← Адаб

Адаб · id 5448

العقد المفصل

حيدر الحلي

Полный текст (234 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لم ترض منه غير ما ألزمته ... من مدح جدّك طائراً في الجيد ومنهم من بالغ بالوصيّة في التحفّظ على الشعر ووضعه في موضعه كالأعشى بقوله: والشعر قلّدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيثما جعلا وكالرستمي في قوله: بناتي عن أيدي اللئام أصونها ... وغير عجيب أن أصون بناتي وكالمهيار في قوله: والشعر صنه فالشعر يحتسب الله إذا لم يصنْ على الشاعرغالِ به واستم المهور الثقيلات وصاهر أكفائه صاهرواحن عليه فإنّه ولد ... أبوه فكر وأُمّه خاطر صرّفه فيما ترضى العلاء به ... وبعمر العرض بيته العامر لا تمتهنه في كلّ سوق فقد ... تربح حيناً وبيعك الخاسر أُنظر إلى مَن وفى مدائح مَن ... أنت وقد بات نائماً ساهر إختر وَلوداً للفهم منجبةً ... ما كثر الفهم محمق عاقر أُمّاً لفخر يصدق النسب الحرَّ ... ويحيي ذكر الأب الداثر أوّلاخ يشفع الوداد له ... يرضيه منه بالفذ والنادر أو ملك رحت منه في نعم ... أنت لها لا محالةً شاكر وممّن أسف على جعل الشعر في غير موضعه الحطيئة، قيل: إنّه لمّا حضرته الوفاة اجتمع إليه قومه، فقالوا: يا أبا مليكة أوصِ، فقال: ويل للشعر من رواية السوء. فقيل: أوصِ يرحمك الله، فقال: من ذا الذي يقول: إذا نبض الرامون عنها ترنّمت ... ترنّم ثكلىً أوجعتها الجنائز قيل له: الشمّاخ. قال: بلّغوا غطفان أنّه أشعر العرب. قالوا: ويحك ما هذه وصيّة، أوصِ، قال: بلّغوا أهل ضابي أنّه شاعر حيث يقول: لكلّ جديد لذّة غير أنّني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ قالوا: أوصِ ويحك بما ينفعك، قال: بلّغوا أهل امرء القيس أنّه أشعر العرب حيث يقول: فيالك من ليل كأنَّ نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذيل قالوا: اتّق الله ودع عنك هذا، قال: بلّغوا الأنصار أنّ صاحبهم أشعر العرب حيث يقول: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسئلون عن السواد المقبل فقالوا: إنّ هذا لا يغني عنك فقيل غير ما أنت فيه، فقال: الشعر صعب وطويل سلّمه، الأبيات التي مرّت. فقالوا: يا أبا مليكة ألك حاجة؟ قال: لا ولكن أجزع على المديح الجيّد يُمْدَحُ به من ليس له أهلاً. وعلى قول حسان: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم، البيت، ذكرت ما حُكي عن بعض الشعراء قال: قلت بيتاً هو أشعر من بيت حسان، قيل له: وكيف؟ قال: قال حسان: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسئلون عن السواد المقبل وقلت أنا: يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... أحداً ولا يسلون من ذاالمقبل فقيل له: هو بيت حسان إلاّ أنّك أفسدته. ونظير هذا الأخذ قول أبى محمّد الخازن: قل لباغي الندى خف الله لا تسئله عمراً فإنّه موهوبأخذه من قول أبى تمام: ولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله وأقبح من هذا الأخذ ما اتّفق لبعض شعراء عصرنا وذلك أنّه عزّى الحاج محمّد صالح عن كريمة له توفّيت فرثاها بقصيدة سرقها من مهيار الديلمي إلاّ أنّه أفسدها إفساداً قبيحاً، ولولا أنّ العلاّمة الماجد المعنيّ في هذا الكتاب عزم عَلَيّ في إثباتها برمّتها لما أثبتّها على أنّ عدم التنبّه لها يدلّ على خلو عصرنا من أهل الإطلاع على مثل ذلك مع أنّ إنشادها في مثل ذلك النّادي المعظم وقاحة شديدة، قال الشيخ السارق: لكم البقا يا آل بيت محمّد ... إنّ السلوَّ بغيركم لم يحمد حزتم محامد لا تقاس بغيرها ... فمحمّد ينمى لخير محمّد لكم ولي والناس طرّاً سلوٌ ... بالوالد البرّ الرؤف محمّد هو صالح الأعمال بل هو منتهى ... الآمال شمس هداية المسترشد هو خير من صحّت مآثر مجده ... هو خير من بردا المكارم مرتدي هو خير من ألقى النزيل رحاله ... بفنائه من خائف أو مجتدي هو ملجأٌ للخائفين وعصمة ... ومعرَّس للطالبين ندي اليد لا قبل نائله إذا سئل الندى ... وعدٌ ولا قبل اللقاء بموعد قال مهيار: لا قبل نائله إذا سئل الندى ... وعد ولا قبل اللقاء وعيد

стр. 37

أُنظر كيف سرق هذا البيت سرقة قبيحةً وأفسد الأخذ من حيث لم يفهم معنى بيت مهيار، لأنّه أطرى هذا الملك بالكرم والشجاعة وبالغ في ذلك فجعل كرمه لمجتديه لا يسبقه وعد ولا لقائه لعدوّه لا يسبقه وعيد وهذا مقصد جليل من مقاصد الشعراء، قال مهيار: غضبان يسبق بطشه أخباره ... حتّى يغامر في الرعيل الأوّل وقال أبو فراس الحمداني: ويا ربّ دار لم تخفني منيعة ... طلعت عليها بالردى أنا والفجر وقال الطغرائي: هجوم على الأعداء من صوب أمنهم ... متى ما يشأ يعمي النواظر بالكحل وهو كثير جدّاً فأخذه الشيخ برمّته ومدح به الحاج محمّد صالح إمّا لظنّه أنّ البيت كلّه مدح بالسخاء أو لجهله وعدم معرفته بأنّ مثله لا يُمْدَح بشجاعة ولا هيجاء، وقال الشيخ المذكور: ومع الحفيظة قسوة وفضاضة ... حتّى كأنّ فؤاده من جلمد وقال مهيار: لك من خلائقه إذا مارسته ... جنبان ذا سهل وذاك شديد فمع المروّة هزّة وتعطّف ... فتقول غصن البانة الأملود ومع الحفيظة قسوة وفضاضة ... حتّى كأنّ فؤاده جلمود فأجل فكرك في قلّة معرفة الشيخ مع كبر سنّة الذي أفناه في نظم الشعر، فإنّ مهياراً وصف ذلك الملك بالحزم في جعله ذاخلقين متّصفين بالسهولة والشدّة يجدهما الممارس له محبّاً أو مبغضاً؛ فإن كان محبّاً وجد عنده من الهزّة والتعطّف عليه ما اتّصف به غصن البانة الأملود مبالغةً في حنوّه على أهل مودّته، وإن كان مبغضاً وجد عنده لشدّة حفيضته من قسوة القلب وفضاضته ما يظنّ معه أنّ فؤاده جلمود؛ وهوالقاسي من الصخر، وهذه ملاحظة جيّدة إن شئت سمّيتها بالمقابلة وإن شئت سمّيتها بالطباق المعنوي نظير قوله عزّ من قائل: (أشِدَّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) ، وستقف على بيان ذلك في محلّه مفصّلاً، فما بال الشيخ غفل عن ذلك هذه الغفلة ووصفه بالقسوة والفضاضة فقط؟ وهل يحسن ذلك وإن جعله مع الحفيظة؟ ألم يتصفّح نظم الشعراء في مثل هذا المورد ويحذو حذوهم؟ قال أبو عبادة البحتري: معارك حرب لا يزال موكّلاً ... بقطب رحىً للدارعين طحون وسائس جيش يرجع الحزم والحجى ... إلى شدّة في جانبيه ولين وقال: إذا الخطوب مرّتْ أخلاف درّته ... درَّت بخلفين من شري ومن عسل وقال بعضهم: متى يسئلوه المال تندَ بنانه ... وإنْ يسئلوه الضيم تندَ عوامله وقال مهيار: إن سيل رفداً فهي ينبوع الندا ... أو سيل ضيماً فهي ينبوع الدم ولا أدري ايّهما أخذ من الآخر إلاّ أنّهما أخذا جميعاً من أبي عبادة البحتري حيث قال: يدني يداً بيضاء يختلط الندى ... فيها إذا لقي الفوارس بالدم ولابن دريد في مقصورته: قد مارت منّي الخطوب مرساً ... يساور الهول إذا الهول علا لي التواء إن معاديَّ التوى ... ولي استواء إن مواليَّ استوى طعمي شَرْي للعدوّ تارةً ... والأري بالراح لمن ودّي ابتغى لينٌ إذا لو ينت سهلٌ معطفي ... ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذا هكذا جرت الشعراء على نمط واحد في مثل هذه الموارد، وفيما أوردناه كفاية في بيان ما نحن فيه. قال الشيخ: هو ذلك الولى الأجل وووالد ال ... غرر الذين نشوا بأحسن مولد وأبو كواكب كالفراقد في سما ال ... عليا لها مالم يكن للفرقد إنّي لهم بصفاهم من مفخر ... أو مظهر أو عنصر أو محتد وإذا سرى نقص القبائل أقبلت ... تنمي مكارمهم بغير مزيّد وقال مهيار: وإذا سرى نقص القبائل أقبلت ... تنمي مكارم فيهم وتزيّد وقال الشيخ: شرف كمال الملك في أطرافه ... حام على النسب الكريم بمذود وقال مهيار: شرف كمال الملك في أطرافه ... حام عن النسب الكريم يذوّد وقال الشيخ: وإذا أناخ بهم وفود شمتهم ... كرماً قياماً والوفود بمقعد وقال مهيار: وإذا أناخ به الوفود رأيتهم ... كرماً قياماً والوفود قعود وقال الشيخ: وإذا قصدت طروقه لملمة ... فالمصطفى باب لذاك المقصد وقال مهيار: وإذا أردت طروقه لملمة ... فأبوا المعالي بابه المقصود وقال الشيخ:

стр. 38

عشق العلا فسعى وأدرك وصلها ... وطحا بقلب الحاسد المتلدّد وقال مهيار: عشق العلا فسعى وأدرك وصلها ... متمهّلاً وحسوده ملدود وقال الشيخ: ووفى بأشراط الكفاية داخلاً ... من بابها ورتاجها لم يسدد وقال مهيار: ووفى بأشراط الكفاية داخلاً ... من بابها ورتاجها مسدود فتأمّل في سرقة الشيخ لهذا البيت مع سوء فهمه، فإنّه جعل رتاج الكفاية لم يسدّد فشارك الممدوح فيها بالدخول غيره وليس هذا من المدح بمكان، ومهيار الديلمي جعل رتاجها مسدوداً وإنّ غير الممدوح لم يدخل إليها من بابها ويريد بذلك انفراده بالرياسة والتدبير والسياسة وهذا من أشرف المدح. قال الشيخ: عبقٌ بأرواح السيادة أنّه ... في غير حجر سيادة لم يولد وقال مهيار: عبق بأرواح السيادة عطفه ... فكأنّه في حجرها مولود وقال الشيخ: فكأنّه بدر بهالة أنجم ... كلٌّ به عند الشدائد يهتدي وشقيقه الحسن الزّكي محمّد ... مصباح مشكاة البلاغة في الندي وكفاك في عبد الكريم مكارماً ... وسليله الندب الأمين محمّد وبفرقدي فلك المفاخر بضعة ... المهدي نجل العابد المتهجّد وبجعفر الفضل الخضم عبابه ... وجواد جود فواضل لم يرعد أمحمّد الفضل الحسين وجعفر ال ... جود الروي لغلّة المسترفد يا بَني محمّد حسبكم بأبيكم ... فخراً وأنفسكم وفتية أمجد قسماً ولم أقسم بسكّان الحمى ... عن ريبة لكنّه لتأكّد وقال مهيار في غزل قصيدته: قسماً ولم أقسم بسكّان الحمى ... عن ريبة لكنّه تأكيد وقال الشيخ: لهم الأُولى منعوا مسنّة مقصدي ... وهم الأُولى منعوا مسنّة موردي وقال مهيار: لهم الأُولى منعوا مكان مطالبي ... وهم وإن كرهوا الذين أُريد وقال الشيخ: وأُكذّب الواشي إليّ بغدرهم ... وعلى الحديث شواهد لم تُشهَدُ وقال مهيار: وأُكذّب الواشي إليّ بغدرهم ... وعلى الحديث دلائل وشهود وقال الشيخ: أعنوا لهم وأنا العزيز بنفسه ... وألين عمداً والنجار مجلّدي وقال مهيار: أعنوا لهم وأنا العزيز بنفسه ... وألين عمداً والفؤاد جليد وقال الشيخ: وإذ عزفت فبنت عن دين الهوى ... جذب الغرام إليهم في مقودي وقال مهيار: وإذا عزفت فبنت عن دين الهوى ... جذب الغرام بمقودي فأعود وقال الشيخ: طفق العذول وما ارتفدت برأيه ... فيهم ليصلحني بما هو مفسدي وقال مهيار: طفق العذول وما ارتفدت برأيه ... فيهنّ ببدى ناصحاً ويعيد وقال الشيخ: يا أُسرة المجد الذي لم ينتبه ... عن مثله عصر لكرّة مرقد وقال مهيار: يا أُسرة المجد الذي لم تنتبه ... عن مثلها الأيّام وهي رقود وقال الشيخ: بكم رددت يد الزمان وباعه ... متوسّع بمسائتي متعمّدي وقال مهيار: بكم رددت يد الزمان وباعه ... متوسّع بمسائتيى ممدود وقال الشيخ: وعنيت أنت بخلّتي فسددتها ... ونظمت في جدواك كلّ مبدّد وقال مهيار: وعنيت أنت بخلّتي فسددتها ... ونظمتها بالجود وهي بديد وقال الشيخ: وإذا تقاعد صاحب عن نصرتي ... أصبحت منك بنصرة وتأيّد وقال مهيار: وإذا تقاعد صاحب عن نصرتي ... فالنصر حظّي منك والتأييد وقال الشيخ: فلا جزيتك خير ما جازى امرءٌ ... وجد المقال فقال غير مقنّد وقال مهيار: فلا جزيتك خير ما جازى امرءٌ ... وجد المقال فقال وهو مجيد وقال الشيخ: ممّا تخال قوافياً ومعانياً ... للسمع قرط لئالىء وزمرّد وقال مهيار: ممّا تخال قوافياً ومعانياً ... بالسمع وهي حبائر وبرود وقال الشيخ: ما أحسب الدنيا تطيب لأهلها ... إلاّ إلى تدبيركم بتردّد وقال مهيار: ما أحسب الدنيا تطيب وأمرها ... إلاّ إلى تدبيركم مردود وقال الشيخ: لا يبعد الله الأُولى حفظوا العلا ... في بيت مجد للنجوم مشيد وقال مهيار: لا يبعد الله الأُولى حفظوا العلا ... بيت لهم حول النجوم مشيد وقال الشيخ:

стр. 39

لا يعدم الجود الغريب ومنكم ... أطناب أخبية لقوم بأعمد وقال مهيار: لا يعدم الجود الغريب ومنهم ... شخص على وجه الثرى موجود وقال الشيخ: جللٌ عرا فطفقت فيه مؤرخاً ... أعني المصاب بموت بنت محمّد ما زلّ تهتان الرضى يهمي على ... جدث ثوت فيه وتربة مرقد أقول: لولا أنّه ألزمني برسم هذه القصيدة التي أخلق بها محاسن قصيدة مهيار لما سوّدتُ وجه قرطاس من هذا الكتاب برسم أغلاطها الفاحشة. السرقات الشعريّة وحيث انتهى جريان القلم إلى هذا المقام فلا بأس بالكلام على السرقات الشعريّة، وقبل الخوض فيها لابدّ من تقرير شيء يكون تمهيداً للمطالب، فنحن نذكر كما ذكروه ونزيده إيضاحاً. قالوا: إن كان الإتّفاق بين الشاعرين المتّفقين في غرض من الأغراض العامّة المتقرّرة في العقول والعادات كالوصف بالشجاعة والجود ونحو ذلك فهذا ما لا كلام في أنّه لا يعدّ سرقةً ولا أخذاً ولا استعانةً لاشتراك كلّ أحد في معرفته من حيث أنّه مغروس في جميع النفوس لم ينفرد واحد من النّاس بمعرفته دون الآخر، وإن كان الإتّفاق في وجه الدلالة على الغرض، مثلاً إذا كان الغرض إثبات وصف من أوصاف الشجاعة أو السخاء لإنسان لأنّهما يشتملان على أوصاف كثيرة كالإقدام وعدم المبالات وكثرة القتلى وكثرة القرى والعطاء وغير ذلك، فقول القائل فلان يقري الوحوش في الجلاد، وفلان كثير الرماد ليس المراد بهما مطلق الشجاعة والسخاء، بل كثرة القتلى وكثرة القرى، فوجه الإستدلال على إثبات هذين الوصفين هو كون قرى الوحوش لازم من لوازم كثرة القتلى، وكثرة الرماد لازم من لوازم كثرة إيقاد النار للقرى، فهذا أي وجه الدلالة الذي يقع الإتّفاق فيه لا يخلو إمّا أن يكون من المبتذلات التي تشترك الناس في معرفتها لابتذالها فلا يعدَّ سرقة بل هو الإتّفاق في الغرض العام، وإمّا أن يكون ممّا لا تشترك النّاس في معرفته لكونه لا ينال إلاّ بفكر ولا يصل إليه كلّ أحد فهذا هو الذي يحكم فيه بالتفاضل بين الشاعرين المتوافقين فيه ككون إحداهما أكمل من الآخر أو أنّ في الثاني زيادة على الأوّل أو نقصاً عنه، ثمّ إنّ وجه الدلالة على الغرض بهذا المعنى ضربان: أحدهما: ما هو قاض بنفسه أنّه غريب لا ينال إلاّ بفكر. وثانيهما: ما هو عامي لكنّه تصرّف فيه بما أخرجه عن الإبتذال إلى الغرابة. إذا تمهّد هذا فنقول: الأخذ والسرقة نوعان: ظاهر وغير ظاهر؛ أمّا الظاهر فهو أن يؤخذ المعنى كلّه إمّا مع اللفظ كلّه أو بعضه، أو يؤخذ وحده، فهذا قسمان: والأوّل منهما إمّا مع عدم تغيير النظم؛ وهو الترتيب والتأليف الواقع بين المفردات، أو مع تغيير النظم، فهذه عدّة أقسام، ولا بأس بذكر ما يُسمّى به كلّ قسم منها وذكر أمثلته. أقول: ما أُخذ اللفظ كلّه من غير تغيير لنظمه فمذموم، وهو سرقة محضة، ويُسمّى نسخاً وانتحالاً، كما حُكي عن عبد الله بن الزبير أنّه فعل ذلك بقول معن بن أوس المزني حين دخل على معاوية بن أبي سفيان فأنشده لنفسه: إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدَّ السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل فقال له معاوية: لقد شعرتَ بعدنا يا أبابكر، ولم يفارق عبد الله المجلس حتّى دخل معن بن أوس المزني وأنشد قصيدته التي أوّلها: لعمرك ما أدري وإنّي لأوجل ... عَلَى أيّنا تغدو المنيّة أوّل حتّى أتمّها، وفيها البيتان المتقدّمان، فأقبل معاوية على عبد الله بن الزبير فقال: ألم تخبرني أنّهما لك؟! قال: أنا سوآيت المعاني وهو ألّف الألفاظ، وبعد فهو ظئري فما قال من شيء فهو لي - وكان ابن الزبير مسترضعاً في زمينه - فقال معاوية: وكذباً يا أبابكر، فقام عبد الله وخرج. وأمّا إبدال الألفاظ كلّها بما يرادفها فذلك أيضاً مذموم وهو سرقة محضة، كما في قول الحطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فأنت الطاعم الكاسي فإنّة يُقال فيه: ذر المآثر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنّك أنت الآكل اللابس وأمّا إبدال بعض الكلمات بما يرافها فهو كذلك مذموم وسرقة محضة، قال امرؤ القيس في لاميته: وقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسىً وتحمل

стр. 40

فإنّه أورد طرفه في داليّته فقال: وقوفاً بها صحبي عَلَيّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلّد فهذا بيت امرؤ القيس بعينه إلاّ أنّه أقام تجلّد مقام تحمّل. وقال العباس بن عبد المطّلب: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم وقال الفرزدق: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف فإنّه بيت العباس بعينه إلاّ أنّه أقام تعرف مقام تعلم. وأمّا إبدال الألفاظ بما يضادّها في المعنى فهو أيضاً مذموم وسرقة محضة، كقول ابن أبي فنن: ذهب الزمان برهط حسّان الأُولى ... كانت مناقبهم حديث الغابر وبقيت في خلف تحلّ ضيوفهم ... فيهم بمنزلة اللئيم الغادر سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر فإنّه عكس قول حسان بن ثابت: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأوّل وأمّا أخذ اللفظ كلّه أو بعضه مع تغيير لنظمه فيُسمّى إغارةً ومسخاً، وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل لاختصاصه بفضيلة لا توجد في الأوّل كحسن السبك والإختصار والإيضاح أو زيادة معنىً، وهذا القسم ممدوح مقبول ويُسمّى حسن الإتّباع، كقول بشار بن برد: لو كنتِ تلقين ما ألقى قسمت لنا ... يوماً نعيش به منكم ونبتهج لا خير في العيش إن دمنا كذا أبداً ... لا نلتقي وسبيل الملتقى نهج قالوا حرام تلاقينا فقلت لهم ... ما في التلاقي ولا في غيره حرج من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيّبات الفاتك اللهج أخذ هذا البيت سلم الخاسر فقال في أبيات أوّلها: بان شبابي فما يحور ... وطال من ليلي القصير أهدى لي الشوق وهو خلوٌ ... أغنّ في طرفه فتور وقائل حين شبَّ وجدي ... واشتعل المضمر الستير لو شئت أسلاك عن هواه ... قلبٌ لأشجانه ذكور فقلت لا تعجلنّ بلومي ... فإنّما ينبّؤ الخبير عذّبني والهوى صغيرٌ ... فكيف بي والهوى كبير من راقب الناس مات غمّاً ... وفاز باللذّة الجسور فبيت سلم هذا أجود سبكاً وأخصر لفظاً.. ولقد حدّث أحمد بن صالح قال: لمّا بلغ بيت سلم بشاراً غضب واستشاط وحلف أن لا يدخل إليه ولا يُفيده ولا ينفعه مادام حيّاً، فاستشفع إليه بكلّ صديق وكلّ من يثقل عليه ردّه فكلّموه فيه فقال: أدخلوه إليّ، فأدخلوه فاستدناه ثمّ قال له: يا سلم! من الذي يقول: من راقب الناس لم يظفر بحاجته؟ فقال: أنت يا أبا معاذ جعلني الله فداك، قال: فمن ذا الذي يقول: من راقب النّاس مات غمّاً؟ قال: تلميذك وخرِّيجك وعبدك يا أبا معاذ، فاجتذبه إليه وقنّعه بمخصرة كانت بيده ثلاثاً وسلمٌ يقول: لا أعوذ إلى ما تكره يا أبا معاذ، ولا آتي شيئاً تذمّه، وإنّما أنا عبدك وصنيعك، وبشار يقول له: يا فاسق أتجيء إلى معنىً سهرت له عيني وتعب فيه فكري وسبقت الناس إليه فتسرقه ثمّ تختصر له لفظاً يقرّبه لتزري به عَلَيّ وتذهب ببيتي، وهو يحلف له أن لا يعود، والجماعة يسئلونه الرضا والكفّ عنه، فبعد جهد شفّعهم فيه وكفَّ عنه وعن ضربه، ثمّ رجع له ورضي عنه. وسُمّي سلم هذا الخاسر لخسرانه في تجارته، لأنّه باع مصحفاً ورثه واشترى بثمنه عوداً يضرب به، كذا في الأساس. وكقول بعضهم: خلقنا لهم في كلّ عين وحاجب ... بسمر القنا والبيض عيناً وحاجبا أخذه ابن نباته السعدي وأحسن إتّباعه فقال: خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب فبيت ابن نباته هذا أبلغ لاختصاصه بزيادة معنىً وهو الإشارة إلى انهزامهم حيث أوقع الطعن والضرب على ظهورهم. وثانيها: أن يكون الثاني دون الأوّل لفوات فضيلة توجد في الأوّل وهو مذموم مردود، كقول أبي تمام من قصيدة في رثاء محمّد بن حميد بن مسلم الطائي وقد استشهد في بعض غزواته: هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل أخذه أبوالطيب المتنبّي فقال: أعدى الزمان سخائه فسخا به ... ولقد يكون به الزمان بخيلا

стр. 41

فالمصراع الثاني من بيت أبي الطيب مأخوذ من المصراع الثاني من بيت أبي تمام لكن مصراع أبي تمام أجود سبكاً. وثالثها: أن يكون الثاني مثل الأوّل وهذا أبعد من الذم والفضل للأوّل، كقول أبي تمام: لو حار مرتاد المنيّة لم يجد ... إلاّ الفراق على النفوس دليلا أخذه أبوالطيب فقال: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا وكقول الأرجاني: لم يبكني إلاّ حديث فراقهم ... لمّا أسرّ به إليّ مودّعي هو ذلك الدر الذي ألقيتم ... في مسمعي ألقيته من مدمعي وقول جار الله في مرثية أُستاذه: وقائلة ما هذه الدرر التي ... تساقطها عيناك سمطين سمطين فقلت هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أُذني تساقط من عيني هذا إذا لم يكن فيه دلالة على السرقة، وأمّا إذا كان فيه دلالة عليها باتّفاق الوزن والقافية فهو مذموم، كقول أبي تمام: مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد وما سافرت في الآفاق إلاّ ... ومن جدواك راحلتي وزادي وقول أبي الطيب: وإنّي عنك بعد غد لغاد ... وقلبي في فنائك غير غادي محبّك حيثما اتّجهت ركابي ... وضيفك حيث كنت من البلاد وأمّا القسم الثاني من النوع الظاهر: وهو أخذ المعنى وحده فيُسمّى إلماماً من ألمّ به إذا قصده، وأصله من ألمَّ بالمنزل إذا نزل به، ويُسمّى أيضاً سلخاً، والسلخ كشط الجلد عن الشاة ونحوها، واللفظ للمعنى بمنزلة الجلد فكأنّه كشط من المعنى جلده وألبسه جلداً آخر، وهو على ثلاثة أقسام: الأوّل: أن يكون الثاني أبلغ من الأوّل، كقول أبي تمام: هو الصنع إن يعجل فخيرٌ وإن يرث ... فللريث في بعض المواضع أنفع وقول أبي الطيب: ومن الخير بطؤ سيبك عنّي ... أسرع السحب في المسير الجهام فبيت أبي الطيب أبلغ لاشتماله على زيادة بيان للمقصود حيث ضرب المثل بالسحاب. الثاني: أن يكون الثاني دون الأوّل، كقول البحتري: وإذا تألّق في الندي كلامه ... المصقول خلت لسانه من عضبه وقول أبي الطيب: كأنّ ألسنهم في النطق قد جعلت ... على رماحهم في الطعن خرصانا فبيت أبي الطيب دون بيت البحتري لأنّه قد فاته ما أفاده البحتري بلفظتي تألّق والمصقول من الإستعارة التخييليّة حيث أثبت التألق والصقالة للكلام كإثبات الأظفار للمنيّة، ويلزم من هذا التشبيه كلامه بالسيف وهو استعارة بالكناية. الثالث: أن يكون مثل الأوّل، كقول أبي زياد: ولم يك أكثر الفتيان مالاً ... ولكن كان أرحبهم ذراعاً وقول أشجع في جعفر المكي: وليس بأوسعهم في الغنا ... ولكن معروفه أوسع وكقول بعضهم في مرثية ابن له: والصبر يحمد في المواطن كلّها ... إلاّ عليك فإنّه مذموم وقول أبي تمام: وقد كان يُدعى لابس الصبر حازماً ... فأصبح يُدعى حازماً حين يجزع وكقول أبي بكر بن النطاح: كأنّك عند الكرّ في حومة الوغى ... تفرّ من الصفّ الذي من ورائكا وقول أبي الطّيب: وكأنّه والطعن من قدّامه ... متخوّف من خلفه أن يطعنا هذا هو النوع الظاهر من الأخذ والسرقة. وأمّا غير الظاهر فهو على أقسام: منها: أن يتشابه المعنيان في البيتين، كقول جرير: فلا يمنعك من إرب لحاهم ... سواء ذوالعمامة والخمار وقال أبي الطيب: ومنْ في كفّه منهم قناة ... كمنْ في كفّه منهم خضاب فتعبير جرير عن الرجل بذي العمامة كتعبير أبي الطيب عنه بمن في كفّه قناة، وكذا تعبيره عن المرأة بذات الخمار كتعبيره عنها بمن في كفّه خضاب. ومنه قول الطرمّاح: لقد زادني حبّاً لنفسي إنّني ... بغيضٌ إلى كلّ امرء غير طائل وقال أبوالطيب: وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة بأنّي كامل ويجوز في تشابه المعنيين اختلاف الموردين، كأن يكون أحد البيتين نسيباً مثلاً والآخر مدحاً أو هجاءً، فإنّ الشاعر الحاذق إذا قصد إلى المعنى المختلف احتال بإخفائه فغيّر لفظه وصرفه عن مورده وعن وزنه وقافيته. ومنها: أن ينقل المعنى إلى محلٍّ آخر، كقول البحتري:

стр. 42

سلبوا وأشرقتِ الدماء عليهم ... محمّرة فكأنّهم لم يسلبوا وقول أبي الطيب: يبس النجيع عليه وهو مجردٌ ... من غمده فكأنّما هو مغمد فنقل المعنى من القتلى والجرحى إلى السيف. ومنها: أن يكون معنى الثاني أشمل من معنى الأوّل، كقول جرير: إذا غضبت عَلَيّ بنوا تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضاباً وقول أبي نؤاس: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد فالأوّل مختصّ ببعض العالم وهو الناس، وهذا يشملهم وغيرهم. ومنها: القلب؛ وهو أن يكون معنى الثاني نقيض معنى الأوّل، كقول أبي الشيص: أجد الملامة في هواك لذيذةً ... حبّاً لذكرك فليلمني اللوَّم وقول أبي الطيب: أحبّه وأحبّ فيه ملامه ... إنّ الملامة فيه من عذَّاله فهذا نقيض معنى بيت أبي الشيص، والأحسن في هذا النوع أن يبيّن السبب كما في هذين البيتين إلاّ أن يكون ظاهراً، كقول أبي تمام: ونغمةُ معتفي جدواه أحلا ... على أُذنيه من نَغَم السماع وقول أبي الطيب: والجراحات عنده نغماتٌ ... سبقت قبل سيبه بسؤال أراد أبو تمام أنّ الممدوح يستلذّ نغمات السائلين لما فيه من غاية الكرم ونهاية الجود، وأراد أبوالطيب أنّه إن سبقت نغمة سائل عطاء الممدوح بلغ ذلك فيه مبلغ الجراحة من المجروح، لأنّ عاته أن يعطي بغير سؤال. ومنها: أن يؤخذ بعض المعنى ويضاف إليه ما يحسّنه، كقول الأفوه الأودي: وترى الطير على أثارنا ... رأي عين ثقةً إن ستمار وقال أبو تمام: وقد ظللت عقبان أعلامه ضحىً ... بعقبان طير بالدماء نواهل أقامت مع الرايات حتّى كأنّها ... من الجيش إلاّ أنّها لم تقاتل فإنّ أبا تمام لم يلم بشيء من معنى قول الأفوه: رأي عين، ولا: ثقةً إن ستمار، لكن زاد عليه زيادة محسّنة لبعض المعنى الذي أخذه بقوله: إلاّ أنّها لم تقاتل، وبقوله: في الدماء نواهل، وبقوله: أقامت مع الرايات، مع قوله: كأنّها من الجيش، وبهذه الزيادة يتمّ حسن قوله، إلاّ أنّها لم تقاتل، لأنّه لو قيل: ظللت عقبان أعلامه ضحىً بعقبان الطير إلاّ أنّها لم تقاتل لم يحسن هذا الإستثناء المنقطع ذلك الحسن لأنّ إقامتها مع الرايات حتّى كأنّها من الجيش يوهم أنّها تقاتل مثل الجيش فيحسن الإستدراك الذي رفع التوهّم الناشي من الكلام السابق بخلاف وقوع ظلّها على الرايات. وهذه الأنواع المذكورة منها مقبول ومنها ما هو فوق ذلك من حيث أنّه يخرجه حسن التصرّف من الإتّباع إلى الإبتداع، وكلّما كان الإتّباع أشدّ خفاءً بحيث لا يعرف أنّ الثاني مأخوذ من الأوّل إلاّ بعد إعمال روية ومزيد تفكّر كان أقرب إلى القبول لكونه أبعد عن الأخذ والسرقة وأدخل في الإبتداع والتصرّف، هذا آخر القول على السرقة وأنواعها. أقول: وسرقة الشعر مذمومة، قال في ذمّها الحريري في إحدى مقاماته: واستراق الشعر عند الشعراء أفضع من سرقة البيضاء والصفراء، وغيرتهم على بنات الأفكار كغيرتهم على البنات الأبكار، وأوّل من ذمّ ذلك طرفه ابن العبد في قوله: ولا أغير على الأشعار أسرقها ... عنها غنيت وشرّ الناس من سرقا وأبو تمام الطائي ضجّ من سرقة محمّد بن يزيد الأموي شعره، فقال: من بنوا بجدل من ابن الحباب ... من بنو تغلب حداة الكلاب من طفيلٌ وعامرٌ ومن الحا ... رث أو من عيينة بن شهاب إنّما الضيغم الهصور أبو الأش ... بال جبّار كلّ خيس وغاب من عدت خيله على سرح شعري ... وهو للحين راتع في كتابي غارة أسخنت عيون المعالي ... واستباحت محارم الآداب لو ترى منطقي أسيراً لأصبح ... ت أسيراً لعبرتي وانتحابي يا عذاري الأشعار صرتنّ من بع ... دي سبايا تبعن في الأعراب طال رغبي إليك يا ربّ يا ربّ ... ورعبي إليك فاحفظ ثيابي وكان البحتري قال قصيدة في أبي العباس ابن بسطام أوّلها: من قائل للزمان ما أربه ... في خلق منه قد بدا عجبه فعارضه فيها أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بقصيدة يمدح بها الموفّق أوّلها: أجدَّ هذا المقال أم لعبه ... أم صدق ما قيل فيه أم كذبه

стр. 43

فاستعار من ألفاظها ومعانيها ما أوجب أن قال البحتري: ما الدهر مستنفد ولا عجبه ... تسومنا الخسف كلّه نوبه نال الرضا مادح وممتدح ... فقل لهذا الزمان ما غضبه أجلى لصوص البلاد يطردهم ... وظل لص القريض ينتبه أُردد علينا الذي استعرت وقل ... قولك يعرف الغالب غلبه وقد ذمّ ابن الرومي البحتري بالسرقة فقال: قبحاً لأشياء يأتي البحتري بها ... من شعره الغث بعد الكدّ والتعب كأنّها حين يسعى السامعون بها ... ممّن يميّز بين النبع والغرب رقى العقارب أو هذر البنات إذا ... أضحوا على شعث الجدران في صخب منها: حيٌ يغير على الموتى فيسلبهم ... حرَّ الكلام بجيش غير ذي لجب ما أن تزال تراه لابساً حللاً ... أسلاب قوم مضوا في سالف الحقب شعرٌ يغير عليه باسلاً بطلاً ... فينشد الناس إيّاه على رقب حتّى إذا كفّ عن عاداته فله ... شعرٌ يئنّ مقاسيه من الوصب شعرٌ كنافض حمّى الخيبري له ... برد وكرب فمن يرويه في كرب قل للعلاء بن عيسى والذي نصلت ... به الدواهي نصول الآل في رجب أيسرق البحتري الناس شعرهم ... جهراً وأنت نكال اللصّ ذي الربب وتارة يبرز الأرواح منطقه ... والخلق مابين مغصوب ومغتصب ومنها: إذا أجاد فأوجب قطع مقوله ... فقد دعا شعراء الناس بالحرب وإن أساء فأوجب قتله قوداً ... بمن أمات إذا أبقى على السلب ولا يخفى على ذي لبّ ما في هذه الأبيات من التشنيع على البحتري والإنتقاص من حقّه وفيه يقول ابن الحاجب أيضاً: والفتى البحتري سارق ما قا ... ل ابن أوس في المدح والتشبيب كلّ بيت له يجوَّد معناه ... فمعناه لابن أوس حبيب وللسري الرفاء من قصيدة خاطب فيها أبا الخطاب الفضل بن ثابت الصابي وقد سمع أنّ الشاعرين الخالديين يريدان الرجوع إلى بغداد وذلك أيّام المهلبي الوزير، أوّلها: بكرت عليك مغيرة الأعراب ... فاحفظ ثيابك يا أباالخطّاب ورد العراق ربيعة بن مكدَّم ... وعتيبة بن الحارث بن كلاب أفعندنا شكٌّ بأنّهما هما ... في الفتك لا في صحّة الأنساب جلبا إليك الشعر من أوطانه ... جلب التجار طرائف الأجلاب فبدائع الشعراء فيما جهّزا ... مقرونة بغرائب الكتّاب شنّا على الآداب أقبح غارة ... جرحت قلوب محاسن الآداب فحذار من نفثات صلي قفرة ... وحذار من فتكات ليثَي غاب لا يسلبان أخا الثراء وإنّما ... يتناهبان نتائج الألباب إن عزَّ موجود الكلام عليهما ... فأنا الذي وقف الكلام ببابي أو يهطبا من ذلّة فأنا الذي ... ضربت على الشرف المطلّ قبابي كم حاولا أمدي فطال عليهما ... إن يدركا إلاّ مثار ترابي عجزا ولن تقف العبيد إذا جرت ... يوم الرهان مواقف الأرباب ولقد حميت الشعر وهو لمعشر ... رمم سوى الأسماء والألقاب وضربت عنه المدّعين وإنّما ... عن حوزة الآداب كان ضرابي فغدت نبيط الخالديّة تدّعي ... شعري وترفل في حبير ثيابي قوم إذا قصدوا الملوك لمطلب ... نقضت عمائهم على الأبواب من كلّ كهل تستطير سباله ... لونين بين أنام البوّاب مغض على ذلَّ الحجاب يردّه ... دامي الجبين تجهّم الحجّاب ومفوّهين تعرّضاً لحرابتي ... فتعرّضت لهما صدور حرابي نظراً إلى شعري يروق فترّبا ... منه خدود كواعب أتراب شرباه فاعترفا له بعذوبة ... ولربّ عذب عاد سوط عذاب في غارة لم تنثلم فيها الضبا ... ضرباً ولم تبد القنا بخضاب تركتْ غرائب منطقي في غربة ... مسبيّة لا تهتدي لإياب جرحى وما ضربت بحدّ مهنّد ... أسرى وما حملت على الأقتاب لفظ صقلت متونه فكأنّه ... في مشرقات النظم درّ سحاب وكأنّما أجريت في صفحاته ... قمر اللجين وخالص الزّرياب أغربت في تحبيره فرواته ... في نزهة منه وفي استغراب وقطعت فيه شبيبةً لم تشتغل ... عن حسنه بصباً ولا بتصابي

стр. 44

وإذا ترقرق في الصحيفة ماؤه ... عبق النسيم فذاك ماء شبابي يصغي اللبيب له فيقسم لبّه ... بين التعجّب منه والإعجاب أعزز عَلَيّ بأن أرى أشلائه ... تدمى بظفر للعدوّ وناب أفمنْ رماه بغارة مأمونه ... باعت ظباء الروم في الأعراب إنّي نبذت على السواء إليكما ... فتأهّبا للفادح المنتاب وإذا نبذت إلى امرء ميثاقه ... فليستعد لسطوتي وعقابي وهي طويلة متناسبة في الحسن والعذوبة. وله من قصيدة مدح بها أباالبركات لطف الله بن ناصر الدولة يتظلّم إليه من الخالديين وقد ذهبا بشعره ومدحا به المهلبي وغيره. يا أكرم الناس إلاّ أنْ يعدَّ أباً ... فات الكرام بآباء وآثار أشكو إليك حليفَيْ غارة شهرا ... سيف الشقاق على ديباج أفكاري ذئبين لو ضفرا بالشعر في حرم ... لمزّقاه بأنياب وأظفار سلاّ عليه سيوف البغي مصلتةً ... في جحفل من شنيع الظلم جرّار وأرخصاه فقل في العطر ممتهنا ... لديهما يشتري من غير عطّار لطائم المسك والكافور فائحة ... منه ومنتخب الهندي والغار وكلّ مسفرة الألفاظ تحسبها ... صفيحة بين إشراق وإسفار أرقت ماء شبابي في محاسنها ... حتّى ترقرق فيها ماؤها الجاري كأنّما نفس الريحان تمزجه ... صبا الأصائل من أنفاس أنوار إن قلّداك بدر فهو من لججي ... أو ختّماك بياقوت فأحجاري باعا عرائس شعري بالعراق فلا ... تبعد سباياه من عون وأبكار مجهولة القدر مظلوم عقائلها ... مقسومة بين جهّال وأغمار ما كان ضرّهما والدر ذو خطر ... لو حلّياه ملوكاً ذات أخطار وما رأى الناس سبياً مثل سبيهما ... بيعت نفائسه ظلماً بدينار والله ما مدحا حيّاً ولا رثيا ... ميتاً ولا افتخرا إلاّ بأشعاري هذا وعندي من لفظ أشعشعه ... سلافة ذات أضواء وأنوار وله من قصيدة في أبي إسحاق الصابي وقد ورد عليه كتاب عن الخالديين بأنّهما منحدران إلى بغداد: قد أظلّتك يا أبا إسحاق ... غارة اللفظ والمعاني الرقاق فاتّخذ معقلاً لشعرك يحميه ... مروق الخوارج المرّاق قبل رقراقة الحديد تريق ... السمَّ في صفو مائه الرقراق كان شنُّ الغارات في البلد القفر ... فأضحى على سرير العراق غارة لم تكن بسمر العوالي ... حين شنّت ولا السيوف الرقاق جالس فرسانها عَلَيّ جلوساً ... لا أقلّتهم ظهور العتاق فجعت أنفس الملوك أبا الهي ... جاء حرباً بأنفس الأعلاق بقواف مثل الرياض تمشّت ... بين أنوارها جياد السواقي بدع كالسيوف أرهفن حسناً ... وسقاهنّ رونق الطبع ساقي مشرقات تريك لفظاً ومعنى ... حمرة الحلي في بياض التراقي يا لها غارة تفرّق في الحو ... مة بين الحمام والأطواق تسمّ الفارس المقدَّم بالعار ... وبعض الأقدام عار باقي لو رأيت القريض يرعد منها ... بين ذاك الإرعاد والإبراق وقلوب الكلام تخفق رعباً ... تحت سامي لوئها الخفّاق وسيوف الضلال تفتك فيها ... بعذاري الطروس والأوراق والوجوه الرقاق دامية الأب ... شار في معرك الوجوه الصفاق فتنفّست رحمةً للخدود ال ... حمر منهنّ والقدود الرقاق والرياض التي ألحّ عليها ... كاذب الودق صادق الإحراق والنجوم التي تظلّ نجوم ... الأرض حسّادها إلى الإشراق بعدما لحن في سماء المعالي ... طلعاً وانتثرن في الآفاق وتخيّرت حليهنّ فلم تعد ... خيار النحور والأعناق وقطّعت الشباب فيه إلى أن ... همّ برد الشباب بالأخلاق فهو مثل المدام بين صفاء ... وبهاء ونفحة ومذاق منطق يخجل الرييع إذا حلّ ... عليه السحاب عقد النطاق يا هلال الآداب يابن هلال ... صرف الله عنك صرف المحاق سوف أهدي إليك خدم المج ... دا إماءً تعاف قبح الإباق كلّ مطبوعة على اسمك باد ... وسمها في الجباه والآماق وقال في أبي تغلب من قصيدة ذكر فيها أحد الخالديين:

стр. 45

ولابدّ أن أشكو إليك ظلامة ... وغارة مغوار سجيّته الغصب تخيّل شعري أنّه قوم صالح ... هلاكاً وأنّ لخالديّ له سقب رعى بين أعطان له ومسارح ... فلم يرع فيهنّ العشار ولا النجب وكان رياضاً غضةً فتكدّرت ... مواردها وأصفر في تربها العشب يساق إلى الهجن المقارف جلبه ... وتسلّبه الغرّ المحجّلة القبّ غضبت على ديباجه وعقوده ... فديباجه غصب وجوهره نهب وأبكاره شتّى أذيل مصونها ... وريعت عذاراها كما روّع السرب وكنت إذا ما قلت شعراً حدت به ... حداة المطايا أو تغنّى به الشرب وقال أيضاً في أبي عثمان الخالدي: لابدّ من نفثة مصدور ... فحاذروا صولة محذور قد أنست العالم غاراته ... في الشعر غارات المغاوير أثكلني غيد قواف غدت ... أبهى من الغيد المعاطير أطيب ريحاً من نسيم الصبا ... جائت بريّا المسك عن حور من بعدما فتحت أنوارها ... فابتسمت مثل الأزاهير وبات فكري بتصانيفها ... ينقشها نقش الدنانير يا وارث الأغفال ما حبّروا ... من القوافي والمشاهير أعط قفانبك أماناً فقد ... راحت بقلب منك مذعور وله أيضاً من قصيدة أُخرى وقد تظلّم بها إلى سلامة بن فهد من الخالديين والتلعفري: هل الصبر مُجد حين ادّرع الصبرا ... وهل ناصرٌ للشعر يوسعه نصرا تحيف شعري يابن فهد مصالت ... عليه فقد أعدمت منه وقد أثرى وفي كلّ يوم للغبيين غارة ... تروّع ألفاظي المحجّلة الغرّا غريب كسطر البرق لمّا تبسّمت ... مخائله للفكر أودعته سطرا فوجه من الفتيان يمسح وجهه ... وصدر من الأقوام يسكنه الصدرا تناوله مثر من الجهل معدم ... من الحلم معذور متى بلّغ العذرا فبعَّد ما قرَّبتُ منه غباوة ... وأورد ما سهّلت من لفظه وعرا فمهلاً أبا عثمان مهلاً فإنّما ... يغار على الأشعار من عشق الشعرا لأطفأتما تلك النجوم بأسرها ... واد نستما تلك المطارف والأزرا فويحكما هلاّ بشطر فنعتما ... وأبقيتمالي من محاسنه شطرا أقول: ولمّا اشتملت عليه هذه القصائد والمقاطيع من الرقّة والإنسجام وحسن الأُسلوب وجودة السبك والمعاني القريبة والألفاظ الرائقة تمهّد العذر في الإطالة بها، مع ما فيها من التزيّد من السريّ وكثرة التشنيع على الخالديين وسلبهما من التملّي بالأدب إذ مقامهما فيه مشهور، ومحلّهما منه على الألسنة مذكور ومشكور، وناهيك بأبي إسحاق الصابي نقداً للأدب وقد قال فيهما: أرى الشاعرَين الخالديين سيرا ... قصائد يفني الدهر وهي تخلد جواهر من أبكار لفظ وعونه ... يقصر عنها راجز ومقصد تنازع قوم فيهما وتناقضوا ... ومرّ جدال بينهم يتردّد فطائفةٌ قالت سعيد مقدَّمٌ ... وطائفة قالت لهم بل محمّد فصاروا إلى حكمي فأصلحت بينهم ... وما قلت إلاّ بالّتي هي أرشد هما في اجتماع الفضل روح مؤلّف ... ومعناهما من حيث بيّنت مفرد كذا فرقدا الظلماء لمّا تشاكلا ... علاً أشكلا هذاك أم ذاك أمجد فزوجهما ما مثله في اتّفاقه ... وفردهما بين الكواكب أوحد فقاموا على صلح وقالوا جميعهم ... رضينا وساوى فرقد الأرض فرقد فما أعدل هذه الحكومة من أبي إسحاق، فما منها إلاّ محسن يحطب في حبل الإبداع ما أراد، ويكاثر بمحاسنه وبدائعه الأفراد. ذكرتُ بهذه الحكومة حكومة الصلتان العبديّ الشاعر المشهور وقد قيل له: إقض بين جرير والفرزدق أيّهما أحسن شعراً وأجلّ حسباً وفخراً؟ فقال: أنا الصلتانيّ الذي قد علمتموا ... متى ما يحكم فهو بالحقّ صادع أتتني تميم حين هابت قضاتها ... وإنّي لبالفضل المبين قاطع كما أنفذ الأعشى قضيّة عامر ... وما لتميم في قضائي رواجع سأقضي قضاء بينهم غير جائر ... فهل أنت للحكم المبين سامع قضاء امرء لا يتّقي الشتم منهما ... وليس له في المدح منهم منافع فإن كنتما حكّمتماني فأنصتا ... ولا تجزعا وليرض بالحقّ قانع

стр. 46

فإن يك بحر الحنظليين واحداً ... فما تستوي حيتانه والضفادع وما يستوي صدر القناة وزجّها ... وما تستوي شمّ الذرى والأارع وليس الذنابي كالقدامي وريشها ... وما تستوي في الكفّ منك الأصابع ألا إنّما تحظى كليب بشعرها ... وبالمجد تحظى دارم والأفارع أرى الخطفى بزّ الفرزدق شأوه ... ولكنّ خيراً من كليب مجاشع فيا شاعراً لا شاعر اليوم مثله ... جرير ولكن في كليب تواضع ويرفع من شعر الفرزدق أنّه ... له بذخٌ لذي الخسيسة دافع وقد يحمد السيف الدوان بغمده ... وتلقاه رثاً جفنه وهو قاطع يناشدني النصر الفرزدق بعدما ... أناخت عليه من جرير صواقع فقلت له إنّي ونصرك كالذي ... يثبت أنفاً هشّمته الجوادع وفي ذلك يقول جرير: أقول ولم أملك سوابق عبرة ... متى كان حم الله في كرب النخل أقول: وممّا يليق أن أذكره في هذا المقام ما صنعه بعض الأُدباء مع بعضهم من التبكيت عليهم في دعوى انتحالهم الشعر إظهاراً للقدرة وافتخاراً بالإستطالة، فمن ذلك ما حكي أنّ صاعد اللغوي صاحب كتاب الفصوص قال يصف باكورة ورد حملت إلى أبي عامر محمّد بن أبي عامر المقلّب بالمنصور: أتتك أبا عامر وردة ... يحاكي لك الطيب أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها رأسها فاستحسن المنصور ما جاء به، فحسده الحسين بن العريف فقال: هي للعباس بن الأحنف، فناكره صاعد، فقام ابن العريف إلى منزله ووضع أبياتاً وأثبتها في صفح دفتر عتيق كان قد نقض بعض أسطره وأتى بها قبل افتراق المجلس، وهي هذه: عشوت إلى قصر عبّاسة ... وقد جدّل النوم حرَّاسها فألفيتها وهي في خدرها ... وقد صرّع السكر أنّاسها فقالت أسار على هجعة ... فقلت بلى فرمت كاسها ومدّت يديها إلى وردة ... يحاكي لك الطيب أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطّت بأكمامها رأسها وقالت خف الله لا تفضحنّ ... ابنة عمّك عبّاسها فولّيت عنها على غفلة ... ولا خفت ناسي ولا ناسها قال: فخجل صاعد وحلف، فلم يقبل منه، وافترق المجلس على أنّه سرقها، وتمكّنت من صاعد بأنّه كان يوصف بغير الثقة فيما ينقله. وحدّث البحتري قال: أوّل ما رأيت أبا تمام أنّي دخلت على أبي سعيد محمّد بن يوسف وقد مدحته بقصيدتي التي أوّلها: آفاق صبّ من هوىً فأفيقا ... أم خان عهداً أم أطاع شقيقا فسرّ بها أبو سعيد فقال: أحسنت والله يا فتى. قال: وكان في المجلس رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كلّ من حضر عنده، يكاد تمسّ ركبته ركبته، فأقبل عَلَيّ ثمّ قال: يا فتى أما تستحيي منّي هذا شعري تنتحله بحضرتي؟ فقال أبو سعيد: أحقّاً ما تقول؟ قال: نعم وإنّما علقه منّي فسبقني به إليك وزاد فيه، ثمّ اندفع فأنشد أكثر القصيدة حتّى شكّكني - علم الله - في نفسي وبقيت متحيّراً، فأقبل عَلَيّ أبو سعيد فقال: يا بني قد كان في قرابتك منّا وردّك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف بكلّ محرجة من الأيمان أنّ الشعر لي ما سبقني إليه أحد، ولا سمعته ولا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئاً، وأطرق أبو سعيد وقطع بي حتّى تمنّيت أنّي سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجرّ رجلي، فخرجت فما هو إلاّ أن بلغت باب الدار حتّى جاء الغلمان فردّوني، فأقبل عَلَيّ الرجل فقال: الشعر لك يا بنيّ، والله ما قلته قط ولا سمعت به إلاّ منك، ولكنّني ظنت أنّك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حتّى عرّفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت أن لا تلد طائيّة أبداً إلاّ مثلك، وجعل أبو سعيد يضحك، فدعاني الرجل فضمّني إليه وعانقني وأعلمني أنّه أبو تمام، وأقبل يقرضني، ولزمته بعد ذلك وأخذت عنه واقتديت به.

стр. 47

ومن ذلك ما اتّفق لعمّي المهدي طابت تربته مع السيّد راضي ابن السيّد صالح القزويني من التبكيت عليه في نسبته إلى انتحال أبيات أرسلها يفتخر بها، وقد أورد هذه القضيّة عمّنا المشار إليه في كتابه مصباح الأدب الزاهر في أثناء كلام عاب به على أب السيّد راضي المذكور في قصيدة له، وبعد فراغه من عدّ معائب تلك القصيدة قال: ومن أيسر تلك الأُمور أنّ ابن رئيس فصحاء هذا العصر في النظم والنثر، الشريف أبو أحمد السيّد راضي ابن السيّد الصالح القزويني نزيل بغداد زهى بنفسه وحسب أنّه وحيد الدهر في النظم والنثر وما برح يجلس في أندية أهل بغداد يطري نفسه ويحسب أنّه ما في الكون أحد يضاهيه بقرض الشعر فإذا عنّ ذكرنا سدّد سهامه وبلغ منّا مرامه بلا جناية منّا سبقت ولا إسائة تقدّمت، ولم تك لنا بعد ببغداد معرفة ولا لنا مع أشرافها أُلفة ولا نحن ممّن يعدّ الشعر يكسو المجيد فخراً أو يرفع له قدراً، بل هو عندنا يخفض الشريف ويضع قدره، فأتّفق أنّ السيّد المذكور حضر نادي بعض أشراف بغداد وان فيه من ذوي المودّة لنا الشيخ حسن الفلوجي فجرى ذكر الأُدباء حتّى انتهى الكلام بهم إلى الحلّة الفيحاء، فأنكر السيّد أن يكون في الحلّة أحد من الأُدباء المجيدين، ووافقه على ذلك الزعم زعيم النادي، فقال الشيخ مُشيراً لنا: إنّ في الحلّة من لو عرفتم لا استعظمتم ما استحقرتهم، فأشار السيّد المشار إليه إلى أبيات نظمها في مدح الإمامين الجوادين: موسى بن جعفر الصادق ومحمّد بن عليّ الرضا سلام الله عليهم بزعم أنّها لا تتشطّر، فأمر أن تبعث لنا لنشطرها، فأرسلها الشيخ المذكور ضمن كتاب إلى الحلّة وابتلى بها غيرنا من أُدبائها حذراً من الفتنة، وذكر في أثناء كتابه أن تعرض الأبيات عَلَيّ، فتفرّست من تلك العبارة أنّها من باب: إيّاك أعني واسمعي يا جاره، فكان الأمر كما تفرّست، وها هي الأبيات: موسى بن جعفر والجواد ... ومن هما سرّ الوجود هذا غياث الخائفين ... وذاك غيث للوفود ملكا الوجود فطوّقا ... بالجود عاطل كلّ جيد فلمّا عرضت عَلَيّ أمرت من ابتلي بها بالإحجام وخلقت لها مقامةً كمقامات الحارث بن همام في كتاب كتبته: إلى واسطة عقد جيد الزمن، الشيخ حسن، وعزوت الكتاب لولدنا حيدر الذي فاق بنظمه أبا تمام ومسلم ترفّعاً عن مجارات ذلك الصبيّ الذي تزبّب وهو حصرم، وهذا نصّ الكتاب - بعد سلام وثناء طويلين طوينا ذكرهما -: أمّا بعد؛ فقد وردت الوكة محبتك ورود الحياة إلى الأجساد بعد الممات، فلمّا فضضنا ختامها، وكشفنا عن لؤلؤ ثغرها لثامها، ضحك ثغر فصاحتي بعد استعبار وقال: أتنكّر الشمس في رابعة النهار، وهل يقال لأمواج البحور أنّها آل يمور، وللسبعة السيّارة تشببها الحصى بالإنارة، فيالله العجب من إنسانَي عين الأدب، ولسانَي الفصاحة في الخطب والخطب، علمَي المجد المشيّد الحاجّين المحترمَين: عيسى وأحمد، كيف يستحليان بناديهما أكل لحومنا وهو مرّ المذاق؟ ويستحلاّن أن يحملا على هزّل الهجاء يلملم بلاغتنا وإنّ حمله لا يطاق؟ مع أنّنا إذا نشر الأعداء ذمّهما طويناه بالمدح، بجدّ كان أو بمزح، حفظاً للحمة الأدب، فإنّها عندنا أوثق حرمةً من قرابة النسب، ولولا تلك العلاقة الأبيّة لنشر لسان فصاحتي الفرزدق وجرير، وطبقت شقشقته الزوراء بالهدير، لكن من ذا الذي تسخو نفسه بأكل لحمه، وهشم عظمه، وأعجب من هذا كلّه ما وقع ممّن هو لسان قصيّ، وصبح فصاحة لوي، وشمس بلاغة غالب، وكوكب معجزها الثاقب الشريف أبو أحمد السيّد الراضي، من زعمه أنّي لا أعرف طارف الشعر وتليده حتّى امتحنني بتشطير أبيات عزاها إليه مكيدة، مع علمه أنّي أصمعيّ هذا الزمان، ولتدوين آثار من غبر ابن خلّكان، فيا سبحان الله أيجهل أنّي ضربت سير قضايا أهل الأدب، وسيّان عندي من بَعُدَ منهم وقرب، ولئن أردت قصّة تلك الأبيات فهي من الغرائب، وذلك أنّ جماعةً من مفلّقي الشعراء وردوا من النجف الأشرف إلى الزوراء، وقد صحبهم جماعة من الحلّة الفيحاء، فلمّا استقرّ بهم الجلوس في نادي المنادمة، أنشد الشيخ حسن بن نصار على بديهته هذه الأبيات: موسى بن جعفر والجواد ومن هما ... سرّ الوجود وعلّة الإيجاد هذا غياث الخائفين وذاك غي ... ث للوفود وروضة المرتاد

стр. 48

مَلكا الوجود فطوَّقا بالجود عا ... طل كلّ جيد للأنام وهادي واقترح عَلَيّ الجماعة تشطيرها، فابتدرهم من شعراء الحلّة الفيحاء ذوالشرف والعفّة محمّد بن إسماعيل الخلفة فقال: موسى بن جعفر والجواد ومن هما ... للخلق كالأرواح للأجساد بهما الوجود قد استفاد لأنْ هما ... سرّ الوجود وعلّة الإيجاد هذا غياث الخائفين وذاك غي ... ظ الحاسدين وحاصد الأجناد بل ذا مغيث الصارخين وذاك غي ... ث للوفود وروضة المرتاد ملكا الوجود فطوّقا بالجود عا ... فيه معاً وقماقم الأمجاد حتّى برفد نداهما قد زين عا ... طل كلّ جيد للأنام وهادي فقام الشيخ محمّد رضا بن الشيخ أحمد النحوي وضرب بيده على فخذه مغضباً وقال: يا للرجال! موتوا عجباً، ما كنت أحسب أنّ الشيخ على جلالة قدره ينتحل شعري الذي قلته في مدح الجوادين، ويزيد لكلّ بيت كلمتين، وينشده بحضرتي، من غير احتفال بسطوتي، كأن لم يدر أنّي قلت، وأنشد: موسى بن جعفر والجواد ... ومن هما سرّ الوجود هذا غياث الخائفين ... وذاك غيث للوفود ملكا الوجود فطوّقا ... بالجود عاطل كلّ جيد فأزجع الشيخ مسلم بن عقيل وصاح بأعلا صوته: ما هذه الزخارف والأباطيل، وأنتما لفصاحة قمراً سماها، ومصباحاً دجاها، لقد أفسدتما أبياتي، وبددتما نظام كلماتي، وكنت قد أحكمت صدورها بقوافيها، وطرزتها بالجناس متانقاً فيها، ثمّ طلب من ذوي الفضل أن يحكموا بينهم بالعدل، ثمّ التفت إليهم وأنشد: موسى بن جعفر والجواد ومن هما ... سرّ الوجود وجعفر الجود هذا غياث الخائفين وذاك غي ... ث للوفود شفاء مفؤد ملكا الوجود فطوّقا بالجود عا ... طل كلّ جيد للأماجيد فقال السيّد صادق الفحّام: على أدب الشيخ مسلم السّلام، إذا كان هذا في النظم نضرك، فكلّما قالت الشعراء شعرك، أنا كلّما أجلت فكرتي بالتقاطك لئالىء نظمي من سلكي، أعجب كيف سلمت منك قفانبك، وإذا كان هذا ديدنك في النظام، فما هذه الغفلة منك عن كتاب الله الواحد العلاّم، فطرّزه بالجناس، وافتخر به بين النّاس. فقال مسلم: مهلاً مهلاً لا يخرجك الغضب من الهزل إلى الجدّ، وتنضوا لخصومتي سيفاً ماضي الحد. فقال الصادق: ويلك يا مسلم أتضع سبابتك في فم الأرقم، وتزعم أنّك تسلم، أرأيت نملة حملت ثبير، أو البعوض جرّت الأثير، فأعرني سمعك لأُبيّن لك الخطأ فيما سرقت، فإنّه لا يتغطّى قبحه بحسن التجنيس، أُنظر إلى البيت الأوّل هل ترى للواو في "ومن هما" من محصل؟ وهل فيه فائدة إلاّ حفظ الوزن أن يختل؟ وأجل فكرك في ثاني الأبيات ترى أنّك أهملت معناه، وراعيت بالجناس لفظه، إذ جعلت أحدهما غيثاً والآخر غياثاً، فخصصت أحدهما بالشجاعة والآخر بالكرم، مع أنّ كلاًّ منهما جامع للوصفين ولسائر صفات الكمال، وأعد نظرك إلى البيت الثالث فإنّ أجدر لك بعد قولك ملكا الوجود أن تقول: طوّقا جميع ما حواه بالجود، وأجدر بك إذ سرقته أن تنشده كما وجدته، ثمّ اندفع ينشد: موسى بن جعفر والجواد هما ... سرّ الوجود وعيبة العلم فهما غياث الخائفين هما ... غيث الوفود ومنتهى الحلم ملكا الوجود فطوّقا كرماً ... ما في الوجود بنائل جمِّ ثمّ التفت إليه وقال: إنّ عثرتك لا تقال، فإن كنت نائماً انتبه لما أنت به، فقد أسفر الصباح لذي عينين، واستبان للناقد النحاس من اللجين، ثمّ تمثّل بهذه الأبيات: يا صاح قد لحنت في قولي وما ... كان بقلبي فيه أمسى مودّعا واللحن في المقال لا يعرفه ... إلاّ فتىً برمزه قد برعا فإن تجدني قد ذكرت المنحني ... فاعلم بأنّي قد قصدت لعلعا أو قلت حزوى فمرادي رامةٌ ... أو الغضا فقد أردت الأجرعا فسكت الشيخ مسلم ولم يتكلّم، وظهر عليه أنّه خجل وتندّم. قال عمّنا بعد فراغه من هذا الكتاب: والعجب العجيب أنّ كتابي لمّا ورد بغداد ورآه السيّد الشريف خال أنّ هذه القضيّة المبتدعة قضيّة حقيقيّة، مع أنّ فيها إشارات واضحة على أنّها مخترعة خلقيّة، ولم يشعر بأنّ أبياته من مجزوّ الكامل المذال بحرف، وإنّا أضفنا إليه تلك الزيادات مكيدة لئلاّ يعرف.

стр. 49

أقول: ما أنسب ذكر أبيات لمهيار الديلمي بهذا المقام وهي: رحمت قوماً وقد مالت رقابهم ... تحت القريض فظنّوا أنّهم حملوا وقعقعوا دونه الأبواب فاعتقدوا ... بطول ما قرعوا أنّهم وصلوا وحظّهم منه حظّ الناقفات رجت ... أن يجتنى من هبيد الحنظل العسل تشرّعوا في بحور منه طامية ... والمنبض العذب فيما بينها وشل بحجّة سبلها البيضاء خافية ... وكلّها من مزايا أعين سبل والصحف تملؤ والأقلام متعبة ... وكلّما سمعوا من خاطب نقلوا والقول والنقل مخلوقان في عدد ... قل كلّما تخلق الأسماع والمقل لا يكسبان بتقليد ولا أدب ... ولا يفيدهما علم ولا عمل رَجْعٌ: قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟ فأخرج لسانه وقال: هذا إذا طمع. وفي الفتح القريب: سئل حسان: من أشعر الناس؟ فقال: قبيلةً أم قصيدة؟ قيل: كلاهما. قال: أمّا أشعرهم قبيلة فهذيل، وأمّا أشعرهم قصيدة فطرفة. وسئل طرفة: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وسئل الحطيئة أيضاً: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: لا أعدّ الإقتار عدماً ولكن ... فقدُ مَنْ قدر زيته الإعدام وهو لأبي داود الأيادي. قالوا: ثمّ مَن؟ قال: عبيدة بن الأبرص. قالوا: ثمّ مَن؟ قال: كفاك والله بي إذا حدّثني رغبة أو رهبة ثمّ عويت في أثر القوافي عواء الفصيل في أثر أُمّه. وقال بعضهم: اتّفقت العرب على أنّ أشعر الشعراء في الجاهليّة طرفة، وبعده الحارث بن حلزه، وعمرو بن كلثوم. وقال القالي في أماليه: قال عقيل بن بلال: سمعت أبي - يعني بلالاً - يقول: سمعت أبي - يعني جريراً - يقول: دخلت على بعض خلفاء بني أُميّة فقال: ألا تحدّثني عن الشعراء؟ قلت: بلى. قال: فمن أشعر الناس؟ قالت: ابن العشرين - يعني طرفة -. قال: فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشعر ويسديانه. قال: فما تقول في امرء القيس بن حجر؟ قلت: اتّخذ الشعر نعلين يطؤ بهما كيف يشاء. قال: ماذا تقول في ذي الرمّة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتّى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابض عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً؟ قلت: بلى والله يا أميرالمؤمنين، أنا مدينة الشعر التي يخرج منها ثمّ يعود إليها، ولأنّي سبحت الشعر تسبيحاً ما سبحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فأطريت، وهجوت فأدريت - يعني أسقطت - ومدحت فأسنيت، ورحلت فأعرزت، وزجرت فأنحرت، فأنا قلت ضروباً من الشعر لم يقلها أحد قبلي. وسأل معاوية الأحنف عن أشعر الشعراء؟ فقال: زهير. قيل: وكيف؟ قال: ألقى على المادحين فضول الكلام وأخذ خالصه وصفوته. قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله: وما يك من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطيّ إلاّ وشيجة ... وتغرس إلاّ في منابتها النخل وقال من أحجّ لزهير: إنّه كان أحصفهم شعراً، وأبعدهم من السخف، وأجمعهم لكثير من المعنى وقليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأبعدهم تكلّفاً وعجرفيّة، وأكثرهم حكمةً ومثلاً سائراً في شعره. وروي عن ابن عباس عن النبي ﵌ أنّه قال: أفضل شعرائكم القائل: ومَن، ومَن؛ يعني زهيراً وذلك في قصيدته التي يقول فيها: ومَن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومَنْ لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لم يظلم الناس يظلم ومَنْ هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو نال أسباب السماء بسلَّم ومَنْ يجعل المعروف من دون عرضه ... يفرْهُ ومن لا يتّق الشتم يُشتَم وأمّا النابغة فكان لجلالة قدره وتقدّمه في الشّعر تضرب له قبّة بسوق عكاظ فتعرض العرب عليه أشعارها. قال من احتجّ له: إنّه كان من أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً، كأنّ شعره كلام ليس بتكلّف، والمنطق على المتكلّم أوسع منه على الشاعر، لأنّ الشاعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي، والمتكلّم مطلق يتخيّر الكلام كيف شاء.

стр. 50

قالوا: والنابغة نبع في الشعر بعد أن احتنك، وهلك قبل أن يهتزّ. وكان أبو جعفر يحيى بن محمّد بن أبي زيد العلوي البصري يفضّل النابغة قال ابن أبي الحديد وكان تلميذاً له: استقرأني يوماً وبيدي ديوان النابغة قصيدته التي يمدح بها النعمان بن المنذر ويذكر مرضه ويعتذر إليه ممّا اتّهم به وقذفه أعداؤه، ولا بأس بإيراد ما ذكره من القصيدة في شرح النهج كما سطره فإنّه لا يخلو من فائدة، وهو: كتمتك ليلاً بالخموطين ساهراً ... وهمّين همّاً مستكنّاً وظاهرا أحاديث نفس تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لو يجدن مصادرا تكلّفني أن يغفل الدّهر همّها ... وهل وجدت قبلي على الدهر ناصرا ألم تر خير النّاس أصبح نعشه ... على فئة قد جاوز الحيَّ سائرا ونحن لديه نسئل الله خلده ... يردّ لنا ملكاً وللأرض عامرا فنحن نرجّي الخير إن فاز قدحنا ... ونرهب قدح الدهر إن جاء قامرا لك الخير إن وارت بك الأرض واحداً ... وأصبح جدّ النّاس بعدك عاثرا وردَّت مطايا الراغبين وعريت ... جيادك لا يحفى لك الدهر حافرا رأيتك ترعاني بعين بصيرة ... وتبعث حرّاساً عَلَيَّ وناظرا وذلك من قول أتاك أقوله ... ومن دسّ أعداء إليك المأبّرا فياليت لا آتيك إن كنت مجرماً ... فلا أبتغي جاراً سوائك مجاورا فأهلي فداء لامرء إن أتيته ... تقبّل معروفي وسدّ المفاقرا سأربط كلبي إن يريبك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان وحامرا وحلّت بيوتي في يفاع ممنّع ... تخال به راعي الحمولة طائرا تزلّ الوعول العصم عن قذفاته ... وتضحي ذراه بالسحاب كوافرا حذاراً على أن لا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتّى يمتن حرائرا أقول وقد شطت بي الدار عنكم ... إذا مالقيت من معد مسافرا ألا أبلغ النعمان حيث لقيته ... فأهدى له الله الغيوث البواكرا وأصحبه فلجاً ولا زال كعبه ... على كلّ من عادى من النّاس ظاهرا وربّ عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على المعادين ناصرا قال: فجعل أبو جعفر يهتزّ ويطرب، ثمّ قال: والله لو مزجت هذه يشعر البحتري لكادت تمتزج لسهولتها وسلالة ألفاظها وما عليها من الديباجة والرّونق، ومَنْ يقول إنّ امرء القيس وزهير أشعر من هذا هلمّوا فليحاكموني. أقول: قوله: لو مزجت هذه أي القصيدة بشعر البحتري لكادت تمتزج، فيه إشعار بأنّه يفضّل البحتري على غيره من طبقته بل وغيرها، لأنّ في قوله: لكادت تمتزج، إعلاناً بتفضيله على النابغة الذي هو عنده مقدّم على من سواء. فأمّا امرء القيس فاحتجّ له من يقدّمه على الشعراء بأنّه ما قال ما لم يقولوه ولكنّه سبقهم إلى أشياء ابتدعها استحسنها العرب وأتبعه الشعراء عليها، منها: استبقاف صحبه، والبكاء في الديار، ورقّة النسيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء وبالبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والغضا، وقيد الأوابد، وأجاد في النسيب، وفصّل بين النسيب والمعنى، وكان أحسن الطبقة تشبيهاً. وقيل: إنّ خاله مهلهلاً أوّل من أرقّ المراثي، واسمه عدي، وأوّل من قصّد القصائد، وفيه يقول الفرزدق: ومهلّل الشعراء ذاك الأوّل. ولم يقل أحد قبله عشرة أبيات غيره. وقال في الأغاني: عديٌ لقب مهلهلاً لطيب شعره ورقّته. وقيل: هو أوّل من قصّد القصائد، وقال الغزل، فقيل: فهلهل الشعر أي أرقّه، وهو أوّل من كذب في شعره. وحدّث عوانة عن الحسن أنّ رسول الله ﵌ قال لحسان بن ثابت: مَن أشعر العرب؟ قال: الزرق العيون من بني قيس، قال: لست أسألك عن القبيلة إنّما أسألك عن رجل واحد، فقال حسان: يا رسول الله إنّ مثل الشعراء والشعر كمثل ناقة نحرت وجاء امرء القيس ابن حجر فأخذ سنامها وأطائبها ثمّ جاء المتجاوران من الأوس والخزرج فأخذا ما والى ذلك منها، ثمّ جعلت العرب تمرّغها حتّى إذا بقي الفرث والدم جاء عمرو بن تميم والنمر بن قاسط فأخذاه. فقال رسول الله ﵌: ذلك رجل مذكور في الدنيا وشريف فيها، خامل يوم القيامة، معه لواء الشعراء.

стр. 51

أقول: والإختلاف في تفضيل الشعراء بعضهم على بعض المتقدّمين منهم والمتأخّرين كثير لا تحصى أقوالهم فيه، وهذا القدر منه كاف في الذكر والإطّلاع. فصل في إثبات فصول من نثره وعقود من نظمه قال أعزّه الله مقرضاً على الكتاب المعروف ب "مصباح الأدب الزاهر"، الذي ألّفه عمّي المهدي في أبيه الصالح طابت تربته: هذا الكتاب الرائقة عباراته، الفائقة إشاراته، الشريفة مراميه ومقاصده، اللطيفة مصادره وموارده، المثني على منشئه بلسان إحسانه وإبداعه، وبيان نظمه وأسجاعه، روضة تلحظ منها الأبصار زهرا، فتقطفه فتراه درّاه، فتحقّقه الأفكار فتجده سحرا، فلا تعلم أشاهدت روضةً أو وجدت بحرا، وهذا غير بعيد ممّن خصّهم الله بالتأييد. كواكبُ في سماء الطرس لاحت ... به الساري اهتدى في الشعر نهجه وينظرها الظريف إذا رآها ... مزينةَ حدائق ذات بهجه وكتب إليّ أيضاً بهذه الرسالة في غرض له: إنّ أبهى ما رقم في الطروس، وأزهى ما ترتاح إليه النفوس، دعوات هتكت حجاب الظلماء، وقرعت أبواب السماء، حتّى كتبت مع المجرّة سطرا، ورفعت في ديوان القبول صدرا، وتحيّات تعطر أنفاس الصبا والشمائل، وتثبت أشواقاً أنضت الضلوع، وأودت بمهجة كم فيها لبينك من صدوع، تشكوا غراماً لا يهدء وإن ردكت رياح الأشواق، وجفناً لا يغمض وإن نامت عيون العشّاق، أهديهما - بأتمّ الإكرام - إلى من طاب فرعاً وأصلا، واشتمل على الفواضل والفضائل شابّاً وكهلا، صافي الأُرومة، زاكي الجرثومة، الراقي من رتب المجد أسناها، والمتسنّم من ذروة النجد أعلاها، لا برح علم مجده مرفوعاً أبداً، وبناء سعده منصوباً بخفض العدى، ما ألقى الحام درس سجعه، وسقى الغمام غرس نبعه. أمّا بعد؛ يا أيّها النّدب، والمنهل العذب، أُعلمك - ثمّ أفاض في ذكر غرضه وهو نظم أبيات لمجاراة بعض شعراء الشام لأمر يقتضيه (وسوف تأتي الأبيات في باب الدال) . ومن رسالة كتبها إليّ وقد ذهب عَلَيّ أوّلها حين نقلها منها: ذاك من تتبّع آثار آبائه وجدوده، وانتهت إليه مآثر فضلهم وفضلهم لا إنتهاء لحدوده، أدام الله له سنيّ الخلود، وأضفى عليه جلابيت الإقبال والسعود، ما دامت الأفلاك دائره، والأنجم سائره بمحمّد وأهل بيته الذين من تمسّك بهم نجى، وأصحابه الذين نالوا بشرف صحبته كلّ مرتجا، ومنها في التشوّق لي أنا لا زلت ولا أزال مترقّباً عود ليالي الإقبال وإن طوتها يد النوى، متطلّعاً ورود مافيه ورود السلسبيل الزلال، عسى ينطوي الجوى، فلم تفز نفسي بمناها، ولم تحظ عيني بما يجلو قذاها، فلو شرّفني سيّدي بكتابه، ونوّه باسمي في خطابه، ناقعاً بعباراته العذبة غلّة صدري، ورافعاً بها بعد الإنخفاض قدري، لكان ذلك الأليق بكرمه، والأوفق بشيمه، لكنّي لست أعلم سبباً للحرمان، الممتدّ إلى هذا الأوان - هذه نبذة يسيرة من نظمه البديع، وستسمع له في خاتمة الكتاب فصولاً كثيرة من النثر المزري بعقود الدر. وأمّا منظومه: فإنّي مورد له في هذا الكتاب ما هو السحر الحلال الجدير بقوله من قال: كلمٌ هي الأمثال إلاّ أنّها ... بين الورى أضحت بلا أمثال وسأثبت له من الغزل والنسيب، والمدح والفخر، والتأبين والتهجين، وسائر ضروب الشعر وفنونه قوافياً سائرة، تزري بالرياض الناظره، فمن غزله قوله: حيّ عنّي بالحمى عهداً قديما ... وتعهّدْ لي به الظبي الرخيما رشأٌ بالنبل من الحاطة ... غادر القلب على عمد كليما إنْ أقلْ ريم صريم نافرٌ ... فلكمْ أخجل بالعينين ريما لا ومن أرشق قلبي لحظه ... أنا لا أعرف لولاه الصريما أبلج الخدّين ما ألطفه ... قامةً هيفاء أو كشحاً هظيما راع بالرقّة من وجنته ... رائق الورد وبالطبع النسيما خلته والشعر في عارضه ... شمس أفق زاحمت ليلاً بهيما فامنح الدرياق من عذب اللمى ... فلكم بت بصدغيك سليما فالتصابي لي سمير في الدجى ... والجوى في الصبح لي صار نديما ومنه قوله وهو الذي يكاذ يسيل لرقّته: ضاع قلب الموله المفتون ... بربى الكرخ لا ربى جيرون فانشداه بين الظعون فإنّي ... خلته سار بين تلك الظعون حنّت النيب يوم حنَّ فؤادي ... وشجى الساجعات رجع أنيني

стр. 52

وصبغت الرياض حمراً ولكن ... بمذاب من الفؤاد هتون فهي طوراً تذوي بنار زفيري ... وهي طوراً تزهو بماء شئوني يا غزالاً تاقت له النفس شوقاً ... لا لغيد من الظباء العين أنت ليلاي والرصافة نجدي ... وأنا في هواك كالمجنون ومنه قوله وأبدع فيه: أنا إنْ همتُ صوبةً بالعذار ... في الغرام العذريّ صحّ اعتذاري فاحمرار الشقيق يزهو إذا ما ... حفَّ من آس روضة باخضرار فنجديه مثل ما بفؤادي ... من لهيب تذكية جذوة نار رشأ تستعير رقّته الخمر ... إذا ما مرّ كالنسيم الساري كم دموع صبغت فيها أقاح ال ... رمل بعد ابيضاضه باحمرار وإذا ما أضمرت كتم هواه ... عن عذولي لم يجدني اضماري كيف يجدي كتمان سرّ غرامي ... ودموعي تنمّ بالأسرار يا عذولي عَلَى التصابيَّ دعني ... والتصابي إنّ التصابي شعاري لا تزد في الهوى أواري فإنّي ... عن عيون الورى أواري أواري بأبي من عصيت فيه اللواحي ... وعصاني على هواه اصطباري ذو قوام إن مرَّ يخطر راع ال ... صب في لدن قدّه الخطّار بي رفقاً فلا تزدني أواراً ... إنّ زند الغرام في القلب واري ومن ذلك أيضاً قوله لا فضّ فوه: مالقلبي تهزّه الأشواق ... خبّرينا أهكذا العشّاق كلّ يوم لنا فؤاد مذاب ... ودموع على الطلول تراق عجباً كيف تدعي الورق وجدي ... ولدمعي بجيدها أطواق كم لنا في الحمى معاهد أُنس ... والصبا يانع الجنى رقراق عهد لهو به الليالي ترامت ... ماله عرّست به الأحداق يالظعن به النياق تهادى ... نهنهي السير ساعة يا نياق فباحداجك استقلّت ضياءٌ ... آنسات بيض الخدود رقاق فارحمي يا أميم لوعة صبٍّ ... شفه يوم ذي الأثيل الفراق كاد يقضي من الصبابة لولا ... أن تحاماه في الوداع العناق ومنه قوله وقد أغرب فيه: الصبر غار وأنجد الدمع ... من ناظري فاعشوشب الربع والقلب حيث نأَى الخليط نأى ... رفقاً به فله الهوى طبع حتام ترشق باللحاظ حشاً ... ما مسّها لولا النوى صدع وببانة الجرعاء لي رشأٌ ... باهى ذكاءَ بوجهه الربع رشأ رشيق القدّ ذو غنج ... أهواه إنْ وصلٌ وإنْ قطع قمر تباهى الشمس طلعته ... إن أقض فيه هوىً فلا بدع أُمناي هل من ريق فيك رُقىً ... فلكمْ لصدغك في الحشا لسع ومن ذلك ما قاله من قصيدة وأجاد فيه: رشاءٌ يخيط فؤاد عاشقه ... إن خاط بالألحاظ لا الأبر قمر إذا ما هزَّ قامته ... أزرى بغص البان والقمر النار في خدّيْه موقدةٌ ... ترمي فؤاد الصب بالشرر يا ما أحيلا عين ذي غنج ... مكحولة الأجفان بالحور يا سائقاً ظعن الخليط ضحىً ... رفقاً فإنّ القلب في الأثر قف بالحمول على ديارهم ... واسئل فهل بالربع من خبر ومنه قوله مرتجلاً: أنا لم أنس بالحمى لك عهداً ... ما أحيلا عهد الحمى ما أحيلا وبذات الأثيل قد ضاع قلبي ... مستفزّاً فلا عدمت الأثيلا عرصات روضتهنَّ بدمع ... عن دم أفعم المفاوز سيلا فبها عرّست ركائب لهو ... أركضت في حشا المتيم خيلا خلِّ عنّي ذكر الدمى وهواها ... ودع الغانيات يسحبن ذيلا واطوِ يا صاح ما تقادم عهداً ... من أحاديث قيس لبني وليلى وأعد ذكرهم فقد طال ليلي ... وحديث الغرام يعذب ليلا ومن ذلك قوله: أصهباء تروق لنا مزاجا ... مزاجكِ يا صبا نجد مزاجا أم الروض الأريض سقاه نوءٌ ... من الأنواء فابتهج ابتهاجا فلو سالت برقتها طباعٌ ... لأفعمنا برقتك الزجاجا على أنّ المعاطف منك ماجت ... فكنَّ كجدول بالبرد ماجا مرضنَ بلحظك الأحشاء لكن ... رضا بك كان للمرضى علاجا أعرت الغص ليناً والحميّا ... عذوبة فيك والقمر انبلاجا فرفقاً يا رشيق القدّ رفقاً ... فقلبي فيك للزفرات هاجا ومذ ناسبت لطف الراح كادت ... بك الأرواح تمتزج امتزاجا

стр. 53

ولمّا فاح خالك وهو مسك ... علمنا حقَّ نهدك كان عاجا فقم بي نغتبط للهو ربحاً ... فسوق مواسم اللذّات راجا ومن هذا الباب قوله وأحسن فيه: نحن قول إذا نظرنا صبونا ... وإذا العشق ملنا ما سلونا لم نرح من هوىً معافين إلاّ ... وعلى جمرتين منه غدونا جئت مستعدياً من الحبّ عقلي ... فإذا العقل للصبابة عونا فتنتنا بحسنها وجناةٌ ... ككؤس الطلا صفاءً ولونا وجفون رشقننا بنبال ... نحن منها لولا الهوى ما دنونا يا حياتي بختري وصلينا ... ودعي الغانيات يمشين هونا وارشفينا من لثتيك رضاباً ... ما مررنا عليه إلاّ حلونا أفبعداً بعد التداني يميناً ... ليرى الصب بين هذين بونا وله من قصيدة فريدة: ما شمت أبهج منظراً ... من وجنة زينت بخال ممنوعة عن ناظري ... بالبيض والسمر العوالي رقَّ الفؤاد لها هوىً ... بالله هل رقّت لحالي ومن ذلك هذه الموشحة الفذَّة في حسنها: حبّذا ليل به ظبي الصريم ... مسعف والليل والنجم تحلى وسرى في الربع معتلّ النسيم ... والدجى في غرّة البدر تجلّى أطربتني روضة قد زانها ... خدّ مَنْ أخجل قدّاً بانّها والصبا قد سرّحت ريحانها ... وعلى وجنة غنيَّ النديم فتثنّى مائساً كالغصن دلاّ من ثناياه الورود ابتسمت ... وبخدّيه البرايا افتتنت رشأ منه ذكاً قد خجلت ... واستعارت منه ولدان النعيم حسن الحاظ تروق العين كحلى أبلج الخد عليه الصدغ رف ... ذو شباب رق أعطافاً وشف ما ثنى عنّي عطفاً بل عطف ... وهداني بمحيّاه الكريم نحو نهج في الهوى عزّ وجلاّ ذو طباع كالصبا في لطفها ... وسجاياه اعجزت عن وصفها وحمياً راقني في رشفها ... من ثناياه التي تشفي السقيم برضاب من جنا اليعسوب أحلا لست أنسى ذلك الربع الحسن ... قرَّ طرفي فيه بالظبي الأغن من به قدماً حشا قلبي افتتن ... وأنا اليوم على العهد مقيم مغرم أصبو ولن أسمع عذلا ومن ذلك قوله من قصيدة أوّلها: نعم الأنيس الراح للأرواح ... فألفه ألف العيد للأفراح يا مرسل الأصداغ فوق خدوده ... عجباً سدلت الليل فوق صباح تصحو ويسكرك الصبا متدلّلاً ... نفسي فدائك من نزيف صاحي كم رمت وصلك مجهداً بوسيلة ... فقصصت لي المرتاش من أجناحي وتركتني حيران أختبط الدجى ... لا أهتدي قصداً للحي اللاحي ريم تدجّج مذرنا متمايلاً ... تيهاً بلدن قناً وبيض صفاح ومنه قوله وأجاد ما شاء فيه: غنى النديم فارقص الحببا ... وتصفقت أكوابه طربا قمرٌ وشمس عقاره ازدوجت ... بالماء حتّى انتجت شهبا رقّت كرقّته سلافته ... فكأنّه في كأسه انسكبا عصرت زبيباً ثمّ مازجها ... سرّ الغمام فارجعت عنبا مثل اللجين القسّ عتقها ... فغدا النديم يديرها ذهبا نار ولكن في اليد انسكبت ... وطلاً ولكن مائها التهبا ومن ذلك قوله وفيه حسن التضمين لأنّه ضمن فيه قولهم: الرشف أنقع. وربّ غرير لم يروع فؤاده ... أخو حنق في روضة الحسن يرتع يناولني بالراح راحاً وتارة ... يرشّفني من فيه والرشف أنقع ومنه قوله وأحسن للغاية لتضمينه قول بعضهم: وللناس فيما يعشقون مذاهب. وبي رشأ غض الشبيبة أهيف ... رقيق الحواشي وهو للحسن سالب يرقّ لحالي إذ يراني متيّماً ... أليف جوى والقلب منّي ذائب ينادي بعذّالي دعوه وحبّه ... فللنّاس فيما يعشقون مذاهب ومنه قوله: ... ومهفهف كلمته ... بلسان من يهوى كلامه يا مخجلاً بالجيد وال ... عين الكحيلة ريم رامه ومورد الوجناة غضّ ... القد إذ يثني قوامه ما هذه السوداء تحرس ... روض خدّك قال شامه ومن ذلك قوله: وحبيب طلّق المحيا أسيل ... الخد يثني لصبّه أعطافه نيقدٌ يعرف النزاهة ممّن ... هام فيه ونسكه وعفافه

стр. 54

قد حباني لكن بطيف خيال ... قبلةً في شفاهه وارتشافه لم أكن أعرف السلافة لكن ... بلماه عرفت معنى السلافه ومنه وهو من نوادره السائرة: عيناه أخجلتا جأذر رامة ... بملاحة فتكت بنا والحورا خدّاه في وسط الحشا قد أضرما ... ناراً وعمّا في البريّة نورا ومنه وهو من بدايعة النادرة: سباني ضبي أتلع الجيد أهيف ... طليق المحيّا بالملاحة منعوت أليف صباً حلو الشمائل أحورٌ ... تعلّم من أجفانه السحر هاروت فلم أستطع صبراً لمرّ فراقه ... وتالله لم يصبر بديمومة حوت ومنه قوله وهو من نفائس أبكاره: يا حبّذا ليلة بالخيف قد زهرت ... فيها النجوم وبدر التم قد سطعا والماء يجري نميرا والرياض زهت ... ونسمة الليل هبّت والحبيب رعى فلم تكن لحظة هاتيك من قصر ... حتّى بفرقتنا داعي الصباح دعا ومن ذلك قوله وهو من عرائس خواطره الباهرة: فما روضة من رياض الربيع فلت ... فلت أنمل القطر ريحانها وما شطة الريح قد سرَّحت ... ذوائب آس بها زانها ولا طفلة عضة إنْ ثنت ... معاطفها أخجلت بانها إذا رمقت أو لوت جيدها ... فقد فضحت ثمه غزلانها بألطف ممّن بهجرانه ... أبان عن النفس سلوانها ومن ذلك قوله وأحسن فيه تضمين قوله بعضهم: وكلّما فعل المحبوب محبوب. وأحور فاتر العينين كلّفني ... بالهجر والدمع من عيني مسكوب كأنّه يوسف في حسن غرّته ... وإنّني في جليل الحزن يعقوب جفا ولكنّني راض بجفوته ... وكلّما يفعل المحبوب محبوب ومنه قوله وهو من نكاته البديعة: إنّي أُحبّك لا لأنّك مخجل ... شمس الضحى وجهاً أغرّ وسيما لكن جبلت على هواك طبيعةً ... فأصبت معدوم النظير كريما ومن ذلك أيضاً وهو من الغريب: ودّعت من أهوى فودّعني ... يوم الوداع حشاي والصبر وتسعّرت كبدي لظىً فلذا ... من مقلتيّ تساقط الجمر ومن ذلك قوله من قصيدة فريدة أنشأها في عرس سليل شقيقه المصطفى، الكوكب الدرّي، الحاج عبد الغني، أوّلها: قف بالديار فذاك موقفهاحيث الرياض يروق مألفها، فمنها: يا جارتاه وللهوى شعبٌ ... غير المتيّم ليس يعرفها أو تعجبين وأنت عالمة ... قدماً بأنّ القلب مدنفها فلربعها الخالي تشوّقها ... ولريمها الحالي تشوّفها ألوت لها ولهاً أعنتها ... فعن المنازل ليس تصرفها لا أبتغي لدمي بها دية ... ملك الفؤاد عَلَيّ أهيفها إن همت فيه هوىً فلا عجب ... بغداد مصر وهو يوسفها يرنوا إليّ بمقلة شربت ... كأساً لديَّ يروق قرقفها لعبت بها النشوات فاترةً ... فكأنّ من شفتيه يرشفها وشقائق بهرت بوجنته ... لا عذر أو بالعين أقطفها فكأنّه شمس يزاحمها ... من وفرة الأصداغ مسدفها ومنه قوله وهو من سوائره الفريدة: وقهوةِ طاب من أرواحها عبق ... فلذَّ مصطبح منها ومغتبق كالشمس تعبث بالنادي أشعّتها ... إذ لاح من وجنة الساقي لها شفق عنيت صهباء قد شيبت بريقته ... أو الّتي من دجى ظلمائها الغسق من كفّ ساق ولكن من لواحظه ... وما أرقّ مداماً كاسها الحدق أرخى على الأبلج القاني غدائره ... فالليل منسدل والصبح منفلق يا جيرة الحيّ من نجران ما ذرفت ... عيناي إلاّ وشبّت في الحشا حرق سقياً لدارك من دار أرقت لها ... وأين منّي لولا عهدها الأرق ومن غرره في التأبين قوله في رثاء أبيه وهي من أوائل شعره: ءأبيَّ كيف تذوق عيني لحظةً ... نوماً وكيف من المدامع تجمد أم كيف قلبي لا يذوب ومهجتي ... كمداً بنار الحزن لا تتوقّد وظعنت عن غضّ النسيم إلى البلا ... ياليت لو أنّي مكانك ألحد وتركت من تحنو عليه رقّةً ... أسفاً يحنّ إلى لقاك وينشد ياللرجال قضى فؤادي نحبه ... وجداً فهل فيكم لقلبي مسعد ويحقّ لي أن لا أراني صابراً ... فالصبر لي من بعده لا يحمد

стр. 55

ومن نظمه في الفخر من العقود المرزية بنظام الدر، قوله عند فراغه من الحج ورجوعه: حمداً لربّ المشعرين فإنّه ... أعلا بزمزم والمقام مقامي فحطمت خائنة المقاول والضبا ... أي والحطيم بمذودي وحسامي وبدرت أمنع جار بيت مكارمي ... حيث امتنعت بذمّة الإسلام ومنه وقد جمع فيه بين الإفتخار والعتاب: أنحن نحنوا عليكم دائم الأبد ... حنوَّ مرضعة ولهى على ولد وإنّكم لم تراعوا حقَّ عهدكم ... بل خنتموه فيا وجدي ويا كمدي ومن هذا الباب قوله في جواب بعض شعراء النجف: بناء الأكارم فيَّ إحتكم ... وشمل المكارم فيَّ انتظم وطبعي من خفة كالنسيم ... ويثقل حلمي كطود أشم فقل لاُناس سعت جهدها ... لتدرك منّي تراب القدم تنحّوا ألم ينهجم عجزكم ... فأين الوجود وأين العدم فما تبلغون مقاماً به ... خدين المعالي عليّ الهمم وقل لأخي الفضل فرع الكرام ... حميد الخصال وفي الذمم تقول ولست بمستعظم ... علوّ مقامي بين الأُمم حلبت لكم لبناً صافياً ... وأنتم حلبتم مشوباً بدم تجرمت جوراً بهذا الكلام ... وإنّي أُجيبك أن لا جرم سأعفو وأصفح عمّا ارتكبت ... ومن شأننا العفو عمّن ظلم ومنه قوله وفيه الإقتباس من القرآن المجيد: يا قاصداً بالكرخ أبحر الندى ... يهنيك منها نهل وعلّ روضة مأمولك من سمائنا ... إن لم يصبها وابل فطلّ ومنه قوله وقد جمع فيه الفخر والتهجين: أبى شرفي عتباً عليك وأنت مَنْ ... علمت فته جهلاً وما شئت فاصنع ويرزي بحقّي بل وبالهجو إنّني ... أذلّك هجواً فالسهى تحت موضعي ومنه قوله مخمّساً لهذين البيتين: ورثت عزمة أسد الغاب عن سلفي ... حتّى أذقت عدوّي منهل التلف بصولتي وأنا ابن التالد الشرف ... تبكي الفوارس والهنديَّ يضحك في يوم الهياج وبالخطيّ تكتحللا غرو إن نال خصمي الرعب والولهُ ... فالسيف عانقه والرمح قبّله بموقف مذ وهبت الجو قسطلهُ ... غنى الحسام بشجو والدماء له خمر وقامت نشاوى ترقص الأسلومن فرائده اليتيمة في باب التهجين، وهو أقلّ شعره، قوله يهجو جماعة: يدعون الإسلام في ظاهر الحا ... ل ولا يعرفون منه المحجّه فعماهم عن الصواب دليل ... لهدانا على الرشاد وحجّه وقوله فيمن اسمه نظام الملك وهو بديع جدّاً: أيدعى نظام الملك من لم يكن له ... نظاماً ولكن كان عاراً على الملك وينسبني منه افتراءً وإنّني ... نصير الهدى والدين جهلاً إلى الشّرك أقول له قولاً يشابه قوله ... بأنّك فينا من ذوي الدين والنسك فقابلته إفكاً بإفك وإن يكن ... لساني قدماً لم يعوَّد عَلَى الإفك ومنه قوله مداعباً بعض خلصائه: أتنسبني جهلاً إلى الخلف عالماً ... بأنّك يا كذّاب أجدر بالخلف ولا عجب ممّن غدى الجهل ألفه ... إذا ما هذى والألف يعرف بالألف ومن مدحه، بل ملحه، وهي في الحقيقة من منحه، قوله ف مدح عمّي (المهدي) عند وفودنا عليه: لولا الهموم الطارقات وإن أكن ... فرغت شطر القلب في ذكراكا لنظمت حبّات الفؤاد فرائداً ... عربيّةً يزهو بها مغناكا لكنّني ماذا أقول وإنّما ... يتحيّر النحرير في معناكا وقال فيه أيضاً: أنور أقاحي الفضل من قد زهت له ... رياض نظام هنّ أبهى من الزهر لقد جزت جوزاء الفضائل والنهى ... وأمسيت بدراً مشرقاً في سما الفخر وقوله وكتب بهما إليّ: نلت أقصى العلا بمجد أثيل ... يا خدّين العلا وقد حزت عزّا أحرز الماهرون منْ بلغاها ... لك من معدن الفصاحة كنزا وقوله يخاطب الشيخ أحمد قفطان الأصم ذاكراً لي: ءأحمد إن كنت لم تسمع ... نداء خدّين المعالي فع لقد فاق في نظمه حيدر ... لبيد الفصاحة والأصمعي وقال يخاطبه أيضاً: أحمد الإسم والمسمّى عديم ال ... ند في المكرمات طلق اليدين إنّما أنت واحد الدهر ثاني ال ... بحر جوداً وثالث القمرين

стр. 56

وكتبت إليه بهذه المقطوعة في شهر جمادي الاُولى سنة ١٢٨٧: شهدت لنفسك أنّ الكمال ... أتى معها يوم ميلادها كما شهدت لك أُمّ العلا ... بأنّك أكرم أولادها رضعت النجابة في حجرها ... وضمّك أطهر أبرادها فكفّك كعبة معروفها ... ووجهك قبلة قصّادها تكاثر في جانبيك الضيوف ... نجوم السماء بأعدادها تعلّلها وببرد الحديث ... تزيل حرارة أكبادها فتمسي وبشرك عن مائها ... ينوب وخلقك عن زادها فعال أخي كرم أرغمت ... مكارمه أنف حسّادها وذهنك لولم يكن روضة ... لما أتحفتنا بأورادها ترفّ بأنفاسك الطيّبات ... عليها حشاشة روّادها لك الفائقات بنات القريض ... بإنشائها وبإنشادها تودّ الكواعب منها يخط ... طراز الجمال بأجسادها فلو بمذهبها قلّدت ... لزان مفضّض أجيادها ولو بممسكها ضمّخت ... رمت بالغوالي لأضدادها ولو لعواقدها سحرها ... لحلّت به عزم آسادها فأجابني على الوزن والقافية، ولقد أجاد فيما قال: أريحانة العزّ من هاشم ... وفهر وفلذة أكبادها وبدر سماها عزّها المستنير ... وحائز عزمة آسادها وبحر سماحتها المستفيض ... لوفّادها ولورّادها لقد فقت في نثرك ابن الهلال ... أبا بدرها وابن عبّادها وفي شعرك الحكمي الرضي ... أبا طيبها نور أورادها وأبرزت من فكرك الحيدري ... عروساً عديمة أندادها برائق فضلك جلببتها ... فها هي تزهو بأبرادها وقلّدتها بالمعاني الرقاق ... فزنت عواطل أجيادها وطوّقت نحري بها أنعماً ... يكلّ لساني بتعدادها فلو أنّ نفسي غدت مهرها ... لأكمدت أنفس حسّادها زهى ربع أنسى بإنشائها ... ونادى علاي بإنشادها إذا نظرتها عيون الظريف ... تشاهد أسعد أعيادها وأرسل إليّ قصيدة فريدة يطلب منّي تخميسها وهي تعريض بالإستجفاء وتلويح بالعتب عَلَيّ الإبطاء فخمستها وجريت في التخميس مجراه في الأصل لأُمور عتبت بها عليه ثمّ أرسلتها إليه وها هو الأصل والتخميس. عجباً سمرت بذكر غير مسامري ... وسهرت فيمن ليس فيَّ بساهر ولأجل أن يجتاز بين محاجري ... ناديت من سلب الكرى عن ناظري وتجلّدي بقطيعة وفراقودعوت دونك يا صبا بحياته ... عتباً نسيمك كان خير رواته فاستخجلي لي في شذا نفحاته ... من أخجل الغزلان في لفتاته والشمس من خدّيه بالإشراقهبني أقول وما أسألت إقالةً ... يا تاركاً منّي الدموع مذالةً أرأيت قبلك إذ هجرت ضلالةً ... من مال عنّي واستقلّ ملالةً والدمع فيه النهل من آماقيفلو أنّ لي إذ كان هجرك حائحي ... قلباً سواك نبوت نبوة جامح كن كيف شئت فما هواك ببارح ... أُمناي أنت القلب بين جوانحي أُمناي أنت النور في أحداقييا من أقام على الجفاء وما ارعوى ... لا توقدنَّ مكان حبّك بالجوى فعلى سواه فؤاد صبّك ما انطوى ... أُمناي حنَّ إليك من فرط الهوى توقاً فؤاد متيّم مشتاقأيداً بغيرك ما شغفت بفاتن ... وعلى الوفاء أقمت منك لظاعن ألهيتني عن أن أهيم بشادن ... وغدا الجوى ألفي وليس فداوني غير الوصال لدائه من راقيرفقاً بصب في هواك معذّب ... لك في عوير حشاه أحسن ملعب يدعوك دعوة خائف مترقّب ... هلاّ ترقّ لمدنف متجلبب بردا العفاف رمية الأشواق بالوصل خلتك قد برقت إثابةً ... فمطرتني هجراً وكنت سحابةً أوما كفاك بأنْ أشفَّ كآبةً ... فحشاشتي ذابت عليك صبابةً والعين ترعف بالدم المهراقأنا في هواك قطنت أولم تقطن ... كلف حسنت لديك أو لم أحسن يا ثالث القمرين صل وتبيّن ... إن كنتَ فرداً في الجمال فإنّني تالله فيك لواحد العشّاقوانظر لنفسك إن أردت تحوّلا ... أيليق غير حشاشتي من منزلا أنت المنير السعد شمس ضحى الملا ... وأنا الأثيل المجد بدر سما العلى فرع المكارم طيّب الأعراقمن دوحة في المجد طاب نماؤها ... لبني الزمان مظلّة أفيائها

стр. 57

أنا من عليه تجمّعت أهواؤها ... فإذا الملا اضطربت بها آراؤها لعظيمة كشفت لهم عن ساقأوضحت مشكلها بأوّلِ نظرة ... وفتحت مقفلها بأسرع خطرة ما زلت إن ظلّ الأنام لخبرة ... أهديهم نهج الصواب بفكرة كالشمس مشرقة على الآفاقشهدت لي الدنيا غداة أتيتها ... أنّي نهضت لأهلها فكفيتها فإذا بها التوت الخطوب لويتها ... وإذا السنون تتابعت أوليتها من راحتيَّ بوابل مغداقوإذا القنا انتظمت نثرت عقودها ... بيد تحلّ طلى العدى وبنودها وإذا الظبا ازدحمت ثنيت حدودها ... وإذا الوغى استعرت أذقت أسودها طعم الحمام على متون عتاقألقى الوفود بطلعة ميمونة ... ويد بربح ثنائها مفتونة تثني العدى في صفقة مغبونة ... بأسنّة خطّيّة مسنونة وصوارم صمّ الشفار رقاقحاربت بالهجران من لك سالما ... حتّى كانا كأشجان تظالما بك لبست لأوابيك أعدل عالما ... فلئن وصلت أخا الهو فطالما كنت الحريَّ بأكرم الأخلاقأفبعد صدق مودّة لم تمنن ... تجفو وتكذب ظنَّ من لم يظنن فلئن لحظتَ فأنت عين المحسن ... ولئن أقمت على الجفاء فإنّني أشكوك مبتهلاً إلى خلاّقيمتحرّك شوقي لمن هو ساكن ... أدعوه وهو مع التجنّب بائن أين المودّة والوفاء معادن ... فأجابني خجلاً ودادك كامن بحشاي خيفة عامد لنفاقشوقي لوصلك يابن أكرم ماجد ... صلتي إليك وأنت أكرم عائد فتصفّح الدعوى بفكرة ناقد ... والقلب منك وسله أعدل شاهد لي المودّة والقلوب سواقيما مالني لهوىً به استانفته ... عوداً كما بدءً عليه الفته والصدق فيما يدّعيه عرفته ... فلثمته في فيه ثمّ رشفته وجذبته وضممته لعناقودعوت وصلك لي نهاية بغيتي ... فلقد حفظت عليَّ فيه بقيّتي بشراي فزت بمن يشاق لرؤيتي ... وطفقت أنشد نلت غاية منيتي يا حبّذا لو أنّ وصلك باقي أقول: هذه نبذة يسيرة من نظم هذا الهمام، الذي برع في فنونه وهو غلام، ولعمري ما هذه نغمات شاعر، بل نفثات ساحر، فلا أدري بأيّة لحظة يوفي النظم والنثر حظّه، وقد نيطت إليه حين ترعرع أمور يقصر العدّ عنها، إذ هو مركز رياستها، وجماع سلسلة سياستها، يقري الضيوف، ويؤمن المخوف، ويصطنع المكارم، ويفرّج العظائم، ويحمل المغرم، ويوضح من الرأي ما استبهم، بين حلّ وعقد، وعكس في القضايا وطرد، فالعيون إليه محدقة، والنفوس بأجنحة الآمال إليه محلقة، وكلّها ألسن تنشده: يا أيّها المولى الذي ... تبهى به الرتب الجليله وكلامه سحر وأس ... حر منه فطنته الجميله ما جود كفّك والرجا ... إلاّ الغدير سقى الخميله راجي سواك يحزّ لا ... في مفصل بمدى كليله ففداء همّتك الصحي ... حة في الندى الهمم العليله كرمٌ كغادية السحا ... ئب يمطر النعم الجزيله على أنّ هذه النجعة من نثره، واللمعة من شعره، من نتائج صباه، ونسائج شبيبته، فكيف يكون لو امتدّ به العمر، فتنقل في الرتب العاليه، بهمم نامية: وما مرّ يوم جديدٌ عليه ... إلاّ وبان بفضل جديد وسأثبت له في خاتمة الكتاب من محاسن النثر وفنون النظم ما يبهر الشعراء والكتّاب. ولنختم هذه المقدّمة بذكر ما ورد في الحثّ على اكتساب الآداب: قال أميرالمؤمنين ﵇: عليكم بالآداب فإن كنتم ملوكاً برزتم، وإن كنتم وسطاً فقتم، وإن أعوزتكم المعيشة عشتم بأدبكم. وقال: لا تتّكلوا على البخت فربّما لم يكن وربّما كان وزال، ولا على الحسب فطالما كان بلاءً على أهله، يقال للناقص هذا ابن فلان الفاضل فيتكامل غمّه وعاره، ولكن عليكم بالعلم والأدب، فإنّ العالم يكرم وإن لم ينتسب، ويكرم وإن كان فقيراً، ويكرم وإن كان حدثاً. وقال: الأدب عند الأحمق كالماء العذب في أصول الحنظل، كلّما ازداد ريّاً زاد مرارةً. وقال الأصمعي: بينا أنا في المسجد إذا أعرابيٌّ يقول: أيّها الناس تعلّموا الأدب فإنّه زيادة في الفضل، ودليل على العقل، وصاحب في الغرابة، وأنيس في الوحدة، وصلة في المجلس، ورياسة في الناس. فقلت: يا أعرابي، أما من حجّة؟ قال: بلى، وأنشأ يقول:

стр. 58

تعلّم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخو علم كمَنْ هو جاهل وإنّ كبير القوم لا علم عنده ... صغيرٌ إذا التفّت عليه المحافل وقال آخر: لكلّ شيء حسن زينةٌ ... وزينة العاقل حسن الأدب قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع النسب وكان يقال: حسن الأدب خلفٌ من الحسب. وسمع معاوية رجلاً يقول: أنا الغريب، فقال له: الغريب من لا أدب له. وقال بعض الشعراء: قد كانت الآداب في دهر ... تعلّم النّاس فعال الكرام فصارت الآداب في عصرنا ... تفيد ما يأنف منه اللئام وقيل لبعض الحكماء: أخبرنا عن دعائم الحكمة، فقال: هي أربع: العقل والعلم والمعرفة والأدب. وقيل: حليّ الرّجال الأدب، وحليّ النّساء الذهب. وقالت الحكماء: الأدب أشرف النسب. وقالوا: قد يستغنى بالأدب عن الحسب. وقال سيبويه: تكلّم رجل من أهل الأدب بين يدي المأمون، فقال له: ابن من تكون؟ فقال: ابن أدب، أعزّ الله الأمير، فقال له: نعم النسب الذي انتسبت له. وسمع بعض الأعراب رجلاً يتكلّم في فنّ الآداب، فازدراه لمّا اراد الكلام معه لخساسة حاله، فقال: مالكم يا عبدة الثياب ويا شياة الذئاب حقّرتموني لأطماري ولم تسألوني عن مكنون أخباري؟! وقدم عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبيد الله بن عباس من الرقة بعد خروجه من الحبس، وقد ولاّه الأمين الشام والجزيرة والعواصم، فلقيه ولد أبيه، فلم يرهم أُدباء، فقال: سوأةً لكم يا شرّ خلف من خير سلف، أبتزّ العزّ من أُميّة آبائكم قسراً، وحضوه وحاطوه ثمّ مضوا إلى رحمة الله وخلّفوا لكم فرشاً ممهّدةً، فأهملتم وضيّعتم إقبالاً على الأشربة الخبيثة الملاهي الفاحشة. لله درُّ أخي كلاب حيث يقول: إذا الحسب الرفيع تواكلته ... ولاة السوء أوشك أن يضيعا ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا وقال عبد الملك: لقد استهتر أحداثنا باللذّات، وشغلوا بالشهوات، وبطروا النعم، وأضاعوا الكرم، فصاروا كما قال عبد الرّحمان بن حسان بن ثابت: إنّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا حرَّ الثياب وتشبعوا فإذا تذوكرت المكارم مرّةً ... في مجلس أنتم به فتقنّعوا تمّت مقدّمة الكتاب بعونه تعالى، فلنشرع بذكر الأبواب، وهي مرتّبة على حروف الهجاء، متضمّنة ذكر ما أنشأته أنا وعمّنا المهدي فيه وفي أبيه وإخوته والأماجد من قبيلته، وأذكر في الأثناء ما اشتملت عليه تلك القصائد من الأنواع البديعية، والمطالب الأدبيّة، والبعض من تراجم من يجيء له ذكر في أثناء ذلك الشعر، وليعلم أنّ هذه الأبواب المشيّدة البناء ليستدعي فتح أقفالها المحكمة ذكر نبذة من ترجمة ابيه وإخوته ليعلم بذلك أنّ هذا العرق في أيّ طينة وشج، وبأيّ أعراق لفّه الشرف فانتسج: كان أبوه محمّد الملقّب ب "الصالح" ديمة منن ومنايح يباري النجوم، ويجاري الغيوم، فيباهي تلك مناقب، ويضاهي هذه مواهب، بل أين غيوث السماء من سما يده البيضاء، وهي في استهلال عواديها كما قلت فيه وفيها: صدقتْ بروقك والبوارق خلّبٌ ... وأضاءَ بشرك والزمان مقطّب لا قسمت كفّك بالسحاب مساوياً ... بالجود بينهما مخافة أكذب فالسحب يحلبها النسيم وكفّك ال ... بيضاء طبعاً جودها يتحلّب وكان مع خطره وعظمه في النفوس، حلو البشاشة، طيّب المفاكة، سهل الخليقة، حسن السمت، يديم اصطناع المعروف، ويتابع للعفاة برّه الموصوف، ولقد بنى في الزوراء دار كرم بيد مجده، لإضافة وفده، فخمد ركب الآمال فيها مناخه، وربى طائر الرجاء فيها أفراخه، ولم يكفه ذلك حتّى بنى على كواهل الطرق حصوناً منيعة، وبيوتاً رفيعة، يريح إليها السفر، ويأمن فيها غائلة القفر، وما برح شاغلاً أوقاته بأداء نفل أو قضاء فرض، وما انفكّ عن عمل الصالحات وتربية العلم وطلاّبه أجمع، وتشييد بيوت أذن الله أن ترفع، حتّى سافر إلى نعيم الآخرة، ولم تدنّس الدنيا بعلائقها أثوابه الطاهرة، كانت ولادته ١٢٠١، وقد أرّخت ذلك العام، وإن لم أدركه، بقولي: أتى اليوم خاتم أهل النهى ... على أنّه للندى فاتح أغرّ غدا السعد لمّا استهلّ ... وهو لغرَّته ماسح

стр. 59

وهنّى به المجد وفّاده ... وبشَّرها الشرف الواضح فقالوا جميعاً وقد أرّخوا ... نرى ولد الخلف الصالح عاش ستّاً وثمانين سنة، وتوفي سنة ١٢٨٧، فانهدّت لمماته قواعد الزوراء، وحمل باحتفا عظيم إلى النجف الأشرف، ودفن حيث قبور أُسرته اليوم، وأرّخت عام وفاته بقولي: إن يطو مصباح المكارم ضارح ... فلقد أضائت في علاه مصابح ملك له الشرف الرفيع مشيّع ... وعليه حتّى المكرمات نوائح شكت العفاة لدائه لمّا شكى ... وقضى فالخد والقلوب ضرائح مَنْ جاره هود دعاه فأرّخوا ... أسعد جوارك ذا محمّد صالح أنجب هذا الماجد أولاداً أكبرهم: المهدي، ولد سنة ١٢١٩، وكان مذ ترعرع فريد زمانه، في كرمه وإحسانه، وواحد عصره فيى شرف نفسه وفخره، قد برع في البلاغة والفصاحة، واشتهر من كرم أخلاقه بالسجاحة والسماحة، جامعاً بين نباهة الذكر، وجلالة القدر، عاش اثنين وخمسين عاماً، وتوفي في حياة أبيه سنة ١٢٧١، وقد أرّخت عام وفاته بقولي: ألا بكّر الناعي بثاو بنانه ... توسّده المعروف تحت ثرى اللحد وعاش الهدى فيه ومات بموته ... فأرّخ معاً غاب الهدى وهو المهدي واستقلّ بعده بجميع تلك التكاليف وتدبير أموره الزعامة أخوه محمّد الملقّب ب "الرضا"، ولد سنة ١٢٤٥، وكان أرقّ طبعاً من الهواء، وأطهر من ماء السماء، إن سكت فوقار مهاب، وإن نطق ففصل خطاب، توفي في حياة أبيه الصالح أيضاً سنة ١٢٨٢، وقد أرّخت عام وفاته بقولي: وقف المجد ناعياً عند قبر ... وارت المكرمات فيه حشاها ودعا أنت جنّة قلت أرّخ ... طاب مأوى نعيمها لرضاها ثمّ انتهت بعده الرياسة في تلك المكارم إلى أخيه المصطفى، وكانوا كما قال الناظم: نجوم سماء كلّما انقضّ كوكب ... بدى كوكب تأوي إليه الكواكب ولد هذا الماجد سنة ١٢٥٥، وها هو اليوم قمر دارة المجد، وقطب دائرة الثناء والحمد، تشدّ إليه الرحال، وتكثر عليه مزاحمة الآمال. أمّا أخوهم محمّد الملقّب ب "الحسن" المعنيّ في هذا الكتاب فقد ولد سنة ١٢٦٩ ولا غرو أن أستمل الفكر حتّى يمل، وأستنطق لسان القلم حتّى بكل، في ذكر مناقب هذا الهمام الماجد، ولعمري إنّ مناقبه في الإنارة لتباهي الكواكب السيّارة، علم جم، وأدب وافر، وفضل باهر، وشرف نفس، وعلوّ جدّ، وصراح حسب، وصريح مجد، وببشاشة ونبل، مع طلعت ميمونة، ووجه أنقى من صفحة مرآة، وعرض أملس من صفاة، ولقد رأى ولرأيه الإصابة، أن لا يؤثر خبر الجود إلاّ عمّن أنسى عرابه، ولا يقال جلى في حلبه المكارم وإلاّ من غبر في وجه حاتم، فصقل بجوده حسبه، وأشاع له فرنداً تقتبس المكارم من أشعّته الملتهبة، وبالآخرة أقول أنّ مناقب هذا الهمام لا تحصى، ومزاياه الحميدة لا تستقصى، ولا أقول فيها ما قال أبو تمام: إذا شئت أن تحصى فضائل كفّه ... فكن كاتباً أو فاتّخذ لك كاتباً فلقد عيب عليه ذلك لما جاء عن الحكماء: لا خير في المعروف إذا أُحصي. وقال بعضهم: إذا أحصي المعروف فقد حصر، وإذا حصر فقد وقف على غاية، ولا يكون ذلك إلاّ مع القلّة. وقال أبوبكر الصولي على تعصّبه لأبي تمام وتفضيله له: إنّ هذا البيت لم يقع له جيّداً. أقول: وربّما يعتذر له بتخريج معنىً وإن كان بعيداً وذلك أن يقال إنّه أراد بلفظتي "كاتب" في البيت "المَلَك الحفيظ" مبالغةً في كثرة فضائل كفّه حيث جعل إحصائها غير ممكن للبشر، بل لا يحصيها إلاّ الملك الحفيظ أو من شأنه أن يتّخذ كاتباً بهذا المعنى، فهو يقول لمن يخاطبه: إذا أردت إحصاء فضائل كفّه فذلك متعذّر عليك إلاّ أن تكون من الحفظة الكاتبين أو تتّخذ لك كاتباً منهم لأنّ إحصائها خارج عن طوق البشر، ولعلّ هذا المعنى أليق وأنسب بالبيت الذي قبله وهو: لو اقتسمت أخلاقه الغرّ لم تجد ... معيباً ولا خلقاً من النّاس عائبا لأنّه جعل حسن أخلاقه يفضل على جميع الناس لو اقتسمتها، فكيف يجعل واحداً منهم يحصي فضائل كفّه؟ وممّا يبعث انقداح المعنى الذي ذكرناه في الذهن قول أبي الطيب المتنبّي، وكأنّه نظر إليه فقال: خذ من ثناي عليك ما أسطيعه ... لا تلزمنّي من ثناك الواجبا فلقد دهشت لما فعلت ودونه ... ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا

стр. 60

ألا تراه كيف لمحه على أنّه لم يرض بإحصاء الملك الكاتب لفعله، بل جعله يندهش بدونه وهو بعضه فضلاً عن استطاعته كلّه. هذا ولا بأس بتوشيح هذا المقام بذكر ما يؤثر من الأخبار عن بعض الكرام: قال معاوية لعرابة الأوسي: بم سدت قومك؟ قال: لست بسيّدهم ولكنّي رجل منهم. قال: عزمت عليك إلاّ أخبرتني. قال: أعطيت في نائبتهم، وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن قصر عنّي فأنا أفضل منه، ومن جاوزني فهو أفضل منّي. وكان هرم بن سنان المرّي قد آلى على نفسه أن لا يسلم عليه زهير بن أبي سلمى إلاّ وأعطاه غرّة من ماله؛ فرساً أو ناقة أو عبداً أو أمةً، فأضرّ ذلك بهرم وقدح في حاله، فجعل زهير يمرّ بالجماعة فيهم هرم فيقول: عموا صباحاً خلا هرم، وخيركم تركت. وعن أبي عبيدة قال: مرّ حاتم الطائي ببلاد عنزة فناداه أسير في أيديهم: يا أبا سفانة! قتلني الأسار والقمّل، فقال له: ويحك والله لقد أسأت إذ نوّهت باسمي في غير بلاد قومي ومالك مع ذلك منزل، ثمّ نزل فشدّ نفسه مكانه في القيد ثمّ أطلقه فلم يزل في الأسر إلى أن عرف خبره ففداه أهله. وقال الأعشى: أتيت سلام ذا فائش فأطلت المقام ببابه حتّى وصلت إليه بعد مدّة، فأنشدته: إنّ محلاًّ وإنّ مرتحلا ... وإنّ في جود من مضى مثلا إستأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولّى الملامة الرّجلا والشعر قلّدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيثما جعلا فقال: صدقت، الشيء حيثما جعل، وأمر لي بمائة من الإبل، وكساني وأعطاني كرشاً مدبوغة مملوّة عنبراً فبعتها بثلاثمائة ناقة حمراء. وقال أبو عمرو بن العلاء: قدم عبد القيس ابن خفاف البرجمي على حاتم بن عبد الله الطائي في دماء حملها، فقام ببعضها وعجز عن بعض، فقال: يا أبا سفانة إنّي حملت دماء عوّلت فيها على مالي وآمالي؛ فقدّمت مالي وكنت أكبر آمالي، فإن تحمّلتها فكم من حقّ قضيت وهمٍّ كفيت، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمّم يومك ولم أيأس من غدك، فحملها حاتم جميعها عنه، فأنشأ البرجمي يقول: يعيش الندى ما عاش حاتم طيىء ... فإن مات قامت للسخاء ماتم يفيد الذي فيه الغنا وكأنّه ... لتحقيره تلك العطيّة خادم وقال النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض وأغبر أُفق السماء وضنّت المراضع على أولادها وجلفت المال وأيقنّا بالهلاك، فوالله إنّا لفي ليلة صنبرة بعيدة مابين الطرفين وصبيتنا يتضوّرون من الجوع؛ عبد الله، وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيّين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكنوا إلاّ بعد هدأة من الليل، فأقبل يعلّلني بالحديث فعلمت ما يريد، فتناومت، فلمّا توارت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت، فقال حاتم: من هذا؟ فقالت: جارتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوَّلاً إلاّ عليك أبا عديّ، فقال: عجّلي بهم فقد أشبعك الله وإيّاهم، فمضت وجائت تحمل اثنين وتمشي خلفها أربعة كأنّها نعامة حولها رئالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبّته ثمّ كشط جلده عنه ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك، قالت النوار: فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، وجعل يأتي الحي بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيّها النيام عليكم النّار، فاجتمعوا عليه والتفع هو بثوبه ناحية ينظر إلينا حتّى فرغنا ولم يذق منه مزعةً وإنّه لأجوع إليه منّا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلاّ عظم وحافر، فأنشأ يقول: مهلاً نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا يرى البخيل سبيل الجواد واحدة ... إنّ الجود يرى في ماله سبلا وذكر صاحب الأنيس والجليس: أنّه وقف رجل على باب خمارويه بن أحمد بن طولون سنةً كاملة لا يقدر على الوصول إليه، فأرق ذات ليلة خمارويه فقال لغلامه: أخرج وانظر من بالباب من الشعراء، فخرج فوجد ذلك الرجل الشاعر فأدخله، فلمّا مثل بين يديه وسلّم عليه قال: يا أخا العرب هات ما عندك، فقال: أيّها الملك، إنّ لي اليوم سنة كاملة لم أقدر على الدخول إليك وقد قلت فأكثرت، ومدحت فأطنبت غير أنّني جائني بالأمس كتاب من امرأتي من بغداد ورددت جوابه. فقال: وماذا كتبت إليك؟ وماذا رددت جوابها؟ فقال شعراً: كتبت تبتغي الإياب وتوصي ... ني بتعجيله أشدّ وصيّه

стр. 61

وشكت علّة إليّ وقالت ... عُدْ إلينا ولو بغير هديّه قد لبسنا ثوب التجمّل من بع ... دك حتّى لم تبقَ فيه بقيّه فإلى كمْ تغيب والغائب النا ... زح يخشى عليه صرف المنيّه أتزوّجت أم أصبت بمصر ... غضةً بضة البنان صبيّه فتشاغلت عن عيون تراعي ... ك على البعد بكرةً وعشيّه فرددت الجواب مهلاً فإنّي ... سوف آتيك منه بالأُمنيّه بألوف من الدنانير حمر ... من خمارية ومن أحمديّه قال: إذ ضمنت لها ذاك يا أخا العرب لأعجلنّ سراحك إليها، ولألفينّ لك ضمانك لها، يا غلام، عَلَيّ بألف دينار من ضربي وثلاثة آلاف من ضرب أبي، فأُتي بها. قال الأعرابي: فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني فقال: إرجع، فرجعت إليه وظننت أنّه يستعيدها منّي، فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّك ضمنت لها الوفاء في شعرك ثمّ ذكرنا أنّه لابدّ من النفقة في الطريق لتصل إليها بغير ما ضمنته لها، يا غلام، سلّم إليه خمسة آلاف أخرى، فضممتها وخرجت مسرعاً فلم أشعر إلاّ والخادم في أثري قد لحقني وقال: إرجع، فرجعت إليه فلمّا وقفت بين يديه قال: يا أخا العرب إنّها تذكر لك: أتزوّجت أم أصبت بمصر ... غضة بضة البنان صبيّه وقد أردت أن أحقّق ظنّها فيك، يا غلام، سلّم إليه جارية بخمسمائة دينار وجهّزها بمثلها، قال: فضممتها المال والجارية وانصرفت في أحسن حال وأنعم بال. وعن العتبي قال: اجتمعنا بباب أبي دلف العجلي أربعمائة شاعر وزائر، فكان يعدنا بمال الكرج، فبينما نحن ذات يوم عزين فى يمحالسنا إذ مرّت بنا الجمال عليها الأحمال، فقلنا: ما هذا؟ فقيل: مال الكرج، فتباشرنا ووافينا بابه من الغد، فإذا بالباب قد فتح وبالنطوع قد بسطت وشققت عليها البدر، فكانت أنانبير دراهم ودنانير ووضع لنا أربعمائة كرسي، ونادى مناديه: ليجلس كلّ رجل على كرسي، فلمّا أخذنا مجالسنا خرج علينا أبو دلف في حلّة حمراء متقلّداً سيفاً، فوضع قائم سيفه بالأرض واتّكأ عليه وأنشأ يقول: أيا معشر الزوّار لا يد عنكم ... أياديكم عندي أجلّ وأكثر كفاني من مالي جواد ونثرة ... وأبيض من صافي الحديد ومغفر ثمّ ولّى عنّا وقال: شأنكم والمال، فانتهبناه وحمل كلّ واحد منّا على قدر طاقته. وقال أبو العبّاس الشيباني: وفد على أبي دلف عشرة من ولد علي بن أبي طالب ﵇ في العلّة التي مات فيها، فأقاموا شهراً لا يؤذن لهم من شدّة العلّة التي كانت به، فوجد منها راحةً يوماً فقال لبشر الخادم: نفسي تحسّ أنّ بالباب قوماً لهم إلينا حوائج، فافتح ولا تمنعنّ أحداً. قال: فدخلوا إليه وسلّموا عليه، ثمّ ابتدر رجل من ولد جعفر الطيّار فقال: أصلحك الله، إنّا قوم من أهل بيت رسول الله ﵌ وفينا من ولده، وقد حطمتنا السنون وأجحفت بنا النوائب، فإن رأيت أن تجبر كسرنا وتنفي فقرنا فافعل. فقال للخادم: خذ بيدي وأجلسني، فأجلسه ثمّ أقبل عليهم متعذراً إليهم ودعا بدواة وقرطاس وقال: ليأخذ كلّ واحد منكم فليكتب بخطّه أنّه قبض منّي ألفي دينار. قال: فبقينا متحيّرين عند قوله، ولمّا كتبنا الرقاع وضعناها بين يديه، فقال للخادم: عَلَيّ بمال كذا وكذا، فوزن لكلّ واحد منّا ألفي دينار، فلمّا قبضناها قلنا: أيّها الأمير، نفديك بالآباء والأُمّهات، والله ما لنا مال ولا عرض دنيا فخطوطنا ما تصنع بها؟ قال لخادمه: أُنظر يا بشر إذا أنا متُّ فاجعلها في أكفاني وذلك أنّي إذا لقيت جدّكم محمّد ﵌ غداً في عرصة القيامة توسّلت إليه بأنّي قد أغنيت عشرة من ولدك، يا غلام، إدفع لكلّ واحد منهم ألف درهم زيادة إلى ما معه حتّى لا ينفقوا في الطريق شيئاً ممّا أعطيناهم، ثمّ قال: ألحقوا بأهاليكم بارك الله فيكم. وذكر أنّ جاراً لأبي دلف ركبه دين فادح حتّى احتاج إلى بيع داره، فساوموه بها فطلب ألفي دينار، فقالوا: إنّها تساوي خمسمائة دينار، قال: وجوار أبي دلف بألف وخمسمائة، فبلغ ذلك أبا دلف فأمر بقضاء دينه وقال: لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا. وروي ما هذا مضمونه أنّ بعض الشعراء امتدح ابن العلاء، فلمّا أنشده:

стр. 62

دع العيس تذرع أرض الفلا ... إلى ابن العلاء وإلاّ فلا أمر له بألف دينار وقال: حسبك من الإنشاد فإنّه يلزمنا لكلّ بيت ألف دينار وما في خزانتنا ما يفي بذلك. ووقف أعرابي على مروان بن الحكم أيّام الموسم بالمدينة فسأله، فقال: يا أعرابي ما عندنا ما نصلك به ولكن عليك بابن جعفر، فأتى الأعرابي باب عبد الله بن جعفر فوجد ثقله قد صار نحو مكّة وراحلته بالباب عليها متاعه وسيف معلّق، فخرج عبد الله، فأنشأ الأعرابي يقول: أبا جعفر إنّ الحجيج ترحّلوا ... وليس لرحلي فاعلمنَّ بعير أبا جعفر ضنَّ الأمير بماله ... وأنت على ما في يديك أمير وأنت امرؤ من هاشم في صميمها ... يصير إليك الجود حيث تصير فقال: يا أعرابي! صار الثقل فدونك الراحلة بما عليها، وإيّاك أن تُخْدَعْ عن السيف فإنّي أخذته بألف دينار، فأنشأ الأعرابي يقول: حباني عبد الله نفسي فداؤه ... بأعبس مهريّ سباط مشافره وأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهابٌ بدا والليل داج عساكره وكلّ امرء يرجو نوال ابن جعفر ... سيجري له باليمن والسعد طائره سأثني بما أوليتني يابن جعفر ... وما شاكر عرفاً كمن هو كافره ودخل أبوالدهماء العنبري على جعفر بن سليمان، وكان قد مدحه قبل ذلك بمدّة يسيرة ووصله بصلة سنيّة، فأنشده: ما زال عودي في ثرىً ثريّ ... مورّقاً من سيبك الوسميّ حتّى إذا ما همَّ بالذويّ ... جئتك واحتجت إلى الوليّ وما غنيّ عنك بالغنيّفضحك جعفر وقال: ما مللناك فلا تملنا، وعد إلينا متى شئت، وأجزل عطيّته وصلته. وقال أبوالشبل: حضرت مجلس عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وكان إليّ محسناً وعَلَيّ مفضّلاً، فجرى ذكر البرامكة، فوصفهم الحاضرون فأطنبوا في ذكر سماحتهم وفضلهم، فقمت في وسط الناس وقلت لعبيد الله: أيّها الوزير! قد حكمت في هذا الأمر حكماً نظمته في بيتَي شعر لا يقدر أحد أن يردّه عَلَيّ، وإنّما جعلته شعراً ليبقى ويدوّن، أفيأذن الوزير بإنشادهما؟ فقال قل، فربَّ صواب قلته، فأنشدت: رايت عبيد الله أفضل سؤددا ... وأكرم من فضل ويحيى بن خالد أولئك جادوا والزمان مساعد ... وقد جاد هذا وهو غير مساعد فتهلّل وجه عبيد الله وظهر فيه السرور وقال: أفرطتَ، قلت: ولا كلّ هذا قضيت، والله ما حابيتك أيّها الوزير، وما قلت إلاّ حقّاً، وأتبعني القوم في وصفه وتقريضه، فما خرجت من مجلسه إلاّ وعَلَيّ الخلع وتحتي فرس بسرجه ولجامه، وبين يديَّ خمسة آلاف دينار. وعن أبي الشبل قال: دخل العتابي على عبيد الله بن طاهر فأنشده: جسم ظنّي وحسن ما عوّد الله ... سوائي منك الغداة أتى بي أيُّ شيء يكون أحسن من حسن ... رجاء حدا إليك ركابي فأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه من الغد فأنشده: جودك يكفينيك في حاجتي ... ورؤيتي كافيتي عن سؤال وكيف أخشى الفقر ما عشت لي ... وإنّما كفاك لي بيت مال فأمر له بجائزة، ثمّ دخل عليه في اليوم الثالث فأنشده: بهجات الثياب يخلقها الدهر ... وثوب الثناء غضٌّ جديد فأكسني ما يبيد أصلحك الله ... فإنّي أكسوك ما لا يبيد فأجازه وخلع عليه. وقدم على يزيد بن المهلّب رجل من قضاعة فأنشده: مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأنّ بابك مجمع الأسواق أرجوك أم خافوك أم شاموا الغنى ... بيديك فانتجعوا من الآفاق إنّي رأيتك للمكارم عاشقاً ... والمكرمات قليلة العشّاق ولّيت أنعمك البلاد فأصبحت ... تجبى إليك مكارم الأخلاق فأمر له بألف دينار، فلمّا كان العام المقبل وفد إليه فأنشده: والله ما أدري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلّب ولقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب فاصبر لعادتك التي عوّدتنا ... أو لا فأرشدنا إلا مَنْ نذهب فأمر له بألف دينار، وقال: إنّا صابرون على عادتك، فعد متى شئت.

стр. 63

وذكر أنّ عمر بن هبيرة الفزاري أشرف من قصره فإذا هو بأعرابي يحثّ بعيره، فقال لحاجبه: لا تحجب هذا الأعرابي عنّي، فلمّا دنى سأله الحاجب عن شأنه، فقال: إنّي وفدت على الأمير، فأدخله إليه، فلمّا مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك يا أعرابي؟ قال: أصلحك الله قلّ ما بيدي ... ولا أُطيق العيال إذ كثروا أناخ دهري عَلَيّ كلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا قال: فأخذت عمر الأريحيّة فجعل يهتزّ في مجلسه ويقول: أرسلوك وانتظروا؟ إذاً والله لا تجلس حتّى ترجع إليهم، ثمّ أمر له بألف دينار وردّه من ساعته على بعيره. وكتب معاوية لمروان بن الحكم يأمره ببيع دور كثير بن الصلت لغرمائه، قال كثير: ففكآرت بمن أذهب إليه فلم أجد مثل قيس بن سعد بن عبادة، وكانت بيني وبينه هجرة، فتحاملت على الذهبا إليه على ما كان بيني وبينه على ما أعلمه من كرمه واحتماله، فلمّا رآني رحّب بي وأدناني وقال: ما الذي أتى بك إلينا؟ فأعلمته بالذي يراد من بيع دوري لغرمائي، وإنّي تذكّرت من أفزع إليه فلم أجد أحداً سواه، فسرَّ بذلك وقال: قد أصبت بالذي قد فعلت، كم دينك؟ قلت: تسعون ألف درهم، فأعطاني إيّاها، فأصبحت فقضيت النّاس الأوّل فالأوّل حتّى لم يبق عَلَيّ شيء ثمّ يسّر الله تعالى بعد ذلك فأتيته بها وجزيته خيراً، فقال: والله ما كان ليرجع إليّ شيء خرج منّي في ذمّة الله عزّوجلّ، فردّها عَلَيّ ولم يقبلها. وذكر بعض الروات أنّ مالك بن طوق بينا هو جالس في بهو مطلّ على رحبته ومعه جلساؤه إذ أقبل أعرابي تخدّ به راحلته، فقال: ما أقدمك يا أعرابي؟ قال: الأمل في سيب الأمير، والرجاء لنائله. قال: فهل قدّمت أمام رغبتك وسيلة؟ قال: نعم، أربعة أبيات قلته بظهر البريّة، فلمّا رأيت ما بباب الأمير من الأُبّهة والجلالة استصغرتها. قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا عليك وإلاّ فقد نلت مرادك وربحت علينا؟ قال: قد رضيت، وأنشده: وما زلت أخشى الدهر حتّى تعلّقت ... يداي بمن لا يتّقي الدهر صاحبه فلمّا رآني الدهر تحت جناحه ... رأى مرتقىً صعباً منيعاً مطالبه رآني بحيث النجم من رأس باذخ ... تظلّ الورى أكنافه وجوانبه فتىً كسماء الغيث والناس دونه ... إذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه فقال مالك بن طوق: قد ظفرنا بك يا أعرابي، ما قيمتها إلاّ عشرة آلاف درهم. فقال الأعرابي: إنّ لي صاحباً شاركته فيها ما أراه يرضى ببيعي. قال: أظنّك حدّثت نفسك بالنكث؟ قال: نعم، وجدت النكث في البيع أسهل من خيانة الشريك، فضحك مالك منه وأمر له بالعشرة آلاف درهم. وقيل: أتى عبيد الله بن العبّاس رجل من الأنصار فقال له: يابن عمّ رسول الله ﵌ ولد الليلة لي مولود وقد سمّيته باسمك تبرّكاً بك، وإنّ أُمّه ماتت، فقال له عبيد الله: بارك الله لك في الهبة وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثمّ دعا بوكيله وقال: إنطلق الساعة فاشتر للمولود جاريةً تحضنه، وادفع للرّجل مائتي دينار للنفعة على تربيته، ثمّ قال للأنصاري: عد إلينا بعد فإنّك أتيتنا وفي العيش يبس وفي النفقة قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك والله لو سبقت حاتماً بيوم واحد ما ذكرته العرب، ولكنّه سبقك فصرت له تالياً وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ كرمك أغزر من وايله. وأتاه سائل وهو لا يعرفه، فقال له: تصدّق فإنّي نبّئت أنّ عبيد الله بن العبّاس أعطى سائلاً ألف درهم وهو لا يعرفه واعتذر إليه، فقال له: وأين أنا من عبيد الله بن العبّاس؟ قال له: أين أنت منه في الحسب أو في كثرة المال؟ قال: فيهما جميعاً. فقال: أمّا الحسب في الرجل فمروّته وفعله فإذا شئت فعلت وإذا فعلت كنت حسيباً، فأعطاه ألفي درهم واعتذر إليه من ضيق نفقته، فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله فأنت خير منه، وإن كنت إيّاه فأنت اليوم خير منك أمس. وذكر صاحب الأنيس والجليس أنّ شاعراً وقف على باب معن بن زائدة الشيباني سنة كاملة لا يصل إليه، فرقّ عليه الحاجب وقال: يا هذا أُكتب إليه حاجتك واختصر فيها، فقال: والله لا زدت على بيت واحد من الشعر، ثمّ كتب في رقعة وختمها ودفعها إلى الحاجب، فأخذها إلى معن، فإذا مكتوب فيها:

стр. 64

أيا جود معن ناج معناً بحاجتي ... فمالي إلى معن سواك رسول فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة ثمّ التفت فرأى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، ثمّ اشتغل بالحديث ساعة والتفت إلى الرقعة فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلم يلحقه الرسول فرجع وقال: يا سيّدي! ما لحقت الرجل، فقال معن: أتراه ظنّ أن نسترجعها؟ والله لو وقف لنفذت إليه بعشرة تتبعها عشرة إلى أن تفني بيوت المال. وقيل: كان معن بن زائدة الشيباني قد استخفى من المنصور لأمر أنكره عليه، فجدّ المنصور في طلبه وجعل لمن دلّ عليه عشرة آلاف درهم، قال معن: فاضطربت لشدّة الطلب إلى أن أقمت في الشمس حتّى لوّحت وجهي وخففت من عارضيّ ولحيتي ولبست جبّة صوف وركبت جملاً ثقيلاً وخرجت عليه أطلب البادية لأقيم فيها، فلمّا خرجت من الباب تبعني عبد أسود متقلّد سيفاً حتّى إذا غبت من أعين النّاس والحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، فقلت: ما تريد؟ قال: أنت طلبة أميرالمؤمنين؟ قلت: ومن أنا حتّى يطلبني أميرالمؤمنين؟ قال: أنت معن بن زائدة الشيباني. قلت: يا هذا اتّق الله في دمي، وأين أنا من معن؟ فقال: دع ذا عنك فأنا والله أعرف بك من ولدك وأخيك. قال معن: فقلت له: إن كان الأمر على ما تقول فهذا جوهرٌ قد حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور فيَّ فخذه ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته، فنظر إليه ساعةً وقال: صدقت في قيمته ولست قابله منك حتّى أسألك عن شيء فإن صدّقتني فيه أطلقتك، فقلت له: قل، فقال: إنّ النّاس قد وصفوك بالسخاء والجود فأطنبوا، فأخبرني هل وهبت قط مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، فلم يزل حتّى بلغ العشر؟ فقلت: أظنّ أنّي فعلت هذا، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا رجل رزقي عشرين درهماً على المنصور في الشهر، وهذا الجوهر قيمته آلاف دنانير وقد وهبته لك ووهبتك لجودك المأثور بين الناس لتعلم أنّ في الدنيا من هو أجود منك فلا تعجبك نفسك وتحتقر بعد هذا كلّ شيء تفعله، ولا تتوقّف عن مكرمة، ثمّ رمى بالعقد في حجري وخلّى خطام الجمل وانصرف، فقلت له: يا هذا فضحتني ولسفك دمي أهون عَلَيّ ممّا فعلت، فخذ هذا الجوهر فإنّي عنه غنيّ، فقال: يا معن! أردت أن تكذّبني في مقامي هذا، والله لا أخذته ولا أخذت لمعروف ثمناً أبداً ومضى، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء، فما عرفت له خبراَ وكأنّ الأرض ابتلعته. وحدّث عون بن الحسين الهمداني قال: كنت يوماً في خزانة خلع الصاحب بن عباد فرأيت في دستور كاتبها، وكان صديقي، مبلغ العمائم الخزّ التي صرفت في تلك السنة للعلويّين والفقهاء والشعراء خارجة غير عمائم الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، قال: وكان يعجبه الخزّ ويأمر بالإستكثار منه في داره، فنظر أبوالقاسم الزعفراني يوماً إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملوّنة، فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئاً، فنظر إليه الصاحب وقال: عَلَيّ به، فاستهمل الزعفراني ريثما يتمّ مكتوبه، فأمر الصاحب بأخذ الدرج من يده، فقام وقال: أيّد الله مولانا، شعرٌ أسمعه ممّن قاله، فقال: هات يا أباالقاسم، فأنشده أبياتاً منها: سواك يعدُّ الغنى ما اقتنى ... ويأمره الحرص أن يخزنا وأنت ابن عباد المرتجى ... فعند نوالك نيل المنى وخيرك من باسط كفّه ... وممّن تنائى قريب الجنى غمرت الورى بصنوف الندى ... فأصغر ما ملكوه الغنى وغادرت أشعرهم مفحما ... وأشكرهم عاجزا الكنا أيا من عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتيْ من نأى أو دنا كسوت المقيمين والزائرين ... كسىً لم يخل مثلها ممكنا وحاشية الدار يمشون في ... ضروب من الخزّ إلاّ أنا ولست أذكر بي جارياً ... على العهد يحسن أن يحسنا فقال له الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة أنّ رجلاً قال له: أحملني أيّها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثمّ قال لو علمت مركوباً غيرها لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة ودراعة وقميص وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف ورداء وجورب ولو علمنا لباساً آخر غير هذا يتّخذ من الخزّ لأعطيناك.

стр. 65

وقال الصاحب بن عباد: حضرت مجلس ابن العميد عشيّة من عشايا شهر رمضان وقد حضره الفقهاء والمتكلّمون للمناظرة وأنا أذكر ذلك في ريعان شبابي، فلمّا تقوّض ذلك المجلس وانصرف القوم وقد حلّ الإفطار أنكرت ذلك بيني وبين نفسي وعجبت من إغفال الأمر بتفطير الحاضرين مع رياسته، وعاهدت الله تعالى أنّيى لا أخلّ بما أخلّ به إذا قمت مقامه. قيل: فكان الصاحب لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد كائناً من كان فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار، فكانت داره لا تخلو ليلة من ليالي الشهر من ألف نفس مفطرة، وكانت صلاته وصدقاته وفقته في هذا الشهر مبلغ ما يطلق منها في جميع السنة. وممّا يناسب هذا ما ذكر عن ابن العميد؛ وابن العميد هذا هو أبو الفضل محمّد بن العميد، كان فريد زمانه في الفصاحة والعلوم العربيّة، ولقد كان متوسّعاً في علم النجوم والفلسفة والأدب والترسّل، فلم يقارنه فيها أحد في زمانه، وكان يسمّى الجاحظ الثاني، وكان كامل الرياسة، جليل المقدار، ومن بعض أتباعه الصاحب بن عباد، ولأجل صحبته قيل له الصاحب، وكانت له في الرياسة اليد العليا. وقال الثعالبي في اليتيمة: كان يقال: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان الصاحب بن عباد سافر إلى بغداد، فلمّا رجع إليه قال له ابن العميد: كيف وجدتها؟ قال: بغداد في البلاد كالأُستاذ في العباد. وكان يقال له الأُستاذ والرئيس وكان سائساً مدبّراً للملك قائماً بحقوقه. وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ومدحوه بأحسن المدائح كأبي الطيب المتنب وأضرابه، وكان ممّن مدحه أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي، وكان ابن نباتة هذا قد ورد على ابن العميد وهو بالريّ، وامتدحه بقصيدة أوّلها: برح اشتياق وادّكار ... ولهيب أنفاس حرار ومدامع عبراتها ... ترفضُّ عن نوم مطار لله قلبي ما يجن ... من الهموم وما يواري لقد انقضى سكر الشباب ... وما انقضى وصب الخمار وكبرت عن وصل الصغار ... وما سلوت عن الكبار سقياً لتغليسي إلى ... باب الرصافة وابتكاري أيّام أخطر في الصبا ... نشوان مسحوب الإزار حجّي إلى حجر الصّرا ... ة وفي حدائقها اعتماري ومواطن اللذّات أو ... طاني ودار اللهو داري لم يبق لي عيش يلذّ ... سوى معاقرة العقار حتّى بألحان قمرت ... بهنّ ألحان القماري وإذا استهلّ ابن العميد ... تضائلت ديم القطار حرّ صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النضار فكأنّما زفّت موا ... هبه بأنواع التجار وكأنّ نشر حديثه ... نشر الخزامى والعرار وكأنّنا ممّا تفرّق ... راحتاه من النضار كلف بحفظ السرّ تح ... سب صدره ليل السرار إنّ الكبار من الأمو ... ر تنال بالهمم الكبار وإلى أبي الفضل ابتعثت ... هواء حسناء السوار فتأخّرت صلته فشفّع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة فلم يزده ابن العميد غير الإهمال مع رقّة حاله التي ورد عليها فتوصّل إلى أن دخل يوم الخميس ومجلسه حفل بأعيان الدولة ومقدّمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه وأشار إليه وقال: أيّها الرئيس! إنّي لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذلّ النعل، وأكلت المحرق انتظاراً لصلتك ووالله ما بي الحرمان، ولكن شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدّقوني فاتّهمتهم، فبأيّ وجه ألقاهم؟ وبأيّ حجّة أُقاومهم، ولم أحصل من مديح ومن نثر بعد نظم إلاّ على ندم مؤلم، ويأس مسقم، فإن كان للنجاح علامة وأين هي وما هي؟ إلاّ أنّ الذين نحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإنّ الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبك أعظمهم شأناً، وأنورهم شعاعاً، وأشرقهم دفاعاً. فحار ابن العميد ولم يدر ما يقول، فأثرق ساعة ثمّ رفع رأسه وقال: هذا يضيق عن الإطالة منك في الإستزادة، وعن الإطالة في المعذرة، وإذا ما تواهبنا ما دفعنا إليه، إستأنفنا ما نتحامد عليه.

стр. 66

فقال ابن نباتة: أيّها الرئيس! إنّها نفثة صدر قد دوى بعد زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغني ذا مطل لئيم. فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون ذا، حتّى دفعنا إلى قرى غائم ولجاج قائم، ولست وليّ نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضي عليك، وإنّ بعض ما قرّرته في مسامعي ينقض مرّة الحلم، ويبدّد شمل الصبر، وهذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ولا كلّفتك مدحي ولا سألتك تقريضي. فقال ابن نباتة: صدقت أيّها الرئيس، إنّك ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول، ولا سألتني مدحك، ولا كلّفتني تقريضك، ولكن جلست في صدر إيوانك بأُبهّتك، وقلت: لا يخاطبني أحد إلاّ بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فإنّي كاتب ركن الدولة، وزعيم الملّة والحضرة، والقيّم بمصالح المملكة، فكأنّك دعوتني بلسان الحال، ولم تدعني بلسان المقال. فثار ابن العميد مغضباً ودخل حجرته، وتقوّض المجلس، وسمع ابن نباتة وهو مارٌّ في صحن الدار يقول: والله إنّ سفَّ التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه ممّا كساً فيه، فلمّا سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل ما كان منه، فكأنّما غاص في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات. ولا بأس بذكر ما ورد في ذمّ البخل وذكر بعض قضايا البخلاء وذكر بعض الشعر الذي ورد في ذمّهم: قيل: البخل يهدم مباني الكرم. آخر: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث. آخر: أيّ داء أدوى من البخل. وفي آخر: شرّ أخلاق الرجال البخل والجبن وهما من أخلاق النساء. وقالت الحكماء: من انتجع لئيماً كان كمنتجع السراب أو نار الحباحب. وفي مثل آخر: ما أفلح بخيل قط. ومن أمثال البخلاء واحتجاجاتهم: قول لا، يدفع البلا، وقول نعم، يُزيل النِعَم. وقال بعضهم لابنه: يا بني كن مع الناس كالضارب بالقداح، إنّما غرضك أخذ متاعهم وحفظ متاعك. ومن بعض الحكايات عنهم: عن المطالبي قال: مرّ ابن الحمامة الشاعر بالحطيئة وهو جالس بفناء بيته، فقال له: السلام عليكم، قال: كلمة نقولها، قال: إنّي خرجت من أهلي بغير زاد، قال: ما ضمنت لهم قراك، قال: أفتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك أتقيّؤ به؟ قال: دونك الجبل يفيء عليك، قال: إنّي ابن الحمامة، قال: انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت. وبينما أبوالأسود الدئلي جالس في دهليز داره إذ مرّ به رجل من العرب فقال: السلام عليكم، قال: قلت ما لا ينكر، قال: أأدخل؟ قال: وراك أوسع، قال: إنّ الرمضاء أحرقت قدمي، قال: بُل عليهما تبردا، قال: فهل عندك شيء تطعمنيه؟ قال: نأكل ونطعم العيال فإن فضل شيء كنت أحقّ به من الكلب. قال الأعرابي: تالله ما رأيت ألأم منك؟ قال: بلى قد رأيت ولكنّك نسيت. وأتى رجل الحطيئة وهو في غنم له، فقال: السّلام عليك يا راعي الغنم، فرفع الحطيئة عصاه وقال: إنّها عجراء من سلم، قال: إنّي ضيف، قال: وللضيفان أعددتها. وكان خالد بن صفوان إذا حصل له الدرهم نقره وقال: طالما شرّقت وغرّبت، والله لأطيلنّ ضجعت ولأديمنّ صرعتك، ولأجعلنّه آخر عهدك بأيدي الرجال. وممّا يحكى أنّ بعض البخلاء انتقل إلى دار، فلمّا نزلها وقف به سائل، فقال: صنع الله لك، فأتاه آخر، فقال له مثل الأوّل، ثمّ ثالث فقال له كذلك، ثمّ التفت إلى ابنته وقال لها: ما أكثر السؤال في هذا المكان، فقالت: يا أبة! ما تمسّكت لهم بهذه الكلمة فما تبالي قلّوا أم كثروا. ومن ذلك ما حكي أنّه كان محمّد بن يحيى بن خالد بن برمك شديد البخل، فدخل يوماً بعض ندمائه على أبيه يحيى بن خالد، فقال له: صف لي مائدة محمّد، قال: هي فترٌ في فتر، وصحافه من حبّ الخشخاش منقورة، وبينه وبين أكيله رغيف، قال: فمن يحضر مائدته؟ قال: الكرام الكاتبون، قال: فمن يأكل معه؟ قال: الذباب، قال: فأنت خاصّ به وثوبك خلق، قال: والله لو ملك محمّد ابنك بيتاً عرضه من بغداد إلى خراسان مملوّاً أبراً ثمّ جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وأولاد يعقوب يسألونه عارية إبرة يخيطون بها قميص يوسف الصدّيق لما فعل. ونظم ابن الرومي هذا المعنى في قوله:

стр. 67

لو أنّ قصرك يابن يوسف ممتل ... اُبراً يضيق بها فضاء المنزل وأتاك يوسف يستعيرة إبرةً ... ليخيط قدَّ قميصه لم تفعل ومن ذلك ما حكي أنّه حضر أعرابي سماط هشام بن عبد الملك، فبينما هو يأكل إذ تعلّقت شعرة بلقمته، فقال له هشام: يا أعرابي نحّ الشعرة عن لقمتك، قال: إنّك لتكثر لمضغي ملاحظة حتّى ترى الشعرة في اللقمة، والله لا أكلت عندك أبداً، وخرج من عنده وهو يقول: وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف البنان على عمد وروي ما هذا مضمونه أنّه قيل لبعض البخلاء: من أشجع النّاس؟ قال: من سمع صرير الأسنان على طعامه ولم تتفتّت كبده. ومن ذلك ما حكي عن أبي القاسم القطّان وكان صاحب نوادر أنّه دخل يوماً من أيّام شهر رمضان والحرُّ شديد على الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب الأشراف، فقال له: أين كنت؟ قال: في مطبخ سيّدي النقيب، فقال الوزير: وما تصنع ويلك في شهر رمضان في المطبخ؟ قال: وحياة مولانا كسرت الحرّ، فتبسّم والوزير وضحك الحاضرون وخجل النقيب. أقول: وقد أسهبنا في ذلك فلنورد بعض ما ورد في ذمّ البخل والبخلاء من رائق النظم. روي ما هذا مضمونه أنّ شريك بن عبد الله امتدح المدبّر بأبيات فردّها إليه مع الحاجب وقال: أمدح بها غيري، فاعتزل ناحية عن بابه وكتب إليه هذه الأبيات: رددت عَلَيّ شعري بعد مطل ... وقد دنّست ملبسه الجديدا وقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرديدا ولاسيما وقد أعبقت فيه ... مخازيك اللواتي لن تبيدا وهل للحيّ في أثواب ميت ... لبوس بعد ما امتلأت صديدا وقال أبو تمام: ليسودنَّ يفاع وجهك منطقي ... أضعاف ما سوّدت وجه قصيدي وليفضحنّك في المواسم كلّها ... صدري كما فضحت يداك ورودي وقال أيضاً: عيّاش أنّك للئيم وانّني ... إذ صرت موضع حاجتي للئيم وقال مهيار: بخيلٌ لو أنّ البحر بين بنانه ... وفرّقها عن قطرة لم تسرَّب أخذه بعضهم فقال: لو عبر الشط أبو ساعده ... في ليلة مظلمة بارده وكفّه مملوئة خردلاً ... ما سقطت منها ولا واحده وقال البحتري: لو صافحوا المزن ما ابتلّت أكفّهم ... ولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا جفوا من البخل حتّى لو بدا لهم ... ضوء السهى في سواد الليل لاحترقوا وقال كشاجم: يا من يؤمّل جعفراً ... من بين أهل زمانه لو أنّ في أُستك درهماً ... لاستلّه بلسانه وقال دعبل الخزاعي: إنّ هذا الفتى يصون رغيفاً ... ما إليه لناظر من سبيل هو في سفرتين من أدم الطا ... ئف في سلنين في منديل ختمت كلّ سلّة بحديد ... وسيور قددن من جلد فيل في جراب في جوف تابوت موسى ... والمفاتيح عند إسرافيل وقال بعضهم: فتىً لو أدخل الحمّام حولاً ... وحولاً بعد أحوال كثيره وألبس ألف فرو بعد فرو ... ولحفاً حشوها قطن الجزيره وواقدت الجحيم عليه حتّى ... تصير عظامه مثل الذريره لما عرقت أنامله لبخل ... بعشر عشير معشار العشيره وقال ابن الرومي: فتىً على خيره ونائله ... أشفق من والد على ولده رغيفه منه حين تسأله ... مكان روح الجبان من جسده وقال بعضهم وهو لطيف: عوَّذ لمّا بتُّ ضيفاً له ... أقراصه منّي بياسين وعوّذ الماء بسمر القنا ... وبالأفاعي والثعابين وظريف قول بعضهم: ابا سعيد لنا في شاتك العبر ... جائت وما أن لها بولٌ ولا بعر وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمر والقمر وقال بعض الأُدباء: ويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... ولم ير مثل الجود للعرض حارسا وقال البحتري: أبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح في فرط إعجابه ولا في فراهة برذونه ... ولا في نظافة أثوابه ولكنّه في الفعال الكريم ... والخطر الأشرف ألنابه رأيتك تهوي اقتناء المديح ... وتسهل مقدار إيجابه لئن كنت أنحله الأكرمين ... فما أنت أوّل أربابه وإنْ أتطلّب به نائلاً ... فلست مليّاً بأطلابه

стр. 68

وإنْ أتصدّق به حسبةً ... فإنّ المساكين أولى به وقوله أيضاً: الله يسهر في مديحك ليله ... متململاً وتنام دون ثوابه يقظان ينتخب الكلام كأنّه ... جيش لديه يريد أن يلقى به فأتى به كالسيف رقرق صيقل ... مابين قائم سنخه وذبابه فجبهته حتّى تخيل أنّه ... هاج أتاك بشتمه وسبابه وممّا ينظم إلى البخل الإخلاف في المواعيد والمطل، بل عدّه بعضهم أقبح منه فقال: ألأم من البخل، لأنّ من لم يفعل المعروف لزمه ذمّ اللؤم وحده، ومن وعد وأخلف لزمه ثلاث مذمّات: ذمّ اللّؤم وذمّ الخلف وذمّ الكذب. كتب العتابي إلى بعض أهل السلطان: أمّا بعد؛ فإنّ سحائب وعدك أبرقت فلين وابلها سالماً من علل المطل. وقيل: الوعد نافلة والإنجاز فريضة. وقيل: الوعد مرض المعروف، والإنجاز برؤه، والمطل تلفه. وقيل: خلف الوعد خلق الوغد. قال بعض الشعراء: فما أقبح الخلف بعد المقال ... وما أسمج الخلف بالباخلينا وقالت الحكماء: لا مريحة، خير من نعم نجيحة. وقالوا: المطل مفسدة للصنيعة. وقالت الحكماء أيضاً: الخلف ماحي شرف الكرام ومعف لرسول الجود، وهو أقصى مراتب اللؤم، وفاعله قد باء بغض من الله. قال الشاعر: فإن تجمع الآفات فالبخل شرُّها ... وشرٌّ من البخل المواعيد والمطل وقال أبو نؤاس: وعدتني وعدك حتّى إذا ... أطعمتني في كنز قارون جئت من الليل بغسّالة ... تغسل ما قلت بصابون وقال آخر: يحتاج من يرتجي نوالكم ... إلى ثلاث بغير تكذيب كنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوح وصبر أيّوب وقال آخر: إنّ أبا أيّوب في فعله ... مؤيّدٌ بالحجج البالغه ما فيه من عيب سوى أنّه ... يدهن من قارورة فارغه لو غيره أخلفني موعداً ... أتته منّي عقربٌ لادغه لا يقدر الأعشى على نقضها ... ولا امرء القيس ولا النابغه وما أحلى قول الصفي الحلّي وفيه حسن التعليل وهو: وعدت جميلاً فأخلفته ... وذلك بالحرّ لا يجمل وقلت بأنّك لي ناصر ... إذا قابل الجحفل الجحفل وكم قد نصرتك في كرَّة ... تكسر فيها القنا الذبل ولست أمنُّ بنفعي عليك ... فأعجب بالقول إذ أعجل كما قاله الباز في عزّه ... به حين فاخر البلبل وقال أراك جليس الملوك ... ومن فوق أيديهم تحمل وأنت كما عملوا صامت ... وعن بعض ما قلته تنكل وأحبس مع أنّني ناطق ... وحالي عندهم مهمل فقال صدقت ولكنّهم ... بذا عرفوا أيّنا الأكمل لأنّي فعلت وما قلت قط ... وأنت تقول ولا تفعل وقال الآخر: وعدلك لا ينقضي له أمد ... ولا لليل المطال منك غد عللتني بالمنى غداً فغداً ... إنّ غداً سرمدٌ هو الأبد ومن الغايات في هذا الباب قول عمّي المهدي طاب ثراه وأظنّه لم يسبق إليه: وقلت خذ في الحشر ما وعدته ... ترغم به اليوم أنوف الحسد فقمت من آخرتي أنقل لل ... دنيا عطاياً فضلها لم يجحد وقولي في غرض لي: قالوا طريق الكرخ سمحٌ فلمْ ... تشكو أذى السير اشتكاء العليل قلت نعم سمحٌ ولكنّه ... أبعد من انجاز وعد البخيل إنتهى ما أردنا ذكره من ذلك، وفيما أوردناه كفاية للطالب ومقنع للراغب، ولنشرع بذكر الأبواب. الباب الأوّل في قافية الألف وتشتمل على فصول فصل في المديح قلت فيه هذه المقطوعة: أنجوم بنورها يستضاء ... نثرتها بأفقها العلياء أم مزاياً تودُّ لو أنَّ منها ... فصّلت نظم عقدها الجوزاء مكرمات بنشرها الفضل يحيى ... لكريم لولاه مات الرجاء لا تقس واصلاً بمن كلّ يوم ... واصلٌ منه للوفود عطاء كرماً تستهلُّ في كلّ قطر ... من غواديه ديمة وطفاء يا مطيب القرى إذا مااقشعرّت ... ببني الدهر شتوة غبراء أين من يرتقي لعلياك منهم ... وهم في الهبوط عنك سواء وسماءٌ تظلّهم وهي أرض ... لك لكنّها عليهم سماء إنّ هذي الدنيا يشعّ عليها ... رونق منك رائق وبهاء

стр. 69

قد زهت بالزورا لأنّك فيها ... فهي عين لها وأنت الضياء لك يا ما أرقّ طبعك حلم ... هو في الخطب صخرة صمّاء وسجاياً تنفّس الروض منها ... عن نسيم تطله الأنداء أقول: فأمّا الفضل فذكره ابن خلّكان قال: هو الفضل ابن يحيى ابن خالد البرمكي، كان من أكثر البرامكة كرماً مع كرمهم وسعة جودهم، وكان أكرم من أخيه جعفر، وكان أخوه جعفر أبلغ في الرسائل والكتابة منه، وكان هارون الرشيد قد ولاّه الوزارة قبل جعفر، وأراد أن ينقلها إلى جعفر فقال لأبيهما يحيى: يا أبتي، وكان يدعوا الفضل يا أخي، فإنّهما متقاربان في المولد، وكانت أُمّ الفضل قد أرضعت الرشيد واسمها زبيدة، من مولدات المدينة، والخيزران أُمّ الرشيد أرضعت الفضل، فكان أخوين من الرضاع، وفي ذلك قال مروان بن أبي حفصة يمدح الفضل: كفى لك فضلاً أنّ أفضل حرّة ... غذّتك بثدي والخليفة واحد لقد زنت يحيى في المشاهد كلّها ... كما زان يحيى خالداً في المشاهد قال الرشيد ليحيى: قد احتشمت من الكتابة في ذلك إليه فاكفنيه، فكتب إلى الفضل ولده: قد أمر أميرالمؤمنين بتحويل الخاتم من يمينك إلى شمالك، فكتب إليه الفضل: قد سمعت مقالة أميرالمؤمنين في أخي وأطعت، وما انتقلت عنّي نعمة صارت إليه، ولا عزبت عنّي رتبة طلعت عليه. فقال جعفر: لله أخي ما أنفس نفسه وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل فيه وأوسع في البلاغة ذرعه. وكان الرشيد قد جعل ولده محمّداً في حجر الفضل بن يحيى، والمأمون في حجر جعفر، فاختصّ كلٌّ منهما بمن هو في حجره. وكان أبوالهول الحميري قد هجا الفضل، ثمّ أتاه راغباً إليه، فقال له: ويحك بأيّ وجه تلقاني؟ فقال: بالوجه الذي ألقى به الله عزّوجلّ وذنوبي إليه أكثر من ذنوبي إليك، فضحك ووصله. ومن كلامه: ما سرور الموعود بالفائدة كسروري بالإنجاز. وأمّا أبوه: فكان وزير هارون الرشيد، وكان جدّهم برمك من مجوس بلخ وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران، واشتهر برمك وبنوه بسدانته، وكان برمك عظيم المقدار عندهم، وساد ابنه خالد وتقدّم في الدولة العباسيّة وتولّى الوزارة لأبي العبّاس. وأمّا واصل بن عطاء ويُكنّى أبا حذيفة كان معتزليّاً يعرف بالغزّال مولى بني ضبه، وقيل: مولى بني مخزوم. وقال المبرّد في الكامل: لم يكن واصل بن عطاء غزّالاً ولكنّه كان يلقّب بذلك لأنّه كان يلازم الغزّالين ليعرف المتعفّفات من النساء فيجعل صدقته لهنّ. وقال السيّد المرتضى: قيل إنّه كان مولىً لبني هاشم وإنّما لقّب بالغزّال لأنّه كان يكثر الجلوس في الغزّالين عند رضيع له يعرف بأبي عبد الله الغزّال، فلقّب بالغزّال كما لقّب أبو سلمة حفص بن سليمان بالخلاّل، وهو وزير أبي العبّاس السفّاح قبل خالد بن برمك، ولم يكن أبو سلمة خلاّلاً وإنّما كان منزله بالكوفة بقرب الخلاّلين، فكان يجلس عندهم فسمّي خلاّلاً. وقال أبو عبّاس المبردّ: كان واصل بن عطاء ألثغاً قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلّص كلامه منها ولا يفطن لذلك لاقتدراه على الكلام وسهولة ألفاظه، وكان يضرب به المثل في إسقاط حرف الراء من كلامه، وقد استعمله الشعراء في أشعارهم كثيراً، فمنه قول أبي محمّد الخازن من جملة قصيدة يمدح بها الصاحب ابن عبّاد وذلك قوله: نعم تجنّب لا يوم العطاء كما ... تجنّب ابن عطاء لثغة الراء وقال آخر في محبوب له وكان ألثغاً: أعدْ لثغةً لو أنّ واصل حاضرٌ ... ليسمّعها ما أسقط الراء واصل وقال آخر: أجعلت وصلي الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتّى كأنّك واصل وقيل: إنّ رجلاً قال لواصل: كيف تقول أسرج الفرس؟ فقال: ألبد الجواد. وقال له آخر: كيف تقول ركب فرسه وجرّ رمحه؟ فقال: استوى على جواده وسحب عامله. وقال بعضهم فيه: ويجعل البرَّ قمحاً في تصرّفه ... وخالف الراء حتّى احتال للشعر ولم يطق مطراً والقول يعجله ... فعاذ بالعيث إشفاقاً من المطر

стр. 70

أقول: وقد اشتملت هذه المقطوعة على نوع من أنواع التوجيه، والتوجيه هو: إيراد الكلام محتملاً لوجهين مختلفين، من قولهم: كلام موجّه إذا كان له ظاهر وباطن، فكأنّه ذو وجهين؛ فالنوع الذي أشرنا إليه بأنّ هذه المقطوعة اشتملت عليه هو في قولنا فيها: مكرمات بنشرها الفضل يحيى ... لكريم لولاه مات الرجاء لا تقس واصلاً بمن كلّ وقت ... واصلٌ منه للوفود عطاء فلفظة "النشر" تحتمل معنيين هاهنا: أحدهما: النشر الذي هو خلاف الطيّ، والمراد به الإذاعة، من نشر الخبر إذا أذاعه. وثانيهما: النشر الذي هو الإحياء بعد الموت، وليست هذه اللفظة من التوجيه بشيء، وإنّما جيء بها لمناسبة الألفظ التي وقع فيها التوجيه، وهذا النوع يسمّى التوجيه بأسماء الأعلام، كما سيأتي، لأنّ لفظة "الفضل، ويحيى، وواصل، وعطاء" تحتمل معنيين: أحدهما العلميّة، وثانيهما: الفضل الذي هو خلاف النقص، ويحيى: الفعل من الحيوة الذي هو ضدّ يموت، وواصل: إسم فاعل الاُولى من وصله، والثانية: من وصل إليه، وعطاء: هو الإسم من أعطاه. إذا تقرّر هذا فنقول: إنّ التوجيه قد يكون باستعمال ألفاظ أهل صناعة معلومة فيكون ظاهره تلك الصناعة وباطنه غيرها، وقد يكون بإيراد الكلام يحتمل المدح والذم، كقول ابن هاني الأندلسي: لا يأكل السرحان شلوَ طعينهم ... ممّا عليه من القنا المتكسّر فإنّه يحتمل المدح ويكون المقتول منهم والرماح لأعدائهم، ويحتمل الذمّ ويكون المقتول من أعدائهم والرماح لهم، ومثله قول الآخر: بارك الله للحسن ... ولبوارن في الختن يابن هارون قد ظفرت ... ولن ببنت مَنْ فلا يُعْلَم ما أراد ب "بنت مَنْ" في الرفعة أو الحقارة. وقد يكون بإيراد كلام يحتمل الدعاء له والدعاء عليه، كقول من قال: خاط لي عمروٌ قباء ... ليت عينيه سواء قلت شعراً ليس يُدرى ... أمديح أم هجاء فهو يحتمل تمنّي العوراء أن تكون صحيحة أو بالعكس. وقائل هذا بشار بن برد، يُروى أنّه فصّل قباءً عند خيّاط أعور اسمه زيد أو عمرو، فقال له الخيّاط على سبيل العبث به: سآتيك به لا تدري أهو قباء أم فرّاجة، فقال له: إن فعلت ذاك لأنظمنّ فيك بيتاً لا يعلم أحد ممّن سمعه أكان لك أم عليك، ففعل الخيّاط، فقال هو البيت. ومثله ما حكاه ميمون بن مقرون قال: تقدّم جعيفران الموسوس إلى يوسف الأعور القاضي بسرّ من رأى لحكومة في شيء كان في يده من وقف له، فدفعه عنه وقضى عليه، فقال: أراني الله أيّها القاضي عينيك سواء، فأمسك عنه وردّه إلى داره، فلمّا رجع أطعمه ووهب له دراهم ثمّ دعا به فقال له: ماذا أردت بدعائك؟ أردت أن يردّ الله عَلَيّ من بصري ما ذهب؟ فقال له: والله لئن كنت وهبت لي هذه الدراهم تسخر بي وإنّي لأسخر منك لأنّك أنت المجنون لا أنا، أخبرني كم من أعور رأيته عمي؟ فقال: كثير، قال: فهل رأيت أعوراً صحّ قط؟ قال: لا، قال: فكيف توهّمت عَلَيّ الغلط، فضحك منه وصرفه. وقال محمّد بن عبد الله بن سنان الخفاجي في كتابه: إنّه ينبغي أن لا يُستعمل في الكلام المنظوم والمنثور ألفاظ المتكلّمين والنحويين والمهندسين ومعانيهم، ولا الألفاظ التي يختصّ بها بعض علوم الهيئة وغيرها، لأنّ الإنسان إذا خاض في علم وتكلّم في صناعة وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة، ثمّ مثّل ذلك بقول أبي تمام: مودّة ذهبت أثمارها شبهٌ ... وهمّة جوهرٌ معروفها عرض وبقوله أيضاً: خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلعّب الأفعال بالأسماء

стр. 71

واعترضه ابن الأثير في المثل السائر فقال: إنّ الذي أنكره ابن سنان هو عين المعروف في هذه الصناعة، إنّ الذي أنكره منه هو الذي يشتهيه قلبي. وقال: إنّما قوله: إنّه يجب على الإنسان إذا خاض في علم أو تكلّم في صناعة أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة فهذا مسلّم لكنّه شذّ عنه أنّ سناعة المنظوم والمنثور مستهدفة من كلّ علم وكلّ صناعة، لأنّها موضوعة على الخوض في كلّ معنى وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر له يحصره، فإذا أخذ مؤلّف الشعر أو الكلام المنثور في صوغ معنىً من المعاني وأدّاه ذلك إلى استعمال معنىً فقهي أو نحوي أو خيالي فليس له أن يتركه ويحيد عنه لأنّه من مقتضيات ذلك المعنى الذي قصده، ألا ترى إلى قول أبي تمام في الإعتذار: فإن يك جرم عنَّ أوْ تكُ هفوة ... على خطإ منّي فوزري على عَمَد فإنّ هذا أحسن ما يجيء في باب الإعتذار عن الذنب، وكان ينبغي له على ما ذكره ابن سنان أن يترك ذلك ولا يستعمله حيث فيه لفظتا الخطأ والعمد اللتان هما من أخصّ ألفاظ الفقهاء، وكذلك قول أبي الطيب المتنبّي: ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا علم الحساب مقدّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا وهذا من المعاني البديعة وما كان ينبغي لأبي الطيب أن يأتي في مثل هذا الموضع بلفظة فذلك التي هي من ألفاظ الحساب، بل كان يترك هذا المعنى الشريف الذي لا يتمّ إلاّ بتلك اللفظة موافقةً لابن سنان فيما رآه وذهب إليه، وهذا محض الخطأ وعين الغلط، إنتهى. وأجاب ابن الأثير أيضاً عن البيت الأوّل الذي أنكره ابن سنان على أبي تمام بأنّه ليس منكراً لما استعمل فيه من لفظتي الجوهر والعرض اللتين هما من خصائص ألفاظ المتكلّمين، بل إنّه ركيك في نفسه لتضمّنه لفظة الشبه فإنّها عامية ركيكة وهي التي استخفّت في البيت، وعن البيت الثاني بأنّه ليس بمنكر وهل يشكّ في أنّ التشبيه الذي تضمّنه واقع في موقعه، ألا ترى بأنّ الفعل ينقل الإسم من حال إلى حال وكذلك الخمرة تفعل في العقول في تنقّل حالاتها. رجعٌ إلى ذكر بقيّة أنواع التوجيه وأمثلتها: فمن ذلك التوجيه بقواعد النحو. قال بعض المتأخّرين: عوامل رزق أعملت لغة الردى ... فجسم له خفض ورأس له نصب وقال أمين الدين علي السليماني: أضيف الدجى معنىً إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خصَّ بالجرّ وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر وكان بالعراق عاملان: أحدهما اسمه عمر، والآخر اسمه أحمد، فعزل عمر عن ولايته واستقرّ مكانه أحمد لمال قدّمه، فقال بعض الشعراء: أيا عمر استعدَّ لغير هذا ... فأحمد في الولاية مطمئن فإنّك فيك معرفة وعدل ... وأحمد فيه معرفة ووزن ومثله قول ابن عنين فيمن عزل عن وظيفته وكانت سيرته غير مشكورة: شكى ابن المؤيّد من عزله ... وذمّ الزمان وأبدى السفه فقلت له لا تذمّ الزمان ... فتظلم أيّامه المنصفه ولا تغضبنَّ إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه ورشيق قول شرف الدين: أتيت حانة خمّار وصاحبها ... محارف متقن للنحو ذو لسن وحوله كلُّ هيفاء منعّمة ... وكلّ علق رشيق أهيف حسن فقال لي إذ رأى عيني قد انصرفت ... إلى النساء كلام الحاذق الفطن أنّث وركّب وصف واعدل بمعرفة ... واجمع وزد واسترح من عجمة وزن وبديع قول الشهاب: وإذا الثنية أشرقت وشمّمت من ... أرجائها أرجاً ونشر عبير سل هضبها المنصوب أين حديثها ... المرفوع عن ذيل الصبا المجرور وقول الصفي الحلّي في رياض الممطور: إن جزت بالممطور مبتهجاً به ... ونظرت باطن دوحه الممطور وأراك بالآصال خفق هوائه ال ... ممدود تحريك الهوى المقصور سل بانّه المنصوب أين حديثه ... المرفوع عن ذيل الصبا المجرور وظريف قول بعضهم: عرّج بنا نحو طلول الحمى ... فلم تزل آهلة الأربع حتّى نطيل اليوم وقفاً على ال ... ساكن أو عطفاً على الموضع وقول أبي الفتح البستي: عزلت ولم أذنب ولم أك خائناً ... وهذا لإنصاف الوزير خلاف

стр. 72

حذفت وغيري مثبت في مكانه ... كأنّي نون الجمع حين يضاف وقوله أيضاً: أدرجت في أثناء نسيانكم ... حتّى كأنّي ألف الوصل وقوله أيضاً: أفدي الغزال الذي في النحو كلّمني ... مناظراً فاجتنيت الشهد من شفته وأورد الحجج المقبول شاهدها ... محقّقاً ليريني فضل معرفته ثمّ افترقنا على رأي رضيت به ... والرفع من صفتي والنصب من صفته وما ألطف قول السرّاج الورّاق: كم أُناديك مفرداً علماً أر ... فعه عالماً بشرط المنادى وجوابي ملغىً يحاكي للولا ... خبر اللو وإنّه ما أفادا وظريف قول ابن العفيف: يا ساكناً قلبي المعنى ... وليس في سواك ثاني لأيّ معنىً كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان قال الصلاح الصفدي: وهذا المعنى فيه نقص لأنّ القلب ظرف لاجتماع الساكنين وحينئذ يكون الساكنان غير القلب، والكسر إنّما وقع على القلب لا على أحد الساكنين. قال صاحب المعاهد: ومن تأمّله حقّ التأمّل وجده موجّهاً، ثمّ قال: وقد ذكرت ذلك لجماعة من كبار المتأدّبين وما رأيت فيهم من تنبّه له. وفي معناه قول ابن شرف القيرواني في رجل عجز عن افتضاض عرسه: كم ذكر في الورى وأُنثى ... أولى من اثنين باثنتين أرى الليالي أتت بلحن ... لجمعها بين ساكنين وقول السراج الورّاق: يا ساكناً قلبي ذكرتك قبله ... أرأيت قبلي من بدى بالساكن وجعلته وفقاً عليك وقد غدا ... متحرّكاً بخلاف قلب الآمن وما أحسن قول ابن نباتة المصري: بكيت وما يجدي البكاء على العاني ... ولكنَّ تشتيت الأحبّة أشجاني كأنّ زماني خاف لحناً فلم يكن ... ليجمع بين الساكنين بأوطاني ولمحاسن الشوّاء: أرسل فرعاً ولوى هاجري ... صدغاً فأعيى بهما واصفه فخلت هذا حيّة خلفه ... تسعى وهذا عقرباً واقفه وللسليماني: نصبت على التمييز إنسان مقلتي ... أُشاهد قدّاً منه نصباً على الظرف ءأخشى فراقاً بعدها أو قساوة ... وقد جاء واو الصدغ للجمع والعطف ولصاحب المعاهد مثله: تطمعني في الوصل أصداغه ... حين تريني أحرف العطف ومن لطائف البهاء زهير قوله في هذا الباب: يقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منم وعوائدي ونظير ذلك مااتّفق لابن عنين وذلك أنّه مرض فكتب إلى الملك المعظّم عيسى بن الملك العال أبي بكر بن أيّوب صاحب دمشق: أُنظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي أنا كالذي احتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي فعاده الملك المعظم ومعه خمسمائة دينار وقال له: أنت الذي، وأنا العائد، وهذه الصلة. ومثله قول جعفر العلوي الأديب المصري: وافيت نحوكم لأرفع مبتدا ... شعري وأنصب خفض عيش أغبرا حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي ... أو تصرفوا من غير شيء جعفرا وقول الأمير أمين الدين السليماني: وإنّي الّذي أحببته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي وقول الآخر: لا تهجروا من لا تعوَّد هجركم ... وهو الذي بلبان وصلكم غذي ورفعتم مقداره بالإبتدا ... حاشاكم أن تقطعوا صلة الذي وقول الصفي الحلّي: لمّا رأت علياك إنّي كالّذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد وافيتني فوفيت لي بمكارم ... فنداك لي صلة وأنت العائد وقول ابن أبي حجلة: قطع الأحبّة عادتي من وصلهم ... فكان قلبي بالتواصل ما غذي وإذا سمعتهم في النحاة بعاشق ... منعوه من صلة له فأنا الذي وما ألطف قول محاسن الشوّاء: وكنّا خمس عشرة في التئام ... على رغم الحسود بغير آفه فقد أصبحت تنويناً وأضحى ... حبيبي لا تفارقه الإضافه وقول ابن العفيف التلمساني: ومستتر من سنا وجهه ... بشمس لها ذلك الصدغ في كوى القلب منّي بلام العذار ... فعرَّفني أنّها لام كي ولمحاسن الشوّاء أيضاً: لنا صديق له خلالٌ ... تعرب عن أصله الأخس

стр. 73

أضحت له مثل "حيث" كفٌ ... وددت لو أنّها "كأمس" ومثله قول أبي محمّد الواسطي: لنا صديق به انقباض ... ونحن بالبسط نستلذ لا يعرف الفتح في يديه ... إلاّ إذا ما أتاه أخذ فكفّه "أين" حين يعطي ... شيئاً وبعد العطاء "منذ" وقول السراج الورّاق: ومبخل بالمال قلت لعلّه ... يندى وظنّي فيه ظنٌّ مخلف مع الدراهم فيه جمع سلامة ... فأجابني لكنّه لا يصرف ومن التوجيه في علم العروض والنحو، قول السباسكوني يهجوا عروضياً نحوياً: لا تنكروا ما ادّعى فلان من ال ... شعر إذا قال أنّه شاعر فالنحو ثمّ العروض قد شهدا ... له على الشعر أنّه قادر يقصر ممدوده ويرفعه ... في الجرّ نصب الغرمول في الآخر يريك وهو البسيط دائرة ... تجمع بين الطويل والوافر وقال الآخر: أنا الذي مرضت شهراً كاملاً ... فما رأيت عائداً ولا صله لولا الوزير الصاحب الندب الذي ... نعماه لي من الأنام واصله شارف قلعاً وتدي وخاف قط ... عاً سببي وقلت هذي الفاصله ومن التوجيه في علم العروض، قول ابن سارة: وبي عروضيٌ سريع الجفا ... وجدي به مثل جفاه طويل قلت له قطعت قلبي أسىً ... فقال لي التقطيع شأن الخليل وقول نصرالله ابن الفقيه المصري: وبقلبي من الجفاء مديدٌ ... وبسيطٌ ووافرٌ وطويل لم أكن عالماً بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل وللسليماني: لا تعذلنّي في العروض ... ولو رأيت القصد جائر ... دارت عَلَيّ دوائرٌ ... فجهدت في فكّ الدوائر وله أيضاً: تقاطع صاحباي على هناة ... جرت بعد التصاون والتصافي ودا مالا يضمّها مكان ... كأنّهما معاقبة الزحاف ومن التوجيه في صناعة الكتابة، قول ابن الساعاتي: لله يوم في سيوط وليلة ... حلف الزمان بمثلها لا يغلط بتنا وعمر الليل في غلوائه ... وله بنور البدر فرع أشمط والطلُّ في تلك الغصون كلؤلؤ ... نظم يصافحه النسيم فيسقط والطير يقرؤ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط ومنه قول ابن لنكك البصيري: قف أُنظر إلى درّ السحاب كأنّه ... نثار وأحداق الأزاهير تلقطه إذا كتبت أيدي الرياض على الثرى ... بنور فأيدي الغيم بالقطر تنقطه وقول أبي زهير مهلهل بن نصر بن حمدان: ءأخا الفوارس لو شهدت مواقفي ... والخيل من تحت الفوارس تنحط لقرأت منها ما تخط يد الوغى ... والبيض تشكل والأسنّة تنقط وقال الصاحب ابن عباد يصف الوحل: إنّي ركبت وكفّ الأرض كاتبة ... على ثيابي سطوراً ليس تنكتم فالأرض محبرة والحبر من لثق ... والطرس ثوبي ويمنى الأشهب القلم وما أحسن قول ابن عبد الطّاهر: مفردٌ في جماله إذ تبدّى ... خجلت منه جملة الأقمار كيف أرجو الوفاء منه وعامل ... ت غريماً من لحظه ذاانكسار ذو حواش تلوح من قلم الري ... حان في خدّه لجلّ الباري فيه وجدي محقّق وسلوّي ... وكلام العذول مثل الغبار فلساني في وصفه قلم الشعر ... ورقي المكتوب بالطومار وبديع قول ابن جابر وذكر الأقلام السبعة: تعليق ردفك بالخصر الخفيف له ... ثلث الجمال وقدوفّته أجفان خدٌّ عليه رقاع الحسن قد خلعت ... وفي حواشيه للصدغين ريحان خطّ الشباب بطومار العذار به ... سطراً ففضاحه للناس فتّان محقّق نسخ صبري عن هواه ومن ... توقيع مدمعي المنثور برهان يا حسن ما قلم الأشعار خطّ على ... ذاك الجبين فلا يسلوه إنسان أقسمت بالمصحف السامي وأحرفه ... ما مرَّ بالبال يوماً عنه السلوان ولا غبار على حبّي فعندك لي ... حساب شوق له في القلب ديوان ومن التوجيه في علم الرمل، قول البهاء زهير: تعلّمت علم الرمل لمّا هجرتني ... لعلّي أرى شكلاً يدلّ على الوصل فقالوا طريق قلت يا ربّ للوفا ... وقالوا اجتماع قلت يا ربّ للشمل وقول ابن مطروح:

стр. 74

حلا ريقه والدرّ فيه منضد ... ومن ذا رأى في العذب درّاً منضدا رأيت بخدّيه بياضاً وحمرةً ... فقلت لي البشرى اجتماع تولّدا ومن التوجيه في علم الهندسة، قول ابن جابر أو العلوي المصري في مليح مهندس: محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأنّ به أقليدساً يتحدّث فعارضه خطّ استواء وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلّث وقول ابن النبيه في صبي يشتغل بالهندسة: وبي هندسي الشكل يسبيك لحظه ... وخال وخدّ بالعذار مطرّز ومذ خطّ بيكار الجمال عذاره ... كقوس علمنا أنّما الخال مركز وقول ابن التلميذ أو أبي علي المهندس المصري: تقسّم قلبي في محبّة معشر ... بكلّ فتىً منهم هواي منوط كان فزادي مركزٌ وهم له ... محيط وأهوائي إليه خطوط وظريف قول بعضهم: لمّا انثنى وهو البسيط تبيّنت ... لي منه دائرةٌ كحلقة خاتم ورأيت في الشكل المدوّر نقطة ... فحللت مركزها بخطٍّ قائم وقول ابن هشام بن أحمد: قد بيّنت فيه الطبيعة أنّها ... ببيديع أعمال المهندس باهره عبثت بمبسمه فخطّت فوقه ... بالمسك قوساً من محيط الدائره ومن التوجيه في علم النجوم، قول ابن جابر: يا حسن ليلتنا التي قد زارني ... فيها فأنجز ما مضى من وعده قومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خدّه وقول الأرجاني أيضاً: معقرب الصدغ يحكي نور غرّته ... بدراً بدا في سواد الليل معتجرا مذ سافر القلب من صدري إليه هوىً ... ما عاد بعد ولم أعرف له خبرا وهو المسيء اختياراً إذ نوى سفراً ... وقد سرى طالعاً في العقرب القمرا ومن التوجيه في علم الموسيقيا، قول البدر بن لؤلؤ الذهبي: وبمهجتي المتحمّلون عشيّة ... والركب بن تلازم وعناق وحداتهم أخذت حجازا بعد ما ... غنّت وداء الركب بالعشّاق ومن التوجيه اللطيف، قول ابن نباتة المصري في أسماء متنزّهات دمشق: يا حبّذا يومي بوادي جلق ... ونزهتي مع الغزال الحالي من أوّل الجبهة قد قبّلته ... مرتشفاً لآخر الخلخالي ومن التوجيه في بعض الأسماء، قول القاضي مجدالدين بن عبد الظاهر يصف نهراً صافياً في روضة نزهة: إذا فاخرته الريح ولّت عليلة ... بأذيال كثبان الربى تتعثّر به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر وقول ابن الوردي في بعض أسماء الأعلام: رأسي بها شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب وقول الآخر: أرح ناظري من عابس الوجه يابس ... له خلق صعب ووجه مقطب أقول له إذ آيستني صفاته ... وإن قيل إنّي في المطالع أشعب متى يظفر الآتي إليك بسؤله ... وينجح من مسعاه قصد ومطلب ولؤمك سيّار وبشرك باسر ... ووجهك عبّاس وخلقك مصعب وقول الوداعي: من أمَّ بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن فالعين عن قرّة والكفّ عن صلة ... والقلب عن جابر والسمع عن حسن فإنّ هذا البيت يصدق على المعنى الواحد وهو أسماء الأعلام من رواة الحديث، وعلى المعنى الآخر وهو المناسبة بين العين والقرّة والكف والصدر والقلب والجبر والسمع والحسن. وقول صاحب المعاهد: بأبواب الكرام وضعت رحلي ... لكي يروى بفيض الجود محلي ومن أضحى نزيل المجد يحيى ... بجعفر فضله السامي المحل وقوله أيضاً: ومن هو بحرٌ لا يقاس بفضله ... ربيعٌ وكم يحيى إذا جاء جعفر ومن هذا القسم قولنا في هذه المقطوعة المصدّر بها هذا الباب: مكرمات بنشرها الفضل يحيى ... لكريم لولاه مات الرجاء لا تقس واصلاً بمن كلّ وقت ... واصل منه للوفود عطاء

стр. 75

ومن ذلك عدّة توجيهات في بعض الأسماء قلتها مقرضاً على الكتاب الموسوم بالروض الخميل فيما قيل من النظم والنثر في بني جميل وهم أجلّ قوم أمجاد من أكابر أهل بغداد، فنثرت هذه الفصول ونظمت معها أبياتها الباهرة الفائقة بمحاسنها الوافرة، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الروض الخميل، المتضوّع في نشر ذكر آل الجميل، تزهو به كلّ زهرة، ما زهى مثلها على صفحتي نهر المجرّة، وتتمنّى رعي نرجسه الغزالة، ويودّ المشتري أن يبتاع حلّة وشيه بالنثرة، وأنّى له. روض بدا بين الأنام زاهراً ... لسحب جود بالندى تدبّجه فزهرة نعوت أخلاقهم ... ووصف طيب الأصل منهم أرجه كأنّما نثرت فيه، أو نظمت سلك قوافيه، كلّ حبّة قلب فهو إلى كلّ قلب محبّب، فما دمية القصر بين الأتراب، تنشد الأغاني في مغاني منازل الأحباب وتعاطي نداماها السلافة ممزوجة لهم بالغيث الذي انسجم، مشفوعةً لهم بمستظرف النغم، ولا يتيمة الدهر مجلوةً في المعاهد، حاليةً بدرر الفوائد وغرر القلائد، بأزهى من أوانس فقره، وأبهى من عرائس أشطره، ولعمري إنّه ليجب على من هو مسلم إذا نظر فيه أن يكون صريع غوانيه فينشىء مطرياً، وينشد معجباً: هذا كتاب أم حديقة روضة ... تنتزّه الأحداق في أورادها وتودّ لو شرت العيون بياضه ... وسواده ببياضها وسوادها نظمت به غرر الكلام مصاقع ... روح الفصاحة قام في أجسادها غرراً بدت كالشهب إلاّ أنّها ... بزغت بليل من سواد مدادها لو شنّف الشادي الحمام بها إذاً ... خلعت له الأطواق من أجيادها يهوى فؤاد المرء يغدو مسمعا ... ليحوز حظّ السمع من إنشادها لفظ أرقُّ من الصبا وفخامةً ... معناه تحسب قدّ من أطوادها دع ما يزخرفه الربيع وإن زهت ... أزهاره بين الربا ووهادها وتصفّح الروض الخميل رغبةً ... لتراه تنسى العين طيب رقادها تحظى بكلّ طريفة من حسنها ... غدت العقول العشر من روّادها ويعدّ من آل الجميل مناقباً ... تهوى النجوم تكون من أعدادها وممّا جاء من التوجيه في قواعد الفقه، قول القاضي شرف الدين المقدسي وتلطّف ما شاء: أحجج إلى الزهر لنحظى به ... وارم جمار الهمّ مستنفرا من لم يطف بالزهر في وقته ... من قبل أن يحلق قد قصّرا وقال آخر: كم ليلة فيها وصلنا السرى ... لا نعرف الغمض ولا نستريح واختلف الأصحاب ماذا الذي ... يزيل من شكواهم أو يريح فقيل تعريسهم ساعةً ... وقيل بل ذكراك وهو الصحيح ومن التوجيه في الحديث، قول ابن جابر الأندلسي: قالت أعندك من أهل الهوى خبر ... فقلت إنّي بذاك العلم معروف مسلسل الدمع من عينيَّ مرسلة ... على مدبج ذاك الخدّ موقوف وقوله أيضاً: عارضوا مرسل الظلام بنقل ... مسند عن حسان تلك الفروع عدلوا في رواية الحب جفني ... مع جرح الدموع عند الهموع عنعنوا نقل لوعتي عن دموعي ... عن جفوني عن قلبي الموجوع وقول الشيخ عبد علي الحويزي: بحبّك آحاد الهموم تواترت ... عَلَيّ فدمعي مستفيض بها انهمر يسلسل في خدّي مراسيله التي ... يضعّفها الشوق الذي صحّح الخبر ومن التوجيه في أسماء السور، قول السراج الورّاق: كلّ قلب عَلَيّ كالصخر ملآن ... وهيهات أن تلين الصخور مغلق الباب ما تلا سورة الفتح ... وقافٌ من دونه والطور وقول أبي الحسين الجزّار: أشكو لعدلك جور دهر جائر ... فضلّت به فضلائه الجهّال منعت به عقلاؤه إذ قسّمت ... بالجور في أنعامه الأنفال وقول المولى الفاضل علي بن مليك: ألا يا بني الروم القتال فدونكم ... فإنّا تدرّعنا الحديد إلى الحشر ولا زال آي الفتح تتلوا رماحنا ... وأسيافنا نتلوا بها سورة النصر ولصاحب المعاهد: واقعةٌ قد صار منها تغابن ... على الروم لا ينفكّ أو يحصل الحشر لقد سمعوا وقع الحديد فلا ترى ... لهم همّة نحو القتال ولا كرّ وم التوجيه في الحكمة، قول الشيخ عبد علي الحويزي: أثبتَّ بالوصل الرقاد لناظري ... وشفّعت ذاك له بهجر زائد
следующие страницы →