← Адаб

Адаб · id 5446

أنوار الربيع في أنواع البديع

ابن معصوم الحسني

Полный текст (514 стр.). Показаны 491–514 · переход к 496.

стр. 491

المعنى، أخبر نفسك بما لا تثق بحصوله من الذكر والمجد الأثيل إذا حدثتها بعاقبة ما تحمله عليها من تحمل المشاق، فإن إخبارها بعدم الوثوق بما ترتجيه يقصر الأمل ويحقره فيثبطك عن السعي في طلب ما تروم، ويعقبه أسف المحروم. وقول الحماسي: فإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل. فإن في ضيم النفس أن يتكلف الشجاعة والسماحة والعفة الصبر وغيرها. وقد أخذه أبو تمام وزاد عليه في الإيجاز حيث قال: وظلمت نفسك طالبا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم. ومعناه أنك لما حملتها على ما يشق عليها، ويخالف هواها، فقد ظلمتها في الظاهر، وفي الحقيقة أنصفتها لما جلبت إليها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثلا، وأعجب لهذا الظلم الجالب للإنصاف. وقول الشريف الرضي: مالوا إلى شعب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق. فإنه لما أراد أن يصف هؤلاء الجماعة بالشجاعة في أثناء وصفهم بالتعب بالغرام عبر عن ذلك بقوله: (أيدي الطعان) وهذا من نهاية الإيجاز. الثاني هو إيجاز الحذف وفيه فوائد: منها، مجرد اختصار والاحتراز عن العبث لظهور المحذوف. ومنها، التنبيه على أن الزمان متقاصر عن الإتيان بالمحذوف، والاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء وقد اجتمعا في قوله تعالى: (ناقة الله وسقياها) فنافه الله تحذير، بتقدير: ذروا، وسقياها إغراء بتقدير: الزموا. ومنه، التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام. قال حازم في منهاج البلغاء: إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه، أو يقصد بها تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها. قال: ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي بها التعجب والتهويل على النفوس. ومنه قوله تعالى في وصف أهل الجنة "حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها" فحذف الجواب، إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شاءته ولا تبلغ مع ذلك كله ما هناك. وكذا قوله تعالى "ولو تروا إذا وقفوا على النار". أي لرأيت أمرا فظيعا لا تكاد تحيط به العبارة. ومنها، التخفيف لكثرة دورانه في الكلام، كما في حذف حرف النداء نحو "يوسف أعرض". ومنها، صيانة اللسان عنه تحقيرا، نحو "صم بكم" أي هم أو المنافقون. ومنه، قصد العموم نحو "وإياك نستعين" أي على العبادة وعلى أمورنا كلها، و"والله يدعوا إلى دار السلام" أي كل أحد، إلى غير ذلك من الفوائد والأسباب. ثم المحذوف إما جزء جملة، أو جملة، أو أكثر من الجملة: فالأول، إما مضاف نحو قوله تعالى "وأسأل القرية التي" أي أهلها، وقوله "حرمت عليكم الميتة" أي تناولها، لأن الحكم الشرعي إنما يتعلق بالأفعال دون الأجرام، وقوله تعالى "وأنعام حرمت ظهورها" أي منافع ظهورها، وهو أولى من تقدير الركوب، لأنهم حرموا ركوبها وتحميلها. وعليه قول أبي النواس: وإذا المطي بنا بلغنا محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام. أي منافع ظهورهن من الركوب والتحميل، لأن غرضه إراحتها من التعب بعد ذلك. وأما موصوف كقوله: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني. أي ابن رجل جلا الأمور، أي كشفها. وأما صفة نحو "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة" أي صحيحة، أو صالحة، أو نحو ذلك، بدليل ما قبله وهو قوله "فأردت أن أعيبها". وإما شرط كقوله تعالى "أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي"، أي إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق ولا سواه. وأما جواب شرط كقوله تعالى "ولو جئنا بمثله مددا" أي لنفذ، أو غير ذلك مما هو مذكور في مظانه. والثاني، هو كون المحذوف جملة، أما مسبب ذكر سببه كقوله تعالى "ليحق الحق ويبطل الباطل" أي فعل ما فعل، وقوله تعالى "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة" أي أخبرناك. ومنه قول المتنبي: أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم. أي فساءنا. وبالعكس، أي مسبب ذكر مسببه كقوله تعالى "فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم" أي فأسلمتم فتاب عليكم.

стр. 492

والثالث، وهو كون المحذوف أكثر من جملة، كقوله تعالى "أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف" أي إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه فأتاه وقال له: يا يوسف. فاعلم أن الحذف على ضربين، أحدهما أن لا يقام شيء مقام المحذوف كالأمثلة السابقة. الثاني أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى "وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك" أي فأصبر ولا تحزن، فإنه قد كذبت رسل من قبلك. وأدلة الحذف كثيرة: ومنها العقل، كقوله تعالى "وجاء ربك" أي أمر ربك، أو عذابه، أو بأسه. ومنها الشروع في الفعل، نحو باسم الله، فيقدر ما جعلت التسمية مبدأ له. ومنها اقتران الكلام بالفعل، كقولهم للمعرس: بالرفاء والبنين، أي أعرست، فإن كون هذا الكلام مقارنا لأعراس هذا المخاطب+دل على أن المحذوف (أعرست) إلى غير ذلك من الدلالات الحالية والمقالية، والله أعلم. وبيت بديعية الصفي قوله: واستخدم الموت ينهاه ويأمره ... بعزم مغتنم في زي مغترم. قال في شرحه: هذا البيت محتو على ضربي الإيجاز: إيجاز القصر وإيجاز الحذف، فقوله (واستخدم الموت) خاصة هذا مجاز في غاية الاختصار، وقوله (بعزم مغتنم في زي مغترم) يريد بعزم رجل مغتنم في زي رجل مغترم. انتهى. وتشادق ابن حجة هنا على جاري عادته السيئة فقال: لكنه ما تحته في بلاغة الإيجاز كبير أمر. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع. وبيت بديعية الموصلي قوله: وسل زمانك تلف الكتب راوية ... إيجاز معنى طويل الذكر مرتسم. أراد أهل زمانك. وبيت بديعية ابن حجة قوله: أوجز وسل أول الأبيات عن مدح ... فيه وسل مكة يا قاصد الحرم. قال في شرحه: الإيجاز البديع البليغ الغريب في قولي (وسل أول الأبيات) فإنه إشارة إلى أول بيت وضع للناس، والإيجاز الثاني في قولي (وسل مكة) أي أهل، فهذا البيت فيه إيجازان بليغان. انتهى. وأنا أقول: إن الإيجاز الأول الذي ادعى أنه بديع بليغ غريب هو بنوع الألغاز أنسب وإلى التعمية اقرب. وبيت بديعية المقري قوله: مستقبل الصف ماضي الحد طلعته ال ... حياة والموت في حرب وفي سلم. قال في شرحه: اشتمل هذا البيت على نوعي الإيجاز، فإن قوله (طلعته الحياة والموت) إيجاز عظيم، والحذف في قوله (الحياة والموت) فإن المراد: طلعته طلعة الحياة والموت، فحذف إيجاز. وبيت بديعية السيوطي قوله: عن كنه معناه كل المطنبون وقد ... أوتى البلاغة والإيجاز في الكلم. وبيت بديعية العلوي قوله: إن قال فالكون والأقدار قائلة ... أوصال فالموت في بتاره الخدم. وبيت بديعية الطبري قوله: دعا تحدى بآيات محكمة ... إيجازها في حمى الإعجاز لم يظم. قال في شرحه: إيجاز هذا البيت من نوع إيجاز القصر وهو صدر البيت، وأما إيجاز الحذف فهو خال منه. وبيت بديعيتي قولي: لا ترض إيجاز مدح فيه وأصغ إلى ... مدحي الذي شاع بين الحل والحرم. هذا البيت اشتمل على قسمي الإيجاز من القصر والحذف، لأن معناه: لا ترض اختصار المدح في ذاته وصفاته الشريفة، ودع موجز القول فيه، ومل إلى مدحي المطنب المشتهر الذي شاع وظهر بين أهل الحل والحرم. التسجيع . تسجيع منتظمي والغر من حكمي ... ألفاظها بفمي در من كلم. السجع والتسجيع مأخوذان من سجع الحمامة وهد يرها وترديد صوتها تشبيها بها لتكرره على نمط واحد. ومنهم من خص السجع بالنثر، والصحيح عدم اختصاصه به، بل يجري في النظم أيضاً، وهو أن يأتي الشاعر في البيت بكلمات مقفاة على روي البيت، غير متزنة بزنة عروضية، ولا محصورة في عدد معين. كقول أبي تمام: تجلى به رشدي وأقرب به يدي ... وفاض به ثمدي وأروى به زندي. وقول ابن هاني المغربي في قصيدة يمدح بها المعز الفاطمي: ورث المقيم بيثرب فالمنبر الأ ... على له والترعة العليا. والخطبة الزهراء فيها الحكمة ال ... غراء فيها الحجة البيضاء. وربما اتفقت الكلمات في الوزن العروضي كقول أبي الطيب: فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل. وأما السجع في النثر فهو تواطؤ الفاصلتين على حرف واحد، وهو ثلاثة أضرب:

стр. 493

أحدهما المطرف، وهو أن تكون الفاصلتان مختلفتين في الوزن كقوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلكم أطوارا) فالوقار والأطوار مختلفان وزنا، وقولهم: من حسنت حاله استحسنت محاله. الثاني المرصع، وهو أن يكون ما في أحد القرينتين أو أكثر مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية، كقول الحريري: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الإسماع بزواجر وعظه، وقول البديع الهمذاني: أن بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا. وقد تقدم الكلام على الترصيع في النظم. الثالث المتوازي، وهو أن تكون الفاصلتان دون سائر ألفاظ القرينتين متفقتين في الوزن والتقفية، كقوله تعالى: (فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة) وقوله ﵇: اللهم أعط كل منفق خلفا، وأعط كل ممسك تلفا. ومنهم من لم يشترط في السجع التقفية في الفاصلتين، بل اكتفى باتفاقهما في الوزن فقط، وسماء المتوازن كقوله تعالى: (ونمارق مصفوفة، وزرابي مثبوثة) وقولهم: اصبر على حر اللقاء ومضض النزال، وشدة المصاع، ومداومة المراس. قال: فإن روعي الوزن في جميع كلمات القرينتين أو أكثرها، وقابل الكلمة منها بما يعادلها كن أحسن، كقوله تعالى: (وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط المستقيم) . ثم السجع ينقسم بحسب القرائن إلى ثلاثة أقسام: الأول ما تساوت قراينه، كقوله تعالى: (في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل مدود) ، وقوله: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) . الثاني ما طالت قرينته الثانية، كقوله تعالى: (خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه) ، ويشترط في طول الثنائية أن لا يكون بحيث يخرجها من الاعتدال كثيرا وإلا كان قبيحا، وأما الثالثة فيجوز أن تكون مساوية في الطول للأوليتين، وأن تزيد عليهما طولا كقوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصلوا بالحق وتواصلوا بالصبر) . الثالث ما قصرت قرينته الثانية عن الأولى، وهو عيب فاحش، لأن السمع قد استوفى أمده من الأولى لطولها، فإذا جاءت الثانية أقصر يبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها، والذوق يشهد بذلك ويقضي بصحته، ولذلك عابوا على الفتح بن خاقان المغربي افتتاحه خطبته في قلائد العقيان بقوله: الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنتنا، وشاد مثواه أجنتنا. قال ابن الأثير: السجع يحتاج إلى أربعة شرائط: اختيار مفردات الألفاظ، واختيار التأليف، وكون اللفظ تابعا للمعنى لا عكسه، وكون كل واحد من الفقر دالة على معنى آخر، وإلا لكان تطويلا كقول الصابي: الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بلحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلفه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، والصلاة على من لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه. إذ لا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، ولا بين محو الأثر ةإعفاء الرسم. وقول الصاحب بن عباد في مهزومين: طاروا واقعين بظهورهم وصدورهم، وبأصلابهم نحورهم. ورد هذا الشرط الرابع ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على المثل السائر بما لا طائل تحته. ثم السجع إما القصير وهو الأحسن لقرب فواصل السجعة من سمع السامع، وأيضا هو أوعر مسلكا، إذ المعنى إذا صيغ بألفاظ قليلة عسر مواطاة السجع فيه. قيل للصاحب بن عباد: ما أحسن السجع؟ قال: ما خف على السمع، قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل هذا. ومثاله في التنزيل قوله تعالى: (والمرسلات عرفا، فالعاصفات عصفا) . وإما متوسط كقوله : "اقتربت الساعة وانشق القمر، وأن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر". وإما طويل كقوله تعالى: (إذ يريك الله في منامك قليلا ولو أراكم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم أنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور) . تنبيهات .

стр. 494

الأول كلمات السجاع مبنية على أن تكون ساكنة الإعجاز موقوفا عليها، لأن الغرض من السجع أن يزاوج بين الفواصل، ولا يتم في كل سورة إلا بالوقف وبالبناء على السكون، كقولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت. فإنه لو اعتبر الحركة لفات السجع، لأن التاء من (فات) مفتوحة، ومن (آت) مكسورة منونة، وهذا غير واف بالغرض من تزاوج الفواصل. وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج فيقولون (آتيك بالغدايا والعشايا) يريدون: الغدوات، و (هناني الطعام وراني) يريدون: أمراني، و (انصرفن مأزورات غير مأجورات) أي موزورات، و (أخذ ما قدم وما حدث) بالفتح، مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة، فما ظنك بهم في ذلك؟. الثاني: الجمهور على أنه لا يقال في التنزيل إسجاع، تحرزا على معناه الأصلي الذي هو هدير الحمام، بل يقال: فواصل، لقوله تعالى: (كتاب فصلت آياته) ، وقال الرماني: السجع عيب، والفواصل بلاغة. قال الخفاجي في سر الفصاحة: قوله هذا غلط، فإنه إن أراد بالسجيع ما يتبع المعنى وهو غير مقصود، فذلك بلاغة والفواصل مثله، وإن أراد ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف، فذلك عيب والفواصل مثله. قال: وأظن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا: رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض من التسمية قريب، والحقيقة ما قلناه. قال: والتحرير أن الأسجاع: حروف متماثلة في مقاطع الفواصل. انتهى. وذهب كثير من غير الأشاعرة إلى إثبات السجع في القرآن، وقالوا: أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة، كالجناس والالتفاف ونحوهما. الثالث قال ابن النفيس: يكفي في حسن السجع ورود القرآن به، قال: ولا يقدح ذلك خلوه في بعض الآيات، لأن الحسن قد يقتضي المقام الانتقال إلى أحسن منه. وقال حازم: إنما نول القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب، فوردت الفواصل فيه بأزاء ورود الاسجاع جميعا أن يكونوا مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف، ولما في الطبع من الملل، ولأن الافتتان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد، فلهذا وردت بعض آيات القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل. انتهى. وإذ قد استوفينا الكلام على ما يتعلق بالسجع في هذا المقام، فلا بأس بإيراد شيء من الإنشاء البديع المشتمل على محاسن التسجيع. فمن ذلك قول الصاحب بن عباد وكتبه إلى القاضي أبي بشر الفضل بن محمد الجرجاني عند وروده باب الري وافدا عليه: تحدثت الركاب بسير أروى ... إلى بلد حططت به خيامي. فكدت أطير من شوق إليها ... بقادمة كقادمة الحمام. أفحق ما قيل من أمر القادم؟ أم ظن كأماني الحالم؟ لا والله بل هو درك العيان، وأنه ونيل المنى سيان، فمرحبا براحلتك ورحلك،) وأهلا بك وبجميع اهلك) ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك، فحث المطي تزل علتي بلقياك، وتبرد غلتي بسقياك، ونص على يوم الوصول نجعله عيدا مشرفا، وتتخذه موسما ومعرفا، ورد الغلام أسرع من رجع الكلام، فقد أمرته أن يطير على نجاح نسر، وأن يترك الصبا في عقال أسر والسلام. وقوله أيضاً في التهنئة ببنت: أهلا وسهلا بعقيلة النساء (وكريمة الآباء) وأم الأبناء، وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار، والمبشرة بأخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون. فلو كان النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال. وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال. فأدرع اغتباطا (وتهاتف نشاطا) فالدنيا مؤنثة ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زرينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة هي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والجنة مؤنثة وبها وعد المدقون، (وفيها ينعم المرسلون) ، فهنيئا مليئا ما أوليت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت. ومنه قول بديع الزمان الهمذاني: بيننا عذراء زجاجه خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة، إذا طاف بها الساقي فوردة على غصتها، أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها.

стр. 495

وقوله أيضاً: انظر إلى الكلام وقائله، فإن كان وليلا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوا فهو البلاء وإن حسن. ألا ترى إلى العرب تقول: (قاتلة الله) ولا يريدون الذم، و (لا أبا له) في الأمر إذا تم. وقوله أيضاً: فائدة الاعتقاد، أفضل من الانتقاد، والسماح يكسر الرماح، والصفح يفل الصفاح، والجود أنصر من الجنود، وكشف الضر عن الحر أجمل من كشف الصدف عن الدرب، من عرف بالمنح قصد بالمدح، وخير الأخوان من ليس بخوان، وده ميمون وغيبه مأمون، فهو يخالفك ويرافقك ولا يفارقك، ويوافقك ولا ينافقك. إذا حضرت حنا عليك، وإذا غبت حن عليك. وقوله أيضاً: ما أشبه وعد الشيخ بالخلاف إلا بشجر الخلاف، خضرة في العين، ولا ثمرة في البين، فما ينفع الوعد، ولا إنجاز من بعد، ومثل والوعد مثل الرعد، ليس له خطر، إن لم يتله مطر. وقوله أيضاً: كتابي من هراة ولا هراة، فقط طحنتها المحن كما يطحن الدقيق، وقلبتها كما يقلب الرقيق، وبلعتها كما يبلع الريق، وقد خدمت الشيخ سنين، والله لا يضيع أجر المحسنين، ونادمته والمنادمة رضاع ثان، ومالحته والممالحة نسب دان، وسافرت معه والسفر والأخوة رضيعا لبان، وقمت بين يديه والقيام والصلاة شريكا عنان، وأثنيت عليه والثناء من الله بمكان، وأخلصت له والإخلاص محمود بكل لسان. وقوله أيضاً: للشيخ من الصدور ما ليس للفؤاد، ومن القلوب ما ليس للأولاد، كأنما اشتق من جميع الأكباد، وولد بجميع البلاد، سواء الحاضر فيه والباد، فكل أفعاله غرة في ناصية الأيام، وزهرة في جنح الظلام. ألا أن ما أوجبه لفلان روض أنا وسميه، وغصن أنا قمرية، وعود جمره لساني وجود شكره ضماني. وقوله أيضاً: المرء جزوع لكنه حمول، والإنسان في النوائب شموس ثم ذلول. ولقد عشت بعد الشيخ عيشة الحوت في البر، وبقيت لكن بقاء الثلج في الحر. وقوله أيضاً: كتابي إلى البحر وان لم أره، فقد سمعت خبره، الليث وان لم ألقه فقد تصورت خلقه، والملك وان لم أكن لقبته، فقد لقيني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره. وهذه الحضرة وان احتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون، فان أحب إلى من الرجوع عنها بمال. قدمت التعريف، وأنا انتظر الجواب الشريف. وقوله أيضاً: حضرته التي هي كعبة المحتاج، أن أم تكن كعبة الحاج، ومشعر الكرام، آن لم تكن مشعر الحرام، ومنى الضيف، أن لم تكن منى الخيف، وقبلة الصلات، أن أم تكن قبلة الصلاة. وقوله أيضاً: حرس الله هذه الدنانير، ورزقنا منها الكثير، أنها لتفعل مالا تفعل التوراة ة الإنجيل، وتغني مالا يغني التنزيل والتأويل، وتصلح ما يصلح جبرئيل وميكائيل. وقوله في بعض من عزل من ولاية جماله، ونقص بدر حسنه بعد كماله: هذا الذي تاه بحسن قده، وزها علينا بورد خده، قد نسخ آية حسنه وأقام مائل غصنه، وانتصر لنا منه بشعرات كسفت هلاله، وأكسفت باله، ومسخت جماله، وغيرت حاله. فمن لك بالعين التي كنت مرة ... إليك بها في سالف الدهر أنظر. أيام كنت تتلفت، فاقصر الآن، عما صار وكان، فانه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت، ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس. فختام تدل وإلام، وكم نحتمل وعلام. قلت: لعمري هذا هو السجع الذي فاق سجع الحمائم على الغصون، وأربى بحسنه على ثمين الدر المصون، وهذا الإمام هو الذي صلى الحريري خلفه في مقاماته، وتتبع آثاره في منشآته وكلماته، وعناه بقوله: أن المتصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف ألا من فضالته، ولا يسري ذلك المسري إلا بدلالته. وما ألطف قول بعض العلماء: -وقد سئل عن الحريري والبديع في مقاماتها- لم يبلغ الحريري أن يسمى بديع يوم، فكيف يقارب بديع الزمان. ومن بديع الإنشاء قول أبي بكر محمد بن أحمد اليوسفي: الشوق الذي أقاسي يصدع الجبل القاسي، والذي مر براسي يهد الجبل الراسي، من نواكب أوهت المناكب، وعوارض شيبت العوارض، ومحن عظام أثرت في العظام، وللأيام دول متعاقبة، وللصبر الجميل أحمد عاقبة.

стр. 496

وقول القاضي أبي أحمد منصور بن محمد الهروي وكتبه إلى صديق حياة بباكورة ورد: وصلت الوردة الفردة لا زال ذكره كرياها عرفا، ودهره كفضلها ظرفا، وحال أوليائه كأغصانها خضرة، ووجوه أعدائه كلونها صفرة، فسرت القلب، وسرت الكرب، وأدت الإرب، وأهدت الطرب، ودعت إلى الرسم المألوف، وأمرت بالمنكر المعروف. وافتنا والليل قد خط رواقه، وحل نطاقه، والصبح قد بسط رداءه، ورفع لواءه، والندى طل، والنسيم مبتل، والمزن منسجم، وثغر الصبح مبتسم، ونحن نبوح بما في الصدور، ونظير بأجنحة السرور، فوضعت الوردة على الرؤوس، وأديرت مع الكؤوس، ونطقت الأوتار، (وصدحت الأطيار) ولكل ذي لا فطنة فتنة، ولكل ذي توبة أوبة، وعند كل لفتة حسرة، ومع كل وردة سكرة. وقوله أيضاً وكتبه إلى شمس الكفاءة عند عود الوزارة إليه: الشمس في رأد الضحى ... والبدن في جنح الدجى والماء في حر الصدى ... والغيث جاد على الثرى والمزن يضحك في الربى ... والورد جمشه الندى والصبح تقدمه الصبا ... والعيش في زمن الصبا والقرب صب على النوى ... والقلب رق مع الهوى والطرف غازله الكرى ... والصفو باعده القذى والحلي في ثغر الدمى ... ومنازل لك الحمى وعهود سعدى باللوى ... والدهر يسعف بالمنى والبرء في عقب الضنى ... والفقر يطويه الغنى والبشر يتبعه الندى ... والنشر من يعد البلى والود في أثر القلى ... والمحل يطرده الحيا والعتب يمحوه الرضا ... والكف تسمح باللهى ومذكرات ذوى النهى ... والرأي يعضده الحجى والجد ساعد واعتلى ... والحظ أدرك ما رجا بها وبمالها من الأمثال، سارت سوائر الأمثال، فيما يونق النفوس والطباع، ويؤنس الأبصار والأسماع، وأحسن من كل هذا التمثيل أيام الشيخ الجليل، وقد أتاه اسم لم يزل معناه. فيا حن الزمان وقد تجلى ... بهذا الفخر والإقبال صدره وكان الدهر يغدر قبل هذا ... فحل وفاؤه وانحل غدره فقل النصل وافقه نصاب ... واقل في الأفق أشرق فيه بدره والحمد لله الذي زان الشجر بالثمر، وحلى البرج بالقمر، وآنس العرين بالأسد، وأهدى الروح إلى الجسد. ولم أنس (أدام الله علو مولانا) رسم التصدير، وما يجب من مراعاته على الصغير والكبير. وان التهنئة المرسومة يتهاداها الأكفاء، ويتعاطاها النظراء، فأما الخدم مع الصدور والنجوم التاليات مع الأهلة والبدور، (فالعادة ثمة أن تعذرت الإرادة) ولم تساعد السعادة، فالدعاء موصولا منشورا، والثناء منظوما منثورا، وعلى هذه الجملة عملت، وإلى هذا الجانب عدلت، فأصدت كلمة تتجها الود الصريح، ونسجها الولاء الصحيح فجاءت تؤدي وجوه الريا ... ض أضحكها العارض الهامع وليس لها غير عين الرضا ... لديك ذمام ولا شافع وقول القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني: وقد كان يقال: إن الذهب الإبريز لا تدخل عليه آفة، وان يد الدهر البخيل عنه كافة. وأنتم - يا بني أيوب - آفة نفائس الأموال، كما أن سيوفكم آفة نفوس الأبطال. فلو ملكتم الدهر لأمطيتم لياليه أداهم، وقلدتم أيامه صوارم، ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم، ووافتكم أعراس تم فيها على الأموال مآتم، والجود خاتم في أيديكم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم. وقوله أيضاً: سرنا وروضة السماء فيها الزهرة زهر، ومن المجرة نهر، والليل كالبنفسج تخلله من النجوم أتاح، وكالزنج شمله من الرياح جراح، والكواكب سائرات المراكب لا معرس لها دون الصباح، وسهيل كالظمآن تدلى إلى الأرض ليشرب، والكريم أنف المقام بدار الذل فتغرب، فكأنه قبس تتلاعب به الرياح، أو زينة قدمها بين يدي الصباح، والجوزاء كالسرادق المضروب، أو الهودج المنصوب، أو الشجرة المنورة، أو الحبرة المصورة، والثريا قد هم عنقودها أن يتدلى، وجيش الليل قد هم أن يتولى. وقوله أيضاً من رسالة يصف فيها قلعة نجم: هي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان لها الهلال قلامة.

стр. 497

وقوله في جواب كتاب بعثه العماد في ورق أحمر، فقطعت العرب الطريق على حامله وأخذوه: ووصل منها كتاب تأخر جوابه، لان العرب قطعوا طريقه، وعقوا عقيقه، ثم أعادوه وما استطاعت أيديهم أن تقبض جمره، ولا ألبابهم أن تسيغ خمره، فقطف ورده من شوك أيديهم، وحيا حياة الذي جل عن واديهم، وحضر منه حاضر الفضل الذي ما كان الله ليعذبه بالغربة وأنت فيهم في بواديهم، وتشرف منه بعقيلة الأنس التي ما كان الله ليمتحنها بقتل واديهم، وسألته بأي ذنب قتلت، وأي شفاعة فيك قبلت، فقال عرفت الأعراب بضاعتها من الفصاحة، وتناجدت أهل نجد فكل صاح وإصباحه، وقالوا: هذه حقائقنا السحرية، وهذه حقائبنا السحرية، وهذه عتايدنا السرية محمولة، وهذه مواريث قيسنا وقسنا المأمولة. فقيل لهم: أن الفصاحة تنتقل عن الأنساب، وان العلم يناله فرسان فارس ولو كان في السحاب، فدعوا عنكم ثمرا علق بشجراته، اتركوا نهبا صيح في حجراته (وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وقوله يذكر كتابا جاء في ورق أخضر: ولما في الحلة الخضراء، مخضرا بسريرته السراء، قلت: الله أكبر من كان خاطره غيثا روض، وفاض فأعشب فذهب وفضض، وما شككت أنى دخلت الجنة لما فاض من أنهارها، وأفيض من سندسها، أو طلعت إلى سماء الدنيا لما ملأ سمعي وعيني من شهبها وحرسها، ولا أنني قد جاءني رسالة الروض الأرج لما فغمني من نفيس نفسها، فقلت لصحيفته ما هذه اللبسة الغريبة والحلة العجيبة؟ والورقة التي هزت عطفي ورق الشبيبة؟ والريحانة التي لا يدعيها عذار حبيبه؟ فقالت: شققنا مرائر قوم به فنحن نسميه شق المرارة) . وقوله أيضاً: ومن مستهل ذي الحجة ما أستهل من يده كتاب، ولا استقل من تلقاء جهته سحاب، ولعل قلمه في الميقات قد أحرم فلم يمس الطيب من أنفاسه، ومسح المداد عنه لتمام الإحرام بكشف رأسه، والآن فقد انقضت الأيام المعلومة، فهلا قضى عنا الأيام التي تمادت فيها شقوة العيون المحرومة. وقوله أيضاً في القلم: وقد أثمر هذا القلم أكرم الثمر وهو يابس، وأبر جودا على أخضر المغارس، وأتى أكله كل حين ووقت، وطال وان كان القصير فقصر عنه كل نعت. قلت: وعلى ذكر القلم فقد عن لي أن أورد هنا رسالة القلم لخاتمة المحققين، مولانا جلال الدين الدواني، لما اشتملت عليه من المعاني الغريبة، والأسجاع التي لا يعتري السامع في حسنها ريبة، وهي: (آن القلم وما يسطرون) أن هذه تذكرة لقوم يعقلون. يا من فاق من البراعة، سألتني عن وصف اليراعة، فاستمع لما يتلى عليك (ذلك من أنباء الغيث نوحيه إليك) (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا، إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتتا من لدنك رحمة وهي لنا من أمرنا رشدا) انه فتى من أصحاب الكهف والرقيم نشر له ربه من رحمته وهيأ له مرفقا ورفع له بخط مستقيم. نبي بعث من سرة البطحاء، وأيد بفصاحة أبكمت مصاقع البلغاء. كليم خص بالطور، والكتاب المسطور، والرق المنشور، وسفير بليغ نذير، وقد جاءنا بالبينات والزبر والكتاب المنير. قد بلغ من ذروة الشرف منتهاه، ومن سنام المعالي أعلاه، ينمي في شجرة النسب إلى أول ما خلق الله. (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله ألا أنت سبحانك أني كنت من الظالمين) يقول إذا برز من بطن النون وشرع في الزبور (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. ألف يقارن نونا، وألف يؤلف به درا ُمكنونا، إذا شددت به أن، وان لنت به اطمأن. عالم من أهل الكتاب علا كعبه في الأحبار، مر على سائر الكتب السماوية من الصحف والأسفار. ذو القرنين يسير المغرب والمشرق في أقصر ساعة، استولى على الأقاليم كلها ومد فيها باعه. فصيح جزل الكلام، لكن لا ينفك كلامه عن الإلهام، وإشراقي في طرق التعلم والتعليم من المشائين بنميم.

стр. 498

بادي البشرة أسود الرأس، فصيح ماش على قدميه لكن ليس من الناس. نشازي النبض ما به من ورم، ناحل الجسم ليس عليه سقم، أرى قدمه، أراق دمه، ولسانه مهد عدمه. كف نفسه عن الراحة، وزاحم بالركب أهل الفصاحة، حتى يضرب به المثل بين الأماثل، ويذعن لنظمه ونثره الأفاضل. ذو اللسانين وذو البيانين، قد هدي النجدين واقتحم العقبتين، وجمع بين العلم والعين. مهندس ينقش الخطوط على السطوح للتعاليم، منجم يصلح الزيجات والتقاويم. ينقص بالأصابع طل الأقدام، ويرقم على الرخامات دقائق الليالي والأيام. لا يأبى السلاطين ما رسمه، ولا يتجاوز الأساطين عما رقمه. أعجم يعرف اللغات كلها، أدهم قد طوى المقامات جلها. يقول حين يبرز في نادي البيان: عند الامتحان يكرم المرء أو يهان. صوفي قطع المنازل وبلغ الغايات، ورجع القهقرى لتصحيح البدايات. إن لم يقطع لسانه لم يفصح بيانه، وان لم يشق سنانه لم ينطلق لسانه. عربي واسطي، أصله هندي، زنجي نسله طوطي، أسود المنقار كأن منقاره من قار، ذو ذؤابة يعلم من مسيرة طول حلول الآجال، ويفهم من ظهوره انتقال الدولة وتداول الإقبال، وتحول الأحوال. أحرز قصبات السبق في مضمار البيان، حتى صار بحيث تشير ليه المهرة في ذلك الفن بالبنان. كأنه عصا موسى، وقد ألقيت فإذا هي حية تسعى. أبو قلمون يتقلب في الأطوار، ويتحول من شعار إلى شعار، طورا ينظم القوافي والأشعار، وتارة تلقاه ينثر لأليء الحكم والأسرار ساعة تبصره أنيس الإعلام ذوي البراعة، وكرة تصادفه سمير أهل المجون والخلاعة. سحار يأتي بالغرائب، مكار يري الناظرين العجائب. يثبت في سماء مشرقة كواكب مظلمة، وينثر على صفحة النهار قطعا من الليل معتمة. كاتب شهيد، وحاسب عتيد. تجرع مرارة مذاق الكد حتى تضلع من فنون العلوم، وتحمل الصبر على استنشاق دخان السراج حتى برع بين الفضلاء ذوي الفهوم. لا يزال رطب اللسان في شكر باريه، عذب البيان بذكر باريه. محدث تحدث عنه الآثار، وتنتقل عنه الأخبار في الأقطار. بازي يمتطي أيدي الصناديد الصيد، لا يطير من أيديهم ويصيد. له إشارة مبهمة، وعبارة مفهمة. انقطع عن عبرته لنيل طلبته، حتى بلغ مبلغ الرجال، ونال من الشرف ما نال، فحق أن ينشد فيه. قول من قال: ورث النجابة كابرا عن كابر ... كالرمح أنبوبا على أنبوب حكيم تنطوي إشارته على تلويحات إلى قانون الشفاء، وتحتوي على تنبيهات لمناهج النجاة عن درك الجهل والشقاء. له مواقف يحقق فيها مقاصد الكلام، وعوارف معارف يكشف بها عن وجوه الفرائد اللثام. يعرض ذات الشمال وهو من أهل اليمين. ويصدق في أكثر الأقوال ولكنه قد يمين. لا تنظم مصالح الأنام إلا بحسن مساعيه، ولا تنضبط حوادث الأيام إلا بيمن مراعيه. أجوف وهو مصدر المثال، مهموز سالم من الاعتلال. لفيف مفروق من إخوانه، خفيف ناقص من أوزانه. أصل واحد تصدر عنه الأمثلة لمعان مقصودة لا تحصل إلا به، نصل شاهد لا يصاب غرض المطالب ألا بنابه. نموم يسعى في هتك الأستار، غشوم نفوذ في كشف الأسرار، تقي لا يزال مولعا بافتضاض أبكار بنات الأفكار. خضر خاض الظلمات، حتى أرتوي من ماء الحياة. مستوف قد أحاط أبواب حواصل الأقاليم جمعا أو خرجا، وزير قد نظم غوامض أمور الممالك هرجا ومرجا. مشير ذوي النهى في النوائب ومؤنسهم (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) رشيق القد أسيل الخد، أليف الكد طويل المد، قد جاوزت شمائله حد العد. ألف ممدود لا يمنع الصرف، سالك مرتاض لكنه يعبد الباري على حرف. تعمم بشعار آل العباس، وأقام أمر النجدة والباس، فقال: أيها الناس. أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني.

стр. 499

أجوف لا يحفظ السر في قلبه، لا فرق في لغة العجم بين اسمه وقلبه. له أسماء في لغة العرب تقاليبها كلها مستعملة، وذلك من خصاله التي قلما يتفق فيها شريك له. آلة تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ والنسيان، ينوب عن اللسان في البيان، وعن السنان المحدد بالسنان. إذا رقى البنان هو ملك لكنه يستكتب، فإذا أدى نجوم الكتابة خلي سبيله أين يذهب. نسخ محقق توقيعاته على الرقاع أدراج الياقوت، قد أقر بريحان قامته عيون ابن مقلة وياقوت. شكله أسطواني وهو مخروط، شاب مترعرع لكنه محظوظ. يحبه الناس ويراودونه، لكن إذا ظهر الشعر على عذاره طووا الكشح دونه. مسافر يسفر عن أخبار المشارق والمغارب، عارف محيط بجميع الأذواق والمشارب. لسانه نضناض، وبيانه فضفاض، وحكمه ماض، في السواد والبياض، يقضي فيها ما هو قاض. جارية تجري في البحر بأذن الباري، فتأتي بدرر معان كأنها غرر الدراري. ولقد أحسن من قاله فيه ملغزا، ولبعض أوصافه الغريبة مبرزاً. وما غلام راكع ساجد ... أخو نحول دمعه جار. ملازم الخمس لأوقاتها ... معتكف في خدمة الباري. كأنه في يد السلطان ابن السلطان، أبي المظفر يعقوب خان، قصب السكر وقد نبت على ساحل عمان. عم الورى نائله وآوى السائلين ساحله، كلا أن نوال البحر بالنسبة إلى فيض كفه نزر ليس له قدر، كيف لا وله مد يعقبه جزر. فلن أشبهه بالبحران له ... مدا يعاقبه جزرا بأرجاء. أو هو - والحالة هذه - خط تخيل في نواطر الأوهام، من قطرة نازلة من غمام، وأي غمام يدر نواله على عواطف الأنام، من الخواص والعوام، وتغمر منحه الجسام، رياض آمال الأفاضل الأعلام بكل مقام. أين جود الغمام من جوده العميم، أم أين مدراره من مدرار كرمه الجسيم. ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير وقت سخاء فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء. اللهم خلد نفاذ أرقام أقلامه على صفحات الأقاليم ما دام القلم الأعلى، ونفذ مداد أعوان دولته وامتداد زمان صولته ما دامت نقوش الأنفاس في صحائف القراطيس تتلى، ومآثر السلاطين الكبار على صفحات الأوراق تروى. بحق من نسخ الكتب السالفة ولم يركب بنانه قلم، وهدى الحائرين إلى أقوام لقم، بعدما وقب غواسق الظلم. انتهت الرسالة الرافلة من حلل البلاغة في غلالة، وقد عارضها غير واحد من المتأخرين، فلم يأت لقرينة منها بقرين. وإذا كان غرضنا الاختصار فلنكتف مما أردنا بهذا المقدار. وبيت بديعية الصفي قوله: فعال منتظم الأحوال مقتحم الأهوال ملتزم بالله معتصم وبيت بديعية ابن جابر قوله: من لي بمستلم للبيد معتصم ... بالعيس لا مسئم يوما ولا سئم وبيت بديعية الموصلي قوله: كم قاتل بصميم الجمع مقتحم ... وقائل لنظيم السجع ملتزم. هذا النوع من نوع الترصيع لا نوع التسجيع، لاشتراطهم فيه أن يكون روي الأسجاع على روي البيت كما تقدم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: سجعي ومنتظمي قد أظهرا حكمي ... وصرت كالعلم في العرب والعجم وبيت بديعية المقري قوله: نجاك من عدم أولاك منع دم ... أغناك عن كرم فالفقر عنك رمي وبيت بديعية السيوطي قوله: آثارهم عصمي وحبهم لزمي ... في مدحهم كلمي سجعي ومنتظمي وبيت بديعية العلوي قوله: من كف ذي الكرم الهامي على الأمم ال ... ثجاج بالنعم الواقي من النقم. وبيت بديعية الطبري قوله: أفاد من عدم وساد من حكم ... وحق ذو سدم سجعا بغير فم وبيت بديعيتي قولي: تسجيع منتظمي والغر من حكمي ... ألفاظها بفمي در من الكلم التسهيل وأنت يا سيد الكونين معتمدي ... في أن تسهل ما أرجو ومعتصمي التسهيل أدخلها بعضهم في نوع الانسجام، وذكرها ابن سنان الخفاجي في كتاب سر الفصاحة وقال في مجمل كلامه: هي خلو اللفظ من التكليف والتعقيد والتعسف في السبك، لا كما قال بعضهم: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر قال الجاحظ في كتاب البيان والتبيين:

стр. 500

هذا بيت لا يطيق أحد أن يقوله ثلاث مرات متوالية ولا يتوقف فيه، لتنافر كلماته، وقيل: هو من شعر الجن. قال صاحب كتاب عجائب المخلوقات: في الجن نوع يقال له: الهاتف، صاح واحد منهم على حرب بن أمية بن عبد شمس فمات، فقال ذلك الجني هذا البيت فيه. وقال التيفاشي: السهولة هي أن يأتي الشاعر بألفاظ سهلة ظريفة تتميز على ما سواها عند من له أدنى ذوق في الأدب، وهي مما يدل على رقة الحاشية وسلامة الطبع. ومن أحسن أمثلة ذلك قول بعضهم: أليس وعدتني يا قلب أني ... إذا ما تبت عن ليلى تتوب. فها أنا تائب عن حب ليلى ... فمالك كلما ذكرت تذوب. وان لا يكون كقول امرئ القيس: غدائرها مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل. قلت: ومن محاسن أمثلة هذا النوع أيضاً قول الحكم بن (قنبر المازني) : ويلي على من أطار النوم وامتنعا ... وزاد قلبي على أوجاعه وجعا كأنما الشمس من أعطافه لمعت ... حسنا أو البدر من أزراره طلعا مستقبل بالذي تهوى وان كثرت ... منه الذنوب ومعذور متى صنعا في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا حكى أبو الحسين بن فارس قال: جرى في بعض الأيام بين الأستاذ ابن العميد ذكر أبيات استحسن الأستاذ وزنها، واستحلى ذوقها، فانشد جماعة من حضر ما حضرهم من ذلك الروي: وهو قول القائل: لئن كففت وإلا ... شققت منك ثيابي. فأصغى إلينا ابنه أبو الفتح ثم انشد في الوقت: يا مولعا بعذابي ... أما رحمت شبابي تركت قلبي جريحا ... نهب الأسى والتصابي إن كنت تنكر ما بي ... من لوعتي واكتئابي فارفع قليلا قليلا ... عن العظام ثيابي قال الثعالبي: تأمل هذه الطريقة الظريفة، وانظر إلى هذا الطبع، فانه أتى بمثل ما أنشده في سياقته وخفته، وسهولته وظرافته، ولم يعد الجنس ولم يقصر دونه، فبذلك تعرف قدرة القادر على الخطابة والبلاغة. وقول الوزير أبي محمد المهلبي: قال لي من أحب قد جسد ودمعي مواصل لشهيفي ما الذي في الطريق تصنع بعدي ... قلت أبكي عليك طول الطريق. وقوله أيضاً: تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقي ألا على عبرة تجري. وقول أبي فراس بن حمدان: يا ليل ما أغفل عما بي ... حبائي فيك وأحبابي يا ليل نام الناس عن موجع ... ناء على مضجعه نابي هبت له ريح شآمية ... متت إلى القلب بأسباب أدت رسالات الهوى بيننا ... فهمتها من بين أصحابي. وقوله أيضاً: أساء فزادته الإساءة حظوة ... حبيب على ما كان منه حبيب يعدُّ عليَّ الواشيان ذنوبه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب وقول أبي الفرج (المخزومي) الببغاء وهو مما يتغنى به: يا سادتي هذه نفسي تودعكم ... إذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع قد كنت أطمح في روح الحياة لها ... فاليوم مذ بنتم لم يبق لي طمع لا عذب الله روحي بالبقاء فما ... أظنها بعدكم بالعيش تنتفع وقول أبي الفرج المعروف بالوأواء الدمشقي: بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه وعرضا بي وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه فان بدا لكما من سيدي غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه وان تبسم قولا عن ملاطفة ... ما ضر لو بوصال منك تسعفه وقوله وهو مما يتغنى به: يا من سقام جفونه ... لفؤاد عاشقه طبيب. حزت المودة فاستوى ... عندي حضورك والمغيب كن كيف شئت من البعا ... د فأنت من قلبي قريب وقوله أيضاً: رماه ريم فأصا ... ب القلب منه اذ رمى واحتج في قتلته ... بأنه ما علما يا معشر الناس أما ... ينصفني من ظلما علم سقم طرفه ... جسمي منه السقما فسقم جسمي في الهوى ... من طرفه تعلما لو قيل لي ما تشتهي ... مخيرا محكما لقلت أن ألثمه ... نحرا وخدا وفما وقول أبي الحسن بن المظفر بن نحرير البغدادي خليلي ما أحلى صبوحي بدجلة ... وأطيب منه في الصراة غبوقي

стр. 501

شربت على المائين من ماء كرمة ... وماء كدر ذائب وعقيق على قمري أفق وأرض تقابلا ... فمن شائق حلو الهوى ومشوق فما زلت أسقيه واشرب ريقه ... وما زال يسقيني ويشرب ريقي وقلت لبدر التم تعرف ذا الفتى ... فقال نعم هذا أخي وشقيقي قال القاضي شمس الدين بن خلكان: وهذه الأبيات من أملح الشعر وأظرفه. وقول مؤيد الدولة أسامة بن مرشد: شكا ألم الفراق الناس قبلي ... وروع بالنوى حي وميت وأما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت ومن الشعر المشهور بالرقة والسهولة قول الحسن بن مطير على ما في الغرر والدرر للمرتضى: ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح أباها جميع الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح أئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب قريح وكان سلطان مكة المشرفة الشريف محسن بن الحسين بن الحسن الحسني يطرب لهذه الأبيات كثيراً ويعجب لها، فسأل ابن عمه السيد احمد بن مسعود بن الحسن تذييلها، فذيلها بقوله: على سالف لو كان يشرى زمانه ... شريت ولكن لا يباع بروحي تقضى وأبقى لا عجا ُيستفزه ... تألق برق أو تنم ريح وقلباً إلى الأطلال والضال لم يزل ... نزوعاً وعن أفياه غير نزوح فليت بذاك الضال نجب أحبتي ... طلاحاً فنضو الشوق غير طليح يجشمه بالا برقين منيزل ... وبرق سرى وهنا وصوت صدوح وموقف بين لو أرى عنه ملحداً ... ولقت بنفسي فيه غير شحيح صرمت به ربعي وواصلت أربعي ... وأرضيت تبريحي وغظت نصيحي وباينت سلواني وكل ملوح ... ولا يمت أشجاني وكل مليح وكلفت نفسي فوق طوقي فلم أطق ... لعد سجايا محسن بمديح وذيلتها أنا أيضاً فقلت: ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح أباها جميع الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح أئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب قريح وأبكي بعين لا تكف غروبها ... وأصبو بقلب بالغرام جريح وألتاع وجدا كلما هبت الصبا ... بنشر خزامى أو بنفحة شيح إلى الله قلباً لا يزال معذبا ... بتأنيب لاح أو بهجر مليح فيا عصرنا بالرقمتين الذي خلا ... لك الله جد بالقرب بعد نزوح أرقت وقد نام الخلي من الأسى ... بجفن على تلك السفوح سفوح يهيج أشجاني ترتم صادح ... ويوقظ أحزاني تنسم ريح فلله بالجرعاء حي عهدتهم ... يحلون منها في معاهد فيح ليالي ليلى من بهيم ذوائب ... وصبحي من وجه أغر صبيح هم نيل آمالي ونجح مآربي ... وصحة أسقامي وراحة روحي لئن مر دهر بالتنائي فقد حلا ... غبوقي بهم فيما مضى وصبوحي وبيت بديعية الصفي قوله: وقلت هذا قبول جاءني سلفاً ... ما ناله أحد قبلي من الأمم وبيت بديعية ابن حجة قوله: يا رب سهل طريقي في زيارته ... من قبل أن تعتريني شدة الهرم وبيت بديعية المقري قوله: يا احمد الرسل هذا احمد الخلفا ... في الملك هذا المسمى باسمك العلم وبيت بديعية العلوي قوله: ومن يكن للإله الفرد فيه ثنا ... فمدح كل الورى ضرب من العدم وبيت بديعيتي قولي: وأنت يا سيد الكونين معتمدي ... في أن تسهل ما أرجو ومعتصمي ولم ينظم سائر أصحاب البديعيات هذا النوع والله تعالى أعلم الإدماج أدمجت مدحك والأيام عابسة ... وأنت أكرم من يرجى لدى الازم الإدماج في اللغة مصدر أدمج الشيء في الشيء: إذا أدخله فيه. وفي الاصطلاح أن يضمن المتكلم كلاما ساقه لمعنى معنى آخر، بشرط أن لا يصرح به، ولا يشعر في كلامه بأنه مسوق لأجله. ومثاله من التنزيل قوله تعالى (له الحمد في الأولى والآخرة) فان الغرض منها تفرده تعالى بوصف الحمد، وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء.

стр. 502

وقوله تعالى (حملته أمة كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) فأنها سيقت لإثبات منة الوالدة على الولد، وأدمج فيها أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه إذا وضع للفصال أربعة وعشرون شهرا ُلقوله تعالى (وفصاله في عامين) بقي للحمل ستة أشهر، وهي أقل مدته، ويسمى هذا النوع في أصول الحنفية بالإشارة. ومن النظم قول أبي الطيب في وصف الليل: أقلب فيه أجفاني كأني ... أعد بها الدهر الذنوبا فإنه ضمن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر، يعني لكثرة تقليبي لأجفاني في ذلك الليل كأني أعد على الدهر ذنوبه. وقول ابن المعتز في الخيري: قد نفض العاشقون ما صنع ال ... هجر بألوانهم على ورقة فان الغرض وصف الخيري بالصفرة فأدمج الغزل في الوصف، وفيه وجه آخر من الحسن وهو إيهام الجمع بين المتنافيين، أعني الإيجاز والإطناب، أما الإيجاز فمن جهة الإدماج، وأما الإطناب فلأن أصل المعنى أنه أصفر، فاللفظ زائد عليه لفائدة، وقد مر الاستشهاد به في نوع البسط. ومنه قول ابن نباتة: ولا بد من جهلة في وصاله ... فمن لي بخل أودع الحلم عنده فأنه أدمج في الغزل الفخر بكونه حليماً، حيث كنى عن ذلك بالاستفهام عن وجود خليل صالح لأن يودعه حلمه، وضمن الفخر بذلك شكوى الزمان لتغير الأخوان، حيث اخرج الاستفهام مخرج الإنكار إشارة إلى أنه لم يبق في الإخوان من يصلح لهذا الشأن، ونبه بذلك على أنه لم يعزم على مفارقة حلمه أبداً، لكن لما كان مريداً لوصل هذا المحبوب المستلزم للجهل المنافي للحلم، عزم على أنه إن وجد من يصلح لأن يودعه حلمه أودعه إياه، فأن الودائع مستعارة آخر الأمر. وأورد غير واحد، منهم صاحب المصباح، صفي الدين الحلي في شرح بديعيته، وابن حجة، وسائر أصحاب البديعيات في شروحهم مثالاً لهذا النوع قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لعبيد الله بن سليمان بن وهب حين وزر للمعتضد، وهو: أبى الدهر إسعافنا في نفوسنا ... فأسعفنا فيمن نجد ونكرم فقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا أن المهم المقدم قالوا: أدمج شكوى الزمان، وشرح ما هو عليه من اختلال الأحوال في ضمن التهنية. ورد بان الشكوى مصرح بها في صدر البيتين فكيف تكون مدمجة؟ ولو جعل التهنية مدمجة في الشكوى لكان أقرب. ومن بديع الإدماج قول الصاحب بن عباد يمدح الأستاذ أبا الفضل بن العميد: إن خير المداح من مدحته ... شعراء البلاد في كل ناد فأنه أدمج الافتخار في أثناء المدح، وهذا البيت من جملة قصيدة من عيون شعر الصاحب وهي: من لقلب يهيم في كل واد ... وقتيل للحب من غير واد إنما أذكر الغوالي والمق ... صد سعدى مكثراً للسواد وإذا ما صدقت فهي مرامي ... ومنائي وروضتي ومرادي وندى ابن العميد أني عميد ... من هواها ألية الأمجاد لو درى الدهر أنه من بنيه ... لا زدرى قدر سائر الأولاد أو رأى الناس كيف يهتز للجو ... دلما عددوه في الأطواد أيها الآملون حطوا سريعاً ... برفيع العماد واري الزناد فهو أن جاد ذم حاتم طي ... وهو إن قال فل قس أياد وإذا ما ارتأى فأين زياد ... من دهاه وأين آل زياد أقبل العيد يستعير حلاه ... من علاه العزيزة الأنداد سيضحي فيه بمن لا يوالي ... هـ ويبقى بقية الأعياد ومديحي إن لم يكن طال أبيا ... تاً فقد طال في مجالي الجياد أن خير المداح من مدحته ... شعراء البلاد في كل ناد على أنه ألم فيه بقول يزيد بن محمد المهلبي لابن المدبر وهو: أن أكن مهدياً لك الشعراني ... لابن بيت تهدى له الأشعار وبيت بديعية الصفي قوله: لصدق قولك لو حب امرؤ حجرا ... لكان في الحشر عن مثواه لم يرم قال في شرحه: الإدماج فيه سؤاله حسن الحشر في زمرة نبيه ﵌ في ضمن تصديق الحديث المأثور. وبيت بديعية ابن جابر قوله: لهم أحاديث مجد كالرياض إذا ... أهدت نواسم أحيت دارس السلم قال رفيق الناظم في شرحه: جعل لهم أولا أحاديث مجد طيبة، وأدمج في ذلك وصف الرياض. انتهى. ولا يخفى ما فيه. وبيت بديعية الموصلي قوله:

стр. 503

أدمجت شكواي من ذنبي بمدحته ... عساك تشفع لي يا شافع الأمم قال في شرحه: أنه أدمج فيه الشكوى من ذنبه. قال ابن حجة: لكن نوع الإدماج البديعي لا أعلم أين أدمجه. وبيت بديعية ابن حجة قوله: قد عز إدماج شوقي والدموع لها ... على بهار خدودي صبغة العنم قال في شرحه: قدت شرح الحال في غرة إدماج الشوق بواسطة جريان الدموع، وأدمجت في ذلك صفرة اللون وحمرة الدموع. وبيت بديعية المقري قوله: واحفظه في سربه وارفع له علماً ... في السابقين وسر بي في حمى العلم وبيت بديعية العلوي قوله: يا طالبا من رسول الله بغيته ... أبشر فأمتنه في الحشر في حرم وبيت بديعيتي قولي: أدمجت مدحك والأيام عابسة ... وأنت أكرم من يرجى لدى الازم أدمجت هنا بمعنى أحكمت، من قولهم: صلح دماج -بضم أوله وكسره- أي محكم، أو بمعنى ثقفت من قولهم: قدح مدمج، أي مثقف مستوي. وإلازم -بفتحتين، وكعنب- جمع أزمة وهي الشدة. والإدماج في تضمين المدح الذي سبق الكلام لأجله شكوى الأيام، وسؤال النجاة من شدائدها، نجانا الله بكرمه منها، والله تعالم أعلم. الاحتراس وكم مننت بلا من على رجل ... من احتراس حلول الخطب لم ينم الاحتراس في اللغة: التحفظ. وفي الاصطلاح أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل، أو يوهم خلاف المقصود، فيتنبه له فيأتي بما يخلصه من ذلك، وهو في التنزيل كثير، منه قوله تعالى (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) فقوله من غير سوء: احترس عن البهق والبرص. وقوله تعالى (لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) احترس لئلا يتوهم نسبة الظلم إلى سليمان ﵇. ومثله] قوله تعالى [ (فتصيبكم] منهم [معرة بغير علم) . وقوله تعالى (قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم أنك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون) فالجملة الوسطى احترس لئلا يتوهم أن التكذيب لما في نفي الأمر. ومن أمثلته في النظم قول طرفة بن العبد: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمي فقوله (غير مفسدها) احترس من عفا آثارها، ومحو معالمها، فأن نزول المطر قد يكون سبباً لذلك، وهكذا قال غير واحد. وتعقبه بعض بأن مجرد احتمال كون المطر للفساد لا يكفي في إيهام خلاف المقصود، بل لا بد من وقوع سبق إلى الذهن، ولا يسبق من السقي إلا الإصلاح لشيوعه في ذلك، فكون البيت من قبيل الاحتراس محل تأمل، اللهم إلا أن يقال سبق الذهن بالفساد من قوله: ديمة، فإن الديمة هي المطر الدائم الذي ليس فيه رعد ولا برق. وبعد لا يخلو من شوب، لأن تقدم قوله: غير مفسدها على قوله: وديمة تهمي، يدفع هذا التوجيه. انتهى. قلت: ومما عيب على أبي الطيب قوله: وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار قال الوزير الكاتب أبو محمد بن عبد الغفور المغربي وكتبه إلى أمير المسلمين وقد أراد الغزو: سر حل حيث تحله النوار ... وأراك فيك مرادك المقدار وإذا ارتحلت فشيعتك سلامة ... وغمامة لا ديمة مدرار تنفي الهجير بظلها وتنيم بالرش القتام وكيف شئت تدار وقضى الإله بأن تعود مظفرا ... وقضت بسيفك نحبها الكفار هذا ما تمناه الولي، لا ما تمناه الجعفي، فأنه قال: حيث ارتحلت وديمة، وما تكاد تنعقد معها عزيمة، وإذا سفحت على ذي سفر، فما أحراها بأن تعوق عن الظفر، ونعتها فكان أبلغ في الأضرار. منه قول الفرزدق: لعن الإله بني كليب أنهم ... لا يغدرون ولا يفوق لجار فقوله: لا يفون، احتراس لئلا يتوهم أن عدم غدرهم من الوفاء، فقال ولا يفون، ليفيد أنه للعجز، وقوله: لجار: إيغال، لأن ترك لوفاء للجار أشد قبحا. وبيت بديعية الصفي قوله: فوقني غير مأمور وعودك لي ... فليس رؤياك أضغاثاً من الحلم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي قوله: حبي له يتمشى في المفاصل قل ... بالاحتراس تمشي البرء في السقم قال ابن حجة: الشيخ صفي الدين احترس في بيته بقوله: غير مأمور، وبيت الشيخ عز الدين عجزت عن تحقيقه، بل عن تحقيق معناه، وهو مأخوذ من قول أبي نواس في وصف الخمر: فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم

стр. 504

وبيت بديعية ابن حجة قوله: فأن أقف غير مطرود بحجرته ... لم أحترس بعدها من كيد مختصم قال في شرحه: قولي: غير مطرود، هو الاحتراس الذي يليق بمقام المادح بالنسبة إلى مقام النبي صلى الله عليه وإله وسلم. وأنا أقول: الوقوف لا يشمل الطرد حتى يحترس عنه بقوله: غير مطرود بخلاف قول صفي الدين (فوقني) فأن هذه الصيغة يتبادر منها الأمر، فاحترس عنه بقوله: غير مأمور. فلو قال ابن حجة: فأن أعد، أو فأن أرجع كان له وجه. وبيت بديعية المقري قوله: والآل من فضل كل الآل عندهم ... كالآل لا الصحب ما يروي صدى لظمي قال في شرحه: معناه وصل على الآل من فضل كل آل من فضلهم كالآل الذي هو السراب، ثم احترس لأجل الصحابة فقال: لا الصحب. وبيت بديعية العلوي قوله: فقل له وهو أدرى بالمقال وفي ... إحسانه الجم جبر الخلق كلهم وبيت بديعيتي قولي: وكم مننت بلا من على رجل ... من احتراس حلول الخطب لم ينم فقولي (بلا من) هو الاحتراس لئلا يتوهم أن قوله (وكم مننت) من المن بمعنى تعديد ما فعل من الصنائع، مثل أن يقال: أعطيتك، وفعلت لك وهو تكرير وتعيير تنكسر منه القلوب، فلهذا نهى عنه الشارع بقوله (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) ومن هنا يقال: المن أخو المن، أي الامتنان بتعديد الصنائع أخو القطع والهدم. فأنه يقال مننت الشيء منا: إذا قطعته فهو ممنون، ومنه قوله تعالى (وإن لك لأجرا غير ممنون) والله أعلم. حسن البيان حسن البيان أرانا منك معجزة ... أضحت تقر لديها الفصح بالبكم حسن البيان هو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، وإنما سمي هذا النوع بحسن البيان لأنه عبارة عن الإفصاح عما في النفس بألفاظ سهلة بليغة، بعيدة عن البس من غير حشو مستغنى عنه، يكاد يستر وجه حسن البيان، ويغطي واضح التبيان، حتى لا يكون. كقول امرئ القيس: كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل فأن أصل معناه إلا بأنه عن أن عينيه تدمعان، وذلك حاصل بقوله: كأني ناقف حنظل، لأن الحنظل مما تدمع العين بنقفه، وباقي الألفاظ مستدعاة زائدة. إذا عرفت ذلك فهذا النوع ليس له مثال يختص به، بل كل كلام دل على ما في النفس، وأعرب عما في الضمير بعبارة بليغة دخل في حد هذا النوع، والعلم في ذلك بيان كلام الله العظيم الذي هو النور المبين، كقوله تعالى في الاحتجاج القاطع للخصم (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال مت يحي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) ، وقوله تعالى في الإنكار والتعجب والتوبيخ (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) ، وقوله تعالى في الترغيب في طاعته وخشيته (ومن يطيع الله ورسوله ويخشن الله ويتقه فأولئك هم الفائزين) ، أيْ أي مكلف أطاع الله في فرائضه، ورسوله في سنته، وخشي الله على ما مضى من ذنوبه، واتقى فيما يستقبل فقد حاز الفوز بحذافيره. ومما يدخل هذا النوع من الشعر قول أبي الطمحان: وأني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه نجوم سماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وما زال منهم حيث كانوا مسود ... تسير المنايا حيث سارت ركائبه فأنه أبان عن وصف قومه بعموم الرياسة فيهم، وتوارثها صاغراً عن كابر أحسن ابانة، ومدحهم بما قيل: أنه أمدح بيت قيل في الجاهلية وهو البيت الثالث من الأبيات وقال معاوية لعرابة بن أوس: أنت الذي يقول فيك الشماخ: رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين فبم سدت قومك؟ قال: والله ما أنا بأكرمهم حسبا، ولا بأفضلهم نسبا ولكني أعرض عن جاهلهم، وأسمح لسائلهم، فمن عمل مثل عملي فهو مثلي ومن زاد فهو أفضل مني، ومن فأنا أفضل منه، فقال معاوية: هذا والله الكرم والسؤود. والشاهد في هذه القطعة في النظم والنثر كما لا يخفى. ومنه قول أبي عبادة البحتري في الرضا بعد الغضب وأجاد: ما كان إلا مكافأة وتكرمة ... هذا الرضا وامتحاناً ذلك الغضب

стр. 505

وربما كان مكروه الأمور إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب هذي مخايل برق خلفها مطر ... وذاك وري زناد خلفه لهب وأبيض الفجر يبدو بعد أزرقه ... أول الغيث رش ثم ينسكب وقول (شمس) المعالي قابوس في حلول الأخطار بذوي الأخطار: قل للذي بصروف الدهر عيرنا ... هل حارب الدهر إلا من له خطر أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... وتستقر بأقصى قعره الدرر فأن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... ونالنا من تمادي بؤسه ضرر ففي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر وكم على الأرض من خضراء مونقة ... وليس يرجم إلا ما له ثمر وقول اسماعيل بن أحمد الشامي في ذم أخوان الزمان: أخلاي أمثال الكواكب كثرة ... وما كل ما يرمى به الأفق ثاقب بلى كلهم مثل الزمان تلوناً ... إذا سر منهم جانب ساء جانب مضى الود والانصاف والعهد بينهم ... وما بقيت إلا الظنون الكواذب وكنت أرى أن التجارب عدة ... فخانت ثقاب الناس حتى التجارب تدرع لإخوان الزمان مفاضة ... ولا تلقهم إلا وأنت محارب وقول أبي بكر ابن بقي الأندلسي في شكوى الحال: إلى الله أشكوها نوى أجنبية ... لها من أبيها الدهر شيمة ظالم إذا جاش صدر الأرض بي كنت منجداً ... وإن لم يجش بي كنت بين التهائم أكل مني الآداب مثلي ضائع ... فأجعل ظلمي أسوة في المظالم ستبكي قوافي الشعر ملء جفونها ... على عربي ضاع بين الأعاجم وقول القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني في عزة النفس: وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبيني وبين المال بابان حرما ... علي الغنى نفسي الأبية والدهر إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر وبين بديعية الصفي الحلي قوله: وعدتني في منامي ما وثقت به ... من التقاضي بمدح فيك منتظم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي قوله: حسن البيان بحمد الله بين لي ... هدى النبي الرضي الواضح اللقم وبيت بديعية ابن حجة قوله: حتى بيت بديعي في محاسنه ... حسن البيان وأشدو في حجازهم وبيت بديعية المقري قوله: فجازه عن مديحي فهو باعثه ... وجازني في انتقاء الدر والحكم وبيت بديعية العلوي قوله: فكلما رام قلبي حصره التطمت ... أمواج فكري في بحر من الهمم وبيت بديعيتي قولي: حسن البيان أرانا منك معجزة ... أضحت تقر لديها الفصح بالبكم ولم أقف على بيت السيوطي في هذا النوع، وأما الطبري فلم ينظمه والله أعلم العقد نصرت بالرعب من شهر على بعد ... وعقد نصرك لم يحلله ذو أضم هذا النوع عبارة عن أن يعمد الشاعر إلى من كلام الله، أو كلام رسوله، أو السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، أو كلام الحكماء المشهورين، فينظمه بلفظه ومعناه، أو معظم اللفظ فيزيد فيه، وينقص منه ليدخل في وزن الشعر، فأن نظم المعنى دون اللفظ لم يكن عقدا، بل نوعا من السرقة، خلافا لمن أدخله في العقد. أما العقد من القرآن فكقول أبي نواس: بنفسي غزال صار للناس قبلة ... وقد زرت في بعض الليالي مصلاه ويقرأ في المحراب والناس خلفه ... ولا تقتلوا النفس التي حرم الله فقلت تأمل ما تقول فأنها ... لحاظك يا من تقتل الناس عيناه وقول الآخر: أنلني بالذي اسقرضت خطاً ... وأشهد معشراً قد شاهدوه فإن الله خلاق البرايا ... عنت لجلال هيبته الوجوه يقول إذا تدانيتم بدين ... إلى أجل مسمى فاكتبوه وقول الإمام أبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي: يا من عدا ثم اعتدى ثم اقترف ... ثم انتهى ثم ارعوى ثم اعترف أبشر بقول الله في آياته ... أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقول أبي نصر سهل بن المرزبان: لا تجزعن من كل خطب عرى ... ولا تر الأعداء ما يشمت أما سمعت الله في قوله ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا وقول أبي محمد العبد لكاني:

стр. 506

لا تكرهن خلقاً على مذهب ... لست من الإرشاد في شي أما ترى الرحمن سبحانه ... المخرج الميت من الحي يقول لا أكره في الدين قد ... تبين الرشد من الغي وقول أبي جعفر الأندلسي: إذا ظلم المرأ فامهل له ... فبالقرب يقطع منه الوتين فقد قال ربك وهو القوي ... وأملي لهم أن كيدي متين وأما العقد من الحديث فكقول الإمام الشافعي عمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البرية اتق المشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه عقد قول النبي صلى الله عليه وآله: الحلال بين الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات. وقوله: أزهد في الدنيا يحبك الله. وقوله: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. وقوله: إنما الأعمال بالنيات. وقول عبد المحسن بن محمد الصوري: وأخ مسه نزولي بقرح ... مثلما مسني من الجوع قرح بت ضيقاً له كما حكم الده ... ر وفي حكمه على لحر قبح قال لي مذ نزلت وهو من السكرة بالهم طافح ليس يصحو لم تغربت قلت قال رسول الله والقول منه نصح ونجح سافروا تغنموا فقال وقد قا ... ل تمام الحديث صوموا تصحوا قلت فالصوم لا يصح بليل ... قال إن الوصال فيه يصح أما العقد من كلام الصحابة فكقول أبي تمام: وقال علي في التعازي لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآتم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلو البهائم عقد فيه قول علي ﵇ الذي عزى به الأشعث بن قيس في ولده وهو: إن صبرت صبر الأحرار، وإلا سلوت سلو البهائم. وقول أبي جعفر الباقر ﵇: عجبت من معجب بصورته ... وكان من قبل نطفة مذره وفي غد بعد حسن صورته ... يصير في القبر جيفة قذره وهو على عجبه ونخوته ... ما بين جنبيه يحمل العذره عقد فيه قول علي ﵇: مالا بن آدم والفخر، وإنما أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة. وقول الخليل بن أحمد ﵀: لا يكون العلي مثل الدني ... لا ولا ذو الذكاء مثل الغبي قيمة المرء قدر ما يحسن المر ... ء قضاء من الأمام علي عقد فيه قول ﵁: قيمة كل امرئ ما يحسنه. وقول أبي الفضل الميكالي: تقصيرك الثوب حقاً ... أبقى وأنقى واتقى عقد فيه قول علي ﵇: قصر ثوبك فأنه أبقى وأنقى وأتقى قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: روي أن الأشعث ابن قيس قال لغلي ﵇ _وهو يخطب ويلوم الناس على تثبطهم وتقاعدهم -: هلا فعلت فعل ابن عفان؟ فقال له (إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لا دين له، ولا وثيقة معه، إن امرءاً أمكن عدوه من نفسه يهشم عظمه، ويفري جلده، لضعيف رأيه، مأفون عقله. أنت فكن ذاك أن أحببت، فأما أنا فدون أن أعطي ذاك ضرب بالمشرفية.. الفصل) . ثم قال ابن أبي الحديد: وقد نظمت أنا هذه الألفاظ في أبيات كتبتها إلى صاحب لي في ضمن مكتوب اقتضاها: إن امرءاً أمكن من نفسه ... عدوه يجدع آرابه لا يدفع الضيم ولا ينكر ال ... ذل ولا يحصن جلبابه لآفن الرأي ضعيف القوى ... قد صرم الخذلان أسبابه أنت فكن ذاك فإني امرؤ ... لا يرهب الخطب إذا نابه إن قال دهر لم يطع أوشحا ... له فماً أدرد أنيابه أو سامه الخسف أبى وانتضى ... دون مرام الخسف قرضابه ومنه قول الآخر: يا صاحب البغي إن البغي مصرعة ... فأربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله عقد فيه قول ابن عباس ﵁: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي. وأما العقد من كلام الحكماء فكقول أبي الطيب: والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم عقد فيه قول بعض الحكماء: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين، أما علة دينية كخوف المعاد، أو علة سياسية كخوف القتل. وقول الآخر: أصلي وفرعي فارقاني معاً ... واجتث من حبلهما حبلي فما بقاء الغصن في ساقه ... بعد ذهاب الفرع والأصل

стр. 507

عقد فيه قول بعض الحكماء أيضاً: لقد مات أبوك وهو أصلك، وابنك وهو فرعك، فما بقاء شجرة ذهب أصلها وفرعها. تنبيهات الأول، أورد الطيبي في التبيان من أمثلة هذا النوع عدة مقاطيع، منها: ما روى ابن الضحاك أن أبا نواس سمع صبيا يقرأ (يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) فقال في مثل هذا يجيء صفة للخمر حسنة، ثم قال: وسيارة ضلوا عن القصد بعدما ... ترادفهم جنح من الليل مظلم فلاحت لهم منا على النأي قهوة ... كأن سناها ضوء نار تضرم إذا ما حسوناها أناخو مكانهم ... فأن مزجت حثو الركاب ويمموا فحدث بذلك محمد بن الحسن الشيباني فقال: لا، ولا كرامة، بل أخذه من قول الآخر: وليل بهيم كلما قلت غورت ... كواكبه عادت فما تنزيل به الركب أما أومض البرق يمموا ... وإن لم يلح فالقوم بالسير جهل ومنها قول ابن مطروح: وذا يا كليم الشوق واد مقدس ... لذي الحب فاخلع ليس يمشيه محتذ قال: عقد فيه قوله تعالى (فاخلع نعليك أنك بالواد المقدس طوى) ومنها قول المأمون في رسوله إلى حبيبته: بعثتك مشتاقاً ففزت بنظرة ... وأغفلتني حتى أسأت بك الظنا ورددت طرفا في محاسن وجهها ... ومتعت في أسماع نغمتها الاذنا أرى أثراً منها بعينيك لم يكن ... لقد سرقت عيناك من وجهها حسنا قال عقد قول عثمان لأنس، وكان قد وقعت عينه على امرأته، فدخل عليه فقال: أراكم تدخلون علي وآثار الزناء عليكم. قال أنس: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: لا ولكن فراسة صادقة. وكل ذلك عند الجمهور ليس من العقد في شيء، لأنه نظم للمعنى دون اللفظ، حتى أنهم اشترطوا أنه أن غير الناظم من اللفظ شيئاً وجب أن يكون المبقى منه أكثر من المغير، بحيث يعرف من البقية صورة الجمع كقوله: إن القلوب لأجناد مجندة ... والأذن من ربها تهوى وتأتلف فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف عقد فيه قوله ﵌: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها أختلف. فأن هذا الشاعر غير من لفظ الحديث، لكنه أتى بمعظمه، بحيث إذا سمعه السامع، وكان حافظا للحديث عرف أنه عقد له، بخلاف الأمثلة التي أوردها الطيبي. الثاني، الفرق بين الاقتباس والعقد، أن الاقتباس ليس الغرض منه نظم معنى شيء من كلام الله أو رسوله] بل تضمين [شيء من ذلك على أنه ليس منه، بخلاف العقد كما عرفته في حد كل منهما. الثالث، كما أن العقد وهو نظم المنثور معدود من المحاسن، كذلك عكسه وهو نثر المنظوم، ويسمى الحل، وشرف كونه مقبولاً أن يكون سبكه مختاراً لا يتقاصر عن سبك النظم، وأن يكون حسن الموقع، مسمرا في محله غير قلق، كقول الصاحب بن عباد في فتح قلعة (ما لبثوا أن رأوا معلقهم الحين، ومثواهم القديم نهزة الجفاف، وفرصة البوائق، ومجر العوالي ومجرى السوابق) . حل قول أبي الطيب: تذكرت ما بين العذيب وبارق ... مجر عوالينا ومجرى السوابق وقول بعض المغاربة (فإنه لما قبحت فعلاته، وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظن يقتاده، ويصدق توهمه الذي يعتاده. حل فيه قول أبي الطيب أيضاً: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم وفال السيد البطليوسي (فلئن هريق الشباب، واستشن الأديم وأقشع الرباب فلعل في الأفق ربابة، وفي الحوض صبابة. حل فيه قول بعض الأعراب: فقلت لها يا أم عمران أنه ... هريق شبابي واستشن أديمي وقول القاضي عبد الحق بن عطية (ويعلم أن الزمن أن سر حيناً فهمه ناصب، والدنيا إذا أخضر منها جانب جف جانب. حل فيه قول ابن عبد ربه: ألا إنما الدنيا غضارة أيكة ... إذا أخضر منها جانب جف جانب وقول الوزير ابن الدباغ في تعزية (من أي الثنايا طلعت النوائب، وأي حمى رتعت فيه المصائب. حل فيه قول الشريف الرضى (ره) : من أي الثنايا طالعتنا النوائب ... وأي حمى منا رعته المصائب وقول مؤلفة عفا الله عنه (رقائق تحسد رقتها أنفاس النسيم، وقلائد تروع حالية العذراى فتلمس جانب العقد النظيم. حل فيه قول المنازي:

стр. 508

تروع حصاه حالية العذراى ... فتلمس جانب العقد النظيم وقوله في وصف كتاب الريحانة (فلله كتابه من ريحانة تنفست في ليلها البارد، وعطرت معاطس الأسماع بنشرها الوارد. حل فيه قول ابن المعتز: كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد وقوله أيضاً (أحد السادة الذين رووا حديث السيادة برا عن بر، والساسة الذين فتقت لهم ريح الجلاد بعنبر فاقتطفوا نور الشرف من روض الحسب الأنضر، واجتنوا ثمر الوقائع يانعاً بالنصر من ورق الحديد الأخضر. حل فيه قول ابن هاني المغربي: فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدكم فلق الصباح المسفر وجنيتم ثمر الوقائع يانعاً ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر وبيت بديعية الصفي قوله: ما شب خصلتي حرصي ومن أملي ... سوى مديحك في شيبي وفي هرمي عقد فيه قوله صلى الله عليه وآله: يشيب المرء وتشب فيه خصلتان الحرص وطول الأمل. وتعقبه ابن حجة فقال: لم أصادف في بيته من عقد الحديث محلا، ولكن ذكر فيه حكاية حاله. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي قوله: عقد اليقين صلاتي والسلام على ... محمد دائماً مني بلا سأم قال في شرحه: أنه عقد فيه قوله تعالى (إن الله وملائكته يصلون على النبي....) الآية، وقول النبي صلى الله عليه وآله: أكثروا من الصلاة علي. قال ابن حجة: ولم يظهر لي حل هذا العقد] في [أي موضع هو من البيت. وبيت بديعية ابن حجة قوله: قد صح عقد بياني في مناقبه ... وإن منه لسحراً غير سحرهم عقد فيه الحديث المشهور: أن من البيان لسحراً وبيت بديعية المقري قوله: والصحب من بذل ملء الأرض من ذهب ... من غيرهم لا يساوي نصف مدهم عقد فيه قوله صلى الله عليه وآله مسلم -وقد ذكر أصحابه-: لو أنفق أحدكم ملء أرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. وبيت بديعية العلوي قوله: ففاق بالنثر أهل الشعر ثم له ... ما ينبغي قسمة فاقت أولي القسم وبيت بديعيتي قولي: نصرت بالرعب من شهر على بعد ... وعقد نصرك لم يحلله ذو أضم العقد فيه لقوله ﷺ : نصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر، وهي رواية عمرو بن شعيب. قال في المواهب: الظاهر اختصاصه به مطلقا، وإنما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر من شهر، وفي رواية أخرى: نصرت بالرعب مسيرة شهر، والله أعلم. التشطير كم مارد حرد شطرته بيد ... تشطير منتقم بالله ملتزم التشطير في اللغة مصدر شطرت الشيء: إذا جعلته أشطارا، والشطر من كل شيء: نصفه وجزؤه. وفي الاصطلاح، هو أن يقسم الشاعر كلا ُمن صدر البيت وعجزه شطرين، ثم يسجع كل شطر منهما، لكنه يأتي بالصدر مخالفا للعجز في التسجيع. كقول أبي تمام: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتغب في الله مرتقب وقول البوصيري في البردة: كالزهر في ترف والبدر في شرف ... والبحر في كرم والدهر في همم وقول ابن جابر الأندلسي: يا أهل طيبة في مغناكم قمر ... يهدي إلى كل محمود من الطرق كالغيث في كرم والليث في حرم ... والبدر في أفق والزهر في خلق ومنه قول مسم بن الوليد: موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل إلا أن في تشطيره عيباً وهو اختلاف سجعتي العجز في الإعراب، فأن الأولى مرفوعة، والثانية مجرورة. وهذا البيت من جملة قصيدة من غرر قصائد مسلم بن الوليد يمدح بها يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني ابن أخي معن بن زائدة الجواد المشهور، وأولها: أجررت حبل خليع في الصبا غزل ... وشمرت همم العذال في عذلي هاج البكاء على العين الطموح هوى ... مفرق بين توديع ومرتحل كيف السلو لقلب بات مختبلا ... يهذي بصاحب فلب غير مختبل ومن مديحها: حاط الخلافة سيف من بني مطر ... أقام قائمة من كان ذا ميل كم صائل في ذرا علياء مملكة ... لولا يزيد بني شيبان لم يصل ناب الإمام الذي يفتر عنه إذا ... ما افترت الحرب عن أنيابها العصل يفتر عند افترار الحرب مبتسما ... إذا تغير وجه الفارس البطل

стр. 509

موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل ينال بالرفق ما يعيى الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل لا يرحل الناس إلا عند حجرته ... كالبيت يضحي إليه ملتقى السبل يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل يغدو فتغدو المنايا في أسننه ... شوارعا تتحدى الناس بالأجل إذا طغت فئة عن غب طاعته ... عبى لها الموت بين البيض والأسل تراه الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل لا يعبق الطيب كفيه ومفرقه ... ولا يسمح عينيه من الكحل قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل ذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني، عن يزيد بن مزيد قال: أرسل إلي الرشيد يوما في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي، فآتيته لابسا سلاحي مستعدا لأمر أن أراده، فلما رآني ضحك إلي وقال: من الذي يقول فيك: تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل لله من هاشم في أرضه جبل ... وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل فقلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: سوءة لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ولا يعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائلة وهو مسلم بن الوليد. فانصرفت ودعوت به ووصلته. وبيت بديعية الصفي: بكل منتصر للفتح منتظر ... وكل معتزم بالحق ملتزم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي: تشطير معتدل بالسيف مشتمل ... في جحفل لهم كالأسد في الأجم وبيت بديعية ابن حجة قوله: وانشق من أدب له بلا كذب ... شطرين في قسم تشطير ملتزم وبيت بديعية المقري قوله: لا تخش يا آملا من نهره سائلا ... في سيله العرم أمن من العدم وبيت بديعية السيوطي قوله: والعمر شطره فيهم وقدره ... تشطير مغتنم للحق ملتزم وبيت بديعية العلوي قوله: لله من رجل بالعز مشتمل ... بالحق متسم بالله معتصم وبيت بديعية الطبري قوله: والبدر شق له شطرين حق له ... تشطير ملتزم نصرا ومنتقم وبيت بديعيتي قولي كم مارد حرد شطرته بيد ... تشطير منتقم بالله ملتزم المساواة فمن يساويك في بأس وفي كرم ... وأنت أفضل مبعوث إلى الأمم المساواة عبارة عن أن يكون اللفظ مساويا للمعنى، غير زائد عليه ولا ناقص عنه. واختلفوا في أمرين: أحدهما هل هي واسطة بين الإيجاز ة الإطناب، أم داخلة في قسم الإيجاز؟ فالسكاكي والتيفاشي والخطيب القزويني على الأول، وابن الأثير والطيبي وجماعة على الثاني، وسماها الطيبي إيجاز قصر. قال: وهو أن تقصر اللفظ على المعنى. وأغرب ابن حجة في قوله: أن المساواة معتبرة في قسمي الإيجاز والإطناب. ولا قائل به، بل لا يصح القول به، وتمثيله-لاعتبارها في قسم الإطناب- بقوله تعالى (أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) -الآية- أغرب، فأن هذه الآية من أعظم شواهد إيجاز القصر كما تقدم في نوع الإيجاز. ومثل لها القزويني في التلخيص يقوله تعالى (ولا يحق المكر السيئ إلا بأهله) . ويقول النابغة: فأنك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت أن المنتآى عنك واسع وتعقب بأن في الآية إطنابا بلفظ السيئ، لأن المكر لا يكون إلا سيئاً من حيث كونه حيلة يجلب بها مضرة إلى الغير، وإيجازا بالحذف إذا كان الاستثناء غير مفرغ، لأن التقدير: ولا يحيق المكر السيئ بأحد إلا بأهله، وإيجازا بالقصر لكونها دالة على الكف عن جميع أنواع الأذى المؤدى إليه المكر وعن الأضرار بجميع الناس، ولأنها تدل على أن المكر السيئ يضر بصاحبه مضرة بليغة لا يقدر على التفصي منها، والتخلص من غائلتها بوجه من الوجوه، وذلك لمكان الاستعارة التبعية في يحيق، لأنه بمعنى يحيط، والإحاطة تختص بالأجسام، فشبه نزول تبعة المكر بصاحبه بإحاطة جسم بآخر من كل جانب بحيث لا يتيسر له الفرار منه.

стр. 510

وأما البيت ففيه أيضاً إطناب من حيث أن أصل المعنى المقصور: لا أحد منك مهربا. وإيجاز بالحذف لأن الفاء تقتضي معطوفاً عليه، والشرط جزاء. وأيضا فوجه الشبه غير مذكور مع الاحتياج إلى ذكره، لأن تشبيه الممدوح بالليل تشبيه غريب لا يتبادر الذهن منه إلى وجه الشبه بينهما، وربما يوهم خلاف المدح لو لم يذكر الوجه، وإنما لم يعد تقصيرا لدلالة قوله: هو مدركي إلى آخر البيت عليه. وإيجاز بالقصر، لدلالة تشبيهه بالليل على سعة مملكته، وطول يده، وأن له في جميع الآفاق من يطيع أوامره، ويرد عليه من هرب منه، وان الهارب إذا أدركه سخطه صار بحيث لا يهتدي إلى مهرب وإن كان أهدى من القطا كما أن سلطان الليل يعم ساكني البسيطة، ويسد عليه المسالك بحيث لا يمتاز الطول من العرض، فلا يصح التمثيل بهما للمساواة التي هي واسطة بين الإيجاز والإطناب، ومثل لها التيفاشي بقوله تعالى (ومن قتل مظلوما ُفقد جعلنا لوليه سلطاناً. وقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليفة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم ومثل صاحب المعيار بقول امرئ القيس: فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد وإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد وقول خالد بن زهير: فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فأول راضي سيرة من يسيرها والكلام في جميع هذه الأمثلة مجال. وقال الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته، وتبعه ابن حجة: معظم ما في الكتاب العزيز من قبيل المساواة. وقال الجلال السيوطي في الإتقان: أن المساواة لا تكاد توجد خصوصا في القرآن. الثابي هل هي محمودة، أولا محمودة ولا مذمومة؟. فالقويني والتيفاشي والزنجاني وجميع أصحاب البديعيات على أنها محمودة، بل معدودة من البلاغة التي وصف بها الوصاف أحد البلغاء كانت ألفاظه قوالب لمعانيه. وهذا قول من أدخلها في قسم الإيجاز أيضاً. وأما السكاكي وإتباعه فعلى الثاني، لأنهم فسروها بالمتعارف من كلام أوساط الناس الذين ليسوا في رتبة البلاغة. وبيت بديعية الصفي قوله: وقد مدحت بما تم البديع به ... من حسن مفتتح منه ومختتم ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي قوله: خطت مساواة معناه وصورته ... في الحسن شاهده في آن والقلم وبيت بديعية ابن حجة قوله: تمت مساواة أنواع البديع به ... لكن يزيد على ما في بديعهم وبيت بديعية المقري قوله: أجارني عنك بالإحسان في مدح ... فيك اقترحن بأمر منه منحتم وبيت بديعية العلوي قوله: كلامه من كلام الرب مأخذه=والاسم من اسمه قد شق حين سمي وبيت بديعيتي قولي: فمن يساويك في بأس وفي كرم=وأنت أفضل مبعوث إلى الأمم ولم ينظم السيوطي ولا الطبري هذا النوع والله أعلم. براعة الطلب براعتي أنت التصريح في طلبي ... لما رأت من غوادي جودك السجم هذا النوع من مستخرجات الشيخ الإمام عز الدين عبد الوهاب الزنجاني في كتابه معيار النظار، وهو عبارة عن أن تكون ألفاظ الطلب مهذبة خالية عن الإلحاف، مشعرة بما نفس الطالب من غير تصريح، بعد تعظيم الممدوح، وتقديم الوسيلة الحاملة للمسؤول على إنجاح الطلب، وهذا هو الموضع الثالث من المواضع الأربع التي نبه أرباب البلاغة على التألق فيها لأنه إذا كان على الصفة المذكورة كان أنجح المطلب، وآكد في قضاء الغرض. ومثاله من التنزيل قوله تعالى حكاية عن إبراهيم (فرأيتم ما كنتم تعبدون، أتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، الذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. ومن النظم قول أمية بن (أبي) الصلت: أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك أن شيمتك الحياة إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء وقول أبي الطيب: وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب

стр. 511

وحدث أبو الحسن محمد بن علي العلوي الحسني الهمذاني الوصي (ره) قال: كنت واقفا في السماطين بين سيف الدولة بحلب والشعراء ينشدونه، فتقدم إليه عربي رث الهيئة، فاستأذن الحجاب في الإنشاد، فآذنوا له فأنشد: أنت علي وهذه حلب ... قد نقد الزاد وانتهى الطلب بهذه تفخر البلاد وبالأمير تزهى على الورى العرب وعبدك الدهر قد أضر بنا ... إليك من جور عبدك الهرب فقال سيف الدولة: أحسنت ولله أنت، وأمر له بمائتي دينار. وحكى الثعالبي في يتيمة الدهر قال: نظر الزعفراني يوما إلى جميع من في دار الصاحب من الخدم والحاشية عليهم الخزور الفاخرة الملونة، فاختزل ناحية وأخذ يكتب شيئا، فسأل الصاحب عنه فقيل: أنه في مجلس كذا يكتب، فقال: علي به، فاستمهل الزعفراني ريثما يتم مكتوبه، فأعجله الصاحب وأمر أن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال: أيد الله مولانا، أسمعه ممن قاله تزدد به عجبا، فحسن الورد في أغصانه. فقال هات يا أبا القاسم فأنشدها أبياتا منها: سواك يعد الغنى ما افتني ... ويأمره الحرص أن يخزنا. وأنت ابن عباد المرتجى ... تعد نوالك نيل المنى. وخيرك من باسط كفه ... وممن ثناها قريب الجنى. غمرت الورى بصنوف الندى ... فأصغر ما ملكوه الغنى. وغادرت أشعرهم مفحما ... وأشكرهم عجزا الكنا. أيامن عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتي من نآى أو دنا. كسوت المحلين والمحرمين ... كسى لم يخل مثلها ممكنا. وحاشية الدار يمشون في ... ضروب من الخزي إلا أنا. ولست أذكرني جاريا ... على العهد يحسن أن تحسنا. فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أن رجلا قال له: أحملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه. وقد أمونا لك بجبة، وقميص، ودراعة، وسراويل، وعمامة، ومنديل؛ ومطرف؛ ورداء، وجورب. ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه. ثم أمر بإدخال الخزانة وصب تلك الخلع عليه، وتسليم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلام. وبيت بديعية الصفي قوله: وقد علمت بما في النفس من أرب ... وأنت أكرم من ذكري له بفمي. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته. وبيت بديعية الموصلي قوله: براعة بأن فيها منتهى طلبي ... وأنت أكرم من نطق بلا ولم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: وفي براعة ما أرجوه من طلب ... إن ام أصرح فلم أحتج إلى الكلم. وبيت بديعية المقري قوله: قد أصبح المر حالي فالحظوه عسى ... يحلو مذاقا فحالي غير منكتم. وبيت بديعية السيوطي قوله: ومطلبي أنت أولى بالنجاح له ... وأنت أدرى به يا مسبغ النعم. وبيت بديعية العلوي قوله: في النفس ما أنت أولى أن تحيط به ... لكبر قدرك لم ينطق بذاك فمي. وبيت بديعية الطبري قوله: ومطلبي أنت أدرى من براعته ... به فحالي منها غير منكتم. وبيت بديعيتي قولي: براعتي أبت التصريح في طلبي ... لما رأت من غوادي جودك السجم. حسن الختام . أحق بحسن ابتدائي ما أنال به ... حسن التخلص يتلو حسن مختتمي. هذا النوع سماه التيفاشي حسن المطلع، وبعضهم براعة المطلع، وسماه ابن أبي الأصبع حسن الخاتمة وادعى أنه من مستخرجاته، وهو موجود في كتب غيره ممن تقدم بغير هذا الاسم. وهو عبارة عن أن يون أخر الكلام الذي يقف عليه الخطيب أو المسترسل أو الشاعر مستعذبا حسنا، وأحسنه ما أذن بانتهاء الكلام حتى لا يبقى للنفس تشوق إلى ما ورائه. وهذا رابع المواضع التي نص أئمة البلاغة على التألق فيه، لأنه أخر ما يقرع السمع ويرتسم في النفس، وربما حفظ لقرب العهد به، فإن كان مختارا حسنا تلقاه السمع واستلذه حتى جبر ما وقع فيما سبق من التقصير، كالطعام اللذيذ الذي يتناول بعد الأطعمة التفهة، وإن كان بخلاف ذلك كان على العكس حتى ربما أنسى المحاسن الموردة فيما سبق.

стр. 512

وجميع خواتيم السور كفواتحها، واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها، لأنها بين أدعية، ووصايا وفرائض؛ وتحميد تهليل؛ ومواعظ وود ووعيد؛ إلى غير ذلك مما يناسب الاختتام، كتفصيل جملة المطلوب في خاتمة الفاتحة، إذ المطلوب الأعلى: الإيمان المحفوظ من المعاصي المسببة لغضب الله والضلال، فصل جملة ذلك بقوله: (الذين أنعمت عليهم) والمراد المؤمنون، ولذلك أطلق الأنعام ولم يقيده، ليتناول كل إنعام، لأن كل من أنعم الله عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكل نعمة لأنها مستتبعة لجميع النعم. ثم وصفهم بقوله: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) يعني أنهم جمعوا بين النعم المطلقة وهي نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال المسببين عن معاصيه وتعدي حدوده وكالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من أخر سورة البقرة. وتأمل سائر خواتيم السور تجدها في نهاية الكمال. ومن أضح ما أذن بالختام، خاتمة سورة إبراهيم ﵇، وهو قوله تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به واعلموا إنما هو غله واحد وليذكروا أولي الألباب. وكذا خاتمة الحجر بقوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) فإنها في غاية البراعة، ومثلها خاتمة الزمر بقوله سبحانه: (وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) ، وأما خاتمة الصافات فإنها العلم في براعة الختام، حتى ضارت يختم بها كلام؛ وهي قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين) . ومن أحسن براعات الختام قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ وهو إمام أئمة البلغاء في الجاهلية والإسلام- في خاتمة خطبة الاستسقاء: ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي الحميد. وأما حسن ختام الحريري للمقامات فإنه من البراعات التي تنتهي إليها الغايات، وهو قوله: ثم دنوت إليه كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها العبد الصالح، فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك فودعته وعبراتي يتحدرن من المآقي، وزفراتي تتصعدن إلى التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي. ومن أمثلته في النظم قول أبي نواس في خاتمة قصيدته التي مدح بها الخطيب: وإني جدير إذا بلغتك بالمنى ... وأنت بما أملت جدير. فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور. وقول أبي تمام في ختام قصيدة فتح عمورية: إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير منقضب. فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب. أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب. وقول أبي الطيب: سما بك همي فوق الهموم ... فلست أعد يسارا يسارا. ومن كنت بحرا له يا علي ... لم يقبل الدر إلا كبارا. وقوله أيضاً: أنلت عبيدك ما أملوا ... أنالك ربي ما تأمل. وقوله أيضاً: وأعطيت الذي لم يعط خلق ... عليك صلاة ربك والسلام. وقول ابن هاني المغربي: سموت إلى العليا إلى الذروة التي ... ترى الشمس فيها تحت قدرك تضرع. إلى غاية ما بعدها لك غاية ... وهل خلف أفلاك السماوات مطلع. إلى أين تبغي ليس خلفك مذهب ... لا لجواد من للحاقك مطمع. وقوله أيضاً: فتى كل مسعى من مساعيه قبلة ... يصلي إليها كل مجد ونائل. وفي كل يوم فيه للشعر مذهب ... على أنه لم يبق قولا لقائل. وقوله أيضاً: لا زلت تسحب أذيال الندى كرما ... في نعمة غير مزجاة من النعم. ما نمنم الروض أو حاكت وشائعه ... أيدي السحاب الغوادي العز بالديم. وقول مهيار الديلمي في ختم قصيدته المشهورة: ولا زالت الأيام تملك أمرها ... وتأمرها فيما تشاء وتنهاها. وكنت بعين الله من كل خطة ... تحاذرها فيما تروم وتخشاها. فإني متى علقت نفسي بجاجة ... وخفت عليها الفوت ضمنتها الله. وقوله أيضاً: ولا يزل جاري المقادير على ... ما تبتغي مساعدا معينا. دعاء إخلاص إذا رفعته ... قال الحفيظان معي آمين. وقول أبي العلاء المعري. ولا تزال لك الأيام ممتعة ... بالحال والآل والعلياء والعمر.

стр. 513

وقول إبراهيم الغزي: بقيت بقاء الدهر يا كهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل. وقول ابن أبي الحديد في ختام أخر قصيدة من قصائده العلويات: سمعا أمير المؤمنين قصائد ... يعنو لها بشر ويخضع جرول. الدر من ألفاظها لكنه ... در له ابن أبي الحديد مفصل. هي دون مدح الله فبك وفوق ما ... مدح الورى وعلاك منها أكمل. وقولي في ختام قصيدة نبوية طنانة مع حسن التضمين: عليك صلاة الله ثم سلامه ... مدى الدهر لا يفنى ولا يتصرم. وآلك والصب الكرام أولي النهي ... بهم يبدأ الذكر الجميل ويختم. وقولي في ختام أخرى مدحت بها الوالد، وقد تقدم شيء منها في براعة الاستهلال: إليك نظام الدين وابن نظامه ... محبرة تزهى بحسن نظامها. ظننت بها عن كل سمع وإنما ... مديحك كان لليوم فض ختامها. وبيت بديعية الصفي قوله: فإن سعدت فمدحي فيك موجبه ... وإن شقيت فذنبي موجب النقم. وبيت بديعية ابن جابر قوله: لكن وإن طال مدحي لأفي أبدا ... فاجعل العذر والإقرار مختتمي. وبيت بديعية الموصلي قوله: فاجعل له مخلصا من قبح زلته ... في حسن مفتتح منه ومختتم. وبيت بديعية ابن حجة قوله: حسن ابتدائي أرجو التخلص من ... حر الجحيم وهذا حسن مختتمي. وبيت بديعية المقري قوله: لكن ذلك مجهودي أتيت به ... ومن يقصر وراء الجهد لم يلم. وبيت بديعية السيوطي قوله: واكتب مدى العمر في الدنيا لنا حسنا ... حتى أرى عند موتي حسن مختتمي. وبيت بديعية الطبري قوله: فإن ظفرت به فالفضل معتمدي ... أولا فإن رجائي حسن مختتم. وبيت بديعية العلوي قوله: صلى عليه بعد الرمل متسقا ... وعد نبت الثرى والوابل السجم. وبيت بديعيتي قولي: أحق بحسن ابتدائي ما أنال به ... حسن التخلص يتلو حسن مختتمي. كلمة الختام للمؤلف . قال المؤلف عفا الله تعالى عنه بمنه: هذا أخر أنواع البديع التي قصدت نظمها في سلك هذا العقد البديع وبانتهائه انتهى بناء الكلام على تقييد هذا الشرح المفيد، وتشييد قواعد هذا الصرح المشيد. وقد جاء بحمد الله سبحانه وافيا بالغرض، حاويا من هذا الفن للجوهر لا العرض، جامعا لما يشنف السمع بحسن الجمع، ويونق الخاطر بنشره العاطر. ولم اقتصر فيه على النقل دون النقد، ولم آل في تحريره وتقريره الجهد، حتى اشتمل على ما لم يشتمل عليه شرح من شروح البديعيات واحتوى على ما لم تنكر حسنه ثواقب الفطن الألمعيات. وقد ادعى ابن حجة في شرح بديعيته: أنه ما ترك نوعا من أنواع البديع إلا وأطلق عنان القلم في ميادين الطروس مستطردا إلى استيعاب ما وقع من جيده ورديه، وهذه دعوة منه لم تقم البينة على إثباتها، ولا أراها إلا من تبجحا ته التي لا يزال يتيه بسكراتها، ومن رام الامتحان فليقابل بين هذا الشرح وشرحه، وليحقق النظر في تعديل الشاهد وجرحه. على أنني لا أدعي العصمة في قول ولا عمل، ولا أزعم أنني أحرزت أدوات الكمال عن كمل. بل لا آمن من تعقب يتعقب، وحاسد يرصد الزلة ويترقب، وقديما ما قيل: من صنف فقد استهدف. وأنا أسأل ممن حسنت شيمته، وغلت في سوق الأدب قيمته، إن يصطلح الخلل، ويستر الزلل، مما طغى به القلم؛ وزلت به القدم، مغتفرا ذلك في جنب ما نظمت له من الفرائد، ورددت عليه من الشرائد، وأهديت إليه من در المنظوم وزهر المنثور، ورويت له من مسلسل حديث الأدب المأثور، ولست أبالي بطعن معاند أو حاسد، ومن يغالي في المتاع الكاسد. ومن أحسن الاتفاق أن جاء تاريخ عام التمام، موافقا لحساب طيب الختام، وهو عام ثلاث وتسعين وألف، فنظمته على وزن البديعية ورويها أيضاً فقلت: تاريخ ختمي لأنوار الربيع أتى ... (طيب الختام) فيا طوبى لمختتم. ونظمت ذلك فقلت: بعون الله تم الشرح نظما ... ونثرا مخجلا در النظام. ومسك ختامه مذ طاب نشرا ... أتى تاريخه طيب الختام.

стр. 514

وقد وفق الله سبحانه للشروع فيه والفراغ منه في وقت لا يتصور فيه صحبة قلم لبنان، ولا يتخيل فيه تصور مسألة في جنان، بل لا تقع العين إلا على لمع مهند وسنان، ولا تصحب اليدين الأقائم حسام وجيل عنان، وذلك حين المرابطة بثغر العدو من الديار الهندية، والمنازلة لمنازلهم في كل صباح وعشية، والسمع لا يعي إلا صارخا يا خيل الله اركبي، أو صائحا لما دهمه يا غلام قرب مركبي. والحمد لله على ما أنعم به من إتمامه، فشفع حسن ابتدائه بحسن ختامه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين محمد وأله الهادين، وصحبه الذين شادوا الدين آمين. واتفق الفراغ من نسخ هذه النسخة المباركة التي هي الأصل، على يد مؤلفه الفقير علي صدر الدين بن أحمد نظام الدين الحسني الحسيني، إن لهما الله من فضله السني، ظهر يوم الخميس المبارك، تاسع عشر شهر ذي القعدة الحرام سنة ثلاث وتسعين وألف.