← Адаб

Адаб · id 5448

العقد المفصل

حيدر الحلي

Полный текст (234 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل محمّداً حسن الأخلاق، محمود الشمائل والأعراق، طاهر المولد والنقيبة، طيب المحتد والضريبة، قد أكمل منه الحقيقة، وابتعثه إلى جميع الخليقة، بعد أن نظمها بسلك الإنشاء لأجله، ونثر عليها فرائد نعمائه وفوائد فضله، ثمّ أثنى عليه في الذكر الحكيم بقوله عزّ من قائل: (وَإنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم) نعترف له بتبليغ الرسالة، ونصلّي عليه صلوة تبلغ في كمالها كماله، وعلى عترته المنتجبة، الذين تفرّعوا من شجرته الطيّبة، وصحبه الأماثل، ما ناوب الطالع الآفل. أمّا بعد؛ فلقد كان ممّا سمع به الدهر على شحه، أن أطلع في سماء الكرم نيّر صبحه، في عصر كأنّه المعنيّ بقول عمّنا المهدي: قد مات من كلتا يديك الكرم ... وسمع جدواك عراه الصمم وغاض من وجهك ماء الحيا ... فعاد منك الوجه صخراً أصم بل أصدق مواعيد أشرافه كالسراب الآفك في ترقرق نطافه، قد تواصت حتّى أمجاده بالبخل، وتعاقدت على طرد بني الآمال طرد غرائب الإبل، فما أحقّهم فيما جبلوا عليه من الطبع الردي بقول الشريف أبي الحسن الرضي الموسوي: وأيد جفوف لا تلين كأنّها ... ولو مطرت فيها العيون جماد لهنّ على طرد الضيوف تعاقد ... هراش كلاب بينهنّ عقاد ولقد أخذه من قول أبي عيادة البحتري: لو صافحوا المزن ما ابتلت أكفّهم ... ولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا جفّوا من البخل حتّى لو بدى لهم ... ضوء السهي في ظلام الليل لاحترقوا ما فيهم إلاّ من هو منبسط اللسان بالعود، منقبض البنان عن الرفد، حريص إلاّ على حسبه، سمح إلاّ بما أضبت عليه يده من نشبه، كأنّه لم يسمع بقول أبي فراس: وما راح يطغيني بأثوابه الغنى ... ولا بات يثنيني عن الكرم الفقر وما حاجتي بالمال أبغي وفوره ... إذا لم يفر عرضي فلا وفر الوفر فلا ومن جعل السماحة في الأنجاب غريزة، والشحة فى الأحساب غميزة، ما ضمن ثوب هذا الزمن غير "محمّد حسن" فهو لما فيه من كرم الأخلاق وشرف النفس وطيب الشمائل وحسن المخائل كما قيل فيه، وأنا القائل: ملك عظيم القدر أمّ ملك ... من تحت علياه جرى الفلك لبست به الدنيا أشعّتها ... فانجاب عن أقطارها الحلك نصر الرجا بالحود حين غدا ... بين الرجا واليأس معترك إن تنفرد بالجود راحته ... فالناس فى معروفها اشتركوا لا تلتقي أجفان حسده ... سهداً كأَنّ لها الكرى حسك ولقد كان برقة أخلاقه وشرف طبعه وكرم أعراقه وجميل صنعه قد راض كرائم فكري حتّى استلان جماحها ومسج بيد شرفه غررها وأوضاحها، فجعلت ما أنشأته فيه من المدائح أزاء ما اصطنعه إليّ ابتداء من تلك المنايح لأنّ أفضل المكافات عَلَى الصنيعة شكر من أسداها، والثناء على من أولاها من حيث تظمن الثناء نشر المفاخر وتعداد المآثر على أنّه لظرفه ولما عنده من الهزة والأريحية على وقاره كان كثير الإعجاب بأبكار فكري الأتراب، فرأيت أنّ من تمام القيام بحقوق المحبّة لهذا الماجد أن أجمع شمل ما نظمته فيه وزيّنت به حسان معاليه، وأن أضيف إليه ما أنشأته أنا وعمّنا المهدي في أبيه وأُسرته في ضمن كتاب لطيف امع بين حسن العبارة والتأليف، وأن أُودّع فيه ما كتبنا به إليهم من الرسائل، وأوشّح كلّ مقام انتهي إليه بذكر ما يناسبه من الإستحسانات البديعيّة والإستضرافات الأدبيّة والنوادر الغريبة والحكايات العجيبة، لأنّ ذلك أدعى لتناقل المدح، وأبقى على الدهر لذكر الممتدح، وقبل الشروع بهذا المشروع أوعز هو إليّ أن أضمّ إلى ذلك الشمل ما نظمته في غيرهم من ذوي الفضل، وما اتّفق لي من الأبيات والقصائد في الأغراض والمقاصد، فأجبته إلى ما عزم به عَلَيّ إلاّ أنّي لم أثبت فيه ما كان لي في غيرهم إلاّ ما هو آخذ بنصيب وافر من الحسن والظرف إضراباً عن الإطناب المخل، واجتناباً عن الإكثار من إيراد ما يخرج عن المحل، فنظمت تلك القصائد والفوائد وضممت إليها شمل هاتيك البدائد في سلك هذا الكتاب راجياً أن يقع موقع الإستحسان من نضر ذوي الألباب، ووسمته ب "العقد المفصّل" في قبيلة المجد المؤثل، ورتّبته على مقدّمة وثمانية وعشرين باباً وخاتمة.

стр. 2

أمّا المقدّمة ففي ترجمة من كان لأجله تنميق الكتاب وذكر أشياء تناسبها وفيها فصول وقد ألزمت نفسي أن أنظم في كلّ فصل ما يناسبه. فصل في نسبه وحسبه وأصله وشرف بيته أقول: أمّا نسبه فهو القمر الطالع بأعلا آفاق العراق، محمّد الملقّب بالحسن، المكنّى بأبي الهادي بن محمّد، الملقّب بصالح الزمن بن المصطفى للكرم، وأتقى من عرف واستلم. نسب أناف على الأنام به ... شرفاً فطال به على قصره هو عقد فضل لم تزل أبداً ... تتزيّن العلياء في درره ذكرت بقولي على قصره قول أبي العلا المعرّي في تعزية الشريفين المرتضى وأخيه الرضي: أنتم ذووا النسب القصير فطولكم ... باد على الكبرآء والأشراف والراح إن قيل ابنة العنب اكتفت ... باب من الأسماء والأوصاف يريد: أنتم في النسب لا تحتاجون إلى تعدّد آباء كثيرة، بل يكفيكم ذكر أب واحد، لأنّ آبائكم كلّهم كبراء كالراح إذا قيل ابنة العنب كفاها هذا النسب عن ذكر أوصاف زائدة على هذه النسبة. وأسماء تكسبها شرفاً، وهذا من أجود التمثيل وأحسنه، لأنّ الرجل إذا كان شريفاً وذكر أباه وعرف به قصر نسبه، وإذا لم يكن شريفاً افتقر إلى أن يذكر آباءً كثيرة حتّى يصل إلى أب شريف يعرف به، وما أحسن قول أبي المناقب وهو يماثل قول المعرّي هذا: لا تمتدحه بآباء له كرموا ... وأحرزوا الأمد الأقصى أباً فأبا فالراح قد أكثر المدآح وصفهم ... لها ولم يذكروا في وصفها عنبا وحكى الفرزدق قال: خرجت من البصرة أُريد العمرة، فرأيت عسكراً في البرية، فقلت: عسكر من هذا؟ فقيل: عسكر الحسين بن علي، فقلت: لأقضينّ حقّ رسول الله ﵌، فأتيته وسلّمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب، فقال: هذا نسب قصير، قلت: أنت أقصر منّى نسباً، أنت ابن رسول الله ﵌. وقال رؤبة العجاج: قد رفع العجاج ذكري فادعني ... باسمي إذا الأسماء طالت تكفّني ويقال: إنّه دخل رؤبة على دغفل النسابة، فقال له: من أنت؟ قال: ابن العجاج، فقال دغفل: قصرّت وعرّفت. وقال الجمحي وقد أتاه بعض الناس يستشيره في امرأة أراد التزويج بها: أقصيرة هي أم غير قصيرة؟ فلم يفهم ذلك، فقال الجمحي: أردت القصيرة النسب تعرف بأبيها أو جدّها، وعلى هذا قول بعضهم: أحبّ من النسوان كلّ قصيرة ... لها نسب في الصّالحين قصير قوله: كلّ قصيرة، أراد المقصورة في البيت لا تترك أن تخرج منه. ولطيف في ذلك قول ذي الرمة: وأنت التي حبّبت كلّ قصيرة ... إليّ وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات الجمال ولم أرد ... قصار الخطا شرّ النساء البحاتر ولنذكر هنا نبذاً ظريفة وجملاً طريفة في الأسماء والكُنى والألقاب من حديث عليّ ﵇ عن النبي ﵌: إذا سمّيتم الولد محمّداً فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجهاً. وعنه ﵌: ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم عليها من اسمه محمّد أو أحمد فأدخلوه في مشورتهم إلاّ خيّر لهم، وما من مائدة وضعت وحضر عليها من اسمه محمّد أو أحمد إلاّ وقدّس ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين. وروى جابر عن النبي ﵌: ما من بيت فيه أحد اسمه محمّد إلاّ وسّع الله عليه الرزق، فإذا سمّيتموه فلا تضربوه ولا تشتموه، ومن ولد له ثلاثة ذكور ولم يسمّ أحدهم محمّداً أو أحمد فقد جفاني. وفي شرح النهج لابن أبي الحديد: جاء في الحديث: تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرّة. وكان سعيد بن المسيّب بن حزن المخزومي أتى جدّه رسول الله فقال له: من أنت؟ قال: حزن، فأراد النبي تغيير اسمه، فقال: لا بل أنت سهل. فقال: لا بل أنا حزن، عاوده فيها ثلاثاً، ثمّ قال: لا أحبّ هذا، الإسم السهل يوطىء ويمتهن، فقال ﵌: فأنت حزن. فكان سعيد يقول: ما زلت أعرف تلك الحزونة فينا.

стр. 3

وقال الزمخشري: قد قدم الخلفاء وغيرهم من الملوك رجالاً بحسن أسمائهم، وأقصوا قوماً لبشاعة أسمائهم، وتعلّق المدح والذم بذلك في كثير من الأثر، كتب الجاحظ إلى أبي الفرج بن نجاح بن سلمة رسالة، منها: وأقد أظهر الله في أسمائكم وأسماء آبائكم وكناكم وكني أجدادكم من برهان الفال الحسن ونفي طيرة السوء ما جمع لكم صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه الطلب، فأسمائكم وكناكم بين فرج ونجاح وسلامة وفضل، ووجوهكم وأخلاقكم وفق أعراقكم وأفعالكم، فلم يأخذ التفاوت فيكم بنصيب. وأراد عمر الإستعانة برجل، فسئله عن اسمه، فقال: سراق بن ظالم، فقال: تسرق أنت ويظلم أبوك، فلم يستعن به. وسأل بعضهم رجلاً عن اسمه، فقال: ما اسمك؟ قال: بحر، قال: أبو من؟ قال: أبوالفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، قال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلاّ في زورق. وكان بعض العرب اسمه وثّاب، وله كلب اسمه عمرو، فهجاه أعرابي آخر، فقال: ولو هيّا له الله ... من التوفيق أسبابا لسمّى نفسه عمرواً ... وسمّى الكلب وثّابا وقال محمّد بن صدقة ليموت بن المزرع: صدق الله فيه اسمك، فقال له: أحوجك الله إلى اسم أبيك. وما أظرف قول بعضهم في نحوي اسمه نفطويه: لا خير في النحو وطلاّبه ... إن كان من طلاّبه النفطويه أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي نياحاً عليه ومثّل هذا في الظرافة قول بعضهم في من اسمه موسى، وإن كان بمعزل عن البشاعة: حلّقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا ومن الملح النادرة ولم تحضرني كلّها ما حكي أنّ صبيّاً كان اسمه مرّة، واسم أبيه حنظلة، فقال له أبوه: إنّك لمرّ يا مرّة، فقال له: أعجبتني حلاوة أبي. ويروى أنّه لمّا أقبل قحطبة بن شبيب نحو ابن أبي هبيرة، أراد ابن أبي هبيرة أن يكتب إلى مروان بخبره وكره أن يسمّيه، فقال: اقلبوا اسمه، فوجدوه "هبط حق"، فقال: دعوه على هيئته. وقال برصوما البرام لاُمّه: ويحك أما وجدتي لي اسماً تسمّيني به غير هذا؟ فقالت: لو علمت أنّك تجالس الخلفاء والملوك لسمّيتك يزيد بن مزيد. ودخل شريك بن الأعور على معاوية وهو يختال في مشيته، فقال له معاوية: إنّك لشريك وما لله من شريك، وإنّك ابن الأعور والصحيح خير من الأعور، وإنّك لدميم والوسيم خير من الدميم، فبم سوّدك قومك؟ فقال له شريك: وإنّك معاوية وما معاوية إلاّ كلبة عوت فاستعوت فسمّيت معاوية، وإنّك ابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنّك ابن حرب والسلم خير من الحرب، وأنت ابن اُميّة وما اُميّة إلاّ أمة صغرت فسمّيت اُميّة، فبم صرت أميرالمؤمنين؟ فقال له معاوية: أقسمت عليك إلاّ خرجت عنّي، فخرج وهو يقول: أيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني وحولي من ذوي يمن ليوث ... ضراغمة تهشّ إلى الطعان يعيّر بالدمامة من سفاه ... وربّات الحجال من الغواني ذوات الحسن والريبال جهم ... شئيم وجهه ماضي الجنان وقيل: ولد لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ولد ذكر فبُشِّر به وهو عند معاوية بن أبي سفيان، فقال له معاوية: سمّه باسمي ولك خمسمائة ألف درهم، فسمّاه معاوية، فدفعها إليه وقال: اشتر بها لسميّي ضيعةً. ويقال أنّه ارتفع إلى بعضهم وكان يتشيّع خصمان اسم أحدهما علي والآخر معاوية، فانحنى على معاوية فضربه مائة سوط من غير أن اتّجهت عليه حجّة، ففطن من أين أُتي، فقال: أصلحك الله، سل خصمي عن كنيته، فإذا هو أبو عبد الرحمن، وكانت كنية معاوية بن أبي سفيان، فبطحه وضربه مائة سوط، فقال لصاحبه: ما أخذته منّي بالإسم استرجعته منك بالكنية. ودخل جرير على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أميرالمؤمنين، قال: هذا عدي بن الرقاع، فقال جرير: شرّ الثياب الرقاع، فممّن هو؟ قال: من عامله، فقال جرير: (عامِلَةٌ ناصِبَة، تَصْلى ناراً حامية) ، ثمّ قال: يقصر باع العاملي عن العُلى ... ولكن أير العاملي طويل فقال له عدي: أُمّك كانت خبّرتك بطوله ... أم أنت امرء لم تدر كيف تقول

стр. 4

فقال جرير: بل لم أدر كيف أقول، فوثب عدي إلى رجل الوليد يقبّلها وقال: أجرني منه، فقال الوليد لجرير: إن ذكرته في شعرك لأسرجنّك ولألجمنّك حتّى يركبك فيعيرك بذلك الشعراء. وأظنّ أنّ من تتمّة هذه القصّة ما هذا مضمونه: إنّ جريراً لمّا خرج من عند الوليد وإلى جنبه عدي، قال لمن على الباب: كدت أخرج إليكم وهذا القرد على عاتقي. وقيل لبعض صبيان الأعراب: ما اسمك؟ قال: قراد، قيل: لقد ضيّق عليك أبوك الإسم، قال: إن ضيق الإسم لقد أوسع الكنية. قيل: ما كنيتك؟ قال: أبو الصحاري. ونظر المأمون إلى غلام حسن الوجه في الموكب، فقال له: ما اسمك؟ قال: لا أدري، قال: يا غلام أو يكون أحد لا يعرف اسمه؟ فقال: يا أميرالمؤمنين اسمي الذي أُعرَفُ به "لا أدري"، فقال المأمون: وسمّيت لا أدري لأنّك لا تدري ... بما فعل الحبّ المبرح في صدري ومن أبيات المعاني: وحللت من مضر بأمنع ذروة ... منعت بحدّ الشوك والأحجار قالوا: يريد بالشوك أخواله وهم قتادة وطلحة وعوسجة، وبالأحجار أعمامه وهم صفوان وفهر وجندل. وجمع ابن دريد ثمانية اسماء في بيت واحد وهو قوله: فنعم أخ الجلى ومستنبط الندى ... وملجأ مكروب ومفزع لاهث عياذ بن عمرو بن الجليس بن عامر بن زيد بن منظور بن زبد بن وارث وقال بعضهم: لعمرك ما الأسماء إلاّ علامة ... منار ومن خير المنار ارتفاعها وقال الفرزدق: وقد تلتقي الأسماء في النّاس والكُنى ... كثيراً ولكن ميّزوا في الخلائق وقال البحتري: وإذا الأنفس اختلفن فما ... يغني اتّفاق الأسماء والألقاب قال الزمخشري في ربيع الأبرار: إعلم أنّ الإسم كلّما كان غريباً كان أشهر لصاحبه وأمنع من تعلّق النبز به، كما سمّيت "اسما" بنت أبي بكر "ذات النطاقين"، وقد صارت لها هذه الصفة علماً بالتغليب بحيث لم يوجد في نظم الشعراء من وصف به غيرها من النساء، وسمّيت بذلك لأنّها كانت تطارق نطاقاً فوق نطاق عند معاناة الأشغال، أو كانت تظاهر بين نطاقين لزيادة التستّر، أو غير ذلك ممّا هو منقول في محلّه. قال ابن الأثير في نهايته: المنطق النطاق وجمعه مناطق وهو أن تلبس المرأة ثوبها ثمّ تشدّ وسطها بشيء وترفع وسط ثوبها وترسله على الأسفل لئلاّ تعثر في ذيلها، وهذا أليق بالقول الأوّل وهو أنّها تصنع ذلك عند معاناة الأشغال. وفي القاموس: المنطقة كمكنسة ما ينتطق به وكمنبر وكتاب شقّة تلبسها المرأة وتشدّ وسطها فترسل الأعلا على الأسفل إلى الأرض، والأسفل ينجرّ على الأرض ليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان، وانتطقت لبستها. قوله: ولا نيفق، نيفق السراويل، الموضع المتّسع منها، وهذا أليق بالوجه الثاني وهو أنّها تصنع ذلك لزيادة التستّر. وكما سمّيت هنيدة بنت صعصعة "ذات الخمار" وهي عمّة الفرزدق، وكانت تقول: من جاءت بأربعة كأربعتي من نساء العرب يحلّ لها أن تضع خمارها عندهم فصرمتي لها: أبي صعصعة، وأخي غالب، وخالي الأقرع بن حابس، وزوجي الزبرقان بن بدر. قولها: فصرمتي لها، الصرمة بكسر الصاد وسكون الراء القطعة من الإبل. وكما سمّي الإسكندر "ذاالقرنين" من حيث ملك الشرق والغرب. وقيل: لكونه رأى في النوم أنّه أخذ بقرني الشمس، أو غير ذلك ممّا ذُكر. وكما سمّي خزيمة "ذا الشهادتين" وسبب تسميته بذلك أنّ النبي ﵌ استقضاه يهودي ديناراً، فقال له: أولم أقضك؟ فطلب البيّنة، فقال لأصحابه: أيّكم يشهد لي؟ فقال خزيمة: أنا يا رسول الله، فقال: وكيف تشهد بذلك ولم تحضره ولم تعلمه؟ فقال: يا رسول الله إنّا نصدّقك على الوحي من السماء، فكيف لا نصدّقك أنّك قضيته، فأنفذ شهادته وسمّاه بذلك لأنّه صيّر شهادته شهادة رجلين. وكما سمّي قتادة بن النعمان "ذا العينين" وسبب ذلك أنّه اُصيبت عينه يوم اُحد فسقطت على خدّه، فردّها رسول الله فكانت أصحّ وأحسن من الاُخرى وكانت تعتلّ الباقية ولا تعتل المردودة، فقيل له ذا العينين أي له عينان مكان الواحدة. وكما يُسمّى الجارح من الطير "ذا النظرتين" لأنّه ينظر ثمّ يطأطأ فإذا أثبت الصيد مكانه قصده. وكما يُسمّى الجاسوس من الطّير "ذا العينين".

стр. 5

وطاهر بن الحسين "ذا اليمينين" سمّى بذلك لأنّه قال له المأمون: يمينك يمين أميرالمؤمنين وشمالك يمين فبايع بيمينك يمين أميرالمؤمنين. وكتب إليه بعض أصحابه كتاباً عنونه بقوله: للأمير المهذّب المكنّى بأبي الطيب ذي اليمينين طاهر بن الحسين. والفضل بن سهل "ذا الرياستين" لأنّه دبّر أمر السيف والقلم، وولي رياسة الجيوش والدواوين، ودخل عليه شاعر يوم المهرجان وبين يديه الهدايا، فقال: اليوم يوم المهرجان ... وهديّتي فيه لساتي لك دولتان قديمة ... وحديثة ورياستان لك في الذرى من هاشم ... بيت وبيت خسرواني علم الخليفة حيث أنت ... فصرت في هذا المكان فأمر له بجميع الهدايا. وللشعراء تصرّفات عجيبة وتفنّنات غريبة في جملة من الأسماء من تفأل وهجاء وغير ذلك من ظرائف الأنحاء. قال بعضهم في هجاء من اسمه لؤلؤ: سمّتك أُمّك لؤلؤ فكأنّها ... علمت بأنّك بعد حين تثقب وسمعت تدعى بالجواد فلم أزل ... متعجّباً حتّى رأيتك تُركب نظير قول بعضهم من جملة أبيات: إذا قيل في الدنيا جواد فقل نعم ... جواد ركوب لا جواد عطاء وقال الباخرزي في مأبون: فكأنّه فرعون إلاّ أنّه ... من جانب الوجعاء ذوالأوتاد والوجعاء المراد بها الاُست لا مطلقاً بل أُست المأبون. وسمع البحتري قول ابن الرومي: سمّاه أُسرته العلاء وإنّما ... قصدوا بذلك أن يتمّ علاه فقال: أخذه من قولي: كأنّ أباه حين سمّاه صاعداً ... رأى كيف يرقى في المعالي ويصعد وقال البحتري: سمّاه سعداً ثمّ لم يسعد به ... عمري لقد ألفاه سعد الذابح ومن ظريف ما يُحكى أنّ شهاب الدين كان يوماً عند الملك الأشرف، فدخل عليه سعدالدين الحكيم، وكانت بينهما وحشة، فقال الأشرف: ما تقول يا شهاب الدين في سعدالدين؟ فقال: إذا كان عندك فهو سعد السعود، وإذا كان على السماط فهو سعد بلع، وفي الخيام عن الضيوف سعد الأخبية، وعند المريض سعد الذابح (وهذه الأربعة في برج الجدي والدلو ينزلها القمر) . وممّا جاء للشعراء في مدح الأنساب والإفتخار بها في الأشعار قول أبي تمام: نسب كان عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا وقول البحتري: نسب كما اطّردت كعوب مثقف ... لدن يزيدك بسطة في الطول وقول الشريف الرضي: لهم نسب كاشتباك النجوم ... ترى للمناقب فيه ازدحاما وقول مهيار: أعجبت بي بين نادي قومها ... أُمّ سعد فمضت تسئل بي سرّها ما علمت من خلقي ... فأرادت علمها ما حسبي لا تخالي نسباً يخفضني ... أنا من يرضيك عند النسب قومي استعلوا على الدهر علاً ... ومضوا فوق رؤس الحقب عمّموا بالشمس هاماتهم ... وبنوا أبياتهم بالشهب وأبي كسرى على أيوانه ... أين في الناس أب مثل أبي سؤدد الملك القدامى وعلى ... شرف الإسلام لي والأدب قد قبست المجد من خير أب ... وقبست الدين من خير نبي وضممت الفخر من أطرافه ... سؤدد الفرس ودين العرب وقولي في نسب بعض أكابر العلويين: نسب عقدن أصوله ... بذوائب العليا فروعه ولنختم هذا المقام بما قاله أبوالحسين ابن عبد الله السلامي مخاطباً للشريف الرضي، ولعمري إنّ من ألّفت لأجله هذا الكتاب لخليق بذلك الخطاب: متناسلين وأنت كنت مرادهم ... متردّدين إليك في الأصلاب حتّى ولدت فأغفلوا أنسابهم ... وغدى وجودك أشرف الأنساب وأمّا حسبه: فغرّة في جباه المآثر، وزهرة في رياض الفضل، قد عطّر جيب الدهر بأرجه، ولألأ سماء الشرف بأشعّته. حسب لو لبست شمس الضحى ... نوره ما لبست ثوب غروب برد فخر وعلى خير الورى ... بيّد السؤدد مزور الجيوب والحسب هو ما يعدّ من مفاخر الآباء أو المال أو الدين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الشرف الثابت في الآباء، وقد يكون الحسب والكرم لمن لا آباء له شرفاء بخلاف المجد، والذي أراه أنّه لا يكمل للمرء فخره بحسبه إلاّ إذا كان له من المآثر ما كان لآبائه، وإلى ذلك يشير قول الشاعر: إنّا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتّكل

стр. 6

نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثلما فعلوا وممّن أجاد في الإفتخار بحسبه أبوالطمحان وذلك حيث قال: وإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه أضائت لهم أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه نجوم سماء كلّما انقضّ كوكب ... بدى كوكب تأوى إليه كواكبه وما زال منّا حيث كان مسوّد ... تسير المنايا حيث سارت مواكبه أخذ قوله: أضائت لهم إلى آخره أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم المعروف بالحصيري القيراوي فنقله من الإفتخار إلى الغزل، فقال: حتّى إذا طاح منها المرط من دهش ... وانحلّ بالظلم نظم العقد في الظلم تبسّمت فأضاء الليل فالتقطت ... حباة منتثر في ضوء منتظم وأخذ السيّد الرضي فقال: بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفّنا الشوق من قرن إلى قدم وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم وقال أبو التمام وأحسن ما شاء في نعت الأحساب: ما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلاّ بحيث ترى المنايا سودا وقال أبوطالب المأموني مفتخراً: أرى مأربكم في نظم قافية ... وما أرى لي في غير العلا إربا عدّوا عن الشعر إنّ الشعر منقصة ... لذي العلاء وهاتوا المجد والحسبا ويشعر بذلك قول أفلاطون الحكيم: من جمع إلى شرف أصله شرف نفسه فقد قضى الحقّ الذي عليه واستدعى التفضيل بالحجّة، ومن أغفل نفسه واعتمد على شرف آبائه فقد عقّهم واستحقّ أن لا يقدم بهم على غيره. وقوله أيضاً: كما أنّ من كان له سلف في الشجاعة والسخاء لا يستحقّ أن يكرم لسلفه إذا كان جباناً بخيلاً، فكذلك سائر أنواع الشرف لا يستحقّ المنتسب إليها التقديم إلاّ إذا حوى ما يذكر به أسلافه. وقال أيضاً: السعيد من تمّت به رياسة آبائه، والشقي منهم من انقطعت عنده. أقول: بل أرى المرء بحسبه أكمل في الفخر إذا زاد بشرف نفسه ذكر آبائه نباهة، وما أحسن قول مهيار في زيادة الابن على آبائه شرفاً: وجئت بمعنىً زائد فكأنّهم ... وما قصروا عن غاية المجد قصّروا وقوله أيضاً وهو من بدائعه ونوادره، بل هو بالسحر أشبه منه بالشعر، وذلك حيث قال: إن كنت ممّن طواه الدهر ممترياً ... منهم فعندك من منشورهم خبر هذا الحسين حيوة خلّدت لهم ... ما هم بأوّل موتى بابنهم نشروا صلّى فزادت على السبّاق حلبته ... محلّق العرف جار خطوه حضر كالسهم أحرز ذكراً يوم ترسله ... لم يعطه أبواه القوس والوتر عصارة فضّلت في الطيب طينتها ... والخمر أطيب شيء منه يعتصر قوله: جار خطوه حضر أي واسع. وأمّا أصله: فأقول إنّه تفرّع عن أصل تروّت بماء الكرم أرومته، ونمت في طينة الشرف جرثومته، وبسقت أراكة شرفه في آفاق المآثر آخذةً بأطراف المفاخر، فتفيّأ العفاف ظلّ أفنانها، واجتنت أكفّ الآمال ثمار أغصانها. كريم تفرّع عن دوحة ... ذكى في العلا طيب أعراقها وكم قد تغنّت بأحلى المديح ... حمام الثناء على ساقها وعلى ذكر الأصل ما رواه الصلاح الصفدي في شرح لامية العجم، قال: نقلت من بعض مجاميع القاضي شمس الدين بن خلّكان قال: أنشدني بعض الاُدباء في الجمال أبي الحسين الجزّار ولا أعرف قائله ولا الأبيات المضافة إليه، فقلت لأبي الحسين ذلك، وقلت إن كنت تعرف ذلك فأنشدنيه وعرّفني قائله، فقال: وما البيت؟ فأنشدته: فليس يرجوه نمير كلب ... وليس يخشاه نمير تيس قال: فاستحسن ذلك المعنى، وجائني ثاني يوم وقال: قد عملت أبياتاً، وأنشدني قوله: ألا قل للذي يسئل ... عن قومي وعن أهلي يريقون دم الأنعام ... في حزن وفي سهل وما زالوا لما يبدون ... من بأس ومن بذل يرجّيهم بنو كلب ... ويخشاهم بنو عجل قال الصلاح: وأوّل البيتين اللّذَين أوردهما ابن خلّكان هو: إن تاه جزّاركم عليكم ... بفطنة في الورى وكيس

стр. 7

وثانيهما البيت الذي مرّ ذكره، وهما لمجاهد الخيّاط، وله في أبي الحسين المذكور عدّة مقاطيع يهجوه بها، وقد عبث الناس بأبي الحسين وهجاه من أهل عصره خلق كثير بالشعر والأرجاز، وما كان في طبقته ممّن هجاه من يقاربه في النظم. ولأبي الحسين الجزّار أيضاً وهو في غاية الحسن: إنّي لمن معشر سفك الدماء لهم ... دأب وسل بهم إن شئت تصديقي تضيء بالدم أشراقاً عراصهم ... وكلّ أيّاهم أيّام تشريق ومن هذا الباب ما قال بعضهم فيمن كان أبوه حجّاماً وهو في غاية الظرافة: أبوك أوهى النجاة عاتقه ... وكم كمي أردى وكم بطل له رقاب الملوك خاضعة ... من بين حاف وبين منتعل يأخذ من مالها ومن دمها ... لم يمس من ثاره على وجل ومن الحكايات اللطيفة في هذا الباب ما رواه الصلاح الصفدي عن بعضهم قال: كنت جالساً عند بعض ولات الطوف ليلة، فجاء بعض غلمانه إليه برجلين فقال لأحدهما: من أبوك؟ فقال: أنا ابن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود ترى الناس أفواجاً على باب داره ... فمنهم قيام حولها وقعود فقال الوالي: ما كان أبو هذا إلاّ كريماً، ثمّ قال للآخر: من أبوك؟ فقال: أنا ابن من دانت الرقاب له ... مابين مخزومها وهاشمها خاضعةً أذعنت لطاعنه ... يأخذ من مالها ومن دمها فقال الوالي: ما كان أبو هذا إلاّ شجاعاً وأطلقهما، فلمّا انصرفا قلت للوالي: أمّا الأوّل فكان أبوه يبيع الباقلاء المصلوقة، وأمّا الثاني فكان أبوه حجّاماً، فقال الوالي: كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك مضمونه عن النسب إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي وفي معنى هذين البيتين ما روي أنّ الخصيب صاحب مصر سأل أبا نؤاس عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي. وممّا يناسب هذا المعنى قول المتنبي: لا بقومي شرّفت بل شرّفوا بي ... وبجدّي فخرت لا بجدودي وبهم فخر كلّ من نطق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد ويقال لمن يفخر بنفسه هو "عصامي" إشارة إلى قول النابغة في عصام حاجب النعمان: نفس عصام سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما وصيّرته ملكاً هماما ويقال لمن يفخر بآبائه "عظامي" إشارة إلى فخره بالأموات من آبائه ورهطه، قال الشاعر: إذا ما الحي عاش لعظم ميت ... فذاك العظم حيّ وهو ميت ودخل عبيد الله بن زياد التميمي على أبيه وهو يجود بنفسه، فقال: ألا اُوصي بك الأمير؟ فقال: إذا لم يكن للحي إلاّ وصيّة الميّت فالميّت هو الحي. ويقال: إنّ عطاء بن سفيان قال ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال: حسبك ما أغناك به معاوية، قال: فهو إذاً الحي وأنت الميّت. قال علي ﵇: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه. وقال ﵇: من فاته حسب نفسه لم ينفعه حسب آبائه. قال الشاعر: لئن فخرت بآباء ذوي حسب ... لقد صدقت ولكن بئسما ولدوا وكان يقال: أجهل الناس من افتخر بالعظام البالية، وتبجح بالقرون الماضية، واتّكل على الأيّام الخالية. وكان يقال: من طريف الاُمور حيّ يتّكل على ميّت. وكان يقال: ضعة الدني في نفسه الرفيع في أصله أقبح من ضعة الوضيع في نفسه وأصله، لأنّ هذا تشبه بآبائه وسلفه وذاك قصر عن أصله وسلفه، فهو إلى الملامة أقرب وعن العذر أبعد. وافتخر شريف بآبائه فقيل له: لو وفّقت لما ذكرت أباك لأنّه حجّة عليك تنادي بنقصك وتقرّ بتخلّفك. وكان جعفر بن يحيى يقول: ليس من الكرام من افتخر بالعظام. وقال الفضل بن الربيع: كفى بالمرء عاراً أن يفتخر بغيره. وقال: من افتخر بآبائه فقد نادى على نفسه بالعجز، وأقرّ على نفسه بالدنائة. وقيل لرجل يدلّ بشرف أبيه: لعمري لك أوّل ولكن ليس لأوّلك آخر. ومثله: إنّ شريفاً بآبائه فاخر شريفاً بنفسه، فقال الشريف بنفسه: إنتهى إليك شرف أهلك ومنّي ابتدء شرف أهلي، وشتّان بين الإبتداء والإنتهاء. وقيل لشريف ناقص الأدب: إنّ شرفك بأبيك لغيرك، وشرفك بنفسك لك، فافرق بين ما لك وما لغيرك، ولا تفرح بشرف النسب فإنّه دون شرف الأدب. قال ابن الرومي:

стр. 8

وما الحسب الموروث لا درّ درّه ... بمحتسب إلاّ بآخر مكتسب إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتدّه الناس في الحطب وقال آخر: وما فخري بمجد قام غيري ... إليه وقد رقدت الليل عنّه إلى حسب الفتى في نفسه انظر ... ولا تنظر هديت إلى ابن من هو وقال آخر: إذا فخرت بآبائي وأجدادي ... فقد حكمت على نفسي لأضدادي هل نافعي إنّ سعي جدّي لمكرمة ... ونمت عن أختها في جانب الوادي وقال آخر: أيقنعني كوني ابن من كوني ابنه ... أبى لي أن أرضى لفخري بمجده إذا المرء لم يحو العلاء بنفسه ... فليس بحاو للعلاء بجدّه وهل يقطع السيف الحسام بأصله ... إذا هو لم يقطع بصارم حدّه ويقال لمن يفخر بغير أولية كانت له "خارجي"، قال كثير العبد العزيز: أبا مروان لست بخارجي ... وليس قديم مجدك بانتحال وأمّا بيته: فأقول إنّه نشأ في بيت رفعت يد العزّ على أوّل الدهر قواعده، وطهرت للطائفين والعاكفين محاريبه ومساجده، ووقّرت الهيبة مجلسه، وزهرت به بشاشته المؤنسه، فلا ينطق نديّه العوراء، ولا تمرّ بأطراف سماطه البذائة والفحشاء، ومن كان له هذا البيت صدق فيه بيت الأرجاني: وأحسن حلية بيت حديث ... يصاغ لمن له بيت قديم بيتٌ هو معرس السفر، ومغرس الحمد والشكر، ومجتمع الرغائب، ومنتجع المواهب. بيت مجد إن حوى شكر الورى ... فعلى معروفه كانوا عيالا لم يكن للجود إلاّ مطلعاً ... يملأ العين هلالاً فهلالا ولقد أجاد الإفتخار في بيته الفرزدق بن غالب وذلك حيث قال: إنّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعزّ وأطول بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبوالفوارس نهشل حدّث سلمة بن عياض مولى بني عامر بن لوي قال: دخلت على الفرزدق السجن وهو محبوس وقد قال قصيدته التي منها: إنّ الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعزّ وأطول بيتاً بناه لنا المليك وما بنى ... ملك السماء فانّه لا ينقل وقد أُفحم، فقلت: ألا أرفدك؟ فقال: وهل عندك ذاك؟ قلت: نعم، ثمّ قلت: بيتاً زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبوالفوارس نهشل فاستجاد البيت وغاظه قولي، فقال لي: ممّن أنت؟ فقلت: من قريش، قال: من أيّها؟ قلت: من بني عامر بن لوي، فقال: لئام والله وضيعة جاورتهم بالمدينة فما أحمدتهم، فقلت: ألأم والله منهم وأوضع قومك، جائك رسول مالك بن المنذر وأنت سيّدهم وشاعرهم فأخذ بأُذنك يقودك حتّى حبسك فما اعترضه أحد ولا نصرك، فقال: قاتلك الله ما أمكرك، وأخذ البيت وأدخله في قصيدته. وحدّث أبو مالك الرواية قال: سمعت الفرزدق يقول: أبق غلامان لرجل منّا يقال له النضر، فحدّثني قال: خرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عيساء كوماء أُريد اليمامة، فلمّا صرت في ماء لبني حنيفة يقال له الصرصران، ارتفعت سحابة فأرعدت وأبرقت وأرخت عزاليها، فعدلت إلى بعض ديارهم وسألت القرى، فأجابوا، فدخلت داراً لهم وأنخت راحلتي وجلست تحت ظلّة لهم من جريد النخل، وفي الدار لهم جويرية سوداء إذ دخلت جارية كأنّها سبيكة فضّة وكأنّ عينيها كوكبان درّيّان، فسألت الجارية: لمن هذه العيساء - تعني ناقتي -؟ فقيل: لضيفكم هذا، فعدلت إليّ وسلّمت عَلَيّ، فرددت ﵍، فقالت: ممّن الرجل؟ فقلت: من بني حنظلة، فقالت: من أيّهم؟ فقلت: من بني نهشل، فتبسّمت وقالت: أنت إذاً ممّن عناه الفرزدق بقوله، وذكرت الأبيات السابقة، قال: فقلت: نعم جعلت فداك وأعجبني ما سمعت منها، فضحكت وقالت: فإنّ ابن الخطفي قد هدم عليكم بيتكم هذا الذي قد فخرتم به وذلك حيث يقول: أخزى الذي رفع السماء مجاشعاً ... وبنى بناءً بالحضيض الأسفل بيتاً يحمّم قينكم بفنائه ... دنساً مقاعده خبيث المدخل قال: فوجمت، فلمّا رأت ذلك في وجهي قالت: لا بأس عليك فإنّ الناس يقال فيهم ويقولون، ثمّ ساقت حديث اليمامة وقصّة ابن عمّها عمرو بن كعب بن عمرو بن محرق بن النعمان بن المنذر بن ماء السماء. رجع إلى ما كنّا فيه: قال بعضهم وأحسن كلّ الإحسان بقوله مفتخراً:

стр. 9

إن أكن مهدياً لك الشعر إنّي ... لابن بيت تهدى له الأشعار أخذ هذا المعنى الصاحب بن عباد أخذاً حسناً فقال مفتخراً: إنّ خير المداح من مدحته ... شعراء البلاد في كلّ نادي وقال مهيار الديلمي في أبي الحسن محمّد بن علي بن المزرع وقد بلغ النهاية في الحسن: وحبّذا بين بيوت أسد ... بيت إذا ضلّ الضيوف هادي أتلع طال كرماً ما حوله ... تشرّف الربى على الوهاد موضحة على ثلاثة ناره ... إن سرقوا النيران في الرماد بيت وسيع الباب مبلول الثرى ... ممهّد المجلس رخص الزاد إن قوّض البيوت أصل جائر ... طنّب بالآباء والأجداد ترفع من محمّد سجوفه ... جوانب الظلماء عن زياد فصل في كرمه وأخلاقه أمّا كرمه: فإنّه ومنشىء البشر للكريم الذي صدق فيه المخبر والخبر، وشهد بجوده السمع والبصر، لا كمن كاصله أياديه، خبر يلفقه لسان راويه؛ قد حسن منظره وقبح مخبره. إن يبلغنّك عن جود امرء خبر ... فكذّب السمع حتّى يشهد البصر ولا يغرّنّك من راقت ظواهره ... فربّ دوح نظير ما له ثمر كأنّما بعث في الجود وحده، مرسلاً لا نبيّ بعده، في زمن لا تندى صفاته، ولا تلين الإستعطاف حصاته، فلا يشار في صلة الأرحام والأواصر إلاّ إليه، ولا تنعقد الخناصر في تعداد الكرام إلاّ عليه، ويحقّ لي أن أُنشىء فيه: توسّمت أبناء الزمان فشمتهم ... وبعضهم في لؤمه مشبه بعضا فبين ضنين بالعطا متوقّف ... ولكنّه في المنع كالسيف بل أمضى وبين شديد الحرص لو يبس كفّه ... على الأرض يلقى لحظة أمحل الأرضا فلم أر للمعروف أهلاً سوى امرء ... يرى صلة الوفّاد يوم الندى فرضا على أنّه إنّما يحسن إهداء الثناء إليه، مع غنائه عنه بما تثني ألسنة مكارمه عليه، من حيث أنّ المدح يذيع بنشره كما يذيع النسيم الغض بريا المسك على طيب نشره، كما قلت فيه - وفيه التضمين -: محمّد الحسن استغنيت بالحسن ... من مدح مجدك عمّا قيل في الزمن فكارم العرب في تلك الجفان وقل ... "هذي المكارم لا قعبان من لبن" وفاخر الصيد في لبس الثناء وقل ... "هذي المفاخر لا ثوبان من عدن" والتضمين المذكور في شطرين من بيتين لبعضهم وهما: هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا هذي المفاخر لا ثوبان من عدن ... خيطا قميصاً فعادا بعد أسمالا وممّا ورد في مدح الكرم وأربابه وذمّ البخل وأربابه: قال أميرالمؤمنين علي ﵇: الكريم لا يلين على قسر ولا يقسو على يسر. وقال ﵇: من قبل عطائك فقد أعانك على الكرم، ولولا من يقبل الجود لم يكن من يجود. وقال ﵇: من انتجعك مؤمّلاً فقد أسلفك حسن الظن. وقال ﵇: أحبّ الناس إليك من كثرت عندك أياديه، فإن لم يكن فمن كثرت عنده أياديك. وقال ﵇: الرغبة إلى الكريم تحرّكه على البذل، وإلى الخسيس تغريه بالمنع. وقال الصادق جعفر بن محمّد ﵇: إنّ الحاجة لتعرض للرجل عندي فاُبادر بها خوفاً من أن يستغني عنها أو تأتيه وقد استبطاها فلا يكون لها عنده موقع. وكانت أُمّ البنين تقول: أُفٍّ للبخل، لو كان ثوباً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته. وقال المأمون: لئن أخطىء باذلاً أحبّ إليّ من أن أُصيب مانعاً. وقال محمّد بن السماك: أهنىء المعروف ما لا مطل في أوّله ولا مَنٌّ في آخره. ومدح نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر فأجزل عطيّته، فقيل له: تسنع بهذا العبد الأسود مثل هذا؟ فقال: إن كان أسود فإنّ ثناه أبيض بقق، وشكره عربي ذو رونق، ولقد استحقّ بما قال أكثر ممّا نال، وهل هي إلاّ رواحل تنضى وثياب تبلى وما يفنى، استعضنا عنه مديحاً يروى وثناء يبقى. وكتب رجلاً من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإبقاء على نفسه ويخوّفه الفقر، فردّ عليه: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بالفَحْشاء واللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً واللهُ واسِعٌ عَليمٌ) ، وأنا أكره أن أترك أمراً قد وقع لأمر لعلّه لا يقع.

стр. 10

وقيل لابن عبّاس: من سادة الناس؟ فقال: أمّا في الدنيا فالأسخياء، وأمّا في الآخرة فالأتقياء. وسُئِل شعيب: ما الجود؟ فقال: أن لا يضن الرجل بما يملك عمّن هو لعطيّته أهل. ومن أمثالهم: ألبخل يهدم مباني الكرم. وقد ذمّ رجل رجلاً فقال: ما تبل إحدى يديه الاُخرى. وقال آخر في البخيل: البخيل يملأ بطنه والجار جايع، ويحفظ ماله والعرض ضايع. وقال معاوية لعمرو: ما السخاء يا أبا عبد الله عند العرب؟ قال: جهد المقل. ينظر فيه قول رسول الله ﵌: جهد المقل أكثر من عفو المكثر. وكان يقال: ما عزّة أثبت أركاناً ولا ألزم بنياناً من بثّ المكارم واكتساب المحامد. ومن مختار قول الحكماء في الكرماء واللؤماء قولهم: الكرام في اللئام كالغرّة في جبهة الفرس. ومن مختار قول الثعالبي في ذلك: الكريم إذا سُئل ارتاح، واللئيم إذا سُئل ارتاع. الكريم في مركز القلب، واللئيم في مزجر الكلب. وقال في الكريم على حدّه: طلعة الكريم طلقة عند اللقاء ويده منطلقة بالعطاء. وقال في اللئيم على حدّه: همّة البخيل هامدة ومنّته خامدة ويده جامدة، الإحسان إلى اللئيم أضيع من الرقم على بساط الهواء والخط على بسيط الماء. وأحسن ما قيل في المبالغة بقلّة الكرام وكثرة اللئام قول الشيخ أبي تمام: ولقد يكون ولا كريم نناله ... حتّى نخوض إليه ألف لئيم ومن الغايات قوله في المدح بالسخاء: هو البحر أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله تعود بسط الكف حتّى لو أنّه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله ولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله قوله: تعود بسط الكف الخ لحظه السيّد الرضي فقال متحمّساً: أبر على الآمال فضلي ونائلي ... وطال على الجوزاء قدري ومحتدي ألفت يدي بذل النوال فلو نبت ... عن الجود يوماً قلت ما هذه يدي وممّا يبهي بحسنه قول أبي الحسن بن مرزويه مهيار: تعطي حياءً مطرقاً ملثّماً ... وقد وهبت مسنياً ومجزلا ويسفر الناس على بخلهم ... لأنّهم لا يعرفون الخجلا وقال البحتري: يعطي عطاء المحسن الخضل الندي ... عفواً ويعتذر اعتذار المذنب وقال أيضاً: كاد ممتاحه لسابق جدواه ... يكون الإصدار قبل وروده وقال أيضاً: دع المطي مناخات بأرحلها ... لم ينض عنهنّ تصدير ولا حقب فما تزيد على إلمامة خلس ... بأحمد بن عليّ ثمّ تنقلب وقال أيضاً: أعطيتني حتّى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعةً لم توهب فشبعت من بر لديك ونائل ... ورويت من أهل لديك ومرحب وقال أبو نصر عبد العزيز: قد جدتني باللهى حتّى بها ... وكدت من ضجري أثني على البخل لم يبق جودك لي شيئاً أؤمّله ... تركتني أصحاب الدنيا بلا أمل وقال البحتري: إنّي هجرتك إذ هجرتك وحشةً ... لا العود يذهبها ولا الابداء أحشمتني بندى يديك فسوّدت ... مابيننا تلك اليد البيضاء وقطعتني بالجود حتّى أنّني ... متخوّف أن لا يكون لقاء صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجباً وبر راح وهو جفاء ومنه أخذ أبوالعلا المعرّي معنى قوله وزاد فيه التمثيل فقال: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر وفي هذا المعنى ما حكاه علي بن جبله المعروف بالعكوك قال: زرت أبا دلف بالجبل فكان يظهر من برّي وإكرامي والتحفي بي أمراً مفرطاً حتّى تأخّرت عنه حيناً، فبعث إليّ معقلاً فقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّي وأحسبك استقللت برّي فلا تغضب من ذلك فسأزيد فيه حتّى ترضى، فقلت: والله ما قطعني عنه إلاّ إفراطه في البرّ، وكتبت إليه: هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر ولكنّني لمّا أتيتك زائراً ... فأفرطت في برّي عجزت عن الشّكر فملآن لا آتيك إلاّ مسلّماً ... أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر فإن زدتني برّاً تزايدت جفوةً ... فلا نلتقي حتّى القيامة في الحشر

стр. 11

فلمّا وقف أبو دلف على الأبيات قال: قاتله الله ما أحسن شعره وأدقّ معانيه، وبعث إليّ بوصيف معه ألف دينار. أقول: قوله: فملآن لا آتيك معناه فمن الآن، فحذف النون، وهذا الحذف شايع مستعمل عند مضايقة الكلام، قال ابن دريد في مقصورته: من رام ما يعجز عنه طوقه ... ملعبأ يوماً آض مهزول المطا أي من العبأ. وقال الشريف الرضي: من أيّ الثنايا طالعتنا النوائب ... مأي حمىً منّا رعته المصائب أي من أيّ الثنايا والنظائر كثيرة. رجعٌ إلى ما كنّا فيه من المدح بالسخاء: قال أبو عبادة البحتري: بدت على البدو نعمىً منه سابغة ... وقد تحضر أُخرى مثلها الحضر لا يتعب النائل المبذول همّته ... وكيف يتعب عين النّاظر النّظر وقال أيضاً: لا يستريح من الألفاظ منطقه ... إلاّ إلى نعم تفتر عن نعم وقال مهيار: لهم دوحة خضراء رويّ أصلها ... بماء الندى الجاري وطيب فرعاها نمت كلّ مغرور عن المجد سنّه ... يقول نعم في المهد أوّل ما فاها وما أحلى قول البحتري في قصيدة: إذا باكرته غاديات همومه ... اراح عليها الراح حمراء كالورد كأنّ سناها بالعشي لشربها ... تبلج عيسى حين يلفظ بالوعد له ضحكة عند النوال كأنّها ... تباشير برق بعد بعد من العهد كأنّ "نعم" في فيه حين يقولها ... مجاجة مسك خيض في ذائب الشهد وقال إسماعيل بن أحمد الشاشي: ما قال لا قطّ مذ حلّت تمائمه ... بخلاً بها فوجدنا الجود في البخل ما ألطف هذا المعنى وأشرفه وهو يشبه قول أبي محمّد الخازن في مدح الصاحب ابن عباد: نعم تجنب لا يوم العطاء كما ... تجنّب ابن عطاء لثغة الراء وهو من قول الفرزدق: ما قال لا قط إلاّ في تشهّده ... لولا التشهّد كانت لائه نعم ومثله ما قيل في قثم بن العباس: أعفيت من حل ومن رحلة ... يا ناق إن أدنيتني من قثم إنّك إن أدنيتنيه غداً ... حالفني اليسر ومات العدم في وجهه نور وفي باعه ... طول وفي العرنين منه شمم أصم عن قيل الخنا سمعه ... وما عن الخير به من صمم لم يدر "ما" لا و"بلى" قدري ... فعافها واعتاض عنها نعم ومثله قول بعضهم: أبى جوده "لا" البخل واستعجلت به ... "نعم" من فتىً لا يمنع الجود قائله قال الزمخشري في أحاجيه: هذا البيت غامض ما رأيت أحداً فسّره. وحكى يونس عن عمرو بن العلا أنّه جرّ البخل بإضافة لا إليه وأورده أبو علي بنصب البخل وزعم أنّه مفعول أبى وأنّ لا زائدة، وحكى ذلك عن أبي الحسن الأخفش. قال: وأمّا بقيّة البيت فلم يفسّره وهومشكل جدّاً. أقول: ويترجّح في نظري ما فسّره به بعض القدماء قال في معناه أنّه مدح لكريم، أبى جوده أن ينطق بلا التي للبخل واستعجلت بجوده نعم أي سبقت نعم لا صادرة من فتىً لا يمنع. والهاء في قائله تعود على نعم أي قائل نعم لا يممنع الجود، وهذا أليق التفاسير على كثرتها. ومن ذلك ما قاله الوليد في معاوية يهجوه وقد عكس فيه المعنى المتقدم: فإذا سُئلت تقول لا ... وإذا سألت تقول هات تأبى فعال الخير لا ... تسقي وأنت على الفرات أفلا تميل إلى نعم ... أو ترك لا حتّى الممات وقال آخر في المدح: بدأت بمعروف وثنّيت بالرضا ... وثلّثت بالحسنى وربّعت بالكرم وباشرت أمري واعتنيت بحاجتي ... وأخّرت لا عنّي وقدّمت لي نعم وصدّقت لي ظنّي وأنجزت موعدي ... وطبت به نفساً ولم تتبع الندم فإن نحن وافينا بشكر فواجب ... وإن نحن قصّرنا فما الودّ متّهم وأمّا أخلاقه: فأقول أنّه قد تحلّى بطباع شفافه، وأخلاق أرقّ من السلافه، لا تحمل قذى الواشين لصفائها، ولا تروى عن ابنة العنقود سورة صهبائها، تزيّنها شيم الطف من روضة باكرها الطل، وأطيب من شيحة تتحدّث عن أريجها النسائم. خلق شف فالنسيم كثيف ... عنده إن قرنت فيه النسيما لأخي شيمة تعلم منها ... الغيث إذ يستهلّ أن لا يريما قد حواها عن معشر أورثوها ... منه من كان مثلهم مستقيما

стр. 12

فهي في اللطف أوّلاً وأخيراً ... شرع تفضل العرار شميما فكأنّ القديم كان حديثاً ... وكأنّ الحديث كان قديما قال علي ﵇: ربّ عزيز أذلّه خرقه، وذليل أعزّه خلقه. وقال ﵇: من لم تصلح خلائقه لم ينفع الناس تأديبه. وكان يقال: ألق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. ووصف أعرابي رجلاً بحسن البشر فقال: لا تراه الدهر إلاّ كأنّه لا غنى به عنك فإذا أذنبت غفر وكأنّه المذنب، وإن أحسن اعتذر وكأنّه المسيء. وقال النبي ﵌: إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه وحسن الأخلاق. أقول: وحسبك مدحاً لحسن الخلق قوله تعالى لنبيّه: (إنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم) . وقال النبي ﵌: مكارم الأخلاق عشرة تكون في الرجل ولا تكون في ابنه، وتكون في الإبن ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في سيّده. قيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصدق البأس، وإعطاء السائل، والمكافات بالصنايع، وصلة الرحم، والتذمّم للجار والصاحب، والحلم في القدرة، والمواساة في الشدّة، وقرى الضيف، ورأسهنّ الحياء. وقال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉ فأعجبني سمته وروائه فأثار منّي الحسد ما كان يجنّه صدري من البغض لأبيه، فقلت له: أنت ابن علي بن أبي طالب؟ فقال: نعم، فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظرة عاطف رؤف، ثمّ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ، وَإمَّا يَنْزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ باللهِ إنَّهُ سَميعٌ عليم، إنَّ الَّذينَ اتَّقَوا إذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فإذا هُمْ مُبْصِرُون) ثمّ قال لي: خفّض عليك، أستغفر الله لي ولك، إنّك لو استعنتنا أعنّاك، ولو استرفدتنا رفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. قال عصام: فتوسّم في الندم على ما فرط منّي، فقال: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْم يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين) ، أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، حيّاك الله وبيّاك، انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك تجد عندنا أفضل ظنّك إنشاء الله. قال عصام: فضاقت عَلَيّ الأرض بما رحبت ووددت لو ساخت بي ثمّ تسلّلت منه لواذاً وما على وجه الأرض أحد أحبّ إليّ منه ومن أبيه. أقول: أمّا قوله: شنشنة أعرفها من أخزم فهو مثل قائله أبو أخزم الطائي جدّ حاتم الطائي أو جدّ جدّه على ما قيل، ويقال: إنّ ابنه أخزم مات وترك بنين فوثبوا على جدّهم فأدموه، فقال: إنّ بَنِيَّ رمّلوني بالدم ... من يلق آساد الرجل يكلّم ومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم والشنشنة السجيّة والطبيعة. وفي بعض النسخ: ومن يكن درء به يقوم، والدرء الميل والإعوجاج في القنات. وعلى ذكر عقوق الأولاد: حدّث المدائني قال: كان جرير بن عطيّة الخطفي الشاعر المشهور من أعقّ الناس بأبيه، وكان ابنه بلالاً أعقّ الناس به، فراجع جرير بلالاً في الكلام فقال له بلال: الكاذب منّي ومنك من ناك أُمّه، فأقبلت عليه أُمّه وقالت: يا عدوّ الله تقول هذا لأبيك؟! فقال لها جرير: دعيه فوالله لكأنّي أسمعها وأنا أقولها لأبي. ونظير ذلك ما حكي عن يونس بن عبد الله الخيّاط أنّه مرّ برجل وهو يعصر حلق أبيه وكان عاقّاً به، فقال له: ويحك أتفعل هذا بأبيك، وخلّصه من يده، ثمّ أقبل على الأب يعزّيه ويسكّن منه، فقال له الأب: يا أخي لا تلمه واعلم أنّه ابني حقّاً، والله لقد خنقت أبي في هذا الموضع الذي خنقني فيه، فانصرف الرجل وهو يضحك. وما أحسن قول أُم ثواب في ابن لها وقد عقّها: ربّيته وهو مثل الفرخ أطعمه ... أم الطعام ترى في جلده الزغبا حتّى إذا آض كالفحال شذّ به ... أباره ونفى عن متنه الكربا أمسى يخرق أثوابي يؤدّبني ... أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا قالت له عرسه يوماً لتسمعني ... مهلاً فإنّ لنا في أُمّنا إربا ولو رأتني في نار مسعرةً ... ثمّ استطاعت لألقت فوقها حطبا

стр. 13

قولها: كالفحال هو من النخل ما كان من ذكوره فحلاً لإناثه، جمعه فحاحيل، ولا يقال فحال إلاّ في النخل خاصّة. وشذّ به أباره يقال: جذع مشذّب أي مقشّر، وتقشير الجذع إزالة الكرب عنه، وتأبير النخل إصلاحه. وقال قرعان في ابنه منزل وقد عقّه من جملة أبيات يقول فيها: جرت رحم بيني وبين منازل ... جرّاء كما يستنزل القطر طالبه تربّيته حتّى إذا آض شيظماً ... يكاد يساوي غارب الفحل غاربه وكان له عندي إذا جاع أو بكى ... من الزاد أحلا زادنا وأطائبه تعمّد حقّي ظالماً ولوّى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه وربّيته حتّى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه وجمعتها دهماً جلاداً كأنّها ... أشاء نخيل لم تقطع جوانبه فأخرجني منها سليباً كأنّني ... حسام يمان فارقته مضاربه وقال آخر في ولد له: فلمّا بلغت السنّ والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل جعلت جزائي غلظة وفضاضةً ... كأنّك أنت المنعم المتفضّل رجع الكلام إلى كلام الحسن ﵇: قوله: حيّاك وبيّاك، معنى حيّاك أبقاك الله وملّكك، ومعنى بيّاك أضحكك أو قرّبك أو جاء بك أو بوّئك منزلاً أو أنّه تباع لحيّاك. ومن محاسن الأخلاق ما يروى عن بهرام أنّه خرج متصيّداً فعنّ له حمار وحش فأتبعه حتّى صرعه وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه وبصر براع فقال له: أمسك على فرسي، وتشاغل بذبح الحمار وحانت منه التفاتة فنظر إلى الراعي وهو يقلع جواهر عذار فرسه، فحوّل وجهه عنه وقال: تأمّل العيب عيب، وعتاب من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سفه، والعفو من شيم الملوك، ثمّ قال: يا غلام آتني بفرسي، فلمّا أتاه به ضرب بهرام بيده إلى شريان الراعي ثمّ قال: يا غلام ما بال شريانك يضطرب، لعلّك آذاك وطئنا أرضك بحوافر خيلنا؟ قال: نعم وقد عزمت على السفر لأرض كذا وهو موضع بعيد، فقال بهرام: لا ترع فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعي خبيثاً داهياً، فقال: إنّ الملوك إذا قالوا قولاً أتبعوه بفعل، فرجع بهرام إلى عسكره وقال له: أتبعني لأوثق لك من هذه الأرض، فأتبعه، فلمّا بصر به الوزير قال: أيّها الملك إنّي أرى جواهر عذار فرسك مقلعاً، فتبسّم وقال: نعم أخذه من لا يردّه ورآه من لا ينم عليه. وممّا جاء في الشّيم قولهم: شيم الأحرار إحرار الشّيم. وقال الثعالبي: أحسن الشيم ما يشام منه بارق الكرم. ومن جيّد ما جاء في الشيم والأخلاق الأنيقة قول بعض الشعراء: تزين الفتى أخلاقه وتشينه ... وتذكر أخلاق الفتنى وهو لا يدري وقول الآخر: وبعض أخلاق الفتى ... أولى به من نسبه وقول مهيار: حببّه إلى النفوس خلق ... لو ذاقه عدوّه حلى له وقوله: فلو سبكت خلقه المطرب في ... الكاسات ما غودرت الأثملا وقول أبي طاب المأموني: وخلائق كالخمر درّ فعاله ... حبّب لهنّ وما لهنّ خمار وقول الآخر: ولي شيمة في وجنة الدهر شامة ... تنير على رغم الصباح الدياجيا وقول مهيار: ملآن من شرف التحيّة نفسه ... تحوي الفضائل من جميع جهاتها وقول المعرّي: وسجايا محمّد أعجزت في الو ... صف لطف الأفكار والأذهان وقول البحتري: قد وجدنا محمّد بن عليّ ... غاية المجد قائلاً وفعولا ولقينا شمائلاً تنثر المسك ... سحيقاً كما لقيت شمولا وقول أبي تمام: فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع فصل في حلمه ونهاه ووقاره وحجاه أقول: إنّه الحليم الذي ما ضمنت أحلم منه معاقد حبوه، ولا التفت عللى أوقر منه مجامع ندوه يزينه من الحجى ركانه، ومن النهى ما يعلى على النبلاء مكانه. زعيم بني الشرف الواضح ... وربّ النهى والحجى الراجح حليم إذا ما عرا فادح ... توقّر يرسي على الفادح وقور على مقذعات الحسود ... وهل يعبأ البدر بالنابح الحلم هو الأناة، والنُّهى العقل، والوقار الحلم، والركانة الوقار والرزانة، والحجى العقل أيضاً. قالت الحكماء: الحلم أفضل من العقل لأنّ الله وصف نفسه به.

стр. 14

ويقال في المثل: حسب الحليم أنّ الناس أنصاره. وقال أميرالمؤمنين علي ﵇: ربّ كلمة يخترعها حليم مخافة ما هو شرّ منها، وكفى بالحلم ناصراً. وقال ﵇: لِن واحلم تُنْبل، ولا تعجب فتُمقَت وتُمتَهَن. وقيل: من مناقب المرء الحلم من غير ضعف، والجود بغير طلب ثواب الدنيا. وقال بعض الحكماء: من اتّخذ الحلم لجاماً إتّخذه النّاس إماماً، ومن لم يكن حليماً لم يزل سقيماً. وقيل لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: أردّهم لجهله بحلمه. وكان يقال: دلّ على عقل المرء إختياره. قال بعض الشعراء: قد عرفناك باختيارك إذ كا ... ن دليلاً على اللبيب اختياره وقال علي ﵇: العقل إصابة الظنّ ومعرفة ما لم يكن بما كان. وقال ﵇: ذمّ العقلاء أشدّ من عقوبة السلطان. وقال ﵇: من زاد عقله نقص حظّه، وما جعل الله لأحد عقلاً وافراً إلاّ احتُسِبَ به من زرقه. وقال ﵇: الروح حياة البدن، والعقل حياة الروح. وقال ﵇: ليس شيء أحسن من عقل زانه علم، ومن علم زانه حلم، ومن حلم زانه صدق، ومن صدق زانه رفق، ومن رفق زانه تقوى، إنّ ملاك العقل ومكارم الأخلاق صون العرض والجزاء بالقرض والأخذ بالفضل والوفاء بالعهد والإنجاز للوعد، ومن حاول أمراً بالمعصية كان أقرب إلى ما يخاف وأبعد ممّا يرجو. ويقال: العقل منهاة فمن لم تنه تجاربه عدّ من البهائم. وقال الثعالبي: العقل أحسن معقل. وقال: العاقل من يروى له ثمّ يروي، ويُخْبَر ثمّ يخبِر، ويُشاهد ثمّ يشهد، ويعلم ثمّ يعمل. وقال أيضاً: العاقل من يستدلّ بأسارير الوجوه على أسرار القلوب. وقال: العاقل من يرى بأوّل رأيه أواخر الاُمور، ويهتك عن أسبابها ظلم الستور. وقال: العاقل من يشتهي فينتهي، ويبصر فيقصر. ومن جيد الشعر في هذا الفصل قول بعضهم: الحلم يعقب راحةً ومحبّةً ... والصفح عن ذنب المسيء جميل وقال الآخر: من خير ما رُزِق العباد وأُلهموا ... علم يُعاشُ به وحلم راجح وقول الرضي: وأحلم خلق الله حتّى إذا دنا ... إليها الأذى طارت بها جهلاتها ينظر فيه إلى قول النابغة الجعدي: ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا وهذا هو الغاية في بابه. ومن جيد ما قيل في الحلم والوقال قول ابن دريد في مقصورته: يعتصم الحلم بجنبي حبوتي ... إذا رياح الطيش طارت بالحبى وقول البحتري: ووقور تحت السكينة ما ير ... فع من طرفه ضجاج الخصوم وقول المتنبي: وبقايا وقاره عاقت الناس ... فكانت ركانةً في الجبال فصل في تجاربه وذكائه أقول: إنّه هو الذي سبر غور الأيّام بتجاربه، واستشف له النظر فيها أستار عواقبها، ولو تقدّم في الأعصر الأوّل لضرب بذكائه المثل، ورآه الناس أذكى من أياس. حازم يسلس من بعد الشماس ... كلّ أمر راضه صعب المراس ذو ذكاء لو أياس رامه ... لدعاه الفخر عد عنه بياس قتل الأيّام خبراً وله ... قبس التجريب أسنى الإقتباس لو سيوفاً طبعت آرائه ... لبرت ما أدركت حتّى الرواسي قال علي ﵇: العقل غريزة تربّيها التجارب. وقال ﵇: عليك بمجالسة أصحاب التجارب فإنّها تقوم عليهم بأغلا الغلا، وتأخذها منهم بأرخص الرخص. وقال ﵇: في التجارب علم مستأنف، والإعتبار يفيدك الرشاد، وكفاك أدباً لنفسك ما كرهته لغيرك، وعليك لأخيك مثل الذي عليه لك. أقول: وبهذا يعلم أنّ العقل نوعان: غريزة ومكتسب بالتجارب، كما أشار إليه أميرالمؤمنين ﵇، ولم يحكم الأمور محكم كالتجربة. وقيل: التجارب لا غاية لها. والذكاء حدّة الفؤاد. قال علي ﵇: ذكّ قلبك بالأدب كما تذكّي النّار الحطب. والحزم ضبط الرّجل أمره وأخذه بالثقة. قال علي ﵇: أحزم الناس من ملك جدّه هزله، وقهر رأيه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يختدعه رضاه عن حظّه ولا غضبه عن كيده. وقال ﵇: الرأي يريك غاية الاُمور مبدؤه.

стр. 15

وممّا جاء للشعراء في هذا الفصل قول بعضهم: إذا ما قتلت الشيء علماً فقل به ... ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله وكان يقال: قتل أرضعاً عالمها وقتلت أرض جاهلها. قال أبوالطيب المتنبّي: قد بلوت الخطوب حلواً ومرّاً ... وملكت الأيّام حزناً وسهلاً وقتلت الزمان علماً فما يغر ... ب قولاً ولا يجدّد فعلا وقال أيضاً: هذا الذي أفنى النظار مواهباً ... وعداه قتلاً والزمان تجاربا وممّا ورد لبعض الشعراء يصف شاعراً بالذكاء لكنّه أخرجه مخرج التهكّم، وهو ظريف جدّاً: وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط أذكاء أقام يجهد أيّاماً قريحته ... وشبّه الماء بعد الجهد بالماء يريد بهذا قول القائل: كأنّنا والماء من حولنا ... قوم جلوس حولهم ماء قوله: أوقد الطبع الذكاء له، يقال: وقدت النار توقّدت هي وأوقدتها أنا واستوقدتها. ومن الغايات في المدح بالذكاء قول أبي الطيب المتنبّي: تعرف في عينه حقائقه ... كأنّه بالذكاء مكتحل أشفق عند اتّقاد فكرته ... عليه منها أخاف يشتعل وفي معنى البيت الثاني قول الخالدي: لو لم يكن ماء علمي قاهراً فكري ... لأحرقتني في نيرانها فكري وعكس هذا المعنى أبوالعلا المعرّى، فنقله من المدح بالذكاء إلى المدح بالشجاعة وشدّة العزم، فقال: من كلّ من لولا تلهّب بأسه ... لا خضر في يمنى يديه الأسمر قوله: الأخضر في يمنى يديه الأسمر، أخذه مهيار الديلمي أخذاً لطيفاً فقال، ونقله إلى المدح بالكرم: لو ركبوا في عواليهم أناملهم ... يوم الوغى خضرت أطرافها الحمر وحكى أبوالحسن العمري قال: دخلت على الشريف المرتضى فأراني بيتين قد عملهما وهما: سرى طيف سعدي طارقاً فاستفزّني ... هبوباً وصحبي بالفلاة هجود فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالاً طارقاً سيعود فخرجت من عنده ودخلت على أخيه السيّد الرضي، فعرضت عليه البيتين، فقال بديهاً: فردّت جواباً والدموع بوادر ... وقد آن للشمل المشتّ ورود فهيهات من لقيا حبيب تعرّضت ... لنا دون لقياه مهامه بيد فعدت إلى المرتضى بالخبر، فقال: يعزّ عَلَيّ أخي قتله الذكاء، فما كان إلاّ يسيراً حتّى مضى لسبيله. وكان أياس معروفاً بالفطنة والذكاء والفراسة، وذكره أبو تمام في قوله: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء أياس وقد جمع في ذكائه مجلّد. يقال: إنّه نظر إلى ثلاث نسوة فزعن من شيء، فقال: هذه حامل وهذه مرضع وهذه بكر، فسُئِلنَ فكان الأمر كما ذكر، فقيل له: من أين لك ذلك؟ فقال: لمّا فزعن وضعت إحداهنّ يدها على بطنها والاُخرى على ثديها والاُخرى على فرجها. أقول: وهو أياس بن معاوية، حكى المسعودي في شرح المقامات أنّ المهدي دخل البصرة فرأى أياس بن معاوية وهو صبي وخلفه أربعمائة من العلماء وغيرهم وهو مقدّمهم، فقال المهدي: أُف لهؤلاء الفتّانين، أما كان فيهم شيخ يتقدّمهم غير هذا الحدث؟! ثمّ إنّ المهدي إلتفت إليه وقال: كم سنّك يا فتى؟ فقال: سنّي أطال الله بقاء أميرالمؤمنين سنّ أُسامة بن زيد بن حارثة حين ولاّه النبيّ ﵌ جيشاً فيه أبو بكر وعمر، فقال له: تقدّم بارك الله فيك. وقال السيّد الرضي يصف نفسه بالحزم: ومالي بعلم الغيب إلاّ طليعة ... من الحزم لا يخفى عليها المغيّب وقال مهيار في صدق الرأي: يرى بوجه اليوم صدر غده ... تعطيه ما في المصدر الموارد وقال أيضاً: يطلعه نجد كلّ مشكلة ... فكرّ وراء الغيوب مطلع وقال البحتري: ومصيب مفاصل الرأي إن حا ... رب كانت آرائه من جنوده قوّمت عزمه الأصالة والرمح ... يقيم الثقاف من تأويده فصل في فصاحة لسانه وبلاغة بيانه أقول: هو قادح زند الفصاحة، وماسح غرر سوابق البلاغة، لسانه صفحة منصل، وبيانه عقد مفصّل. بوركت طلعتك الغرّاء يا ... قمراً في فلك العلياء مفرد أنت ريحانة فضل لا أرى ... مثل ريّاها بهذا العصر يوجد لك ذكر نشره يهدي شذى ... فيه أنفاس النسيم الغض تشهد

стр. 16

ولسان في القضايا ذرب ... ينطق الفصل إذا الفصل تردد وبيان لو يجاري سحره ... سحر هاروت وماروت لبلد عقد الألباب تنحل به ... وبه ينتظم الأمر فيعقد قال النبي ﵌: الجمال في اللسان. وقال أميرالمؤمنين ﵇: من طال لسانه وحسن بيانه فليترك التحدّث بغرائب ما سمع، فإنّ الحسد لحسن ما يظهر منه يحمل أكثر الناس على تكذيبه. وقال: المرء مخبوّ تحت لسانه. وقال بعضهم: كفى بالمرء عيباً أن تراه ... له وجه وليس له لسان وقالت الحكماء: الصورة الحسنة بلا منطق حسن كالبيت الحسن ليس به ساكن. وقيل: المرء بأصغريه قلبه ولسانه. وقيل: المرء مخبوّ تحت طيّ لسانه لا طيلسانه. وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلاّ ضالّة مهملة أو بهيمة مرسلة. وقيل: دخل بعض الفصحاء على بعض الاُمراء فازدراه لدمامته وقال: لإن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: مهلاً أيّها الأمير، فإنّما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ثمّ أنشأ يقول: وما المرء إلاّ الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلق مصوّر فإن غرّة راقتك منه فربّما ... أمر مذاق العود والعود أخضر وأنشد أيضاً: وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلّم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم وحسبك شاهداً في هذا المقام بالحكاية التي تقدّمت في نقل ما جرى بين شريك بن الأعور ومعاوية بن أبي سفيان، وقوله في آخر كلامه: أيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني فقوله: وسيفي صارم ومعي لساني يشبه الكلام الذي مرّ في قولهم: إن تكلّم تكلّم بلسان وإن قاتل قاتل بجنان، ويشبهه قول مهيار: مالي أذلّ وسيف نصري في فمي ... والمجد يحفظ سارحي وغريبي وقول الآخر وهو من شعراء اليتيمة: وإذا السيوف قطعن كلّ ضريبة ... قطع السيوف القاطعات لساني وقول السيّد الرضي: ومقولي كالسيف يحتمى به ... أشوس إباء على المقاول وقوله أيضاً: ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم وأنف حمي وإباء محلق بي عن الضيم ... كما راغ طائر وحشي وقوله أيضاً: إن لم تكن في الجمع أمضى طعنةً ... فلأنت أنفذ خطبةً في المجمع بنوافذ للقول يبلغ وقعها ... ماليس يبلغ بالرماح الشرّع وقوله في رثاء الحسين بن الحجاج: وما كنت أحسب أنّ المنون ... تفلّ مضارب ذاك اللسان لسان هو الأرزق القعضبي ... تمضمض في ريقة الأفعوان وقول مهيار: من طاعني ثغر الخطوب ... بكلّ سكّيت مفوه أُمراء معركة الخطابة ... فاتحو الشبهات عنوه في كلّ جلسة كاتب ... منهم إلى الأعداء غزوه والشعر في هذا الباب كثير جدّاً، وأقول: إنّما يشبه اللسان بالسيف تاره وبالسنان أُخرى لأنّ بعض الكلام الذي هو أثر اللسان وصفته له تأثير في النفوس كتأثير الجرح الحاصل من السنان والسيف، قال الشاعر: جرحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان وفي بعض النسخ "الكلام" بدل اللسان وهو أولى إن كان البيت استهلالاً من حيث يكون مصراعاً. ولا بأس بإيراد شيء ممّا ورد من الكلام المنثور في البلاغة والكلام البليغ والمتكلّم البليغ: قال أميرالمؤمنين ﵇: البلاغة النصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، ومن النصر بالحجة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان الإيضاح أوعر طريقه، وكانت الكناية أبلغ في الدرك وأحقّ بالظفر. وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل. وقيل لابن المقفع: ما البلاغة؟ قال: هي التي إذا سمعها الجاهل ظنّ أنّه يحسن مثلها. وقال معاوية للضحّاك العبدي: ما البلاغة؟ قال: أن تجيب فلا تخطي، وتقول فلا تبطي. فقال: أكذلك أنت؟ قال: أقلني يا أميرالمؤمنين، البلاغة أن لا تخطي ولا تبطي. وقال عبد الحميد الكاتب: البلاغة ما فهمته العامّة ورضيته الخاصة. وقيل لكلثوم بن عمرو الغساني: ما البلاغة؟ فقال: ما أفهمك لفظه من غير إعادة ولا حبسه.

стр. 17

وقيل لأعرابي: ما البلاغة؟ قال: السلاطة والجزالة. وقال آخر: البلاغة التقرّب من البعيد والتباعد من الكلفة، والدلالة من القليل على الكثير. ومن مختار قول الثعالبي في هذا الباب: أبلغ الكلام ما حسن إيجازه وقلّ مجازه وكثر إعجازه وتناسبت صدوره وإعجازه. وقال: ربّ كلام له حسن الوجوه الصباح، وسحر الحدق الملاح. وقال في صفة البليغ: البليغ من يبلغ الأغراض البعيدة بالألفاظ القريبة. وقيل: البليغ من إذا نطق طبق المفصل، وإذا كتب نسق الدر المفصل. نبذة فيما ورد لبعضهم من الكلام البليغ قيل لأعرابي: إنّك لكذوب خوار، فقال: والله إنّي لأصدق من قطاة، وأصلب من صفاة. وقال آخر: يكتفي اللبيب بوحي الحديث، وينبو البيان عن قلب الجاهل. وذكر أعرابي محلة قوم فقال: ارتحلت عنها ربّات الخدور، وأقامت بها رواحل القدور، ولقد كانوا يعفون آثار الرياح، فعفت آثارهم فذهبت بأبدانهم وبقت ديارهم، فالعهد قريب واللقاء بعيد. ودعى آخر على رجل فقال: اللهمّ اجعل معيشته السؤال، ومنيته الهزال، ولبوسه العار، ومصيره إلى النّار، وأقلل عدده، وأفني مدده. ودعت أعرابيّة على زوجها فقالت: ضربك الله بداء لا يكون له دواء إلاّ أبوال القطا. وسُئِل أعرابي عن بلدين كم بينهما؟ قال: أديم يوم وعمر ليله. ودخل خالد بن صفوان على أبي العباس السفاح وعنده أخواله من بني الحرث ابن كعب، فقال: ما تقول يا خالد في أخوالي؟ فقال: هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، إنّ فيهم خصالاً ما اجتمعت في غيرهم من قومهم، إنّهم لأطولهم أُمماً، وأضربهم قمماً، وأكرمهم شيماً، وأطيبهم طعماً، وأوفاهم ذمماً، وأبعدهم همماً، هم الجمرة في الحرب، والرفد في الجدب، والرأس في كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب. فقال السفاح: لقد وصفت يابن صفوان فأحسنت، فزاد أخواله في الإفتخار، فغضب أبوالعباس لأعمامه فقال: أفخر يا خالد، قال: أو على أخوال أميرالمؤمنين؟ قال: وأنت من أعمامه، فقال: كيف أُفاخر قوماً هم بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد، دلّ عليهم هدهد وأغرقهم جرد وملكتهم أُم ولد، فتهلّل وجه أبي العباس. قال الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا: والله لو فكّر في جميع معائبهم واحتضار اللفظ في مثالهم بعد ذلك المدح المهذّب حولاً كاملاً لكان قليلاً، فكيف وهو على بديهته لم يرض فكراً ولم يجهد خاطراً. ومثله ما روي أنّه وفد على رسول الله ﵌ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم التميميان، فقال له الزبرقان: يا رسول الله أنا سيّد تميم المطاع فيهم والمجاب منهم، آخذ لهم الحق وأمنعهم من الظلم، وهذا يعلم ذلك منّي؛ يعني عمرواً، فقال: أجل يا رسول الله، إنّه لمانع لحوزته، مطاع في عشيرته. فقال الزبرقان: لقد علم أكثر ممّا قال، ولكنّه حسدني شرفي، فقال عمرو: أمّا لئن قال ذلك ما علمته إلاّ ضيق العطن، زمر المروّة، أحمق الأب، لئيم الخال، حديث الغنى. فتبيّن الكراهة في وجه رسول الله لاختلاف قوله، فقال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وعضبت فقلت أقبح ما علمت، ولقد صدقت في الاُولى وما كذبت في الاُخرى. فقال النبي عند ذلك: إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحمة. وتظلّم رجل إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أميرالمؤمنين ما ترك لنا ذهباً إلاّ ذهب به، ولا فضّة إلاّ فضّها، ولا غلّة إلاّ غلّها، ولا ضيعةً إلاّ أضاعها، ولا علقاً إلاّ علّقه، ولا عرضاً إلاّ عرض له، ولا ماشيةً إلاّ أمتشها، ولا جليلاً إلاّ أجلاه، ولا دقيقاً إلاّ دقّه، فعجب المأمون من فصاحته وكشف ظلامته. وقال المنصور لمعن بن زائدة الشيباني: كبرت يا معن؟ قال: في طاعتك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّ فيك لبقيّة، قال: هي لك يا أميرالمؤمنين. قال: وإنّك لجلد، قال: على أعدائك يا أميرالمؤمنين. قال: أيّ الدولتين أحبّ إليك: دولتنا أم دولة بني أُميّة؟ قال: ذلك إليك؛ إن زاد إحسانك على إحسانهم فدولتك أحبّ إليّ وإن نقص عنه فدولتهم أخفّ عَلَيّ. وقال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أُميّة؟! فقال: يا أميرالمؤمنين من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، قال: صدقت.

стр. 18

ووصف بعض البلغاء رجلاً فقال: إنّه لبسط الكفّ، رحب الصدر، وطىء الأكناف، سهل الأخلاق، كريم الطباع، ضاحك السنّ، طلق الوجه، سحاب ماطر، وبحر زاخر، يستقبلك بحسن بشر، ويستدبرك بكرم غيب، عبد لضيفه غير ملاحظ لأكيله، ريّان من العقل، ظمآن من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرأي، كاس من كلّ مكرمة، عار من كلّ ملامة، إن سُئِل بذل، وإن قال فعل. ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك والله صريح النسب، مستحكم الأدب، من أيّ أقطاره أتيته تلقاه بكرم فعال وحسن مقال. وذكر أعرابي قوماً فقال: هم أقلّ الناس ذنباً إلى أعدائهم، وأكثر جرماً إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على المنكر. وذمّ آخر رجلاً فقال: هو غني من اللؤم، فقير من الكرم، موته حياة وحياته موت. وذمّ آخر رجلاً فقال: هو أكثر ذنوباً من الدهر. وذُكِرَ عند أعرابي رجل مريض فقال: ذاك إلى من يداوي عقله من الجهل أحوج منه إلى من يداوي جسمه من المرض. وقال آخر: فلان غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضايع. قوله: ومطبخه قفر نظيره قول الشريف الرضي: بيوتهم سود الذرى ولنارهم ... مواقد بيض ما بهنّ رماد وذكر أعرابي قوماً فقال: ألقوا من الصلاة الأذان مخافة أن تسمعه الأذان فتدلّ عليهم الضيفان. وحدّث محمّد بن سلام قال: تكلّم الخطباء عند المهدي فأطنبوا في وصفه ومدحه، فقام شبيب المنقري فقال لأميرالمؤمنين: أعزّه الله أشباه فمنها القمر الباهر ومنها الفرات الزاخر ومنها الغيث الباكر ومنها الأسد الخادر؛ فأمّا القمر الباهر فأشبه منه حسنه وبهائه، وأمّا الفرات الزاخر فأشبه منه جوده وسخائه، وأمّا الغيث الباكر فأشبه منه طيبه وحبائه، وأمّا الأسد الخادر فأشبه منه شجاعته ومضائه. فقال المهدي: لا حاجة بنا بعد هذا إلى كلام. ومثل هذا الكلام البليغ ما حكاه أبو محكم قال: اجتمع الشعراء على باب المعتصم، فبعث إليهم محمّد بن عبد الملك الزيّات فقال لهم: إنّ أميرالمؤمنين يقول لكم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري في الرشيد: خليفة الله إنّ الجود أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع من لم يكن ببني العبّاس معتصماً ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع إن أخلف القطر لم تخلف مخائله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع فليدخل وإلاّ فلينصرف، فقام محمّد بن وهيب فقال: فينا من يقول مثله، قال: وأيّ شيء قلت؟ فقال: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر فالشمس تحكيه في الإشراق طالعة ... إذا تقطّع عن إداركها النظر والبدر يحكيه في الظلماء منبلحاً ... إذا استنارت لياليه به الغرر يحكي أفاعيله في كلّ نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر فالغيث يحكي ندى كفّيه منهمراً ... إذا استهلّ بصوب الديمة المطر وربّما صال أحياناً على حمق ... شبيه صولته الضرغامة الهصر والهند وانى يحكي من عزائمه ... صريمة الرأي منه النقض والمرر وكلّها مشبه شيئاً على حدّة ... وقد تخالف فيها الفعل والصور وأنت جامع ما فيهنّ من حسن ... فقد تكامل فيك النفع والضرر فالخلق جسم له رأس مدبّرة ... وأنت جار حتاه السمع والبصر فأمر بإدخاله وأحسن جائزته. ولا بأس بذكر أبيات من قصيدة النميري في الرشيد: قال السيّد المرتضى: روي أنّ أبا عصمة الشعبي لمّا أوقع بأهل ديار ربيعة، أوفدت ربيعة وفداً إلى الرشيد فيهم منصور النميري، فلمّا صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل منهم عليه، فاختاروا عدداً بعد عدد إلى أن اختاروا رجلين النميري أحدهما ليدخلا ويسألا حوائجهما، وكا النميري مؤدّباً لم يسمع منه شعر قط قبل ذلك ولا عرف به، فلمّا مثّل هو وصاحبه بين يدي الرشيد، قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النميري فأنشده: "ما تنقضي حسرة منّي ولا جزع"، فقال له الرشيد: قل حاجتك وعد عن هذا، فقال: "إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع"، وأنشده القصيدة حتّى انتهى إلى قوله: ركب من النمر عاذوا بابن عمّهم ... من هاشم إذا لحّ الأزلم الجذع متوا إليك بقربى منك تعرفهم ... لهم بها في سنام المجد مطّلع

стр. 19

إنّ المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع إذا رفعت امرءً فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متّضع نفسي فدائك والأبطال معلمة ... يوم الوغى والمنايا بينهم قرع حتّى أتى على آخرها، فقال: ويحك قل حاجتك، فقال: يا أميرالمؤمنين أُخربَت الديار وأُخذت الأموال وهُتِكَ الحرم، فقال: أُكتبوا له بكلّ ما يريد، وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه. وقيل: ورد منصور بن سلمة النميري على البرامكة وهو شيخ كبير، فحدّث مروان بن أبي حفصة قال: دخل رجل شامي إلى الرشيد وكان قد تقدّمته البرامكة في الذكر عنده، فأذن له، فدخل فسلّم فأجاد، فأذن له الرشيد، فجلس، قال مروان: فأوجست منه خوفاً فقلت: يا نفس أنا حجازي نجدي شافهت العرب وشافهتني وهذا شامي أفتراه أشعر منّي، قال: فجعلت أرفق نفسي إلى أن استنشده هارون، فإذا هو والله أفصح الناس، فدخلني له حسد، قال: فأنشده قصيدة تمنّيت أنّها لي وأنّ عَلَيّ غرماً، ثمّ ذكر مروان أنّه حفظ من القصيدة أبياتاً وهي: أميرالمؤمنين إليك خضنا ... غمار الموت من بلد شطير بخوص كالأهلّة جانفات ... تميل على السرى وعلى الهجير حملن إليك آمالاً عظاماً ... ومثل الصخر والدرّ النثير فقد وقف المديح بمنتهاه ... وغايته وصار إلى المصير إلى من لا تشير إلى سواه ... إذا ذكر الندى كفّ المشير قال مروان: فوددت أنّه أخذ جائزتي وسكت، وعجبت من تخلّصه إلى تلك القوافي، ثمّ ذكر ولد أميرالمؤمنين ﵇ فأحسن التخلّص، ورأيت هارون يعجب بذلك، فقال: يد لك في رقاب بني عليٍّ ... ومن ليس بالمنّ اليسير فإن شكروا فقد أنعمت فيهم ... وإلاّ فالندامة للكفور مننت على ابن عبد الله يحيى ... وكان من الحتوف على شفير وقد سخطت لسخطتك المنايا ... عليه فهي حائمة النّسور ولو كافأت ما اجترحت يداه ... دلفت له بقاصمة الظهور ولكن جلّ حلمك فاجتباه ... على الهفوات عفو من قدير فعاد كأنّما لم يجن ذنباً ... وكان قد اجتنى حسك الصدور وإنّك حين تبلغهم أذاة ... وإن ظلموا لمحترق الضمير قال: فلمّا سمع الرشيد هذا البيت منه قال: والله هذا معنىً كان في نفسي، وأدخله بيت المال فحكّمه فيه، ثمّ قال مروان: وكان هارون يبسم وكاد يضحك للطف ما سمع ثمّ أومأ إليّ أن أنشده، فأنشدته قصيدتي التي أقول منها: خلّوا الطريق لمعشر عاداتهم ... حطم المناكب كلّ يوم زحام حتّى أتيت على آخرها، فوالله ما عاج ذلك الرجل بشعري ولا حفل به، وأنشده منصور يومئذ: إنّ لهارون أمّا الهدى ... كنزين من أجر ومن برّ يريش ما تبري الليالي ولا ... تريش أيديهنّ ما ييري كأنّما البدر على رحله ... ترميك منه مقلتا صقر وقال الجاحظ: كان منصور هذا ينافق الريد ويذكر هارون في شعره ومراده بذلك أميرالمؤمنين ﵇ لقول النبي ﵌: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلى أن وشى به عنده بعض أعدائه؛ وهو العتابي، فوجّه الرشيد برجل من بني فزارة وأمره أن يضرب عنقه حيث تقع عينه عليه، فقدم الرجل رأس عين بعد موت منصور بأيّام قلائل. قال المرزباني: ويصدّق قول الجاحظ أنّه كان يذكر هارون في شعره ويعني به أميرالمؤمنين ﵇ ما أنشده محمّد بن الحسن بن دريد: آل الرسول خيار الناس كلّهم ... وخير آل رسول الله هارون رضيت حكمك لا أبغي به بدلاً ... لأنّ حكمك بالتوفيق مقرون وممّا امتعض منه هارون الرشيد قوله: شاء من الناس راتع هامل ... يعللّون النفس بالباطل تقتل ذريّة النبي وير ... جون خلود الجنان للقاتل ما الشك عندي في لؤم قاتله ... لكنّني قد أشكّ في الخاذل

стр. 20

ونظير قول المعتصم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول النميري الخ ما رواه ميمون بن هارون قال: رأيت أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري المؤرخ وحاله متماسكة، فسألته فقال: كنت من جلساء المستعين، فقصده الشعراء فقال: لست أقبل إلاّ ممّن قال مثل قول البحتري في المتوكّل: فلو أنّ مشتاقاً تكلّف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر فرجعت إلى داري وأتيته وقلت: قد قلت فيك أحسن ممّا قاله البحتري في المتوكّل، فقال: هاته، فأنشدته: ولو أنّ برد المصطفى إذ لبسته ... يظنّ لظنّ البرد أنّك صاحبه وقال قد أعطيته ولبسته ... نعم هذه أعطافه ومناكبه وقال: ارجع إلى منزلك وافعل ما آمرك به، فرجعت فبعث إليّ سبعة آلاف دينار وقال: أذخر هذه للحوادث من بعدي ولك عَلَيّ الجراية والكفاية ما دمت حيّاً. ويناسب هذه الحكاية ما روي عن ابن هرمة أنّه دخل على المنصور ممتدحاً له، فقال له المنصور: وما عسى أن تقول فيّ بعد قولك في عبد الواحد بن سليمان: إذا قيل من عند ريب الزمان ... لمقتر فهر ومحتاجها ومن يعجل الخيل يوم الهياج ... بإلجامها قبل إسراجها أشارت نساء بني مالك ... إليك به دون أزواجها قلت: يا أميرالمؤمنين فإنّي قلت فيك أحسن من هذا، وأنشده: إذا قيل أيّ فتىً تعلمون ... أهشّ إلى الطعن بالذابل وأضرب للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل أشارت إليك أكفّ الأنام ... إشارة غرقى إلى الساحل قال المنصور: أمّا هذا فمسروق من ذاك، وأمّا نحن فلا نكافىء إلاّ بالتي هي أحسن، ثمّ أنعم عليه وأحسن جائزته. ومثل ذلك ما رواه يموت به المزرع أنّ أحمد بن محمّد بن عبد الله أباالحسن الكاتب المعروف بابن المدبّر الضبي كان إذا مدحله شاعر ولم يرض شعره قال لغلامه: إمض به إلى المسجد ولا تفارقه حتّى يصلّي مأة ركعة، فتحاماه الشعراء إلاّ الأفراد المجيدون، فجائه أبو عبد الله الحسن بن عبد السلام المصري فاستأذنه في النشيد، فقال له: قد عرفت الشرط؟ قال: نعم، ثمّ أنشده هذه الأبيات: أردنا في أبي حسن مديحاً ... كما بالمدح تنتجع الولاة فقلنا أكرم الثقلين طرّاً ... ومن كفّيه دجلة والفرات فقالوا يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهنّ الصّلاة فقلت لهم وما يغني عيالي ... صلاتي إنّما الشّأن الزكاة فيأمر لي بكسر الصاد منها ... فتصبح لي الصلاة هي الصلاة فضحك ابن المدبّر واستظرفه، فقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبي تمام الطائي: هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فانّهنّ حمام فاستحسن ذلك وأجزل طلبته. وتكلّم خالد بن صفوان بين يدي هشام بن عبد الملك بكلام استحسنه هشام، فحسده بعض جلسائه فقال له: ما اسمك؟ فقال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: اسمك كاذب وما أحد بخالد، وأبوك صفوان وهو حجر صلد، وجدّك أهتم والصحيح خير من الأهتم. فقال خالد: قد سألت فأجبناك، فممّن أنت؟ قال: من أهل الحجاز، قال: بخّ بخّ بلد العرب، ومنشأ أهل الأدب، فمن أيّ الحجاز؟ قال: من مكّة، قال: بخّ بخّ حرم الله وأمنه ومهجر إبراهيم ومولد إسماعيل، فمن أيّ أهل مكّة أنت؟ قال: من عبد الدار، قال: لم تصنع شيئاً يا أخا عبد الدار، هشمتك هاشم، وأمتك أُميّة، وخزمتك مخزوم، وجمحت بك جمح، وسهمتك سهم، وألوت بك لوي، وغلبتك غالب وأنافت بك مناف، وزهرت عليك زهرة، فأنت ابن عبد دارها، ومنتهى عارها، فتفتح لها إذا دخلت، وتغلق ورائها إذا خرجت. فمرض الرجل بعد ذلك أيّاماً ثمّ مات، فادّعى أهله على خالد ديته لأنّه مات بسبب كلامه.

стр. 21

وقال بعض الروات: وفد علبة بن مسهّر الحارثي على ذي فائش الملك الحميري وكان ذو فائش يحبّ اصطناع سادات العرب ويقضي حوائجهم ويقرب مجالسهم، وكان علبة شاعراً محدثاً ظريفاً، فقال له الملك ذات يوم: يا علبة ألا تحدّثني عن أبيك وأعمامك وتصف لي أحوالهم؟ قال: أيّها الملك، هم أربعة: زياد ومالك وعمر ومسهر؛ أمّا زياد فما استلّ سيفه منذ ملكت يده قائمة إلاّ أغمده في جثمان بطل أو شوامت جمل، وكان إذا حملق النجيد وصلصل الحديد وبلغت النفس الوريد خاض ظلام العجاج، وأطفأ نار الهياج وألوى بالأعراج، وأردف كلّ طفلة مغناج، ذات بدن رجراج، وقال لأصحابه: عليكم النهاب والأموال الرغاب، عطاء لا ضنين شكس، ولا حفلد نكس. وأمّا مالك فكان عصمة الهوالك إذا اشتبهت الأعجاز بالحوارك، يفري الرعيل فري الأديم بالأزميل، ويخبط البهم خبط الذئب نقاد الغنم. وأمّا عمرو فكان البحر الزاخر، والسحاب الماطر، يجود إذا بخل الغيث، ويقدم إذا أحجم الليث، ما قدر إلاّ عفى، ولا عاهد إلاّ وفى. وأمّا مسهّر فكان الذعاف الممقر، والأسد المخدر، يخبي الحرب وييسعر، ويبيح النشب فيكثر، ولا يجنحن ولا يستأثر. فقال: لله درّك يا علبة، مثلك فليصف أُسرته وقومه. روى أثيرالدين أبو زرعة العراقي الشافعي والمدايني في كتاب الأمثال عن المفضّل الضبي أنّ رسول الله ﵌ لمّا خرج من مكّة يعرض نفسه على القبائل، خرج إلى ربيعة ومعه علي وأبوبكر، فدفعوا إلى مجلس من مجالسهم، فتقدّم أبوبكر وكان نسّابةً، فسلّم فردّوا ﵇، فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أفمن هامتها أم من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى، قال: أيّ هامتها أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر، قال: أفمنكم عوف الذي يقال: لا حرّ بوادي عوف؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم بسطام وذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم جساس حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الخوفزان قاتل الملوك وسالبها أنعمها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من كندة؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا، قال: فلستم إذاً ذهل الأكبر، بل أنتم ذهل الأصغر. فقام إليه غلام من شيبان يقال له دغفل حين بقل وجهه فقال: إنّ على سائلنا أن نسأله ... والعبأ لا يعرفه أو يحمله يا هذا إنّك قد سألتنا فأجبناك ولم نكتمك شيئاً، فممّن الرجل؟ قال: من قريش، قال: بخّ بخّ أهل الشرف والرياسة، فمن أيّ قريش أنت؟ قال: من تيم بن مرّة، قال: أمكنت والله الرامي من الثغرة، أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فصار يدعى مجمعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا، قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، فاجتذب أبوبكر زمام ناقته ورجع إلى رسول الله ﵌ هارباً من الغلام، فقال الفتى: صادف درء السيل درء يدفعه ... يهيضه حيناً وحيناً يصدعه أما والله يا أخا تيم لو ثَبَتَّ لأخبرتك أنّك من زمعات قريش ولست من الذوائب. فتبسّم رسول الله، وقال علي ﵌ لأبي بكر: لقد وقعت من الغلام الأعرابي على باقعة؟ قال: أجل يا أباالحسن، ما من طامّة إلاّ ولها ظامةٌ و"البلاء موكّل بالنطق"، فذهبت مثلاً. ودغفل هذا هو ابن حنظلة النسابة، يضرب فيه المثل بالنسب، وقد كان له معرفة بعلم النجوم وغيره من علوم العرب. وقدم مرّةً على معاوية بن أبي سفيان فاختبره فوجده رجلاً كاملاً عالماً، فقال: بم نلت هذا العلم؟ قال: بلسان سئول، وقلب عقول، وآفة العلم النسيان. وحكى البلاذريى قال: دخل صبي من بني أسد سنّه سبع سنين على الرشيد ليعجب من فصاحته، فقال له الرشيد: ما تحبّ أن أهب لك؟ قال: جميل رأيك فإنّي أفوز به في الدّنيا والآخر، فأمر بدنانير ودراهم فوضعت بين يديه، فقال: إختر أحبّها إليك، فقال: أميرالمؤمنين أحبّ خلق الله إليّ وهذه من هاتين، وضرب بيده إلى الدنانير، فضحك منه الرشيد ووصله بمال وأمر أن يضم إلى ولده.

стр. 22

وقال بعض الروات: لمّا استخلف عمر بن العزيز، قدم عليه وفد من أهل الحجاز فاشرأبّ منهم غلام للكلام، فقال عمر: يا غلام ليتكلّم من هو أسنّ منك، فقال: يا أميرالمؤمنين إنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا أمنح الله تعالى عبده قلباً حافظاً ولساناً لافظاً فقد أجاد له الإختيار، ولو أنّ الاُمور بالسنّ لكان في الناس من هو أحقّ بمجلسك منك. فقال له عمر: صدقت، تكلّم، فهذا هو السحر الحلال. فقال: يا أميرالمؤمنين إنّا وفد التهنية لا وفد المرزئة، لم تقدمنا عليك رغبة ولا رهبة، لأنّا قد أمنّا في أيّامك ما خفنا، وأدركنا ما أمّلنا. فسأل عمر عن سنّ الغلام، فقيل له: عشر سنين. ونظير هذه القضيّة ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار قال: حدّث معبد بن خالد وكان ذميماً قال: وفدنا معشر عدوان على عبد الملك، فقدّموا رجلاً منّا وسيماً، فقال: ممّن؟ قال: عدوان، فأنشد عبد الملك: عذيري الحي من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض بغى بعضهم بعضاً ... فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض ثمّ قال للرجل: إيه، فقال: لا أحفظها، قال معبد: وكنت خلفه فقلت: ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي قال للرجل: مَن الحكم؟ قال: لا أدري، فقلت: عامر بن الضرب، فقال له: من القائل؟ قال: لا أدري، فقلت: ذوالأصبع، فقال له: لم قيل ذوالأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: نهشته حيّة فقطعت أصبعه، فقال: ما اسم ذي الأصبع؟ قال: لا أدري، فقلت: حرثان بن الحارث، فقال عبد الملك للرجل: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة ديناراً، فقال لي: وكم أنت؟ قلت: ثلاثمائة، فقال: اجعلوا هذا لهذا، فانصرفت وعطائي سبعمائة وعطائه ثلاثمائة. وهذه القصّة وإن لم تكن ممّا نحن فيه إلاّ أنّي أوردتها لناسبتها للقضيّة المتقدّمة قبلها. ولمّا مات سعيد بن العاص وفد ابنه عمرو على معاوية فاستنطقه، فقال: إنّ أوّل كلّ مركب صعب، وإنّ مع اليوم غداً. فقال معاوية: من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّه أوصى إليّ ولم يوص بي. فقال معاوية: إنّ ابن سعيد هذا لأشدق، فسمّي عمرو الأشدق من ذلك اليوم. وحكي عن النظّام أنّه جاء به أبوه وهو حَدِث إلى خليل بن أحمد ليعلّمه، فقال الخليل له يوماً يمتحنه، وبيده قدح زجاج: يا بنيّ صف لي هذه الزجاجة، فقال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: تُريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء، قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء جبرها، قال: فصف لي هذه النخلة، قال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها، قال: فذمّها، قال: هي صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بني نحن إلى التعليم منك أحوج. قال السيّد المرتضى: وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأنّ البلاغة هي وصف الشيء ذمّاً أو مدحاً بأقصى ما يقال فيه. والنظّام هذا هو أبو إسحاق ابن سيّار النظّام. قال الجاحظ: إنّ عبد الوهّاب الثقفي ذكره يوماً فقال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، وخصب بعد جدب، وعنىً بعد فقر، وطاعة المحبوب وفرح المكروب مع الشباب الناعم، وله شعر كثير جيّد، فمنه قوله: يا تاركي جسداً بغير فؤاد ... أسرفت في الهجران والإبعاد إن كان تمنعك الزيارة أعين ... فادخل إليّ بعلّة العواد كيما أراك وتلك أعظم منّة ... ملكت يداك بها منيع قيادي إنّ العيون على القلوب إذا جنت ... كانت بليّتها على الأجساد وله أيضاً: تأمّله طرفي فألّم خدّه ... فصار مكان الوهم من نظري أثر وصافحه كفّي فألّم كفّه ... فمن صفح كفّي في أنامله عقر ومرّ بفكري خاطراً فجرحته ... ولم أر خلقاً قط يجرحه الفكر يقال: إنّ الجاحظ لمّا بلغه ذلك قال: هذا ينبغي أن لا يناك إلاّ بأير من الوهم. ويقال: إنّ أبا العتاهية قال: أنشدت النظّام: إذا همّ النديم له بلحظ ... تمشّت في محاسنه الكلوم قال: ينبغي أن ينادم هذا أعمى. قال السيّد المرتضى: وأبيات النظّام تتضمّن معنى بيت أبي العتاهية، ولسنا ندري أيّهما أخذ من صاحبه، والنظّام يكرّر هذا المعنى كثيراً في شعره، فمن ذلك قوله: رق فلو بزت سراويله ... علّقه الجوَّ من اللطف

стр. 23

يجرحه اللحظ بتكراره ... ويشتكي الإيماء بالطرف قال السيّد المرتضى: وشبيه مقالة النظّام في وصف الزجاجة والنخلة خبر لبيد المشهور في هجائه للبقلة التي امتحن بهجائها واختبر بذمّها فقال فيها أبلغ ما يقال في مثلها وذلك أنّ عمّاراً وأنساً وقيساً والربيع بن زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد عليه العامريّون بنو أُمّ البنين وعليهم أبو البراء عامر بن جعفر بن كلاب؛ وهو ملاعب الأسنّة، وكان العامريّون ثلاثين رجلاً وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان الربيع بن زياد العبسي ينادم النعمان ويكثر عنده ويتقدّم على من سواه وكان يُدعى الكامل لسطاطه وبياضه وكماله، فضرب النعمان قبّة على أبي البراء وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، فكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوماً بحضرته، فكاد العبسيّون يغلبون العامريّين، وكان الربيع إذا خلال بالنعمان طعن فيهم وذكر معائبهم، ففعل ذلك مراراً لعداوته لبني جعفر لأنّهم كانوا أسروه، فصدّ النعمان عنهم حتّى نزع القبّة عن أبي البراء وقطع النزل، فدخلوا عليه يوماً فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم ويقدم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضاباً وهمّوا بالإنصراف، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم ويغدوا بإبلهم فيرعاها فإذا أمسى إنصرف بها. فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: مالكم تتناجون؟ فكتموه وقالوا له: إليك عنّا، فقال لهم: أخبروني فلعلّ لكم عندي فرجاً، فزجروه، فقال: والله لا أحفظ أمتعتكم ولا أسرح بإبلكم أو تخبروني، وكانت أُمّ لبيد عبسيّة في حجر الربيع، فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك وصدّ عنّا وجهه، فقال: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه غداً حين يقعد الملك فأرجز به رجزاً ممضّاً مؤلماً لا يلتفت إليه النعمان بعده أبداً؟ قالوا له: وهل عندك ذاك؟ قال: نعم، قالوا: فإنّا نبلوك بشتم هذه البقلة، وقدّامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق، لاصقة فروعها بالأرض، تدعى الترِبة، فاقتلعها من الأرض فأخذها بيده وقال: هذه البقلة التفلة الرذلة لا تذكي ناراً، ولا تأهل داراً، ولا تسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قيل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع، أقصر البقول فرعا، وأخبثها مرعى، وأشدّها قلعاً، فحرَباً لجارها وجدعاً، ألقوا بي أخا عبس أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس. فقالوا: نصبح ونرى فيك رأينا، فقال لهم عامر: أُنظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائم فليس أمره بشيء وإنّما تكلّم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم، فرمقوه بأبصارهم فوجدوه قد ركب رحلاً يكدم واسطته حتّى أصبح، فلمّا أصبحوا قالوا: والله أنت صاحبنا، فحلّقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلّة وغدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فوجدوه يتغذّى ومعه الربيع ليس معه غيره، والدار والمجلس مملوئة بالوفد، فلمّا فرغ من الغذاء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع وإلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد وقد دهن أحد شقّي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلاً واحدة، وكذلك العرب كانت تفعل شعرائها في الجاهليّة إذا أرادت الهجاء، فمثّل بين يديه ثمّ قال: يا ربّ هيجا هي خير من دعه ... إذ لا تزال هامتي مقزّعه نحن بني أُمّ البنين الأربعه ... ونحن خير عامر بن صعصعه المطعمون الجفنة المدعدعه ... والضاربون الهام تحت الخيضعه مهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه ... إن استه من برص ملمّعه وإنّه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتّى يواري أشجعه فلمّا فرغ لبيد، إلتفت النعمان - كأنّه يطلب شيئاً ضيّعه - إلى الربيع يرمقه شزراً وقال: أكذلك أنت؟ قال: والله كذب ابن الحمق اللئيم، فقال: أُفٍّ لهذا الطعام لقد خبث على نفسي، فقال الربيع: أبيت اللعن، أمّا إنّي فعلت بأُمّه لا يكنى، وكانت في حجره، فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أمّا إنّها ممن نسوة غير فعّل وأنت المرء.

стр. 24

قال هذا في تتميمه: وفي رواية أُخرى: أمّا إنّها من نسوة فعُّل، قال ذلك لأنّها كانت من قوم الربيع فنسبها إلى القبيح وصدّقه عليها تهجيناً له ولقومه، فأمر الملك بهم جميعاً فأُخرجوا وأعاد على أبي البراء ألقبه، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه وأمره بالإنصراف إلى أهله، فكتب: إنّي تخوّفت أن يكون قد وقع في صدرك ما قال لبيد ولست برائم حتّى تبعث إليّ من يجرّدني ليعلم من حضرك من الناس أنّي لست كما قال، فأرسل إليه: إنّك لست صانعاً فانتفائك ممّا قال لبيد شيئاً ولا قادراً على ردّ ما زلّت به الألسن فالحق بأهلك، ثمّ كتب إليه النعمان في جملة أبيات جواباً عن أبيات كتبها إليه الربيع: قد قيل ذلك إن حقّاً وإن كذباً ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا ويقال: إنّ حجّاج بن يوسف الثقفي بينما هو جالس في القبّة الخضراء وعنده وجوه أهل العراق وقد حفّت به الوزراء إذ دخل عليه غلام له من العمر عشر سنين، فقال بعد أن نظر في القبّة يميناً وشمالاً: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع آيَةً تُعْبَثُون، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون، وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارين) وكان الحجّاج متّكئاً فاستوى جالساً وقال: يا غلام إنّي لأرى لك عقلاً وذهناً، أفحفظت القرآن؟ قال: أوخفت على القرآن الضياع حتّى أحفظه؟ قال: أفجمعت القرآن؟ قال: أوكان متفرّقاً حتّى أجمعه؟ قال: أفأحكمت القرآن؟ قال: أوليس الله أنزله محكماً. قال الحجّاج: أو استظهرت القرآن؟ قال: معاذ الله أن أجعل القرآن وراء ظهري، قال: ويلك ماذا أقول لك؟ قال: بل لك الويل، قل أوعيت القرآن في صدرك؟ قال الحجّاج: فاقرأ لي شيئاً من القرآن، فاستفتح الغلام يقول: أعوذ بالله منك ومن الشيطان الرّجيم (إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يخرجون مِنْ دِينِ اللهِ أفْواجا) فقال الحجّاج: ويلك إنّه يدخلون في دين الله، فقال الغلام: نعم كانوا يدخلون وأمّا اليوم فيخرجون، قال: ولِمَ ذلك؟ قال: لسوء رأيك فيهم، قال: ويلك هل عرفت المخاطب لك؟ قال: نعم شيطان ثقيف الحجّاج، قال له: ويلك مَن أبوك؟ قال: الذي زرعني، قال: فمن أُمّك؟ قال: التي ولدتني، قال: وأين وُلِدتَ؟ قال: في بعض الفلوات، قال: فأين نُشِأتَ؟ قال: في بعض البراري، قال: ويلك أمجنون أنت فأُعالجك؟ قال: لو كنت مجنوناً ما وصلت إليك ووقفت بين يديك كأنّي فيمن يرجوا فضلك ويخاف عقابك.

стр. 25

قال الحجّاج: فما تقول في أميرالمؤمنين؟ قال: رحم الله أباالحسن، قال: إنّما أعني عبد الملك بن مروان! قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، قال: ويلك بِمَ استحقّ اللعنة؟ قال: والله ما أنكر حقّه غير أنّه أخطأ خطيئة ملأت السّماء والأرض، قال: وما هي؟ قال: استعمالك على رعيّته تستبيح أموالهم وتستحلّ دمائهم، فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: ما تشيرون عَلَيّ في أمر هذا الغلام؟ قالوا: أسفك دمه فإنّه خلع الطاعة وفارق الجماعة. فقال الغلام: يا حجّاج، جلساء أخيك خير من جلسائك، قال: أخي محمّد بن يوسف؟ قال: على الفاسق الفاجر لعنة الله، إنّما أعني أخاك فرعون حين قال لجلسائه: ماذا تأمرون في موسى؟ قالوا: أرجه وأخاه، وهؤلاء أمروك بقتلي، إذاً تقوم لله عليك الحجّة غداً بين ملك الجبّارين ومذلّ المتكبّرين. قال الحجّاج: يا غلام قيّد ألفاظك وقصّر لسانك فإنّي أخاف عليك بادرة الاُمراء، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم تستعين بها. فقال الغلام: لا حاجة لي فيها، بيّض الله وجهك وأعلا كعبك. فالتفت الحجّاج إلى أصحابه وقال: هل علمتم ما أراد بقوله: بيّض الله وجهك وأعلا كعبك؟ قالوا: لا، قال: أمّا قوله: بيّض الله وجهك فأراد به البرص والعما، وأمّا قوله: وأعلا كعبك فأراد به الصلب والتعليق، ثمّ التفت إلى الغلام وقال: ما تقول فيما قلته؟ قال: قاتلك الله من منافق ما أفهمك، فقال للحرسيّ: أضرب عنقه. فقال رجل من القوم يقال له الرقاشي: هبه لي أصلح الله الأمير، قال: هو لك، لا بارك الله لك فيه، فقال الغلام: لا أدري أيّكما أحمق: الواهب أجلاً قد حضر أم المستوهب أجلاً لم يحضر؟ قال الرقاشي: إستنقذتك من القتل وتكافيني بهذا الكلام؟! فقال الغلام: هنيئاً لي بالشهادة إن أدركتني السعادة، يا عجباه، جئت من بلاد الضنك والضيق وأرجع إلى أهلي صفراً، يا ليتني أُقتل أحبّ إليّ. قال الحجّاج: قد أمرنا لك بمأة ألف درهم، وعفونا عنك لحداثة سنّك وصفاء ذهنك، وإيّاك والجرائة على أرباب الملك فتقع مع من لا يعفو عنك، ولئن رأيتك في شيء من عملي لأضربنّ عنقك. فقال الغلام: العفو بيد الله لا بيدك، والشكوى إليه لا إليك، لا جمع الله بيني وبينك أو يلتقي السامري وموسى، ثمّ خرج، فابتدر الخادم على أثره، فقال لهم: دعوه فما رأيت أشجع منه قلباً ولا أفصح منه لساناً، ولا والله ما وجدت مثله وعسى أن لا يجد مثلي قط. أقول: ونظير قوله: أفحفظت القرآن، أفجمعت القرآن، أو استظهرت القرآن، وهو ينحو بالجواب إلى غير ما قصده، الحكاية العجيبة التي ذكرها السيّد المرتضى في الدرر قال: من المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّاني، ذكر الكلبي وأبو مخنف أنّه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم وكان نصرانيّاً، روي أنّ خالد بن الوليد لمّا نزل الحيرة وتحصّن منه أهلها، أرسل إليهم: ابعثوا إليّ رجلاً من عقلائكم وذوي أحسابكم، فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتّى دنا من خالد، فقال: أنعم صباحاً أيّها الملك، قال: قد أغنانا الله عن تحيّتكم هذه، فمن أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أُمّي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت؟ قال: إي والله وأقيد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ إنّي أسأله عن الشيء وينحو في غيره. قال: ما أجبتك إلاّ عمّا سألت، فاسأل عمّا بدا لك. قال: أعرب أننتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا ونبط استعربنا، قال: فحَرْبٌ أنتم أم سِلْم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتّى يجيء الحليم وينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تخرج وتضع مكتلها على رأسها لا تتزوّد إلاّ رغيفاً واحداً حتّى تأتي الشام، ثمّ قد أصبحت اليوم خراباً يباباً وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد.

стр. 26

قال: ومعه سمّ ساعه يقلّبه في كفّه. قال خالد: ما هذا في كفّك؟ قال: السمّ، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله وقبلته، وإن كانت الاُخرى لم أكن أوّل من ساق إليهم ذلاًّ وبلاءً، أشربه فأستريح من الحياة الدّنيا، فإنّما بقي من عمري اليسير. قال خالد: هاته، فأخذه ثمّ قال: بسم الله وبالله ربّ الأرض والسماء الذي لا يضرّ مع اسمه شيء، ثمّ أكله فتجللته غشية ثمّ ضرب بذقنه في صدره طويلاً ثمّ عرق فأفاق كأنّما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سمّ ساعه فلم يضرّه، صانعوهم وأخرجوهم عنكم فإنّ هذا مصنوع لهم، فصانعوهم على مائة ألف درهم. وهذه وإن كانت ليس هذا محلّها لأنّا في ذكر بلاغة الصبيان، فقد ذكرتها لمناسبة القضيّة التي قبلها. ويقال: دخل صبي على المنصور فجعل يسأله عن أبيه، وكلّما سأله عن أمر من أُموره قال: فعل ﵀ كذا، وصنع ﵁ كذا، فزجره الربيع صاحب المنصور وقال: إلى متى تترحّم على أبيك في مجلس أميرالمؤمنين؟ فالتفت الصبيّ إليه وقال: إنّك لم تعرف حلاوة الآباء، وكان الربيع لقيطاً. وعن عكرمة قال: دخل المعتصم على خاقان يعوده فرأى ابنه الفتح في صحن الدار، فمازحه وقال: يا فتح أيّما أحسن: داري أم داركم؟ فقال: يا أميرالمؤمنين أيّ الدّارين كنت فيها هي أحسن من الاُخرى، فجلس المعتصم مكانه وقال: لا أبرح حتّى ينثر عليه مائة ألف درهم، فنثرت عليه. قال عكرمة: هذا قول الفتح ولم يبلغ العشر. وعن الأصمعي قال: دخلت البادية فرأيت أعرابيّة من أحسن الناس وجهاً متزوّجة بأقبح الناس وجهاً، فقلت: يا هذه أترغبين أن تكوني تحت هذا؟ فقالت: بئسما قلتَ، لقد أحسن فيما بينه وبين ربّه فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربّي فجعله عقابي. ودعت أعرابيّة على زوجها فقالت له: ضربك الله بداء لا يكون له دواءً إلاّ أبوال القطا. ويقال: إنّ امرأة أبي الأسود الدئلي خاصمته إلى زياد في ولدها، فقالت له: أيّها الأمير إنّ هذا يريد أن يغلبني على ولدي وقد كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له وطاء. فقال أبوالأسود: أفبهذا تريدين أن تغلبيني على ابني، فوالله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه. فقالت: ولا سواء؛ إنّك حملته خَفّاً وحملته ثقلاً، ووضعته شهوةً ووضعته كرهاً. فقال له زياد: يا أباالأسود إنّها امرأة عاقلة فادفع إليها ابنها فأخلق أن تحسن أدبه. وفي شرح نهج البلاغة: روى ابن قتيبة في عيون الأخبار قال: دخل الحجّاج على الوليد بن عبد الملك وعليه درع وعمامة سوداء، وقوس عربيّة وكنانة، وذلك في أوّل قدمة قدمها عليه من العراق، فبعثت أُمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان وكانت تحت الوليد إليه تسأله من هذا الأعرابي المستلئم بالسلاح عندك وأنت في غلاله، فأرسل إليها: هذا الحجّاج، فأعادت إليه الرسول: لئن يخلو بك ملك الموت أحياناً في اليوم أحبّ إليّ من أن يخلو بك الحجّاج يوماً، فأخبره الوليد بذلك وهو يمازحه، فقال: يا أميرالمؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، فلا تطلعها على سرّك ومكايدة عدوّك. فلمّا دخل الوليد عليها أخبرها وهو يمازحها بمقالة الحجّاج، فقالت: يا أميرالمؤمنين حاجتي أن تأمره غداً أن يأتيني مسلّماً، ففعل ذلك، فأتاها الحجّاج فحجبته، فلم يزل قائماً ثمّ أذنت له، فقالت: أنت الممتنَّ على أميرالمؤمنين بقتلك ابن الزبير وابن الأشعث، أما والله لولا أنّ الله علم أنّك شرّ خلقه ما ابتلاك برمي الكعبة الحرام، ولا بقتل ابن ذات النطاقين، أوّل مولود ولد في دار هجرة الإسلام، وأمّا نهيك أميرالمؤمنين عن مفاكهة النساء وبلوغ لذّاته وأوطاره فإن كنّ ينفرجن عن مثلك فما أحقّه بالأخذ منك، وإن كنّ ينفرجن عن مثله فهو غير قابل لقولك، أما والله لقد نفض نساء أميرالمؤمنين الطيب من غدائرهنّ فبعنه في أعطية أهل الشام حين كنت في أضيق من قرن قد أظلّتك رماحهم وأثخنك كفاحهم، وحين كان أميرالمؤمنين أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم فأنجاك الله من عدوّ أميرالمؤمنين بحبّهم إيّاه، قاتل الله القائل حين ينظر إليك وسنان غزاله بين كتفيك: أسد عَلَيَّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر

стр. 27

هلاّ برزت إلى غزالة في الوغى ... أم كان قلبك في جناحي طائر قم فاخرج، فقام فخرج. وروي عن محمّد بن عمّار بن ياسر قال: بلغ الحرث بن حجر الكندي عن الخنساء ابنة عوف بن محلم جمالاً وكمالاً، فأرسل إليها امرأة من كندة يقال لها عصام وقال لها: إذهبي واعلمي لي علم الجارية، قالت: فأتيت أُمّها فإذا أنا بامرأة كأنّها جازية من الضباء، وحولها بنات لها كأنّهنّ الغزلان، فأعلمتها الذي جئت له، فأرسلت إلى ابنتها: يا بنيّتي هذه خالتك قد أتتك تنظر إلى بعض شأنك فلا تستري عنها وجهاً، ولا تخفي عليها خلقاً، وناطقيها إن استنطقتك، فأذنت لها، فلمّا دخلت عليها وتوسّمت خلقها رأيت أحسن الناس وجهاً وجسماً، ثمّ خرجت وهي تقول: تركَ الخداع مَن كشف القناع، حتّى دخلت على الحرث، فقال لها: ما ورائك يا عصام؟ فقالت: أصلح الله الملك، صرّح المخض عن الزّبد، أقول حقّاً وأخبرك صدقاً، رأيت وجهاً كالمرآة الصينيّة الوضيئة، يزينه شعر حالك كأذناب الخيل، إن أرسلته قلت سلاسل، وإن مشطته قلت عناقيد جلاها وابل، لها حاجبان كأنّما خطّا بقلم أو سوّدا بحمم، تقوّسا على مثل عيني الظبية العبهرة التي لم تَرَ قانصاً ولم يذعرها قسورة، تبهتان المتوسّم إن فتحتهما، وتجللان بأشفارهما ما تحتهما، بينهما أنف كحدّ السيف المصقول، لم يخنس به قصر ولم يعبه طول، حفّت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض، كالجمال شقّ فيه فم لذيذ المتبسّم، فيه ثنايا ذات أشر، وأسنان كالدرر، ينطق فيه لسان ذو فصاحة، وبيان يحرّكه عقل وافر بجواب حاضر، تنطبق عليه شفتان حمراوان كأنّهما في اللين الزبد، تحملان ريقاً كالشهد، ركّب ذلك على عنق بيضاء بضّه مثل سبيكة الفضّة، على صدر كصدر التمثال، قدّ منه عضدان مدمجتان ممتليتان لحماً مكسوّتان شحماً، متّصل بينهما ساعدان رقيق قصبهما، لين عصبهما، وافر لحمهما، متّصل بهما كفّان ما فيهما عرق يمس، ولا عظم يجس، تعقد إن شئت منهما الأنامل وتغيب الفصوص في عقد تلك المفاصل، نتأ في ذلك الصدر ثديان كالرمانتين، يخرقان عنها ثيابها، ويمنعانها أن تقلّد سخابها، تحت ذلك كلّه بطن كالقباطي المدمجة، والطوامير المدرّجة، أحاطت تلك العكن بسرّة كمدهن العاج، خلف ذلك ظهرٌ فيه كالجدول ينتهي إلى خصر لطيف، لولا رحمة الله لانبتر لها كفل بنهضها إذا قعدت، ويقعد بها إذا نهضت، كأنّه دعص رمل لبّده سقيط الطل، تحمله فخذان لفّاوان، وإن قلبتا على نضيد جمان، تحملها ساقان خدلجتان فيهما شعر أسود كأنّه حلق الزرد، تحمل ذلك كلّه قدم كحذو اللسان، فتبارك الله مع صغرهما كيف تطيقان حمل ما فوقهما. قال: فتزوّجها فولدت له الأملاك الأربعة: حجراً وشرجيلاً وسلمة ومعدي كرب. ونظير ما وصفت به هذه المرأة وصف النابغة الذبياني المتجرّدة زوجة النّعمان بن المنذر، والنابغة هذا اسمه زياد بن معاوية بن ضباب، ينتهي نسبه لذبيان ثمّ لمضر، ويكنّى أبا أمامة، وإنّما سمّي النابغة لقوله: وقد نبغت لهم منّا شؤون، وهو أحد الأشراف الذين غضّ منهم الشعر، وهو من الطبقة الاُولى المتقدّمين على سائر الشعراء، وكان خاصّاً بالنّعمان بن المنذر وكان من ندمائه، فرأى زوجته المتجرّدة يوماً وقد غشيها شيء شبيه بالفجأة فسقط نصيفها واستترت بيدها وذراعها، فكانت ذراعها تستر وجهها لعبالتها وغلظها، فقال: من آل أُميّة رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزوَّد زعم البوارح أنّ رحلتنا غداً ... وبذاك تنعاب الغراب الأسود لا مرحباً بغد ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبّة في غد أزف الترحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأنّ قد في أثر غانية رمتك بسهمها ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد بالدرّ والياقوت زيّن نحرها ... ومفصل من لؤلؤ وزبرجد سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد بمخضب رخص كأنّ بنانه ... عنم على أغصانه لم يعقد وبفاحم رجل أثيث نبته ... كالكرم مال على الدعام المسند نظرت إليك لحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العوَّد ومنها: وإذا لمست لمستَ أختم جاثماً ... متحيّزاً بمكانة ملأ اليد وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسّة بالعبير مقرمد

стр. 28

وإذا نزعت نزعت عن متحصّف ... نزع الحزوَّر بالرشاء المحصد فملكت أعلاها وأسفلها معاً ... وأخذتها قسراً وقلت لها اقعدي وهذا البيت الأخير ليس من القصيدة، وكان سبب إلحاقه فيها ما رواه أبو نؤاس قال: رأيت النابغة الذبياني في منامي فقال لي: بماذا حبسك الرشيد؟ فقلت: بقولي: أهج نزاراً وأفر جلدتها ... وهتك الستر عن مثالبها فقال لي: أهل ذلك أنت يابن المومسة، فقد استوجبت من كلّ نزاريّ عقوبةً مثلها بما ارتكبت منها، فقلت: وأنت حبسك النّعمان ببيت قلته ستره النّعمان عن الناس، قال: ما هو؟ قلت: قولك: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد فقال: أو كان هذا مستوراً؟ فقلت: بقولك: وإذ لمست لمست أختم جاثماً ... متحيّزاً بمكانه ملأ اليد فقال: اللهمّ غفراً، فقلت: فبماذا؟ قال: بقولي: فملكت أعلاها وأسفلها معاً ... وأخذتها قسراً وقلت لها اقعدي فحدّث أبو نؤاس بهذا الحديث الزيدي فألحق البيت بقصيدة النابغة. ويماثل قصيدة النابغة هذه ما قاله بعض العرب وهو القصيدة المشهورة المعروفة بالدّعديّة ولا بأس بذكرها لاشتمالها على نظائر تلك النعوت المارّة في الحكاية السابقة، فمنها: آه على دعد وما خلقت ... إلاّ لطول بليّتي دعد بيضاء قد لبس الأديم أديم ... الحسن فهو لجلدها جلد ويزين فوديها إذا حسرت ... ضافي الغدائر فاحم جعد فالوجه مثل الصبح منبلج ... والشعر مثل الليل مسودّ ضدّان لمّا استجمعا حسنا ... والضدّ يظهر حسنه الضدّ وجبينها صلت وحاجبها ... شحط المخطّ أزجّ ممتدّ فكأنّها وسنى إذا نظرت ... أو مدنف لمّا يفق بعد بفتور عين ما بها رمدٌ ... وبها تداوى الأعين الرَّمد وتريك عرنيناً يزيّنه ... شَمم وخدّ لونه الورد وتجيل مسواك الأراك على ... ثغر كأنَّ رضابه شهد والجيد منها جيد جازية ... تعطوا إذا ما طلّها البرد وامتدّ من أعضادها قصب ... فعم زهته مرافق درد والمعصمان فما يرى لهما ... من فعمة وبضاضة زند ولها أنامل لو أرادت لها ... عقداً بكفّك أمكن العقد فكأنّما سقيت ترائبها ... والوجه ماء الحسن إذ تبدو وبصدرها حقّان خلتهما ... كافورتين علاهما ندّ والبطن مطويّ كما طويت ... بيض الرياط تصونها الملد والتفَّ فخذاها وفوقهما ... كفل يجاذب خصره النهد وبخصرها هيف يزيّنه ... فإذا تنوء تكاد تنتقد فقيامها مثنى إذا نهضت ... من لينها وقعودها فرد ما شأنها طول ولا قِصر ... أزرى بها فقوامها قصد ولهاهن راب مجسّته ... ضيق المسالك حرَّه وقد فإذا طعنت طعنت في لبد ... وإذا جذبت يكاد ينسدّ فكأنّه من كبره قدح ... أكلَ العيال وكبّة العبد والساق خرعبة منعّمة ... ثملت وطوق الحجل مشتدّ ومشت على قدمين خصرتا ... والتفّتا فتكامل العقد إن لم يكن وصل لديك لنا ... يشفي الصبابة فليكن وعد إن تتهمي فتهامة وطني ... أو تنجدي إنّ الهوى نجد قد كان أورق وصلكم زمناً ... فذوي الوصال وأورق الصدّ لله أشواقي إذا نزحت ... دار لكم ونأى بكم بعد وإذا المحبّ شكى الصدود ولم ... يعطف عليه فقتله عمد أما ترى طمريَّ بينهما ... رجل ألحَّ بهزله الجدّ فالسيف يقطع وهو ذو صدء ... والحدَّ يفري الهام لا الغمد هل ينفعنّ السيف حليته ... يوم الجلاد إذا نبا الحدّ ويشبه قوله: أما ترى طمريَّ الخ قول بعضهم فيما أخبر به محمّد بن الخطّاب الكلابي: إنّ فتىً من الأعراب خطب ابنة عمٍّ له، فأبى أبوها أن يزوّجه إيّاها لأنّه كان معسراً، فكتب إلى ابنة عمّه بهذه الأبيات: يا هذه كم يكون اللوم والفند ... لا تعذلي رجلاً أثوابه قِدَد إن يمس منفرداً فالبدر منفرد ... والليث منفرد والسيف منفرد أو كنتِ أنكرت طمريه وقد خلقا ... فالبحر من فوقه الأقذار والزَّبد

стр. 29

أو كان صرف الليالي رثَّ بزّته ... فبين ثوبيه منه ضيغم لبد وإنّما أوردت ذلك المقدار من المقصيدة وإن كان فيه ما هو خارج عمّا نحن فيه لحسنها وجودتها. ونظير تلك الحكاية أيضاً ما روي في عائشة بنت طلحة. أقول: هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرّة، أبوه ابن عمّ أبي بكر لحّاً، وكانت بارعة في الجمال، تامّة الخلق، موصوفة بحسن المعاشرة، محبّبة إلى الأزواج، وكانوا يتنافسون عليها، وتزوّجها عدّة من الرجال، فكان الثانيى من أزواجها يضاعف لها مهرها عن الأوّل حتّى بلغ مهرها عند الأخير ألوفاً كثيرة من المال، وهذا خلاف العادة، فإنّ العرف يقضي بانحطاط مهر الثيّب عن البكر والثالث عن الثاني وهلمّ جرّا، وما ذاك إلاّ لمعنىً في عائشة دون غيرها، ونحن نذكر شيئاً من أوصافها وبعضاً من أخبارها: حكى أبوالفرج في الأغاني قال: اجتمع مصعب بن الزبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعمرو بن سعيد بن العاص وأتتهم عزّة الميلاء، فقالوا لها: إنّا قد خطبنا وأردنا منك أن تنظري لنا نسائنا، فسألت مصعباً عمّن خطب، قال: عائشة بنت طلحة، وسألت عمرو بن سعيد عمّن خطب، فقال: عائشة بنت عثمان، وسألت عبد الله فقال: أُمّ القاسم بنت زكريّا، فتوجّهت إليهنّ لتنظرهنّ، فبدأت بعائشة بنت طلحة، فدخلت عليها، فأكرمتها عائشة وسُرَّت بها فسألتها عن حاجتها، فقالت لها: إنّي كنت في نسوة من قريش فتذاكرنا جمال النساء وخلقهنّ فذكرناكِ فلم أدرِ كيف أصفكِ، فقالت: ماذا تريدين؟ فقالت لها: فديتك أقبلي وأدبري، فأقبلت وأدبرت، فارتجّ كلّ شيء منها، ثمّ قالت لها عزّه: خذي ثوبك، فأخذته فرأتها من أحسن النساء ثورة وأتمّهنّ محاسن، فعوّذتها وقالت: ما أظنّ أنّ الله تعالى خلق لصورتك هذه شبيهاً في الدّنيا، وودّعتها وانصرفت إلى أُمّ القاسم، فأكرمتها وسُرّت بها وسألتها عن حاجتها، فعرّفتها بمثل ذلك وسألتها أن تقبل فأقبلت وأن تدبر فأدبرت، فرأت منها ما أعجبها فعوّذتها وقالت لها: يا أُم القاسم والله ما رأيت حسناً إلاّ وأنتِ أحسن منه، وودّعتها وانصرفت وفعلت مثل ذلك مع عائشة بنت عثمان، ورجعت إليهم وهم ينتظرونها. فقالت لمصعب: أمّا عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة، مخطوطة المتنين، عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقيّة الثغر، وضيئة الوجه، فرعاء الشعر، لفّاء الفخذين، يرتجّ ما بين أعلاها إلى أسفلها، وفيها عيبان: اُذنان يحاذيان الخدّ في الكبر، وقدمان كذلك، ولكن الأوّل يواريه الخمار والثاني يواريه الخف. ثمّ قالت لعبد الرحمن: وأمّا أُم القاسم فكأنّها خوطة بان، أو جدول عنان، لو شائت أن تعقد وتعقد أطرافها لفعلت، ولكنّها شحّة الصدر وأنت عريض الصدر وإن قبيحاً لا والله حتّى يملأ كلّ شيء مثله. وقالت لعمرو بن سعيد: أمّا عائشة فوالله ما رأيت خلقتها قط لامرأة لكأنّما أفرغت في قالب الحسن إفراغاً غير أنّ في وجهها ردّة، فوصلوها وتزوّجوهنّ. قولها: في وجهها ردّة بفتح الراء، تُريد أنّ وجهها ينقص في الحسن عن بدنها. وذكر أنّ عائشة بنت طلحة كانت تستلقي على قفاها ثمّ تدحرج الاُترجة من تحت ظهرها فتخرج من الناحية الاُخرى لوفور عجيزتها، وقد قال فيها الحارث بن خالد المخزومي: قرشيّة عبق العبير بها ... عبق الدهان بجانب الحقّ وتنوء تثقلها عجيزتها ... نهض الضعيف ينوء بالوسق قال مسلم بن قتيبة: رأيت عايشة بنت طلحة بمنى - أو قال بمسجد الخيف - ومعها امرأتان تنهضانها للقيام فانخزلت عجيزتها لعظمها، فقالت: إنّي لمعناة منكما. قال مسلم: فذكرت قول الحارث بن خالد المخزومي: وتنوء تثقلها عجيزتها، البيتان. قالت سلافة: زرت مع مولاتي عائشة بنت طلحة وأنا يومئذ وصيفة، فرأيت عجيزتها خلفها وهي جالسة كأنّها غيرها، فوضعت يدي عليها لأعلم ما هي، فلمّا وجدت مسّ يدي قالت: من هذه التي تمسّني؟ فقلت: أنا، رأيت هذا الذي خلفك فخلت أنّها امرأة جالسة معك فجئت لأنظر من هي، فضحكت وقالت: ما أكثر ما يعجب ممّا تعجبين منه. قالت سلافة: ولم أر أحسن جسماً من عائشة بنت طلحة.

стр. 30

وحكى أبوالفرج في الأغاني: إنّ رملة بنت عبد الله بن خلف وكانت ضرّة عائشة عند عمرو بن عبيد الله قالت ذات يوم لمولاة عائشة: أريني عائشة إذا كانت متجرّدة ولك عندي ألف، فأخبرت عائشة بذلك، ثمّ قامت عائشة كأنّها تغتسل، فأقبلت رملة ورأتها مقبلة ومدبرة، فلمّا فرغت من ذلك أعطت مولاتها الألف وقالت لها: وددت أنّي أُضاعف لك العدد ولم أكن رأيتها. وذكر صاحب كتاب نثر الدرر قال: لمّا تزوّج مصعب بن الزبير عائشة بنت طلحة حمل إليها ألف ألف درهم؛ خمسمائة ألف مهر وخمسمائة ألف هديّة، وقال لمولاتها: لك ألف درهم إن دخلت بها الليلة، فأمر بالمال فحمل إلى عائشة وغطّي بالثياب، فخرجت عائشة فرأته فاستكثرته وظنّته فراشاً وثياباً، فسألت مولاتها فأعلمتها أنّه مال فاستكثرته وتبسّمت، فقالت لها مولاتها: ما جزاء من حمل هذا أن يبيت وحده، فقالت لها: وهو كذلك ولكن لا يجوز الدخول إلاّ بعد أن أتهيّىء وأتزيّن، فقالت لها: والله إنّ وجهك لأحسن من كلّ زينة، ولا تحتاجين إلى شيء من طيب أو حلى إلاّ وهو عندك، وأكبّت على رجليها تقبّلهما وتطلب منها أن يكون دخوله بها تلك الليلة، فقالت لها: ويحك كيف يكون هذا بهذه السرعة؟ فصدّقتها الخبر وأعلمتها بما جعل لها مصعب من المال، فأمرتها أن تأذن له، فسار إليها من ليلته وأدنى إليه طعام فأكله كلّه حتّى أعرى الخوان منه، ثمّ سأل عن المتوضّأ فأُخبر فقام فتوضّأ ثمّ صلّى ثمّ قام فأسبل الستر وأقام معها حتّى نال منها سبعاً تلك الليلة، ولم يكن عند عائشة أحظى منه في أزواجها، وكان ينال ما يشاء منها عفواً من دون مناكرة. وذكر هذه الحكاية أبوالفرج في الأغاني وأنّها جرت لها مع عمرو بن عبد الله بن معمر وكان قد تزوّجها بعد مصعب بن الزبير. وقال إسحاق بن إبراهيم: قيل لنعيمان المخنَّث: كيف رأيت عائشة بنت طلحة؟ قال: أحسن البشر، قيل له: صفها، قال: تناصف وجهها في القسامة، وتجزّء معتدلاً في الوسامة. قوله: تناصف وجهها في الوسامة أي أخذ كلّ موضع منه حظّه من الحسن، لم ينفرد بالحسن موضع دون الآخر فيغبن أحد الموضع حظّه. والقسامة الحسن، وهذا أيضاً معنى الفقرة الثانية أي إنّ وجهها أجزاء متساوية في الحسن لا يزيد جزء على جزء، ولقد وصف فأجز وبالغ. وحدّث حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إنّ الله تعالى وسمني بميسم الجمال فأحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم، فما كنت لأستره. فكان مصعب إذا عزم عليها في الإستتار استترت وإذا سكت عنها أسفرت وباشرت الناس. وحكى صاحب كتاب نثر الدرر قال: لمّا زفّت عائشة بنت طلحة إلى زوجها مصعب بن الزبير سمعت منها امرأةٌ وهو يجامعها شخيراً وغطيطاً في الجماع لم تسمع مثله، فقالت لها في ذلك، فقالت لها عائشة: إنّ الخيل لا تشرب إلاّ بالصفير. قلت: وقد نظم بعض الشعراء قولها: إنّ الخيل لا تشرب إلاّ بالصفير، فقال: أدرها بالصغير وبالكبير ... وخذها من يدي قمر منير ولا تشرب بلا طرب فإنّي ... رأيت الخيل تشرب بالصفير أقول: والشيء بالشيء يُذكَر حدّث الصولي عن أبي نؤاس قال: حججت مع الفضل بن الربيع حتّى إذا كنّا بأرض بني فزارة أيّام الربيع سرّحت عيني رامقاً في أحسن منظر، واستنشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر، فقلت لمن معي: أمضي بنا إلى هذه الخيام فلعلّنا نجد عندها من نؤثر عنه خبراً نرجع به إلى بغداد، فلمّا انتهينا إلى أوائلها فإذا نحن بخباء وعلى بابه جارية مبرقعة ترنو بطرف مريض الجفون، وسنان النظر قد حشي فتوراً وملىء سحراً، وقد مدّت يداً كلسان طائر بأطراف كالمذاري، وخضاب كأنّه عنم، فقلت لصاحبي: والله إنّها لترنوا عن مقلة لا رقية لسليمها ولا برء لسقيمها، فاستنطقها فقال: كيف السبيل؟ فقلت: استسقها، فدنى منها فاستسقاها، فقالت: نعمة عين فإن نزلتما فالرّحب والسعة، ثمّ قامت تتهادى في مشيتها كأنّها خوط بان أو قضيب خيزران تتثنّى، تجرّ خلفها كالعرارتين، فراعني والله ما رأيت، فأتت بالماء فأخذته فشربت منه وصببت باقيه على يدي، ثمّ قلت: وصاحبي أيضاً عطشان، فأخذت بالإناء ودخلت الخباء، فقلت لصاحبي: من الذي يقول: إذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع

стр. 31

يريك عيون المهى غرَّةً ... ويكشف عن منظر أشنع فمضت مسرعة فنزعت برقعها وتقنّعت بخمار أسود وجائت وهي تقول: ألا حيّ ركبي معشر قد أراهما ... أطالا ولمّا يعرفا مبتغاهما هما استسقيا ماءً على غير ظمأة ... ليستمتعا باللحظ ممّن سقاهما يذمّان لبّاس البراقع ظلّةً ... كما ذمَّ تجرٌ سلعتين اشتراهما فشبهت كلامهما عقد درٍّ وهي من سلكه فهو ينتثر بنغمة عذبة رخمة رطبة لو خوطب بها الصمّ الصلاب لانبجست ماءً لرطوبة منطقها وعذوبة ألفاظها، كما قال ذوالرمّة: ولمّا تلاقينا جرت من عيوننا ... دموعٌ كففنا مائها بالأصابع ونلنا سقاطاً من حديث كأنّه ... جنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع ولم أتمالك أن خررت ساجداً وأطلت من غير تسبيح، فقالت: ارفع رأسك غير مأجور، وامض لشأنك غير موزور، ولا تذم بعدها برقعاً فربّما يكشف عمّا لا يردّ الكرى، ويحلّ القوى من غير بلوغ إرب، ولا قضاء وطر، وليس إلاّ للحين المجلوب، والأمل المكذوب، فبقيت والله معقول اللسان عن الجواب، فالتفت إليّ صاحبي فقال لمّا رأى هلعي: اَلِلَمْعَةِ وجه برقت منه بارقة حسن لعلّك لا تدري ما تحته، أما سمعت قول ذي الرمة: على وجه مي مسحةٌ من ملاحة ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا فقلت: اُلامُ كلاّ والله لأنا أشبه بقوله: منعّمةٌ حوراء يجري وشاحها ... على كشح مرتجًّ الروادف أهضم لها بشرٌ صاف وعينٌ مريضةٌ ... وأحسن إيماء بأحسن معصم وكوفية بالحسن قد تمَّ حسنها ... ورومية في اللون ظاهرة الدم خزاعية الأطراف مريَّة الحشا ... فزارية العينين طائية الفم فرفعت ثيابها فإذا قضيب فضة قد حُشي بماء الذهب، يهتزّ على مثل قضيب نقي وصدر كالوذيلة، عليه كالرمانتين أو حقيْ عاج يملاءن يد اللامس، وخصر مطويّ الإندماج يهتزّ على كفل رجراج، لو رمت عقده لانعقد، وسرّة مستديرة يقصر فهمي عن بلوغ وصفها، من تحتها أحمّ جاثم كجبهة ليث خادر، وساقان خدلجان يخرسان الحجلين، ثمّ قالت: أَعارٌ نرى؟ فقلت: لا والله ولكن سبب قدر المحتاج وتعجيل همّ يتبعه سقم. فخرجت عجوز من الخباء فقالت: يا هذا امض لشأنك فإنّ قتيلها مطول لا بؤدى، وأسيرها مكبول لا يفدى، فقالت لها: دعيه فمثله مثل عيلان بقوله: فإنْ لم يكن إلاّ تعلّل ساعة ... قليلاً فإنّي نافع لي قليلها فولّت العجوز وهي تقول: فمالك منها غير أنّك ناكح ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع؟ فبينما نحن كذلك وإذا بطبل الرحيل قد ضرب، فانصرفنا مبادرين بكمد قاتل وحسرة كاملة وأنا أقول: يا ناظراً ما أقلعت لحظاته ... حتّى تشحّط بينهنّ قتيل أحللت قلبي في هواك محلّةً ... ما حلّها المشروب والمأكول بكمال صورتك التي في مثلها ... يتحيّر التشبيه والتمثيل فوق القصيرة والطويلة فوقها ... دون السمان ودونها المهزول

стр. 32

فلمّا قضينا حجّنا وكررنا راجعين، مررنا بذلك الموضع وقد تضاعفت أنواره وكملت بهجته، فقلت لصاحبي: إمض بنا إلى صاحبتنا لعلّنا نجدها، فلمّا أشرفنا على الخيام ونحن دونها نسير في روضة من تلك الرياض وقد طلعت الغزالة وحباب الطل يغازلها كأعين شرقت بدموعها على قضب زبرجد، فصعدنا رَبوة ونزلنا وهْدةً وإذا بها بين خمسة لا نصلح أن تكون خادمة لإحداهنّ يجتنين من كور ذلك الزهر، ويتقلّبن على ما اعتمّ من عشبه، فلمّا رأينا وقفْن، فقلت: السلام عليكم، فقالت من بينهنّ: وعليك السلام، وقصّت عليهنّ قصّتي، فقلن لها: ويحك ألا رحمتيه وزودتيه شيئاً يتعلّل به من جوى البرحاء؟ قالت: نعم زوّدته يأساً حاضراً ورأياً حائراً، فابتدرت أنظرهنّ خدّاً وأرشقهنّ قدّاً وأبرعهنّ طرفاً فقالت: والله ما أحسنتِ بداً، ولا أجملتِ موعداً، ولقد أسأتِ في الردّ، ولا كافيتيه في الودِّ، وإنّي لأحسبه بك وامقاً، وإلى لقائك شائقاً، فما عليك يا سعافة وإنّ المكان لخال، وإنّ معك من لا ينمّ عليك؟ فقالت: والله ما أفعل من ذلك شيئاً أو تفعليه قبلي وتشركيني في حلوه ومرّه. فقالت لها الأُخرى: تلك قسمة ضيزى، تُعْشَقين أنت فتزَهينَ ويذلّ لك فتمنعين الرّفد، ثمّ تأمرين بما يكون منك لذّةً وشهوةً ومنّي سخرة، ما أنصفتِ في القول ولا أجملتِ في الفعل، ثمّ أقبلن عَلَيّ فقلنَ: إلى مَ قصدت؟ فقلت: تبريد غلّة وإطفاء لوعة أحرقت الكبد وأذابت الجسد. قلن: فهل قلت في ذلك شيئاً؟ قلت: نعم، وأنشدتهنّ: حججت رجاء الفوز بالأجر قاصداً ... لحطّ ذنوب من ركوب الكبائر فآبت كما آب الشقي بخفّتي ... حنين ولم اوجر بتلك المشاعر دهتني بعينيها وبهجة وجهها ... فتاةٌ كضوء الشمس وسنى النواظر فقلن: اقترِعْنَ، فاقترعْنَ فوقعت القرعة على أملحهنّ، فضرب إزار على باب غار، فعدلت إليه وأبطأن عَلَيّ قليلاً، وأنا أتشوّف واحدة منهنّ إذ دخل عَلَيّ أسود كأنّه ساريه، بيده هراوة وهو منعظ بمثل ذراع البكر، فقلت له: ما تريد؟ قال: أفعل بك الفاحشة، فخفت وصحت بصاحبي وكان أيداً، فخلّصني منه، فخرجت من الغار وإذا بهنّ يتعادين إلى الخيام كأنّهنّ اللئالي ينحدرن من سلك، وهنّ يتضاحكن، ومعهنّ نياط قلبي يجذبنه بينهنّ، فانصرفت بأخزى من ذات النحيين. أقول: وقد أسهبنا في النقل من هذه الحكايات والنوادر، وفيما ذكرناه كفاية. قال الثعالبي: أحسن الكلام ما كان قالباً لأهواء القلوب، ويشهد بهذا المعنى قول مهيار بن مرزويه الديلمي الكاتب: إقا قال فاعقد خيوط التميم ... عليك فألفاظه تسحر وقال أبو عبد الله محمّد بن أحمد الخازن في تهنئة الصاحب بن عباد بمولود ولد له: وخذْ إليك عروساً بنت ليلتها ... من حازم مخلص ودّاً ومعتقدا أهديتها عفو طبعي وانتحيت لها ... سحراً وإن كنت لم أنفث له عقدا وقال مهيار أيضاً: سحرت جودك فاستخرجت كامنه ... إنّ الكريم ببيت الشعر مسحور فصل في نعت نثره ونظمه أمّا نثره: فنثار طل تساقطه الأنداء، ووشي زهر ينمنم به الربيع، ديباجة روضة غناء. وأمّا نظمه: فجان سلك تتمنّى الحور لو زانت به نحورها، ووشحت به الهيف خصورها، إن نسب أغرب، وإن شبب أطرب، فنسيبه الحلو الحلال، وتشبيبه العذب الزلال، بل هو في جميع فنون الشعر طويل الباع، غزير الإطلاع، سمح البديهة، حسن الروية، صادق النظرة، ولود الفكرة، رقيق حاشية النظم، موشي ديباجة النثر. كم مقامات نهىً حرّرها ... ليس فيها للحر يرى مقامه وأنقياتِ بهى لو شامها ... جوهري الشعر ما سام نظامه فما أحقّ كلامه بقول القائل: كلام الإمام إمام الكلام ... وفوه يفوه بحرّ النظام مزاج معانيه في نظمها ... مزاج المدام بماء الغمام وهذا من قولهم: كلام الملوك ملوك الكلام، وقولهم: عادات السادات سادات العادات. رجْعٌ إلى وصف كلامه: أقول: كلامه هو الذي ليس به عثار، ولا عليه غبار، قد ولي الفضل تحبيره، وملك العقل رسمه وتصويره، فهو كما قال القائل: سمع البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنّما ألفاظه من ماله هبني وفيت بحمده عن فضله ... من ذا يفي بالشكر عن إفضاله بل كما قال هذا القائل:

стр. 33

قد أصبحت ألفاظه صور النُّهى ... وقوالب الأسماع والألباب وإذا حللتَ له جناباً واحداً ... حلَّ المؤمّل منك ألف جناب قال رسول الله ﵌: إنّ من الشعر لحكمةً، وإنّ من البيان لسحراً. وقال علي ﵇: خير الشعراء ما كان مَثلاً، وخير الأمثال مالم يكن شعراً. وقال الخليل بن أحمد: الشعراء أُمراء الكلام، يصرّفونه أنّى شاؤا، جائزٌ لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تفريق اللفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوحه، والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته. وقال السيّد المرتضى في الدرر في أثناء كلام أملاه ردّاً على الآمدي فيما عاب به البحتري: أنّ الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد، فإنّ ذلك متى اعتبر في الشعر بطل جميعه، وكلام القوم مبنيّ على التوسّع والتجوّز والإشارات الخفيّة والإيماء إلى المعاني تارةً بعد أُخرى من قرب، لأنّهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق وإنّما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم. وقال الجاحظ في كتاب البيان: كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمّون تلك القصائد: الحوليّات والمنقّحات والمحكمات، ليصير قائلها فحلاً خنذيذاً وشاعراً مفلقاً، وفي بيوت الشعراء الأوابد والأمثال ومنها الشواهد والشوارد. طبقات الشعراء والشعراء أربع طبقات: أوّلهم: الفحل الخنذيذ وهو التام، ودون الخنذيذ: الشاعر المفلق، ودون ذلك: الشاعر فقط، والرابع: الشعرور. وقال بعضهم: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وشعرور. وما أصدق قول القائل: الشعراء فاعلمنَّ أربعهْ ... فشاعرٌ يجري ولا يجرى معهْ وشاعرٌ من حقّه أن ترفعهْ ... وشاعرٌ من حقّه أن تسمعهْ وشاعرٌ من حقّه أن تصفعهْ وذكر شارح الكامل: إنّ الحطيئة دخل على سعيد بن العاص وهو يتغذّى، فأكل أكل جايع، فلمّا فرغ من طعامه وخرج الناس أقام مكانه، فأتاه الحاجب ليخرجه فامتنع وقال: أترغب عن مجالستي، فلمّا سمعه سعيد وكان لا يعرفه قال للحاجب: دعه، ثمّ تذاكروا الشعر، فقال الحطيئة: ما أصبتم جيد الشعر ولو أعطيتم القوس باريها بلغتم ما تريدون. وقيل: إنّه أوّل من قال: أعط القوس باريها، فانتسبوه، فانتسب لهم، وذاكروه فقال لسعيد: اسمع ثمّ أنشد: الشعراء فاعلمنّ أربعهْ ... فشاعرٌ لا يرتجى لمنفعهْ وشاعر ينشد وسط المجمعهْ ... وشاعر آخر لا يجرى معهْ وشاعرٌ يقال خمرٌ في دعهْ ومعنى قوله: خمر في دعه، غطّ وجهك حياءً من قبح ما أتى به، ثمّ أنشد: الشعر صعبٌ وطويل سلمهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمهْ زلّت به إلى الحضيض قدمهْ ... يريد أن يعربه فيعجمهْ أقول: حمل لظة يعجمه على القطع والإستيناف كأنّه قال: فإذا هو يعجمه ولم يحمله على الفعل الذي عملت فيه أن، ولو عطفه عليه لبطل المعنى ولم يكن مستقيماً. وقيل للمفضَّل الضبيِّ: لِمَ لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي به يمنعني عن قوله، وأنشد: وإنّما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيساً وإن حمقا وإنّ أفضل بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا وقال بعضهم: والبيت لا يحسن إنشاده ... إلاّ إذا أحسن منْ شادَه وقال الآخر: لا تعرضنَّ على الرواة قصيدةً ... مالم تبالغ قبل في تهذيبها فمتى عرضت الشعر غير مهذّب ... عدَّوه منك وساوساً تهذي بها وقال أبوالفضل الميكالي: يا من يقول الشعر غير مهذَّب ... ويسومني التعذيب في تهذيبه لو أنّ كلّ الناس فيك مساعدي ... لعجزت عن تهذيب ما تهذي به وما أظرف قول العماد الكاتب في هذا الباب وألطفه: هي كتبي وليس تصلح من بعدي ... لغير العطّار والإسكاف فهي إمّا مزاود للعقاقير ... وإمّا بطائن للخفاف وممّن بالغ في هجاء بعضهم على خطله، وبلغ غاية الجدّ في هزله الحسين بن الحجّاج في قوله: قيل إنّ الوزير قد قال شعراً ... يجمع الشمل نظمه ويعمهْ ثمّ أخفاه فهو كالهر يخري ... في زوايا البيوت ثمّ يطمهْ ومن الكلم النوابغ: العجب ممّن يكثر غلطه ثمّ يكثر لغطه.

стр. 34

ذكرت بقول الحطيئة: الشعراء فاعلمنّ أربعة ما حكاه الثعالبي قال: قال لي سهل بن مرزبان يوماً: إنّ من الشعراء من شلشل، ومنهم من سلسل، ومنهم من قلقل، ومنهم من بلبل. فقلت: أخاف أن أكون رابع الشعراء، وأردت قول الشاعر: وشاعر من حقّه أن تصفعه، الأبيات المتقدّمة. قوله: ومنهم من بلبل أراد قول الثعالبي: وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل والأعشى هو المعني بقوله: ومنهم من شلشل، لقوله: وقد غدوت على الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلول شلشل شول والمعني بقوله: ومنهم من سلسل، مسلم بن الوليد، لأنّه القائل: سلت وسلت ثمّ سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا وأبوالطيب المتنبي هو المعني بقوله: ومنهم من قلقل، وذلك حيث يقول: وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل وإنّما عيب عليهم ذلك لتكرير اللفظ الواحد في البيت لغير تجنيس بحيث صار مستثقلاً إلاّ أنّ بيت الثعالبي وإن وقع التجنيس في لفظته المكرّرة إذ المراد بالاُولى جمع بلبل؛ وهو طائر معروف، وبالثانية الهموم، وبالثالثة قناة الكوز التى نصب الماء، والبلبلة الكوز الذي فيه بلبل إلى جنب رأسه، ولكنّه صار مستثقلاً للتكرير الذي فيه ولهذا تراه أخف في الجملة من الأبيات الآخر، وقد تفنّن الشعراء في وصف الشعر، فمنهم من عدّه لنفسه شرفاً وفخراً، واستطال به جلالة وقدراً كأبي الطيب المتنبي في قوله: لا تحسب الفصحاء تنشد هاهنا ... بيتاً ولكنّي الهزبر الباسل وقوله: لا بقومي شرفت بل شرّفوا بي ... وبجدّي فخرت لا بجدودي وبهم فخر كلّ من طق الضاد ... وعوذ الجاني وغوث الطريد أنا ترب الندى وربّ القوافي ... وسمام العدى وغيظ الحسود وقوله: خليلَيّ مالي لا أرى غير شاعر ... فلمْ منهم الدعوى ومنّي القصائد وقوله: أفي كلّ يوم تحت ضبعي شويعرٌ ... ضعيفٌ يقاويني قصير يطاول وكالبحتري في قوله: فإذا ما بنيت بيتاً تبخترت ... كأنّي بنيت ذات العماد وقوله: ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والحمد وتلطّف ما شاء بقوله: لا تخف عيلتي وهذي القوافي ... بيت مال ما إن أخاف ذهابه وقول المعرّي: وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل وقول مهيار: وما الشعر إلاّ النسر بُعداً وصورةً ... فلو شاء لم يطمع يداً فيه رافع وقد أفلَ النجمان منه فلا يفت ... على عين راء ثالث منه طالع بقيت لكم وحدي وإن قال معشر ... وفي القول ما تنهاك عنه المسامع ولو شئتُ لي أخفى زهير ثنائه ... على هرم أيّام تجري الصنائع وكان غبيناً في أُميّة من شرى ... مديح عتاب وهو مغل فبايع على كلّ حال أنت مُعط وكلّهم ... على سعة الأحوال مُعط ومانع وقد وهبوا مثل الذي أنت واهب ... فما سمعوا بعض الذي أنت سامع قوله: ثالث منه طالع يعني نفسه لقوله بعده: بقيت لكم وحدي، ويُشير بقوله: وقد أفل النجمان إلى ابننباته والسيّد الرضي، وكنّى بالاُفول عن موتهما، وكان لا يرى غيرهما متقدّماً في هذا الفن، ورثاهما معاً، قال في رثاء ابن نباته من قصيدة جليلة أوّلها: حملوكَ لو علموا من المحمول ... فارتاض معتاص وخفَّ ثقيل واستودعوا بطن الثرى بك هضبةً ... وأقلّها أنّ الثرى لحمول منها: يا ناشد الكلم الغرائب أعوصت ... منها فليس لآيها تأويل قف ناد في النادي هل ابن نباتة ... أُذن فيسمع أو فم فيقول منها في وصف شعره: وإذا وسمن على لئيم عرضه ... عاراً فليس لما علطنَ نصول ويظللن يوماً بالملوك حوالياً ... يحفى لهنّ الشمّ والتقبيل أبكارهنّ المطمعات نواشز ... وإناثهنّ المغزلات فحول من كلّ بيت أمره بك نافذ ... وعلى اشتطاطك حكمه مقبول قال الثعالبي: وهذا ابن نباته هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر ابن نباته السعدي، كان من محاسن الدهر، لا يُعاب إلاّ بعدم من لا يعرف قدره. وقال مهيار أيضاً في رثاء السيّد الرضي، وهو دليل على ما ذكرناه:

стр. 35

ولقولة عوصاء ارتجّ بابها ... ففلجتها لمّا ولجت خصامها وقلائد قذفت بحارك درّها ... وقضى لسانك وصفها ونظامها هي آية العرب التي انفردت بها ... راعيت فيها عهدها وذمامها كم معجز منها ظهرت بفضله ... سنن الرجال فلم تجد أفهامها وغريبة مسحت يداك موآنساً ... منها الثغور ومفصحاً أعجامها حمست حتّى قيل صبَّ دمائها ... وغزلت حتّى قيل صبّ مدامها ماتت بموتك غير ما أودعته ... في الصحف أو أمددته أقلامها رجْعٌ إلى ما كنّا فيه: وممّن عدّ الشعر فخراً القاضي الأرجاني في قوله - وأبدع فيما قال وأغرب -: وأحقّ من عني الملوك به ... مَنْ سار فيما قال ذكرهم لولا زهير والمديح له ... لم يدر هذا الناس مَنْ هرم وأنا الذي لم يسخ بي أحد ... إلاّ غدا ونديمه الندم وقال أيضاً أبو سعيد الرستمي: من الناس من يعطي المزيد على الغنا ... ويحرم ما دون الغناء شاعرٌ مثلي كما لحقت واوٌ بعمر زيادةً ... وضويق بسم الله في ألف الوصل وقال الأرجاني: لو كان بالفضل التقدّم يقتنى ... ما كان "لا" في أوّل التوحيد وأجاد مهيار متظلماً بقوله: مالي ولم أسبق إلى الغنم ... قسم الرجال وأغفلوا سهمي الحقّ لي والحظّ عندهم ... أظمي ويروى معشر باسمي وممّن عدّ الشعر منقصةً في شرفه ومزاياه الموروثة عن سلفه أبوالحسن الشريف الرضي في قوله: مالكَ ترضى أنْ تكون شاعراً ... بُعداً لها من عدد الفضائل وقوله في مدح أبيه: أمعثر الأحداث في أذيالها ... وأفاك مدحي والجدود عواثر إنّي لأرضى أن تعيش ممدَّحاً ... وعلاك لا يرضى بأنّي شاعر ومنهم أبوطالب المأموني حين وفد على الصاحب ابن عباد فأعجب به وبالغ في إكرامه على حسن نظامه، فحسد بعض حاشية الصاحب ودبّت عليه عقارب كيدهم وطفقوا يركبون فيه الصعب والذلول ويرمونه بما يصرف وجه الصاحب عنه وإسقاط منزلته عنده، فقال في ذلك قصيدةً يستأذنه فيها للرحيل، وأحببت إيرادها لحسنها ولأنّ كلّ بيت منها نادرة باهرة، وبديعة سائرة، وهي: يا ربع لو كنت دمعاً فيك منسكباً ... قضيتُ نحبي ولم أقض الذي وجبا لا ينكرنّ ربعك البالي بلى جسدي ... فقد شربت بكأس الحبّ ما شربا ولو أفضت دموعي حسب واجبها ... أفضت من كلّ عضو مدمعاً سربا عهدي بربعك للذّات مرتبعاً ... فقد غدا لغوآدي السحب منتحبا فيا سقاك أخو جفني السحاب حياً ... يحبو ربى الأرض من نور الرياض حبا ذو بارق كسيوف الصاحب انتضيت ... ووابل كعطاياه إذا وهبا ومنها: وعصبة بات فيها الغيظ متّقداً ... إذْ شدت لي فوق أعناق العدى رتبا ومن يرد ضياءَ الشمس إن شرقت ... ومنْ يسدَّ طريق الغيث إن سكبا فكنت يوسف والأسباط هم وأبو ... الأسباط أنت ودعواهم دماً كذبا قد ينبح الكلب مالم يلق ليث شرىً ... حتّى إذا ما رأى ليثاً مضى هربا أرى مأربكم في نظم قافية ... وما أرى لي في غير العلا إربا عدّوا عن الشعر إنّ الشعر منقصة ... لذي العلاء وهاتوا المجد والحسبا فالشعر أقصر من أنْ يستطال به ... إن كان مبتدعاً أو كان مقتضبا أسير عنك ولي في كلّ جارحة ... فمٌ بشكرك يجري مقولاً ذربا إنّي لأهوى مقامي في ذراك كما ... تهوى يمينك في العافين إن تهبا لكن لساني يهوى السير عنك لأن ... يطبق الأرض مدحاً فيك منتخبا أظنّني بين أهلي والأنام هم ... إذا ترحّلت عن مغناك مغتربا وقول الآخر: ولست أعدَّ الشعر فخراً وإنّني ... لأنظم منه ما يفوق الدراريا ولكنّني أحمي حماي وأتّقي ... عداي وأرمي قاصداً من رمانيا وقولي في هذا المعنى في رثاء عمّي المهدي وفيه تلميح إلى قوله تعالى: (وَكُلَّ إنسان أَلْزَمْناهُ طائرَهُ في عُنُقِهِ) لأنّه أوصى إليّ في بعض قصائد كان نظمها في مدح جدّه وعترته أن أجعلها معه في كفنه. وأرى القريض وإن ملكت زمامه ... وجريت في أمد إليه بعيد

стр. 36

لم ترض منه غير ما ألزمته ... من مدح جدّك طائراً في الجيد ومنهم من بالغ بالوصيّة في التحفّظ على الشعر ووضعه في موضعه كالأعشى بقوله: والشعر قلّدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيثما جعلا وكالرستمي في قوله: بناتي عن أيدي اللئام أصونها ... وغير عجيب أن أصون بناتي وكالمهيار في قوله: والشعر صنه فالشعر يحتسب الله إذا لم يصنْ على الشاعرغالِ به واستم المهور الثقيلات وصاهر أكفائه صاهرواحن عليه فإنّه ولد ... أبوه فكر وأُمّه خاطر صرّفه فيما ترضى العلاء به ... وبعمر العرض بيته العامر لا تمتهنه في كلّ سوق فقد ... تربح حيناً وبيعك الخاسر أُنظر إلى مَن وفى مدائح مَن ... أنت وقد بات نائماً ساهر إختر وَلوداً للفهم منجبةً ... ما كثر الفهم محمق عاقر أُمّاً لفخر يصدق النسب الحرَّ ... ويحيي ذكر الأب الداثر أوّلاخ يشفع الوداد له ... يرضيه منه بالفذ والنادر أو ملك رحت منه في نعم ... أنت لها لا محالةً شاكر وممّن أسف على جعل الشعر في غير موضعه الحطيئة، قيل: إنّه لمّا حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه، فقالوا: يا أبا مليكة أوصِ، فقال: ويل للشعر من رواية السوء. فقيل: أوصِ يرحمك الله، فقال: من ذا الذي يقول: إذا نبض الرامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلىً أوجعتها الجنائز قيل له: الشمّاخ. قال: بلّغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك ما هذه وصيّة، أوصِ، قال: بلّغوا أهل ضابي أنّه شاعر حيث يقول: لكلّ جديد لذّة غير أنّني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ قالوا: أوصِ ويحك بما ينفعك، قال: بلّغوا أهل امرء القيس أنّه أشعر العرب حيث يقول: فيالك من ليل كأنَّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذيل قالوا: اتّق الله ودع عنك هذا، قال: بلّغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسئلون عن السواد المقبل فقالوا: إنّ هذا لا يغني عنك فقيل غير ما أنت فيه، فقال: الشعر صعب وطويل سلّمه، الأبيات التي مرّت. فقالوا: يا أبا مليكة ألك حاجة؟ قال: لا ولكن أجزع على المديح الجيّد يُمْدَحُ به من ليس له أهلاً. وعلى قول حسان: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم، البيت، ذكرت ما حُكي عن بعض الشعراء قال: قلت بيتاً هو أشعر من بيت حسان، قيل له: وكيف؟ قال: قال حسان: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسئلون عن السواد المقبل وقلت أنا: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... أحداً ولا يسلون من ذاالمقبل فقيل له: هو بيت حسان إلاّ أنّك أفسدته. ونظير هذا الأخذ قول أبى محمّد الخازن: قل لباغي الندى خف الله لا تسئله عمراً فإنّه موهوبأخذه من قول أبى تمام: ولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله وأقبح من هذا الأخذ ما اتّفق لبعض شعراء عصرنا وذلك أنّه عزّى الحاج محمّد صالح عن كريمة له توفّيت فرثاها بقصيدة سرقها من مهيار الديلمي إلاّ أنّه أفسدها إفساداً قبيحاً، ولولا أنّ العلاّمة الماجد المعنيّ في هذا الكتاب عزم عَلَيّ في إثباتها برمّتها لما أثبتّها على أنّ عدم التنبّه لها يدلّ على خلو عصرنا من أهل الإطلاع على مثل ذلك مع أنّ إنشادها في مثل ذلك النّادي المعظم وقاحة شديدة، قال الشيخ السارق: لكم البقا يا آل بيت محمّد ... إنّ السلوَّ بغيركم لم يحمد حزتم محامد لا تقاس بغيرها ... فمحمّد ينمى لخير محمّد لكم ولي والناس طرّاً سلوٌ ... بالوالد البرّ الرؤف محمّد هو صالح الأعمال بل هو منتهى ... الآمال شمس هداية المسترشد هو خير من صحّت مآثر مجده ... هو خير من بردا المكارم مرتدي هو خير من ألقى النزيل رحاله ... بفنائه من خائف أو مجتدي هو ملجأٌ للخائفين وعصمة ... ومعرَّس للطالبين ندي اليد لا قبل نائله إذا سئل الندى ... وعدٌ ولا قبل اللقاء بموعد قال مهيار: لا قبل نائله إذا سئل الندى ... وعد ولا قبل اللقاء وعيد

стр. 37

أُنظر كيف سرق هذا البيت سرقة قبيحةً وأفسد الأخذ من حيث لم يفهم معنى بيت مهيار، لأنّه أطرى هذا الملك بالكرم والشجاعة وبالغ في ذلك فجعل كرمه لمجتديه لا يسبقه وعد ولا لقائه لعدوّه لا يسبقه وعيد وهذا مقصد جليل من مقاصد الشعراء، قال مهيار: غضبان يسبق بطشه أخباره ... حتّى يغامر في الرعيل الأوّل وقال أبو فراس الحمداني: ويا ربّ دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر وقال الطغرائي: هجوم على الأعداء من صوب أمنهم ... متى ما يشأ يعمي النواظر بالكحل وهو كثير جدّاً فأخذه الشيخ برمّته ومدح به الحاج محمّد صالح إمّا لظنّه أنّ البيت كلّه مدح بالسخاء أو لجهله وعدم معرفته بأنّ مثله لا يُمْدَح بشجاعة ولا هيجاء، وقال الشيخ المذكور: ومع الحفيظة قسوة وفضاضة ... حتّى كأنّ فؤاده من جلمد وقال مهيار: لك من خلائقه إذا مارسته ... جنبان ذا سهل وذاك شديد فمع المروّة هزّة وتعطّف ... فتقول غصن البانة الأملود ومع الحفيظة قسوة وفضاضة ... حتّى كأنّ فؤاده جلمود فأجل فكرك في قلّة معرفة الشيخ مع كبر سنّة الذي أفناه في نظم الشعر، فإنّ مهياراً وصف ذلك الملك بالحزم في جعله ذاخلقين متّصفين بالسهولة والشدّة يجدهما الممارس له محبّاً أو مبغضاً؛ فإن كان محبّاً وجد عنده من الهزّة والتعطّف عليه ما اتّصف به غصن البانة الأملود مبالغةً في حنوّه على أهل مودّته، وإن كان مبغضاً وجد عنده لشدّة حفيضته من قسوة القلب وفضاضته ما يظنّ معه أنّ فؤاده جلمود؛ وهوالقاسي من الصخر، وهذه ملاحظة جيّدة إن شئت سمّيتها بالمقابلة وإن شئت سمّيتها بالطباق المعنوي نظير قوله عزّ من قائل: (أشِدَّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) ، وستقف على بيان ذلك في محلّه مفصّلاً، فما بال الشيخ غفل عن ذلك هذه الغفلة ووصفه بالقسوة والفضاضة فقط؟ وهل يحسن ذلك وإن جعله مع الحفيظة؟ ألم يتصفّح نظم الشعراء في مثل هذا المورد ويحذو حذوهم؟ قال أبو عبادة البحتري: معارك حرب لا يزال موكّلاً ... بقطب رحىً للدارعين طحون وسائس جيش يرجع الحزم والحجى ... إلى شدّة في جانبيه ولين وقال: إذا الخطوب مرّتْ أخلاف درّته ... درَّت بخلفين من شري ومن عسل وقال بعضهم: متى يسئلوه المال تندَ بنانه ... وإنْ يسئلوه الضيم تندَ عوامله وقال مهيار: إن سيل رفداً فهي ينبوع الندا ... أو سيل ضيماً فهي ينبوع الدم ولا أدري ايّهما أخذ من الآخر إلاّ أنّهما أخذا جميعاً من أبي عبادة البحتري حيث قال: يدني يداً بيضاء يختلط الندى ... فيها إذا لقي الفوارس بالدم ولابن دريد في مقصورته: قد مارت منّي الخطوب مرساً ... يساور الهول إذا الهول علا لي التواء إن معاديَّ التوى ... ولي استواء إن مواليَّ استوى طعمي شَرْي للعدوّ تارةً ... والأري بالراح لمن ودّي ابتغى لينٌ إذا لو ينت سهلٌ معطفي ... ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذا هكذا جرت الشعراء على نمط واحد في مثل هذه الموارد، وفيما أوردناه كفاية في بيان ما نحن فيه. قال الشيخ: هو ذلك الولى الأجل وووالد ال ... غرر الذين نشوا بأحسن مولد وأبو كواكب كالفراقد في سما ال ... عليا لها مالم يكن للفرقد إنّي لهم بصفاهم من مفخر ... أو مظهر أو عنصر أو محتد وإذا سرى نقص القبائل أقبلت ... تنمي مكارمهم بغير مزيّد وقال مهيار: وإذا سرى نقص القبائل أقبلت ... تنمي مكارم فيهم وتزيّد وقال الشيخ: شرف كمال الملك في أطرافه ... حام على النسب الكريم بمذود وقال مهيار: شرف كمال الملك في أطرافه ... حام عن النسب الكريم يذوّد وقال الشيخ: وإذا أناخ بهم وفود شمتهم ... كرماً قياماً والوفود بمقعد وقال مهيار: وإذا أناخ به الوفود رأيتهم ... كرماً قياماً والوفود قعود وقال الشيخ: وإذا قصدت طروقه لملمة ... فالمصطفى باب لذاك المقصد وقال مهيار: وإذا أردت طروقه لملمة ... فأبوا المعالي بابه المقصود وقال الشيخ:

стр. 38

عشق العلا فسعى وأدرك وصلها ... وطحا بقلب الحاسد المتلدّد وقال مهيار: عشق العلا فسعى وأدرك وصلها ... متمهّلاً وحسوده ملدود وقال الشيخ: ووفى بأشراط الكفاية داخلاً ... من بابها ورتاجها لم يسدد وقال مهيار: ووفى بأشراط الكفاية داخلاً ... من بابها ورتاجها مسدود فتأمّل في سرقة الشيخ لهذا البيت مع سوء فهمه، فإنّه جعل رتاج الكفاية لم يسدّد فشارك الممدوح فيها بالدخول غيره وليس هذا من المدح بمكان، ومهيار الديلمي جعل رتاجها مسدوداً وإنّ غير الممدوح لم يدخل إليها من بابها ويريد بذلك انفراده بالرياسة والتدبير والسياسة وهذا من أشرف المدح. قال الشيخ: عبقٌ بأرواح السيادة أنّه ... في غير حجر سيادة لم يولد وقال مهيار: عبق بأرواح السيادة عطفه ... فكأنّه في حجرها مولود وقال الشيخ: فكأنّه بدر بهالة أنجم ... كلٌّ به عند الشدائد يهتدي وشقيقه الحسن الزّكي محمّد ... مصباح مشكاة البلاغة في الندي وكفاك في عبد الكريم مكارماً ... وسليله الندب الأمين محمّد وبفرقدي فلك المفاخر بضعة ... المهدي نجل العابد المتهجّد وبجعفر الفضل الخضم عبابه ... وجواد جود فواضل لم يرعد أمحمّد الفضل الحسين وجعفر ال ... جود الروي لغلّة المسترفد يا بَني محمّد حسبكم بأبيكم ... فخراً وأنفسكم وفتية أمجد قسماً ولم أقسم بسكّان الحمى ... عن ريبة لكنّه لتأكّد وقال مهيار في غزل قصيدته: قسماً ولم أقسم بسكّان الحمى ... عن ريبة لكنّه تأكيد وقال الشيخ: لهم الأُولى منعوا مسنّة مقصدي ... وهم الأُولى منعوا مسنّة موردي وقال مهيار: لهم الأُولى منعوا مكان مطالبي ... وهم وإن كرهوا الذين أُريد وقال الشيخ: وأُكذّب الواشي إليّ بغدرهم ... وعلى الحديث شواهد لم تُشهَدُ وقال مهيار: وأُكذّب الواشي إليّ بغدرهم ... وعلى الحديث دلائل وشهود وقال الشيخ: أعنوا لهم وأنا العزيز بنفسه ... وألين عمداً والنجار مجلّدي وقال مهيار: أعنوا لهم وأنا العزيز بنفسه ... وألين عمداً والفؤاد جليد وقال الشيخ: وإذ عزفت فبنت عن دين الهوى ... جذب الغرام إليهم في مقودي وقال مهيار: وإذا عزفت فبنت عن دين الهوى ... جذب الغرام بمقودي فأعود وقال الشيخ: طفق العذول وما ارتفدت برأيه ... فيهم ليصلحني بما هو مفسدي وقال مهيار: طفق العذول وما ارتفدت برأيه ... فيهنّ ببدى ناصحاً ويعيد وقال الشيخ: يا أُسرة المجد الذي لم ينتبه ... عن مثله عصر لكرّة مرقد وقال مهيار: يا أُسرة المجد الذي لم تنتبه ... عن مثلها الأيّام وهي رقود وقال الشيخ: بكم رددت يد الزمان وباعه ... متوسّع بمسائتي متعمّدي وقال مهيار: بكم رددت يد الزمان وباعه ... متوسّع بمسائتيى ممدود وقال الشيخ: وعنيت أنت بخلّتي فسددتها ... ونظمت في جدواك كلّ مبدّد وقال مهيار: وعنيت أنت بخلّتي فسددتها ... ونظمتها بالجود وهي بديد وقال الشيخ: وإذا تقاعد صاحب عن نصرتي ... أصبحت منك بنصرة وتأيّد وقال مهيار: وإذا تقاعد صاحب عن نصرتي ... فالنصر حظّي منك والتأييد وقال الشيخ: فلا جزيتك خير ما جازى امرءٌ ... وجد المقال فقال غير مقنّد وقال مهيار: فلا جزيتك خير ما جازى امرءٌ ... وجد المقال فقال وهو مجيد وقال الشيخ: ممّا تخال قوافياً ومعانياً ... للسمع قرط لئالىء وزمرّد وقال مهيار: ممّا تخال قوافياً ومعانياً ... بالسمع وهي حبائر وبرود وقال الشيخ: ما أحسب الدنيا تطيب لأهلها ... إلاّ إلى تدبيركم بتردّد وقال مهيار: ما أحسب الدنيا تطيب وأمرها ... إلاّ إلى تدبيركم مردود وقال الشيخ: لا يبعد الله الأُولى حفظوا العلا ... في بيت مجد للنجوم مشيد وقال مهيار: لا يبعد الله الأُولى حفظوا العلا ... بيت لهم حول النجوم مشيد وقال الشيخ:

стр. 39

لا يعدم الجود الغريب ومنكم ... أطناب أخبية لقوم بأعمد وقال مهيار: لا يعدم الجود الغريب ومنهم ... شخص على وجه الثرى موجود وقال الشيخ: جللٌ عرا فطفقت فيه مؤرخاً ... أعني المصاب بموت بنت محمّد ما زلّ تهتان الرضى يهمي على ... جدث ثوت فيه وتربة مرقد أقول: لولا أنّه ألزمني برسم هذه القصيدة التي أخلق بها محاسن قصيدة مهيار لما سوّدتُ وجه قرطاس من هذا الكتاب برسم أغلاطها الفاحشة. السرقات الشعريّة وحيث انتهى جريان القلم إلى هذا المقام فلا بأس بالكلام على السرقات الشعريّة، وقبل الخوض فيها لابدّ من تقرير شيء يكون تمهيداً للمطالب، فنحن نذكر كما ذكروه ونزيده إيضاحاً. قالوا: إن كان الإتّفاق بين الشاعرين المتّفقين في غرض من الأغراض العامّة المتقرّرة في العقول والعادات كالوصف بالشجاعة والجود ونحو ذلك فهذا ما لا كلام في أنّه لا يعدّ سرقةً ولا أخذاً ولا استعانةً لاشتراك كلّ أحد في معرفته من حيث أنّه مغروس في جميع النفوس لم ينفرد واحد من النّاس بمعرفته دون الآخر، وإن كان الإتّفاق في وجه الدلالة على الغرض، مثلاً إذا كان الغرض إثبات وصف من أوصاف الشجاعة أو السخاء لإنسان لأنّهما يشتملان على أوصاف كثيرة كالإقدام وعدم المبالات وكثرة القتلى وكثرة القرى والعطاء وغير ذلك، فقول القائل فلان يقري الوحوش في الجلاد، وفلان كثير الرماد ليس المراد بهما مطلق الشجاعة والسخاء، بل كثرة القتلى وكثرة القرى، فوجه الإستدلال على إثبات هذين الوصفين هو كون قرى الوحوش لازم من لوازم كثرة القتلى، وكثرة الرماد لازم من لوازم كثرة إيقاد النار للقرى، فهذا أي وجه الدلالة الذي يقع الإتّفاق فيه لا يخلو إمّا أن يكون من المبتذلات التي تشترك الناس في معرفتها لابتذالها فلا يعدَّ سرقة بل هو الإتّفاق في الغرض العام، وإمّا أن يكون ممّا لا تشترك النّاس في معرفته لكونه لا ينال إلاّ بفكر ولا يصل إليه كلّ أحد فهذا هو الذي يحكم فيه بالتفاضل بين الشاعرين المتوافقين فيه ككون إحداهما أكمل من الآخر أو أنّ في الثاني زيادة على الأوّل أو نقصاً عنه، ثمّ إنّ وجه الدلالة على الغرض بهذا المعنى ضربان: أحدهما: ما هو قاض بنفسه أنّه غريب لا ينال إلاّ بفكر. وثانيهما: ما هو عامي لكنّه تصرّف فيه بما أخرجه عن الإبتذال إلى الغرابة. إذا تمهّد هذا فنقول: الأخذ والسرقة نوعان: ظاهر وغير ظاهر؛ أمّا الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كلّه إمّا مع اللفظ كلّه أو بعضه، أو يؤخذ وحده، فهذا قسمان: والأوّل منهما إمّا مع عدم تغيير النظم؛ وهو الترتيب والتأليف الواقع بين المفردات، أو مع تغيير النظم، فهذه عدّة أقسام، ولا بأس بذكر ما يُسمّى به كلّ قسم منها وذكر أمثلته. أقول: ما أُخذ اللفظ كلّه من غير تغيير لنظمه فمذموم، وهو سرقة محضة، ويُسمّى نسخاً وانتحالاً، كما حُكي عن عبد الله بن الزبير أنّه فعل ذلك بقول معن بن أوس المزني حين دخل على معاوية بن أبي سفيان فأنشده لنفسه: إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدَّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل فقال له معاوية: لقد شعرتَ بعدنا يا أبابكر، ولم يفارق عبد الله المجلس حتّى دخل معن بن أوس المزني وأنشد قصيدته التي أوّلها: لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... عَلَى أيّنا تغدو المنيّة أوّل حتّى أتمّها، وفيها البيتان المتقدّمان، فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير فقال: ألم تخبرني أنّهما لك؟! قال: أنا سوآيت المعاني وهو ألّف الألفاظ، وبعد فهو ظئري فما قال من شيء فهو لي - وكان ابن الزبير مسترضعاً في زمينه - فقال معاوية: وكذباً يا أبابكر، فقام عبد الله وخرج. وأمّا إبدال الألفاظ كلّها بما يرادفها فذلك أيضاً مذموم وهو سرقة محضة، كما في قول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فأنت الطاعم الكاسي فإنّة يُقال فيه: ذر المآثر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنّك أنت الآكل اللابس وأمّا إبدال بعض الكلمات بما يرافها فهو كذلك مذموم وسرقة محضة، قال امرؤ القيس في لاميته: وقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسىً وتحمل

стр. 40

فإنّه أورد طرفه في داليّته فقال: وقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد فهذا بيت امرؤ القيس بعينه إلاّ أنّه أقام تجلّد مقام تحمّل. وقال العباس بن عبد المطّلب: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم وقال الفرزدق: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف فإنّه بيت العباس بعينه إلاّ أنّه أقام تعرف مقام تعلم. وأمّا إبدال الألفاظ بما يضادّها في المعنى فهو أيضاً مذموم وسرقة محضة، كقول ابن أبي فنن: ذهب الزمان برهط حسّان الأُولى ... كانت مناقبهم حديث الغابر وبقيت في خلف تحلّ ضيوفهم ... فيهم بمنزلة اللئيم الغادر سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر فإنّه عكس قول حسان بن ثابت: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأوّل وأمّا أخذ اللفظ كلّه أو بعضه مع تغيير لنظمه فيُسمّى إغارةً ومسخاً، وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل لاختصاصه بفضيلة لا توجد في الأوّل كحسن السبك والإختصار والإيضاح أو زيادة معنىً، وهذا القسم ممدوح مقبول ويُسمّى حسن الإتّباع، كقول بشار بن برد: لو كنتِ تلقين ما ألقى قسمت لنا ... يوماً نعيش به منكم ونبتهج لا خير في العيش إن دمنا كذا أبداً ... لا نلتقي وسبيل الملتقى نهج قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ... ما في التلاقي ولا في غيره حرج من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج أخذ هذا البيت سلم الخاسر فقال في أبيات أوّلها: بان شبابي فما يحور ... وطال من ليلي القصير أهدى لي الشوق وهو خلوٌ ... أغنّ في طرفه فتور وقائل حين شبَّ وجدي ... واشتعل المضمر الستير لو شئت أسلاك عن هواه ... قلبٌ لأشجانه ذكور فقلت لا تعجلنّ بلومي ... فإنّما ينبّؤ الخبير عذّبني والهوى صغيرٌ ... فكيف بي والهوى كبير من راقب الناس مات غمّاً ... وفاز باللذّة الجسور فبيت سلم هذا أجود سبكاً وأخصر لفظاً.. ولقد حدّث أحمد بن صالح قال: لمّا بلغ بيت سلم بشاراً غضب واستشاط وحلف أن لا يدخل إليه ولا يُفيده ولا ينفعه مادام حيّاً، فاستشفع إليه بكلّ صديق وكلّ من يثقل عليه ردّه فكلّموه فيه فقال: أدخلوه إليّ، فأدخلوه فاستدناه ثمّ قال له: يا سلم! من الذي يقول: من راقب الناس لم يظفر بحاجته؟ فقال: أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداك، قال: فمن ذا الذي يقول: من راقب النّاس مات غمّاً؟ قال: تلميذك وخرِّيجك وعبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه وقنّعه بمخصرة كانت بيده ثلاثاً وسلمٌ يقول: لا أعوذ إلى ما تكره يا أبا معاذ، ولا آتي شيئاً تذمّه، وإنّما أنا عبدك وصنيعك، وبشار يقول له: يا فاسق أتجيء إلى معنىً سهرت له عيني وتعب فيه فكري وسبقت الناس إليه فتسرقه ثمّ تختصر له لفظاً يقرّبه لتزري به عَلَيّ وتذهب ببيتي، وهو يحلف له أن لا يعود، والجماعة يسئلونه الرضا والكفّ عنه، فبعد جهد شفّعهم فيه وكفَّ عنه وعن ضربه، ثمّ رجع له ورضي عنه. وسُمّي سلم هذا الخاسر لخسرانه في تجارته، لأنّه باع مصحفاً ورثه واشترى بثمنه عوداً يضرب به، كذا في الأساس. وكقول بعضهم: خلقنا لهم في كلّ عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عيناً وحاجبا أخذه ابن نباته السعدي وأحسن إتّباعه فقال: خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب فبيت ابن نباته هذا أبلغ لاختصاصه بزيادة معنىً وهو الإشارة إلى انهزامهم حيث أوقع الطعن والضرب على ظهورهم. وثانيها: أن يكون الثاني دون الأوّل لفوات فضيلة توجد في الأوّل وهو مذموم مردود، كقول أبي تمام من قصيدة في رثاء محمّد بن حميد بن مسلم الطائي وقد استشهد في بعض غزواته: هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل أخذه أبوالطيب المتنبّي فقال: أعدى الزمان سخائه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا
следующие страницы →