Полный текст (514 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وكم أفاد دهره من تحف ... مبدي تأول بلا تكلف.
لقد رقى على المقام الباهر ... كطاهر القلب جميل الظاهر.
وفضله للطالبين وجدا ... على الذي في رفعه قد عهدا.
وقد حصل العلم وحرر السير ... وما بالا أو بأنما انحصر.
في كل فن باهر صفة ولا ... يكون إلا غاية الذي تلا.
سيرته سارت على نهج الهدى ... ولا يلي إلا اختيارا أبدا.
وعلمه وفضله لا ينكر ... مما به عنه مبينا يخبر.
يقول دائما بصدر انشرح ... أعرف بنا فإننا نلنا المنح.
يقول مرحبا لقاصديه من ... يصل إلينا يستعن بنا يعن.
والزم جنابه وإياك الملل ... إن يستطل وصل وإن لم يستطل.
واقصد جنابه ترى مآثره ... والله يقضي بهبات وافره.
وانسب له فإنه ابن معط ... ويقتضي رضا بغير سخط.
وأجعله نصب العين والقلب ولا ... تعدل به فهو يضاهي المثلا.
وبيت بديعية صفي الدين الحلي قوله:
إذا رأته الأعادي قال حازمهم ... حتام نحن نساري النجم في الظلم.
ضمن صدر المطل قصيدة للمتنبي وعجزه (وما سراه على خف ولا قدم.
وبيت ابن جابر قوله:
اسمح بنفسك وأبذل في زيارته ... كرائم المال من خيل ومن نعم.
ضمن المصراع الثاني من بيت الشريف الرضي، وصدره (ماض من العيش لو يفدى بذلت له. وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
إيداعه الفضل في الأصحاب شرفهم ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم.
ضمنه من قول المتنبي:
ولم تزل قلة الأنصاف قاطعة ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وأودعوا للثرى أجسامهم فشكت ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم.
ضمنه من قول المتنبي أيضاً:
ولا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم.
وبيت بديعية المقري قوله:
بيض يقول الأعادي حين تطرفه ... لانت أسود في عيني من الظلم.
ضمنه من قول المتنبي أيضاً:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لانت أسود في عيني من الظلم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فهو الذي تم معناه وصورته ... حتى غدا مفردا كالنار في العلم.
ضمن المصراع الأول من قول البوصيري في البردة، وتمامه فيها قوله: (ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم.
وبيت بديعيتي قولي:
إيداع قلبي هواهم شادلي بهم ... من العناية ركنا غير منهدم.
هذا التضمين من قول البوصيري في البردة أيضاً هو:
بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا ... من العناية ركنا غير منهدم.
المواردة .
الحمد لله حمدا دائما أبدا ... على مواردتي قومي بحبهم.
هذا النوع عبارة عن أن يتفق الشاعر إن على معنى، من غير أخذ إحداهما من الآخر، كالشخصين اجتمع ورود أحدهما [على الآخر اتفاقا] ويسمى الحافر على الحافر. وسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف يتفق الشاعران؟ فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها. وهو نوعان [الأول] ما اتفقا فيه لفظا ومعنى من غير تغيير، أو مع تغيير لا يعتد به.
كما روي عن ابن ميادة أنه أنشد لنفسه:
مفيد ومتلاف إذا ما أتيتيه ... تهلل واهتز اهتزاز المهند.
فقيل له: أين يذهب بك؟ هذا للحطيئة، قال: كذلك هو؟ قيل: نعم، فقال: الآن علمت أني شاعر حين وافقته على قوله، وما سمعت به إلا الساعة.
وكما اتفق لامرئ القيس وطرفة بن العبد في بيتين في معلقتهما، فقال: امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل.
وقال طرفة البيت في داليته بحاله، غير أنه جعل القافية (وتجلد) فلما تنافسا أحضر طرفة خطوط أهل بلده، أي يوم نظم البيت، فكان اليوم الذي نظما فيه واحدا.
وقال النابغة الذبياني:
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة المتعبد.
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله راشدا وإن لم يرشد.
وقال ربيعة بن مقرم الضبي:
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متبتل.
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهم من تاموره بتنزل.
وقال الآقيشر:
جريت مع الهوى طلق العتيق ... وهان علي مأثور الفسوق.
стр. 457
وجدت ألذ عارية الليالي ... قران النغم بالوتر الخفوق.
ومسمعة إذا ما شئت غنت ... متى نزل الأحبة بالعقيق.
تمتع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الصبوح عرى الغبوق.
وقال أبو نواس:
جريت مع الهوى طلق الجموع ... وهان علي مأثور القبيح.
وجدت ألذ عارية الليالي ... قران النغم بالوتر الفصيح.
ومسمعة إذا ما شئت غنت ... متى كان الخيام بذي طلوح.
تمتع منة شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الغبوق عرى الصبوح.
وحكى الثعالبي في يتيمة الدهر قال: من عجيب ما يحكى عن أبي الطيب طاهر بن محمد بن طاهر الطيب بن طاهر بكرة يوم رام بهذين البيتين:
وإني والمؤذن يوم رام ... لمختلفان في هذا الصباح.
أنادي بالصبوح له كيادا ... إذا نادى بحي على الفلاح.
وإذا برسول أبي طاهر جاءه قبل وصوله رقعته إليه برقعة فيها:
وإني والمؤذن يوم رام ... لمختلفان في هذه الغداة.
أنادي بالصبوح له كيادا=وإذا نادى بحي على الصلاة.
وكان التقاء رسولهما بالرقعتين على منتصف الطريق. الثاني: ما اتفقا فيه على المعنى دون اللفظ.
قال الثعالبي: اتفق لي في أيام الصبا معنى بديع لم أقدر أي سبقت إليه، ولا ظننت أني شوركت فيه، وهو قولي في آخر هذه الأبيات الأربعة:
قلبي وجدا مشتعل ... على الهموم مشتمل.
وقد كستني في الهوى ... ملابس الصب الغزل.
إنسانة فنانة ... بدر الدجل منها خجل.
إذا رنت عيني بها=فبالدموع تغتسل.
فأنشدني أبو حفص عمر بن علي المطوعي لأبي الفرج علي بن الحسين بن هندو وهو:
يقولون لي ما بال عينك إذا رأت ... محاسن هذا الظبي أدمعها هطل.
فقلت عيني بطلعة وجهه ... فكان له من صوب أدمعها غسل.
فصح عندي توارد الخواطر وتشاركها في المعاني، إذا لم يكن مجال للظن في سرقة أحدنا من الآخر والله أعلم بحقيقة الحال.
وإذا كان احد المتواردين أقدم من الآخر وأرفع منه طبقة حكم له بالسبق، وإلا فلكل منهما ما سبقه.
ولأحمد بن أبي طاهر يعتذر لشعر ادعى البحتري أنه سرق منه:
الشعر ظهر طريق أنت راكبه ... فمنه منشعب أو غير منشعب.
وربما ضم بين الركب منهجه ... وألصق الطنب العالي إلى الطنب.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
تهوى الرقاب مواضيهم فتحسبها ... حديدها كان أغلالا من القدم.
حكى في شرحه: أنه كان نظم بيتا قديما من أبيات وهو:
تهوى الرقاب مواضيك كأنها ... من قبل كان حديدها أغلالا.
ثم سمع بيتا لا يعلم قائله وهو:
تهوى الرقاب مواضيه فتحسبها ... تود. لو أصبحت أغلال من أسرا.
فأسقط ذلك البيت خوفا من القدح بالسرقة، ثم احتاج إلى ذكره هنا شاهد لهذا النوع فذكره كيلا تخلو القصيدة منه.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
ليت المدائح تستوفي علاه ولو ... تواردت في مديح غير منصرم.
زعم في شرحه: أنه توارد هو وأبو الطيب المتنبي عليه.
وأبو الطيب يقول:
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فمن زهير وأهل الأعصر الأول.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
كأنما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيوفهم.
ذكر في شرحه: أنه وارد المتنبي على هذا المعنى، وقوله: ولم يكن يسمع به حتى نبه عليه وهو:
كأن الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد.
وبيت بديعيتي قولي:
الحمد لله حمدا دائما أبدا ... على مواردتي قومي بحبهم.
المواردة في صدر هذا البيت وقعت بيني وبين الصاحب بن عباد، فإني لما دخلت الهند واجتمعت بالوالد قدس روحه في سنة ثمان وستين وألف، ولي من العمر حينئذ خمسة عشر سنة، ولم أكن أتعلق على شيء من النظم، ولا طالعت شيئا من الكتب الأدبية ما عدا ديوان ابن الفارض، عن لي نظم شيء في الاجتماع بالوالد.
فقلت:
الحمد لله حمدا دائما أبدا ... على اجتماع به صبح الرجاء بدا.
стр. 458
فاتفق أن جاء إلى زيارتي ذلك اليوم الذي نظمت فيه هذا البيت شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي وذلك قبل الاشتغال عليه، فأنشدته البيت فقال: هذا الصدر صدر بيت للصاحب بن عباد، قاله لما ولد سبطه أبو الحسن عباد بن علي الحسني وهو:
الحمد لله حمدا دائما أبدا ... إذا صار سبط رسول الله لي ولدا.
فحلفت له أني لم أسمع به فقال: اعلم ذلك، وهذا من نوع المواردة. ثم لما وصلت غلى هذا النوع من البديعية احتجت إلى إيراده شاهدا عليه فأوردته والله أعلم.
ولم ينظم سوى من ذكرناه من أصحاب البديعيات هذا النوع، ولعله لم يتفق لهم والله أعلم.
الالتزام .
إن التزامي في ديني بجدهم ... ما زال يفعم قلبي صدق ودهم.
هذا النوع كما يسمى الالتزام يسمى لزوم ما لا يلزم، وسماه قوم الأعنات من العنت وهو المشقة، وآخرون التضييق، وبعضهم التشديد، وهو عبارة عن أن يلتزم المتكلم في النثر أو الشعر حرفا أو حرفين فصاعدا قبل الروي، بشرط عدم الكفلة، كقوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر) ، وقوله: (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) ، وقوله: (في سدر مخضود وطلح منضود) ، وقوله: (والطور وكتاب مسطور) ، وقوله: (بلغت التراقي وقيل من راق) وهو في الكتاب العزيز كثير.
ومثاله من الشعر قول امرئ القيس وقد نظر إلى قبر امرأة من بنات الروم بأنقرة وهو يجود بنفسه فقال:
أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب.
أجارتنا أنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب.
وقول العباس بن الأحنف:
الله يعلم ما تركي زيارتكم ... إلا مخافة أعدائي وحراسي.
لو قدرت على الإتيان جئتكم ... سحبا على الوجه أو مشيا على الرأس.
قال ابن جريح: ما ظننت أن الله ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشدا ينشد قوله:
بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن.
إن كنت حاولت دنيا أو رضيا بها ... فما أصبت من ترك الحج من ثمن.
فحركني ذلك على الخروج إلى مكة، فخرجت مع الحجاج، وحججت.
وقال اسحق الموصلي: أنشدت الأصمعي- على أنه لشاعر قديم:
هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروى الصدى ويشفى الغليل.
غن ما قل منه يكثر عندي=وكثير من الخليل القليل.
فقال: هذا والله الديباج الخزرواني، فقلت: هو ابن ليلة، فقال: لا جرم أثر التوليد فيه، فقلت: لا جرم أثر الحسد فيك.
قال الصولي: كان اسحق يظن أن لم يسبق إلى هذا المعنى، حتى أنشد الأعرابي:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل.
فحلفت أنه ما كان سمعه.
ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
ومن يطلب المعروف من غير أهله ... يجد مطلب المعروف غير يسير.
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنة=من الذم سار الذم كل مسير.
وقول السيد البطليوسي:
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبت أم في الجو روض بهار.
كأن الليالي السبع في الليل جمعت ... ولا فصل فيما بينها لنهار.
وقول بعضهم:
بدا فكأنما قمر ... على أزراره طلعا.
بفت المسك عن طرر ال ... جبين بنانه ولعا.
وقد خلعت عليه الرا ... ح من أصوابها خلعا.
وقول الوأواء الدمشقي:
وزائر راع كل الناس منظره ... أحلى من الأمن عند الخائف الوجل.
ألقى على الليل جنحا من ذوائبه ... فهابه الصبح أن يبدو من الخجل
أراد بالهجر قتلي فاستجرت به ... فاستل بالوصل روحي من يدي أجلي.
وقول الحسن بن علي الواسطي:
براني الهوى بري المدى وأذابني ... صدودك حتى صرت أنحل من أمس.
فلست أرى حتى أراك وإنما ... يبين هباء الذر في أفق الشمس.
وقول أبي إسحاق الصابي:
ولما تعذر أن نلتقي ... وطال النزاع وزاد الألم.
مشيت إليكم برجل الرسول ... وخاطبتكم بلسان القلم.
وألف الشيخ أبو العلاء المعري كتابا سماه لزوم ما لا يلزم، ولكن جمع فيه بين الغث والسمين وقرن بين الرخيص والثمين، فمنه قوله:
دنياك غانية إذا عاهدتها ... غدرت فكيف تروم حسن وفائها.
لم تصف قط لعاقل فكأنما ... عبرت عن فقد النهى بصفائها.
стр. 459
المين من أترابه والدين من ... أضدادها والهم من حلفائها.
لا تأسفن لها فإن نعيمها ... كشقائها وسقامه كشفائها.
تلقى مناياها النفوس بقوة ... حتى تكون الأسد من ضعفائها.
ومنه قوله أيضاً:
وعند الليالي عادة مستمرة ... من الجور في بعد من الأرض أو أقرب.
تصد عليا عن تراث محمد ... وتدعوا زيادا في ملوك بني حرب.
ومنه قوله أيضاً:
لا تطلبن بآلة لك رفعة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل.
سكن السما كان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل.
ومنه قوله أيضاً: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة=وحق لسكان البسيطة أن يبكوا.
يحطمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك.
قيل: هذا البيت يشهد بأنه كان دهريا، ولعله رجع عن ذلك بقوله في مرثية:
ضل الذي قال البلاد قديمة ... بالطبع زعما والأنام كنبتها.
وللأبيوردي في بعض أهل عصره من كان يستعمل هذا النوع كثيرا:
شعر المراغي وحوشيتهم ... كعقله أسلمه أسقمه.
يلزم ما ليس له لازما ... لكنه يترك ما يلزمه.
ولمؤلفه عفا الله عنه في نحو ذلك:
وشاعر قريضة ... من كل حسن معدم.
لم يلتزم شيئا سوى ... لزوم ما لا يلزم.
وبيت بديعية الصفي قوله:
من كل مبتدر للموت مقتحم ... في مأزق بغبار الخيل ملتحم.
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
وميل سمعي لنيل القرب من شيمي ... وسيل دمعي بذيل الترب كالديم.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
لي التزام بمدحي خير معتصم ... بربه وارتباط غير منفصم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه ومدحي سواه ليس من لزمي.
وبيت بديعية المقري قوله:
تطول إن عرضت في كل منهزم ... بها الموالي وينجو كل ملتزم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
ونال عزا وفضلا غير منفصم ... وخصه الله بالنعماء والعصم.
وبيت بديعيتي قولي:
إن التزامي في ديني بجدهم ... مازال يفعم قلبي صدق ودهم.
ولم أقف على بيت السيوطي في هذا النوع. وأما الطبري فلم ينظمه، والله أعلم.
المزاوجة .
إذا تزاوج إثمي فاقتضى نقمي ... حققت فيهم رجائي فاقتضى نعمي.
المزاوجة: ويقال: التزاوج، هو أن يتزوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزء، أي يجعل معنيين واقعين في الشرط والجزاء مزدوجين في أن يرتب على كل منهما معنى رتب على الآخر.
كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر.
زواج بين نهي الناهي، وأصاختها إلى الواشي، الواقعين في الشرط والجزاء، في أن رتب عليهما لجاج لشيء.
ومثله قوله أيضاً:
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها.
زواج بين الاحتراب وتذكر القربى الواقعين في الشرط والجزاء، في ترتيب فيضان شيء عليهما.
قال السع التفتازاني في شرح التلخيص: ومن تتبع الأمثلة المذكورة للمزاوجة علم أن معناها ما ذكر، لا ما يسبق إلى الوهم من أن معناها من أن يجمع بين معنيين في الشرط ومعنيين في الجزاء، كما جمع بين الشرط بين نهي الناهي ولجاج الهوى، وفي الجزاء بين أصاختها إلى الواشي ولجاج الهجر، إذ لا يعرف أحد يقول بالمزاوجة في مثل قولنا: إذا جاءني زيد فسلم علي أجلسته فأنعمت عليه. انتهى.
وقال في شرح المفتاح: وقيل: معنى المزاوجة أن يجعل معنى لازما للشرط، ثم يجعل معنى مقارنا له في الجزاء، كما جعل لجاج الهوى به لازما للشرط الذي هو نهي الناهي، ثم جعل لجاج الهجر مارنا له في الجزاء الذي هو الإصاخة إلى الواشي. انتهى.
وبيت بديعة الصفي قوله:
ومن إذا خفت من الحشري وكان له ... مدحي نجوت فكان المدح معتصمي.
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
إذا تبسم في حرب وصاح بهم ... يبكي الأسود ويرمي اللسن بالبكم.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
[إذا تزاوج خوف الذنب في خلدي ... ذكرت أن نجاتي في مديحهم]
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح من ونجاني من النقم.
وبيت بديعية المقري قوله:
стр. 460
إذا سعوا فاشتروا مدح النفوس سعى ... فابتاع مدحك بالغالي من القيم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
ومن إذا رمت أحصي مدحه وبقى ... عمري عجزت وعشر العشر لم أقم.
وبيت بديعيتي قولي:
إذا تزوج إثمي فاقتضى نقمي ... حققت فيهم رجائي فاقتضى نعمي.
زاوج بين تزاوج الإثم وتحقيق الرجاء الواقعين في الشرط والجزاء، في أن رتب عليهما اقتضاء شيء على حده في بيتي البحتري المقدم ذكرهما، وتأمل سائر أبيات البديعيات المذكورة فإن أكثرها لا ينطبق على تعريفهم المذكور للمزاوجة والله أعلم.
المجاز .
هم المجاز إلى باب الجنان غدا ... فلست أخشى وهم لي زلة القدم.
المجاز خلاف الحقيقة، وهو في اللغة مفعل من جاز المكان يجوز إذا تعداه، نقل إلى اللفظ الجائز أي المتعدي مكانه الأصلي، واللفظ المجوز به، على معنى أنهم جازوا به مكانه الأصلي.
وفي الاصطلاح، وهو اللفظ المستعمل في غيرها وضع له بالوضع الشخصي أو النوعي، لعلاقة بين المعنيين، مع قرينة عدم إرادة ما وضع له، فخرج الغلط لعدم العلاقة كقولك خذ هذا الفرس، تشير إلى كتاب، وخرجت الكناية لأنها مستعملة فيما وضعت له مع جواز إرادته، ثم العلاقة إن كانت المشابهة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي فه استعارة، وإلا فغير استعارة، ويسمى مجازا مرسلا.
وشمل هذا الحد المجاز بنوعيه، أعني المفرد سواء كان استعارة أيضاً كقولك للمتردد: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى.
أو مرسلا كقوله:
هواي مع الراكب اليماني مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق.
فإن هذا المركب موضوع بالوضع النوعي للأخبار، والغرض منها إظهار التحزن والتحسر، والعلاقة فيه استعمال ما وضع للازم في الملزوم، لأن إظهار التحزن والتحسر ملزوم للأخبار غالبا، فظهر أن حصر المجاز المركب في الاستعارة- كما وقع لأكثرهم- عدول عن الصواب، كما حققه السعد التفتازاني في شرح التلخيص، وهذا التعريف للمجاز هو رأي أهل المعاني والبيان.
وقال البديعيون: المجاز هو تجوز الحقيقة، بحيث يأتي المتكلم إلى اسم موضوع لمعنى فيحتضره إما بأن يجعله مفردا بعد أن كان مركبا، أو غير ذلك من وجوه الاختصار.
مثال الأول قول جرير:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا.
يريد بالسماء مطر السماء، فجعله مفردا، ويريد بالضمير في رعيناه ما ينبته مطر السماء.
ومثال غير ذلك قول العتابي:
يا ليلة لي بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير.
فقوله: ساهرة مجاز، قاله الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته. وإنما كان قوله: ساهرة من الاختصار، لأن الأصل: أنا ساهر فيها، فاختصر ذلك بأن أسند السهر إلى الليلة، وهو عند أهل البيان مجاز إسنادي، ويسمى المجاز الحكمي، والعقلي. وهو عندي داخل في باب الاستعارة كما حقق في محله.
تنبيهات: الأول المجاز المرسل، يقع على وجوه كثيرة. أحدها إطلاق السبب على المسبب، كاليد على النعمة لصدورها عنها، وعلى القدرة لظهور سلطانها بها، ومنه قولهم: رعينا غيثا أي نباتا، لأن الغيث سبب للنبات.
الثاني إطلاق المسبب على السبب، وهو عكس الأول كقولهم: أمطرت السماء نباتا، أي غوثا لكون النبات مسببا عنه.
الثالث تسمية الشيء باسم ما كان عليه، كقوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم) أي الذين كانوا يتامى، إذ لا يتم بعد البلوغ.
الرابع تسميته باسم ما يؤل إليه كقوله تعالى: (أني أرآني أعصر خمرا) أي عنباً يؤل إلى الخمرية (لا يلدوا إلا فاجرا كفارا) أي صائرا إلى الفجور والكفر.
الخامس إطلاق اسم الكل على الجزء، ويشترط فيه أن يكون أصلا فيما وقع المجاز بسببه، كقوله تعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) أي ذاته لأن معدن كتمان الشهادة القلب، ومنهم قولهم للربيئة عين، لأنها المقصود من كون الرجل ربيئة دون سائر ما عداها.
السادس إطلاق الجزء على الكل، وهو عكس ما قبله، والشرط ما سبق كقوله تعالى: (يجعلون أصابعهم في آذانهم) أي أناملهم.
السابع إطلاق الحال على المحل، كقوله تعالى: (في رحمة الله هم خالدون) أي في الجنة، لأنها محل الرحمة.
стр. 461
الثامن إطلاق اسم المحل على الحال، وهو عكس ما قبله، كقوله تعالى: (فليدع ناديه) أي أهل نادية، أي مجلسه.
التاسع تسميته الشيء باسم آلته نحو (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) أي ثناء، لأن اللسان آلته (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) أي بلغة قومه.
العاشر إطلاق الفعل، والمراد مشارفته وقارنته وإرادته، كقوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فامسكهن) أي قاربن بلوغ الأجل، أي انقضاء العدة، لأن الإمساك لا يكون بعده. وقوله تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) أي فإذا قري مجيئه وبه يندفع السؤال المشهور وهو أن عند مجيء الأجل لا يتصور تقديم ولا تأخير، وقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) أي أردتم القيام.
الحادي عشر إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كقوله ﵇ العباس بن مرداس: (اقطعوا عني لسانه) وأمر له بمائة ناقة، أراد ﵇: أسكتوه عني، لأن قطع اللسان ملزوم للسكوت.
الثاني عشر إطلاق اسم الملزوم على اللازم، وهو عكس ما قبله، كما ورد أنه ﵇ كان إذا دخل العشر الأخير من شهر رمضان شد المئزر، والمراد الاعتزال عن النساء، لأن شد المئزر لازم لاعتزالهن، قال:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار.
وغير ذلك مما يتعذر حمل اللفظ فيه على معناه الحقيقي.
الثاني: أنكر بعضهم وقوع المجاز في القرآن. وشبهته أن المجاز أخو الكذب، إن القرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعين بالمجاز، وذلك محال على الله تعالى، وهذه شبهة باطلة، ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها.
الثالث: اختلف في أنواع، هل هي من المجاز أم لا؟ أحدها الحذف، والمشهور أنه من المجاز، وأنكره بعضهم، لأن المجاز استعمال اللفظ في غير موضوعه، والحذف ليس كذلك، وقال الخطيب في الإيضاح: متى تغير إعراب الكلمة بحذف أو زيادة فهي مجاز، نحو اسأل القرية، ليس كمثله الشيء. فإن كان الحذف والزيادة مما لا يوجب تغير الإعراب نحو: أو كصيب من السماء، أي مثل ذو صيب، فبما رحمة، أي فبرحمة. فالكلمة لا توصف بالمجاز.
الثاني التشبيه، زعم قول انه كجاز وتبعهم ابن حجة في شرح بديعيته، والصحيح انه حقيقة. قال الزنجاني في المعيار: لأنه معنى من المعاني، وله ألفاظ تدل عليه وضعا، فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه. وقال الشيخ عز الدين: إن كان بحرف فهو حقيقة، أو بحذفه فمجاز، بناء على أن الحذف من باب المجاز.
الثالث الكناية وفيها أربعة مذاهب: احدها: أنها حقيقة، قال ابن عبد السلام: وهو الظاهر، لأنها استعملت فيما وضعت له وأريد به الدلالة على غيره. الثاني: أنها مجاز. والثالث: أنها لا حقيقة ولا مجاز. والرابع: أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز. فإن استعمل اللفظ في معناه مرادا منه لازم المعنى أيضاً فهو حقيقة، وإن لم يرد المعنى بل عبر بالملزوم عن اللازم فهو مجاز، لاستعماله في غير ما وضع له، ليفيد غير ما وضع له.
الرابع: التقديم والتأخير. عده قوم من المجاز. قال في البرهان: والصحيح أنه ليس منه، فإن المجاز نقل إلى ما وضع له إلى ما لم يوضع له.
الخامس: قيل بالواسطة بين الحقيقة والمجاز في ثلاثة أشياء: احدها اللفظ قبل الاستعمال. ثانيها الإعلام. ثالثها اللفظ المستعمل في المشاكلة، نحو: ومكروا ومكر الله، لأنه لا يوضع لما استعمل فيه فليس حقيقة، ولا علاقة معتبرة فليس مجازا، كذا عن بعضهم في شرح بديعية ابن جابر لرفيقه، قال السيوطي: والذي يظهر انه مجاز، والعلاقة المصاحبة.
وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
صالوا فنالوا الأماني من مرادهم ... ببارق في سوى الهيجاء لم يشم.
قال في شرحه: لفظة بارق مجاز في السيف.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
أحيا فؤادي مجازي نحو حجرته ... وقد دهشت لجمع فيه مزدحم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
هو المجاز إلى الجنات إن عمرت ... أبياته بقبول سابغ النعم.
وبيت بديعية المقري قوله:
стр. 462
أبكى بها الدين جفن الكفر حين جفت ... أجفانها وابتغت غمدا من القمم.
وبيت بديعيتي قولي:
هم المجاز إلى باب الجنان غدا ... فلست أخشى وهم لي زلة القدم.
فلفظة المجاز مجاز عن الهداة، لأنه بمعنى الطريق، من قولهم: جعلت كذا مجازا إلى حاجتي، أي طريقا إليها، وغنما جعله مجازا عن الهداية لاستلزام الهداة إياه، ولك أن تجعل من المجاز في البيت مصدرا ميميا بمعنى الجواز، فيكون من وصف الفاعل بالمصدر مثل رجل عدل، وهو أيضاً من المجال الحكمي عند أهل البيان، ومن تجوز الحقيقة بالاختصار عند البديعيين. ولم أقف على بيت السيوطي في هذا النوع. وأما الطبري فلم ينظمه في بديعيته، والله أعلم.
التفريع .
ما الروض غب الندى فاحت روائحه ... يوما بأضوع من تفريع نعتهم.
التفريع مصدر قولك: فرعت من هذا الأصل فروعا إذا استخرجتها. وفي الاصطلاح يطلق على معنيين: أحدهما ما ذكر الخطيب في التلخيص والإيضاح، وهو أن يثبت لمتعلق أمر حكما بعد إثبات ذلك الحكم لمتعلق له آخر، على وجه يشعر بالتفريع والتعقيب.
كقول الكميت:
أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم تشفي من الكلب.
فرع على وصفهم بشفاء أحلامهم لسقام الجهل، وصفهم بشفاء دمائهم من داء الكلب، وهو بفتح اللام، شبه جنون يحدث للإنسان الكلب الكَلِب بكسر اللام، وهو الذي يأكل لحوم الناس فيأخذه بذلك شبه جنون لا يعض إنساناً إلا كلب، ولا دواء له انجح من شرب دم ملك. يعني انتم أرباب العقول الراجحة وملوك وأشراف.
وفي طريقته قول الحماسي:
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤكم من الكلب الشفاء.
وهذا المعنى للتفريع غير المشهور، ولم ينظمه أرباب البديعيات.
الثاني ما ذكره البديعيون والزنجاني في معيار النظار، وسماه بعضهم النفي والجحود، وهو أن يأخذ المتكلم في وصف فيقول: ما كذا، ويصفه بمعظم أوصافه اللائقة به في الحسن والقبح، ثم يجعله أصلا يفرع منه معنى فيقول: بأفعل من كذا، وهو المعنى المشهور للتفريع، وهو الذي نظمه أصحاب البديعيات.
ومثاله قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبا ... خضراء جاد عليها مسبل هطل.
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل.
يوما بأطيب منه نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل.
وقول أبي علي تميم ابن المعز صاحب الديار المصرية:
وما أم خشف ضل يوما وليلة ... ببلقعة بيداء ظمآن صاديا.
تهيم فلا تدري إلى أين تنتهي ... مولهة حرى تجوب الفيافيا.
أضر بها حر الهجير فلم تجد ... لغتها من بارد الماء شافيا.
فلما دنت من خشفها انعطفت له ... فالفته ملهوف الجوانح طاويا.
بأوجع مني يوم شدت حمولهم ... ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا.
وما ألطف قول شهاب الدين محمود:
وفرع الحب الضنا في الحشا ... من مقل فيه منايا العباد.
فما ظبى أرهفها مرهف ... ليوم حرب من سيوف حداد.
يوماً بأمضى من سيوف بدت ... من كحل خالطها في حداد.
وقول ابن سناء الملك:
إليك فما بدر المقنع طالعا ... بأسحر من ألحاظ بدري المعمم.
يشير إلى المقنع الخراساني واسمه عطا، وكان قد ادعى الربوبية، وغلب على عقول قوم من العامة، بتمويهات أظهرها لهم بالسحر والنيرنجات، وكان في جملة ما أظهر لهم صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسيرة شهرين من موضعه ثم يغيب، فعظم اعتقادهم فيه.
وقد ذكر أبو العلاء المعري هذا القمر أيضاً في قوله:
أفق غنما البدر المقنع رأسه ... ضلال وغي مثل بدر المقنع.
وأنشد تغلب لبعض العرب:
وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقيه من ماء الحديد كبول.
قليل الموالي مسلم بجريرة ... له بعد نومات العيون عويل.
يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل.
بأكثر مني لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل.
لأم فروة الفطفانية:
وما ماء مزن أي مزن تقوله ... تحدر من غر طوال الذوائب.
نفت نسمة الريح القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لشارب.
بمنعرج من بطن وادي تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب.
стр. 463
بأطيب مما يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب.
ولبعضهم:
وما شوق أعرابية بأن دارها ... وحنت إلى وادي الحجاز ورنده.
بأكثر من شوقي إليكم وإنما ... رماني زماني بالبعاد بجهده.
وري أنه لما قتل عمار بن ياسر ﵁ يوم صفين احتمله أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه إلى خيمته، وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول:
وما ظبية تسبي القلوب بطرفها ... إذا التفتت خلنا بأجفانها سحرا.
بأحسن من كلل السيف وجهه ... دما في سبيل الله حتى قضى صبرا.
ولأبي الوليد بن زيدون:
وما شوق مغلول الجوانح بالصدى ... إلى نطفة زرقاء أضمرها وقط.
بأبرح من شوقي إليكم ودون ما ... أدير المنى عنه القتادة والخرط.
وأنشدني لنفسه الشيخ الأديب حسين بن شهاب الدين الشامي:
وأقسم ما الفلك الجواري تلاعبت ... بها صرصر نكباء في لجة البحر.
بأكثر من قلبي وجيبا وشملنا ... جميع ولكن خوف حادثة الدهر.
وله من قصيدة مدح بها الوالد قدس الله روحه:
فما روضة بالحزن باكرها الحيا ... بأرعن رجاس من المزن مسبل.
إذا خطرت فيها الصبا عبقت بها ... عوابق من ريا عبير ومندل.
بأطيب نشرا من خلائق أحمد ... ومن شك أو لم يدر ما قلت يسأل.
ولبعض المتأخرين:
ما الورد تنضج بالندى أثوابه ... والروض يهتك بالحيا جلبابه.
الهائم الممطول فاز بوصل ... والأشيب الموخوط عاد شبابه.
والنازح المهجور يقرع بغتة ... بيدي حبيبته المليحة بابه.
يوما بأوفر بهجة ومسرة ... مني إذا وافى إلي كتابه.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
ما روضة وشع الوسمي بردتها ... يوما بأحسن من آثار سعيهم.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
ما الدوح تفريعه بالزهر متسق ... نظما بأطيب من تعريف ذكرهم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
ما الدوح إن فاح نشرا أو شدا طربا ... يوما بأطيب من تفريع وصفهم.
وبيت بديعية المقري قوله:
ما المسك فتت أو فضت نوافجه ... عنه بأطيب من ذكراه في الكلم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
ما جبرئيل أمين الله في شرف ... يوما بأشرف منه ليلة الكلم.
وبيت بديعيتي في قولي:
ما الروض غب الندى فاحت روائحه ... يوما بأضوع من تفريع نعتهم.
التدبيج .
بيض المكارم سود النقع حمر ظبي ... خضر الديار فدبج وصف حالهم.
التدبيج مشتق من الديباج، وهو ثوب سداه ولحمته ابريسم، وهو معرب (ديبا) بدون الجيم، ثم كثر حتى اشتقت العرب منه فقالوا: دبج الغيث الأرض دبجا- من باب ضرب- ودبجها تدبيجا- بالتضعيف- إذا سقاها فأنبتت أزهارا مختلفة، لأنه عندهم اسم للمنقش.
وفي الاصطلاح عبارة عن أن يذكر المتكلم ألوانا يقصد التورية بها والكناية بذكرها عن أشياء، من نسيب أو مدح أو وصف أو غير ذلك من الأغراض، كقوله تعالى (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود) .
قال ابن أبي الإصبع: المراد بذلك- والله أعلم- الكناية عن الواضح والمشتبه من الطرق، لأن الجادة البيضاء هي الطريقة التي كثر السلوك عليها جدا، وهي أوضح الطرق وأبينها، ودونها الحمراء ودون الحمراء السوداء كأنها في الخفاء والالتباس ضد البياض في الظهور والوضوح، ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة، فالطرف الأعلى في الظهور البياض، والطرف الأدنى في الخفاء السواد، والأحمر بينهما على وضع الألوان في التركيب، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة، بكل علم نصب منقسمة هذه القسمة، أتت الآية الكريمة منقسمة كذلك، فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم.
ومنه قول الحريري: فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثي لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.
قال الصفدي: أخبرني الشيخ ثناء الدين أبو الثناء محمود أن القاضي الفاضل شرع في إنشاء مقامات، فكان يعارض كل فصل من مقامات الحريري بفصل من كلامه، فلما انتهى إلى هذا الفصل من التدبيج قال: من أين يأتي المتكلم بمثل هذا؟ وغسل ما عمله من المقامات.
стр. 464
ومن إنشاء بعض الكتاب: وصل كتابك فاستلمته استلام الحجر الأسود وتمتعت منه بالعيش الأخضر، وجمعت منه يدي على الكبريت الأحمر والبازي الأشهب وملك بن الأصفر.
ومن رسالة لبعضهم: قد أوردنا الحديد الأخضر في ماء الوريد الأحمر من عدو الله الأزرق من بني الأصفر.
ومن إنشاء القاضي الفاضل في وصف كتاب: ففضضته فكم لحفتني من شرارة، وقضضته فإذا جبال النور منه مستعارة، كأن شرارته الجمالات الصفر؛ أو القصور الحمر أوالنصول الزرق والليالي السود والبروق البيض.
ومنه قول الحسين بن مطير:
مخصرة الأوساط زانت عقودها ... بأكثر مما زينتها عقودها.
بصفر تراقيها وحمر أكفها ... وسود نواصيها وبيض خدودها.
وقال ابن حيوس:
إن ترد علم حالهم عن يقين ... فالقهم يوم نائل أو نزل.
تلق بيض الوجوه سود مثار ال ... نقع خضر الأكناف حمر النصال.
وقوله:
ببياض عزم واحمرار صوارم ... وسواد نقع واخضرار رحاب.
وقول مهيار الديلمي:
بيضاء في الغادين يومي أسود ... من بعدها وبكاي أحمر قاني.
وقول ابن النبيه:
دع النوح خلف حدوج الركاب ... وسل فؤادك عن كل ذاهب.
ببيض السوالف حمر المراش ... ف صفر الترائب سود الذوائب.
وقوله أيضاً: بيض الأيادي حمر أطراف القنا=سود العجاج تحل ربعا أخضرا.
وقوله أيضاً:
وفي الكلة الحمراء بيضاء طفلة ... بزرق عيون السمر يحمى احورارها.
أثار لها نقع الجياد سرادفا ... به دون ستر الخدر عنا استتاره.
وقال بعضهم:
الغصن فوق الماء تحت شقائق ... مثل الأسنة خضبت بدماء.
كالصعدة السمراء تحت الراية ال ... حمراء فوق اللامة الخضراء.
وقول الصفدي:
ما أبصرت عيناي أحسن منظرا ... فيما ترى من سائر الأشياء.
كالشامة الخضراء فوق الوجنة ال ... حمراء تحت المقلة السوداء.
وبيت بديعيتة الصفي الحلي قوله:
خضر المرابع حمر السمر يوم الوغى ... سود الوقائع بيض الفعل والشيم.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
خضر المرابع حمر البيض سود ردى ... بيض الثنا فاستمع تدبيج وصفهم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
واخضر أبيض عيشي حين دبجه ... بياض حظي من زرق العداة حمي.
وبيت بديعية المقري قوله:
تبيض ما اسود يوم شبهه دهم ... وجها إذا احمر سمر فوق سمرهم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
قد بيض الوجه حين اسود وجه الوغى ... خضر الديار فدبج وصف حالهم.
ولم ينظم ابن جابر ولا السيوطي ولا الطبري هذا النوع أيضاً، والله أعلم.
التفسير .
تفسير ومزاياهم وفخرهم ... بعلمهم ومعاليهم وجودهم.
التفسير في اللغة تفعيل من الفسر وهو البيان والكشف، وقيل: هو مقلوب السفر، يقال: أسفر الصباح: إذا أضاء.
وفي الاصطلاح (سماه ابن مالك وآخرون التبيين) عبارة عن أن يأتي المتكلم في أول الكلام نثرا كان أو نظما بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه دون أن يفسر. فإن كان الكلام نظما فالتفسير إما في البيت الأخير أو في بقية البيت إن كان الكلام الذي يحتاج إلى التفسير في أوله. ويقع التفسير على أنحاء: منها أن يقع بعد الفعل وفاعله كقوله:
صالوا وجادوا وضاؤا واحتبوا فهم ... أسد ومزن وأقمار وأجبال.
ومنها أن يقع بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط كقول الفرذدق:
لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم.
لا لفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم.
ففسر قوله: حاملا ثقل مغرم، بقوله: أنه يلقى فيهم من يعطيه، وفسر قوله: طريد دم، بقوله: أنه يلقى فيهم من يطاعن دونه ويحميه. ولم يراع الترتيب، لأن عدم الترتيب مع حسن الجوار وقرب الملائم لا ينقص حسن الكلام البليغ، ألا ترى غلى قوله تعالى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم) ثم قال سبحانه بعد ذلك: (وأما الذين ابيضت وجوههم) .
ومنها أن يقع بعد الجار والمجرور كقول الحسين بن مطير:
أشكو إلى الله من نارين واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي.
ومن سقامين سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل في جسدي.
стр. 465
ومن نمومين دمعي حين أذكره ... [يذيع سري وواش منه بالرصد] .
[ومن ضعيفين صبري حين أذكره] ... ووده ويراه الناس طوع يدي.
مهفهف رق حتى قلت من عجب ... أخصره خنصري أم جلده جلدي.
ومنها أن يقع بعد المبتدأ، وهو- أعني التفسير- خبره، أو بعد تمام المبتدأ والخبر، ومثال النوعين: قول ابن المغربي:
المدنفان من البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أحور.
والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر.
وقول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم.
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم.
فقوله في أخر البيت الأول: نجوم، تفسير للمبتدآت المذكورة في أوله، والبيت الثاني تفسير تفصيل لما في النجوم من الأجمال. وقد أحسن فيهما كل الإحسان من جودة الترتيب واستيفاء ما ذكر الله من منافع النجوم، من كونها معدة للمعالم والمصابح والرجوم.
ومنها قول محمد بن وهيب:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر.
يحكي أفاعيله في كل نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر.
وقوا أبي مسهر:
غيث وليث فغيث حين تسأله ... عرفا وليث لدى الهيجاء ضرغام.
وفساد التفسير أن يأتي في إزاء الشيء بما لا يكون مقابلا له، فلا يكون مفسرا له.
كقول الشاعر:
فيا أيها الحيران في ظلم الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى.
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى.
فأتى بالندى في إزاء بغي العدى، وكان يجب أن يأتي في إزائه بالنصر أو الملجأ أو نحو ذلك، أو يذكر في موضع بغي العدى الفقر والعدم، أو ما شابه ذلك لتصح المقابلة.
والفرق بين التفسير والإيضاح: أن التفسير تفصيل الإجمال، والإيضاح رفع الإشكال، لأن المفسر من الكلام لا يكون في إشكال.
وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
هم النجوم بهم تهدى الأنام وين ... جاب الظلام ويهمي صيب الديم.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
ذكر الإمام وابنيه يفسره ... علي والحسنان أكرم بذكرهم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
بدر وبحر فبدر في دجى نوب ... وبحر جود إذا رطب الغمام ظمي.
وبيت بديعية العلوي قوله:
حلو ومر فحلو للوفود على ... عدوه علقم كالسم لم يرم.
وبيت بديعيتي قولي:
تفسيرهم ومزاياهم وفخرهم ... بعلمهم ومعاليهم وجودهم.
ولم ينظم ابن جابر ولا السيوطي ولا الطبري هذا النوع، والله تعالى أعلم.
التعديد .
لا يستطيع الورى تعديد فضلهم ... في العلن والحلم والأفضال والهمم.
هذا النوع ذكره الفخر الرازي وغيره، وسماه قوم سياقة الأعداد، وهو إيقاع أسماء مفردة على سياق واحد، فإن روعي في ذلك ازدواج، أو تجنيس، أو مطابقة، أو مقابلة أونحوها فذلك الغاية في الحسن. ومما وقع منه في التنزيل قوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) .
ومن النظم قول أبي الطيب:
على ذا مضى الناس على اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وقال ووامق.
وقوله:
ألا أيها السيف الذي لست مغمدا ... ولا فيك مرتاب ولا منك عاصم.
هنيئا لضرب الهم والمجد والعلى ... وراجيك والإسلام أنك سالم.
وقوله:
ولكن بالفسطاط بحرا أزرته ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا.
وقوله:
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم.
وقوله:
أنت الجواد بلا من ولا كدر ... ولا مطال ولا وعد ولا مذلز
وقول محمد بن هاني المغربي:
للناس أجماع على تفضيله ... حتى استوى اللؤماء والكرماء.
واللكن والفصحاء والبعداء وال ... قرباء والخصماء والشهداء.
في الله يسري جوده وجنوده ... وعديده والحزم والآراء.
نزلت ملائكة السماء بنصره ... وأطاعه الأصباح والأمساء.
والفلك والفلك الدار وسعده ... والغزو في الدأماء والدأماء.
والدهر والأيام في تصريفها ... والناس والخضراء والغبراء.
وقول علي بن المقرب:
стр. 466
ما اعتذاري والوغى تعرفني ... والعوالي والمواضي والهوادي.
قد تساوى في مضاء صارمي ... وسناني ولساني وفؤادي.
وقول مؤلفه عفا الله عنه:
حيا الله بها يوما روحا عاشقة ... فإنما هو للأرواح ريحان.
قد جل في حسنه عن أن يقاس به ... بدر وظبي وأغصان وكثبان.
وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
يا خاتم الرسل يا من علمه علم ... والعدل والفضل والإيفاء بالذمم.
ولم ينظم ابن جابر الأندلسي هذا النوع.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
[تعديد أوصافهم في المدح يعجزنا ... أهل التقى والنقى والمجد والهمم]
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
تعديد فضلهم يبدي لسامع علما وذوقا وشوقا عند ذكرهم.
وبيت بديعية المقري قوله:
بالجد والجد جد صارمه ... والعزم والحزم يوم الكر والكرم.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
عدد صفاتهم العلياء من حسب ... والعلم والجود والإيفاء للذمم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
يا أكرم الخلق فقت الكل في شرف ... بالعلم والحلم والإحسان والكرم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
يا خاتم الرسل يا من وصفه عدد ... ربا كعلم وحلم وعزم ذي همم.
وهو خارج عما نحن فيه.
وبيت بديعيتي قولي:
لا يستطيع الورى تعديد فضلهم ... في العلم والحلم والأفضال والهمم.
حسن النسق .
الحسن ناسق والإحسان وافق وال ... أفضال طابق ما بين انتظامهم.
النسق- بالتحريك- اسم للفعل من نسقت الدار نسقا- من باب نصر- إذا نظمته، ونسقت الكلام نسقا: عطفت بعضه على بعض، ودر نسق- بفتحتين- بمعنى منسوق، كالولد، بمعنى مولود، وكلام نسق أي على نظام واحد؛ مستعار من الدر.
وفي الاصطلاح يطلق على معنيين: أحدهما، ما يسمى تنسيق الصفات، وهو أن يذكر للشيء صفات متوالية كقوله تعالى: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر) .
وقول أبي طالب في النبي ﷺ :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل.
وقول أبي الطيب:
دانٍ بعيد محب مبغض بهج ... أغر حلو ممر لين شرس.
ند أبي غر واف أخي ثقة ... جعدسري نهٍ ندب رض ندس.
الثاني، أن يؤتى بكلمات متتاليات معطوفات متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا، بحيث إذا أفردت كل جملة منه قامت بنفسه، واستقل معناها بلفظها كقوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي المر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) فإن جمله معطوف بعضها على بعض بواو النسق، على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة من الابتداء بالأهم الذي هو انحسار الماء عن الأرض المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة من الإطلاق من سجنها، ثم انقطاع ماء السماء المتوقف عليه تمام ذلك من دفع أذاه بعد الخروج ومن إخلاف ما كان بالأرض، ثم الإخبار بذهاب الماء بعد انقطاع المادتين الذي هو متأخر عنه قطعا، ثم قضاء الأمر الذي هو هلاك من قدر هلاكه ونجاة من سبق نجاته وأخر عما قبله لأن علم ذلك لأهل السفينة بعد خروجهم موقوف على ما تقدم، ثم أخبر باستواء السفينة واستقرارها المفيد ذهاب الخوف وحصول الأمن من الاضطراب، ثم ختم بالدعاء على الظالمين لإفادة أن الغرق وأن عم الأرض فلم يشمل إلا من استحق العذاب لظلمه.
ومثاله من الشعر قول أبي الطيب المتنبي:
جاءت بأشجع من يسمى وأسمح من ... أعطى وأبلغ من أملى ومن كتبا.
لو حل خاطره في مقعد لمشى ... أو جاهل لصحا أو اخرس خطبا.
وقوله أيضاً:
سرى النوم عني في سراي إلى الذي ... صنائعه تسري إلى كل نائم.
إلى مطلق الأسرى ومخترم العدى ... ومشكي ذوي الشكوى ورغم المراغم.
وقول بديع الزمان الهمذاني:
يقولون وافى حضرة الملك الذي ... له الكنف المأهول والنائل الجزل
فقيد له طرف وحلت له حبى ... وخير له قصر ودر له نزل.
وقول ابن هاني المغربي:
قد جالت الأوهام فيك ودقت الألباب عنك وجلت الآلاء.
فعنت الأمصار وانقادت لك الأقدار واستحيت لك الأنواء.
وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
стр. 467
والذيب سلم والجني أسلم وال ... ثعبان كلم والأموات في الرجم.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
فالضيق أذهب والتوفيق سبب ... والتنسيق رتب في تصديق حكمهم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
من ذا يناسقهم من ذا يطابقهم ... من ذا يسابقهم في حلبة الكرم.
وبيت بديعية المقري قوله:
ونالوا عليا وما نالوا بمدحتها ... جهدا وفاض عليه فائض الكرم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
والثدي در له والغيم ظلله ... والبدر شق له والطرف عنه عم.
وبيت بديعيتي قولي:
الحسن ناسق والإحسان وافق والأفضال طابق ما بين انتظامهم.
ولم ينظم ابن جابر ولا الطبري هذا النوع، والله أعلم.
حسن التعليل .
ما حسن تعليل نشر الريح إذا نسمت ... إلا لإلمامها يوماً بأرضهم.
هذا النوع عبارة عن أن يدعى لوصف علة مناسبة له باعتبار لطيف غير حقيقي بحيث لا يكون علة له في الواقع، وإلا لما عد من محسنات الكلام لعدم التصرف فيه. وهو أربعة أقسام، لن الوصف الذي أدعي له علة مناسبة، إما ثابت أريد إثباته أو غير ثابت، والأول: إما أن لا يظهر له في العادة علة أو أن يظهر له علة غير المذكور، والثاني إما ممكن أو غير ممكن.
أما الأول وهو الذي لا يظهر له في العادة علة.
فكقول أبي الطيب:
لم تحك نائلك السحاب وإنما ... حمت به فصبيبها الرخصاء.
الرخصاء: العرق في أثر الحمى، أي المصبوب من السحاب هو عرق الحمى. فنزول القطر من السحاب وصف ثابت لها لا يظهر له في العادة علة وقد علله بأنه عرق حماها الحادثة بسبب نائل الممدوح وتفوقه عليها.
ومن لطيف هذا القسم قول أبي هلال:
زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنا فسلوا من قفاه لسانه.
وقول ابن نباتة السعدي في صفة فرس أغر محجل:
وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثريا.
سرى خلف الصباح يطير زهوا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيا.
فلما خاف وشك الفوت منه ... تشبث بالقوائم والمحيا.
وقول الشيخ جمال الدين الحلي:
ولما نضا وجه الربع نقابه ... وفاحت بأطراف الرياض نسائم.
فطارت عقول الطير لما رأينه ... وقد بهتت من بينهن الحمائم.
خشين جنونا بالرياض وحسنها ... فرحن وفي أعناقهن التمائم.
وحكى ابن رشيق قال: كنت أجالس محمد بن حبيب وكان كثيرا ما يجالسنا غلام ذو خال تحت حنكه، فنظر إلي ابن حبيب يوما وأشار إلى الخال، ففهمت أنه يريد أن يصنع فيه شيئا، فصنعت أنا بيتين، فلما رفع رأسه قال لي: اسمع وأنشدني:
يقولون لي من تحت صفحة خده ... تنزل خال كأن منزله الخد.
فقلت رأى حسن الجمال ... فهابه
فحط خضوعا مثل ما يخضع العبد.
فقلت له: أحسنت ولكن أسمع:
حبذا الخال كامنا منه بين ال ... خد والجيد رقبة وحذارا.
رام تقبيله اختلاسا ولكن ... خاف من سيف لحظه فتوارى.
وأما الثاني وهو الذي يظهر له العادة علة غير المذكورة.
فكقول المتنبي:
ما به قتل أعاديه ولمن ... يتقي إخلاف ما ترجوا الذئابا.
فإن قتل الملوك أعداءهم إنما يكون في العادة لدفع مضرتهم، ليصفوا لهم ملكهم عن المنازع المزاحم، لا لما ادعاه، من أن طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبته أن يصدق رجاء الراجين، بعثته على قتل أعدائه، لما علم أنه لما غدا للحرب غدت الذئاب ترجوا أن بتسع عليها الرزق من قتلاهم، وهذا مبالغة في وصفه بالجود. ويتضمن المبالغة في وصفه بالشجاعة على وجه تخييلي، أي تناهى في الشجاعة حتى ظهر ذلك للحيوانات العجم، فإذا غدا للحرب رجت الذئاب أن تنال من لحوم أعدائه. وفيه نوع آخر من المدح وهو أنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق. أيضاً قصور أعدائه عنه، وفرط أمنه منهم، وأنه لا يحتاج إلى قتلهم واستئصالهم.
وقول أبي طالب المأموني في بعض الوزراء:
مغرم بالثناء صب بكسب المجد يهتز للسماح ارتياحا.
لا يذوق إلا غفا إلا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا.
فإن الإعفاء علته في العادة غير ما ذكره، وكان تقييده بالرواح ليشير إلى أن العفاة إنما يحضرونه في صدر النهار- على عادة الملوك- فإذا كان الرواح قلوا فهو يشتاق إليهم ليأنس برؤية طيفهم.
стр. 468
واصله قول الآخر:
وإني لأستغشي وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا.
وهذا غير بعيد أن يكون أيضاً من هذا الضرب، إلا أنه لا يبلغ في الغرابة والبعد عن العادة ذلك المبلغ، فأنه قد يتصور أن يريد المغرم المتيم إذا بعد عهده بحبه أن يراه في المنام فيريد النوم لذلك خاصة.
ومن لطيف هذا القسم قول ابن المعتز:
قالوا اشتكت عينه فقلت لهم ... م كثرة القتل مسها الوصب.
حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب.
وقول الآخر:
أتتني تؤنبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها.
تقول وفي عينه حشمة ... أتبكي بعين تراني بها.
فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها.
فإن العادة في دمع العين أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب واعتراض الرقيب ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب، لا ما جعله من التأديب على الإساءة باستحسان غير الحبيب.
وأما الثالث وهو الوصف الغير ثابت، الذي أريد إثباته وهو ممكن.
فكقول مسلم بن الوليد:
يا واشيا حسنت فينا إساءته ... نجى حذارك إنساني من الغرق.
فإن استحسان إساءة الواشي وصف غير ثابت له أراد إثباته، وهو ممكن، فلما حالف الناس فيه عقبة بذكر سببه، وهو أن حذاره من الواشي منعه من البكاء، فسلم إنسان عينه من الغرق في الدموع، وما حصل به ذلك فهو حسن.
وقول الآخر:
ولقد هممت بقتلها من حبها ... كيما تكون خصيمتي في المحشر.
حتى يطول على الصراط وقوفنا ... فيلذ عيني من لذيذ المنظر.
لما ادعى أمرا غير ثابت ولا معتاد، وهو هم العاشق بقتل محبوبته، علله بطول الوقوف معها للمخاصمة يوم المحشر على الصراط، لتلتذ عينه بالنظر إليها.
ويقرب من هذا ما نقل عن بعض العارفين أنه قال: وددت أن يكون جميع ذنوب الخلق علي ليكون لي بكل ذنب مع الله حساب.
وأما الرابع وهو الوصف المذكور غير الممكن.
فكقول الخطيب القزويني وهو معنى بيت فارسي ترجمه:
لو لم تكن نية الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق.
فنية الجوزاء خدمة الممدوح وصف غير ممكن أراد إثباته، وجعل الانتطاق علة له، ومما يحلق بحسن التعليل ما بني على الشك، وإنما الحق به ولم يجعل منه، لأن حسن التعليل فيه ادعاء وإصرار والشك ينافيه.
ومثاله قول أبي تمام:
ربي شفعت ريح الصبا بنسيمها ... إلى المزن حتى جادها وهو هامع.
كأن السحاب العز غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقى لهن مدامع.
فعلل على سبيل الشك نزول المطر من السحاب بأنها غيبت حبيبا تحت تلك الربى فهي تبكي عليه.
وهذا المعنى يشير إلى قول محمد بن وهيب:
طلان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا نضد.
لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد.
وبيت بديعية الصفي قوله:
لهم أسام سوام غير خافية ... من أجلها صار يدعى الإسم بالعلم.
وبيت بديعية ابن جابر قولك:
لم تبرقت إلا أنها فرحت ... إذا ظللته فأهدت حسن مبتسم.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
تعليل طيب نسيم الروض حتى سرى ... بأنه نال بعضا من ثنائهم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
نعم وقد طال تعليل النسيم لنا ... لأنه مر في آثار تربهم.
وبيت بديعية المقري قوله:
لو لم يكن أصله في طيب عنصره ... مسكا لما جا ختام الرسل كلهم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
لولا العناية فيه قبل ما سبقت ... لم يخلق الناس والدنيا من العدم.
وفي كون هذا من حسن التعليل نظر ظاهر.
وبيت بديعيتي قولي:
ما حسن تعليل نشر الريح إذ نسمت ... إلا لإلمامها يوما بأرضهم.
التعطف .
من التعطف مازالوا على خلق ... إن التعطف معروف لخلقهم.
التعطف في اللغة مصدر تعطف الشيء إذا تثنى ومال بعضه إلى بعض. وفي الاصطلاح، أن يأتي الشاعر في المصراع الأول من البيت بلفظة ويعيدها بعينها، أو بما يتصرف منها بالمصراع الثاني، فشبه مصراعا البيت في انعطاف أحدهما على الأخر بالعطفين، في كون كل عطف منهما يميل إلى الجانب الذي يميل إليه الآخر. وهو شبيه بالترديد، والفرق بينهما من وجهين:
стр. 469
الأول: أن الترديد لا يشترط فيه إعادة اللفظة في المصراع الثاني، بل لو أعيدت في المصراع الأول صح بخلاف التعطف.
والثاني: أن الترديد يشترط فيه إعادة اللفظة بصيغتها، والتعطف لا يشترط فيه ذلك، بل يجوز أن تعاد اللفظة بصيغتها وبما يتصرف منها.
كلفظتي (ساق) و (سقت) في قول أبي الطيب:
فساق إلي العرف غير مكدر ... وسقت إليه الشكر غير مجمجم.
ومنه ما انشده الأصمعي وقد قال له الرشيد: أنشدني أبياتا تجمع محاسن الأخلاق، وتشتمل على صالح الأعمال في الدنيا والآخرة، فأنشده هذه الأبيات، وفي كل منها مثال النوع المذكور وهي:
فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم.
ولا تفحش وإن مليت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم.
ولا تقطع أخاً لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم.
ولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في الدنيا سليم.
ومنه قول أبي عمر أحمد بن محمد الأندلسي (٣) من قصيدة:
تخوفني طول السفار وآته ... لتقبيل كف العامري سفير.
دعيني أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير.
فإن خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الرجاء خطير.
وفيها:
وطار جناح البين بي وهفت بها ... جوانح من ذعر الفراق تطير.
لأن ودعت مني غيورا فإنني ... على عزمتي من شجوها لغيور.
وقول الآخر:
إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى ... تقولين لولا الهجر لم يطب الحب.
وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى ... تقولين لي أن بالهوى يشرق القلب.
وإن قلت ما أذنبت قلت مجيبة ... حياتك ذنب لا يقاس به ذنب.
وبيت بديعية الصفي قوله:
وصحبه من لهم فضل إذا افخروا ... ما أن يقصر عن غايات فضلهم.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
تعطفوا برضى أحبابهم وعلى ... أعدائهم عطفوا بالصارم الخذم.
وبيت بديعي ابن حجة قوله:
تعطف الخير كم أبدوا لمذنبهم ... والخير ما زال في أبواب صفحهم.
وبيت بديعية المقري قوله:
المرسلون ندا المرسلون مدى ... الشافعون عطا الشافعون الأمم.
هذا البيت لا ينطبق على حد هذا النوع.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
تعطفا لمحب فيك ليس له ... تعطف عنك معدود من الخدم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
بفضله كل من في الكون معترف ... فضل يعم جميع الخلق كلهم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
تعطفا بي أرجو منك ليس له ... تعطف بك مني غي منصرم.
وبيت بديعيتي قولي:
من التعطف مازالوا على خلق ... إن التعطف معروف لخلقهم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته، والله أعلم.
الاستتباع .
يعفون عن كل ذي ذنب إذا قدروا ... مستتبعين نداهم عند عفوهم.
هذا النوع سماه العسكري: المضاعف، وابن أبي الإصبع ومن بعده: التعليق، وسماه الزناجي: الموجه، والسكاكي: الاستتباع. ولم يغير أحد منهم الشواهد.
وهو عبارة عن الوصف بشيء يستتبع وصفا آخر من جنس الوصف الأول، مدحا كان أو ذما أو غير ذلك.
كقول أبي الطيب:
عمر العدو إذا لاقاه في رهج ... أقل من عمر ما يحوي إذا وهبا.
فمدحه بفرط الشجاعة، واستتبع في آخر البيت وصفه بفرط الجود.
وقوله أيضاً:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد.
مدحه بالنهاية في الشجاعة إذا أكثر قتلاه، بحيث لو ورث أعمارهم لخلد في الدنيا، على وجه استتبع مدحه بكونه سببا لصلاح الدنيا ونظامها، حيث جعل الدنيا مهنأة بخلوده، إذ لا معنى لتهنئة أحد بشيء لا فائدة له فيه.
قال علي بن عيسى الربعي: وفيه وجهان آخران من المدح، أحدهما: نهبت الأعمار دون الأموال، وهو ما ينبئ عن علو الهمة. والثاني: أنه لم يكن ظالما في قتل أحد من مقتوليه، لأنه لم يقصد بذلك إلا صلاح الدنيا وأهلها، لأن تهنئة الدنيا تهنئة لأهلها، فلو كان ظالما في قتل من قتل ما كان لأهل الدنيا سرور بخلوده.
ومما ورد من ذلك في الذم قول ابن هانئ المغربي:
إن لفظا تلوكه لشبيه ... بك في منظر الجفاء الجليف.
стр. 470
وصفه بالعي وقبح اللهجة، على وجه يستتبع وصفه بجفاء الخلقة والجلافة. يقال: رجل جافي الخلقة: إذا كان كزا غليظا، والجليف- بالجيم- الجلف الجافي.
ومنه قولي من قصيدة وصفت فيها خروجي من الأسر وفوتي الأعداء، وقد جدوا في طلبي لم يلحقوا بي:
وبثوا الجياد السابحات ليلحقوا ... وهل يدرك الكسلان شأو أخي المجد.
فساروا وعادوا خائبين على وجى ... كما خاب من قد بات منهم على وعد.
وصفهم بخيبة السعي في طلبهم له على وجه يستتبع وصفهم بخلف الوعد.
والفرق بين هذا النوع وبين التكميل، إن التكميل يكمل ما وصف به أولا، والاستتباع لا يلزم به ذلك.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين الحلي قوله:
الباذلوا النفس بذل الزاد يوم القرى ... والصائنوا العرض صون الجار والحرم
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
تجري دماء الأعادي من سيوفهم ... مثل المواهب تجري من أكفهم.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
يستتبعون ببذل العلم بذل ندى ... ويحفظون المعالي حفظ عرضهم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله: يحمون مستتبعين العفو إن ظفروا=ويحفظون وفاهم حفظ دينهم.
وبيت بديعية المقري قوله:
أفنى العداة كما أفنى النقاد ندى ... فماله والأعادي منه في نقم.
وبيت بديعية العلوي قوله: له الشفاعة في الدنيا وآخرة=وباللواء وحوض للورى شبم.
وبيت بديعيتي قولي:
يعفون عن كل ذي ذنب إذا قدروا ... مستتبعين نداهم عند عفوهم.
ولم ينظر السيوطي ولا الطبري هذا النوع، والله أعلم.
التمكين . تمكين عدل لهم أرسوا قواعده=يرعى به الذئب في المرعى مع الغنم.
هذا النوع سماه قدامة وابن مالك: ائتلاف القافية، وسماه الباقون: تمكين القافية، وهو الأولى، وهو عبارة عن أن يمهد الناثر للقرينة، والشاعر للقافية تمهيدا تأتي به القرينة والقافية متمكنة من مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما، بحيث لو طرحت لأختل المعنى واضطرب الفهم، وبحيث لو سكت دونها كملها السامع بطبعه. وأكثر القرائن التي وقعت في التنزيل من هذا القبيل.
ومثاله في الشعر قول أبي العتاهية:
أعلمت عتبة أنني ... منها على شرف مطل.
وشكوت ما ألقى إلي ... ها والمدامع تستهل.
حتى إذا برمت بما ... أشكو كما يشكو الأذل.
قالت فأي الناس يع ... لم ما تقول فقلت كل.
قال ابن المعتز: أجمع أهل الأدب على أنهم لم يسمعوا قافية أحق بمكانها من قوله (فقلت كل) .
وقول أبي الطيب:
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم.
وبيت بديعية الصفي قوله:
به استغاث خليل الله حين دعا ... رب العباد فنال البرد في الضرم
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
تمكين حبك في قلبي نسخت به ... محبة الكل من عرب ومن عجم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
تمكين سقمي بدا من خيفة حصلت ... لكن مدائحه قد أبرأت سقمي.
وبيت بديعية المقري قوله:
وبيض هند إذا ضلت مضاربها ... على طلى سجدت هام على القمم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
وحط عن آدم الرحمن زلته ... به وأيوب قد عوفي من السقم.
وبيت بديعيتي قولي:
تمكين عدل لهم أرسو قواعده ... يرعى به الذئب في المرعى مع الغنم.
التجريد . جردت منهم لأعناق العدى قضبا=تبري الرقاب بحد غير منثلم.
التجريد في اللغة: مصدر جردته من ثيابه إذا نزعتها عنه.
وفي الاصطلاح: أن ينتزع من أمر متصف بصفة أمر آخر مثله في تلك الصفة مبالغة لكمالها فيه، حتى كأنه بلغ من الإتصاف بها مبلغا يصح أن ينتزع منه أمر آخر موصوف بتلك الصفة، كقولهم: مررت منهم بالرجل الكريم، والنسمة المباركة. جردوا من الرجل الكريم والنسمة المباركة آخر مثله متصفا بصفة البركة، وعطفوا عليه كأنه غيره، وهو هو في نفس الأمر.
وهو- أعني [التجريد- على] أقسام: أحدها، أن يكون بمن التجريدية الداخلة على المنتزع منه.
نحو قولهم: لي من فلان صديق حميم، أي قد بلغ من الصداقة مبلغا صح معه أن يستخلص منه صديق آخر مثله فيها.
وقول الشاعر:
стр. 471
وبي ظبية أدماء ناعمة الصبا ... تحار الظباء البيض من لفتاتها.
أعانق غصن البان من لين قدها ... وأجني جني الورد من وجناتها.
وقول أبي العلاء المعري:
ماجت نمير فهاجت منك ذا لبد ... والليث أفتك أفعالا من النمر.
وقول ابن (٢) هانئ المغربي:
لي منهم سيف إذا جردته ... يوما ضربت به رقاب الأعصر.
وقول الآخر:
جزيل الندى ذو إياد غدت ... يحدث عنهم في كل ناد.
يلاقيك منه إذا جئته ... كثير الرماد طويل النجاد.
الثاني، أن يكون بالباء التجريدية الداخلة على المنتزع منه.
نحو قولهم: لئن سألت فلانا لتسألن به البحر. بالغ في اتصافه بالسماحة حتى انتزع منه بحرا في السماحة.
وقول الشاعر: دعوت كليبا دعوة فكأنما=دعوت به ابن الطود أو هو أسرع.
جرد من كليب شيئا يسمى ابن الطود، وهو الصدى، والحجر إذا تدهده، يريد به سرعة إجابته.
الثالث، أن يكون بدخول باء المعية والمصاحبة في المنتزع كقوله:
وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل الفنيق المرحل.
المستلئم: اللابس اللامة وهي الدرع. والفنيق بالفاء والنون كأمير: الفحل المكرم عند أهله. والمرحل من رحل البعير: أشخصه عن مكانه، أي أرسله، أي تعدو بي ومعي من نفسي لابس درع لكمال استعدادي للحرب.
بالغ في اتصافه بالاستعداد، حتى انتزع منه شخصا آخر لابسا للدرع ومسرعا إلى الحرب مثل الفحل المكرم عند أهله إذا أرسل.
الرابع، أن يكون بدخول (في) على المنتزع منه.
كقوله تعالى (لهم فيها دار الخلد) أي في جهنم وهي دار الخلد، لكنه انتزع منها دار أخرى وجعلها معدة في جهنم لأجل الكفار تهويلا لأمرها ومبالغة في اتصافها بالشدة.
وقول الشاعر:
أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل.
فجرد منه تعالى حكما عدلا وهو هو.
الخامس، أن يكون بدون توسط حرف، كقول قتادة بن (مسلمة) الحنفي:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة ... تحوي الغنائم أو يموت الكريم.
يعني بالكريم نفسه، فكأنه انتزع من نفسه كريما، مبالغة في كرمه، ولذا لم يقل: أو أموت، وقيل: تقديره أن يموت مني كريم، فيكون من القسم الأول الذي هو (بمن التجريدية) ولا حاجة إلى هذا التقدير لحصول التجريد بدونه ولا قرينة عليه.
السادس، أن يكون بطريق الكناية كقول الأعشى:
يا خير من يركب المطي ولا ... يشرب كأسا بكف من بخلا.
أي يشرب الكأس بكف جواد من فقد انتزع من الممدوح جوادا يشرب هو الكأس بكفه عن طريق الكناية، لأنه إذا نفى عنه الشرب بكف البخيل فقد أثبت له الشرب بكف كريم، ومعلوم أنه يشرب بكفه، فهو ذلك الكريم.
السابع، أن يكون بطريق خطاب المرء لنفسه.
وبيان التجريد فيه أن ينتزع من نفسه شخصا آخر مثله في الصفة التي سبق لها الكلام، ثم يخاطبه.
كقول أبي الطيب:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال.
كأنه انتزع من نفسه شخصا آخر مثله في فقد الخيل والمال والحال الذي هو الغنى.
ومثله قول الأعشى:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل.
وأرباب البديعيات بنوا أبياتهم على القسم الأول من أقسام التجريد، وهو ما كان (بمن التجريدية) لأنه أشهر وأكثر استعمالا من سائر الأقسام.
وبيت بديعية الصفي قوله:
شوس ترى منهم في كل معترك ... أسد العرين إذا حر الوطيس حمي.
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
من وجه أحمد لي بدر ومن يده ... بحر ومن لفظه در لمنتظم.
وبيت بديعية العز الموصلي قوله:
من لفظه واعظ بالنصح جرد لي ... يا نفس توبي وللتجريد فالتزمي.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
لي في المعاني جنود في البديع وقد ... جردت منها لمدحي فيه كل كمي.
وبيت بديعية المقري قوله:
يسل منها بروقا قد كثرن حيا ... عند اللقا فهي تهمي من دمائهم.
ولم أقف على بيت بديعية السيوطي في هذا النوع.
وبيت بديعية العلوي قوله:
بدرا إذا اشتدت الهيجاء تشهده ... ليثا يقد العدى في كل مصطدم.
ولم ينظم الطبري هذا النوع من بديعيته التي شرحها.
وبيت بديعيتي قولي:
стр. 472
جرت منهم لأعناق العدى قضبا ... تبري الرقاب بحد غير منثلم.
إيهام التوكيد .
حققت إيهام توكيدي لحبهم ... ولم أزل مغريا وجدي بهم بهم.
إيهام التوكيد استخرجه الشيخ زين الدين عمر بن الوردي، وسماه بهذا الاسم، وهو عبارة عن أن يعيد المتكلم في كلامه كلمة فأكثر، مرادا بها غير المعنى الأول، حتى يتوهم السامع من أول وهلة أن الغرض التأكيد وليس كذلك، ولذلك سمي إيهام التوكيد. ولم أقف عليه في شيء من كتب هذا الفن، وإنما أشار إليه الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح لامية العجم استطرادا وقال: إنه في غاية الحسن، يظن السامع من أول وهلة أنه من باب التكرار وتحصيل الحاصل، إلى أن يعيره ذهنه ويتأمل معنى الشاعر في ذلك فيرقص طربا. انتهى.
ومثاله في القرآن المجيد قوله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) فقوله: فيه فيه، هو إيهام التوكيد، فإن السامع يظن من أول وهلة أن الثانية تأكيد للأولى وليس كذلك.
ومن الشعر قول أبى نصر أحمد بن علي بن (أبي) بكر. (الزوزني) :
ألا حل بي عجب عاجب ... تقاصر وصفي عن كنهه.
رأيت الهلال على وجه من ... رأيت الهلال على وجهه.
وقول أبي عبد الله محمد بن أحمد صاحب الجيش بمصر في عبد الحميد بن الحسين بن علي بن الوزير المغربي:
قد أطلع الفال منه معنى ... يدركه العالم الذكي.
رأيت جد الفتى عليا ... فقلت جد الفتى علي.
وقول القائل:
قالت لترب معها منكرة ... لو قفتي هذا الذي نراه من.
قالت فتى يشكو الهوى متيم ... قالت بمن قالت بمن قالت بمن.
معناه: قالت بمن هو متيم؟ تستفهم من تربها، قالت لها: بالذي قالت بمن، وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:
قالت وقد رأت اصفراري من به ... وتنهدت فأجبتها المتنهد.
قال الصلاح الصفدي: في البيتين عيب لم أر أحد تنبه له وهو الإيطاء قي القافية، وهو أن (من) في القافيتين للاستفهام، ولو كانت أحدهما للاستفهام والأخرى موصولة كالوسطى في قوله (قالت بمن) لكان أكمل وأخلص من الايطاء في بيتين.
وأنشد الشيخ زين الدين (بن) الوردي لنفسه في هذا النوع:
تعشقت أحوى إليه وسائل ... وإصلاح أحوالي لديه لديه.
أمر به مستعطفا ومسلما ... فيثقل تسليمي عليه عليه.
فلا كان واش كدر الصفو بيننا ... وبغض تحبيبي إليه إليه.
ومثله قول ابن نقادة:
يثبت تأليف الهوى حسنها ... وقدها إن ماح للصب ماح.
وطرفها مسكرة خمرة ... إذا أديرت يا صاح صاح.
واضحها موضع عذري فما ... يلومني فيه إذا لاح لاح.
ولم ينظم أحد من أصحاب البديعيات هذا النوع، وقد تفردت أنا في نظمه في بديعيتي، وهو في قولي في آخر البيت (ولم أزل مغريا وجدي بهم بهم) .
فإن قولي بهم بهم، يوهم التوكيد وليس توكيدا، بل (بهم) الأولى متعلقة بوجدي، والثانية بقولي: مغريا، والله أعلم.
الترصيع .
بهم ترصيع نظمي وانجلى ألمي ... وكم توسع علمي واعتلى علمي.
الترصيع في اللغة، التركيب، يقال: رصعت الجوهر في التاج، أي ركبته فيه.
وفي الاصطلاح، هو أن يقابل الناثر والناظم كل لفظة من الفقرة الأولى، أو صدر البيت، بلفظة مثلها وزنا وتقفية في الفقرة الأخرى وعجز البيت، وهو مأخوذ من ترصيع العقد، وذلك بأن يكون في أحد جانبيه من الجوهر مثل ما في الجانب الأخر، كقوله تعالى (إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم) .
وقول الطبري:
وزند ندى فواضله وري ... ورند ربى فضائله نضير.
ودره جلاله أبدا ثمين ... ودر نواله أبدا غزير.
وأحسنه ما خلا عن تكرار الألفاظ التي ليست من الترصيع، بحيث لا يكون في لفظ البيت لفظة إلا وفي عجزه أخت تماثلها حتى في العروض والضرب.
كقول ابن النبيه:
فحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة شهده للمغتدي.
فإن روعي فيه الطباق كقوله تعالى (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) والجناس.
كقول اليوسفي:
فيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مناف موافق.
стр. 473
كأن أحسن. قال العلامة نجم الدين الكرماني في قلائد العقيان: ولم يبلغ في هذا النوع شأو الإمام رشيد الدين المشتهر بالوطواط، فإن له قصائد باللسانين التزم فيها الترصيع من أولها إلى أخرها، فمنها.
قوله من قصيدة يمدح بها بعض من أكابر قومه:
جناب ضياء الدين للبر موقع ... وباب ضياء الدين للحر مربع.
وسيرته الزهراء للحق معلم ... وسدته الشماء للخلق مجمع.
فجدد منه للمراشد أرسم ... وشيد منه للمحامد أربع.
وعلياه فيها للخواطر مسرح ... ولقياه فيها للنواظر مرتع
فمنهل من يروي ثناءك مفعم ... ومنزل من ينوي جفاءك بلقع.
وصولك للأشرار متو ومتلف ... وطولك للأخيار مرو ومشبع.
وهي نيف وأربعون بيتا.
قلت: والوطواط المذكور هو رشيد الدين محمد بن محمد الجليل، ينتهي نسبه إلى عمر بن الخطاب. قال يا ياقوت: كان من نوادر الزمان وعجائبه، وأفراد الدهر وغرائبه، أفضل أهل زمانه في النظم والنثر، فاق في كلام العرب وأسرار النحو والأدب، وكان ينشئ في حالة واحدة بيتا بالعربية من بحر وبيتا بالفارسية من آخر ويمليهما معا. مولده ببلخ، ومات سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. انتهى ملخصا، وأرخ بعض مؤرخي العجم وفاته سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، قال: وتوفي عن سبع وتسعين سنة. واشتهر أنه أول من دون علم المعنى، وكان في أول أمره في خدمة بعض الملوك، وكان الملك يأنس إلى منادمته وصحبته كثيرا، وكان الرشيد أقرع فعيره بعض من يحسده بالقرع بحضرة الملك، فقال الملك: إن الرشيد لوفور فضله لم يزل يماس السماء برأسه، فلا عجب إن زال شعر رأسه، ثم التفت إلى الرشيد وقال: إن رأسك عندي كعيني والعين لا ينبت عليها شعر، فانقطع ذلك الرجل. ومن تصانيفه: حدائق السحر في دقائق الشعر رسالة بالعربي وأخرى بالفارسي، وله غير ذلك.
وبيت بديعية الصيفي قوله:
من حاسر بغرار العضب ملتحف ... وسافر بغبار الحرب ملتثم.
وبيت بديعية ابن جابر قوله:
فهجر ربعي لذاك الربع مغتنمي ... ونثر جمعي لذاك الجمع معتصمي.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
كم رصعوا كلما من در لفظهم ... كم أبدعوا حكما في سر علمهم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
نعم ترصع شعري واعتلت هممي ... وكم ترفع قدري وانجلت غممي.
وبيت بديعية المقري قوله:
غيث بواكره موجودة النعم ... ليث بوادره محذورة النقم.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
مرصع بنظم النطق في الكلم ... مصرع بعظيم الخلق والحكم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
من غاير مقنع أو عاير مسرع ... وساير متبع أو باتر خذم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
ترصيع ذكرى بوصف فيه محترم ... تصريع شعري بوصف فيه منتظم.
وبيت بديعيتي قولي:
بهم ترصع نظمي وانجلى ألمي ... وكم توسع علمي واعتلى علمي.
التفصيل .
طويت عن كل أمر يستلذ به ... كشحا وقد لذ لي تفصيل مدحهم.
التفصيل بصاد مهملة في اللغة: مصدر فصلت الشيء تفصيلا إذا جعلته فصولا متمايزة.
وفي الاصطلاح: عبارة عن أن يأتي المتكلم بشطر بيت من شعر له متقدم في نثره أو نظمه، صدرا كان أو عجزا، يفصل به كلامه به كلامه بعد أن يوطئ له توطئة ملائمة.
وقد يطلق التفصيل على معنى آخر في الاصطلاح، وهو أن يقدم الشاعر ما حقه التقديم، أو يفصل فيما حقه الاتصال، وهو من العيوب العامة للشعر، وقد تقدم مثاله في النوع التهذيب والتأديب، والمقصود هنا المعنى الأول، وغالب علماء البديع لم يذكروه في مصنفاتهم، وأورده الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته. ولا فرق بينه وبين الإيداع، سوى أن الإيداع إيراد الشاعر شطر بيت لغيره، والتفصيل إيراده شطر بيت لنفسه، وليس تحته كبير أمر.
وبيت بديعية الصفي الدين الحلي قوله:
صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس وما لاح نجم في دجى الظلم.
قال في شرحه: صدر هذا البيت هو بحاله لي في قصيدة في مدح النبي ﷺ وآله، أولها:
فيروز الصبح أم ياقوتة الشفق ... بدت فهيجت الورقاء في الورق.
والبيت الذي أتيته بصدره منها لئلا تخلو القصيدة من هذا النوع هو:
стр. 474
صلى عليك إله العرش ما طلعت ... شمس النهار ولاحت أنجم الغسق.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
تفصيل مدحك تجميل لذي أدب ... أوصاله كفت البلوى من الرقم.
صدر هذا البيت كان عجز بيت له من قصيدة بائية مطلعها.
لو أن وجه رضائي غير منتقب ... ما سر قلبي بلوغي غاية الأرب.
والبيت الذي جعل عجزه صدرا في بيت بديعيته لأجل نوع التفصيل هو قوله منها:
كسوتني حللا بين الأنام بها ... تفصيل مدحك تجميل لذي أدب.
قال ابن حجة: هذا البيت كان تفصيل حلله كاملا في موضعه، ولما نقل عجزه وجعله صدرا في بديعيته ظهر في تفصيله نقص بقبوله، مع العقادة في العجز كفت البلوى من الرقم، فإن الرقم بفتح الراء وكسر القاف: الداهية، والداهية إذا دخلت بيتا تركته خرابا. انتهى، وهو في محله.
وبيت بديعية ابن الحجة قوله:
قد مال غصن النقا عن صبه هيفا ... ياليته بنسيب العتب لو عطفا.
قلت: ولا يخفى أن في قوله في عجز بيت البديعية (في غير تفصيل مدح) نقص ظاهر، لأنه أطلق المدح وكان حقه أن يقول (له، أو فيه، أو مدحه) ليختص المدح بالممدوح بالبديعية، وقوله في شرحه: وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ ، لا يجيده في دفع هذا الاعتراض.
وبيت بديعية المقري قوله:
سلت ظبي وثنت للكسر أغمدها ... والموت إن كسرت جفنا ولم نشم.
قال في شرحه: هذا البيت أودعته شطرا من بيت لي في الغزل، فنقلته إلى معنى أخر، وصورة البيت:
ترنو بلحظ له جفن تكسره ... والموت إن كسرت جفنا ولم ينم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
فشاة جابر أحياه وقد ذكروا ... عنه حياة أناس بعد موتهم.
وبيت بديعيتي قولي: طويت عن كل أمر يستلذ به=كشحا وقد لذ لي تفصيل مدحهم.
صدر هذا البيت كان صدر بيت لي من قصيدة رائية مدحت بها أبو الوالد قدس الله روحه في سنة إحدى وسبعين ألف، وذلك قبل نظم البديعية بست سنين. وقد عنا لي إيرادها بجملتها هنا لجزالتها وغرابة أسلوبها وهي:
أربة الخدر ذات الريط والخمر ... إليك عني فما التشبيب من وطري.
في كل قامة عسال تأوده ... كفاي لي غنية عن قدك النضر.
طويت عن كل أمر يستلذ به ... كشحا وأغضيت عن ورد وعن صدر.
غنيت بالمجد لا أبغي سواه هوى ... في هزة السمر ما يغني عن السمر.
وما أسفت على عصر قضيت به ... عيش الشبيبة في فسح من العمر.
إلا لفرقة إخوان ألفتهم ... من كل أصيد مثل الصارم الذكر.
طهر المآزر مذ نيطت تمائمهم ... نالوا من المجد ما نالوا من الظفر.
شادوا قباب المعالي من بيوتهم ... واستوطنوا ذروة العلياء من مضر.
كم فيهم من كريم زانه شمم ... تغريك غنته عن طلعة القمر.
سقى الحيا ربع أنس ضم شملهم ... ولا عدا سوحه مستعذب المطر.
يا للرجال لصب بالعلاء فمن ... يمسي ويصبح من دهر على غرر.
لو أنصفتني الليالي حزت مطلبي ... ولم أبت حلف وجد عاقر الوطر.
ألآن أحرز آمالي وأدركها ... بماجد غير ذي من ولا ضجر.
مسدد الرأي لم يعبأ لحادثه ... ولم تخنه يد الأيام والغير.
بدر يلوح بأفق الدست محتبيا ... ليث يصول بباع غير ذي قصر.
كم مهمة جبته بالسيف مشتملا ... والعزم يكحل جفن العين بالسهر.
في ليلة قد أضلتني غيا هبها ... حتى اهتديت إلى بيت من الشعر.
بطلعة كضياء الشمس غرتها ... ونفحة حملتها نسمة السحر.
فظلت والليل تغريني كواكبه ... أراقب الصبح من خوف ومن كدر.
وفي الكنائس من هام الفؤاد بها ... ترنوا إلي بطرف طامح النظر.
فأقبلت وتجارينا معانقة ... كأننا تلاقينا على قدري.
حتى بدت غرة الإصباح واضحة ... وطرة الليل قد شابت من الكبر.
ثم انثنينا ولم يدنس مضاجعنا=إلا بقايا شذى من نشرها العطر.
فاستعجلت تحكم الزنار عقدته ... وتسحب الذيل من خوف على الأثر.
واستقبلت دير رهبان قد اعتكفوا ... يزمزمون بألحان من الزبر.
يا ابن النبي دعاء قد كشفت له ... عن وجه لا واجم عيل ولا حصر.
стр. 475
إليك لولاك لم أصعد نشوز ربى ... ولم أواصل سرى الادلاج بالبكر.
كم نعمة لك لا تحصى مآثرها ... نفعا أنافت على الهطالة الهمر.
وكم لي اليوم من جدواك من أمل ... أثقلت فيه قرا المهرية الصغر.
كم فيك من نعم ترجى ومن نقم ... تخشي العداة من نفع ومن ضرر.
أنت الذي خلقت للتاج هامته ... وكفه لطوال السمر والبتر.
ووقفة لك فلت كل منصلت ... والسمر ما بين منآد ومنكر.
سررت كل صديق في مواقفها ... ما كاد يسأل حتى سر بالخبر.
وليلة من عجاج النقع حالكة ... جلوتها منك بالأوضاح والغرر.
ما إن قدحت زنادا يوم ملحمة ... إلا وأتبعت فيه القدح بالشرر.
شهدت فيك سجايا قد سمعت بها ... ففزت منك بملء السمع والبصر.
وأنعم بعيدك في عز وفي دعة ... والدهر يفتر عن أيامك الزهر.
وخذ إليك عروسا طالما حجبت ... زفت إليك وقد صيغت من الدرر
واسلم على رتب العلياء مرتقيا ... مؤيد العزم في بدو وفي حضر.
ولم ينظم السيوطي ولا الطبري هذا النوع من بديعيتهما والله أعلم.
الترشيح .
إذا أتيت بترشيح لمدحتهم ... حلى لساني وجيدي فضل ذكرهم.
الترشيح في اللغة بمعنى التربية، يقال: رشح الندى النبت ترشيحا: رباه فترشحن وفلان يرشح للملك: يربى ويؤهل له.
وفي الاصطلاح، هو أن يأتي المتكلم بلفظة تؤهل غيرها لضرب من المحاسن البديعية: أما التورية كقول التهامي:
وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار.
فذكر الشفير يرشح الرجاء للتورية برجاء البئر، وهو ناحيتها، ولولا ذكره لما كان فيه تورية، ولكان من رجوت بمعنى ضد اليأس فقط، لقوله أولا: وإذا رجوت المستحيل.
أو الطباق كقول أبي الطيب:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما.
فقوله: يا جنتي، رشحت لفظة جهنم للمطابقة.
أو الاستخدام كقول أبي العلاء في صفة الدرع:
تلك مأذية وما لذباب الصي ... ف والسيف عندها من نصيب.
فإن ذكر السيف رشح الذباب لاستخدامه، بمعنى طرف السيف، ولولاه لا نحصر في معنى الطائر المعروف.
أو تحقيق المبالغة في التشبيه وذلك في الاستعارة والمرشحة، وهي التي قرنت بما يلائم المستعار.
كقوله تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم رشحه بما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة، فذكر الربح والتجارة يرشح حقوق المبالغة في التشبيه. وبيان ذلك: إن في الاستعارة مبالغة في التشبيه، فترشيحها بما يلائم المستعار تحقيق لذلك وتقوية. فظهر أن الترشيح لا يختص بنوع من البديع، فمن زعم أنه ضرب من التورية فلا معنى لجعله نوعا برأسه، فقد توهم.
وبيت بديعية الصفي قوله:
أن حل أرض الناس شد أزرهم ... بما أتاح لهم من حط وزرهم.
فقوله (سد) رشح لفظة (حل) للمطابقة، ولولاه لبقيت على عنى الحلول وفاتت المطابقة.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في مطابقته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
في الفتح ضم من لأنصار شملهم ... جبرا لكسر بترشيح من الرحم.
رشح الفتح للتورية بذكر الصم، ورشح الضم للتورية بذكر الكسر.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
يس زادت على لقمان حكمته ... وبأن ترشيحه في نون والقلم.
فذكر لقمان رشح يس للتورية، وذكر نون والقلم رشح لقمان للتورية.
وبيت بديعية المقري قوله:
كم صاف في رمضي صيف وحر ظما ... من سامه رمضان الفطر لم يلم.
قال في شرحه: رمضان تثنية رمض، والمعنى (من كلفه رمض أن يفطر لم يلم) لأن رمضان هنا تثنية رمض، وقد شرحه لرمضان الذي هو شهر الصوم والفطر معه. وفي معنى البيت غرة. انتهى.
وبيت بديهية السيوطي قوله:
وكلما نسجوا حوكا بوشيهم ... عنى لهم رشحوه باختراعهم.
فذكر النسيج والحوك رشح الوشي للتورية بمعنى رقم الثوب ونقشه، ولولاه لبقي على معنى السعاية والنميمة.
وبيت بديعية العلوي قوله:
تراه أسود من لبس الدروع له ... بياض وجه يضي للوفد من الظلم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
стр. 476
عم الورى بيد سحنا يرشحها ... عطاؤه ليس يخشى فاقة النهم.
قال في شرحه: الشاهد فيه قولي: سحا عطاؤه، لأنهما رشحا باليد للنعمة دون الجارحة. انتهى، وفيه نظر ظاهر.
وبيت بديعيتي قولي:
إذا أتيت بترشح لمدحهم ... حلى لساني وجيدي فضل ذكرهم.
فذكر الجيد رشح وأهل لفظة حلى لاستخدامها بمعنى ألبسة الحلي، ولولاه لانحصرت في معنى جعله حلوا، والله أعلم.
الحذف .
حذفت ود سوى آل الرسول ولم ... أمدح سواهم ولم أحمد ولم أرم.
هذا النوع من مستخرجات الإمام أبي المعالي عز الدين بن الوهاب بن إبراهيم الزنجاني صاحب معيار النظار، وهو عبارة عن أن يحذف المتكلم من كلامه حرفا فأكثر من حروف الهجاء أو جميع الحروف المهملة، أو جميع المعجمة، بشرط عدم التكلف.
فالأول كالخطبة المعروفة بالمونقة لأمير المؤمنين (ع) إذ أخلاها من حرف الألف الذي هو أدخل في سائر الحروف في الكلام.
روى هشام بن محمد السائب الكلبي عن أبي صالح، أنه اجتمع أصحاب النبي ﵌ فتذاكروا، أي الحروف أدخل في الكلام؟ فأجمعوا أن الألف أكثر دخولا، فخطب علي ﵇ بهذه الخطبة ارتجالا، وسماها المونقة وهي: حمدت من عظمت منيته، وسبقت رحمته، وتمت كلمته؛ ونفذت مشيته: وبلغت حجته، وعدلت قضيته.
حمدته حمد مقر بربوبيته، متخضع لعبوديته، متنصل من خطيئته، معترف بتوحيده، مؤمل من ربه مغفرة تنجيه، يوم يشغل عن فصيلته وبنيه.
ونستعينه ونسترشده ونؤمن به ونتوكل عليه، وشهدت له بضمير مخلص مؤمن موقن، وفردته تفريد مؤمن متيقن، ووحدته توحيد عبد مذعن، ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه، جل عن مشير ووزير، وتنزه عن مثل ونظير.
علم فستر، وبطن فخبر، وملك فقهر، وعصي فغفر، وحكم فعدل. لم يزل ولن يزول وليس كمثله شيء، وهو (قبل كل شيء و) وبعد كل شيء، رب متفرد بعزته، متملك بقوته، متقدس بعلوه، متكبر بسموه؛ ليس يدركه بصر، ولم يحط به نظر، قوي منيع بصير سميع، علي حكيم، رؤوف رحيم.
عجز عن وصفه من يصفه، وضل في نعته من يعرفه. قرب فبعد، وبعد فقرب، يجيب دعوة من يدعوه، ويرزق عبده ويحبوه، ذو لطف خفي، وبطش قوي؛ ورحمة موسعة، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة، وعقوبته جحيم موصدة موبقة.
شهدت ببعث محمد عبده ورسوله، صفيه وحبيبه وخليله، بعثه خير عصر، وفي حين فترة وكفر، رحمة لعبيده، ومنة لمزيده، ختم به نبوته؛ وقوى به حجته، فوعظ ونصح، وبلغ وكدح، رؤوف بكل مؤمن، ولي سخي زكي رضي؛ عليه رحمة وتسليم، وبركة وتكريم، من رب غفور رحيم، قريب مجيب.
وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم، وذكرتكم بسنة نبيكم. فعليكم برهبة تسكن قلوبكم، وخشية تذري دموعكم، وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبليكم، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته، ولتكن مسألتكم مسألة ذل وخضوع، وشكر وخشوع، (بتوبة ونزوع) وندم ورجوع. وليغتنم كل مغتنم منكم صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل هرمه، وسعته قبل عدمه، وخلوته قبل شغله، وحضره قبل سفره، قبل هو يكبر ويهرم، ويمرض ويسقم، ويمله طبيبه، ويعرض عنه حبيبه، ويتغير عقله (وينقطع عمره ٦) ثم قيل هو موعوك، وجسمه منهوك، ثم جد في نزع شديد، وحضره كل قريب وبعيد، فشخص ببصره، وطمح بنظره، ورشح جبينه، وسكن حنينه، وجذبت نفسه، ونكبت عرسه؛ وحفر رمسه؛ ويتم ولده، وتفرق عنه عدده، وقسم جمعه، وذهب بصره وسمعه، وغمض ومدد، ووجه وجرد، وغسل ونشف، وسجي وبسط له، وهيئ، ونشر عليه كفنه وشد منه ذقنه، وقمص وعمم، (ولف) وودع وسلم، وحمل فوق سرير، وصلي عليه بتكبير، ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وحجر منجدة، فجعل في ضريح ملحود، ولحد ضيق مرصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود. وهيل عليه حفرة، وحثي عليه مدره، فتحقق حذره، ونسي خبره، ورجع عنه وليه ونسيبه، وتبدل به قريبه وحبيبه (وصفيه ونديمه) ، فهو حشو قبر ورهين، يسعى في جسمه دود قبره، ويسيل صديده من منخره، ويسحق بدنه ولحمه، وينشف دمه، ويرمي عظمه حتى يوم حشره، فينشر من قبره، حين ينفخ في صور، ويدعى لحشر ونشور.
стр. 477
فثم بعثرة قبور، وحصلت سريرة صدور، وجيء بكل نبي وصديق وشهيد (منطيق) ، وتوحد لفصل عند رب قدير بعبده خبير بصير. فكم من زفرة تضنيه، وحسرة تضنيه في موقف مهول عظيم، ومشهد جليل (جسيم ١٢) بين يدي ملك كريم، بكل صغيرة وكبيرة عليم. حينئذ يلجمه عرقه (ويخفره ١٣) قلقه عبرته غير مرحومة، وصرخته غير مسموعة، وحجته غير مقبولة (ونوول صحيفته، وتبين جريرته، ونطق كل عضو منه بسوء عمله ١٤) فشهدت عينه بنظره، ويده ببطشه، ورجله بخطوه، وجلده بمسه، وفرجه بلمسه، (ويهدده منكر ونكير، وكشف عنه بصره ١٥) ، فسلسل جيده، وغلت يده وسيق يسحب وحده، فورد جهنم بكرب شديد وظل يعذب في جحيم، وسقي شربة من حميم، تشوي وجهه، وتسلخ جلده، يضربه زبنيته بمقمح من حديد، يعود جلده كنضجه بعد كجلد جديد، يستغيث فتعرض عنه خزنة جهنم، ويستصرخ فيلبث حقبة بندم.
نعوذ برب قدير، من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضى عنه، ومغفرة من قبل منه، فهو ولي مسألتي، ومنجح طلبتي، فمن زحزح عن تعذيب ربه سكن في جنته بقربه، وخلد في قصور مشيدة (ومكن من حور عين ١٨) وحفدة، وطيف عليه بكؤوس (وسكن خطيرة فردوس ١٩) ، وتقلب في نعيم، وسقي من تسنيم، وشرب من عين سلسبيل، ممزوجة بزنجبيل، مختومة بمسك وعبير (مستديم للحبور) ، مستشعر للسرور، يشرب من خمور في روض (مشرق) مغدق، ليس يصدع من شربه وليس ينزف. هذه مسالة من خشي ربه، وحذر نفسه، وتلك عقوبة من جحد مشيئة منشئه، وسولت له نفسه معصية مبدئه، وذلك قول فصل، وحكم عدل، خير قصص قص ووعظ، نص تنزيل من حكيم حميد، نزل به روح قدسي مبين، على قلب نبي مهتد مكين، صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة، عذت برب رحيم، من شر كل رجيم، فليتضرع متضرعكم، وليبتهل مبتهلكم (فسنستغفر رب كل مربوب لي ولكم) .
هذا آخر الخطبة المونقة لأمير المؤمنين علي ﵇. إنما آثرت إيرادها بجملتها مع تداولها وشهرتها، تبركا بها وبقائلها، وتيمنا بمأثور فضائلها.
وكان الصاحب إسماعيل بن عباد ﵀ عمل قصيدة معراة من حروف الألف في مدح أهل البيت ﵈ تقع في سبعين بيتا أولها:
قد ظل يجرح صدري ... من ليس يعدوه فكري.
فتعجب الناس منها وتداولها الرواة، فاستمر على ذلك النهج، وعمل قصائد كل واحدة منها خالية من حرف من حروف الهجاء، بقيت عليه واحدة تكون معراة من حرف الواو، فانبرى لعملها صهره أب الحسن علي بن الحسين الهمذاني وقال قصيدة فريدة أخلاها من الواو، ومدح الصاحب في عرضها وأولها:
برق ذكرت به الحبائب ... لما بدا فالدمع يسكب.
أمدامعي منهلة ... هاتيك أم غزر السحائب.
نثرت لآليء أدمع ... لم تفترعها كف ثاقب.
يا ليلة أفنيتها ... بمضاجع فيها عقارب.
لما سرت ليلى تحث ... لنأيها عنا الركاب.
ظلت تجيل لحاظها ... كالسيف لم يخط المضارب.
للسحر في أرجائها ... مهما أرادتها ملاعب.
جعلت قسي سهامها ... أن ناضلته عقد حاجب.
لم يخط سهم أرسلت ... هـ إن سهم اللحظ صائب.
تسقيك ريقا سكره ... إن قسته للخمر غالب.
كم قد تشكى خصرها ... من ضعفها ثقل الحقائب.
كم أخجلت بضفائر ... أبدت لنا ظلم الغياهب.
أخجال كف الصاحب القرم المرجى للسحائب.
ملك تلألأ من معا ... قد عزه شرف المناصب.
نشأت سحائب رفده ... في الخلق تمطر في بالرغائب.
وهي طويلة تنيف على الستين [بيتا] .
والثاني هو حذف جميع البيوت المهملة.
كقول الحريري:
فتنتني فجننتني تجني ... بتفن يفتن غب تجني.
شغفتني بجفن ظبي غضيض ... غنج يقتضي تفيض جفني.
والقطعة مبينة على هذا مع صنعة أخرى، وهي أن حروفها كلها متصلة.
стр. 478
والثالث هو حذف جميع الحروف المعجمة، كقوله في صدر خطبة: الحمد لله سامع الدعاء، وساطع اللألأء، وحاسم اللأواء، ومدمر الأعداء، وصلى الله على رسوله محمد أحمد الرسل أحكاما، وأعلاهم إعلاما، وأسعدهم طالعا، وأسماهم مطالعا، وأكرمهم ملة، وأوكدهم أدلة؛ المرسل إلى الأسود (و) الأحمر، والمعمل للحسام الصارم والرمح الأسمر، وعلى آله العلماء، وأهله الكرماء، ما طلع هلال السماء، واطلع لؤلؤ الدأماء. اسمعوا رحمكم الله وعوا، واسعوا إلى ما دعاكم الله وأسرعوا، ودعوا طول الأمل، وسارعوا إلى صالح العمل، واطرحوا سوء المطامع، وسدوا عما ألهاكم المسامع، وأصلحوا للمعاد أحوالكم، وأدركوا مصارعكم وأهوالكم. أما والله لو علم امرؤ ما أمامه، لصارم آرامه، وأهمل ما رامه، وسالم إسلامه، وسأل الله السلامة.
وللحريري خطبتان على هذا النمط من إسقاط حروف النقط، إحداهما أولها: الحمد لله الممدوح الأسماء، المحمود الألاء، والأخرى أولها: الحمد لله الملك المحمود المالك الودود.
ومن أمثلته الشعرية قول الحريري أيضاً:
أعدد لحسادك حد السلاح ... وأورد الأمل ورد السماح.
وصارم اللهو ووصل المها ... وأعمل الكوم وسمر الرماح.
واسع لإدراك محل سما ... عماده لا لاد راع المراح.
والله ما السؤدد حسو الطلا ... ولا مراد الحمد رود رداح.
واها لحر صدره واسع ... وهمه ما سر أهل الصلاح.
مورده حلو لسؤاله ... وماله ما سألوه مطاح.
ما أسمع الأمل ردا ولا ... ما طله والمطل لؤم صراح.
ولا أطاع اللهو لما دعا ... ولا كسا راحا له كأس راح.
وقلت أنا على هذا الوزن والروي:
لله ما أحلى وصال الملاح ... وما الردى إلا صدور الرماح.
لا أصلح الله عدوا لحى ... على الهوى لما رأى الوصل لاح.
لو علم اللائم ما رامه ... ملومه ما رام إلا الصلاح.
ما السعد إلا وصل سعدى ولا ... روح الهوى إلا كؤوس وراح.
والله لا أسلو هواها ولو ... لام مصرا ولحى كل لاح.
وللسيد عبد الله الطيلاواني قصيدة عاطلة في الموعظة أولها:
رد الحلم واسمع ما رواه امرؤ آس ... وأسس عماد العلم وأحكم آساس.
وراع عهود الله وأورع وعوده ... وحم حول إصلاح لواسع أرماس.
ودم سالكا سهل الكمال ووعره ... ودم صالح الأعمال حاسم وسواس.
ودع كلما ألهاك عما أراكه ... إلهك وارحم كل عال وكسكاس.
وصل وصل واسمح ورم ورم على ... وسد وسد واصدع ودع سكر الكاس.
وكل كل أمر لودود وصم وكل ... حلالا وواصل درس أحكام أطراس.
ورم صالح الأعمال والمال مصلحا ... لمورد إسراع ومصدر أعراس.
وعاد سماع اللهو واعدا مهرولا ... لداع دعا الله واعد لمدارس.
وهي طويلة تقع في اثنين وثمانين بيتا.
ومما لا بد من معرفته في هذا الموضع معرفة ما ينقط مالا ينقط من الحروف فنقول: الحروف على قسمين: أحدهما ما ينقط موصولا ومفصولا وهو الباء والتاء والثاء والجيم والخاء والزاي والشين والضاد والظاء والغين والفاء والقاف والنون والياء، وقيل في الأربعة الأخيرة أنها لا تلفظ إذا لم توصل بما بعدها لعد الاشتباه. وقد سوى الحريري في المقامات بينها متصلة ومنفصلة.
الثاني ما لا ينقط، إما لأنه لا مشابه له صورة، أو لأنه استغني عن نقطه بلزوم النقط لما شاركه في الصورة، وجميع ذلك الهمزة والألف والحاء والدال والسين والصاد والطاء والعين والكاف واللام والميم والواو والهاء. وأما تاء التأنيث في نحو، تمرة طيبة، وجارية زيد، فقد قال المطرزي: لم أجد في نقطها نصا ولأن كنا ننقطها، إلا أن الحريري لم يعدها في حروف النقط، ولهذا ضمن خطبته العرية من الإعجام قوله: ومساورة الإعلال، ومصارمة الأهل والمال، وذلك من إتباعهم الخط.
وأما رحمت الله بالتاء الممدودة، فلأنه لما لزم استعمالها مع الله وحده حتى صارت بمنزلة ما لا ينفصل، كتبت هكذا على اللفظ، كما اتصلت بالمضمر نحو جاريتي وجاريتك.
ونقط الهمزة في نحو قائل وبائع، عامي، والحريري نقطها في الرقطاء في حبائل ونائل وملائم، وعذره كونها على صورة الياء في الخط.
стр. 479
وأما كلمة (لا) فعدها حرفا واحدا كما عدها الحريري في الرقطاء كقوله: أخلاق سيدنا، عامي.
والمشدد يعد حرفا واحدا، نظرا إلى الصورة، ولهذا سمي الخليل نحو (مد) و (ود) ثنائيا.
وبيت بديعية صفي الحلي في هذا النوع مبني على التعرية نمن النقط وهو:
آل رسول محل العلم ما حكموا ... لله إلا وعدوا سادة الأمم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
قال ابن حجة: وأما الشيخ عز الدين فقد تعذر عليه نظم الحذف للحروف المنقوطة لأجل تسمية النوع في البيت، إذ فيه الذال، والفاء، ولا بد من التورية بتسمية النوع كما شرط أولا، فكل منا جنح (في) باب الحذف إلى جهة.
أما الشيخ عز الدين فإنه ذكر أنه نظم في بيت الحروف النورانية المقطعة، وسمى الحذف في بيته إسقاطا فقال:
أروم إسقاط ذنبي بالصلاة على ... محمد وعلى صديقه العلم.
وأما ابن حجة فإنه حذف من بيته الأحرف التي تنقط من تحت فقال:
وقد أمنت وزال الخوف منخذفا ... نحو العدو ولم أحقر ولم أضم.
وبيت بديعية المقري قوله:
شديد حلم سديد حلمه يقظ ... يقضي ويمضي ويرضي غير متهم.
قال في شرحه: المحذوف منه ثلاثة عشر حرفا، وهي عدا ما ذكر في البيت.
وبيت بديعية العلوي قوله:
الله أودعه سرا وعلمه ... علما سما محكم الإحكام والحكم.
وبيت بديعيتي التزمت فيه حذف الحروف المنقوطة من جميع ألفاظه، إلا اسم النوع ضرورة، والعذر فيه واضح، وهو قولي:
حذفت ود سوى آل الرسول ولم ... أمدح سواهم ولم أحمد ولم أرم.
ولم أقف على بيت السيوطي في هذا النوع. وأما الطبري فلم ينظمه، والله أعلم.
التوزيع .
توزيع لفظي لمدحي فيهم شرفي ... في النشأتين ففخري في مديحهم.
هذا النوع من مستخرجات الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته وشرحها، وهو أن يوزع المتكلم حرفا من حروف الهجاء في كل لفظة من كلامه نظما كان أو نثرا، بشرط عدم التكلف.
وقد حاء في الكتاب العزيز مثل ذلك بغير قصد، وذلك لإعجازه وانسجامه وفصاحته، وكونه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو قوله تعالى: (كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا) فالكاف ملزوم في جميع الكلمات سوى الفاصلة.
وكقول سليم الهوى النبلي وهي قصيدة لزم في كلماتها القاف أولها:
رشقت قلبي أحاق الرشاق ... فسقامي لسقام بالحداق.
وقول الحظوري وفي كل كلمة همزة:
بأبي أغيد أذاب فؤادي ... إذ تناءي وأظهر الأغراضا.
رشأ يألف الخباء فإن [..=.] أبدي لآمليه انقباضا.
وبيت بديعية الصفي قوله (ولزم فيه حرف الميم) :
محمد المصطفى المختار من ختمت ... بمجده مرسلو الرحمن للأمم.
ولم ينظم ابن جابر ولا الموصلي ولا ابن حجة ولا السيوطي ولا الطبري هذا النوع، أما إغفالا أو إهمالا.
وبيت بديعية المقري قوله: (ولزم فيه حرف الراء) :
عسير حرب يسير الرعب ينصره ... شهرا بشير نذير طاهر الأرم.
وبيت بديعية العلوي قوله (ولزم فيه حرف الميم) :
محمد المجتبى المحبو من ملك ... بما يكرم من مجد ومن نعم.
وبيت بديعيتي قولي (والملزوم فيه حرف الياء) :
توزيع لفظي لمدحي فيهم شرفي ... في النشأتين ففخري في مديحهم.
التسميط .
سمطت من فرحي في وصفهم مدحي ... ولم أنل منحي إلا بجاههم.
التسميط مأخوذ من السمط- بكسر السين المهملة وسكون الميم- وهو خيط النظم، كأنهم جعلوا القافية كالسمط، والأجزاء المسجعة بمنزلة حبات العقد، أو من السمط بمعنى القلادة، كأنهم جعلوا البيت بتفصيله بالأجزاء المسجعة كالقلادة المفصلة بالجواهر المناسبة. وهو عبارة عن أن يجعل الشاعر البيت من قصيدة، أو كل بيت منها، أربعة أقسام، ثلاثة منها على سجع واحد مع مراعاة القافية في الرابع.
كقول جنوب الهذلية:
وحرب وردت ... وثغر سددت.
وعلج شددت ... عليه الحبالا.
ومال حويت ... وخيل حميت.
وضيف قريت ... يخاف الوكالا.
وكقول الحريري والشاهد فيما عدا المطلع:
أيا من يدعي الفهم ... إلى كم يا أخا الوهم.
تعبي الذم والذنب ... وتخطي الخطأ الجم.
стр. 480
أما بان لك العيب ... أما أنذرك الشيب.
وما في نصحه ريب ... ولا سمعك قد صم.
أما نادى بك الموت ... أما أسمعك الصوت.
أما تخشى من الفوت ... فتحتاط وتهتم.
فكم تسدر في السهو ... وتختال من الزهو.
وتنصب إلى اللهو ... كأن الموت ما عم.
وحتام تجافيك ... وابطاء تلا فيك.
طباعا جمعت فيك ... عيوبا شملها انضم.
إذا أسخطت مولاك ... فما تقلق من ذاك.
وإن أخفق مسعاك ... تلظيت من الهم.
وإن لاح لك النقش ... من الأصفر تهتش.
وإن مر بك النعش ... تغاممت ولا غم.
تعاصي الناصح البر ... وتعتاص وتزور.
وتنقاد لمن غر ... ومن هان ومن نم.
وتسعى في هوى النفس ... وتحتال على الفلس.
وتنسى ظلمة الرمس ... ولا تذكر ما ثم.
ولو لاحظك الحظ ... لما طاح بك اللحظ.
ولا كنت إذا الوعظ ... جلا الأحزان تغتم.
ستذري الم لا الدمع ... إذا عاينت لا جمع.
يقي في عرصة الجمع ... ولا خال ولا عم.
كأني بك تنحط ... إلى القبر وتنغط.
وقد أسلمك الرهط ... إلى أضيق من سم.
هناك الجسم ممدود ... ليستأ كله الدود.
إلى أن ينخر العود ... ويمسي العظم قد رم.
ومن بعد فلا بد ... من العرض إذا اعتد.
صراط جسره مد ... على النار لمن أم.
فكم من مرشد ضل ... ومن ذي عزة ذل.
وكم من عالم زل ... وقال الخطب قد طم.
فبادر أيها الغر ... لما يحلو به المر.
فقد كاد يهي العمر ... وما أقلعت عن ذم.
ولا تركن إلى الدهر ... وإن لان وإن سر.
فتلقى كمن اغتر ... بأفعى تنفث السم.
وخفض من تراقيك ... فإن الموت لاقيك.
وسار في تراقيك ... وما ينكل إن هم.
وجانب صعر الخد ... إذا ساعدك الجد.
وزم النطق إن ند ... فما أسعد من زم.
ونفس عن أخي البث ... وصدقه إن نث.
ورم العمل الرث ... فقد أفلح من رم.
ورش من ريشه انحص ... بما عم وما خص.
ولا تأس على النقص ... ولا تحرص على اللم.
وعاد الخلق الرذل ... وعود كفك البذل.
ولا تستمع العذل ... ونزهها عن الضم.
وزود نفسك الخير ... ودع ما يعقب الضير.
وهيئ مركب السير ... وخف من لجة اليم.
بذا وصيت يا صاح ... وقد بحت كمن باح.
فطوبى لفتى راح ... بآدابي يأتم.
وقوله أيضاً:
لزمت السفار ... وجبت القفار.
وعفت النفار ... لا جني الفرح.
وخضت السيول ... ورضت الخيول.
لجر ذيول ... الصبي والمرح.
ومطت الوقار ... وبعت العقار.
لحسو العقار ... ورشف القدح.
ولولا الطماح ... إلى شرب راح.
لما كان باح ... فمي بالملح.
ولا كان ساق ... دهائي الرفاق.
بأرض العراق ... بحمل السبح.
فلا تغضبن ... ولا تصخبن.
ولا تعتبن ... فعذري وضح.
ولا تعجبن ... لشيخ أبن.
بمغنى أغن ... ودن طفح.
فإن المدام ... تقوي العظام.
وتشقي السقام ... وتنفي الترح.
وأصفى السرور ... إذا ما الوقور.
أماط ستور ... الحيا واطرح.
وأحلى الغرام ... إذا المستهام.
أزال اكتتام ... الهوى وافتضح.
فبح بهواك ... وبرد حشاك.
فزند أساك ... به قد قدح.
وداو الكلوم ... وسل الهموم.
ببنت الكروم ... التي تقترح.
وخص الغبوق ... بساق يسوق.
بلاء المشوق ... إذا ما طمح.
وشاد يشيد ... بصوت تميد.
جبال الحديد ... له إن صدح.
وعاص النصيح ... الذي لا يبيح.
وصال المليح ... إذا ما سمح.
وجل في المحال ... ولو بالمحال.
ودع ما يقال ... وخذ ما صلح.
وخالف أباك ... إذا ما أباك.
ومد الشباك ... وصد من سنح.
وصاف الخليل ... وناف البخيل.
стр. 481
وأول الجميل ... ووال المنح.
ولذ بالمتاب ... أمام الذهاب.
فمن دق باب ... كريم فتح.
وبعضهم يسمي كل ذلك تسجيعا، والصحيح أن بينهما فرقا، وهو أن التسجيع يلزم فيه أن يكون سجع أجزائه على روي البيت، وأن تكون أجزاؤه متزنة، وعددها محصورا، بخلاف التسميط. وذهب الخليل ﵀ إلى أن الشعر المسمط هو الذي يكون في صدر البيت أبيات مشطورة، أو منهوكة مقفاة، ثم تجمعها قافية مخالفة لازمة للقصيدة حتى تنقضي.
كقول امرئ القيس:
ومستلئم كشفت بالرمح ذيله ... أقمت بعضب ذي سفاسق ميله.
فجئت به في ملتقى الكر خيله ... تركت عناق الطير تحجل حوله.
كأن على سرباله نضح جريال.
وقول المطرزي:
يا خليلي اسقياني بالزجاج ... حلب الكرمة من غير مزاج.
أنا لا ألتذ سمعا باللجاج ... فاسقنيها قبل تغريد الدجاج.
قبل أن يؤذن صبحي بانبلاج.
إن أردت الراح فاشربها صباحا ... بعد أن تصحب أترابا ملاحا.
جمعوا حسنا وأنسا ومزاحا ... وغدوا كالبحر علما وسماحا.
فهم مفتاح باب الابتهاج.
وقول الحريري وهو شطور الأبيات المنهوكة:
خل ادكار الأربع ... والمعهد المرتبع.
والظاعن المودع ... وعد عنهم ودع.
واندب زمانا سلفا ... سودت فيه الصحفا.
ولم تزل معتكفا ... على القبيح الشنع.
كم ليلة أودعتها ... مآثما أبدعتها.
لشهوة أطعمتها ... في مرقد ومضجع.
وكم خطى حثثتها ... في خزية أحدثتها.
وتوبة نكثتها ... لملعب ومرتع.
وكم تجرأت على ... رب السماوات العلى.
ولم تراقبه ولا ... صدقت فيما تدعي.
وكم غمطت بره ... وكم أمنت مكره.
وكم نبذت أمره ... نبذ الحذا المرقع.
وكم ركضت في اللعب ... وفهت عمدا بالكذب.
ولم تراع ما يجب ... من عهده المتبع.
فالبس شعار الندم ... وسكب شآبيب الدم.
قبل زوال القدم ... وقبل سوء المصرع.
واخضع خضوع المعترف ... ولذ ملاذ المقترف.
واعص هواك وانحرف ... عنه انحراف المقلع.
إلام تسهو وتني ... ومعظم العمر فني.
فيما يضر المقتني ... ولست بالمرتدع.
أما ترى الشيب وخط ... وخط في الرأس خطط.
ومن يلح وخط الشمط ... بفوده فقد نعي.
ويحك يا نفس احرصي ... على ارتياد المخلص.
وطاوعي وأخلصي ... واستمعي النصح واعي.
واعتبري بمن مضى ... من القرون وانقضى.
واخشي مفاجاة القضا ... وحاذري أن تخدعي.
وانتهجي سبل الهوى ... وادكري وشك الردى.
وإن مثواك غدا ... في قعر لحد بلقع.
آهاً له بيت البلى ... والمنزل القفر الخلا.
ومورد السفر الألى ... واللاحق المتبع.
بيت يرى من أودعه ... قد ضمه واستودعه.
بعد الفضاء والسعة ... قيد ثلاث أذرع.
لا فرق أن يحله ... داهية أو أبله.
أو معسر أو من له ... ملك كملك تبع.
وبعده العرض الذي ... يحوي الحيي والبذي.
والمبتدي والمحتذي ... ومن رعى ومن رعي.
فيا مفاز المتقي ... وربح عبد قد وقي.
سوء الحساب الموبق ... وهول يوم الفزع.
ويا خسار من بغى ... ومن تعدى وطغى.
وشب نيران الوغى ... لمطعم أو مطمع.
يا من عليه المتكل ... قد زاد ما بي من وجل.
لما اجترحت من زلل ... في عمري المضيع.
فاغفر لعبد مجترم ... وارحم بكاه المنسجم.
فأنت أولى من رحم ... وخير مدعو دعي.
ومن التسميط نوع أخر يسمى تسميط التقطيع، وهو أن يسجع جميع أجزاء تفعيل البيت على روي يخالف القافية، وهو عزيز الوقوع.
كقول ابن أبي الإصبع:
وأسمر مثمر بمزهر نضر ... من مقمر مسفر عن منظر حسن.
стр. 482
فإن جميع أجزاء تفعيل هذا البيت من سباعية وخماسية مسجع على خلاف سجعة الجزء الذي هو قافية البيت. ومنهم من سمى هذا النوع (الموازنة) وعده نوعا مستقلا، وسيأتي ذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. وأصحاب البديعيات بنوا أبياتهم على التسميط بالمعنى الأول لأنه هو الأشهر.
وبيت بديعية الصفي الحلي قوله:
فالحق في أفق والشرك في نفق ... والكفر في فرق والدين في حرم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله: تسميط ذي أدب تنظيم ذي أرب=تحقيق ذي غلب بالنصر ملتزم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
تسميط جوهره يلفى بأبحره ... ورشف كوثره يروى لكل ظم.
وبيت بديعية المقري قوله:
كم مهجة وسما لما رقى وسما ... ما فوق سابع سما وخص بالكلم.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
في رأسه غسق في وجهه فلق ... في ثغره نسق تسميط درهم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
سرى إلى أفق والليل في غسق ... وجاز في طرق لم ترم لم ترم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
على البراق سرى لربه نظرا ... ولات حين سرى في سمط سيرهم.
وبيت بديعيتي قولي:
سمطت من فرحي في وصفهم مدحي ... ولم أنل منحي إلا بجاههم.
التجزئة .
جزيت في كلمي أغليت في حكمي ... أبديت من هممي أرويت كل ظم.
هذا النوع عبارة عن أن يجزئ الشاعر جميع البيت أجزاء عروضية يسجعها كلها على رويين مختلفين، أحدهما على روي البيت والثاني مخالف.
كقول الشاعر:
هندية لحظاتها خطية ... خطواتها دارية نفحاتها.
وقول أبي الحسن السلامي:
ظلت تزف الدنيا له محاسنها ... وتستعد له الألطاف والتحفا.
كم ماطر وكفا أو باهر خطفا ... أو طائر هتفا أو سائر وقفا.
وقل شيخنا العلامة محمد الشامي:
قد كنت آمل أن تموت صبابتي ... حتى نظرت إليك يا ابنة يعرب.
فطربت ما لم تطربي ورغبت ما ... لم ترغبي ورهبت ما لم ترهبي.
وبيت بديعية الصفي قوله:
ببارق خذم في مأزق أمم ... أو سابق عرم في شاهق علم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
ذي فضل أندية ذي عدل تجزية ... فالذيب في ظلم يمشي مع الغنم.
هذا البيت لا ينطبق عليه تعريفهم للتجزئة، فهو خارج عما نحن فيه.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وريت في كلمي جزيت في قسمي ... أيديت من حكمي جليت كل عم.
وبيت بديعية المقري قوله:
جنابه حرمي أبوابه أجمي ... كتابه حكمي أبابه عصمي.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
جزيت منتظمتي وفيت ملتزمتي ... أهديت من كلمي ألفيت مغتنمي.
وبيت بديعية العلوي قوله:
بوابل رزم في ( ... ) أمم ... ونائل جثم لسائل عدم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
نداه مغتنمي هداه معتصمي ... جزيت من كلمي وفيت ملتزمي.
هذا البيت خارج عن حد هذا النوع أيضاً كما لا يخفى.
وبيت بديعيتي قولي:
جزيت في كلمي أغليت في حكمي ... أبديت من هممي أرويت كل ظم.
سلامة الاختراع .
نلت السلامة من بحر القريض وقد ... سلكته لاختراعي در وصفهم.
هذا النوع عبارة عن أن يخترع الشاعر معنى لم يسبق إليه، وسماهم بعضهم الإبداع وهو اسم مطابق للمسمى، غير أن أصحاب البديعيات وكثيرا من علماء البديع اصطلحوا على جعل الإبداع اسما للإتيان في البيت الواحد والفقرة الواحدة بعدة أنواع من البديع، وقد تقدم الكلام عليه. وسمعوا هذا النوع الاختراع ولك ما اصطلح.
قال عبد الحميد كاتب مروان بين محمد- وهو مضروب به المثل في البلاغة-: خير الكلام ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا.
فمن المعاني المخترعة قول ابن الرومي:
توددت حتى لم أدع متوددا ... وأفنيت أقلامي عتابا مرددا.
كأني أستدني بك ابن حنية ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا.
ثم تلاعب الشعراء بعده بعدة بنظم هذا المعنى، فقال كشاجم:
أرى وصالك لا يصفو لأمله ... والهجر يتبعه ركضا على الأثر.
كالقوس أقرب سهميها إذا عطفت ... عليه أبعدها من نزعة الوتر.
وقال ناصح الدين الأرجاني:
стр. 483
فلا تنكروا حق المشوق فإننا ... لنا وعليكم أنجم الليل تشهد.
أرانا سهاما في الورى ونراكم ... حنايا فما تدنون إلا لتبعدوا.
وقال ابن (قسيم) الحموي:
فهو كالسهم كلما زدته من ... ك دنوا بالنزع زادك بعدا.
وآخر من نظمه شيخنا الشامي فقال:
كل شمل وإن تجمع حينا ... يوف يمنى بفرقة وشتات.
لا ألوم النوى فرب اجتماع ... كان أدنى لفرقة وبتات.
مثلما زيدت السهام غلوا ... في صدور العدى بقرب الرماة.
ومنها قول ابن الرومي في خباز رقاق:
ما أنس خباز أنس مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر.
ما بين رؤيتها في كفه كرة ... وبين إلقائها قوراء كالقمر.
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يلقى فيه بالحجر.
وقوله في قالي الزلالية:
ومستقر على كرسيه تعب ... روحي الفداء له من منصب تعب.
رأيته سحرا يقلي زلابية ... في رقة القش والتجويف للقصب.
كأنما زيته المغلي حين بدا ... كالكيماء التي قالوا ولم تصب.
يقلي العجين لجينا من أنامله ... فيستحيل شبابيكا من الذهب.
وقوله أيضاً:
وإذا امرؤ مدح امرءاً لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه.
لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه.
وقوله أيضاً في ذم الخضاب، قال أبو الحسين جعفر بن علي الحمداني ما سبقه أحد إلى هذا المعنى:
إذا دام للمرء السواد وأخلقت ... شبيبته ظن السواد خضابا.
فكيف يظن الشيخ أن خضابه ... يظن سوادا أو يخال شبابا.
وقول أبي الطيب المتنبي:
خلقت ألوفا لو أعدت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا.
وقوله أيضاً:
صدمتهم بخميس أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم.
وكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم.
الشاهد في البيت الثاني، وأما الأول فمأخوذ من قول الحماسي:
فلو أنا شهدناكم نصرنا ... بذي لجب أزب من العوالي.
والزبب في الإنسان كثرة الشعر، وفي الإبل كثرة شعر الوجه.
وقول أبي الطيب أيضاً في كافور:
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضا خلفها ومآقيا.
قال أبو العباس أحمد بن محمد النامي الشاعر: كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين فإنهما ما سبق إليهما.
أحدهما قوله:
زماني الدهر بالإرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال.
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال.
والآخر قوله أيضاً:
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان.
ومن معانيه المخترعة قوله أيضاً:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال.
وقوله أيضاً:
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرغام.
قال الثعالبي: هذا معنى قد اخترعه المتنبي، وكرره في تفضيل البعض على الكل، فأحسن غاية الإحسان حيث قال:
فإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب.
وقوله أيضاً:
فإن يكن سيار بن مكرم انقضى ... فإنك ماء الورد إن ذهب الورد.
ومن المعاني المخترعة قول أبي العلاء المعري:
كالنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب لعين لا للنجم في الصغر.
وقوله أيضاً:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر.
وقول أبي إسحاق إبراهيم الغزي:
حملنا من الأيام مالا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصابا.
قال الثعالبي: أنشدني أبو جعفر مجمد بن عبد الله الأسكافي لنفسه في معنى تفرد به وهو قوله:
الله يشهد والملائك أنني ... لعظيم ما أوليت غير كفور.
نفسي فداؤك لا لقدري بل أرى ... إن الشعير وقاية الكافور.
ومن سلامة الاختراع قول القاضي الأرجاني:
رثى لي وقد ساويته في نحوله ... خيالي ما لم يكن لي راحم.
فدلس بي حتى طرقت مكانه ... وأوهمت النفي أنه بي حالم.
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة ... أنا ساهر في جفنه وهو نائم.
وقول الأبيوردي في الخمر:
стр. 484
ولها من ذاتها طرب ... فلهذا يرقص الحبب.
وقول ابن القيسراني: هو الذي سلب العشاق نومهم=أما ترى عينه ملأى من الوسن.
وقول أبي يوسف يعقوب بن صابر المنجيقي:
قبلت وجنته فألوى جيده ... خجلا ومال بعطفه المياس.
فانهل من خديه فوق عذاره ... عرق يحاكي الطل فوق الآس.
فكأنني استقطرت ورد خدوده ... بتصاعد الزفرات من أنفاسي.
قال القاضي شمس الدين بن خلكان: وأنشدني صاحبنا عفيف الدين علي بن عدلان المعروف بالمترجم لأبي يوسف المنجيقي المذكور، وذكر أنه لم يسبق إليه، وهو قوله:
لا تكن واثقا بمن كظم الغي ... ظ اغتيالاً وخف غرار الغرور.
فالظبي المرهفات أفتك ما كا ... نت إذا غاض ماؤها في الصدور.
وأنشدني الشيخ العلامة محمد بن علي الشامي رحمه الله تعالى لنفسه، قال: وهو مما لم أسبق إليه:
هجروا وما صبغ الشباب عوارضي ... عجلان ما علق المشيب بزيقي.
فكأنني والشيب أقرب غاية ... يوم الفراق كرعت من رواوق.
ومن معانيه المخترعة قوله أيضاً:
لم يضمروا قتل المدام فمالها ... تصفر من وجل ومن إشفاق.
خجلت لقهقهة الزجاج فجللت ... بقميصه الوردي وجه الساقي.
وقوله أيضاً من قصيدة تقدم بعضها:
قمر يفور النور من أطواقه ... فكأنها فوارة للنور.
وأنشدني لنفسه صاحبنا السيد الأجل حسين بن علي بن الأمير شرف الدين الحسني وذكر أنه لم يسبق إليه:
ومتى الفتى يوما نأى عن داره ... لقي الهوان ولو يكن جليلا.
كالسهم يبقى بعد فرقة قوسه ... فوق التراب
وإن أصاب
ذليلا.
ومما وقع لي من المعاني المخترعة قولي في وصف الخمر من قصيدة تقدم إنشادها في نوع الغلو:
فانهض إلى حمراء صافية ... قد كان يشرب بعضها بعض.
وقولي منها:
لا تنكرن لهوي على كبري ... فعلي من عصر الصبا قرض.
وقولي من أخرى:
يفتر ثغر حباب الكأس في يده ... كأنها حين يجلوها تمازحه.
وقولي في وصفة سيف الوالد قدس الله روحه:
لا تحسبن فرند صارمه به ... وشيا أجادته القرون فأبهر.
هذا ندى يمناه سال بمنته ... فغدا يلوح بصفحتيه جوهرا.
وقولي فيمن أورث شرب الخمر يده رعشة: لا تحسب الراح أورثت يده=من سوئها رعشة لها اضطرابا.
لكنه لا يزال يلمسها=بالكف تهتز دائما طربا.
وقولي أيضاً من قصيدة:
أرعى له العهد وكم ليلة ... حليت من ذكراه كأس النديم.
فليتني إذا لم يزرني سوى ... خياله من بعض أهل الرقيم.
وبيت بديعية الصفي قوله:
كادت حوافرها تدمي جحافلها ... حتى تشابهت الأحجال بالرثم.
الجحفلة (بتقديم الجيم والحاء المهملة) : بمنزلة الشفة للخيل والبغال والحمير، ولا تختص بالعليا كما زعم ابن حجة. والرثم- بالتحريك، بياض في طرف أنف الفرس، أو كل بياض أصاب الجحفلة العليا فبلغ الرسن، أو بياض في الأنف. يقول: إن هذه الخيل لسرعتها في الركض اتصلت أحجالها بجحافله، حتى تشابها في البياض.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
سلامة لاختراعي في على هممي ... اسمي وفعلي كحرف عند رسمهم.
قال في شرحه: اسمي علي، وفعلي علي، والحرف المشبه بهما في هذا المعنى على الذي هو معدود من حروف الجر.
قال ابن حجة: لو ألحق الشيخ عز الدين ما قاله هنا بالألغاز لكان أليق وأقرب، فإن سلامة الاختراع وغرابة المعنى عنه بمعزل.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
وقده باختراع سالم أنف ... يبدو بترويسه من رأس كل كمي.
قال في شرحه: هذا الاختراع يعد من المرقص والمطرب. قلت: لم أر في هذا البيت اختراعا سوى قوله: ترويسه، فإنها لفظة مخترعة لم ترد بها لغة، ولا نطق بها أحد قبله، وأما تشبيهي قد الرمح بالألف فهو من التشبيهات المبتذلة التي ليس فيها غرابة ولا سلامة اختراع.
وبيت بديعية المقري قوله:
أمضى من البرق يغشى الموت من خطفت ... يوم الكريهة قبل العلم بالألم.
ولم أقف على بيت بديعية السيوطي في هذا النوع.
وبيت بديعية العلوي قوله:
لو مر في قلبه أن لا يضر فتى ... حر الجحيم لما بالى من الضرم.
стр. 485
ولم ينظم الطبري هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعيتي قولي:
نلت السلامة من بحر القريض وقد ... سلكته لاختراعي در وصفهم.
تضمين المزدوج .
وصحبة الأوفياء الأصفياء أتى ... تضمين مزدوج مدحي لجمعهم.
هذا النوع لم ينظمه الشيخ صفي الدين الحلي (ره) في بديعيته، ولا سائل أصحاب البديعيات التي ذكرناها، وهو من مستخرجات صاحب المعيار. قال: وهو أن يأتي المتكلم في أثناء قراين النثر، أو أحد شطري البيت، بلفظين مسجعين بعد مرعاة حدود الأسجاع والقوافي. كقوله تعالى "وجئتك من سبأ بنبأ يقينٍ" وقوله "ويدعوننا رغباً ورهباً" وقوله "ولا نطيع فيكم أحداً أبدا"، وقول رسوله عليه وآله السلام: المؤمنون هينون لينون.
ومثاله من النظم قول البحتري:
إن الظباء غداة سفح محجّر ... هيّجن حرَّ جوىً وفرط تذكر
من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور
وقول الآخر يرثي الصاحب بن عباد:
مضى الصاحب الكافي ولم يبق بعده ... كريم يروي الأرض فيض غمامه
فقدناه لما تمَّ واعتمَّ بالعلى ... كذاك خسوف البدر عند تمامه
وقول بعضهم:
تعود وسم الرهب والنهب في العلى ... وهذان وقت اللطف والعنف دابه
ففي اللطف أرزاق العفاة هباته ... وفي العنف أعمار العداة نهابه
والشاهد في بيت البديعية قولي: الأوفياء الأصفياء، والله أعلم.
ائتلاف اللفظ مع المعنى
لفظي ومعناي قد صحَّ ائتلافهما ... بمدح أروع ماضي السيف والقلم
هذا النوع عبارة عن أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد منه فإن كان فخماً كانت ألفاظه مفخمة، أو غريباً فغريبة، أو متداولاً فمتداولة، أو متوسطاً بين الغرابة والاستعمال فكذلك، كقوله تعالى "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار"، لما كان الركون إلى الظالم وهو الميل إليه دون مشاركته في الظلم، وجب أن يكون العقاب عليه دون العقاب على الظلم، فأتى بلفظ المس دون الإحراق والإصلاء، وقوله تعالى "لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت" أتى بلفظ الاكتساب المشعر بالكلفة والمبالغة في جانب السيئة لثقلها.
ومثاله قول زهير:
أثافي سفعاً في معرس مرجل ... ونؤيا كجذم الحوض لم يتلثم
فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحاً أيها الربع واسلم
الأثافي، هي الأحجار التي تنصب عليها القدر، جمع أثفية - بضم الهمزة وتشديد الياء - والسفع: السود، جمع سفعاء كسود جمع سوداء. والمعرس: المنزل، من التعريس وهو النزول في وجه السحر، استعارة للمكان الذي ينصب فيه المرجل، والمرجل: القدر، والنؤي: حفيرة تحفر حول الخباء لئلا يدخله المطر. والجذم بالكسر: أصل الشيء. ولم يتلثم [أي] لم تحصل له ثلمة. وأثافي، منصوب على البدل أو الحال من الدار في البيت السابق وهو:
وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأياً عرفت الدار بعد توهُّم
واللأي: النظر، أي عرفتها بعد نظر وتوهم. والشاهد في البيتين أنه أتى في البيت الأول بألفاظ غريبة لكون معناه متعارفاً، وهو الدعاء بالنعمة والسلامة.
وعن خلاد قال: قلت لبشار بن برد: إنك لتجيء بالشيء المتفاوت، قال: وما ذاك؟ قال: قلت: بينما تقول شعراً تثير به النقع، وتخلع به القلوب مثل قولك:
إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيداً من قبيلة ... ذرى منبر صلى علينا وسلما
إلى أن تقول:
ربابة ربة البيت ... تصب الخل في الزيت
لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت
فقال: لكل شيء وجه وموضع، فالقول الأول جدّ، وهذا قلته في جاريتي ربابة، وأنا لا آكل البيض من السوق، فربابة هذه لها عشر دجاجات وديك، فهي تجمع لي البيض وتحفظه، فهذا من قولي عندها أحسن من (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) عندك.
стр. 486
وأنا أذكر هنا فصلاً من كتاب الوساطة للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني - ويليق ذكره بهذا النوع - وهو قوله (لا آمرك بإجراء أنواع الشعر كله مجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهب بعضه، بل أرى لك أن تقسم الألفاظ على مراتب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحك كوعيدك ولا هجاؤك كاستبطائك، ولا هزلك بمنزلة جدك، ولا تعريضك مثل تصريحك. بل ترتب كلاً مرتبته وتوفيه حقه، فتتلطف إذا تغزلت، وتفخم إذا افتخرت، وتتصرف للمديح تصرف مواقعه. فإن المدح بالشجاعة والبأس يتميز عن المدح باللباقة والظرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والندام، ولكل واحد من الأمرين نهج هو أملك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه. وليس ما رسمته لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا يختص بالنظم دون النثر، بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلاف كتابك في الشوق أو التهنية، وخطابك إذا حذرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنيت. انتهى.
وبيت بديعية الصفي قوله:
كأنما حلق السعدي منتثراً ... على الثرى بين منفضٍّ ومنفصم
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
تؤلف اللفظ والمعنى فصاحته ... تبارك الله منشي الدر في الكلم
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
تألف اللفظ والمعنى بمدحته ... والجسم عندي بغير الروح لم يقم
قوله: عندي من الحشو القبيح.
وبيت بديعية المقري قوله:
بر رحيم ومن عاداه معترف ... يقرُّ بالفضل عيني كل محتكم
وبيت بديعية السيوطي قوله:
سهل رفيق رحيم لين رؤوفٌ ... تألّف اللفظ في معناه بالحكم
وبيت بديعية العلوي قوله:
وإن عدا ذو عناد غص ساعته ... بالموت عادا غداً أو كان من إرم
وبيت بديعية الطبري تقدم في أنواع المشاكلة.
وبيت بديعيتي قولي:
لفظي ومعناي قد صحَّ ائتلافهما ... بمدح أروع ماضي السيف والقلم
الموازنة
موازن مازن مستحسن حسن ... معاون صائن مستكمن شهم.
هذا النوع عبارة عن أن يقفي الشاعر جميع أجزاء البيت العروضية على قافية واحدة، أو روي واحد بخلاف روي البيت من غير حشو بلفظ أجنبي يفرق بين أجزائه وبين الأخر.
كقول امرئ القيس:
أفاد فساد وقاد فذاذ ... وشاد فجاد وعاد فافضل
وجعل ابن أبي الإصبع هذا النوع قسما من التسميط وسماه تسميط التقطيع، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في نوع التسميط، ولا مشاحة في الاصطلاح.
ومنه قول ابن هاني المغربي:
يا دار أشبهت المها فيك المها ... والسرب إلا آتهن عوا طل.
إذ ذلك الوادي قنا وأسنة ... وإذ الديار مشاهد ومحافل.
وعوابس وقوابس وفوارس ... وكوانس وأوانس وعقائل.
وقوله أيضاً:
ملأوا البلد رغائباً وكتائباً ... وقواضباً وشوازباً إن ساروا.
وجداولاً وأجادلاً ومقاولاً ... وعواملاً وذوابلاً واختاروا.
وبيت بديعية الشيخ صفي الدين قوله:
مستقل قاتل مسترسل عجل ... مستأصل صائل مسنحفل خصم.
ولم ابن جابر ولا المعز الموصلي ولا ابن حجة ولا السيوطي ولا الطبري هذا النوع في بديعياتهم.
وبيت بديعية المقري قوله:
مصدق صادق مدّفق غدق ... موافق أفق مغدودق الديم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
مستكمل كامل مستنفصل فصل ... مستفضل فاضل مستوصل الرحم.
وبيت بديعيتي قولي:
موازن مازن مستحسن حسن ... معاون صائن مستكمن شهم.
الموازن اسم فاعل من الموازنة بمعنى المكافأة، قال في القاموس: وإن فلانا: كافاه على فعاله. مازن اسم فاعل من مزن بمعنى أضاء وجهه، والشهم: الذكي المتوقد الفؤاد، والسيد النافذ الحكم، والله أعلم.
ائتلاف اللفظ مع الوزن .
تألف اللفظ والوزن البسيط به ... فاطرب له من بديع النظم منسجم.
هذا النوع عبارة عن تكون كلمات البيت صحيحة الترتيب واللغة والإعراب، بحيث لا يضطر الشاعر لأجل إقامة الوزن إلى تقديم بعض الألفاظ وتأخير بعضها فيفسد تصور المعنى ويذهب رونق اللفظ، وإلى فصل ما حقه الاتصال، وإلى إفساد اللغة بزيادة في الكلمة أو نقصان، أو إلى إفساد الإعراب.
стр. 487
فالأول كقول الفرزدق يمدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان:
وما مثله في الناس إلا مملك ... أبو أمه أبوه يقاربه.
أي ليس مثله في الناس حي يقاربه- أي أحد يشبه- في الفضائل، إلا مملك أبو أمه أبوه، ومقصوده: لا يماثله أحد إلا ابن أخته الذي هو هشام.
وقول أبي الطيب:
أتى يكون أبو البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد.
وتقديره: أن يكون آدم أبو البرايا وأبوك محمد وأنت الثقلان.
والثاني كقول معاوية: نجوت وقد بل المرادي سيفه=من ابن أبي شيخ الأباطح طالب.
التقدير: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، يعني به علي بن أبي طالب ﵇، ففصل بين المضاف والمضاف إليه.
والثالث كقول الكميت:
لا كعبد المليك أو كوليد ... أو سليمان بعد أو كهشام.
أراد: كعبد الملك. وقول الآخر (من نسج داود أبي سلام) أرد سليمان ﵇.
وقول نهار بن توسعة:
كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح.
فاستبدلت قتبا جعدا أنامله ... كأنما وجهه بالخل منصوح.
فقوله: قتبا يعني به قتيبة بن مسلم.
وقول أبي الطيب:
فدى من على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبي الماجد الجايد القرم.
ولم يسمع من العرب (الجايد) وإنما المسكوع: رجل جواد، ومطر جود.
والرابع كقول امرئ القيس:
يا راكب بلغ أخواننا ... من كان من كندة أو وائل.
فنصب قوله بلغ وحقه السكون. وقوله:
اليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل.
فجزم قوله (اشرب) وحقه الرفع. إذا عرفت ذلك فهذا ليس له مثال يختص به بصورة معينة، بل كل شعر خلا من هذه التعسفات ونحوها صلح مثالا له.
وبيت بديعية الصفي قوله:
في ظل أبلج منصور اللواء له ... عدل يؤلف بين الذيب الغنم.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع في بديعيته.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
أؤلف اللفظ مع وزن بمدحه مو ... لانا وذم عدو بين الثلم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
واللفظ والزن في أوصافه ائتلفا ... فما يكون مديحي غير منسجم.
وبيت بديعية المقري قوله:
حتف المناوين ثبت القلب كاسره ... بقلبه شهبا في كل مصطدم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
يمناه كالحوض يروي كل ذي ظمأ ... حباه كالرزق يأتي كل ذي نسم.
وبيت بديعيتي قولي:
تألف اللفظ والوزن البسيط به ... فاضطرب له من بديع النظم منسجم.
ولم أقف على بيت بديعية السيوطي في هذا النوع. وأما الطبري فلم ينظمه في بديعيته، والله أعلم.
ائتلاف الوزن مع المعنى .
وألف الوزن والمعنى له لسني ... بمقول غير ذي عي ولا وجم.
هذا النوع عبارة عن أن يكون البيت صحيح المعنى، مستقيم الوزن، لا يضطر الشاعر فيه لإقامة الوزن إلى إخراج المعنى عن وجه الصحة، أو تقديم أو تأخير أو حذ ف.
كما وقع للأجدع في قوله:
وأصبحن بالأجزاع أجزاع تريمٍ ... يقلبن هاما في عيون سواهم.
أراد يقلبن عيونا سواهم في هام. فقلب لأجل إقامة الوزن.
ومثله قول عروة بن الورد:
فلو أني شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق.
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما ألوه إلا ما أطيق.
أراد أن يقول: فديت نفسي، فلم يستقم له الوزن فقلب.
وقول الشماخ:
منه ولدت ولم يؤشب به حسبي ... ليا كما عصب العلباء بالعود.
أراد كما عصب العود بالعلباء، فقلب، والعلباء بالعين المهملة وبعد اللام باء موحدة: عصب عنق البعير.
وقول الحماسي على إحدى الروايتين:
ليهنك إمساكي على الكف بالحشا ... ورقراق دمعي خشية من زيالك.
стр. 488
أراد إمساكي على الحشا بالكف. ومتى خلا الشعر عن مثل هذا كان مؤتلف الوزن والمعنى، وصح كونه مثالا لهذا النوع، هكذا قرره البديعيون. وقضية أن القلب مردود مطلقا، وهو مذهب قوم من أصحاب المعاني والبيان. وذهب قوم إلى أنه مقبول مطلقا، وهو رأي السكاكي. قال في المفتاح: إن هذا النمط يسمى فيما بيننا بالقلب، وهو شعبة من الإخراج لا على مقتضى الظاهر ولها شيوع في التراكيب، وهو مما يورث الكلام ملاحة، ولا يشجع عليها إلا كمال البلاغة. وتأتي في الأشعار، وفي التنزيل.
يقولون: عرضت الناقة على الحوض، يريدون: عرضت الحوض على الناقة.
وقال القطامي (كما طينت بالفدن السياعا) أراد: كما طينت الفدن بالسياع.
وقال رؤبة:
ومهمه مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه.
أراد: كأن لون سمائها من غبرتها لون أرضه. وقال الآخر (يمشي فيقعس أو يكب فيعثر) أراد: ويعثر فيكب. وفي التنزيل "وكم من قرية أهلكناها فجاءها باسنا" أي جاءها بأسنا فأهلكناها- على أحد الوجهين- وفيه "ثم دنا فتدلى" يحمل على تدلى فدنا. وفيه "اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فأنظر ماذا يرجعون" على ما يحمل من ألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون فتول عنهم. انتهى كلامه.
وقال الخطيب في الإيضاح: الحق أن القلب أن تضمن اعتبارا لطيفا قبل، والأرد.
أما الأول فكقول رؤبة (كأن لون أرضه سماؤه) فعكس التشبيه للمبالغة.
ونحوه قول أبي تمام يصف قلم الممدوح:
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل.
وأما الثاني فكقول القطامي يصف ناقته بالسمن:
فلما أن جرى سمن عليها ... كما طينت بالفدن السياعا.
أمرت بها الرجال ليأخذوها ... ونحن نظن أن لن تستطاعا.
والفدن: القصر. والسياع: الطين المخلوط بالتبن.
وقول حسان:.؟
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء.
على أنيابها أو طعم غض ... من التفاح هصره اجتناء.
السبيئة- بالهمزة-: الخمرة المشتراة للشرب، وأما المحمولة من بلد إلى بلد فبالياء لا غير. وبيت رأس: مدينة صغيرة بالشام بين رملة وغزة تعصر فيها الخمور.
وقول القطامي:
قفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا.
وقد ظهر من هذا قوله تعالى "وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا" ليس وارد على القلب، إذ ليس في تقرير القلب فيه اعتبار لطيف. وكذا قوله "ثم دنا فتدلى" وكذا قوله "اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون". فأصل الأول: فأردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، أي إهلاكنا.
وأصل الثاني: أراد الدنو من محمد فتدلى فتعلق في الهواء. ومعنى الثالث: تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه، ليكون ما يقولونه بمسمع منك فانظر ماذا يرجعون. فيقال: أنه دخل عليها من كوة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة.
وقال أبو الحيان: لا ينبغي حمل القرآن على القلب، إذ أنه ضرورة، وإذا كان المعنى بدونه صحيحاً فما الحامل عليه؟ وليس في قولهم: عرضت الناقة على الحوض ما يدل على القلب، لأن عرض الناقة على الحوض، وعرض الحوض على الناقة كليهما صحيحان، والله تعالى أعلم.
وبيت بديعية الصفي قوله:
من مثله وذراع الشاة كلمه ... عن سمه بلسان صادق الرنم.
الرنم بالتحريك: الصوت. ولم ينظم ابن جابر هذا النوع.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
تؤلف الوزن والمعنى مدائحه ... فللمعاني ترى الألفاظ كالخدم.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
والوزن صح مع المعنى تألفه ... في مدحه فأتى بالدر في الكلم.
وبيت بديعية المقري قوله:
وليس يثني ثنائي عنهم أحد ... إن رمت بالسعي أجري في مديحهم.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
وفي ائتلاف المعاني والوزن تلا ... زين الهدى عمر الفاروق ذو الشيم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
في كفه سبح الحصبا وحذره العضو السميم بسم دس في السم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
تؤلف الوزن والمعنى زيادته ... وزنا على الكل من عرب وعجم.
وبيت بديعيتي قولي:
وألف الوزن والمعنى له لسني ... بمقول غير ذي عي ولا وجم.
стр. 489
اللسن بالتحريك: الفصاحة. والمقول بالكسر كمنبر: اللسان. والعي بكسر العين المهملة: الحصر والعجز عن بيان الحجة. والوجم ككتف، من وجم عنده كوعد، أي سكت فزعا، والله أعلم.
ائتلاف اللفظ مع اللفظ .
وجاء بالفظ فيه وهو مؤتلف ... باللفظ يحدو به الحادون بالنغم.
هذا النوع للبديعين في تعريفه عبارتان: أحداهما ما ذكره الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعيته، وتبعه عليه جميع أصحاب البديعيات، وهو أن يكون في الكلام معنى يصح معه واحد من عدة معان، فيختار منها ما بين لفظه وما بين الكلام ائتلاف وملائمة وإن كان غيره يسد مسده.
كقول البحتري:
كالقسي المعطفات بل الأس ... هم مبرية بل الأوتار.
فإن تشبيه الإبل بالقسي من حيث هو كناية عن هزالها يصح معه تشبيهها بالعراجين والأهلة والإطناب ونحوها، فاختار من ذلك تشبيهها بالأسهم والأوتار، لما بينهما وبين القسي من الملائمة والائتلاف. انتهى.
ولا يخفى أن هذا التعريف والتمثيل شاملان لمراعاة النظير، وما ذكره في الفرق بينهما من ائتلاف اللفظ مع اللفظ هو أن يكون في الكلام ائتلاف وملائمة وإن كان غيره يسد مسده، ومراعاة النظير عبارة عن الجمع بين المتشابهات في النوعية فقط، تمحل وتكلف لا داعي إليه، وقد أشرنا إلى ذلك في ما تقدم من الكلام على مراعاة النظير.
الثانية ما ذكره الجلال السيوطي في الإتقان، وهو أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضا بأن يقرن القرين بمثله، رعاية لحسن الجوار والمناسبة، كقوله [تعالى] "تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا" أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي التاء، فإنها أقل استعمالا وأبعد من أفهام العامة بالنسبة إلى الباء والواو، وبأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار وهو (تفتؤ) فإن (تزال) أقرب إلى الإفهام، وأكثر استعمالا من (تفتؤ) ، وبأغرب ألفاظ الهلاك وهو (الحرض) فاقتضى حسن الوضع أن تجاور كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة، توخيا لحسن الجوار ورغبة في ائتلاف الألفاظ، لتتعادل في الوضع، وتتناسب في النظم.
ولما أراد غير ذلك قال "واقسموا بالله جهد أيمانكم" فأتى بجميع الألفاظ ولا غرابة فيها، وهذا التعريف والتمثيل لهذا النوع هو الذي ينبغي المصير إليه والتعويل عليه، ليكون نوعا مستقلا مغايرا لمراعاة النظير. واعلم أن الكلام متى ائتلفت ألفاظه ومبانيه، وتناسبت مقاصده ومعانيه وقع من الفصاحة موقعه، وسكن من البلاغة موضعه، فاستهش الأنفس وأنق الأسماع، ونشط الأذهان واستخف الطباع، وربما نقل السامع من خلقه الطبيعي إلى ما يضاده، حتى أنه يسمع به البخيل، ويشجع به الجبان، ويحلم به الطائش.
ومن ثم قال رسول الله ﷺ : وإن من البيان لسحراً. ولما أنشد أبو العتاهية بين يدي المهدي (والأشجع وبشار حاضران) قوله:
ألا ما لسيدتي ما لها ... تدل فأحمل إدلالها.
ألا إن جارية للإما ... م قد أسكن الحسن سربالها.
لقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللوم عذالها.
حتى بلغ قوله:
كأن بعيني من أثر ما ... نظرت من الأرض تمثالها.
قال بشار- وكان أعمى-: يا أشجع انظر، هل جروا برجله؟ فقال: لا، بل زحف حتى صار إلى طرف السرير.
واستنشد أبا دلف أبي تمام قصيدته التي رثى بها محمد بن حميد، فلما بلغ قوله:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر.
وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخرا لمن أمسى وليس له ذخر.
تردى ثياب الموت حمرا فما أتى ... له الليل إلا وهي من سندس خضر.
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر.
بكى أبو دلف وقال: وددت أنها في، فقال أبو تمام: بل يطيل الله بقاء الأمير وأفديه بنفسي، فقال: إنه لم يمت من قيل فيه هذا. فانظر إلى هذه الكريمة التي ترغب في الذكر الجميل، فيتمنى لأجلها الحمام، وهل ذلك إلا للسر الذي أودعه الله في بليغ الكلام؟.
وبيت بديعية الصفي قوله:
خاضوا عباب الوغى والخيل سابحة ... في بحر حرب بموج الموت ملتطم.
ولم ينظم ابن جابر ولا السيوطي هذا النوع.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
ساروا وجدوا النوى واللفظ مؤتلف ... من لسن دمعي بلفظ جد منسجم.
стр. 490
وبيت بديعية المقري قوله:
رضاعه كان في سعد ومولده ... فيه ومبعثه بالسعد للأمم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
منجي الورى من بحار الذنب إذ غرقوا ... بموجها بجواري موجها العمم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
هذا نذير شفيع كم به ائتلفا ... لفظ به مع لفظ ألفة الرحم.
وبيت بديعتي قولي:
وجاء باللفظ فيه وهو مؤتلف ... باللفظ يحدو به الحادون بالنغم.
الإيجاز .
لا ترضى إيجاز مدحي فيهم أصغ إلى ... مدحي الذي شاع بين الحل والحرم.
الإيجاز في اللغة مصدر أوجز في كلامه: إذ قلله.
وقي الاصطلاح، قال السكاكي: هو أداء المقصود من الكلام (بأقل من عبارة المتعارف) .
وقال الخطيب: هو التعبير عن المراد بلفظ ناقص عنه، واف به.
وقال ابن الأثير وجماعة: هو التعبير عن المراد بلفظ غير زائد.
وقد استوفيت الكلام على ذلك في نوع البسط فليرجع إليه. وهو- أعني الإيجاز- قسمان، إيجاز قصر، وإيجاز حذف: - فالأول هو الوجيز بلفظه: قال الشيخ بهاء الدين السبكي: الكلام القليل إن كان بعض من كلام أطول منه فهو إيجاز قصر.
وقال بعضهم: إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ.
وقال آخر: هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من قدر المعهود عادة.
وسبب حسنه أنه يدل على التمكين في الفصاحة، ولهذا قال ﷺ : أوتيت جوامع الكلم. قال بعضهم: أي أعطيت قوة إيجاز في اللفظ مع بسط في المعاني، فأتيت بالكلمات اليسيرة والمعاني الكثيرة. ومن أمثلته قوله تعالى "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي".
فإن العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط المشار به إلى جميع الواجبات اعتقادا وخلقا وعملا. والإحسان هو التطوع بالنوافل والإخلاص في مواجب العبودية، لقوله صلوات الله عليه: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. أي تعبده مخلصا في نيتك، واقفا في الخضوع، آخذا أهبة الحذر إلى ما لا يحصى. وإيتاء ذي القربى، هو الزيادة على الواجب من النوافل. هذا من جانب الأوامر، وأما من جانب النواهي، فبالفحشاء: الإشارة عن الشهوانية الخارجية عن الأذن كالزنا وغيره. وبالمنكر: إلى الإفراط الحاصل من آثار القوة الغضبية.
وبالبغي: إلى الاستعلاء على الناس الفائض عن القوة الوهمية. ولا يوجد شر إلا وهو مندرج تحت أحد هذه الأقسام، ولهذا قال ابن مسعود: ما في القرآن آية أجمع للخير والشر من هذه الآية، أخرجه في المستدرك.
وروى البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن، أنه قرأها يوما ثم وقف، قال: إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا؛ ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله إلا جمعه. قوله تعالى "خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين" فإنها جامعة لمكارم الأخلاق، لأن في أخذ العفو: التساهل والتسامح في الحقوق واللين والرفق في الدعاء إلى الدين، وفي الأمر بالمعروف: كف الأذى وغض البصر وما شاكلها من المحرمات، وفي الأعراض: الصبر والحلم والتوأدة. روي عن جعفر الصادق ﵇ أن الله تعالى أمر نبيه في هذه الآية بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.
ومن بديع الإيجاز قوله تعالى: (قل هو الله أحد) إلى أخرها، فإنها نهاية التنزيه، وقد تضمنت الرد على نحو أربيعين فرقة، كما أفرد ذلك بالتصنيف بهاء الدين بن شداد. وقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) فإن معناه كثير ولفظه يسير، لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتَل قُتِل كان ذلك داعيا قويا له إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو قصاص، كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، فكان ارتفاع القتل حياة لهم، وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو قولهم (القتل أنفى للقتل) بعشرين وجها أو أكثر. وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال: لا نسبة بين كلام الخالق وكلام المخلوق وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.
ومن النظم قول لبيد:
واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل.
стр. 491
المعنى، أخبر نفسك بما لا تثق بحصوله من الذكر والمجد الأثيل إذا حدثتها بعاقبة ما تحمله عليها من تحمل المشاق، فإن إخبارها بعدم الوثوق بما ترتجيه يقصر الأمل ويحقره فيثبطك عن السعي في طلب ما تروم، ويعقبه أسف المحروم.
وقول الحماسي:
فإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل.
فإن في ضيم النفس أن يتكلف الشجاعة والسماحة والعفة الصبر وغيرها.
وقد أخذه أبو تمام وزاد عليه في الإيجاز حيث قال:
وظلمت نفسك طالبا إنصافها ... فعجبت من مظلومة لم تظلم.
ومعناه أنك لما حملتها على ما يشق عليها، ويخالف هواها، فقد ظلمتها في الظاهر، وفي الحقيقة أنصفتها لما جلبت إليها ذكرا جميلا، ومجدا مؤثلا، وأعجب لهذا الظلم الجالب للإنصاف.
وقول الشريف الرضي:
مالوا إلى شعب الرحال وأسندوا ... أيدي الطعان إلى قلوب تخفق.
فإنه لما أراد أن يصف هؤلاء الجماعة بالشجاعة في أثناء وصفهم بالتعب بالغرام عبر عن ذلك بقوله: (أيدي الطعان) وهذا من نهاية الإيجاز.
الثاني هو إيجاز الحذف وفيه فوائد: منها، مجرد اختصار والاحتراز عن العبث لظهور المحذوف.
ومنها، التنبيه على أن الزمان متقاصر عن الإتيان بالمحذوف، والاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء وقد اجتمعا في قوله تعالى: (ناقة الله وسقياها) فنافه الله تحذير، بتقدير: ذروا، وسقياها إغراء بتقدير: الزموا.
ومنه، التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام. قال حازم في منهاج البلغاء: إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه، أو يقصد بها تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها. قال: ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي بها التعجب والتهويل على النفوس. ومنه قوله تعالى في وصف أهل الجنة "حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها" فحذف الجواب، إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شاءته ولا تبلغ مع ذلك كله ما هناك. وكذا قوله تعالى "ولو تروا إذا وقفوا على النار". أي لرأيت أمرا فظيعا لا تكاد تحيط به العبارة.
ومنها، التخفيف لكثرة دورانه في الكلام، كما في حذف حرف النداء نحو "يوسف أعرض".
ومنها، صيانة اللسان عنه تحقيرا، نحو "صم بكم" أي هم أو المنافقون.
ومنه، قصد العموم نحو "وإياك نستعين" أي على العبادة وعلى أمورنا كلها، و"والله يدعوا إلى دار السلام" أي كل أحد، إلى غير ذلك من الفوائد والأسباب.
ثم المحذوف إما جزء جملة، أو جملة، أو أكثر من الجملة: فالأول، إما مضاف نحو قوله تعالى "وأسأل القرية التي" أي أهلها، وقوله "حرمت عليكم الميتة" أي تناولها، لأن الحكم الشرعي إنما يتعلق بالأفعال دون الأجرام، وقوله تعالى "وأنعام حرمت ظهورها" أي منافع ظهورها، وهو أولى من تقدير الركوب، لأنهم حرموا ركوبها وتحميلها.
وعليه قول أبي النواس:
وإذا المطي بنا بلغنا محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام.
أي منافع ظهورهن من الركوب والتحميل، لأن غرضه إراحتها من التعب بعد ذلك.
وأما موصوف كقوله:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني.
أي ابن رجل جلا الأمور، أي كشفها. وأما صفة نحو "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة" أي صحيحة، أو صالحة، أو نحو ذلك، بدليل ما قبله وهو قوله "فأردت أن أعيبها".
وإما شرط كقوله تعالى "أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي"، أي إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي بالحق ولا سواه. وأما جواب شرط كقوله تعالى "ولو جئنا بمثله مددا" أي لنفذ، أو غير ذلك مما هو مذكور في مظانه.
والثاني، هو كون المحذوف جملة، أما مسبب ذكر سببه كقوله تعالى "ليحق الحق ويبطل الباطل" أي فعل ما فعل، وقوله تعالى "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة" أي أخبرناك.
ومنه قول المتنبي:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم.
أي فساءنا. وبالعكس، أي مسبب ذكر مسببه كقوله تعالى "فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم" أي فأسلمتم فتاب عليكم.
стр. 492
والثالث، وهو كون المحذوف أكثر من جملة، كقوله تعالى "أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف" أي إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه فأتاه وقال له: يا يوسف.
فاعلم أن الحذف على ضربين، أحدهما أن لا يقام شيء مقام المحذوف كالأمثلة السابقة. الثاني أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى "وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك" أي فأصبر ولا تحزن، فإنه قد كذبت رسل من قبلك. وأدلة الحذف كثيرة: ومنها العقل، كقوله تعالى "وجاء ربك" أي أمر ربك، أو عذابه، أو بأسه.
ومنها الشروع في الفعل، نحو باسم الله، فيقدر ما جعلت التسمية مبدأ له.
ومنها اقتران الكلام بالفعل، كقولهم للمعرس: بالرفاء والبنين، أي أعرست، فإن كون هذا الكلام مقارنا لأعراس هذا المخاطب+دل على أن المحذوف (أعرست) إلى غير ذلك من الدلالات الحالية والمقالية، والله أعلم.
وبيت بديعية الصفي قوله:
واستخدم الموت ينهاه ويأمره ... بعزم مغتنم في زي مغترم.
قال في شرحه: هذا البيت محتو على ضربي الإيجاز: إيجاز القصر وإيجاز الحذف، فقوله (واستخدم الموت) خاصة هذا مجاز في غاية الاختصار، وقوله (بعزم مغتنم في زي مغترم) يريد بعزم رجل مغتنم في زي رجل مغترم. انتهى. وتشادق ابن حجة هنا على جاري عادته السيئة فقال: لكنه ما تحته في بلاغة الإيجاز كبير أمر.
ولم ينظم ابن جابر هذا النوع.
وبيت بديعية الموصلي قوله:
وسل زمانك تلف الكتب راوية ... إيجاز معنى طويل الذكر مرتسم.
أراد أهل زمانك.
وبيت بديعية ابن حجة قوله:
أوجز وسل أول الأبيات عن مدح ... فيه وسل مكة يا قاصد الحرم.
قال في شرحه: الإيجاز البديع البليغ الغريب في قولي (وسل أول الأبيات) فإنه إشارة إلى أول بيت وضع للناس، والإيجاز الثاني في قولي (وسل مكة) أي أهل، فهذا البيت فيه إيجازان بليغان. انتهى.
وأنا أقول: إن الإيجاز الأول الذي ادعى أنه بديع بليغ غريب هو بنوع الألغاز أنسب وإلى التعمية اقرب.
وبيت بديعية المقري قوله:
مستقبل الصف ماضي الحد طلعته ال ... حياة والموت في حرب وفي سلم.
قال في شرحه: اشتمل هذا البيت على نوعي الإيجاز، فإن قوله (طلعته الحياة والموت) إيجاز عظيم، والحذف في قوله (الحياة والموت) فإن المراد: طلعته طلعة الحياة والموت، فحذف إيجاز.
وبيت بديعية السيوطي قوله:
عن كنه معناه كل المطنبون وقد ... أوتى البلاغة والإيجاز في الكلم.
وبيت بديعية العلوي قوله:
إن قال فالكون والأقدار قائلة ... أوصال فالموت في بتاره الخدم.
وبيت بديعية الطبري قوله:
دعا تحدى بآيات محكمة ... إيجازها في حمى الإعجاز لم يظم.
قال في شرحه: إيجاز هذا البيت من نوع إيجاز القصر وهو صدر البيت، وأما إيجاز الحذف فهو خال منه.
وبيت بديعيتي قولي:
لا ترض إيجاز مدح فيه وأصغ إلى ... مدحي الذي شاع بين الحل والحرم.
هذا البيت اشتمل على قسمي الإيجاز من القصر والحذف، لأن معناه: لا ترض اختصار المدح في ذاته وصفاته الشريفة، ودع موجز القول فيه، ومل إلى مدحي المطنب المشتهر الذي شاع وظهر بين أهل الحل والحرم.
التسجيع .
تسجيع منتظمي والغر من حكمي ... ألفاظها بفمي در من كلم.
السجع والتسجيع مأخوذان من سجع الحمامة وهد يرها وترديد صوتها تشبيها بها لتكرره على نمط واحد. ومنهم من خص السجع بالنثر، والصحيح عدم اختصاصه به، بل يجري في النظم أيضاً، وهو أن يأتي الشاعر في البيت بكلمات مقفاة على روي البيت، غير متزنة بزنة عروضية، ولا محصورة في عدد معين.
كقول أبي تمام:
تجلى به رشدي وأقرب به يدي ... وفاض به ثمدي وأروى به زندي.
وقول ابن هاني المغربي في قصيدة يمدح بها المعز الفاطمي:
ورث المقيم بيثرب فالمنبر الأ ... على له والترعة العليا.
والخطبة الزهراء فيها الحكمة ال ... غراء فيها الحجة البيضاء.
وربما اتفقت الكلمات في الوزن العروضي كقول أبي الطيب:
فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل.
وأما السجع في النثر فهو تواطؤ الفاصلتين على حرف واحد، وهو ثلاثة أضرب:
стр. 493
أحدهما المطرف، وهو أن تكون الفاصلتان مختلفتين في الوزن كقوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلكم أطوارا) فالوقار والأطوار مختلفان وزنا، وقولهم: من حسنت حاله استحسنت محاله.
الثاني المرصع، وهو أن يكون ما في أحد القرينتين أو أكثر مثل ما يقابله من الأخرى في الوزن والتقفية، كقول الحريري: فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الإسماع بزواجر وعظه، وقول البديع الهمذاني: أن بعد الكدر صفوا، وبعد المطر صحوا.
وقد تقدم الكلام على الترصيع في النظم.
الثالث المتوازي، وهو أن تكون الفاصلتان دون سائر ألفاظ القرينتين متفقتين في الوزن والتقفية، كقوله تعالى: (فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة) وقوله ﵇: اللهم أعط كل منفق خلفا، وأعط كل ممسك تلفا. ومنهم من لم يشترط في السجع التقفية في الفاصلتين، بل اكتفى باتفاقهما في الوزن فقط، وسماء المتوازن كقوله تعالى: (ونمارق مصفوفة، وزرابي مثبوثة) وقولهم: اصبر على حر اللقاء ومضض النزال، وشدة المصاع، ومداومة المراس. قال: فإن روعي الوزن في جميع كلمات القرينتين أو أكثرها، وقابل الكلمة منها بما يعادلها كن أحسن، كقوله تعالى: (وآتيناهما الكتاب المستبين، وهديناهما الصراط المستقيم) .
ثم السجع ينقسم بحسب القرائن إلى ثلاثة أقسام: الأول ما تساوت قراينه، كقوله تعالى: (في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل مدود) ، وقوله: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) .
الثاني ما طالت قرينته الثانية، كقوله تعالى: (خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه) ، ويشترط في طول الثنائية أن لا يكون بحيث يخرجها من الاعتدال كثيرا وإلا كان قبيحا، وأما الثالثة فيجوز أن تكون مساوية في الطول للأوليتين، وأن تزيد عليهما طولا كقوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصلوا بالحق وتواصلوا بالصبر) .
الثالث ما قصرت قرينته الثانية عن الأولى، وهو عيب فاحش، لأن السمع قد استوفى أمده من الأولى لطولها، فإذا جاءت الثانية أقصر يبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها، والذوق يشهد بذلك ويقضي بصحته، ولذلك عابوا على الفتح بن خاقان المغربي افتتاحه خطبته في قلائد العقيان بقوله: الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنتنا، وشاد مثواه أجنتنا.
قال ابن الأثير: السجع يحتاج إلى أربعة شرائط: اختيار مفردات الألفاظ، واختيار التأليف، وكون اللفظ تابعا للمعنى لا عكسه، وكون كل واحد من الفقر دالة على معنى آخر، وإلا لكان تطويلا كقول الصابي: الحمد لله الذي لا تدركه الأعين بلحاظها، ولا تحده الألسن بألفاظها، ولا تخلفه العصور بمرورها، ولا تهرمه الدهور بكرورها، والصلاة على من لم ير للكفر أثرا إلا طمسه ومحاه، ولا رسما إلا أزاله وعفاه. إذ لا فرق بين مرور العصور وكرور الدهور، ولا بين محو الأثر ةإعفاء الرسم. وقول الصاحب بن عباد في مهزومين: طاروا واقعين بظهورهم وصدورهم، وبأصلابهم نحورهم. ورد هذا الشرط الرابع ابن أبي الحديد في الفلك الدائر على المثل السائر بما لا طائل تحته.
ثم السجع إما القصير وهو الأحسن لقرب فواصل السجعة من سمع السامع، وأيضا هو أوعر مسلكا، إذ المعنى إذا صيغ بألفاظ قليلة عسر مواطاة السجع فيه. قيل للصاحب بن عباد: ما أحسن السجع؟ قال: ما خف على السمع، قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل هذا. ومثاله في التنزيل قوله تعالى: (والمرسلات عرفا، فالعاصفات عصفا) .
وإما متوسط كقوله : "اقتربت الساعة وانشق القمر، وأن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر".
وإما طويل كقوله تعالى: (إذ يريك الله في منامك قليلا ولو أراكم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم أنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور) .
تنبيهات .
стр. 494
الأول كلمات السجاع مبنية على أن تكون ساكنة الإعجاز موقوفا عليها، لأن الغرض من السجع أن يزاوج بين الفواصل، ولا يتم في كل سورة إلا بالوقف وبالبناء على السكون، كقولهم: ما أبعد ما فات، وما أقرب ما هو آت. فإنه لو اعتبر الحركة لفات السجع، لأن التاء من (فات) مفتوحة، ومن (آت) مكسورة منونة، وهذا غير واف بالغرض من تزاوج الفواصل. وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها للازدواج فيقولون (آتيك بالغدايا والعشايا) يريدون: الغدوات، و (هناني الطعام وراني) يريدون: أمراني، و (انصرفن مأزورات غير مأجورات) أي موزورات، و (أخذ ما قدم وما حدث) بالفتح، مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة، فما ظنك بهم في ذلك؟.
الثاني: الجمهور على أنه لا يقال في التنزيل إسجاع، تحرزا على معناه الأصلي الذي هو هدير الحمام، بل يقال: فواصل، لقوله تعالى: (كتاب فصلت آياته) ، وقال الرماني: السجع عيب، والفواصل بلاغة. قال الخفاجي في سر الفصاحة: قوله هذا غلط، فإنه إن أراد بالسجيع ما يتبع المعنى وهو غير مقصود، فذلك بلاغة والفواصل مثله، وإن أراد ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف، فذلك عيب والفواصل مثله. قال: وأظن الذي دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل، ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا: رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروي عن الكهنة وغيرهم، وهذا غرض من التسمية قريب، والحقيقة ما قلناه.
قال: والتحرير أن الأسجاع: حروف متماثلة في مقاطع الفواصل. انتهى.
وذهب كثير من غير الأشاعرة إلى إثبات السجع في القرآن، وقالوا: أن ذلك مما يبين به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة، كالجناس والالتفاف ونحوهما.
الثالث قال ابن النفيس: يكفي في حسن السجع ورود القرآن به، قال: ولا يقدح ذلك خلوه في بعض الآيات، لأن الحسن قد يقتضي المقام الانتقال إلى أحسن منه. وقال حازم: إنما نول القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب، فوردت الفواصل فيه بأزاء ورود الاسجاع جميعا أن يكونوا مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف، ولما في الطبع من الملل، ولأن الافتتان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد، فلهذا وردت بعض آيات القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل. انتهى.
وإذ قد استوفينا الكلام على ما يتعلق بالسجع في هذا المقام، فلا بأس بإيراد شيء من الإنشاء البديع المشتمل على محاسن التسجيع.
فمن ذلك قول الصاحب بن عباد وكتبه إلى القاضي أبي بشر الفضل بن محمد الجرجاني عند وروده باب الري وافدا عليه:
تحدثت الركاب بسير أروى ... إلى بلد حططت به خيامي.
فكدت أطير من شوق إليها ... بقادمة كقادمة الحمام.
أفحق ما قيل من أمر القادم؟ أم ظن كأماني الحالم؟ لا والله بل هو درك العيان، وأنه ونيل المنى سيان، فمرحبا براحلتك ورحلك،) وأهلا بك وبجميع اهلك) ويا سرعة ما فاح نسيم مسراك، ووجدنا ريح يوسف من رياك، فحث المطي تزل علتي بلقياك، وتبرد غلتي بسقياك، ونص على يوم الوصول نجعله عيدا مشرفا، وتتخذه موسما ومعرفا، ورد الغلام أسرع من رجع الكلام، فقد أمرته أن يطير على نجاح نسر، وأن يترك الصبا في عقال أسر والسلام.
وقوله أيضاً في التهنئة ببنت: أهلا وسهلا بعقيلة النساء (وكريمة الآباء) وأم الأبناء، وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار، والمبشرة بأخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون.
فلو كان النساء كمثل هذي ... لفضلت النساء على الرجال.
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال.
فأدرع اغتباطا (وتهاتف نشاطا) فالدنيا مؤنثة ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زرينت بالكواكب، وحليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة هي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والجنة مؤنثة وبها وعد المدقون، (وفيها ينعم المرسلون) ، فهنيئا مليئا ما أوليت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت.
ومنه قول بديع الزمان الهمذاني: بيننا عذراء زجاجه خدرها، وحبابها ثغرها، بل شقيقة حوتها كمامة، أو شمس حجبتها غمامة، إذا طاف بها الساقي فوردة على غصتها، أو شربها مقهقهة فحمامة على فننها.
стр. 495
وقوله أيضاً: انظر إلى الكلام وقائله، فإن كان وليلا فهو الولاء وإن خشن، وإن كان عدوا فهو البلاء وإن حسن. ألا ترى إلى العرب تقول: (قاتلة الله) ولا يريدون الذم، و (لا أبا له) في الأمر إذا تم.
وقوله أيضاً: فائدة الاعتقاد، أفضل من الانتقاد، والسماح يكسر الرماح، والصفح يفل الصفاح، والجود أنصر من الجنود، وكشف الضر عن الحر أجمل من كشف الصدف عن الدرب، من عرف بالمنح قصد بالمدح، وخير الأخوان من ليس بخوان، وده ميمون وغيبه مأمون، فهو يخالفك ويرافقك ولا يفارقك، ويوافقك ولا ينافقك. إذا حضرت حنا عليك، وإذا غبت حن عليك.
وقوله أيضاً: ما أشبه وعد الشيخ بالخلاف إلا بشجر الخلاف، خضرة في العين، ولا ثمرة في البين، فما ينفع الوعد، ولا إنجاز من بعد، ومثل والوعد مثل الرعد، ليس له خطر، إن لم يتله مطر.
وقوله أيضاً: كتابي من هراة ولا هراة، فقط طحنتها المحن كما يطحن الدقيق، وقلبتها كما يقلب الرقيق، وبلعتها كما يبلع الريق، وقد خدمت الشيخ سنين، والله لا يضيع أجر المحسنين، ونادمته والمنادمة رضاع ثان، ومالحته والممالحة نسب دان، وسافرت معه والسفر والأخوة رضيعا لبان، وقمت بين يديه والقيام والصلاة شريكا عنان، وأثنيت عليه والثناء من الله بمكان، وأخلصت له والإخلاص محمود بكل لسان.
وقوله أيضاً: للشيخ من الصدور ما ليس للفؤاد، ومن القلوب ما ليس للأولاد، كأنما اشتق من جميع الأكباد، وولد بجميع البلاد، سواء الحاضر فيه والباد، فكل أفعاله غرة في ناصية الأيام، وزهرة في جنح الظلام. ألا أن ما أوجبه لفلان روض أنا وسميه، وغصن أنا قمرية، وعود جمره لساني وجود شكره ضماني.
وقوله أيضاً: المرء جزوع لكنه حمول، والإنسان في النوائب شموس ثم ذلول. ولقد عشت بعد الشيخ عيشة الحوت في البر، وبقيت لكن بقاء الثلج في الحر.
وقوله أيضاً: كتابي إلى البحر وان لم أره، فقد سمعت خبره، الليث وان لم ألقه فقد تصورت خلقه، والملك وان لم أكن لقبته، فقد لقيني صيته، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره. وهذه الحضرة وان احتاج إليها المأمون، ولم يستغن عنها قارون، فان أحب إلى من الرجوع عنها بمال. قدمت التعريف، وأنا انتظر الجواب الشريف.
وقوله أيضاً: حضرته التي هي كعبة المحتاج، أن أم تكن كعبة الحاج، ومشعر الكرام، آن لم تكن مشعر الحرام، ومنى الضيف، أن لم تكن منى الخيف، وقبلة الصلات، أن أم تكن قبلة الصلاة.
وقوله أيضاً: حرس الله هذه الدنانير، ورزقنا منها الكثير، أنها لتفعل مالا تفعل التوراة ة الإنجيل، وتغني مالا يغني التنزيل والتأويل، وتصلح ما يصلح جبرئيل وميكائيل.
وقوله في بعض من عزل من ولاية جماله، ونقص بدر حسنه بعد كماله: هذا الذي تاه بحسن قده، وزها علينا بورد خده، قد نسخ آية حسنه وأقام مائل غصنه، وانتصر لنا منه بشعرات كسفت هلاله، وأكسفت باله، ومسخت جماله، وغيرت حاله.
فمن لك بالعين التي كنت مرة ... إليك بها في سالف الدهر أنظر.
أيام كنت تتلفت، فاقصر الآن، عما صار وكان، فانه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت، ويوم صار أمس، وحسرة بقيت في النفس. فختام تدل وإلام، وكم نحتمل وعلام.
قلت: لعمري هذا هو السجع الذي فاق سجع الحمائم على الغصون، وأربى بحسنه على ثمين الدر المصون، وهذا الإمام هو الذي صلى الحريري خلفه في مقاماته، وتتبع آثاره في منشآته وكلماته، وعناه بقوله: أن المتصدي بعده لإنشاء مقامة، ولو أوتي بلاغة قدامة، لا يغترف ألا من فضالته، ولا يسري ذلك المسري إلا بدلالته.
وما ألطف قول بعض العلماء: -وقد سئل عن الحريري والبديع في مقاماتها- لم يبلغ الحريري أن يسمى بديع يوم، فكيف يقارب بديع الزمان.
ومن بديع الإنشاء قول أبي بكر محمد بن أحمد اليوسفي: الشوق الذي أقاسي يصدع الجبل القاسي، والذي مر براسي يهد الجبل الراسي، من نواكب أوهت المناكب، وعوارض شيبت العوارض، ومحن عظام أثرت في العظام، وللأيام دول متعاقبة، وللصبر الجميل أحمد عاقبة.
следующие страницы →