاثة ينقل إلى الآخرين.
أحدهما الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، ومثاله قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) إلى قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) فالتفت من الغيبة إلى الخطاب، والنكتة فيه أن العبد إذا ذكر الحقيقة بالحمد عن قلبٍ حاضر، ثم ذكر صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال، وآخرها (مالك يوم الدين) المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء، يجد من نفسه حاملاً لا يقدر على دفعه، على خطاب من هذه صفاته بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات.
ومن أمثلته في الشعر قول ربيعة بن مقروم:
تهدمت الحياض فلم يغادر ... لحوض من نصائبه إزاءُ
لخولة إذ هم مغنى وأهلي ... وأهلك ساكنون وهم رتاءُ
ففي قوله وأهلك التفات من الغيبة إلى الخطاب. والنصائب: حجارة تنصب حول الحوض. والإزاء: مصب الماء إلى الحوض. ورتاء، أي متقابلة.
وقول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوع ... سقيت الغيث أيتها الخيامُ
وقول أبي العلاء المعري:
هي قالت لما رأت شيب رأسي ... وأرادت تنكراً وأزوارارا
أنا بدر وقد بدا الصبح في را ... سك والصبح يطرد الأقمار
لستِ بدراً وإنما أنت شمس ... لا ترى في الدجى وتبدو نهارا
وقول شريف الرضي) ﵁ (:
مَن شافعي وذنوبي عندها الكبر ... إن البياض لذنب ليس يغتفرُ
راحت تريح عليك الهم صاحية ... وعند قلبك من غي الهوى سكر
رأت بياضك مسوداً مطالعه ... ما فيه للحب لا عين ولا أثرُ
وأي ذنب للون راق منظره ... إذا أراك خلاف الصبغة الأثر
وما عليك ونفسي فيك واحدة ... إذا تلون في ألوانه الشعر
وقول أبي الحسن التهامي:
أهدت لنا من خدها ورضابها ... ورداً تحيينا به وشمولا
ورداً إذا ما شم زاد غضاضة ... ولو أنه كالورد زاد ذبولا
وجلت لنا برداً يشهي برده ... نفس الحصور العابد التقبيلا
لم أنسها تشكو الفراق بأدمع ... ما اعتدن في الخد الأسيل سبيلا
فرأيت سيف اللحظ ليس بمغمد ... من تحت أدمعها ولا مسلولا
إن دام دمعك فاحذري غرقا به ... فإذا توالى القطر صار سيولا
حطي النقاب لعل سرح لحاظنا ... في روض وجهك يرتعين قليلا
لما اتنقبت حسبت وجهك شعلة ... خلل النقاب وخلته قنديلا
وقول شيخنا محمد بن علي الشامي:
زعمت بثينة إن قلبك قد سلا ... من لي بقلب مثل قلبك قلبِ
وفي هذا البيت التفاتان، أحدهما من الخطاب إلى التكلم، والثاني من الغيبة إلى الخطاب، وهو ما نحن فيه. وعلى رأي السكالي، فيه ثلاث التفاتات كما لا يخفى.
وما أحسن قوله بعده:
قد كنت آمل أن تموت صبابتي ... حتى نظرت إليك يا ابنة يعربِ
فطربت ما لم تطربي ورغبت ما ... لم ترغبي ورهبت ما لم ترهبي
وقول الشيخ حسين الطبيب من قصيدة يمدح بها الوالد:
خليلي عوجاً بي على أيمن الحمى ... لعل سماحاً بالوصال تسامحُ
سواء علي الموت أم شطت النوى ... بسمحاء أم حز الوريدين ذابح
تجنبتها لا عن ملال ولا قلى ... ولكن مصاب يصدع القلب فادح
وإن رمت أسلو حبها حال دونه ... رسيس جوى ضمت عليه الجوانح
قضى الله يا سمحاء بالبين بينا ... إلا كل ما يقضي به الله صالح
стр. 75
حنانيك أنت الداء والبرء إنما ... يفوز ويشقى فيك دان ونازحُ
من الاتفاق الغريب إن هذه الأبيات جرت على لسان الشيخ المذكور مجرى الفأل، فقضى الله سبحانه بالبين بين الشيخ وبين فتاته سماح المتغزل فيها بهذه الأبيات، فتوفى بعد نظمه هذه القصيدة بأيام يسيرة.
الثاني الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو عكس الأول، ومثاله قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) والأصل بكم، ونكتته العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، التعجب من كفرهم وفعلهم، واستدعاء الإنكار منهم عليهم، فلو استمر على خطابهم لفاتت هذه الفائدة، وقيل فيها غير ذلك.
ومن أمثلته في الشعر قول النابغة الذبياني:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد
وقول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرمِ
كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلمِ
وقول بعضهم:
أن يكن مسك الليالي بصرف ... فهو مثل الحسام يجلو صقلُ
وقول البحتري:
ضمان على عينيك إني لا أسلو ... وإن فؤادي من جوى بك لا يخلو
ولو شئت يوم الجزع بل غليله ... محب بوصل منك أن أمكن الوصل
وما النائل المطلوب منك بمعوز ... لديك بل الإسعاف بعوز والبذل
أطاع لها دل غرير وواضح ... شتيت وقد مرهف وشوى خدل
وألحاظ عين ما علقن بفارغ ... فخلينه حتى يكون له شغل
وعندي أحشاء تساق صبابة ... إليها وقلب من هوى غيرها غفل
وقول الشريف الرضي يخاطب الخلفاء العباسيين:
ردوا تراث محمد ردوا ... ليس القضيب لكم ولا البرد
هل أعرقت فيكم كفاطمة ... أم هل لكم كمحمد جد
جل افتخارهم بأنهم ... عند الخصام مصاقع لد
إن الخلائف والأولى فخروا ... بهم علينا قبل أو بعد
شرفوا بنا ولجدنا خلقوا ... فهم صنائعنا إذا عدوا
الثالث - الالتفات من الغيبة إلى التكلم، ومثاله قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميتٍ) والأصل (فساقه) . قال الزمخشري: وفائدته في هذه الآية وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة، وإنه لا يدخل تحت قدرة أحد.
ومن أمثلته في الشعر قول مهيار بن مرزويه الكاتب:
حمام اللوى رفقاً به فهو لبه ... جواد رهان نوحكن ونحبهُ
أعمداً تهيجن أمرأ بأن أنسه ... وأسلمه حتى أخوه وصحبه
أمر ومهري مغرمين على اللوى ... فأسأله أو كان ينطق تربه
وقول الحاجري:
أهل لك في إعانة مستهام ... يقاد إلى الغرام بلا زمامِ
تعرض بالخيام على زرود ... فراح وقلبه بين الخيام
عريب البر كيف أبيح قتلي ... أليس العرب تعرف بالذمام
وقول شهاب الدين التلعفري:
لا تقولوا سلا ومل هوانا ... وتسلى عنا بحب سوانا
كيف يسلوكم ويصبر عنكم ... من يرى سيئاتكم إحسانا
قسماً بعد بعدكم وجفاكم ... لم يفارق لي البكا أجفانا
وقوله:
خل الشجي وقلبه وكلومه ... فعلام تعذله وفيم تلومهُ
هذا عتابك قد أطلت حديثه ... وهوى فؤادي قد يراه قديمه
وقولي وهو صدر قصيدة مدحت بها الوالد، مهنئاً له بالنيروز ستة إحدى وسبعين:
من لحزين كلفٍ موجع ... قد شفه الشوق إلى الأربعِ
ما لي وللأربع ما لم تكن ... ربوع سلمى ربة البرقع
لم أنس عصراً قد تقضى بها ... وجمعنا إذ هو لم يصدع
بكيت يوم البين وجداً فلم ... أبق لذكرى الوصل من أدمعي
فهل لذاك الشمل من ناظمٍ ... أم هل لذاك العصر من مرجع
الرابع - الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وهو عكس الذي قبله، ومثاله قوله تعالى: (إني رسول الله إليكم جميعا) إلى قوله: (فآمنوا بالله ورسوله) والأصل (وبي) فعل عنه لنكتتين، أحدهما دفع التهمة عن نفسه بالمعصية لها، والأخرى تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص والمتلوة.
ومن أمثلته في الشعر قول عبد الهل بن طاهر:
وإذا سألتك رشف ريقك قلت لي ... أخشى عقوبة مالك الأملاكِ
стр. 76
ماذا عليك ... دفنت قلبك في الثرى
من أن أكون خليفة المسواك
أيجوز عندك أن يكون متيماً ... دنفاً بحبك دون عود أراك
وقو مهيار الديلمي:
أنذرتني أم سعد أن سعداً ... لم يزل ينهد لي بالشر نهدا
ما على قومك إن صار لهم ... أحد الأحرار من أجلك عبدا
فيه التفاتان، أحدهما من الغيبة إلى الخطاب، والثاني من التكلم إلى الغيبة وهو ما نحن فيه لأن الأصل (ما على قومها إن صرت لهم عبدا) والنكتة في العدول ظاهرة.
ومنها قول كثير عزة وهو من مختار كلامه:
لقد هجرت سعدي وطال صدودها ... وعاود عيني دمعها وسهودها
وكنت إذا ما جئت سعدي بأرضها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة تعيدها
منعمة لم تلق بؤساً وشقوة ... هي الخلد في الدنيا لمن يستفيدها
هي الخلد ما دامت لا هلك جارة ... وهل دام في الدنيا لنفس خلودها
فتلك التي أصفيتها بمودتي ... وليداً ولما تستبن لي نهودها
وقد قتلت نفساً بغير بمودتي ... وليس لها عقل ولا من يقيدها
الأصل (وقد قتلتني) فعدل عن ذلك لتهويل أمره تلميحاً إلى قوله تعالى: (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) ، فلو استمر على التكلم لفاتت هذه النكتة.
وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
أحيي هواه وهواه قاتلي ... ما أربح الشامي لو أودى بهِ
وحشي قلبي ضل عنه ريمه ... فظل يفلي البيد في طلابه
عجلان ما أخنى عليه قلبه=لو أنه في كفه دحى به الخامس - الالتفات من الخطاب إلى التكلم، ولم يقع في القرآن، قال الحافظ السيوطي في الإتقان: ومثل له بعضهم بقوله: (فاقض ما أنت قاضٍ) ثم قال: (إنا آمنا بربنا) وهذا المثال لا يصح، لأن شرط الالتفاف أن يكون المراد به واحداً. انتهى.
ومن أمثلته في الشعر قول علقمة بن عبدة:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حال مشيبُ
تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعاد عواد بيننا وخطوب
فالتفت من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم في (تكلفني) ، وطحابك أي ذهب بك. وشط وليها، أي بعد قربها وعهدها.
وقول القطامي:
نأتك بليلى نية لم تقارب ... وما حب ليلى من فؤادي بذاهبِ
وقول أبي فراس بن حمدان:
وقوفك بالديار عليك عار ... وقد رد الشباب المستعارُ
أبعد الأربعين محرمات ... تمادٍ في الصبابة واغترارُ
نزعت عن الصبا إلا بقايا ... يحقرها على الشيب الوقارُ
وطار الليل بي ولرب دهر ... نعمت به لياليه قصار
وما أحسن قوله بعده:
وندماني السريع إلى ندائي ... على عجلٍ وأقداحي الكبارُ
عسفت بها عواري الليالي ... أحق الخيل بالركض المعارُ
وكم من ليلة لم أروَ منها ... حييت لها وأرقني أدكار
قضاني الدين ما طله وأوفى ... إلي بها الفؤاد المستطار
فبت أعل خمراً من رضاب ... لها سكر وليس لها خمار
إلى أن رق ثوب الليل عنا ... وقالت قم فقد برد السوار
وولت تسرق اللحظات نحوي ... بملتفت كما التفت الصوار
دنا ذاك الصباح فلست أدري ... أشوق كان منه أم ضرار
فقد عاديت ضوء الصبح حتى=لطرفي عن طالعه أزورارُ ومنها قولي وهو من أوائل نظمي:
ذاك الحجاز وهذه كثبانه ... فاحفظ فؤادك أن رنت غزلانهُ
واسفح دموعك إن مرت بسفحه ... شغفاً به إن الدموع جمانه
وسل المنازل عن هوى قضيته ... هل عائد ذاك الهوى وزمانه
لهفي على ذاك الزمان وأهله ... وسقاه من صوب الحيا هتانه
إذا كان حبل الوصل متصلاً بنا ... والعيش مورقة به أغصانه
وإذ المعاهد مشرقات بالمنى ... والربع مغنى لم تبن سكانه
وقول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي:
أجدك شايعت الحنين المرجعا ... وغازلت غزلاناً على الخيف رتعا
وطالعت أقماراً على وجرة النقا ... وقد كنت أنهى العين أن تتطلعا
وما ألطف قوله بعده:
ولم أر مثل الغيد أعصى على الهوى ... ولا مثل قلبي للصبابة أطوعا
стр. 77
ومن شيمي والصبر مني شيمة ... متى أرم أطلالاً بعيني تدمعا
وقور على يأس الهوى ورجائه ... فما أتحسى الهم ألا تجرعا
خليلي مالي كلما هب بارق ... تكاد حصاة القلب أن تتصدعا
طوى الهجر أسباب المودة بيننا ... فلم يبق في قوس التصبر منزعا
لي الله كم أغضى الجفون على القذى ... وأطوي على القلب الضلوع توجعا
السادس - الالتفات من التكلم إلى الخطاب، وهو عكس الذي قبله ومثاله قوله تعالى: (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) الأصل (وإليه أرجع) فالتفت من التكلم إلى الخطاب ونكتته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه، وهو يريد نصح قومه تلطفاً وإعلاماً أنه يريد لهم ما يريد لنفسه، ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله، كذا قال غير واحد. واعترض بأن هذا إنما يصح أن لو قصد الإخبار عن نفسه في كلا الجملتين. وليس بمتعين، لجوار أن يريد بقوله: ترجعون، المخاطبين لأنفسه. وأجيب: بأنه لو كان المراد ذلك لما صح الاستفهام الإنكاري، لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمستلزم أن يعبده غير ذلك الراجع، فالمعنى: كيف لا أعبد من إليه رجوعي، وإنما عدل عن قوله: وإليه أرجع، إلى واليه ترجعون، لأنه داخل فيهم؛ ومع ذلك أفاد فائدة حسنة وهي؛ تنبيههم على أنه مثلهم في وجوب عبادة من إليه الرجوع.
ومن أمثلته في الشعر قول مجنون ليلى:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم انثنى ... على كبدي من خشية أن تصدعا
فليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا
وقوله أيضاً:
تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
إذا هبت الريح الشمال فإنما ... جواي بما تهدى إلي جنوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث حل حبيبها
وحسب الليالي أن طرحنك مطرحاً ... بدار قلىً تمسي وأنت غريبها
وقول عروة بن حزام صاحب عفراء:
أقول لعراف اليمامة داوني ... فإنك إن داويتني لأريبُ
فوا كبدي أمست رفاتاً كأنما ... يلذعها بالموقدات طبيب
عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب
وقوله أيضاً:
جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد أن هما شفياني
فما تركا من حيلة يعلمانها ... ولا شربة إلا وقد سقياني
ورشا على وجهي من الماء ساعة ... وقاما مع العواد يبتدران
وقالا شفاك الله والله ما لنا ... بما ضمنت منك الضلوع يدان
فويلي على عفراء ويل كأنه ... على الصدر والأحشاء حد سنان
فيا رب أنت المستعان على الذي ... تحملت من عفراء منذ زمان
فعفراء أوفى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني
أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعينين إنسانا هما غرقان
فالتفت من التكلم إلى خطاب نفسه، ليتأتي له الإنكار ويخرج الكلام مخرج العذل. فلو استمر على التكلم فاته ذلك.
ومنها قول الصردر:
ومعنف في الوجد قلت له أتئد ... فالدمع دمعي والحنين حنيني
ما نافعي إذ كان ليس بنافعي ... جاه الصبا وشفاعة العشرين
لا تطرقن خجلاً للومة لائم ... ما أنت أول حازم مفتون
فهذه جملة أقسام الالتفات الست وأمثلتها، وهنا تنبيهان: أحدهما - ذكر صدر الأفاضل في ضرام السقط: إن من شرط الالتفات أن يكون المخاطب بالكلام في الحالين واحداً، كقوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) فإن ما قبل هذا الكلام وإن لم يخاطب به الله من حيث الظاهر، فهو بمنزلة المخاطب به لأن ذلك يجري من العبد مع الله لامع غيره.
بخلاف قول جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاحِ
أغثني يا فداك أبي وأمي ... بسببٍ منك اتك ذو ارتياح
فإنه ليس من الالتفات في شيء، لأن المخاطب بالبيت الأول امرأته، وبالبيت الثاني هو الخليفة. انتهى.
فهذا أخص من تفسير الجمهور، لأن البيتين عندهم من الالتفات، لأنه عبر عن الخليفة أولاً بطريق الغيبة، وثانياً بطريق الخطاب.
وقال الصدر المذكور في قول أبي العلاء:
стр. 78
هل يزجرنكم رسالة مرسلٍ ... أم ليس ينفع في أولاك ألوكُ
إنه إضراب عن خطاب بني كنانة إلى الإخبار عنهم، وإن كان يرى من قبل الالتفات فليس منه، لأن المخاطب بهل يزجرنكم من نبو كنانة، وبقوله: أولاك أنت. انتهى.
وهو عند الجمهور التفات من الخطاب في (يزجرنكم) إلى الغيبة في (أولاك) بمعنى أولئك.
الثاني - قد يطلق الالتفات على معنيين آخرين، أحدهما - تعقيب الكلام بجملة مستقلة متلافية له في المعنى، على طريق المثل والدعاء أو نحوهما كما في قوله تعالى: (وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) وقوله تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) .
وقول جرير:
أتنسى يوم تصقل عارضيها ... بفرع بشامة سقي البشامُ
قال إسحاق الموصلي: قال لي الأصمعي: أتعرف التفات جرير؟ قلت: وما هو؟ فأنشدني البيت ثم قال: أما تراه مقبلاً على شعره إذا التفت إلى البشام فدعا له.
ويسمى ما عقب بجملة مستقلة على طريق المثل، التمثيل، وسيأتي ذكره منفرداً في بيت من البديعية إنشاء الله تعالى.
الثاني أن تذكر معنى فتتوهم أن السامع اختلجه شيء فتلتفت إلى كلام تزيل اختلاجه، ثم ترجع إلى مقصودك، كقول ابن ميادة:
فلا صرمه يبدو في اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه
كأنه لما قال: فلا صرمه يبدو، قيل له: وما تصنع به؟ فأجاب بقوله: وفي اليأس راحة. ويسمى هذا الاعتراض، وسيأتي والله أعلم: وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
وعاذل رام بالتعنيف يرشدني ... عدمت رشدك هل أسمعت ذا صممِ
وابن جابر الأندلسي لم ينظم هذا النوع في بديعيته.
وبيت الموصلي قوله:
وما التفت لشان حج في شغفي ... ما أنت للركن من وجدي بملتزمِ
وبيت ابن حجة قوله:
وما أروني التفاتاً عند نفرتهم ... وأنت يا ظبي أدري بالتفاتهمِ
وقد أطنب ناظمه في مدحه وإطرائه، فلنذكر ما أطراه به، ثم تتكلم عليه: قال: إنه البيت الذي حظيت من بابه بالفتح، وناده الغير من وراء حجراته، وتغايرت ظباء الصريم، وهو في سرب بديعه على حسن التفاته؛ وودت ربوع البديعيات أن تسكن منها في بيت، ولكن راودته التي هي في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب؛ وقالت: هيت. ولقد أنصف الحريري في المقامة الحلوانية عند إيراد الجامع لمشبهات الثغر بقوله: يا رواة القريض، وأساة القول المريض أن خلاصة الجوهر، تظهر بالسبك، ويد الحق تصدع رداء الشك. قلت: وأنا ماش في غرض بيت بديعيتي على هذا السنن، وأرجو أن يكون بحسن التفاته في مرآة الذوق مثل الغزال نظرة ولفتة. وفيه التورية بتسمية النوع، وقد برزت في أحسن قوالبها. ومراعاة النظيرة في الملائمة بين الالتفات والظبي، والنفرة والانسجام، الذي أخذ بمجامع القلوب رقة. والتمكن الذي ما تمكنت قافية باستقرارها في بيت كتمكين قافيته. والسهولة التي عدها التيفاشي في باب الظرافة، وناهيك بظرافة هذا البيت. والتوشيح وهو الذي يكون معنى أول الكلام دالاً على آخره. فقد اشتمل هذا البيت على ثمانية أنواع من البديع مع عدم التكلف. انتهى.
وأنا أقول: ما زال الأدباء يستظرفون ويتعجبون ويضحكون من طريقة أبي الحسن علي بن هارون المنجم، حال إنشاده شعره حتى جاء هذا المتشدق ابن حجة، فزاد عليه وأربى بشيء كثير، فإن هذاك كان يتبجح ويتكلم بلسانه، ثم ينقضي الكلام. وهذا قاله: بفمه وأثبته في كتابه بقلمه، فخلده على مر الزمان؛ أضحوكة لأولي الألباب والأذهان.
وطريقة ابن النجم المشار إليها هي: ما حكاه الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى، في كتاب الروزنامجة، الذي كتبه إلى أستاذه ابن العميد إياه كونه ببغداد.
قال: استدعاني الأستاذ أبو محمد - يعني الوزير المهلبي - فحضرت وابنا المنجم في مجلسه، وقد أعدا قصيدتين في مدحه، فمنعهما من النشيد لأحضره؛ فأنشدا وجوداً بعد تشبيب طويل، وحديث كثير. فإن لأبي الحسن رسماً أخشى تكذيب سيدنا أن شرحته، وعتابه أن طويته، ولأن أحصل عنده في صورة متزيد أحب إلي من أن أكون في رتبة مقصر.
стр. 79
يبتدي فيقول ببحة عجيبة، بعد إرسال دموعه وتردد الزفرات في حلقه واستدعائه - من جؤذار غلامه - منديل عبراته: والله والله وإلا فإيمان البيعة تلزمه بحلها وحرامها، وطلاقها وعتاقتها، وما ينقلب إليه حزام وعبيدة لوجه الله أحرار إن كان هذا الشعر في استطاعة أحد مثله، أو أتفق من عهد أبي دؤاد الأيادي إلى زمان ابن الرومي لأحد شكله. بلى عيبه أن محاسنه تتابعت، وبدائعه ترادفت. فقد كان في الحق أن يكون كل بيت منه في ديوان بجمله ويسود به شاعره.
ثم ينشد، فإذا بلغ بيتاً تعجب من نفسه فيه وقال: أيها الوزير، من يستطيع هذا إلا عبدك علي بن هارون بن علي بن يحيى أبي منصور المنجم جليس الخلفاء، وأنيس الوزراء.
ثم ينشد الابن والأب يعوذه ويهتز له؛ ويقول: أبو عبد الله؛ استودعته الله؛ ولي عهدي؛ وخليفتي من بعدي؛ لو اشتجر اثنان بين مصر وخراسان لما رضيت لفصل ما بينهما سواء؛ وأمتعنا الله به ورعاه.
وحديثه عجب؛ إن استوفيته ضاع الغرض الذي قصدته. انتهى.
وإطراء ابن حجة لبيته قريب من هذا، وبعض المعاني متوافقة، وهذا المعنى مكروه للشاعر.
قال نصر الله ابن الأثير في كفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب: يكره الشاعر أن يكون معجباً بنفسه مثنياً على شعره وإن كان مجيداً؛ إلا أن يريد ترغيب ممدوح أو ترهيبه، وقد جوز له ذلك مسامحة. انتهى.
ونرجع إلى بيت ابن حجة فنقول: في كونه من التفات نظر، لأنهم اشترطوا في الالتفات أن يكون المراد به واحداً كما تقدم عن الحافظ السيوطي في الإتقان، ويعطيه حدهم له أيضاً. والالتفات في بيته ليس كذلك لأنه أخبر أولاً من أحبابه أنهم لم يروه التفاتاً، ثم خاطب الظبي. وليس هذا من الالتفات المصطلح عليه عند الجمهور، نعم لم أخبر عن الظبي أولاً ثم خاطبه كان التفاتاً.
كما وقع في بتي بديعيتي وهو:
ما أسعد الظبي لو يحيك لحاظهم ... أو كنت يا ظبي تعزى لالتفاتهمِ
فذهب كلام ابن حجة في إطراء بيته ضائعاً، وهذا آفة العجب نعوذ بالله منه.
وبيت بديعية الطبري قوله:
قالوا وما التفتوا من بعند نفرتهم ... فلا تلمهم فما نفع بلومهمِ
هذا البيت عامر من الركة، ومقول القول في البيت الذي بعده، وهو بيت الكلام الجامع؛ وسيأتي إنشاده في محله؛ وهذا أعني كون البيت متعلقاً بغيره قبيح في البديعية؛ لأنهم قالوا: ينبغي أن يكون كل بيت منها مستبداً بمعناه، ليكون شاهداً على النوع الذي اشتمل عليه، من غير أن يحتاج إلى إنشاد سواه.
وبيت بديعية المقري قوله:
بين تولى فولى القلب ناحية ... أخرى عدمتك من وال ومن حكمِ
قوله: بين تولى، يعني من الولاية، وقوله: فولى القلب يعني؛ فر؛ فالمخاطب بقوله: عدمتك، هو البين، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب.
الاستدراك
أمثلت عودهم بعد العتاب وقد ... عادوا ولكن إلى استدراك صدهمِ
الاستدراك - هو رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعاً شبيهاً بالاستثناء، وهو معنى لكن.
ويشترط فيه هنا زيادة نكتة طريفة على معنى الاستدراك، لتحسنه وتدخله في البديع، وإلا فلا يعد منه؛ وهو قسمان. قسم يتقدم الاستدراك تقرير وتوكيد؛ أما لظفاً أو معنى لما أخبر به المتكلم، وهذا هو الأكثر الذي بنى عليه فحول أرباب البديعيات أبياتهم، وقسم لا يتقدمه ذلك.
فالأول كقول أبي الحسن بن فضال النحوي على ما في ربيع الأبرار للزمخشري، وقيل لابن الرومي:
وإخوان تخذتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن عن ودادي
وقالوا قد سعينا كل سعي ... لقد صدقوا ولكن في فساد
ونسب بعضهم هذه الأبيات إلى علي) ﵇ (، وزعم أنه قالها في شأن طلحة والزبير. قال الشيخ حسين الطبيب في شرح شواهد المطول: وليس عليها طلاوة كلامه) ﵇ (.
وقال صاحب القاموس: قال المازني: لم يصح أن علياً) ﵇ (تكلم بشيء من الشعر غير هذين البيتين، وصوبه الزمخشري وهما:
تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك ما بروا ولا ظفروا
فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وذات ودقين: الداهية كأنها ذات وجهين:
стр. 80
وقول القاضي الأرجاني:
غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما
أخذه آخر فقال:
شكوت صبابتي يوماً إليها ... وما قاسيت من ألم الغرامِ
فقالت أنت عندي مثل عيني ... لقد صدقت ولكن في السقام
واختصر الشيخ عبد الرحيم العباس بيتي الأرجاني فقال:
غالطتني حين قالت ... والدوى يبرى العظاما
أنت عندي مثل عيني ... صدقت لكن سقاما
وله أيضاً في هذا النوع:
طلبت خصماً فلاذ مني ... بظلمة سفلة مغابِ
وقال ذا في حمى كليب=يصدق لكن من الكلاب ومنه قول ابن أبي حجلة:
شكوت إلى الحبيبة سوء حظي ... وما ألقه من ألم البعادِ
فقالت أنت حظك مثل عيني ... فقلت نعم ولكن في السواد
وقول صدر الدين بن الوكيل:
وبي من قسا قلباً ولان معاطفا ... إذا قلت أدناني يضاعف تبعيدي
أقر برق إذ أقول أنا له ... وكم قالها يوماً ولكن لتهديدي
وقول هبة الله بن سناء الملك:
أسر لطول أسري في يديه ... فيغضب إذ أسر لطول أسري
سألت الله أن يبلى بعشقٍ ... فأصبح عاشقاً لكن لهجري
وقال نور الدين الأسعردي عندما عمي آخر عمره:
سألت الله يختم لي بخير ... فعجله ولكن في عيوني
قال ابن أبي الإصبع: ولم أسمع في هذا الباب أحسن من قول أبي دويدة المغربي يخاطب رجلاً أودع بعض القضاة ما لا فادعى القاضي ضياعه:
إن قال ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو نعي
أو قال وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع
وقال ابن أبي حجلة وأجاد:
رؤساء ما من جاءهم بقصيدة ... كانت جوائزهم عليها شكرهُ
وإذا طلبت وظيفة من قائم ... فأبشر فقد ولاك ولكن ظهرهُ
وقول بعض الحنابلة:
يحجون بالمال الذي يجمعونه ... حراماً إلى البيت العتيق الحرامِ
ويزعم كل أن تحط ذنوبهم ... تحط ولكن فوقهم في جهنم
والقسم الثاني - وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقدير ولا توكيد كقول زهير:
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
والزيادة فيه أنه لو اقتصر على صدر البيت، لكان مدحاً أيضاً، لكن ربما توهم متوهم أن ماله موفور وهي صفة ذم، فاستدرك بما يزيل هذا الاحتمال وتخلص الكلام إلى المدح الذي لا يشوبه به شائبة ذم.
ومنه قول المعري:
فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوالُ
ولا يخفى ما في هذا الاستدراك من الحسن والنكتة الزائدة على الاستدراك، إلا على من حجب عن ذوق البديع.
ومثله قول شيخنا العلامة محمد الشامي:
قسمت صفايا الود بيني وبينه ... سواء ولكني حفظت وضيعا
وقد تقدم أن أصحاب البديعيات إنما بنوا أبياتهم على القسم الأول، لأنه أعلى طبقة وأحلى مذاقاً، وأرشق عبارة من قسيمه.
والشيخ صفي الدين الحلي حاز قصبات السبق في هذه الحلبة، وجاء بما حسدت السمع على حسن نظمه اللبة وبيته:
رجوت أن يرجعوا يوماً وقد رجعوا ... عند العتاب ولكن من وفا ذممي
فإنه قرر ما أخبر به قبل الاستدراك، وأكده بقوله: وقد رجعوا؛ والتنكيت الرائع في قوله: عن وفا ذممي، المتعلق برجعوا، وقوله: عند العتاب تكميل بديعي.
وابن جابر الأندلسي لم ينظم هذا النوع في بديعيته.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
فكم حميت بالاستدراك ذا أسف ... لكن على المشتهى والبرء من سقمي
قال ابن حجة: أما هذا البيت فإنه متعلق البناء مع عقادة التركيب. انتهى. وقال غيره: بل لا مفهوم له.
وبيت ابن حجة قوله:
قالوا نرى لك لحماً بعد فرقتنا ... فقلت مستدركاً لكن على وضمِ
هذا البيت معمور بالبرودة لفظاً ومعنى؛ على أن قوله: مستدركاً؛ لا يفيد معنى زائداً غير تسمية النوع.
وبيت بديعية الطبري قوله:
واستدركوا الود منهم مخلصين به ... لكن لغير وما راعوا جزا خدمي
وبيت بديعيتي هو قولي:
أملت عودهم بعد العتاب وقد ... عادوا ولكن إلى استدراك صدهمِ
стр. 81
كل ما تقدم من الكلام على بيت الشيخ صفي الدين من التقرير والتنكيت والتكميل فهو جار في هذا البيت.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري قوله:
قالوا مرضت فهل عادوا فقلت نعم ... لكن من العهد والإيفاء بالذممِ
١ @أنوار الربيع في أنواع البديع
تأليف السيد علي صدر الدين معصوم المدني . حققه وترجم لشعرائه شاكر هادي شاكر . الجزء الثاني الإبهام .
قالوا وقد أبهموا إذ بان مكتتمي ... في حبهم بان لكن أي مكتتم.
الإبهام- بالباء الموحدة، وسماه بعضهم: التوجيه، ومحتمل الضدين وهو عبارة عن أن يقول المتكلم كلاما محتملا لمعنيين متضادين، لا يتميز أحدهما عن الآخر، كالمديح والهجاء وغيرهما، ولا يأتي بعده ما يميز المراد منها، قصد للإبهام.
وزاد بعضهم: وينبغي أن يكون المراد، أنه إذا جرد عن القرائن ولم ينظر إلى القائل والمقول فيه، كان احتماله للمعنيين على السوية، كما سيلوح في أكثر الأمثلة.
ومثاله في القرآن العظيم قوله تعالى عن اليهود "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين".
قال صاحب الكشاف: قوله: غير مسمع، حال من المخاطب، أي اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذم، أي اسمع منا مدعوا عليك، بلا سمعت، لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالا على أن قولهم: لا سمعت، دعوة مستجابة أو اسمع غير مجاب على ما تدعوا إليه، ومعناه غير مسمع جوابا يوافقك فكأنك لا تسمع شيئاً، أو اسمع غير مسمع كلاما ترضاه، فسمعك عنه ناب.
ويجوز على هذا أن يكون غير مسمع، مفعول اسمع، أي اسمع كلاما غير مسمع مكروها. من قولك: اسمع فلان فلانا، إذا سبه. وكذلك قولهم: راعنا، يحتمل راعنا نكلمك، أي ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل شبه كلمة عبرانية وسريانية كانوا يتسابون بها وهي راعينا، فكانوا سخرية بالدين وهزوا برسول الله ﵌ يكلمونه بكلام محتمل، ينوون به الشتيمة والإهانة، ويظهرون به التوقير والإكرام.
فإن قلت: كيف جاءوا بالقول المحتمل ذو الوجهين، بعدما صرحوا وقالوا: سمعنا وعصينا؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به. انتهى.
ومثاله من الحديث قوله ﵌، وقد ذكر عنده شريح بن الحضرمي وهو من الصابة: ذاك رجل لا يتوسد القرآن. فيحتمل وجهين ذكرهما تغلب عن ابن الأعرابي، أحدهما المدح وهو أنه لأصنام الليل حتى يتوسد القرآن معه فيكون مدحا. والثاني الذم، وهو أنه ينام ولا يتوسده معه أي لا يحفظه، فيكون ذما.
ومثله قول عبد الملك بن مروان، وقد ذكر ذاكر عنده عمر بن الخطاب: اقصر من ذكره فهو طعن على الأئمة وحسرة على الأمة. فيحتمل الذم، وهو أن ذكره وعده من الأئمة فهو طعن عليهم بمشاركته لهم في الإمامة، وحسرة على الأمة المأمورين بمتابعته. ويحتمل المدح وهو أن كل من قاس سيرة أمراء الزمان بسيرته طعن عليهم، وكل من فكر ونظر فيما كان عليه من التشقيف وترك الدنيا، تحسر على ما فات من الأمة.
ومثاله من الشعر قول بعضهم، وقيل أنه بشار، يروى أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه عمرو أو زيد كما في تحرير التحبير لابن أبي الإصبع، فقال الخياط على سبيل العبث به: سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج، فقال له: إن فعلت ذلك لأنظمن فيك بيتا لا يعلم أحد ممن سمعه لك أم عليك.
ففعل الخياط فقال هو:
خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء.
قلت شعرا ليس يدري ... أمديح أم هجاء.
فإن قيل أنه قصد التساوي بين عينيه في العمى فقد صح، وإن قيل أنه قصد التساوي بينهما في الإبصار صح.
стр. 82
ومثله ما حكي أن جعيفران الموسوس تقدم إلى يوسف الأعور القاضي بسر من رأى في حكومة، في شيء كان في يده من وقف له، فدفعه عنه وقضى عليه، فقال: أراني الله أيها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه وأمر برده إلى داره. فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم، ثم دعا به فقال له: ما أردت بدعائك، أردت أن يرد اله علي من بصري ما ذهب؟ فقال له: لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم لأسخر منك لأنت المجنون، لا أنا، اخبرني كم من أعور رأيته قد عمي؟ فقال: كثير، فقال: هل رأيت أعور قد صح قط؟ قال: لا، قال: فكيف توهمت علي الغلط؟ . فضحك منه وصرفه.
ومن شواهده أيضاً قول محمد بن حازم الباهلي في الحسن بن سهل حين تزوج المأمون بابنته بوران:
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن.
يابن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من.
فلا يعلم مل أراد ببنت من، في الرفعة، أو في الحقارة؟ ولذلك لما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال: والله ما ندري أخيرا أراد أم شرا.
وأكثر من ألف في البديع لم يعرف قائل هذين البيتين، ونسبوهما إلى بعض الشعراء، وقائلهما محمد بن حازم المذكور على ما في وفيات الأعيان للقاضي ابن خلكان، وبعض شروح المقامات.
وكان محمد بن حازم هذا شاعرا مطبوعا؛ من شعراء الدولة العباسية مولده ومنشأه البصرة، وسكن بغداد، وكان كثير الهجاء للناس. ساقط الهمة. مر به بعض الأمراء وهو جالس على باب داره، فلم يسلم عليه سلاما يرضيه وكان من باهله أيضاً.
فقال فيه:
وباهلي من بني وائل ... أدرك ما لا بعد افلاس.
قطب في وجهي خوف القرى ... تقطيب درغام لدى الباس.
وأظهر التيه فتايهته ... تيه امرءٍ لم يشق بالناس.
أعرته أعراض مستكبر ... في موكب مر بكناس.
ومن شعره يمدح الشباب ويذم الشيب. قال ابن الأعرابي: وهو أحسن ما قاله المحدثون في ذلك:
لاحين صبر فخّل الدمع ينهمل ... فقد الشباب بيوم المرء متصل.
سقيا ورعيا لأيام الشباب وإن ... لم يبق منك له رسم ولا طلل.
جر الزمان ذيولا في مفارقه ... وللزمان على إحسانه علل.
وربما جر أذيال الصبا مرحا ... وبين برديه غصن ناعم خضل.
يصبي الغواني ويزهاه بشرته ... شرخ الشباب وثوب حالك رجل.
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل.
كفاك بالشيب عيبا عند غانية ... وبالشباب شفيعا أيها الرجل.
بان الشباب وولى عنك باطله ... فليس يحسن منك اللهو والغزل.
أما الغواني فقد أعرضن عنك قلى ... وكان إعراضهن الدل والخجل.
أعرنك الهجر ما ناحت مطوقة ... فلا وصال ولا عهد ولا رسل.
ليت المنايا أصابتني بأسهمها ... فكن يبكين عهدي قبل أكتهل.
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزنا ... ما جد ذكرك إلا جد لي ثكل.
إن المشيب إذ ما حل رائده ... في منهل جاء يقفو أثره الأجل.
وقال له القاضي يحيى بن أكثم: ما عيب شعرك غلا أنك لا تطيل. فقال:
أبلى لي أن أطيل الشعر قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب.
وإيجازي بمختصر قريب ... حذفت به الفضول من الجواب.
فأبعثهن أربعة وخمسا ... بألفاظ مثقفة عذاب.
خوالد ما حدا ليل نهارا ... وما حسن الصبا بأخي الشباب.
وهن إذا وسمت بهن قوما ... كأطواق الحمائم في الرقاب.
وهن إذا أقمت مسافرات ... تهاداها الرواة مع الركاب.
وكان يقول: لم يبق على شيء من اللذات إلا بيع السنانير من اللذة، قال: يعجبني أن تجيء العجوز الرعناء تخاصمني وتقول: هذا سنوري سرق مني، فأخاصمها وأشتمها وتشتمني، وأغيظها فأعضها، وأنشد:
صل خمرة بخمار ... وصل خمار بخمرة.
وخذ بحظك من ذا ... وذا إلى أين تدري.
فقال له: إلى أين ويحك؟ فقال: إلى النار يا أحمق.
وحدث عن نفسه، قال: عرضت لي حاجة في عسكر الحسن بن سهل، فأتيته وقد كنت قلت شعرا، فلما دخلت على محمد بن سعيد بن مسلم، فانتسبت له فعرفني، فقال لي: ما قلت في الأمير؟ قلت: ما قلت فيه شيئا بعد، فقال له رجل كان معي: بلى قال أبياتا.
فسألني أن أنشده فأنشدته قولي:
وقالوا لو مدحت فتى كريما ... فقلت وكيف لي بفتى كريم.
стр. 83
بلوت الناس مذ خمسين عاما ... وحسبك بالمجرب من عليم.
فما أحد يعد ليوم خيرٍ ... ولا أحد يعود على حميم.
ويعجبني الفتى وأظن خيرا ... فأكشف من عن رجل لئيم.
تقيل بعضهم بعضا فأضحوا ... بني أبوين قدوا من أديم.
وطاف الناس بالحسن بن سهل ... طوافهم بزمزم والحطيم.
وقالوا سيدٌ يعطي جزيلاً ... ويكشف كربة الرجل الكظيم.
فقلت مضى بذم القوم شعري ... وقد يؤتى البريء من السقيم.
وخبر تترجمه ظنون ... بأشفى من معاينة الحليم.
فجئت وللأمور مبشرات ... ولن يخفى الأغر من البهيم.
فإن يك ما ينشر عنه حقا ... رجعت بأهبة الرجل المقيم.
وإن يك غير ذاك حمدت ربي ... وزال الشك عن رجل حكيم.
وما الآمال تعطفني عليه ... ولكن الكريم أخو الكريم.
قال: فلما أنشدته هذا الشعر قال لي: أبمثل هذا الشعر تلقى الأمير؟ والله لو كان نظيرك ما يجوز أن تخاطبه بمثل هذا؛ قلت: لذلك قلت لك: إني لم أمدحه بعد، ولكني سأمدحه، قال: افعل وأنزلني عنده. ودخل على الحسن فأخبره بخبري، فأمر بإدخالي إليه من غير مدح، وأمرني أن أنشد الشعر وقال: قد قنعنا منك بهذا القدر إذا لم تدخلنا بجملة من ذممت فأنشدته إياه فضحك وقال: ويحك ما لك وللناس؟ حسبك الآن، فقلت قد وهبتهم للأمير، فقال: قد قبلت وأنا أطالبك بالوفاء، ثم وصلني فأجزل وكساني فقلت في ذلك وأنشدته:
وهبت الناس للحسن بن سهل ... فعوضني الجزيل من الثواب.
وقال دع الهجاء وقل جميلا ... فإن القصد أقرب للصواب.
فقلت له برئت إليك منهم ... فليتهم بمنقطع التراب.
ولولا نعمة الحسن بن سهل ... علي لسمتهم سوء العذاب.
بشعر تعجب الشعراء منه ... يشبهه بالهجاء وبالعتاب.
أكيدهم مكايدة الأعادي ... وأختلهم مخاتلة الذئاب.
بلوت خيارهم فبلوت قوما ... كهولهم أخس من الشباب.
وما مسخوا كلابا غير أني ... رأيت القوم أشباه الكلاب.
فضحك، فقال: ويحك من الآن ابتدأت تهجوهم؟ فقلت: هذه بقيت طفحت على قلبي وأنا كاف عنهم ما أبقى الله الأمير.
وأخباره ونكته كثيرة، فلنكتف منها بهذا القدر. وإنما تعرضنا لترجمته لكون بيتيه المذكورين في زواج المأمون ببوران بنت الحسن من أحسن شواهد هذا النوع، بل قيل أنه ليس للسلف ولا المتأخرين فيه غيرهما، وغير البيت المتعلق بالخياط.
وقد ظفرت أنا ببيت لبعض السلف يصدق عليهم حدهم للإبهام، ولم يستشهد به أحد من البديعيين قيما أعلم.
وهو قول الشاعر:
ويرغب أن يبني المعالي خالد ... ويرغب أن يرضى صنيع الألائم.
فإن هذا يحتمل المدح والذم لأنه إن قدر (في) أولا و (عن) ثانيا فمدح، وإن عكس فذم، إذ يقال: رغب فيه، ورغب عنه.
ولهذا اشترط ابن مالك في حذف الجار مع أن، وأن تعيين الجار ليؤمن اللبس، قال: فلا يقال: رغبت أن تفعل، إذ لا يدري هل التقدير: في أن تفعل، أو عن تفعل.
واستشكله ابن هشام في الأوضح بقوله تعالى "وترغبون أن تنكحوهن" لحذف الجار، مع أن المفسرين اختلفوا في المراد.
وأجاب في المغني: بأنه إنما حذف الجار للقرينة المعينة، وإنما اختلف العلماء في المقدر من الحرفيين في الآية لاختلافهم في سبب نزولها، فالاختلاف في الحقيقة إنما هو في القرينة.
وأجاب المرادي بذلك، وبأنه أراد الإبهام ليرتدع من يرغب فيهن لجمالهن ومالهن، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن.
واستحسنه بعضهم، قال: لأن من شرط أمن اللبس يقول: إذ خيف اللبس لم يجز الحذف، وعند إرادة الإبهام لا يخاف اللبس فيجوز الحذف لأجلها. انتهى وهو في محله.
ومن لطيف الإبهام ما يحكى أن معاوية بن أبي سفيان قال لعقيل بن أبي طالب ﵇: إن أخاك عليا قد قطعك ووصلتك، ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر، قال أفعل، فصعد المنبر فقال بعد أن حمد الله وصلى على نبيه ﵌: أيها الناس قد أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان فالعنوه لعنة الله عليه، ثم نزل.
فقال له معاوية: إنك لم تبين من لعنت بيني وبينه، فقال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت آخر، والكلام على نية المتكلم.
стр. 84
وغلط ابن حجة فعد من هذا النوع قصة سليمان بن كثير مع أبي مسلم الخراساني وقال: إنها من أغرب ما نقل من شواهد الإبهام التي ما يليق بغيره وهي: أن أبا مسلم قال لسليمان: بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى ذكري فقلت: اللهم سود وجهه، واقطع رأسه، واسقني من دمه، فقال: نعم قلت ذلك ونحن جلوس تحت كرم وحصرم. فاستحسن أبو مسلم ذلك منه. وهذا مما أخطأ فيه ابن حجة الصواب، بل هذا المثال كما قاله بعض الفضلاء المتأخرين ممن تقدم عصرنا بقليل: من نوع المواربة- براء مهملة فباء موحدة- وحقيقتها كما سيأتي، أن يقول المتكلم قولا يتضمن الإنكار عليه، ثم يستحضر بحذقه وجها من الوجوه التي يمكن التخلص بها من تلك المؤاخذة، إما بتحريف كلمة أو بتصحيفها أو بزيادة أو نقص أو غير ذلك.
واشتقاقها من ورب العرق إذ فسد، فكأن المتكلم قد أفسد ظاهر كلامه بما أبدأه من تأويل باطنه، وبه ظهر أن القصة المذكورة لا يصح أن يمثل بها لغير المواربة، لما اشتملت عليه من إفساد سليمان بن كثير ظاهر كلامه بتأويله بما لا يخطر ببال، ولا يتبادر إلى ذهن، من إرجاع ضمائره إلى الحصرم، ولا يعد إبهاما لاشتراطنا في حده استواء معنييه في احتمال أن يكون كل منهما مقصودا فاعلم.
وعد ابن الأثير في المثل السائر من الإبهام قول أبي الطيب المتنبي في كافور:
فمالك تعنى بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان.
ومالك تختار القسي وإنما ... عن السعد يرمي دونك الملوان.
قال: فإن هذا لا يحتمل المدح والذم، بل هو بالذم أشبه، لأنه يقول: إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا أفضل فيه، لأن السعادة ينالها الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. قال: وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا الفن في القصائد الكافوريات.
وتعقبه ابن أبي الحديد في الفلك الدائر فقال: إن الناس وقع لهم واقع طريف مع المتنبي، وكن أصله الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني، فإنه نبه المتنبي على شيء من هذا الباب لم يكن قصده ولا خطر بباله، فضحك المتنبي ولم يكن ذلك لبغضه لكافور وحقده عليه. فصار قيه حديث طويل وزعم أن من جاء بعده أن المتنبي كان يقصد ذلك، ويمدحه بالشعر الموجه الذي يحتمل المدح والذم، ومنهم من يزعم أن كافورا كان يتفطن لذلك ويغضي عنه، وينقلون هذا هن المتنبي، وما كان ذلك قط ولا وقع شيء منه ولا قصد أبو الطيب نحو ذلك أصلاً.
فأما هذان البيتان فقد قال في سيف الدولة مثلهما كثرا، نحو قوله له: ولقد رمت بالسعادة بعضاً=من نفوس العدى فأدركت كُلا ونحو قوله له:
إذا سمعت الأعداء في كيد جدِّه ... سعى جدّه في سعي محنق.
قال: وهذه الرواية أولى من رواية من روى (سعى مجده في جده) لأن قوله بعده:
وما ينصر الفضل المبين على العدى ... إذ لم يكن فضل السعيد الموفق.
يؤكد ما ذكرناه.
ونحو قوله له:
لو لم تكن تجري على أسيافه ... مهجاتهم لجرت على إقباله.
ونحو قوله له:
هم يطلبون فما أدركوا ... وهم يدعون فمن يقبل.
وهم يتمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل.
وقد قال لعضد الدولة أبي شجاع، وهو أعظم ملكا من سيف الدولة وأشد بأسا وأكثر انتقادا للشعر وهو يذكر هزيمة وهوذان عن عسكر ركن الدولة أبيه:
وليت يومي فناء عسكره ... ولم تكن دانيا ولا شاهد.
ولم يغب غائب خليفته ... جيش أبيه وجده الصاعد.
وقال له في هذه القصيدة وقد صرح أنه يقهر الأعداء بالجد فقط، والخطاب مع وهوذان:
وأنى شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا.
يشرديمن فناخسر عني ... قنا الأعداء والطعن الدراكا.
وقال لغيرهما من ممدوحيه:
نفذ القضاء بما أردت كأنه ... لك كلما أزمعت شيئا أزمعا.
وأطاعك الدهر العصي كأنه ... عبد إذا ناديت رد مسرعا.
ولكن سيف الدولة لما اشتهر إخلاص أبي الطيب في ولائه عدل الناس عن هذا الشعر الذي يتضمن ذكر الجد والحظ، فلم يذكروه ولم يجعلوه موجها متوسطا بين المدح والذم، وقالوا ذلك في كافور لمكان تقصيره بأبي الطيب، وانحراف كل واحد منهما عن صاحبه، ومجاهرة أبي الطيب له بعد مفارقته بالهجاء. ولو تأملت الأشعار كلها وأردت أن تستنبط منها ما يمكن أن يكون هجاء لقدرت.
стр. 85
هذا السيد الحميري من الشيعة العلوية لا يختلف في ذلك اثنان، وقال أبو عمر الزاهد في كتابه الياقوتة: أن بعض الشيعة أنشد أبا مجالد قول السيد:
أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسؤول.
أن علي بن أبي طالب ... على الهدى والبر مجبول.
وأنه كان الإمام الذي ... له على الأمة تفضيل.
كان إذا الحرب مرتها القنا ... وأحجمت عنها البهاليل.
يمشي إلى الروع وفي كفه ... أبيض ماضي الحد مصقول.
مشي العفرنى بين أشباله ... أصحره للقنص الغيل.
ذاك الذي سلم في ليلة ... عليه ميكال وجبريل.
ميكال في ألف وجبريل في ... ألف ويتلوهم سرافيل.
في يوم بدر مددا كلهم ... كأنهم طير أبابيل.
فقال له أبو مجال في هذا: إن الشاعر لم يمدح صاحبك في موضعين، أحدهما أنه زعم أن عليا مجبول على البر والهدى، ومن جبل على أمر لم يمدح عليه، لأته لم يكسبه بسعيه. والثاني أنه أيد في حروبه بالملائكة، ولا فضيلة له إذن في الظفر، لأن أبا حية النميري لو أيد بهؤلاء لقهر الأعداء وغلبهم.
قال ابن أبي الحديد: واعلم أن الشعراء مازالت على قديم الدهر وحديثه يمدحون الرئيس بعلو جده ومساعدة الأقدار له، ومطاوعة الأفلاك والكواكب والدهر لإرادته، وأقوالهم في هذا أكثر من أن تورد وتملى. وكان الأصل في إكثارهم من ذلك أن يملأوا أسماع أعداء الممدوح وخصومه، ويوقروا في صدورهم أو يثبتوا في نفوسهم أنه منصور من السماء، وأنه محوط بالعناية الإلهية، وأن الكواكب تساعده، والأقضية والأقدار تجري على مراده فيوقعوا الرعب منه في الصدور والخوف في القلوب إلى أن ينخذل من يناويه من غير حرب ولا كيد.
وقد روي ان ملك الصين قد عرض عسكره على الإسكندر فاستعظمه ورأى ما هاله، فقال له: قد كنت قادرا على أن أصادمك بهذه العساكر العظيمة، لكني رأيت الأفلاك ناصرة لك، فرأيت أن لا أحارب من تنصره ثم أعطاه الطاعة، ودفع إليه الأتاوة.
انتهى كلام ابن أبي الحديد، ولم يتعرض للرد على ابن أبي مجاهد في كتابه المذكور. ولعمري لقد أخطأت أست أبي مجال الحفرة، ولم يصب سهمه الثغرة. وقد عرضت كلامه هذا الذي هجر به، على شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي العاملي عامله الله بإحسانه وكساه حلة رضوانه، طالبا منه الرد عليه، فأجاب على جاري عادته فيما يجيب بما شفى النفس وأزال اللبس، وشحن كلامه بدرر الفوائد وغرر الفرائد، فقال ما نصه: الجواب عن الشبهة الأولى- أنه إذ قيل: فلان مجبول على الخير، لا يصح أن يراد به ما هو ظاهر اللفظ، من أن الخير غريزة فيه قد طبع عليها كما طبع الإنسان على غريزة العقل، وامتاز بها عن سائر البهائم، وطبع الحيوان على غريزة الحياة وفارق الجمادات والنباتات، وإلا لشاركه فيها جميع مشاركته في الماهية النوعية والجنسية، ولم يدخل تحت قدرته واختياره، لأن لوازم الماهيات ليست بجعل جاعل وراء جاعل الذات، فلا بد أن يصرف عنه إلى معنى يناسبه، ويختلف ذلك باختلاف المراتب والدرجات.
فإن كان صاحبه من أصحاب اليمين صح أن يراد به أن كلا من جوهر نفسه وطينة بدنه، مجبول حقيقة على قابليته، فإن النفس في بدء خلقها قابل محض لاشيء معها بالفعل، والمادة الأولى مبدأ القوة والاستعداد ولكن النفس القدسية والطينة الطيبة لشرف جوهريهما أقبل للطرف الأشرف من كل متقابلين.
ثم يتدرج الإنسان بعد الخلق الثاني، وهي النشأة الدنيوية للاستعداد للتحلي بالفضائل، والتخلي من الرذائل، والمواضبة على الأعمال المستحسنة والمجانبة للأفعال المستهجنة شيئا فشيئا بسهولة لتهيؤ الأسباب وتوفر المعدات من توفيقات إلهية وألطاف ربانية، على حسب وسع قابليته، فربما كانت غاية وسع قابليته أن يوكل الله به روح الإيمان، وربما كانت ساحة قابليته أوسع، فأيده مع روح الإيمان بروح القدس، لا لمجرد بخت واتفاق، بل لابد مع علمه تعالى بما طبع عليه من القابلية الذاتية، أن يعلم انتفاعه به فيما يؤل إليه من السعادة الأبدية، المستحقة بالأعمال والطاعات الاختيارية.
стр. 86
فإن الألطاف إنما تجري بحسب القابليات، وعلى طبق المصالح، ليكون اللطف ناجعا فيه، إذ التكليف وإن أوجب فعل اللطف بالعبد، ولكن الحكمة تقتضي ألا يفعله الله بمن علم أن له فيه لطفا. ولهذا قال تعالى في قوم غلبت عليهم شقوتهم "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم".
قال جار الله: لو علم في هؤلاء الصم البكم انتفاعا باللطف للطف بهم. وعلم تعالى أن لأمير المؤمنين ﵇ في العصمة لطفا فعصمه، ثم كلما تم له استعداد فعل أوجبته الإرادة وأبرزته القدرة من مكمن القوة على مجلى الفعل، إن علمه الله تعالى وشاء وقدره وقضاه وأمضاه. فظهر أن هذه الألطاف ليست عللا تاما للطاعات، ولا مؤثرات مستقلة فيها، بحيث لا يكون لقدرة العبد فيها تأثير، فيخرج بها عن حيز الاختيار، ويدخل في باب الاضطرار، ولا يكون له سعي ولا كسب فيما يأتي ويذر- كما زعمه هذا المطبوع على قلبه- وإنما هي معدات ومباد قريبة، والجزء الأخير من العلة التامة هي الإرادة الموجبة لما هو راجح في معيار العقل من الطرفين.
ومن هنا فسر سيدنا المرتضى رضي الله تعالى عنه العصمة بأنها اللطف الذي يفعله الله بالعبد فيختار عنده إيثار الطاعة والامتناع عن المعصية، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بل يحققه، وكون الفاعل موجبا في قبول فعل لكونه مفطورا عليه لا ينافي كونه مختارا في إخراجه من القوة إلى الفعل، وبهذا تنحل عقدة التشكيك فيما ورد في طينة المؤمن وطينة الكافر، بأنه يستلزم الجبر، حتى أنكر صحة ذلك بعض من لم يعض في العلم بضرس قاطع.
واعلم أن هذا الشاعر قد شبه رسوخ ملكتي التقى والبر في النفس بالانطباع على الغرائز بجامع عدم الانفكاك عنها، ثم استعار للمشتبه اسم المشبه به، واشتق منه صيغة المفعول على سبيل الاستعارة التبعية، أو أضمر في النفس تشبه التقى والبر الراسخين في النفس بالغرائز التي يطبع عليها، وأومأ إلى التشبيه بأن أثبت للمشبه لازما من لوازم المشبه به وهو الجبل على طريق الاستعارة المكنية والتخيل. أو سمى قابلية التقى والبر التي جبل عليها باسميهما، من باب تسمية الشيء باسم ما من شأنه أن يؤول إليه، على نهج المجاز المرسل.
ومع التنزيل عن هذه المرتبة فالإيجاب في غريزة من الغرائز الفاضلة إنما ينافي استحقاق الحمد عليها استحقاق المدح بها. ومع التنزيل عن هذه المرتبة أيضاً من أين يلزم أن يكون وصف صاحبها بها هجوا له؟ وهل في وصف الشمس بالضياء ذم لها؟ أو في إطراء إنسان بالعقل إزراء عليه لولا نصب أبي مجالد؟ .
والجواب عن الشبهة الثانية مسبوق بتمهيد مقدمة وهي: إن أهل القبلة قد اختلفوا في حقيقة نزول الملائكة يوم بدر، فقال الجمهور: نزلوا من السماء إلى الأرض كما ينزل الإنسان من الموضع العالي إلى الموضع السافل، ونزله أصحاب المعاني على ما يناسب نزول المجردات من عالم العقل إلى عالم الخيال، فيكون التأييد بهم من باب تقوية الأرواح لإمداد الأشباح.
стр. 87
ثم اختلف الأولون فقال الأكثرون منهم: نزلوا وقاتلوا، وقال الباقون: نزلوا ولم يقاتلوا، وجعلوا قوله تعالى "فاضربوا فؤق الأعناق" أمرا للمسلمين لا الملائكة، وتمسكوا به لأنه لو حارب واحد من الملائكة جميع البشر لاستأصلهم ببعض قوته. فإن جبرائيل ﵇ اقتلع مدائن قوم لوط ورفعها على خافقة من جناحه حتى بلغ بها السماء، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها، فما عسى تبلغ قوة ألف رجل من قريش ليحتاج في مقاومتها إلى ألف ملك من ملائكة السماء، مضافين إلى ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً من بني آدم؟ وإنما كان نزولهم ليكثروا سواد المسلمين في أعين المشركين، إذ كانوا يرونهم في بدء الحال قليلين، كما قال تعالى "ويقللكم في أعينهم" ليطمع المشركون فيهم، ويجترؤا على حربهم، فلما نشبت الحرب فيهم كثرهم الله تعالى بالملائكة في أعينهم ليفروا، ولأنهم كانوا يتصورون لهم في صور من يعرفونهم من البشر، ويقولون لهم ما جرت العادة به أن يقال في تثبيت القلوب في الحرب وذلك قوله تعالى "إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا"، وحينئذ بعدم القول بعدم النزول إلى عالم الحس أو القول به مع عدم القتال فالشبهة ساقطة، وعلى القول به أيضاً إنما تفوته فضيلة الظفر لو لم يغن في مجاهدة الفرسان ومجالدة الأقران عن سائر من حضر من الملائكة والبشر. وهب أنها فاتته، أليس التأييد في نفسه فضيلة لا تقاس بها فضيلة؟ ورب فضيلة تركت لما هو أفضل منها. ألم يكن الله تعالى قادرا على قبض أرواح العباد لا بيد عزرائيل؟ وعلى إهلاك من أهلك من الأمم لا على يد جبرائيل؟ وعلى إحصاء أعمال العباد من دون كتابة الصحف؟ بلى كان قادرا على ذلك كله، ولكن بحصول المطلوب بنفوذ الأمر من القادر المطاع من إظهار الجلال والجبروت ما لا يحاط به نطاق العقل بل تسخير المدبرات من آثار التمكن والاقتدار ما ليس في وسع دائرة المباشرة. ومع الإغماض عن ذلك كله من أين يتطرق إليه النقص لو شاركته الملائكة في قهر الأعداء؟ أو استقلت به دونه حتى يكون وصفه هجوا له؟ وإنما يتطرق النقص إلى من تقاعد عن الحرب حيث تمس الحاجة إلى القيام بها جبنا، أو تقاعس عنها حيث تدعو الضرورة إلى الإقدام عليها فرقا. ولعمري لقد عشي بصر أبي مجال حتى رأى الحسنة سيئة والمنقبة مثلبة قوله تعالى "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون".
هذا ما جرى به القلم على يد أقل العباد محمد بن علي الشامي العاملي عصمه الله من الخلل والخطل في القول والعمل في سنة ثمانين وألف. انتهى كلامه رفع مقامه.
وأبو حية النميري الذي ذكره أبو مجالد كان من أجبن خلق الله. حكى جار له قال: كان لأبي حية سيف ليس بينه وبين العصى فرق، وكان يسميه لعاب المنية. فأشرفت ليلة عليه فرأيته قد أضناه وهو واقف على باب داره- وقد سمع في بيته حسا- وهو يقول: أيها المغتري بنا والمجتري علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنية الذي سمعت به، إنني والله أن أدع لك بني نمير، جاءتك بخيلها ورجلها، فاخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك. ثم فتح الباب على حذر ووجل شديد، فإذا كلب قد خرج فقال: الحمد الله الذي أرانا كلبا وكفانا حربا.
رجع إلى الإبهام- ومما قيل أن أبا الطيب قصد فيه الإبهام قوله في مدح كافور:
ويغنيك عما ينسب الناس إنه ... إليك تتناهى المكرمات وتنسب.
قال الخطيب لهذا البيت باطن وهو سخرية، يريد أنه لا نسب لك لأنك عبد.
وقوله:
وما طربي لما رأيتك بدعة ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب.
قال الواحدي وغيره: هذا البيت يشبه الاستهزاء به، لأنه يقول: طربت على رؤيتك كما يطرب الإنسان على رؤية القرود، وما يستملحه ويضحك منه. قال ابن جني: لما قرأت على أبي الطيب هذا لبيت قلت له: أجعلت الرجل أبازنة؟ فضحك لذلك.
وقوله فيه:
يدل بمعنى واحد كل فاخر ... وقد جمع الرحمن فيك المعانيا.
قال أبو الفتح: لما قرأت هذا البيت ضحكت وضحك أبو الطيب وعرف مطلوبي.
وقوله منها:
وغير كثير أن يزورك راجل ... فيرجع ملكا للعراقيين والياً
стр. 88
قال أبو الفتح: هذا ظاهره أن من رآك أفاد منك كسب المعالي. وباطنه أن من رآك على ما بك من النقص وقد صرت إلى الملك ضاق صدره أن يقصر عما بلغته وأن لا يتجاوز ذلك إلى كسب المكارم، وكذلك إذا رآك راجل لا يستكثر لنفسه أن يرجع واليا على العراقيين.
ومثل هذا البيت قوله أيضاً فيه:
يضيق على من راءه العذر أن يرى ... ضعيف المساعي أو قليل التكرم
فإن ظاهره أن من رآه لم يكن له عذر أن يكون ضعيف المسعاة قليل التكرم, يعني منه يتعلم هذه الأشياء، فمن رآه ولم يتعلم منه فهو غير معذور. وباطنه أن مثله في خسته ولؤم أصله إذا كانت مسعاة وتكرم فلا عذر لأحد بعده في تركه.
كما قال الآخر:
لا تيأسن من الإمارة بعدما ... خفق اللواء على عمامة جرولِ
هذا كلام ابن جني والحق ما قاله ابن أبي الحديد: أن المتنبي لم يكن يقصد شيئاً من ذلك قط ولا خطر له أصلا، كيف ولو كان كذلك لناقض كلامه بعضه بعضا، لأن له في كافور من المدح ما لا يشوبه شيء من هذه التأويلات الباردة، والله أعلم بحقائق الأمور.
ومن لطيف الإبهام في النثر، قول القاضي تاج الدين المالكي، غمام المالكية بالمسجد الحرام، في تقريظ له على تصدير وتعجيز للشيخ تقي الدين السنجاري لقصيدة أبي الطيب المتنبي التي مطلعها (أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل) . ولم يكن الشيخ تقي الدين المذكور ممن له قدم في الأدب ولا قدم في الحسب، وهو: وقفت على هذا التصدير والتعجيز فإذا منشئه قد أجاد في النظم والإنشاء، وما كل من أخذ القلم ومشى، ووقف بعجيب تصرفه بين معوج المعاني وطابق.
وكأنه قصد الرد على الطغرائي في قوله: وهل يطابق معوج بمعتدل. ومنه: فقصد أن يسبك درر الأسلاك، ويتصرف فيها تصرف الملاك، أو المنجم الماهر في دراري الأفلاك، فانتبذت خشية منه مكانا قصيا وقالت لعلمها بقدرته على تصرفه كيف شاء "إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا". انتهى.
انظر ما أحسن هذا الإبهام الذي تعقد عليه الخناصر.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع قوله:
ليت المنية حالت دون نصحك لي ... فيستريح كلانا من أذى التهم.
هذا البيت كما قال ابن حجة ليس له نظير في أبيات البديعيات، فإنه اشتمل على الرقة والسهولة والانسجام، وما زاده حسنا إلا تقويته ب (ليت) التي استعان بها الشاعر في إبهام بيته على زيد الخياط.
فإن الشيخ صفي الدين لما قال لعاذلته (ليت المنية حالت دون نصحك لي) حسن إبهامه بقوله (فيستريح كلانا من أذى التهم) ، فصار الأمر مبهما بينه وبين العاذل.
وبيت عز الدين الموصلي قوله:
أبهمت نصحي مشيرا بالأصابع لي ... ليت الوجود رمى الإبهام بالعدم.
قال ابن حجة وهذا الإبهام هنا يشار إليه بالأصابع، فإنه أجاد فيه إلى الغاية ولم يتفق له في نظم بديعيته بيت نظيره، فإنه جمع بين الانسجام والتصدير والتورية البارزة في أحسن القوالب بتسمية النوع ونوع الإبهام الذي هو المقصود. ولعمري انه بالغ في عطف القلوب بهذا السحر الحلال. انتهى.
وأنا أقول: الذي أراه أن هذا البيت ليس من الإبهام الاصطلاحي في شيء، بل هو من الاستخدام على طريقة ابن مالك. لأن الإبهام كما تقدم، أن يقول المتكلم كلاما محتملا لمعنيين متضادين لا يتميز أحدهما عن الآخر، ولذلك سماه بعضهم محتمل الضدين، ولا تضاد هنا بين إرادة الإبهام الذي هو مصدر أبهم الأمر، وبين الإبهام الذي هو أكبر الأصابع.
قال العلامة التفتازاني في مختصر المطول عند قول الماثن في تعريف هذا النوع: هو إيراد الكلام محتملا لمعنيين مختلفين أي متباينين متضادين ولا يكفي مجرد احتمال معنيين مختلفين. انتهى.
وهذا يدل صريحاً على أن هذا البيت ليس من الإبهام بشيء، وإنما قلنا إنه من الاستخدام على طريقة ابن مالك، لأنه داخل في حده، وذلك أن الاستخدام على طريقته كما مر أن يؤتى بلفظ مشترك بين معنيين ثم بلفظين يخدم كل واحد منهما معنى من دينك المعنيين، وهذا البيت كذلك فإن لفظ الإبهام يطلق على المعنيين المذكورين، ولفظ أبهمت يخدم الإبهام بمعنى المصدر، ولفظ الأصابع يخدم الإبهام الذي هو أكبر الأصابع.
وهذا الكلام بعينه يجري في بديعية ابن حجة:
وزاد إبهام عذلي عاذلي ودجا ... ليلي فهل من بهيم يشتفي ألمي.
стр. 89
فإنه لا تضاد فيه بين إرادة البهيم بمعنى بهيم الليل وبين العاذل، بل هو من الاستخدام على الطريقة المذكورة، فلفظ الليل يخدم البهيم بمعنى الأسود، ولفظ إبهام عذلي يخدم البهيم بمعنى العاذل. فلا يغرنك قوله في شرحه: أن الإبهام هنا بين بهيم الليل وبين العاذل، فإن اشتراك البهيم صالح لهما ولكن لم يحصل التميز لأحدهما عن الآخر كما وقع عليه الشرط بل الأمر بينهما مبهم لا يعلم من هو المقصود منهما. انتهى.
فإن هذا الإبهام الذي ذكره لغوي لا اصطلاحي، إذ اشترط تضاد المعنيين في حد الإبهام الاصطلاحي لم يختلف في كتاب من كتب البديع وأمثلتهم له كلها جارية على ذلك، والله أعلم.
والطبري جمع بين الإبهام والتهكم في بيت واحد فقال: أذقت إبهام ما يرضى الفؤاد فسد=تهكما أنت ذو عز وذو عظم.
الإبهام في قوله: يرضي الفؤاد، فإنه إن قيل: فؤاد العاشق، صح، أو العاذل، صح.
وبيت بديعيتي:
قالوا وقد أبهموا إذ بان مكتتمي ... في حبهم بان لكن أي مكتتم.
الإبهام في هذا البيت على حده في بيت ابن حازم المتعلق بزواج المأمون من بوران بنت الحسن المقدم ذكره وهو:
يا بن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من.
فإنه لا يعلم بما أراد ببنت من، في الحقارة، أو في الرفعة؟. وهنا كذلك، فإن قولهم: بان لكن أي مكتتم، لا يعلم ما أرادوا به، هل هو إعجاب به؛ أو احتقار له؟ فالأمر مبهم بين هذين المعنيين المتضادين محتمل لكل منهما على السواء، لا يتميز أحدهما عن الآخر.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري من هذا القبيل أيضاً وهو:
ما مثلهم في العلى هيهات أين هم ... وأين منصبهم في القدر والعظم.
قال ناظمه في شرحه: ما مثلهم في العلى محتمل، إنه أراد: لا نظير لهم في علوهم ومجدهم؛ ويحتمل أنه أراد: أن مثلهم لا يكون في العلى.
وكذلك قوله: هيهات أين هم وأين منصبهم في القدر والعظم، يحتمل أن سؤاله سؤال تفخيم وتعظيم، ويحتمل أنه أراد: الاحتقار والإعلام أنهم بحيث يفتش عليهم فلا يوجدون والله أعلم.
وابن جابر الأندلسي لم ينظم نوع الإبهام في بديعيته.
الطباق .
إن أدن ينأوا وما قلبي كقلبهم ... وهل يطابق مصدوع بملتئم
الطباق ويسمى المطابقة والتطبيق والتضاد والتكافؤ- وهو الجمع بين معنيين متضادين، أي معنيين متقابلين في الجملة، قالوا: ولا مناسبة بين معنى المطابقة لغة، ومعناها اصطلاحا، فإنها في اللغة الموافقة، يقال: طابقت بين الشيئين: إذا جعلت أحدهما على حذو الآخر، وطابق الفرس في جريه: إذا وضع رجليه مكان يديه، والجمع بين الضدين ليس موافقة.
قال ابن الأثير في المثل السائر: ولا أعلم من أي شيء اشتقوا هذا الاسم، ولا وجه للمناسبة بينه وبين مسماه، ولعلهم قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن. انتهى.
واغرب ابن أبي الحديد في قوله: الطبق في التحريك في اللغة، هو المشقة، قال الله "لتركبن طبقا عن طبق" أي مشقة بعد مشقة، فلما كان الجمع بين الضدين على الحقيقة شاقا بل متعذرا، ومن عادتهم أن تعطى الألفاظ حكم الحقائق في أنفسها توسعا، سموا كل كلام جمع فيه الضدين مطابقة وطباقا. انتهى.
وقال السعد التفتازاني في شرح المفتاح: إنما سمي هذا النوع مطابقة لأن في ذكر المعنيين المتضادين معا توفيقا، وإيقاع توافق بين ما هو في غاية التخالف كذكر الأحياء مع الإماتة، والإبكاء مع الضحك ونحو ذلك. انتهى.
وكأن ابن الأثير ظهر له وجه المناسبة فيما بعد فقال في كفاية الطالب: المطابقة هي عند الجمهور: الجمع بين المعنى وضده، ومعناها أن يأتلف في اللفظ ما يضاد في المعنى، وكأن كل واحد منهما وافق الكلام فسمي طباقا.
قال: وذكر الأصمعي المطابقة في الشعر فقال: أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع وأنشد:
وخيل تطابقن بالدراعين ... طباق الكلاب يطأن الهراشا
الهراش كحطام الشوك، ولذلك خص الوطأ فيه، لأن الكلب إذا مشى فيه رأى أين يضع يده فيضع رجله موضعها، وفي ذوات الأربع ما لم تجاوز رجله موضع يده، وقد يطابق من ثقل يحمله، أو شيء يتقيه، وقد يطابق بعضها على كل حال.
قال: وأحسن بيت قيل في ذلك لزهير:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا.
стр. 90
وقال الخليل: يقال: طابقت بين الشيئين إذا جمعت بينهما على حد واحد وألصقتهما.
وقدامة يسمي المطابقة تكافؤا، والطباق عنده اجتماع المعنيين في لفظة مكررة، وأنشد عليه قول الأودي:
وأقطع الهوجل مستأنساً ... بهوجل عيرانة عنتريس.
فهوجل الأول: المفازة البعيدة. والثاني: الناقة بها هوج من سرعتها وهذا عند سائر أهل هذا العلم تجنيس مستوفي. وقد يجمع بين قول الخليل وقدامة، بأن يجعل الشيئان في كلام الخليل المعنيين، والحد الواحد اللفظة ويكون مطابقة اللفظة للمعنى أي موافقته، ومنه قولهم: فلان يطابق فلانا على كذا أن يوافقه ويساعده، فيكون مذهب قدامة أن اللفظة وافقت معنى ثم وافقت معنى آخر. انتهى كلام ابن الأثير.
وجمعه بين قول الخليل وقدامة ليس بصواب، فقد قال الأخفش: ممن قال أن المطابقة اشتراك المعنيين في لفظ واحد، فقد خالف الخليل والأصمعي، فقيل له: أو كانا يعرفان ذلك؟ فقال سبحان الله، من كان أعلم منهما بطيبه وخبيثه؟. انتهى.
وما أحسن ما أتى في الجواب بالطباق بين الطيب والخبيث، وعلى هذا فتفسير الخليل المذكور للمطابقة لغوي لا اصطلاحي.
والطباق قسمان، حقيقي ومجازي، ويخص بعضهم الثاني باسم التكافؤ. وكل منهما إما لفظي أو معنوي، وإما طباق إيجاب أو طباق سلب. فالطباق الحقيقي- ما كان بألفاظ الحقيقة، سواء كان من اسمين أو فعلين أو حرفين، كقوله تعالى: (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود) وقوله تعالى: (وما يسوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور) وقوله تعالى: (وإنه هو أضحك وأبكى وأنه هو آمات وأحيا) وقوله تعالى: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) .
وقول الني ﵌ للأنصار: إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع.
وقل أبي صخر الهذلي:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
وقول ابن الدمينة:
لأن سائني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت بالك
وقول كثير عزة:
وواله ما قاربت إلا تباعدت ... بصرم ولا أكثرت إلا أقلت
وقول أبي الحسن التهامي:
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار
ومن لطيف قول الأرجاني:
وقد نزلت من الملوك بماجد ... فقر الرجال إليه مفتاح الغنى
وقول الفرزدق:
لعن الإله بني كليب أنهم ... لا يغدرون ولا يفنون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
وفي البيت الأول مع الطباق تكميل حسن، إذ لو اقتصرت على قوله: لا يغدرون، لاحتمل الكلام المدح، إذ ترك العذر قد يكون عن عفة، فقال: ولا يفنون، ليفيد أنه للعجز، كما أن ترك الوفاء للؤم، وحصل مع ذلك إيغال حسن لأنه لو وقف على قوله: ولا يفون، لتم المعنى، لكنه لما احتاج إلى القافية أفاد بها معنى زائدا، حيث قال: لجار، لأن ترك الوفاء للجار أشد قبحا من تركه لغيره.
والطباق بالحروف كقوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) .
وقول الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا عليَّ ولا ليا
وقول الآخر:
ويوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر.
والطباق المجازي- ما كان بألفاظ المجاز، كذا قالوا، والذي أراه: أنه يشترط فيه أن يكون المعنيان المجازيان متقابلين أيضاً، وإلا دخل فيه إيهام الطباق- وهو الجمع بين معنيين غير متقابلين أيضاً، عبر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقيان، وقد جعلوه نوعا أخر غير المجازي.
فمثال الطباق المجازي قوله تعالى: (أو من كان ميتاً فأحييناه) أي ضالاً فهديناه، فالموت والإحياء متقابل معناهما المجازيان، وهما الضلال والهدى، ومعناهما الحقيقيان المعروفان.
ومثله قول علي ﵇: احذروا صولة الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. قال ابن أبي الحديد: ليس يعني بالجوع والشبع ما يتعارفه الناس وإنما المراد: احذروا صولة الكريم إذا ضيم وامتهن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم. انتهى.
فعبر عن الضيم بالجوع، وعن الإكرام بالشبع، وهو مجاز، وكلا معنييهما متقابلان، الحقيقان والمجازيان.
وقول التهامي:
стр. 91
لقد المكارم بعد موت ... وشاد بناءها بعد انهدام.
فالإحياء والموت، والشيد والانهدام متقابلة معانيها الحقيقة والمجازية إذ المراد: أنه أعطى بعد أن منع الناس كلهم.
ومنه قولي:
يهلك المال بالعطاء ويحيا ... ميت فضل فاعجب لمحيٍ مميت.
ومثال إيهام الطباق قول دعبل:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى.
فضحك المشيب هنا عبارة عن ظهوره ظهورا تاما، ولا تقابل بين البكي وظهور المشيب، لكنه عبر عنه بالضحك الذي يكون معناه الحقيقي مضاد لمعنى البكاء.
وقول ابن رشيق:
وقد أطفأوا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج.
فإن التقابل غنما هو في معنيي الإطفاء والإيقاد الحقيقيين، وأما المجازيان فلا، لأن إطفاء الشمس عبارة عن إثارة العجاج حتى غطى على الشمس، وإيقاد نجوم العوالي عبارة عن تشريع أسنة رماحهم، ولا مضادة بين هذين المعنيين. وغلط ابن حجة في عده هذا البيت من التكافؤ.
ويعجبني من هذا النوع قول أبي العرب المغربي:
من كل مشتمل بمنصل عزمه ... ذي همة يطأ السماء همام.
نشوان من خمر الكرى صاحي الندى ... ريان من ماء المحامد ظام.
فالتقابل في هذا أيضاً بين المعاني الحقيقة لا المجازية كما لا يخفى. وأما الطباق المعنوي فهو متقابلة الشيء بضده في المعنى لا اللفظ، كقوله تعالى: (إن أنتم إلا تكذبون. قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) معناه: ربنا ليعلم إنا لصادقون، وقوله تعالى: (جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء) قال أبو علي الفارسي: لما كان البناء رفعا للمبني قوبل بالفراش الذي هو خلاف البناء.
وقول المقنع الكندي:
لهم جل مالي أن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لا أكلفهم رفدا.
فقوله: إن تتابع، في قوة قوله: إن كثر، والكثرة ضد القلة، فهو إذن طباق بالمعنى لا باللفظ.
وقول هدبة بن الخشرم:
فإن تقتلوني في الحديد فإنني ... قتلت أخاكم مطلقا لم يقيد.
فإن معناها، فإن تقتلوني مقيدا، وهو ضد الطلق، فطابق بينهما في المعنى. وطباق الإيجاب كجميع ما تقدم من الأمثلة.
وأما طباق السلب، فهو الجمع بين فعلي مصدر واحد، مثبت ومنفي أو أمر ونهي، كقوله تعالى "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" وقوله "أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا" وقوله "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك" فالمطابقة بين هذه الآيات حاصلة بين إثبات العلم ونفيه. وقوله تعالى "فلا تخشوا الناس واخشون" فالمطابقة حاصلة بين النهي عن الخشية والأمر بها.
ومثاله من الشعر قول امرئ القيس:
جزعت ولم أجزع من البين مشفقا ... وعزيت قلبا بالكواعب مولعا.
وقول آخر:
وننكر عن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول.
وقول البحتري:
يقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم.
وقول أبي الطيب:
ولقد علمت وما علمت حقيقة ... ولقد جهلت وما جهلت خمولا.
ومن المستطرف في ذلك قول بعضهم:
خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا.
رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا.
فالمطابقة بين ذلك كله بين الإيجاب والسلب.
ومن الطباق نوع يسمى الطباق الخفي، والملحق بالطباق، وهو الجمع بين معنيين يتعلق أحدهما بما يقابل الآخر، نوع تعلق مثل السببية واللزوم كقوله تعالى: "أشداء على الكفار رحماء بينهم" فإن الرحمة وإن لم تكن مقابلة للشدة لكنها مسببة عن اللين الذي هو ضد الشدة، وقوله تعالى "ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله" فإن ابتغاء الفضل وإن لم يكن مقابلا للسكون لكنه يستلزم الحركة المضادة للسكون، ومنه قوله تعالى "اغرقوا فأدخلوا نارا" لأن إدخال النار يستلزم الإحراق المضاد للإغراق، وقيل لأن الغرق من صفات الماء، فكأنه جمع بين النار والماء.
قال ابن منقذ: وهي أخفى مطابقة من القرآن.
قال ابن المعتز: من أملح الطباق وأخفاه قوله تعالى: "ولكم في القصاص حياة" لأن معنى القصاص القتل، فصار القتل سبب الحياة.
ومن أمثلته في الشعر قول التهامي:
стр. 92
والهون في ظل الهوينا كامن ... وجلالة الأخطار في الأخطار.
فإن جلالة الأخطار وإن لم تكن مقابلة للهون، لكنها لازمة للعز المقابل للهون.
وقول الآخر:
وجهه غاية الجمال ولكن ... فعله غاية لكل قبيح.
فإن ضد الجمال الدمامة، لكنها لما كانت تستلزم القبح طابقه بينه وبين الجمال.
وكذا قول الطغرائي:
وشان صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل.
لأن المعوج إنما يطابقه المستقيم، والمعتدل يطابقه المائل، لكن الاعتدال لازم للمستقيم المطابق للمعوج.
وأما قول أبي الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذ لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم.
فاتفقوا على أنه طباقه بين المحب والمجرم فاسد، لأن المجرم ليس ضد المحب، وإنما ضده المبغض، وأما طباقه بين السرور والإساءة، فقد يقال من الملحق بالطباق، لان من أحسن إلى شخص فقد سره.
وفساد المطابقة أمر محذور.
وعد منه ابن الأثير في كفاية الطلب قول زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل.
قال: فإن الحلم ليس بضد الجهل والخنا، وإنما ضده السفه والطيش، وضد الجهل العلم أو المعرفة وما شاكلها. انتهى.
ووقع هذا للتهامي في قوله:
ولربما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار.
على أنه ما جهل المطابقة بين الجهل والعلم في قوله:
ومن الرجال معالم ومجاهل ... ومن النجوم غوامض ودراري.
وممن طابق بين السفه والحلم، والجهل والعلم، أبو تمام في قوله:
سفيه الرمح جاهله إذا ما ... بدى فضل السفيه على الحليم.
وقوله:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى من دهره وهو عالم.
وقال الشريف الرضي:
خطط يجبن المش......جع أو يسفهن الحليما.
وقال:
رأيت المال يرفع من سفيه ... وعدم المال ينقص من حليم.
ومقابلة النقص بالرفعة من الملحق بالطباق للزومه الضعة المقابلة لها.
وقال أيضاً:
في رفقة لا يستطيل سفيهها ... أبدا ولا يدري المقال حليمها.
قال الصفدي: وعدم المطابقة في شعر أبي الطيب كثير، من ذلك قوله:
ولكل عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء
فإن القرة ضدها السخنة، والقذى ضد الجلاء.
قوله أيضاً:
ولم يعظم لنقص كان فيه ... ولم يزل الأمير ولن يزالا
فإن العظم ضد الحقارة، والنقص ضد الكمال، فلو قال: ولم يكمل لنقص كان فيه، كان أصنع. انتهى.
قلت: ويجاب عنه أنه من الملحق بالطباق لاستلزام النقص الحقارة.
قال: وكذا قوله:
وإنه المشير عليك في بضلةٍ ... والحر ممتحن بأولاد الزنا.
فإن الحر ضده اللئيم. انتهى.
ومنه قوله:
رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال.
حكى أبو الحسن الواحدي في شرحه قال: قال أبو الحسن محمد بن أحمد المعروف بالشاعر المغربي: كان سيف الدولة يسر بمن يحفظ شعر المتنبي، فأنشدته يوما (رأيتك في الذين أرى ملوكا) وكان أبو الطيب حاضرا، فقلت: هذا لبيت والذي يتلوه لم يسبق إليه، فقال سيف الدولة: كذا حدثني الثقة، أن أبا الفضل محمد بن الحسين قال كما قلت.
فأعجب المتنبي واهتز، فأردت أن أحركه فقلت: إلا إن في أحدهما عيبا في الصنعة، فالتفت إلي التفات حنق وقال: ما هو؟ فقلت: قولك: مستقيم في محال، والمحال ليس ضد الاستقامة، وإنما ضدها الاعوجاج، فقال الأمير: هب أن القصيدة جيمية وقلت: كأنك مستقيم في اعوجاج، فكيف تعمل في تغيير البيت الثاني وهو:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن البيض بعد دم الدجاج.
فضحك وضرب بيده وقال: حسن مع هذه السرعة، إلا أن يصلح أن يباع في سوق الطير، لا مما يمدح به أمثالنا يا أبا الحسن. انتهى.
تنبيه- جعل الخطيب القزويني في الإيضاح والتلخيص، من أنواع المطابقة التدبيج ومثل له.
بقول أبي تمام:
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر.
ومنع بعضهم كون مطلق التدبيج من الطباق، وقال: ليس في الألوان ما تحصل به المطابقة غير البياض والسواد، لأنهما ضدان بخلاف غيرهما.
قال ابن الأثير: وقد زعم بعضهم أن أفضل مطابقة وقعت قول ابن كلثوم:
стр. 93
أنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا.
وليس كما زعم، لأن الناس متفقون على أن جميع المخلوقات مخالف وموافق ومضاد، فمتى وقع الخلاف في باب المطابقة فإنما هو في سبيل المسامحة.
قال الرماني وغيره: السواد والبياض ضدان، وسائر الألوان يضاد كل واحد منها صاحبه، إلا أن البياض هو ضد السواد على الحقيقة، لأن كل واحد منهما كلما قوي زاد بعدا من صاحبه، وما بينهما من الألوان كلما قوي زاد قربا من السواد، فإذا ضعف زاد قربا من البياض، ولأن البياض منصبغ لا يصبغ، والسواد صابغ لا يتصبغ، وليس سائر الألوان كذلك، لأنها تصبغ، وهذا ظاهر فمن شك فيه لا يعد من العقلاء فضلا عن العلماء. انتهى كلام ابن الأثير.
والحق أن التدبيج داخل في تفسير الطباق لما بين اللونين من التقابل، فإنهم فسروا المتضادين في حد الطباق بالمعنيين المتقابلين في الجملة.
قال السعد التفتازاني: يعني ليس المراد بالمتضادين، الأمرين الوجوديين المتواردين على محل واد بينهما غاية الخلاف، كالسواد والبياض، بل أعم من ذلك، وهو ما يكون بينها تقابل وتناف في الجملة وفي بعض الأحوال، سواء كان التقابل حقيقيا أو اعتباريا، وسواء كان تقابل التضاد أو تقابل الإيجاب والسلب، أو تقابل العدم والملكة، أو تقابل التضايف، أو ما يشبه شيئا من. انتهى.
وعلى هذا فبين كل لونين من الألوان غير البياض والسواد تقابل، وإن لم يكن تقابل التضاد فهو داخل في الطباق، وسيأتي الكلام على التدبيج مستوفي في محله إن شاء الله تعالى.
تتميم- أحسن الطباق ما ترشح بنوع آخر من البديع يكسوه طلاوة وبهجة لا توجد عند فقده، وإلا فمجرد مطابقة الضد بالضد ليس تحته كبير أمر، وما وقع في القرآن العظيم منه أكثره مشتمل على ما ذكرناه كقوله تعالى: "هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً" فقابل بين الخوف والطمع مع التقسيم البديع، إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع والأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين وقوله تعالى: "له الحمد في الأولى والآخرة" فإن فيه مع المطابقة إدماجا لأن الغرض من هذه الآية تفرده تعالى بوصف الحمد، وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء، وسيأتي عليها مزيد كلام في نوع الإدماج إن شاء الله تعالى. وكذلك قوله تعالى: "تولج الليل في النهار تولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب" فترشحت المطابقة فيها بالعكس الذي لا يدرك لو جازته وبلاغته ومبالغة التكميل التي لا تليق بغير القدرة الإلهية، فإن في العطف بقوله: وترزق من تشاء بغير حساب دلالة على أن من قدر على تلك الأفعال التي لا يقدر عليها غيره، قادر على أن يرزق من يشاء من عباده بغير حساب، وهذا من مبالغة التكميل المشحونة بالقدرة الربانية، وقوله تعالى: "جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله" فإن فيه المطابقة بين الليل والنهار اللف والنشر المرتب، فإن السكون راجع إلى الليل، والابتغاء راجع إلى النهار، وأنت إذا تأملت ما وقع في كلام الله تعالى من هذا النوع، رأيته جميعه أو أكثره من هذا القبيل.
وأما أمثلته في الشعر فمن بديعة يقول أبي الطيب المتنبي:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان.
كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني.
فإنه رشح الطباق بالتورية التي كسته بهجة كان عاريا عنها، والطباق بين قوله: قيسي ويماني، لان العداوة بين قيس ويمن معلومة، والتورية في قوله: يماني، لأنه أراد السيف فورى به عن الرجل المنسوب إلى اليمن.
ومثاله قول الصاحب بن عباد يرثي كثير بن أحمد الوزير:
يقولون قد أودى كثير بن أحمد ... وذلك رزء في الأنام جليل.
فقلت دعوني والعلى نبكه معا ... فمثل كثير في الأنام قليل.
وأبو العلاء المعري كساه ديباجة الجمع مع التقسيم في قوله:
لا تطويا السر عني يوم نائبة ... فإن ذلك ذنب غير مغتفر.
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر.
والقاضي الأرجاني ضوع أرجه في اللف والنشر المرتب في قوله:
تعلق بين الوصل والهجر مهجتي ... فلا أربى في الحب أقضي ولا نحبي.
وهذا البيت من قصيدة جيدة له مطلعها:
стр. 94
أسائل عنها الركب وهي مع الركب ... واطلبها من ناظري وهي في القلب.
وبعده البيت المستشهد به وبعده:
فلله ربع من أميمة عاطل ... توشحه الأنداء باللؤلؤ الرطب.
رميت محيا دارهم عن صبابة ... بسافحة الإنسان سافحة الغرب.
أروي بها خدي وفي القلب غلتي ... وقد يتخطى الغيث أمكنة الجدب.
فسر نتعلل بالحديث عن الهوى ... ونسند إلى أحبابنا أثر الحب.
ولا تتعجب أني عشت بعدهم ... فإنهم روحي وقد سكنوا قلبي.
وحرف تجوب القاع والوهد والربى ... كحرف مديم الرفع والجر والنصب.
نجائب يقدحن الحصى كل ليلة ... كأن بأيديها مصابيح للركب.
ومن المطابقة باللف والنشر المرتب أيضاً قول الشريف الرضي ﵁:
يا روض ذي الأثل من شرقي كاظمة ... قد عاود القلب من ذكراك أشجانا.
أوسعت عيني دموعا والحشا حرقا ... فكيف ألفت أماها ونيرانا.
وما أحسن قوله بعده وهو من المرقص المطرب:
أشم منك نسيما لست أعرفه ... أظن ظمياء جرت فيك أردانا.
ومنها:
ألقاك والقلب صاح من رجيع هوى ... وأنثني عنك بالأشواق نشوانا.
وما تداويت من قرح على كبدي ... ولا سقاني راقي الحب سلوانا.
ومن المطابقة على الوجه المذكور قوله أيضاً:
تلذ عيني وقلبي منك في ألم ... فالقلب في مأتم والعين في عرس.
وقوله في المعنى أيضاً:
قلبي وطرفي منك هذا في حمى ... قيظ وهذا في رياض ربيع.
وقد أكثر الشعراء من نظم هذا المعنى، فقال أبو تمام:
أفي الحق أن يضحى بقلبي مأتم ... من الحب والبلوى وعيناي في عرس.
وقول المتنبي:
حشاي على جمر ذكي من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع.
وقال آخر وهو شاهد لما نحن فيه من المطابقة باللف والنشر غير أنه معكوس الترتيب:
تصلى الفؤاد بنور من محاسنها ... فالعين في جنة والقلب في نار.
وأبو تمام رفع طبقة المطابقة بالاستعارة في قوله:
وأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب.
وألبسها حلة المشاكلة وملكها رق الاستعارة في قوله:
فتى عنده خير الثواب وشره ... ومنه الإباء المر والكرم العذب.
وأما المتأخر ون فأكثروا من إبرازها في أشعار التورية التي هي أعلى وأحلى أنواع البديع على القول المتصور.
فمن ذلك قول الصاحب فخر الدين بن مكانس في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:
يا بن عم النبي إن إناسا ... قد توالوك بالسعادة فازوا.
أنت للعلم في الحقيقة باب ... يا إمامي ومن سواك مجاز.
وقول جمال الدين بن نباتة:
يا غائبين تعللنا لغيبتهم ... بطيب عيش ولا والله لم يطب.
ذكرت والكأس في كفي لياليكم ... فالكأس في راحة والقلب في تعب.
وقوله:
إني إذا آنست همسا طارقا ... عجلت باللذات قطع طريقه.
ودعوت ألفاظ الحبيب وكأسه ... فنعمت بين حديثه وعتيقه.
وقول العفيف التلمساني:
وفي الحي هيفاء المعاطف لو بدت ... مع البان كان الورق فيها تغننت.
عجبت لها في حسنها إذا تفردت ... لآية معنى بعده قد تثنت.
وقول الصالح الصفدي:
وأهيف حاز قدا ... قد حار فيه المعنى.
تراه في الحسن فردا ... لكنه يتثنى.
وقول البدر الذهبي:
وحديقة مطلولة باكرتها ... والشمس ترشف ريق أزهار الربى.
يتكسر الماء الزلزال على الحصى ... فإذا غدا بين الرياض تشعبا.
وقول السراج الوراق:
وبي من البدو كحلاء الجفون بدت ... في قومها كمهاة بين آساد.
بنت عليها المعالي من ذوائبها ... بيتا من الشعر لم يمدد بأوتاد.
وأوقدت وجناتها النار لا القرى ... لكن لأفئدة منا وأكبادا.
فلو بدت لحسان الحضر قمن لها ... على الرؤوس وقلن الفضل للباد.
وقول ابن حجر:
خليلي ولى العمر منا ولم تنب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا.
فحتى متى بنبي بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنا.
وقوله:
أتى من أحيبابي رسول فقال لي ... تذلل وهن واخضع تغز برضانا.
стр. 95
فكم عاشق قاسى الهوان بحبنا ... فصار عزيزا حين ذاق هوانا.
وقول البدر الذهب:
يا عاذلي فيه قل لي ... إذا بدا كيف أسلو.
يمر بي كل وقت ... وكلما مر يحلو.
وقول ابن سناء الملك:
وفي الحي من صيرتها نصب خاطري ... فما أذنت في نازل الشوق بالرفع
تنيه بفرع منه أصل بليتي ... ولم أرى أصلا قط يعزى إلى فرع
وقول مؤلفه عفا الله عنه:
إلى الله مما يقاسي المحب ... بليلي وما نال في الحب نيلا
قضى العمر بين بكى واشتياق ... فيبكي نهارا ويشتاق ليلا
وقول بدر الدماميني:
أمنيتي أنت يا مليحا ... ما مثله في الوجود ثاني.
فكيف يبدي جفاك خوفا ... وأنت لي غاية الأماني.
قوله:
وعزيز الجمال أوجب ذلي ... وهواه علي أصبح فرضا.
فهو في الحسن والجمال سماء ... صرت يا صاح منه بالذل أرضا
ولنكتف من ذلك بهذا المقدار، خوف السأم من الإكثار.
والشيخ صفي الدين الحلي جاء بالمطابقة محلاة باللف والنشر، وبيته:
وطال ليلي وأجفاني به قصرت ... عن الرقاد فلم أصبح ولم أنم
وغلط ابن حجة في قوله: إن المطابقة فيه مجردة، فإن قوله: فلم أصبح راجع إلى طول الليل، وقوله: ولم أنم، راجع إلى قصر الأجفان، وهذا هو اللف والنشر المرتب.
وبين بديعية ابن جابر الأندلسي، المطابقة فيه مجردة، وهو:
وأسهر إذا نام جفنا وامض حيث ونى ... واسمح إذا شح نفسا واسران يقم.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
أبكي فيضحك عن در مطابق ... حتى تشابه منثور بمنتظم.
قال ابن حجة: لعمري أن بيت الصفي والعميان يتنزلان عند هذا البيت العامر من المحاسن منزلة الأطلال البالية، فإن الشيخ عز الدين جمع فيه بين تسمية النوع من جنس الغزل وبين غرابة المعنى وحسن الانسجام، ورقة التشبيب وبديع اللف والنشر، ولم يأت كل منهما بغير مجرد المطابقة. وأما قول العميان في آخر بيته: واسر أن يقم، فهو من بقية ما سقط من حجارة البيت. انتهى.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
بوحشة بدلوا أنسي وقد خفضوا ... قدري وزادوا علو في طباقهم.
والشيخ عبد القادر الطبري أغار على بيت العز الموصلي فهدمه وعمره بالركة والعقادة فقال:
يبكي المحب وّذا المحبوب يضحك عن ... در فطابق منثورا بمنتظم.
ما أقبح قوله: وذا المحبوب.
وبيت بديعيتي هو:
إن أدنوا ينأوا وما قلبي كقلبهم ... وهل يطابق مصدوع بملتئم.
المطابقة هنا مرشحة بالتذييل وهو قولي: وما قلبي كقلبهم، فإنه لما أخبر عن نأيهم إذا دنا ذيله بقوله: وما قلبي كقلبكم، يعني أن قلبي واجد بهم مشغوف بحبهم، فهو يهوى الدنو منهم، وليس كذلك قلبهم؛ فهم ينأون تعززا وتدللا كما هو شأن المحبوب مع المحب، والمعشوق مع العاشق. ثم اتبع ذلك بحسن التعليل مدمجا في التمثيل، فإنه مثل قلبه بالظرف المصدوع وقلبهم بالملتئم، وأخرج الكلام مخرج المثل السائر، والتعليل فيه ظاهر؛ وفيه مع ذلك بديع اللف والنشر والتورية بتسمية النوع من جنس الغزل، والله أعلم.
وبيت الشيخ شرف الدين المقري منحوت من الجبال وهو:
أحييت وجدي وأفنيت العزا وسا ... ء الود حزني وسر المعتدي سقمي.
الشيخ أكثر من المطابقة في هذا البيت، لكنها من الكثرة الكثرة التي لا تعجب.
إرسال المثل .
أرسلت إذ لذ لي حبيّهم مثلا ... وقد يكون نقيع السم في الدسم.
إرسال المثل- من لطائف أنواع البديع وهو عبارة عن أن يأتي الشاعر في بيت أو بعضه بما يجري مجرى المثل السائر، من حكمة أو نعت أو غير ذلك، مما يحسن التمثيل به.
стр. 96
وقد عقد جعفر بن شمس الخلافة في كتاب الآداب يايا في ألفاظ من القرآن جارية مجرى المثل، وأورد في ذلك قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (والآن حصحص الحق) (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه) (وذلك بما قدمت يداك) (قضي الأمر الذي به تستفتيان) (أليس الصبح بقريب) (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) (ولكل نبأ مستقر) (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) (قل كل يعمل عل شاكلته) (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) (وكل نفس بما كسبت رهينة) (وما على الرسول إلا البلاغ) (وما على المحسنين من سبيل) (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة) (الآن وقد عصيت قبل) (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) (ولا ينبئك مثل خبير) (كل حزب بما لديهم فرحون) (وقليل من عبادي الشكور) (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (ولا يستوي الخبيث والطيب) زفي ألفاظ أخر.
ومن ذلك في الحديث النبوي قوله ﵇: لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين. آفة العلم النسيان وإضاعته أن تحدث به غير أهله. الحزم سوء الظن. الحياء من الإيمان. لا ضرر ولا ضرار في الإسلام. الظلم ظلمات يوم القيامة. طائر كل إنسان في عنقه. ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها. الحكمة ضالة المؤمن. المرء مع من أحب. الصبر عند الصدمة الأولى. الشاهد يرى مالا يرى الغائب. البلاء موكل بالقول. حليف القوم منهم. الآمر بالمعروف كفاعله. خير الأمور أوساطها. ومن ذلك بكثير.
ومنه في الحديث العلوي قوله ﵇: الناس أعداء ما جهلوا. المنية ولا الدنية. رد الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يدفعه إلا الشر. صحة الجسد من قلة الحسد. قد أضاء الصبح لذي عينين. كم من أكلة تمنع أكلات. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. من ملك استأثر. لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان. لكل أمر عاقبة حلوة أ, مرة. المرء مخبوء تحت لسانه. قلة العيال أحد اليسارين. الهم نصف الهرم. إضاعة الفرصة غصة. قيمة كل امرء ما يحسن. فقد الأحبة غربة. من حذرك كمن بشرك. من أطال الأمل أساء العمل. رب قول أنفذ من صول. الغيبة جهد العاجز. من لم يعط قاعدا لم يعط قائما. من طلب شيئا ناله أو بعضه. وهو في كلامه ﵇ كثير جدا.
ومن أمثلته في الشعر قول امرئ القيس بن حجر الكندي:
الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل.
وقوله:
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما حل العقاب.
وقوله:
قد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب.
وقوله:
إذا المرء يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان.
وقوله:
فأنك لم يفخر عليك كعاجز ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب.
وقول زهير بن أبي سلمى:
ولم لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم.
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفوه ومن لا يتق الشتم يشتم.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم.
ومن يكن ذا فضل ويبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى عن الناس تعلم.
وقوله:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل.
وقوله:
والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر.
وقول النابغة الذبياني:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا مقام على زأرٍ من الأسد.
وقوله:
فلست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب.
وقوله:
الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في أمر تلاق نجاحا.
واليأس عما فات يعقب راحة ... ولرب مطمعة تعود ذباحا.
فاستبق ودك للصديق ولا تكن ... قتبا يعضُّ بغارب ملحاحا.
وقول أوس بن حجر الأسدي:
ولست بخابيء لغد طعاماً ... حذار غد لكل غد طعام.
وقول بشر بن أبي خازم:
أمل ترى أن طول العهد يسلي ... وينسي مثلما نسيت جذام.
وقوله:
يكن لك في قومي يد يشكرونها ... وأيدي الندى في الصالحين قروض.
وقول الأفوه الأودي:
البيت لا يبتنى إلا على عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد.
فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا.
стр. 97
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا.
إذا تولى سراة الناس أمرهم ... نما على ذلك أمر القوم وازدادوا.
تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد.
أمارة الغي أن تلقى الجميع لدى ... الإبرام للأمر والأذناب أكتاد.
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر ... لهم عن الرشد أغلال وأقياد.
أعطوا غواتهم جهلا مقادتهم ... فكلهم في حبال الغي منقاد.
وقول عبيد بن الأبرص:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب.
وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب.
وقوله:
الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد.
وقوله:
الخير لا يأتي على عجل ... والشر يسبق سيله مطره.
وقول المرقش الجاهلي:
ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما.
أخوك الذي إن أحوجتك ملمة ... من الدهر لم يبرح لها الدهر واجما.
وليس أخوك بالذي إن تشعبث ... عليك أمور ظل يلحاك دائما.
وقول طرف بن العبد.
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود.
وكان الني ﵌ إذا استبطأ الخبر تمثل بقول طرفة فيقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. إنها كلمة نبي.
وقوله:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض.
وقوله:
قد يبعث الأمر الصغير كبيره ... حتى تظل له الدماء تصبب.
وقوله:
وأعلم علما أنه ليس بالظن انه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل.
وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل.
وقول المتلمس واسمه جرير بن عبد المسيح:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد.
وحفظ المال خير من بغاه ... وجول في البلاد بغير زاد.
وقوله في الإغضاء عن ذنوب الأقرباء:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما.
وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما.
وقوله في الامتناع عن الذل:
ولا يقيم على ذل يراد به ... إلا لاذلان غير الحي والوتد.
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يأوي له أحد.
وقول علقمة بن عبده:
وكل حصن وإن دامت سلامته ... على دعائمه لا شك مهدوم.
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشؤوم.
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم.
وقول أبي داؤد الأيادي:
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمي.
وقول حاتم الطائي:
إذا لزم الناس البيوت رأيتهم ... عماة عن الأخبار خرق المكاسب.
وقوله يخاطب امرأته ماوية:
أماوي إن المال غائد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر.
وقوله أيضاً:
وأنت إذا أعطيت بطنه سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا.
وقوله أيضاً:
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
وقال عمرو بن كلثوم:
وإن غدا وإن اليوم رهن ... وبعد غدا بما لا تعلمينا.
وقول عنترة بن شداد:
نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم.
وقوله:
إن العدو على العدو لقائل ... ما أن له علم وما لم يعلم.
وقول الأضبط بن قريع:
لكل هم من الهموم سعة ... والصبح والمسي لا بقاء معه.
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه.
لا تحقرن الفقير علن أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه.
وصل حبال البعيدان وصل ال ... حبل أقص القريب إن قطعه.
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه.
وقول عدي بن زيد العبادي:
كفى واعظا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي.
عن المرء لا تسأل وأسأل عن قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتدي.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على الحر من وقع الحسام المهند.
وقوله في حبس النعمان بن منذر:
стр. 98
أبلغ عني النعمان مألكا ... انه قد طال حبسي وانتظاري.
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري.
وقوله:
فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار.
وقول المثقب العبدي:
لا تقولن إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم.
حسن قبل نعم قولك لا ... وقبيح قول لا بعد نعم.
إن لا بعد نعم فاحشة ... فتلافاه إذا خفت الندم.
واعلم أن الذم نقص للفتى ... ومتى لا تتقي الذم تذم.
إن شر الناس من يكشر لي ... حين يلقاني وإن غبت شتم.
وقوله:
وكلام سيء قد وقرت ... عنه إذناي وما بي من صمم.
فتعديت خشاة أن يرى ... جاهل ما بي كما كان زعم.
ولبعض الصفح والإعراض عن ... ذي الخنى أبقى وإن كان ظلم.
وقول الممزق العبدي:
هون عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي.
وقول أفنون التغلبي:
كان بعض الكهان أنذره بهلاكه من لدغة تصيبه، وكان يتحرز منها بجهده ولا ينام إلا على ظهر راحلته. فبينما هو ذات ليلة على ناقة له وهي ترعى، إذ التوت حية على مشفرها فاضطربت، فرمت بها إليه فلدغته، فقال في وقته:
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... إذا هو ام يجعل له الله واقيا.
ثم خرا ميتا لساعته.
وقول أحيحة بن الجلاح:
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عم ولا عم ولا خال.
إني مقيم على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال.
وقوله:
وما يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغني متى يعيل.
وقول الأعشى واسمه ميمون بن قيس:
وإن القريب من يقرب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسبا.
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرا ومسحبا.
وتفن منه الصالحات وإن يسيء ... يكن ما أساء الناس في رأس كبكبا.
وقوله:
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضايرها ما أطت الإبل.
كناطح نخلة يوما ليقلعها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل.
وقوله:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا.
ندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للأمر الذي كان أرصدا.
وقول لبيد بن ربيعة:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل.
وقيل لبشار بن برد: أخبرنا عن أجود بيت قالته العرب، فقال: إن تفضيل بيت واحد على الشعر كله لشديد.
ولكن أحسن كل الإحسان لبيد في قوله:
أكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل.
وإذا رمت رحيلا فارتحل ... واعص ما يأمر توصيم الكسل.
وقوله:
وما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بد يوما أن ترد الودائع.
وما المرء إلا كالشهاب وضوءه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع.
لعمرك ما يدري المسافر هل له ... نجاح ولا يدري متى هو راجع.
أتجزع مما أحدث الدهر للفتى ... وأي كريم لم تصله القوارع.
وقول كعب بن زهير بن أبي سلمى:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت لئيما أو أصابك جاهل.
وقول النمر بن تولب:
يود الفتى طول السلامة جاهدا ... وكيف يرى طول السلامة تفعل.
وقوله:
خاطر بنفسك كي تنال رغيبة ... إن القعود مع العيال قبيح.
إن المخاطر مالك أو هالك ... والجد يجدي مرة فيريح.
وقوله:
ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرغائب فارغب.
لا تغضبن على امرئ في ماله ... وعلى كرائم أصل مالك فاغضب.
وقول حسان بن ثابت:
إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهن لطيب الراح الفداء.
وقوله:
رب حلم أضاعه عدم المال ... وجهل غطى عليه النعيم.
ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم.
وقول الحطيئة واسمه جرول:
وقد مريتكم لو أن درتكم ... يوما يجيء بها مسحي وابساسي.
أزمعت يأسا مريحا من نوالكم ... ولن ترى طاردا لحر كاليأس.
من يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس.
стр. 99
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فأنت لعمري طاعم كاسي.
وقول أبو ذؤيب الهذلي:
أمن المنون وريبة تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع.
بتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع.
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع.
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع.
وقول تميم بن مقبل:
فأخلف وأتلف إنما المال عارة ... وكله مع الدهر الذي هو آكله.
وأيسر مفقود وأهون هالك ... على الحي من لا يبلغ الحي نائله.
وقوله:
خليلي لا تستعجلا وانظرا غدا ... عسى أن يكون الرفق في الأمر أرشدا.
وقوله:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما.
وقول النجاشي الحارثي:
إني امرؤ قلما أثني على أحد ... حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر.
لا تمدحن امرءاً حتى تجربه ... ولا تذمن من لم يبله الخبر.
وقول عمر بن معدي كرب:
إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع.
وقوله:
ليس الجمال بمؤزر ... فاعلم وإن رديت بردا.
إن الجمال مآثر ... ومناقب أورثن مجدا.
وقول عمر بن الأهتم:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق.
وقول سحيم عبد بن الحسحاس:
عميرة ودع إن ترخلت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا.
وقوله:
أشعار عبد بن الحسحاس قمن له ... يوم الفخار مقام الأصل والزرق.
وقال معن بن أوس:
وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحول.
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل.
وقوله:
اعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني.
اعلمه الرواية كل يوم ... فلما قال قافية هجاني.
وقوله:
هل الدهر والأيام إلا كما ترى ... رزية مال أو فراق حبيب.
وقول أبي الأسود الدؤلي:
وإن أحق الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والوجه الوفر.
وقوله:
لا تهني بعد إذ أكرمتني ... فشديد حالة منتزعة.
لا يكن برقك برقا خلبا ... إن خير البرق ما الغيث معه.
وقول زفر بن الحارث:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا.
وقول المتوكل الليثي:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم.
فهناك تعذر أن وعظت ويقتدي ... بالقول منك وينفع التعليم.
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم.
وقول يزيد بن مفزع:
لهفي على الآمر الذي ... كانت عواقبه ندامة.
العبد يقرع بالعصى ... والحر تكفيه الملامة.
وقول الفرزدق:
يمضي أخوك فلا تلقى له خلفا ... والمال بعد ذهاب المال يكتسب.
وقوله:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا.
وقول جرير بن الخطفي:
إن الكريمة ينصر الكرم ابنها ... وابن اللئيمة للئام نصور.
وقوله:
وابن اللبون إذا ما لزَّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس.
وقوله:
إني لأرجوا منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحب العاجل.
وقول الأخطل:
إن العداوة تلقاها وإن قدمت ... كالعرِّ يكمن حينا ثم ينتشر.
وقوله:
وأقسم المجد حقا لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشعر.
وقوله:
وهل ظنون أمريء إلا كأسهمه ... والنبل غن هي تخطي تارة تصب.
وقوله:
والناس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال.
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال.
وقول القطامي من أبياته:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه إتباعا.
ومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا.
وقوله:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل.
وربما فات بعض القوم أمرهم ... من التأني وكان الحزم لو عجلوا.
стр. 100
والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي ولام المخطي الهبل.
وقوله:
وإذا يصيبك ... والحوادث جمة
حدث زواك إلى أخيك الأوثق.
وقال الطرماح بن حكيم:
لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل.
وإني شقي باللئام ولن ترى ... شقيا بهم إلا كريم الشمائل.
وقول الكميت بن زيد:
فيا موقدا نارا لغيرك ضوءها ... ويا حاطبا في حبل غيرك تحطب.
وقوله:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فلا رأي للمضطر إلا ركوبها.
وقول الصلتان العبدي:
أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر مرور الغداة وكر العشي.
إذا ليلة هرمت أختها ... أتى بعد ذلك يوم فتي.
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجات من عاش لا تنقضي.
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي.
وقول عي بن الرقاع:
وإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنا به نظري إلى الأمراء.
والقوم أشباه بين حلومهم ... بون كذاك تفاضل الأشياء.
بل ما رأيت جبال أرض تستوي ... فيما غشيت ولا نجوم سماء.
والبرق منه وابل متتابع ... جود وآخر لا يجود بماء.
وقال كثير صاحب عزة:
ومن يغمض عينيه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب.
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولا يسلم الدهر له صاحب.
وقال عملا بن عبد الله بن أبي ربيعة:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد.
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد.
وقول ابن ميادة:
ما عاتب المرء اللبيب كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح.
وقول عبد الله بن معاوية:
وأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... وأن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا.
وعين الرضا من كل عيب كليلة ... ألا أن عين السخط تبدي المسا ويا.
وقول إبراهيم بن هرمة:
قد يدرك الشرف الفتى رداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع.
وقول بشار بن برد:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي تعاتبه.
فعش واحدا أوصل أخاك فإنه ... مقارف ذنب تارة وجانبه.
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه.
وقوله:
أبا جعفر ما طول عيش بدائم ... ولا سالم عما قليل بسالم.
ومنها:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأس نصيح أو نصاحة حازم.
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي قوة للقوادم.
وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم.
وخل الهوينا للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإن الحزم ليس بنائم.
وحارب إذا لم تعطى إلا ظلامة ... شبا الحرب خير من قبول المظالم.
وقوله:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج.
وقول ابن العتاهية:
إن الشباب حجة التصابي ... روائح الجنة في الشباب.
وقوله:
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدهر أخوه.
فإن احتجت إليه ... ساعة مجك فوه.
إنما يعرف ذا الفضل ... من الناس ذووه.
وقوله:
وما الموت إلا زحلة غير أنها ... من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي.
وقوله:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المر من ثمره.
وقوله:
صار جدا ما مزحت به ... رب جد جره لعب.
وقوله:
كفى حزنا إن الجود مقتر ... عليه ولا معروف عند بخيل.
وقول سلم بن عمرو الخاسر:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور.
لولا منى العاشقين ماتوا ... غما وبعض المنى غرور.
وقوله:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد عن الخبر.
وقول منصور النمري:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهن من الرجال.
وقوله:
أقلل عتاب من استربت بوده ... ليست تنال مودة بقتال.
وقوله:
إن المنية والفراق لواحد ... أو توأمان ترضعا بلبان.
وقول محمد بن يسير البصري:
لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا.
стр. 101
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ.
هيئ لرجلك قبل الوطي موضعها ... فمن علا عن غرة زلجا.
وقول العتابي:
قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق.
ابقيا ما استطعتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم فراق.
وقال أشجع بن عمرو:
سبق القضاء بكل ما هو كائن ... فليجهد المتقلب المحتال.
وقوله:
رأي سرى وعيون الناس هاجعة ... ما أخر الحزم رأي قدم الحذرا.
وقوله:
لابد للمشتاق من ذكر الوطن ... واليأس والسلوة من بعد الحزن.
وقول ابن الشيص:
كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دواني.
وكالسيف أن لا ينته لأن متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان.
ليس الفتى بجماله وثيابه ... إن الجواد بماله يدعى الفتى.
وقوله:
فاصبر لعادتنا التي عودتنا ... أولا فأرشدنا إلى من نذهب.
وقوله:
بعثت إليك نصائحي ومودتي ... قبل اللقاء تشاهد الأرواح.
وعلى القلوب من القلوب دلائل ... بالود قبل تباين الأشباح.
وقول أبي يعقوب الخريمي:
إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فبعض الشيء من بعض قريب.
وقوله:
وأعددته ذخرا لكل ملمة ... وسهم الرزايا بالذخائر مولع.
وقول الحكم بن قنبر:
ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل.
مقالة الذم إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل.
وقول أخيه عبد الله بن قنبر:
كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء.
وقول الجلاح واسمه عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل.
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل.
ويقال أنها للسمو أل بن عاديا وهو الحق.
وقول صالح بن عبد القدوس:
لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه.
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه.
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنا عاد إلى نكسه.
وقوله:
وأن عناء أن تفهم جاهلا ... ويحسب جهلا أنه منك أفهم.
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم.
وقول المؤمل بن أميل:
الناس شتى إذا ما أنت ذقتهم ... لا يستوون كما لا يستوي الشجر.
هذا له ثمر حلو مذاقته ... وإذا يمر فلا يحلو له ثمر.
وقوله:
وأرى الليالي ما طوت من شرتي ... ردته في عظتي وفي إفهامي.
وعلمت أن المرء من سنن الردى ... حيث الرمية من سهام الرامي.
وقول محمد بن أبي زرعة:
لا ملوم مستقصر أنت في البر ولكن مستعطف مزداد.
قد يهز الحسام وهو حسام ... ويحث الجواد وهو جواد.
وقوله:
لا يؤنسنك أن تراني ضاحكا ... كم ضحكة فيها عبوس كامن.
وقول الحمدوني:
إذا ما اتقيت على قرحة ... فكل بلاء بها مولع.
وقوله:
إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير من الحبيب القليل.
وقول دعبل بن علي:
سأقضي بيت يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الرواية حامله.
يموت رديء الشعر من قبل أهله ... وجيده يبقى وإن مات قائله.
وقوله:
ما أعجب الدهر في تصرفه ... والدهر لا تنقضي عجائبه.
فكم رأينا من الدهر من أسد ... بالت على رأسه ثعالبه.
وقول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي:
إن ابتداء العرف مجد سامق ... والمجد كل المجد في استتمامه.
هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسنا وليس كحسنة لتمامه.
وقوله:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد.
أم تر أن الشمس زيدت محبة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد.
وقوله:
وأن أولى البرايا أن تواسيه ... وقت السرور لمن واساك في الحزن.
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن.
وقوله:
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله.
وقوله:
стр. 102
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى في دهره وهو عالم.
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا ... هلكن إذن من جهلهن البهائم.
وقول البحتري:
واعلم بأن الغيث ليس بنافع ... للناس ما لم يأت في إبانه.
وقوله:
وإذا ما الشريف لم يتواضع ... للأخلاء فهو عين الوضيع.
وقوله:
شرق وغرب تجد من صاحب عوضا ... فالأرض من تربة والناس من رجل.
وربما حرم الغازون غنمهم ... في غزوهم وأصابوا الغنم في القفل.
وقول علي بن الجهم:
هي النفس ما حملتها تتحمل ... وللدهر أيام تجور وتعدل.
وعاقبة الصب الجميل جميلة ... وأحسن أخلاق الرجال التفضل.
ولا عار أن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل.
وقله في الحبس:
قال حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد.
أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تردد.
وقول أحمد بن قير:
سر من عاش ماله فإذا ... حاسبه الله سره الإعدام.
وقوله:
أرى الدهر يخلقني كلما ... لبست من الدهر ثوبا جديدا.
وقوله:
ليت شعري كيف أغفلني ... ملك ما خاب آمله.
رب أمر سر أخوه ... بعد ما ساءت أوائله.
وقول أحمد بن أبي طاهر:
حسب الفتى أن يكون ذا حسب ... من نفسه ليس حسبه حسبه.
ليس الذي يبتدي به نسب ... مثل الذي ينتهي به نسبه.
وقوله أيضاً:
ودين الفتى بين التماسك والنهى ... ودنيا الفتى بين الهوى والتغزل.
وقول أبي هفان:
أرى الدهر يجفوني ونفسي عزيزة ... وليس معي زهد فأسطو على دهري.
وقالوا وراء النهر للرزق مطلب ... فقلت وراء السد خير من الفقر.
وقول ابن الرومي:
إن لله غير مرعاك مرعى ... ترتعيه وغير مائك ماء.
إن لله بالبرية لطفا ... سبق الأمهات والآباء.
وقوله:
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب.
فإن الداء أكثر ما تراه ... يحول من الطعام أو الشراب.
وقول عبد الله بن المعتز:
وكم نعمة لله في طي نقمة ... ترجى ومكروه حلا بعد امرار.
وكل ما تهوى النفس من بنافع ... وكل ما تخشى النفوس بضرار.
وقوله:
إن مفتاح الذي تطلبه ... بيد الأرزاق فاصبر واتكل.
فرغ الله من الرزق ومن ... مدة العمر من وقت الآجل.
وقوله:
سواء على الأيام حفظ وإغفال ... وتارك سعي واحتيال محتال.
ولاهم إلا سيف يفتح قفله ... ولا حال إلا للفتى عندها حال.
وقوله:
إذا كنت في ثروة من غنى ... فأنت المسود في العالم.
وحسبك من نسب صورة ... تخبر أنك من آدم.
وقول منصور الفقيه التميمي:
الناس بحر عميق ... والبعد منهم سفينه.
وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المستكينة.
وقول أبي فراس لحمداني:
معللتي بالوعد والموت دونه ... إذا مت عطشانا فلا نزل القطر
ومنها:
ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردها يوما بسوءته عمرو.
ومنها:
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
ولو سد غيري ما سددت اكتفوا به ... وما كان يغلو التبر لو نفق الصفر.
ونحن أناس لا توسط عندنا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر.
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر.
وله من قصيدة:
ومن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب.
(وله من أخرى) :
كذاك الوداد المحض لا يرتجى له ... ثواب ولا يخشى عليه عقاب.
ومنها:
إذا الخل لم يهجرك إلا ملالة ... فليس له إلا الفراق عتاب.
إذا لم أجد من خلة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب.
ومنها:
وما كل فعال يجازي بمثله ... ولا كل قوال لدي يجاب.
وله من أخرى:
بنوا الدنيا إذا ماتوا سواء ... ولو عمر المعمر ألف عام.
وقول الشريف الرضي من قصيدة:
وما يعلو على قلل المعالي ... أحق من المعرق في العلاء.
ومنها:
стр. 103
ورب أخ خليق بالتقالي ... ومغترب جدير بالصفاء.
وله من أخرى:
وتفرق البعداء بعد مودة ... صعب فكيف تفرق القرباء.
وله من أخرى:
لو رجعنا إلى العقول يقينا ... لرأينا الممات في الميلاد.
وله من أخرى:
يا ليت أني ما اقتنيتك صاحبا ... كم قينة جلبت أسى لفؤادي.
ومنها:
برد القلوب بمن نحب بقاءه ... مما يجر حرارة الأكباد.
وله من أخرى:
ومن يسأل الركبان عن حال غائب ... فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا.
وله من أخرى:
وأفجع الناس من ولت حبائبه ... ولا عناق ولا ضم ولا قبل.
ومنها:
ومن لم يعظه بياض الشيب أدركه ... في غرة حتفه المقدور والأجل.
من أخطأته سهام الموت قيده ... طول السنين فلا لهو ولا جذل.
وضاق من نفسه ما كان متسعا ... حتى الرجاء وحتى العزم والأمل.
وللرجال أحاديث فاحسنها ... ما نمق الجود لا ما نمق البخل.
ومنها:
ليس المعاد إلى الدنيا بمتفق ... ولا رجوع لمن يمضي به الأجل.
وكيف نأمل أن تبقى الحياة لنا ... وغير راجعة أيامنا الأول.
غيره: وما أحسن أن يعذر المرء نفسه=وليس له من سائر الناس عاذر.
آخر: وما ينفع الأصل من هاشم=إذا كانت النفس من باهله.
آخر:
فنذل الرجال كنذل النبات ... فلا للثمار ولا للحطب.
آخر:
لا يغرس الشر غارس أبدا ... إلا اجتنى من ثماره ندما.
فهذه نبذة من الأمثال للمتقدمين والمتأخرين، وقد ألف في ذلك جماعة منهم: ابن أبي الأصبع، له كتاب الأمثال؛ ابتدأ فيه بذكر ما وقع في الكتاب العزيز من الأمثال، والحق بها أمثال دواوين الإسلام، وختم الجميع بذكر أمثال العامة. وذكر في كتابه المسمى بتحرير التحبير: أنه استخرج أمثال أبي تمام من شعره، فوجدها تسعين نصيفاً وثلثمائة بيت وأربعة وخمسين بيتا واستوعب أمثال أبي الطيب المتنبي، فوجدها مائة نصيف وثلاثة وسبعين نصيفاً، وأربعمائة بيت؛ ولكنه أخرج من أمثال أبي الطيب ما ولده من أمثال أبي تمام، ومدار الناس الآن على أمثال أبي الطيب المتنبي دون غيرها غالبا. وقد جمع منها ابن حجة في شرح بديعيته جملة حسنة، ولكني وقفت للصاحب كافي الكفاءة إسماعيل بن عباد رحمه الله تعالى على رسالة جمع فيها أمثال أبي الطيب السائرة لمخدومه فخر الدولة، ووجد بخط فخر الدولة على نسخة الأصل علامات على رؤوس بعض الأبيات، وهي علامات ما اختاره من الأمثال. وقد رأيت أن أثبت الرسالة المذكورة بعينها؛ وأثبت العلامات المزورة لفخر الدولة؛ وهي خاء معجمة؛ علامة الانتخاب. وإنما نقلتها على ما هي عليه تعجبا من جودة نقده؛ ودلالة اختياره على أنه اختيار الملوك وذوي الهمم العالية؛ وبالله التوفيق ومنه الهداية إلى سوء الطريق.
الأمثال السائرة . من شعر المتنبي جمعها الصاحب كافي الكفاءة لمخدومه فخر الدولة قال الصاحب كافي الكفاءة إسماعيل بن عباد رحمه الله تعالى: الحمد لله الذي ضرب الأمثال للناس "لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" وصلى الله على أفصح العرب وسر عبد المطلب، صلى الله عليه وعلى آله أخيار الأمم، وأنوار الظلم، كم مثل ضرب فيه الحجة الواضحة؛ والحكمة البالغة. ثم إن الله قد أحيا بالأمير السيد شاهنشاه فخر الدولة، وفلك الأمة أطال الله بقاه، ونصر لواه داثر العلوم والآداب؛ وأقام برأيه ورايته أسواقهما، وكانت في يد الكساد بل الذهاب. فهو يقدم على المعرفة، ويقرب على التبصرة، لا كالملوك الذين يقال لهم:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي.
стр. 104
ومن نعم الله- أدام الله النعم لديه- إن الله قرن ألفاظه بفصل المقال، ووشح كلامه بضرب الأمثال، هي لب اللب، يضع فيه الهناء مواضع النقب. وهذا الشاعر مع تميزه وبراعته وتبريزه في صناعته، له في الأمثال خصوصا مذهب سبق به أمثاله. فأمليت ما صدر عن ديوانه من مثل واقع في فنه، بارع في معناه ولفظه، ليكون تذكرة في المجلس العالي؛ تلحظها العين العالية، وتعيها الأذن الواعية. ثم إن أمر أعلى الله أمره، أمليت- بمشيئة الله- ما وقع من الأمثال؛ في كل ديوان جاهلي أو مخضرم أو إسلامي، فما أجد من الأدباء من عمل في ذلك كتابا مقنعا، أو جمعا مسبعا. قرن الله السعادات بأيامه والمناجح بأعلامه.
قال المتنبي:
فعد بها لا عدمتها أبدا ... خير صلات الكريم أعودها.
إني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وان حرصت غرور.
صبرا بني إسحاق عليه تكرما ... إن العظيم على العظيم صبور.
يممت شاسع دارهم عن نية ... إن المحب على البعاد يزور.
فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش في أرب النفوس.
خ أهون بطول الثواء والتلف ... والسجن والقيد يا أبا دلف.
خ لو سكناي فيه منقصة ... لم يكن الدر ساكن الصدف.
خ غير اختيار قبلت برك بي ... والسجن والقيد يا أبا دلف.
خ إذا قيل رفقا للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل.
يفنى الكلام ولا يحيط بوصفكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفد.
يفدي بنيك عبيد الله حاسدهم ... بجبهة العير يفدى حافر الفرس.
خير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا.
وما الكرام الطريف وإن تقوى ... بمنتصف من الكرم التلاد.
وإن الجرح يفثي بعد حين ... إذا كان البناء على فساد.
يجني الغنى للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم.
هم لا موالهم وليس لهم ... والعار يبقى والجرح يلتئم.
ودهر ناسه ناس صغار ... وإن كانت لهم جثث ضخام.
وما أنا نهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام.
خليلك أنت لا من قلت خلي ... وإن كثر التجمل والكلام.
ولو حيز الحفاظ بغير عقل ... تجنب عنق صيقله الحسام.
وسبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغام.
ولو لم يرع غلا مستحق ... لرتبتهم أسامهم المسام.
ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتال.
ومن خبر الغواني فالغواني ... ضياء في بواطنه ظلام.
تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام.
وقبض نواله شرف وعز ... وقبض نوال بعض القوم ذام.
أقامت في الرقاب له أياد ... هي الأطواق والناس الحمام.
وما الفضة البيضاء والتبر واحد ... نفوعان للمكدي وبينهما صرف.
وزارك بي دون الملوك تحرج ... إذا عن بحر لم يجز لي التيمم.
ولكن عين قرة في قربه ... حتى كأن مغيبه الأقذاء.
خ ولن حبا خامر القلب في الصبا ... يزيد على مر الزمان ويشتد.
خ وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد.
في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل.
أبلغ ما يطلب النجاح به ال ... طبع وعند العمق الزلل.
ومن يك ذا فم مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا.
ما كل من طلب المعالي نافذا ... فيها ولا كل الرجال فحولا.
خ الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ شكوى عاشق ما أعلنا.
خ وانه المشير عليك في بضلة ... والحر ممتحن بأولاد الزنا.
خ ومكائد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعر بئس المقتنى.
لعنت مقارنة اللئيم فإنها ... ضيف يجر من الندامة ضيفا.
وأنفس ما للفتى لبه ... وذو اللب يكره إنفاقه.
لا افتخار إلا لمن لا يضام ... مدرك أو محارب لا ينام.
خ ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام.
خ كل حلم أتى بغير اقتدار ... حجة لا جيء إليها اللئام.
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام.
стр. 105
إن بعضا من القريض هذاء ... ليس شيئا وبعضه أحكام.
وربما فارق الإنسان مهجته ... يوم الوغى غير قال خشية العار.
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلوا من الهم أخلاهم من الفطن.
فقر الجهول إلى عقل بلا أدب ... فقر الحمار إلى رأس بلا رسن.
لا تعجبن مضيما حسن بزته ... وهل يروق دفينا جودة الكفن.
غلى مثل ما كان الفتى يرجع الفتى ... يعود كما يبدي ويكري كما أرمى.
إنعم ولذ فللأمور أواخر ... أبدا كما كانت لهن أوائل.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل.
خ في الناس أمثلة تدور حياتها ... كمماتها ومماتها كحياتها.
خ ولا ينفع إلا مكان غير سخاؤه ... وهل نافع لولا الأكف القنا السمر.
ضروب الناس عشاق ضروبا ... فاعذرهم أشفهم حبيبا.
خ ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد.
وأكبر نفسي عن جزاء بغيبة ... وكل اغتياب جهد من لا له جهد.
فما في سجاياكم منازعة العلى ... ولا في طباع التربة المسك والند.
خ من الحلم أن يستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم.
خ إذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فماذا الذي تغني الكريم المناصب.
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا ... فالشيب قبل الأوان تلثم.
والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم.
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلق ... ينسى الذي يولى وعاف يندم.
لا تخدعنك من عدو دمعة ... وارحم شبابك من عدو يرحم.
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم.
يؤذي القليل من اللئام بطبعه ... من لا يقل كما يقل ويلؤم.
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم.
ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم.
والذل يظهر في الذليل مودة ... وأود منه لمن يود الأرقم.
خ ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم.
أفعال من تلد الكريم كريمة ... وفعال من تلد الأعاجم أعجم.
خ ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافر كره الغماما.
خ فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم.
خ يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم.
خ وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم.
خ وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم.
ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والفهوم.
كلام أكثر من تلقى ومنظره ... مما يشق على الأذهان والحدق.
إلف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس إن الحمام مر المذاق.
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق.
والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق.
ومن قبل النطاح وقبل يلني ... تبين لك النعاج من الكباش.
خ ويظهر الجهل بي وأعرفه ... والدر در برغم من جهله.
فصرت كالسيف حامدا يده ... لا يحمد السيف كل من حمله.
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بان تسعدا والدمع أشفاه ساجمه.
وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه.
قفي تغرم الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه.
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيح ولكن أحسن الشعر فاحمه.
وما كل سيف يقطع الهام حده ... وتقطع لزبات الزمان مكارمه.
خ وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام.
فكثير من الشجاع التوقي ... وكثير من البليغ السلام.
خ ولو جاز الخلود خلدت فردا ... ولكن ليس للدنيا خليل.
خ ومن لم يعشق الدنيا قليل ... ولكن لا سبيل إلى وصال.
خ نصيبك في حياتك من حبيب ... نصيبك في منامك من خيال.
خ ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال.
стр. 106
خ وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال.
خ فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال.
إلام طماعية العاذل ... ولا رأي في الحب للعاقل.
خ يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل.
خذوا ما أتاكم به واغنموا ... فإن الغنيمة في العاجل.
خ أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطعن عند محبيهم كا القبل.
ولا يجير عليه الدهر بغيته ... ولا تحصن درع مهجة البطل.
بذي الغباوة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل.
إذا ما تأملت الزمان وصرفه ... تيقنت أن الموت ضرب من القتل.
هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل خلو الحسناء إلا أذى البعل.
وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل.
وربما قالت العيون وقد ... تصدق فيها ويكذب النظر.
أعاذك الله من سهامهم ... ومخطئ من رميه القمر.
وإذا وكلت إلى كريم رأيه ... في الجود بأن مذيقه من محضه.
إن الرياح إذا عمدن لناظر ... أغناه مقبلها عن استعجاله.
دون الحلاوة في الزمان مرارة ... لا تختطى إلا على أهواله.
وهل تغني الرسائل في عدو=إذا ما لم يكن ظبي رقاقا.
وإن جزعنا له فلا عجب ... ذا الجزر في البحر غير معهود.
فما ترجى النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود.
من يعرف الشمس لا ينكر مطالعها ... أو يبصر الخيل لا يستكرم الرمكا.
خ وما ذاك بخل بالنفوس على القنا ... ولكن صدم الشر بالشر أحزم.
أهل الحفيظة إلا أن تجربهم ... وفي التجارب بعد الغي يجتدع.
ليس الجمال لوجه صح مارنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع.
والمشرفية ما زالت مشرفة ... دواء كل كريم أوهي الوجع.
خ لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس يأكل إلا الميت الضبع.
خ من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع.
خ فقد يظن شجاعا من به خرق ... وقد يظن جبانا من به زمع.
إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع.
وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى ... وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا.
خ وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد.
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد.
وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد.
فإن قليل الحب بالعقل صالح ... وإن كثير الحب بالجهل فاسد.
وقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كل طبيب.
وللترك للإحسان خير لمحسن ... إذا جعل الإحسان غير ربيب.
فرب كئيب ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيب.
وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب.
خ أعيذها نظرات منك صادقة ... إن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.
خ وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم.
خ إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم.
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم.
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهي ذمم.
شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم.
وشر ما قنصته راحتي قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم.
وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا.
وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلا أمل.
والهجر أقتل لي مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل.
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل.
إ كنت ترضى بأن يعطوا الجزى بذلوا ... منها رضاك ومن للعور بالحول.
خ لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل.
لأن حلمك حلم لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كا لكحل.
وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل.
стр. 107
خ وليس يصح في الإفهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل.
خ وما كمد الحساد شيئا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق.
خ وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق.
خ ومن كنت بحرا له يا علي لا يقبل الدر الإكبارا.
ليالي بعد الظاعنينا شكول ... طوال وليل العاشقين طويل.
وبتن بحصن الران رزحى من الوجى ... وكل عزيز للأمير ذليل.
فإن تكن الأيام أبصرن صولة ... فقد علم الأيام كيف تصول.
أبدري ما أرابك من يريب ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب.
يجشمك الزمان أذى وحبا ... وقد يؤذى من المقة الحبيب.
خ لكل أمريء من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدى.
خ وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا.
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.
ووضع الندى في وضع السيف بالعلي ... مضر كوضع السيف في موضع الندى.
وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجدا الإحسان قيدا تقيدا.
وأتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لاتشاكل.
وما تركوك معصية ولكن ... يعاف الورد والموت الشراب.
ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب.
خ وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربما خفي الصواب.
خ وكم ذنب مولده دلال ... وكم بعد مولده اقتراب.
خ وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم.
تفيت الليالي كل شيء أخذته ... وهن لما يأخذن منك غوارم.
ومن طلب الفتح الجليل فإنما ... مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم.
أينكر ريح الليث حتى يذوقه ... وقد عرفت ريح الليوث البهائم.
وما تنفع الخيل الكرام ولاالقنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام.
فإن كنت لا تعطي الذمام طواعة ... فعوذ الأعاذي بالكريم ذمام.
وشر الحمامين الزؤامين عيشة ... يذل الذي يختارها ويضارم.
خ وما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق.
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق.
وما يوجع الحرمان من كف حارم ... كما يوجع الحرمان من كف رازق.
ولو لم يبق لم تعش البقايا ... وفي الماضي لمن بقى اعتبار.
لعل بينهم لبنيك جند ... فأول قرح الخيل المهار.
وما في سطوة الأرباب عيب ... ولا في ذلة العبدان عار.
لك إلف يجره وإذا ما ... كرم الأصل كان للألف أصلا.
إن خير الدموع عينا لدمع ... بعثته رعاية فاستهلا.
وإذا لم تجد من الناس كفؤا ... ذات خدر تمنت الموت بعلا.
ولذيذ الحياة أنفس للنف ... س وأشهى من أن تمل وأحلى.
وإذا الشيخ قال أفٍّ فما مل حياة وإنما الضعف ملا.
آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولا.
أبدا تسترد ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا.
وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا.
كل دمع يسيل منها عليها ... وبفك اليدين عنها تخلى.
رب أمر أتاك لا تحمد الفعال فيه وتحمد الإفعالا.
والعيان الجلي يحدث للظن ... زوالا وللمراد انفعالا.
وإذا ما حلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا.
أقسموا لا رأوك إلا بقلب ... طالما غرت العيون الرجالا.
إنما أنفس الأنيس سباع ... يتفارسن جهرة واغتيالا.
من أراد التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا.
كل غاد لحاجة يتمنى ... أن يكون الغضنفر الرئبالا.
ورفلت في حلل الثناء وإنما ... عدم الثناء نهاية الإعدام.
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني.
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران.
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان.
стр. 108
وتوهموا لعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان.
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقسامك القسم.
لا تطلبن كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يدا ختموا.
ولا تبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القول حتى أحمد الصمم.
وما عاقني غير قول الوشاة ... وإن الوشايات طرق الكذب.
ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب.
وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل.
زودينا من حسن وجهك ما دا ... م فحسن الوجوه حال تحول.
إن تراني أدمت بعد بياض ... فحميد من القنا الذبول.
وكثير من السؤال اشتياق ... وكثير من رده تعليل.
ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول.
غدرت يا موت كم أفنيت من عدد ... بمن أصبت وكم أسكت من لجب.
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب.
وعاد في طلب المتروك تاركه ... أنا لنغفل والأيام في الطلب.
فلا تنلك الليالي أن أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بالغرب.
ولا يعن عدوا أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخرب.
وإن سررن بمحبوب فجعن به ... وقد أتينك في الحالين بالعجب.
وربما احتسب الإنسان غايتها ... وفاجأته بأمرٍ غير محتسب.
وما قضى أحد منها لبانته ... ولا انتهى أرب إلا إلى أرب.
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب.
فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل تشرك جسم المرء في العطب.
ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب.
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا.
تمنيتها لما تمنيت أن أرى ... صديقاً فاعيا أو عدواً مداحيا.
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى ... ولا تنفى حتى تكون ضواريا.
فإن دموع العين غدر بربها ... إذا كن أثر الغادرين جواريا.
إذا الجود لم يرزق خلاص من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا.
وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا.
خلقت الوفا لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا.
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا.
حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب.
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب.
أبى خلق الدنيا حبيبا تديمه ... فما طلبي منها حبيبا ترده.
وأسرع مفعول فعلت تغيرا ... تكلف شيء في طباعك ضده.
وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده.
خ فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده.
وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده.
وما الصارم الهندي إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمده.
وما منزل اللذات عندي بمنزل ... إذلم أبجل عنده وأكرم.
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق مل يعتاده من توهم.
أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... واعرفها في فعله والتكلم.
وأحلم عن خلي وأعلم أنه ... متى أجزه حلما على الجهل يندم.
وإن بذل الإنسان لي جود عابس ... جزيت بجود الباذل المتبسم.
وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم.
ولم أرج إلا أهل ذاك ومن يرد ... مواطر من غير السحائب يظلم.
فأحسن وجه في الورى وجه محسن=وأيمن كف في الورى كف منعم.
خ وأشرفهم من كان أشرف همة ... وأكثر إقداماً على كل معظم.
خ لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور صديق أو إساءة مجرم.
ولكن ما يمضي من الدهر فائت ... فجد لي بحظ البادر المتغنم.
إنما تنجح المقالة في المر ... ء إذا وافقت هوى في الفؤاد.
قد يصيب الفتى المشير ولم يج ... هد ويشوي الصواب بع اجتهاد.
стр. 109
وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلم تقدم الميلاد.
خ وإطاعتك أسد دهرك والطا ... عة ليست خلائق الآساد.
وإذا كان في الأنابيب خلف ... وقع الطيش في صدور الصعاد.
كيف لاي ترك الطريق لسيل ... ضيق عن أتيه كل واد.
خ وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في أعين من لا يجرب.
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب.
لحا الله ذي الدنيا مناخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب.
وكل أمريء يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب.
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب.
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب.
وقد يترك النفس التي لا تهابه ... ويخترم النفس التي تتهيب.
فما يديم سرور ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن.
يا من نعيت على بعد بمجلسه ... كل بما زعم الناعون مرتهن.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحات ولا يلاقي الهوانا.
ولو أن الحياة تبقى لحي ... لعددنا أضلنا الشجعانا.
خ وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا
كل ما لم يكن من الصعب في الأن ... فس سهل فيها إذا هو كانا.
فإن يك إنسانا مضى لسبيله ... فإن المنايا غاية الحيوان.
قال الزمان قولا له فاسمعه ... إن الزمان على الإمساك عذال.
القاتل السيف في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجال.
يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر وصروف الدهر تغتال.
خ لطفت رأيك في وصلي وتكرمتي ... عن الكريم على العلياء يحتال.
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال.
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كل ماشية بالرجل شملال.
إنا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال.
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته وفضول العيش أشغال.
ولما صار ود الناس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام.
وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام.
خ وآنف من أخي لأبي وأمي ... إذا لم أجده من الكرام.
أرى الأجداد تغلبها كثيرا ... على الأولاد أخلاق اللئام.
عجبت لمن له قد وحد ... وينبو نبوة العضب الكهام.
ومن يجد المطي إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام.
ولم أرى في عيوب الناس شيئا ... كنقص القادرين على التمام.
ويصدق وعدها والوعد شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام.
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام.
وللسر منه موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب.
وما العشق إلا غرة وطماعة ... يعرض قلب نفسه فيصاب.
وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للزجاج ركاب.
خ أعز مكان في الدنيا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب.
خ أيا أسدا في جسمه روح ضيغم ... وكم أسد أرواحهن كلاب.
وقد تحدث الأيام عندك شيمة ... وتنعمر الأوقات وهي يباب.
ولكنك الدنيا إلي حبيبة ... فما عنك لي إلا إليك ذهاب.
أنوك من عبد ومن عرسه ... من حكم العبد على نفسه.
ما من يرى أنك في وعده ... كمن يرى أنك في حبسه.
ولا يرجى الخير عند امرئ ... مرت يد النخاس في رأسه.
فقل ما يلؤم في ثوبه ... إلا الذي يلؤم في غرسه.
خ لاشيء أقبح من فحل له ذكر ... تقوده أمة ليست لها رحم.
وإذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم.
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني بما أنا باك منه محسود.
جود الرجال من الأيدي وجودهم ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود.
العبد ليس لحر صالح بأخ ... لو أنه في ثياب الحر مولود.
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد.
стр. 110
إن امرءاً أمة حبلى تدبره ... لمستضام سخين العين مفؤود.
خ من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه الصيد.
خ أم أذنه في يد النخاس دامية ... أم قدره وهو بالفلسين مردود.
خ وذاك أن الفحول الفحول البيض عاجزة ... عن الجميل فكيف الخصية السود.
فتى زان في عيني أقصى قبيلة ... وكم سيد في حلة لا يزينها.
وما كل منة قال قولا وفي ... وما كل من سيم خسفا أبى.
ولابد للقلب من آلة ... ورأي يصدع صم الصفا.
وكل طريق أتاه الفتى ... على قدر الرجل فيه الخطى.
خ لقد كنت أحسب قبل الخصي أن الرؤوس محل النهى.
خ فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النهى كلها في الخصى.
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما ل يرى.
خ الحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بينهما عصي طيع.
خ إني لا أجبن من فراق أحبتي ... وتحس نفسي بالحمام فأشجع.
خ ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلم بي عتب الصديق فأجزع.
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى فيها وما يتوقع.
ولمن يغالط في الحقيقة نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع.
أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه ما يومه ما المصرع.
بأبي الوحيد وجيشه متكاثر ... يبكي ومن شر السلاح الأدمع.
وإذا حصلت من السلاح على البكا ... فحشاك رعن به وخدك تقرع.
خ قبحا لوجهك يا زمان فإنه ... وجه له من كل قبيح برقع.
ومن ضاقت الأرض على نفسه ... حرى أن يضيق بها جسمه.
تسود الشمس منا بيض أوجهنا ... ولا تسود بيض العذر والمم.
وكان حالهما في الحكم واحدة ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم.
خ حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم.
توهم القوم أن العجز قربنا ... وفي التقريب ما يدعو إلى التهم.
خ ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم.
هون على بصر ما شق منظره ... فإنما يقظات العين كالحلم.
ولا تشك إلى خلق فتشتمه ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم.
وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم.
غاض الوفاء فما تلقاه في عدة ... وأعوز الصق في الإخبار والقسم.
إن أوحشتك المعالي ... فإنها دار غربة.
كدعواك كل يدعي صحة العقل ... ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل.
دريني أنل مالا ينال من العلي ... فصعب العلي في الصعب والسهل في السهل.
خ تريدين لقيان المعالي رخيصة ... ولابد دون الشهد من إبر النحل.
وليس الذي يتبع الوبل رائدا ... كمن جاءه في داره رائد الوبل.
وما أنا ممن يدعي الشوق قلبه ... ويحتج في ترك الزيارة بالشغل.
تحاذر هزل المال وهي ذليلة ... وأشهد أن الذل شر من الهزل.
قد كنت أحذر بينهم من قبله ... لو كان ينفع حاذرا أن يحذرا.
إن في الموج للغريق لعذرا ... واضحا أن يفوته تعداده.
ما سمعنا بمن أحب العطايا ... وأشتهي أن يكون فيها فؤاده.
خ وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد.
خ وليس حياء الوجه في الذئب شيمة ... ولكنه من شيمة الأسد الورد.
خ يعللنا هذا الزمان بذا الوعد ... ويخدع عما في يديه من النقد.
كل جريح ترجى سلامته ... إلا فؤادا دهته عيناها.
وخل زيا لمن يحققه ... ما كل دام جبينه عابد.
لابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع عن جنبه.
ينسى بها ما كان من عجبه ... وما أذاق الموت من كربه.
نحن بنوا الموتى فما بالنا ... نعاف ما لابد من شربه.
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه.
لو أفكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه.
لم ير قرن الشمس في شرقه ... فشكت الأنفس في غربة.
يموت راع الضان في جهله ... ميتة جالينوس في طبه.
خ وربما زاد على عمره ... وزاد في الأمن على سربه.
следующие страницы →