Полный текст (144 стр.). Показаны 106–144 · переход к 111.
стр. 106
من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ... الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناء وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذا أق ... بل يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حي إلى الممات يصير
شعراء النسيب في العصر الجاهلي
وهم كثيرون ومنهم: المرقش الأكبر ٥٥٢ م، وعبد الله بن العجلان ٥٦٦ م، ومالك، وعنترة، ومسعود بن خراشة التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنظور بن زبان الفزاري.
ولهم شعر رائع وقصائد كثيرة قصروها على الغزل وحده كما في قصيدة المرقش الأكبر: سرى ليلا خيال سليمى.
وقد يبدو أن نسيب فن إسلامي بدأه عمر بن أبي ربيعة وجميل وكثير وطبقتهم، والحقيقة أن هؤلاء كانوا يحتذون مثالاً لمن تقدمهم، وما أظن أحداً بلغ من صفة النساء ما بلغ النابغة حين سأله النعمان أن يصف امرأته المتجردة، أو ما بلغ المنخل اليشكري والمرار العدوي وسويد بن أبي كاهل وشعر المرقشين الأكبر والأصغر وعبد الله بن العجلان النهدي وقيس بن الحدادية، ممن صدقوا الحب ونسبوا في لفظ عفيف ومعنى نزيه مشهور معروف.. قال المرقش الأكبر:
سرى ليلا خيال من سليمى ... فأرقني أصحاب هجود
فبت أدير أمري كل حال ... وأرقب أهلها وهم بعيد
على أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الآرطي وقود
حواليها مهاجم التراقي ... وآرام وغزلان رقود
نواعم لا تعالج بؤس العيش ... أوانس لا تروح ولا ترود
يرحن معاً بطاء المشي بدا ... عليهن المحاسد والبرود
سكن ببلدة وسكنت أخرى ... وقطعت المواثق والعهود
فما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد
ورب أسيلة الخدين بكر ... منعمة لها فرع وجيد
وذو أشر شتيت النبت عذب ... نقي اللون براق برود
لهوت بها زماناً من شبابي ... وزارتها النجائب والقصيد
أناس كلما أخلقت وصلا ... عناني منهم وصل جديد
وقال:
نواعم أبكار سرائر بدن ... حسان الوجوه لينات السوالف
يهدلن في الآذان كل مذهب ... له زبد يعيان به كل واصف
قصرن شقيا لا يبالين غيه ... يعوجن من أعناقها بالمواقف
نشرن حديثاً آنساً فوضعته ... خفيضا فلا يلغى به كل طائف
ولعبد الله بن العجلان:
ألا أبلغا هند أسلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف
ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف
أنت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف
أشارت إلينا في خفاء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف
وقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعتف
وقال:
خليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقى في التعجل أم رشدا
ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
وقال قيش بن الحدادية من قصيدة طويلة:
أجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع
قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع
وقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راء وسامع
وظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع
فقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى إلا لذي العهد قاطع
وقد يلتقي بعد الشتاء أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع
ومنها:
كأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع
يحث بهم حاد سريع نجاؤه ... ومعرى عن الساقين واللوب واسع
стр. 107
فقلت لها يا نعم حلى محلنا ... فإن الهوى يا نعم والعيش جامع
فقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع
فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
فشدت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامع
وإني لعهد الود راع وإنني ... بوصلك مالم يطوني الموت طامع
فنصيب هذا العصر من النسيب كما رأيت أوفر وأجود مما توهم الأدباء، وهو أصل ينتمي إليه بارع النسيب الإسلامي من قريب.
لبيد بن ربيعة
حياته وشعره
لبيد بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة، وهي قبيلة مضرية، وأمه من بني عبس. كان في الجاهلية شريفاً جواداً شجاعاً شاعراً وقد أدرك الإسلام وأسلم، وعمر طويلاً حتى مات في خلافة معاوية عام ٤١هـ. وأكثر شعره قاله قبل الإسلام، فلما أسلم لم يقل إلا قليلا.
وهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية ولاسيما في معلقته التي مطلعها:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمن تأبد غولها فرجامها
ويظهر أنه قالها في شبابه وهي تمثل الشعر البدوي في متانته وقوته.
وفي شعره بعد ذلك - وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على مايظهر - أثر الحكمة وقوة الشعور الديني كزهير، مثل قوله:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعدما هو ساطع
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوماً أن ترد الودائع
وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبنى، وآخر رافع
وقصيدته التي مطلعها:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نفيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وقصيدته:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل
أحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ماشاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل
وكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصرا وآخرهم موتا.
وشعر لبيد مثال للفخامة والقوة والمتانة والبداوة فتراه فخم العبارة قوي اللفظ قليل الحشو مزدانا بالحكمة العالية والموعظة الحسنة.
ولبيد من أحسن الجاهليين تصرفا في الرثاء وفخره قوي ينم عن شرفه وعزته ومجده وحسبه العريق. وقال فيه رسول الله ﷺ : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله باطل".
وقد نظم لبيد الشعر في جاهليته وجرى به على سنن الأشراف والفرسان كعنترة وعمرو بن كلثوم فلم يتكسب بشعره ولذلك ترى فيه ولاسيما معلقته قوة الفخر والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم وإيواء الجار وعزة القبيلة، ولم ينظم شعراً بعد أن أسلم.
هذا ويقدم لبيد بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام وأقلهم لغواً في شعره، وقالت عائشة ﵂: رحم الله لبيدا ما أشعره في قوله:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
وكان لبيد جواداً شريفاً في الجاهلية والإسلام وقصص جودة كثيرة.
ديوان لبيد
شرحه السكري والشيباني والأصمعي وابن السكيت والطوسي. ولم يصل إلينا من ذلك كله إلا نصف شرح الطوسي في مخطوطة طبعها في فيينا يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي سنة ١٨٨٠ وفيها عشرون قصيدة هي الجزء الثاني من الديوان وقد صدرت بمقدمة عن الديوان والشاعر.
وكذلك عنى بالديوان المستشرق هوبر الذي طبعه في ليدن سنة ١٩٨١ ووضع مقدمة له في حياة لبيد، وأخرجه بإشراف بروكلمان.
ول معلقة لبيد شروح، وقد نشرها دي ساسي وقد ترجمها إلى الفرنسية أيضاً.
مصادر حياة لبيد
ترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع عشر، وابن قتيبة في الشعر والشعراء وذكره ابن سلام في طلبقات الشعراء والمرزباني في الموشح.
وترجم له صاحب كتاب "تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي"، والزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي، وأصحاب الوسيط والمفصل وسواهم. وترجم له أيضاً في سلسلة الروائع.
معلقة لبيد
стр. 108
لبيد بن ربيعة العامري من سادة العامريين القيسيين وأشرافهم وكان يقال لأبيه ربيعة المعتربن وعمه ملاعب الأسنة عامر بن مالك أخذ أربعين مرباعا في الجاهلية.
كان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وقال الشعر في الجاهلية في كل غرض، وأجرك الإسلام وأسلم وهجر الشعر وأقام بالكوفة إلى أن مات عام ٤١هـ مائة وسبع وخمسين سنة.
وسئل لبيد من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، ثم الشاب القتيل، ثم الشيخ أبو عقيل يعني نفسه. وهو من أصحاب المعلقات، وكان نظم لبيد الجاهلية فجم العبارة منضد اللفظ قليل الحشو مزداناً، فالحكمة العالية ثعات، وهو أحسن الجاهليين تصرفاً في الرثاء، وأكثرهم قدرة على تصوير عواطف المفجوع الحزين بلفظ رائق وألوب مؤثر، وقدمه بعض النقاد "لأنه أفضل الشعراء في الجاهلية والإسلام، وأقلهم لغواً في شعره".
ومعلقته لبيد تمتاز بقوة اللفظ ومتانة الأسلوب، وبما فيها من تصوير للبادية والحياة والأخلاق فيها.
أ - بدأها لبيد بذكر الديار وخلوها من أصحابها وتعرضها للرياح والأمطار تعبث بها ويمحو معالمها. قال:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمعنى تأبد غولها فرجامها
وجلا السيول عن الطول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها
ثم يصف رحيل أحبابه عنها، حتى يقول:
بل ما نذكر من "نوار" وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها
مرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فابن منك مرامها
وأخيراً، يرى لا أن يتسلى ويتعزى حتى يصل إلى رجائه وأمله، ولكن أن يقطع أمله منها ويترك رجاءه فيها ويقطع صلته بها مادامت نوار قد تغير وصلها:
فاقطع لبانة من تعرص وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
ب - ثم يأخذ في وصف ناقته في لفظ غريب وتعبير بدوي متين، ويطيل في هذا الوصف ويشبهها بالأتان الوحشية وبالظبية الرؤوم المفجوعة إلى أن يقول:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أرجية السراب كامها
أقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها
أولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
ج - ثم يتحدث عن نفسه وعزتها، ولذات الراح التي شارك فيها، وشجاعته وبطولته في مواقف النزال والنضال، وكرامه وسخائه، ونواله للجار الفقير والضيف النازل والجار الغريب وللبائسين والمساكين:
وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها
فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها
تأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها
د - ثم يفتخر بقومه ومآثرهم ورفهم ومجدهم فيقول:
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
فبنوا لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها
فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
أعشى قيس ٥٣٥ - ٦٢٩م
حياته
١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.
ولقب بالأعشى لضعف في بصره.
٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع
روي أنه دخل غاراً يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعاً.
وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.
стр. 109
٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شاباً فقيراً ماجناً يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:
قد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري
ويقول:
وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم
أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم
وكان تطوافه سبباً في كثرة معارفه وسعة ثقافته.
اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.
وكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.
قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعراً يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائباً عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق
فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.
ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.
٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:
إليك ... أبيت اللعن
كان كلالها
تروح مع الليل الطويل وتغتدي
ثم أنشده قصيدته:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا
ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوماً يريد وجهاً فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:
علقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص
فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص
стр. 110
فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلاً به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ماقاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:
علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر
ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي
وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
وبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وهي قصيدة رائعة.
ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.
وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلاً فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:
سريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري
قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهداً وأوثقهم ... عقداً أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري
هذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار
فاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار
فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.
ولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ ، مدحه بقصيدته التي أولها:
ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
وفيها يقول لناقته:
فأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا
نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا
فبلغ خبره قريشاً قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحداً قط إلا رفع قدره.
فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.
стр. 111
قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمداً وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله.
شعر الأعشى
١ - للأعشى ديوان شعر كبير طبع مراراً، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحداً من الشعراء أشعر من الأعشى فليس يعرف الشعر.
ومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب.
٢ - ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظاً فارسية لإقامته في الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق.
وأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس.
٣ - وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر والإجادة مع الطول.
ولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل وتضع الخامل الشريف.
ومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول ﷺ ، ويعدها بعضهم من المعلقات، ومطلعها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى
نبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا
ومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها:
صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليد حبل من تصل؟
أئن رأت رجلاً أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل
قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
إما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل
وقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
نازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل
لا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا
يسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل
ومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل
والساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل
من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل
أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل
كناطع صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
تغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل
لا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل
стр. 112
نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل
لا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوماً وتبتهل
سائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل
واسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل
إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا
قد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل
إني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل
لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل
لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل
لا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
السموأل بن عاديا
كان السموءل يهودياً مشهوراً بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت
بني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت
ومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب الحماسة، مطلعها:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
وكان للسموءل أخ شاعر أيضاً وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل الجيل السابع وكان معاصراً للأعشى، ويقال إنه توفي سنة ٥٦٠م.
حاتم الطائي
- ١ - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال "أجود من حاتم الطي" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة ٦٠٥م، وقبره بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعاً وكان رئيس القوم رجلاً يقال له أبو الخيبري فنام أيضاً، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكباً قارناً جملاً أسود فلحقهم وقال أيكم أبو الخبيرى فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتاً ورددها حتى حفظتها وهي:
أبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها
تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها
وإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها
وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا.
ولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم.
قال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ﷺ فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.
стр. 113
قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جواداً يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي.
ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه إليهم.
وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمه، فقال لي أنمت مراراً فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعاً فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج ناراً وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئا.
- ٢ - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... اكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد
عني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين.
ومن شعر حاتم أيضاً قوله:
وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها
ومن ذلك قوله أيضاً:
أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا
стр. 114
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال أيضاً:
أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم
وقال أيضاً:
ولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت
وقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت
عليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت
وقال أيضاً:
لا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام
وقال أيضاً:
وقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها
فقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها
وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر
وقال أيضاً:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر
أماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر
وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر
غنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر
فما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر
وله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة البصرية وغيرها.. وهي هذه:
وعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما
تلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما
فقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما
ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما
فإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما
أهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما
ولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما
يقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما
قليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما
وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما
ولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما
وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما
ولن يكسب الصعلوك حمداً ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما
لحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوساً ومغنما
стр. 115
ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما
مقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما
ولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما
إذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما
ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما
يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما
وعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن الأعرابي: جوده يشبه شعره.
وهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة.
وقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة ٤٥ ق. هـ.
- ٣ - ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ركباً من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبرى فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:
أبا خيبرى لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها
وماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها
أتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها
ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبرى واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو خيبرى؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا خيبرى وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبرى الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ ، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في عدي:
أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا
وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئاً تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم أنشأت تقول:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا
فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا
وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟
стр. 116
فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا عليك أبا عدي، فقال اعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتاً بيتاً ويقول هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا
يرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
ولم يكن يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم.
- ٤ - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم الحكم من طيبه.
وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتماً، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهناً ووضع حاتم فرسه رهناً عند رجل من كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك خيراً كثيراً، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا.
وذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارماً له لا يكلمه فقالت له امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد.
ثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحاً أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دماً فليحضروا مجادهم غداً بمجمع العرب.
стр. 117
فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم حاتماً فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية.
فخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس.
- ٥ - ولما وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقاً من جنده، يقدمهم على ﵇، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله.
فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم الطائي!.
فقال النبي ﷺ : يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم قال: "ارحموا عزيزاً ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال". وامتن عليها بقومها فأطلقهم تكريماً لها.
فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها عليه.
فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.
- ٦ - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان شريفاً شاعراً شجاعاً.
فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم أنشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم
وقالوا سفاهاً: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحباً ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم
فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم
وقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم
ولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم
فيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم
بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم
فقال له حاتم: إني كنت لأحبن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم.
فضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعاً إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:
أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل
فقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل
على حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل
فخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل
стр. 118
فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل
فآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل
يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل!
- ٧ - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعاً: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.
فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.
فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا
يرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
- ٨ - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمناً ثم إن ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي حاتماً وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتماً.
وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها.
فأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. فدعاه فهبط به بطن واد.
وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلاً فضاقت بهم ماوية ذرعاً، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلاً فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم.
وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه.
فلما أتت مالكاً وجدته متوسداً وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي ﵍، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.
فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ائتي حاتماً فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.
فأتت الجارية حاتماً فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريباً دعوت، فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء.
- ٩ -
стр. 119
وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.
فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.
فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إ لى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.
فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق
وجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق
والجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق
هذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟
وقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:
إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها
فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها
وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:
فإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم
وإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم
وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم
ولا متق يوماً إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم
وإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم
فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم
وأنشأ حاتم يقول:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً: حل في مالنا النزر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر
أماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر
وقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر
وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر
يفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وما ضر جاراً ياابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر
بعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر
فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.
شعراء النسيب في العصر الجاهلي
وهم كثيرون ومنهم: المرقش الأكبر ٥٥٢ م، وعبد الله بن العجلان ٥٦٦ م، ومالك، وعنترة، ومسعود بن خراشة التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنظور بن زبان الفزاري.
ولهم شعر رائع وقصائد كثيرة قصروها على الغزل وحده كما في قصيدة المرقش الأكبر: سرى ليلا خيال سليمى.
стр. 120
وقد يبدو أن نسيب فن إسلامي بدأه عمر بن أبي ربيعة وجميل وكثير وطبقتهم، والحقيقة أن هؤلاء كانوا يحتذون مثالاً لمن تقدمهم، وما أظن أحداً بلغ من صفة النساء ما بلغ النابغة حين سأله النعمان أن يصف امرأته المتجردة، أو ما بلغ المنخل اليشكري والمرار العدوي وسويد بن أبي كاهل وشعر المرقشين الأكبر والأصغر وعبد الله بن العجلان النهدي وقيس بن الحدادية، ممن صدقوا الحب ونسبوا في لفظ عفيف ومعنى نزيه مشهور معروف.. قال المرقش الأكبر:
سرى ليلا خيال من سليمى ... فأرقني أصحاب هجود
فبت أدير أمري كل حال ... وأرقب أهلها وهم بعيد
على أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الآرطي وقود
حواليها مهاجم التراقي ... وآرام وغزلان رقود
نواعم لا تعالج بؤس العيش ... أوانس لا تروح ولا ترود
يرحن معاً بطاء المشي بدا ... عليهن المحاسد والبرود
سكن ببلدة وسكنت أخرى ... وقطعت المواثق والعهود
فما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد
ورب أسيلة الخدين بكر ... منعمة لها فرع وجيد
وذو أشر شتيت النبت عذب ... نقي اللون براق برود
لهوت بها زماناً من شبابي ... وزارتها النجائب والقصيد
أناس كلما أخلقت وصلا ... عناني منهم وصل جديد
وقال:
نواعم أبكار سرائر بدن ... حسان الوجوه لينات السوالف
يهدلن في الآذان كل مذهب ... له زبد يعيان به كل واصف
قصرن شقيا لا يبالين غيه ... يعوجن من أعناقها بالمواقف
نشرن حديثاً آنساً فوضعته ... خفيضا فلا يلغى به كل طائف
ولعبد الله بن العجلان:
ألا أبلغا هند أسلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف
ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف
أنت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف
أشارت إلينا في خفاء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف
وقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعتف
وقال:
خليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقى في التعجل أم رشدا
ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
وقال قيش بن الحدادية من قصيدة طويلة:
أجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع
قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع
وقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راء وسامع
وظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع
فقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى إلا لذي العهد قاطع
وقد يلتقي بعد الشتاء أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع
ومنها:
كأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع
يحث بهم حاد سريع نجاؤه ... ومعرى عن الساقين واللوب واسع
فقلت لها يا نعم حلى محلنا ... فإن الهوى يا نعم والعيش جامع
فقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع
فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
فشدت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامع
وإني لعهد الود راع وإنني ... بوصلك ما لم يطوني الموت طامع
فنصيب هذا العصر من النسيب كما رأيت أوفر وأجود مما توهم الأدباء، وهو أصل ينتمي إليه بارع النسيب الإسلامي من قريب.
لبيد بن ربيعة
حياته وشعره
لبيد بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة، وهي قبيلة مضرية، وأمه من بني عبس. كان في الجاهلية شريفاً جواداً شجاعاً شاعراً وقد أدرك الإسلام وأسلم، وعمر طويلاً حتى مات في خلافة معاوية عام ٤١هـ. وأكثر شعره قاله قبل الإسلام، فلما أسلم لم يقل إلا قليلا.
وهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية ولاسيما في معلقته التي مطلعها:
стр. 121
عفت الديار محلها فمقامها ... بمن تأبد غولها فرجامها
ويظهر أنه قالها في شبابه وهي تمثل الشعر البدوي في متانته وقوته.
وفي شعره بعد ذلك - وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على ما يظهر - أثر الحكمة وقوة الشعور الديني كزهير، مثل قوله:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعدما هو ساطع
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوماً أن ترد الودائع
وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبنى، وآخر رافع
وقصيدته التي مطلعها:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نفيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وقصيدته:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل
أحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل
وكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصرا وآخرهم موتا.
وشعر لبيد مثال للفخامة والقوة والمتانة والبداوة فتراه فخم العبارة قوي اللفظ قليل الحشو مزدانا بالحكمة العالية والموعظة الحسنة.
ولبيد من أحسن الجاهليين تصرفا في الرثاء وفخره قوي ينم عن شرفه وعزته ومجده وحسبه العريق. وقال فيه رسول الله ﷺ : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله باطل".
وقد نظم لبيد الشعر في جاهليته وجرى به على سنن الأشراف والفرسان كعنترة وعمرو بن كلثوم فلم يتكسب بشعره ولذلك ترى فيه ولاسيما معلقته قوة الفخر والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم وإيواء الجار وعزة القبيلة، ولم ينظم شعراً بعد أن أسلم.
هذا ويقدم لبيد بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام وأقلهم لغواً في شعره، وقالت عائشة ﵂: رحم الله لبيدا ما أشعره في قوله:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
وكان لبيد جواداً شريفاً في الجاهلية والإسلام وقصص جودة كثيرة.
ديوان لبيد
شرحه السكري والشيباني والأصمعي وابن السكيت والطوسي. ولم يصل إلينا من ذلك كله إلا نصف شرح الطوسي في مخطوطة طبعها في فيينا يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي سنة ١٨٨٠ وفيها عشرون قصيدة هي الجزء الثاني من الديوان وقد صدرت بمقدمة عن الديوان والشاعر.
وكذلك عنى بالديوان المستشرق هوبر الذي طبعه في ليدن سنة ١٩٨١ ووضع مقدمة له في حياة لبيد، وأخرجه بإشراف بروكلمان.
ول معلقة لبيد شروح، وقد نشرها دي ساسي وقد ترجمها إلى الفرنسية أيضاً.
مصادر حياة لبيد
ترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع عشر، وابن قتيبة في الشعر والشعراء وذكره ابن سلام في طلبقات الشعراء والمرزباني في الموشح.
وترجم له صاحب كتاب "تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي"، والزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي، وأصحاب الوسيط والمفصل وسواهم. وترجم له أيضاً في سلسلة الروائع.
معلقة لبيد
لبيد بن ربيعة العامري من سادة العامريين القيسيين وأشرافهم وكان يقال لأبيه ربيعة المعتربن وعمه ملاعب الأسنة عامر بن مالك أخذ أربعين مرباعا في الجاهلية.
كان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وقال الشعر في الجاهلية في كل غرض، وأجرك الإسلام وأسلم وهجر الشعر وأقام بالكوفة إلى أن مات عام ٤١هـ مائة وسبع وخمسين سنة.
وسئل لبيد من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، ثم الشاب القتيل، ثم الشيخ أبو عقيل يعني نفسه. وهو من أصحاب المعلقات، وكان نظم لبيد الجاهلية فجم العبارة منضد اللفظ قليل الحشو مزداناً، فالحكمة العالية ثعات، وهو أحسن الجاهليين تصرفاً في الرثاء، وأكثرهم قدرة على تصوير عواطف المفجوع الحزين بلفظ رائق وألوب مؤثر، وقدمه بعض النقاد "لأنه أفضل الشعراء في الجاهلية والإسلام، وأقلهم لغواً في شعره".
ومعلقته لبيد تمتاز بقوة اللفظ ومتانة الأسلوب، وبما فيها من تصوير للبادية والحياة والأخلاق فيها.
أ - بدأها لبيد بذكر الديار وخلوها من أصحابها وتعرضها للرياح والأمطار تعبث بها ويمحو معالمها. قال:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمعنى تأبد غولها فرجامها
стр. 122
وجلا السيول عن الطول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها
ثم يصف رحيل أحبابه عنها، حتى يقول:
بل ما نذكر من "نوار" وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها
مرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فابن منك مرامها
وأخيراً، يرى لا أن يتسلى ويتعزى حتى يصل إلى رجائه وأمله، ولكن أن يقطع أمله منها ويترك رجاءه فيها ويقطع صلته بها مادامت نوار قد تغير وصلها:
فاقطع لبانة من تعرص وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
ب - ثم يأخذ في وصف ناقته في لفظ غريب وتعبير بدوي متين، ويطيل في هذا الوصف ويشبهها بالأتان الوحشية وبالظبية الرؤوم المفجوعة إلى أن يقول:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أرجية السراب كامها
أقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها
أولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
ج - ثم يتحدث عن نفسه وعزتها، ولذات الراح التي شارك فيها، وشجاعته وبطولته في مواقف النزال والنضال، وكرامه وسخائه، ونواله للجار الفقير والضيف النازل والجار الغريب وللبائسين والمساكين:
وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها
فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها
تأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها
د - ثم يفتخر بقومه ومآثرهم ورفهم ومجدهم فيقول:
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
فبنوا لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها
فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
أعشى قيس ٥٣٥ - ٦٢٩م
حياته
١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.
ولقب بالأعشى لضعف في بصره.
٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع
روي أنه دخل غاراً يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعاً.
وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.
٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شاباً فقيراً ماجناً يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:
قد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري
ويقول:
وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم
أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم
وكان تطوافه سبباً في كثرة معارفه وسعة ثقافته.
اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.
وكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.
стр. 123
قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعراً يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائباً عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق
فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.
ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.
٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:
إليك ... أبيت اللعن
كان كلالها
تروح مع الليل الطويل وتغتدي
ثم أنشده قصيدته:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا
ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوماً يريد وجهاً فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:
علقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص
فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص
فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلاً به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:
علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر
ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي
وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
وبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وهي قصيدة رائعة.
ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.
стр. 124
وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلاً فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:
سريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري
قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهداً وأوثقهم ... عقداً أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري
هذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار
فاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار
فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.
ولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ ، مدحه بقصيدته التي أولها:
ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
وفيها يقول لناقته:
فأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا
نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا
فبلغ خبره قريشاً قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحداً قط إلا رفع قدره.
فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.
قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمداً وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله.
شعر الأعشى
١ - للأعشى ديوان شعر كبير طبع مراراً، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحداً من الشعراء أشعر من الأعشى فليس يعرف الشعر.
ومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب.
٢ - ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظاً فارسية لإقامته في الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق.
وأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس.
стр. 125
٣ - وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر والإجادة مع الطول.
ولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل وتضع الخامل الشريف.
ومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول ﷺ ، ويعدها بعضهم من المعلقات، ومطلعها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى
نبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا
ومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها:
صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليد حبل من تصل؟
أئن رأت رجلاً أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل
قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
إما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل
وقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
نازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل
لا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا
يسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل
ومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل
والساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل
من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل
أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل
كناطع صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
تغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل
لا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل
نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل
لا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوماً وتبتهل
سائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل
واسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل
إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا
قد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل
إني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل
لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل
لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل
لا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
السموأل بن عاديا
كان السموءل يهودياً مشهوراً بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت
بني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت
ومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب الحماسة، مطلعها:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
стр. 126
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
وكان للسموءل أخ شاعر أيضاً وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل الجيل السابع وكان معاصراً للأعشى، ويقال إنه توفي سنة ٥٦٠م.
حاتم الطائي
- ١ - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال "أجود من حاتم الطي" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة ٦٠٥م، وقبره بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعاً وكان رئيس القوم رجلاً يقال له أبو الخيبري فنام أيضاً، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكباً قارناً جملاً أسود فلحقهم وقال أيكم أبو الخبيري فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتاً ورددها حتى حفظتها وهي:
أبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها
تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها
وإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها
وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا.
ولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم.
قال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ﷺ فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.
قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جواداً يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي.
ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه إليهم.
стр. 127
وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمة، فقال لي أنمت مراراً فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعاً فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج ناراً وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئا.
- ٢ - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد
عني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين.
ومن شعر حاتم أيضاً قوله:
وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها
ومن ذلك قوله أيضاً:
أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال أيضاً:
أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم
وقال أيضاً:
ولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت
وقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت
عليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت
وقال أيضاً:
لا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام
وقال أيضاً:
وقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها
فقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها
стр. 128
وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر
وقال أيضاً:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر
أماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر
وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر
غنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر
فما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر
وله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة البصرية وغيرها.. وهي هذه:
وعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما
تلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما
فقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما
ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما
فإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما
أهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما
ولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما
يقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما
قليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما
وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما
ولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما
وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما
ولن يكسب الصعلوك حمداً ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما
لحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوساً ومغنما
ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما
مقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما
ولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما
إذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما
ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما
يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما
وعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن الأعرابي: جوده يشبه شعره.
وهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة.
وقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة ٤٥ ق. هـ.
- ٣ -
стр. 129
ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ركباً من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبري فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:
أبا خيبري لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها
وماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها
أتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها
ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبري واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو خيبري؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبري الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ ، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في عدي:
أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا
وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئاً تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم أنشأت تقول:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا
فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا
وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟
فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا عليك أبا عدي، فقال أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتاً بيتاً ويقول هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا
стр. 130
ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا
يرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
ولم يكن يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم.
- ٤ - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم الحكم من طيبه.
وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتماً، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهناً ووضع حاتم فرسه رهناً عند رجل من كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك خيراً كثيراً، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا.
وذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارماً له لا يكلمه فقالت له امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد.
ثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحاً أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دماً فليحضروا مجادهم غداً بمجمع العرب.
فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم حاتماً فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية.
فخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس.
- ٥ - ولما وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقاً من جنده، يقدمهم على ﵇، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله.
стр. 131
فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم الطائي!.
فقال النبي ﷺ : يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم قال: "ارحموا عزيزاً ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال". وامتن عليها بقومها فأطلقهم تكريماً لها.
فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها عليه.
فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.
- ٦ - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان شريفاً شاعراً شجاعاً.
فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم أنشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم
وقالوا سفاهاً: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحباً ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم
فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم
وقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم
ولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم
فيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم
بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم
فقال له حاتم: إني كنت لأحب ن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم.
فضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعاً إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:
أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل
فقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل
على حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل
فخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل
فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل
فآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل
يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل!
- ٧ - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعاً: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.
стр. 132
فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.
فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا
يرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
- ٨ - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمناً ثم إن ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي حاتماً وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتماً.
وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها.
فأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. فدعاه فهبط به بطن واد.
وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلاً فضاقت بهم ماوية ذرعاً، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلاً فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم.
وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه.
فلما أتت مالكاً وجدته متوسداً وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي ﵍، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.
فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ائتي حاتماً فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.
فأتت الجارية حاتماً فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريباً دعوت، فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء.
- ٩ - وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.
فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.
فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إلى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.
стр. 133
فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق
وجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق
والجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق
هذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟
وقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:
إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها
فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها
وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:
فإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم
وإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم
وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم
ولا متق يوماً إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم
وإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم
فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم
وأنشأ حاتم يقول:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً: حل في مالنا النزر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر
أماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر
وقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر
وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر
يفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وما ضر جاراً يا ابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر
بعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر
فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.
أعشى قيس ٥٣٥ - ٦٢٩م
حياته
١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.
ولقب بالأعشى لضعف في بصره.
٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع
روي أنه دخل غاراً يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعاً.
وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.
стр. 134
٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شاباً فقيراً ماجناً يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:
قد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري
ويقول:
وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم
أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم
وكان تطوافه سبباً في كثرة معارفه وسعة ثقافته.
اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.
وكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.
قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعراً يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائباً عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق
فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.
ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.
٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:
إليك ... أبيت اللعن
كان كلالها
تروح مع الليل الطويل وتغتدي
ثم أنشده قصيدته:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا
ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوماً يريد وجهاً فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:
علقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص
فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص
стр. 135
فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلاً به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:
علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر
ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي
وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
وبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وهي قصيدة رائعة.
ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.
وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلاً فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:
سريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري
قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهداً وأوثقهم ... عقداً أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري
هذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار
فاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار
فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.
ولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ ، مدحه بقصيدته التي أولها:
ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
وفيها يقول لناقته:
فأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا
نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا
فبلغ خبره قريشاً قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحداً قط إلا رفع قدره.
فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.
стр. 136
قال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن وهو الآن في هدنة، فتأخذ مائة من الإبل، وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، هذا الأعشى! والله لئن أتى محمداً وأتبعه ليضر من عليكم نيران العرب بشعره. فاجمعوا له مائة من الإبل. ففعلوا، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوحة رمى به بعيره فقتله.
شعر الأعشى
١ - للأعشى ديوان شعر كبير طبع مراراً، وقد قدمه كثير من النقاد محتجين بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وقيل إنه أمدحهم للملوك وأوصفهم للخمر وأغزرهم شعراً وأحسنهم قريضا. وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب أولاده: أدبهم برواية شعر الأعشى فإن لكلامه عذوبة، قاتله الله ما كان أعذب بحره وأصلب صخره فمن زعم أن أحداً من الشعراء أشعر من الأعشى فليس يعرف الشعر.
ومهما كان فهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على تقديمهم على من عداهم وهم: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى، فهو من الطبقة الأولى عند كثير من النقاد ويروى أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب.
٢ - ويمتاز شعره بمعارفه الواسعة، وقد أدخل فيه ألفاظاً فارسية لإقامته في الحيرة، ووصف سيل العرم والقصر الأبلق.
وأكثر الأعشى من وصف الخمر وما إليها من نديم وساقي وقينة وعود وأطال في ذلك حتى عد إمام الأخطل وأبي نواس.
٣ - وعلى أي حال، فعلى شعره رونق الحسن وطلاوة الأسلوب والبراعة في وصف الخمر والإجادة مع الطول.
ولقوة طبعه وجلبة شعره سمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخر ينشده معك. ولجلالة شعر الأعشى وأثره بين العرب كان يرفع الوضيع الخامل وتضع الخامل الشريف.
ومن شعره قصيدته التي مدح بها الرسول ﷺ ، ويعدها بعضهم من المعلقات، ومطلعها:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم حلة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفي حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله ندى
نبي يرى مالا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم يمنعه غدا
ومن شعر الأعشى قصيدته اللامية المعروفة التي يقول منها:
صدت هريرة عنا ما تكلمنا ... جهلاً بأم خليد حبل من تصل؟
أئن رأت رجلاً أعشى أضربه ... ريب المنون ودهر مفند خبل
قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل
إما ترينا حفاة، لا نعال لنا ... إنا كذلك ما نحفى وننتعل
وقد أقود الصبا يوما، فيتبعني ... وقد يصاحبني ذو الشرة الغزل
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو مشل شلوب شلشل شول
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
نازعتهم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مزة رواوقها خضل
لا يستفيقون منها، وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا
يسعى بها ذو زجاجات له نطف ... قلص أسفل السربال معتمل
ومستجيب تخال الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل
والساحبات ذيول الربط آونة ... والرافلات على أعجازها العجل
من كل ذلك يوم قد لهوت به ... وفي التجارب طول اللهو والغزل
أبلغ يزيد بني شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفك تأتكل
ألست منتهياً عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت لأبل
كناطع صخرة يوماً ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
تغرى بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردى، ثم تعنزل
لا أعرفنك إن جدت عداوتنا ... والتمس النصر منكم عوض تحتمل
стр. 137
نلحم أبناء ذي الجدين إن غضبوا ... أرماحنا، ثم تلقاهم، وتعتزل
لا تقعدون، وقد أكلتها حطبا ... تعوذ من شرها يوماً وتبتهل
سائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل
واسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل
إنا نقاتلهم حتى نقتلهم ... عند اللقاء، وإن جاروا وإن جهلوا
قد كان في آل كهف إن هم احتربوا ... والجاشرية من يسعى وينتضل
إني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى، وسيق إليه الباقر الغيل
لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل
لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننفتل
لا تنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
السموأل بن عاديا
كان السموءل يهودياً مشهوراً بالوفاء وهو صاحب الحصن المعروف بالأبلق، كانت العرب تنزل فيه فيضيفها، وبالسموءل يضرب المثل في الوفاء. يقال أوفى من السموءل، لأنه فضل قتل ابنه على التفريط في أمانة أودعها عنده امرؤ القيس لما سار إلى الشام يريد قيصر، وكانت الأمانة أدرعا وفي ذلك يقول السموءل:
وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بأن لا ... تهدم يا سموءل ما بنيت
بني لي عاديا حصنا حصينا ... وماء كلما شئت استقيت
ومن أشعاره المعروفة قصيدة يمدح بها قومه، أوردها أبو تمام في كتاب الحماسة، مطلعها:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
وكان للسموءل أخ شاعر أيضاً وابن يدعى شريحا مدحه الأعشى في شعره.. وعلى ما يقول المحققون: إن السموءل عاش في أواخر الجيل السادس ومات في أوائل الجيل السابع وكان معاصراً للأعشى، ويقال إنه توفي سنة ٥٦٠م.
حاتم الطائي
- ١ - اشتهر بالجود والكرم حتى جرى ذكره مجرى الأمثال فيقال "أجود من حاتم الطي" وقد وصل إلينا من شعره قليل جاء في ديوان الحماسة وكتاب الأغاني وغيرهما من كتب الأدب، وله ديوان معروف باسمه وتوفي حاتم سنة ٦٠٥م، وقبره بعوارض، وهو جبل لبني طي، ويحكى عن جوده الحكايات الكثيرة، ومن غريبها أن نفراً من بني أسد مروا بقبر حاتم فقالوا: نزلنا بحاتم فلم يقرنا، وجعلوا ينادون: يا حاتم ألا تقرى أضيافك؟ ثم ناموا جميعاً وكان رئيس القوم رجلاً يقال له أبو الخيبري فنام أيضاً، حتى إذا كان السحر وثب وجعل يصيح: وا رحلتاه. فقال له أصحابه: مالك! قال: خرج والله حاتم بالسيف وأنا أنظر إليه حتى عقر ناقتي. قالوا: كذبت. فنظروا إلى راحلته فإذا هي منخزلة لا تنبعث. قالوا والله قراك. فظلوا يأكلون من لحمها ثم أردفوه فانطلقوا فساروا، وإذا راكب يلحقهم فنظروا فإذا هو عدي بن حاتم راكباً قارناً جملاً أسود فلحقهم وقال أيكم أبو الخبيري فدلوه عليه فقال جاءني أبي في النوم فذكر لي شتمك له وأنه قرى راحلتك لأصحابك وقد قال في ذلك أبياتاً ورددها حتى حفظتها وهي:
أبا الخيبرى وأنت امرؤ ... حسود العشيرة شتامها
فماذا أردت إلى رمة ... بداوية صخب هامها
تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك غوث وانعامها
وإنا لنطعم أضيافنا من ال ... كرم بالسيف نعتامها
وقد أمرني أن أحملك على جمل فدونكه فأخذوه وركبه وذهبوا.
ولم يبلغ أحد في الجود ما بلغ حاتم، وهو من بني الحشرج من طي وأحد شعراء الجاهلية.. ويكنى أبا عدي وأبا سفانة.. وأدرك ابنه الإسلام وأسلم.
قال عدي قلت يا رسول الله: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، قال: إن أباك أراد أمراً فأدركه يعني الذكر. وكانت سفانة بنته أتى بها إلى رسول الله ﷺ فقالت، يا محمد هلك الولد، وغاب الرافد فإن رأيت أن تتخلى عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي سيد قومه، وكان يفك العاني ويحمي الذمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشى السلام، ولم يطلب إليه طالب قط حاجة فرده، أنا ابنة حاتم طي.. فقال النبي ﷺ : يا جارية هذه صفة المؤمن لو كان أبوك إسلامياً لترحمنا عليه، خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق.
стр. 138
قال ابن الأعرابي كان حاتم من شعراء الجاهلية، وكان جواداً يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان إذا أهل رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه، وكان أول ما ظهر من جوده أن أباه خلفه في إبله وهو غلام، فمر به جماعة من الشعراء، فيهم عبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، يريدون النعمان بن المنذر، فقالوا هل من قرى؟ ولم يعرفهم. فقال أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا فنحر لكل واحد منهم، وسألهم عن أسمائهم، فأخبروه ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ قال طوقتك مجد الدهر طةق الحمامة وعرفه القضية، فقال أبوه إذا لا أساكنك بعدها أبدا ولا آويك. فقال حاتم: إذا لا أبالي.
ومن حديثه، أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة، فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الاسار والقمل. فقال: ويحك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت بي إذ نوهت باسمي ومالك مترك، ثم ساوم به العنزيين واشتراه منهم فخلاه وأقام مكانه في قيده حتى أتى بفدائه فأداه إليهم.
وحدثت ماوية امرأة حاتم أن الناس أصابتهم سنة فأذهبت الخف والظلف فبتنا ذات ليلة بأشد الجوع فأخذ حاتم عديا وأخذت سفانة فعللناهما حتى ناما، ثم أخذ يعللني بالحديث لأنام، فرققت لما بعد من الجهد فأمسكت عن كلامه لينام ويظن أني نائمة، فقال لي أنمت مراراً فلم أحبه، فسكت ونظر من وراء الخباء فإذا شيء قد أقبل فرفع رأسه، فإذا امرأة تقول: يا أبا سفانة قد أتيتك من عند صبية جياع. فقال أحضريني صبيانك فوالله فأشبعنهم. قالت: فقمت سريعاً فقلت بماذا يا حاتم فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقام إلى فرسه فذبحه ثم أجج ناراً وقال اشتوى وكلي وأطعمي ولدك. وقال لي أيقظي صبيتك فأيقظتهم، ثم قال والله إن هذا للؤم أن تأكلوا وأهل الصرم حالهم كحالكم فجعل يأتي الصرم بيتاً بيتاً ويقول: عليكم النار فاجتمعوا وأكلوا وتقنع بكسائه وقعد ناحية حتى لم يوجد من الفرس على الأرض قليل ولا كثير ولم يذق منه شيئا.
- ٢ - ولحاتم الطائي شعر كثير وهو من البلاغة بمكان، والمذكور في ديوانه بعض منه ومن شعره يخاطب امرأته ماوية بنت عبد الله:
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمس له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد
عني بذي البردين عامر بن أحيمر بن بهدلة. وكان من حديث البردين حين لقب به أن الوفود اجتمعت عند المنذر بن ماء السماء وهو المنذر بن امرئ القيس، وماء السماء قيل أمه، نسب إليها لشرفها، وقيل لقبت بماء السماء لصفاء نسبها ويقال لنقاء لونها، ويراد أنها كماء السماء لم يحتمل كدورة. وأخرج المنذر بردين يوما يبلو الوفود، وقال ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما، فقام عامر بن أحيمر فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر. فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ قال العز والعدد في معد، ثم في نزار ثم في مضر، ثم في خندف ثم في تميم، ثم في سعد ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني. فسكت الناس، فقال المنذر هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال أنا أبو عشرة وأخو عشرة وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي فشاهد العز شاهدي ثم وضع قدمه على الأرض فقال: من أزالها عن مكانها فله مائة من الإبل؟ فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين.
ومن شعر حاتم أيضاً قوله:
وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل أن الجود ليس بمهلكي ... ولا مخلد النفس الشحيحة لومها
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها
ومن ذلك قوله أيضاً:
أكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف أصحابي حين حاجتنا معا
стр. 139
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وانك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال أيضاً:
أما والذي لا يعلم السر غيره ... ويحيي العظام البيض وهيم رميم
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم
وإني لأستحيي يميني وبينها ... وبين فمي داجي الظلام بهيم
وقال أيضاً:
ولما رأيت الناس هرت كلابهم ... ضربت بسيفي ساق أفعى فخرت
وقلت لأصباء صغار ونسوة ... بشهباء من ليل الثمانين قرت
عليكم من الشطين كل ورية ... إذا النار مست جانبيها أرمعلت
وقال أيضاً:
لا تشتري قدري إذا ما طبختها ... على إذا ما تطبخين حرام
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام
وقال أيضاً:
وقائلة أهلكت بالجود مالنا ... ونفسك حتى ضربت نفسك جودها
فقلت دعيني إنما تلك عادتي ... لكل كريم عادة يستعيدها
وهو القاتل لغلامه يسار، وكان إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ناراً في بقاع من الأرض، لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيصمد نحوه:
أوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صر
عل يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر
وقال أيضاً:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتنا في طلابكم العذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً حل في مالي النذر
أماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضرتي ... وأن يدي مما بخلت به صفر
إذا أنا دلاني الذين بلونني ... بمظلمة لج جوانبها غبر
وراحوا سراعا ينفضون أكفهم ... يقولون قد أدمى أظافرنا الحفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر
وقد يعلم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى باخوته الدهر
غنينا زمانا بالتقصد والغنى ... وكل سقانا وهو كاسينا الدهر
فما زادنا مأوى على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحلامنا الفقر
وله قصيدة طويلة تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق، وهي مسطورة في الخماسة البصرية وغيرها.. وهي هذه:
وعاذلتين هبتا بعد هجعة ... تلومان متلافا مفيدا ملوما
تلومان لما غور النجم ضلة ... فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما
فقلت وقد طال العتاب عليهما ... وأوعدني تماني أن تبينا وتصرما
ألا لا تلوماني على ما تقدما ... كفى بصروف الدهر للمرء محكما
فإنكما لا ما مضى تدركانه ... ولست على ما فاتني متندما
فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى مدى الدهر مكرما
أهن للذي تهوى البلاد فإنه ... إذا مت كان المال نهبا مقسما
ولا تشقين فيه فيسد وارث ... به حين تغشى أغبر الجوف مظلما
يقسمه غنما ويشرى كرامة ... وقد صرت في خط من الأرض أعظما
قليلا به ما يحمدنك وارث ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما
تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذمي أود قومته فتقوما
وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
ولا أخذل المولى وإن كان خاذلا ... ولا أشتم ابن العم إن كان مفحما
ولا زادني عنه منأى تباعدا ... وإن كان ذا نقص من المال مصرما
وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الدنيء تجهما
ولن يكسب الصعلوك حمداً ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما
لحا الله صعلوكا مناه وهمه ... من العيش أن يلقى لبوساً ومغنما
стр. 140
ينام الضحى حتى إذا نومه استوى ... تنبه مثلوج الفؤاد مورما
مقيم مع المثرين ليس ببارح ... إذا نال وجدي من الطعام ومجثما
ولله صعلوك يساور همه ... وتمضي على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما
إذا ما رأى يوماً مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما
ويغشى إذا ما كان يوم كريهة ... صدور العوالي فهو مختضب دما
يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب عضب الضريبة مخذما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد فتى هيجا وطرفا مسموما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفاً مذمما
وعلى الجملة فشعر حاتم صوره لنفسه وأخلاقه وجوده، ولذلك قال ابن الأعرابي: جوده يشبه شعره.
وهو غزير البحر، فياض بالأمثال والحكم والمعاني المتصلة بالجود واللوم عليه وما يتصل به من جمال الذكر وحسن الأحدوثة.
وقد ترى بعض التفاوت في شعره، وذلك إنما يرجع إلى كثرة المدسوس عليه، وجمع شعره في ديوان طبع بلندن وبيروت. وتوفي حاتم نحو سنة ٤٥ ق. هـ.
- ٣ - ويقول فيه الشريشي في شرح المقامات: أبو عدي فارس شاعر جاهلي أحد الأجواد الذين يضرب بهم المثل بل هو أشهر منهم، وهم كعب بن أمامة وهرم بن سنان وحاتم، وكان إذا قاتل غلب وإذا غنم أنهب وإذا سئل وهب وإذا قامر سبق وإذا أسر أطلق وإذا أثر أنفق ويقال إنه لا يعرف ميت قرى أضيافه إلا هو وذلك أن ركباً من العرب نزلوا بموضع قبره وقد نفذ زادهم وفيهم رجل يكنى أبا خيبري فجعل يقول: أبا سفانة أما تقرى أضيافك أبا سفانة إن أضيافك جياع، ويعيدها، فلما نام ثار من نومه وهو يقول: وا راحلتاه عقرت والله ناقتي، فقال له أصحاب: وكيف؟ قال رأيت أبا سفانة قد انشق عنه قبره فاستوى قائماً ينشدني:
أبا خيبري لأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة لوامها
وماذا تريد إلى رمة ... بداوية صخب هامها
أتبغي أذاهم وأسعارها ... ودونك طي وأنعامها
ثم عمد إلى سيفي فانتضاه من غمده وعقر ناقتي وقال: دونكم فما أيقظني إلا رغاؤها، وإذا الناقة ترغو ما تنبعث، فقالوا قد والله قراك حاتم. فنحروها وأكلوا وتزودوا واقتسموا متاع أبي خيبري واستمروا لوجهتهم فلما صاروا في الظهيرة وضح لهم راكب يجنب بعيرا يؤم سمتهم حتى التقوا فقال لهم أفيكم أبو خيبري؟ قالوا نعم، فقال فإن عدي بن حاتم رأى أباه البارحة وهو يقول إن أبا خيبري وأصحابه استقروني فقريتهم ناقته فعوضه منها وزده بكرا يحمل عليه متاعه وهذه الناقة وهذا البكر فارتحل أبو خيبري الناقة وتخفف هو وأصحابه من أزوادهم على البكر ومضوا بأتم قرى.. وأدرك عدي ابنه النبي ﷺ ، وروى عنه، وكان يحدث أصحابه بهذا الحديث بعد إسلامه.. وقال الشاعر في عدي:
أبوك أبو سفانة الخير لم يزل ... لدن شاب حتى مات في الخير راغبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا به ... ولم يقر قبر قبله الدهر راكبا
وكانت سفانة بنته من أجود نساء العرب وكان أبوها يعطيها الصرمة من إبله فتهبها وتعطيها للناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الغويين إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت والله لا أمسك أبدا. قال وأنا لا أمسك أبدا، قالت فلا نتجاور، فقاسمها ماله وتباينا.. وحكي أن أمه كانت من أسخى الناس وأقراهم للضيف وكانت لا تحبس شيئاً تملكه، وهي عتبة بنت عفيف بن عمرو بن عبد القيس، فلما رأى إخوتها إتلافها حجروا عليها ومنعوها مالها حتى إذا ظنوا أنها قد وجدت ألم ذلك أعطوها سرمة من إبلها، فجاءتها امرأة من هوازن تسألها، فقالت دونك الصرمة فخذيها فوالله لقد عضني من الجوع مالا أمنع بعده سائلا أبدا.. ثم أنشأت تقول:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائم اليوم أعفني ... فإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا
فماذا عسيتم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان معانا
وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي ياابن أم الطبائعا؟
стр. 141
فقد اكتنفه الجود من أمه وأبيه.. وقالت امرأته النوار: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض واغبر أفق السماء وضنت المراضع عن أولادها فما تبض بقطرة فأيقنا بالهلاك، فوالله إني لفي ليلة صبيرة بعيدة الطرفين إذ تضاعى صبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام إلى الصبيين وقمت إلى الصبية فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل وأقبل يعللني بالحديث فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تغورت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال من هذا فقالت جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئب فما وجدت معلولا إلا عليك أبا عدي، فقال أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم فأقبلت تحمل اثنين ويمشي إلى جانبها أربعة كأنها نعامة حولها رثالها، فقام إلى فرسه فوجا لبتها بمدية فخرت ثم كشط الجلد ودفع المدية إلى المرأة وقال: شأنك. فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتاً بيتاً ويقول هبوا أيها القوم عليكم بالنار فاجتمعوا، والتف في ثوبه ناحية ينظر إلينا والله إن ذاق منها مزعة، وإنه لأحوج إليها منا فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر فأنشأ يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقول لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لشيء كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا
يرى البخيل سبيل الماء واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
ولم يكن يمسك شيئاً ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود بهما.. وذكر الحريري أن عقيلا تمثل بقول حاتم: شنشنة أعرفها من أخزم.
- ٤ - ويروى أن الحكم بن أبي العاص خرج ومعه عطر يريد الحيرة، وكان بالحيرة سوق يجتمع إليها الناس كل سنة، فمر في طريقه بحاتم بن عبد الله الطائي، فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصير إلى الحيرة، فأجاره، ثم أمر حاتم بجزور فنحرت وطبخت، ثم دعاهم إلى الطعام فأكلوا ولما فرغوا من الطعام طيبهم الحكم من طيبه.
وكان النعمان بن المنذر قد جعل لبني لام ربع الطريق طعمة لهم، لأن بنت سعد بن حارثة بن لأم كانت عنده ومر سعد بن حارثة بحاتم ومعه قومه من بني لام، فوضع حاتم سفرته وقال: اطعموا حياكم الله! فقالوا: من هؤلاء الذين معك يا حاتم؟ قال هؤلاء جيراني. قال له سعد: فأنت تجير علينا في بلادنا! قال له: أنا ابن عمكم وأحق من لم تخفروا ذمته. فقالوا: لست هناك! وأرادوا أن يفضحوه، ووثبوا إليه وتناول سعد حاتماً، فأهوى له حاتم بالسيف، وأطار أرنبة أنفه، ووقع الشر حتى تحاجزوا ثم قالت بنو لام لحاتم: بيننا وبينك سوق الحيرة فنماجدك، ثم وضعوا تسعة أفراس رهناً ووضع حاتم فرسه رهناً عند رجل من كلب وخرجوا حتى انتهوا إلى الحيرة. وسمع بذلك إياس بن قبيصة الطائي فخاف أن يعينهم النعمان بن المنذر ويقويهم بماله وسلطانه للصهر الذي بينهم وبينه فجمع رهطه من بني حية، وقال: يا بني حية إن هؤلاء القوم قد أرادوا أن يفضحوا ابن عمكم في مماجدته، فقال رجل منهم: عندي ناقة سوداء ومائة ناقة حمراء أدماء، وقام آخر فقال: عندي عشرة حصن على كل حصان منها فارس مدجج لا يرى منه إلا عيناه، وقال حسان بن جبلة الخير: قد علمتم أن أبي قد مات وترك خيراً كثيراً، فعلى كل خمر ولحم أو طعام ما أقاموا في سوق الحيرة، ثم قام إياس فقال: على مثل جميع ما أعطيتم كلكم - وحاتم لا يعلم بشيء مما فعلوا.
وذهب حاتم إلى ابن عمه وهم بن عمرو، وكان مصارماً له لا يكلمه فقالت له امرأته: أي وهم، هذا والله أبو سفانة حاتم قد طلع. فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر. فقالت: ها هو. قال: ويحك! هو لا يكلمني، فما جاء به إلي؟ ثم نزل حتى سلم عليه فرد سلامه وحياه ثم قال له: ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي. قال في الرحب والسعة، هذا مالي وعدته تسعمائة بعير فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد.
ثم إن إياس بن قبيصة قال لقومه: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه فقال: أنعم صباحاً أبيت اللعن! فقال النعمان: وحياك إليهك. فقال إياس: أنمد أختانك بالمال والخيل وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظن أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين لم يشعروا أن بني حية بالبلد؟ فإن شئت والله ناجزناك حتى يسفح الوادي دماً فليحضروا مجادهم غداً بمجمع العرب.
стр. 142
فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه فقال له: يا أحلمنا لا تغضب فإني سأكفيك. وأرسل النعمان إلى سعد بن حارثة وإلى أصحابه فقال: انظروا ابن عمكم حاتماً فأرضوه، فوالله ما أنا بالذي أعطيكم مالي تبذرونه وما أطيق بني حية.
فخرج بنو لام إلى حاتم وقالوا له: أعرض عن هذا المجاد ندع أرش أنف ابن عمنا. قال: لا والله لا أفعل حتى تتركوا أفراسكم ويغلب مجادكم، فتركوا أرش أنف صاحبهم وأفراسهم وقالوا: قبحها الله وأبعدها! فعمد إليها حاتم فعقرها وأطعمها الناس.
- ٥ - ولما وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقاً من جنده، يقدمهم على ﵇، فزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام فصبح على القوم، واستاق خيلهم ونعمهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله.
فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سفانة بنت حاتم، فقالت: يا محمد، هلك الوالد، وغاب المرافد. فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب! فإن أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائباً، أنا بنت حاتم الطائي!.
فقال النبي ﷺ : يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. ثم قال: "ارحموا عزيزاً ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين جهال". وامتن عليها بقومها فأطلقهم تكريماً لها.
فاستأذنته في الدعاء له، فأذن لها. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلا لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها عليه.
فلما أطلقها رجعت إلى أخيها عدي وهو بدومة الجندل، فقالت له: يا أخي إيت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله. فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة. ورأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإن يكن نبياً فللسابق فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز ملكه، فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم، وأسلمت سفانة!.
- ٦ - ويروى أن عبد قيس بن خفاف البرجمي أتى حاتم طيء في دماء حملها عن قومه، فأسلموه فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني. وكان شريفاً شاعراً شجاعاً.
فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بيني وبين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأهلي، فقدمت مالي وأخرت أهلي، وكنت أملي، فإن تحملتها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائم لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك، ثم أنشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمني البراجم
وقالوا سفاهاً: لم حملت دماءنا ... فعلت لهم: يكفي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحباً ... وأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم
فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زيادة من جلت عليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيء ... فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين: مات الجود معك فلا ترى ... مجيبا له ما حام في الجو حائم
وقال رجال: أنهب العام ماله ... فقلت لهم: إني بذلك عالم
ولكنه يعطى من أموال طيء ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم
فيعطى التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك المطية جارم
بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم
فقال له حاتم: إني كنت لأحب ن مثلك من قومك، هذا مرباعي من مغارة على بني تميم خذه وافرا، فإن وفى بالحمالة، وإلا كملتها لك، وهو مائنا بعير سوى نيبها وفصالها، مع أني لا أحب أن تؤبس قومك بأموالهم.
فضحك أبو جبيل، وقال: أي بعير دفعته إلي، وليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير فأخذها وانصرف راجعاً إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:
أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل
فقلت له: خذ المرباع منها ... فإني لست أرضى بالقليل
على حال ولا عودت نفسي ... على علاتها علل البخيل
فخذها إنها مائنا بمير ... سوى الناب الرذية والفصيل
стр. 143
فلا من عليك بها، فإني ... رأيت المن يزرى بالجميل
فآب البرجمي وما عليه ... من أعباء الحمالة من فنيل
يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل!
- ٧ - وقالت ماوية امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض، واغبر أفق السماء وراحت الإبل حدبا حدابير، وضنت المراضع على أولادها، فما تبض بقطرة، وحلقت ألسنة المال، وأبقنا بالهلاك. فوالله أنا لفي ليلة صنبر، بعيدة مابين الطرفين، إذ تضاغى صبيتنا جوعاً: عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت.
فلما تهورت النجوم، إذا شيء قد رفع كسر البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معلولا إلا عليك يا أبا عدي. فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله!.
فأقبلت المرأة تحمل اثنين ويمشي بجانبها أربعة، كأنها نعامة حولها رثالها، فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخر. ثم كشطه ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي الحي يأتيهم بيتاً بيتاً فيقول: هبوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا والتفع وجلس في ناحية ينظر إلينا. فوالله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطي السهل والجبلا
يرى البخيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
- ٨ - ولما تزوج حاتم ماوية، وكانت من أحسن النساء، لبثت عنده زمناً ثم إن ابن عم له يقال له مالك قال لماوية: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد شيئاً ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن، ولئن مات ليتركن ولده عيالا على قومه، طلقي حاتماً وأنا أتزوج بك، فأنا خير لك منه وأكثر مالاً، وأنا أمسك عليك وعلى ولدك. فقالت ماوية: صدقت إنه لكذلك فلم يزل بها حتى طلقت حاتماً.
وكانت النساء أو بعضهن يطلقن الرجال في الجاهلية. وكان طلاقهن أنهن يحولن أبواب بيوتهن إن كان الباب إلى المشرق جعلنه إلى المغرب، وإن كان الباب قبل اليمن جعلنه قبل الشام، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته فلم يأتها.
فأتى حاتم فوجدها قد حولت باب الخباء فقال لابنه: يا عدي ما ترى أمك؟ ما عدا عليها! قال: لا أدري غير أنها غيرت باب الخباء، وكأنه لم يلحن لما قال. فدعاه فهبط به بطن واد.
وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء، كما كانوا ينزلون فتوافى خمسون رجلاً فضاقت بهم ماوية ذرعاً، فقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك فقولي له إن أضيافاً لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلاً فأرسل إلينا بنات نقرهم ولبن نعبقهم.
وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه وإن ضرب بلحييه على زوره فارجعي ودعيه.
فلما أتت مالكاً وجدته متوسداً وطبا من لبن، فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت، إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكانه، فأدخل يده في رأسه وضرب بلحييه على زوره، فقال لها: أقرئي ﵍، وقولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتماً من أجله. فما عندي من كبيرة، قد تركت العمل، وما كنت لأنحر صفية غزيرة بشحم كلاها، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.
فرجعت الجارية فأخبرتها بما رأت منه، وأعلمتها بمقالته، فقالت لها: ويلك ائتي حاتماً فقولي له: إن أضيافك قد نزلوا الليلة بنا، ولم يعلموا بمكانك، فأرسل إلينا بنات ننحرها ونقرهم، وبلبن نسقهم، فإنما هي الليلة حتى يعرفوا مكانك.
فأتت الجارية حاتماً فصرخت به، فقال حاتم لبيك، قريباً دعوت، فقالت: إن ماوية تقرأ عليك السلام، وتقول لك: إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة، فأرسل إليهم بناب ننحرها لهم ولبن نسقهم. فقال: نعم وأبي! ثم قام إلى الإبل فأطلق اثنتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتى الخباء، فضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح وتقول: هذا الذي طلقتك فيه، تترك ولدك وليس لهم شيء.
- ٩ -
стр. 144
وكانت امرأة من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت ألا تزوج نفسها إلا من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجد عن أنفه، فتحاماها الناس حتى انتدب إليها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة الطائيون، فاتحلوا إليها.
فلما دخلوا عليها قالت مرحبا بكم، ما كنتم زوارا، فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوارا خطابا، قالت أكفاء كرام، ثم أنزلتهم وفرقت بينهم وأسبغت لهم القرى، وزادت فيه.
فلما كان اليوم الثاني بعثت بعض جواريها متنكرة في زي سائلة تتعرض لهم، فرفع إليها زيد وأوس شطر ما حمل إلى كل واحد منهما، فلما صارت إلى رحل حاتم دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل إليها جميع ما حمل إليه.
فلما كان اليوم الثالث دخلوا عليها، فقالت ليصف كل واحد منكم نفسه في شعره، فابتدر زيد وأنشأ يقول:
هلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... عند الطعان إذا ما احمرت الحدق
وجاءت الخيل محمرا بوادرها ... بالماء يسفح من لباتها العلق
والجار يعلم أني لست خاذلة ... إن ناب دهر لعظم الجار معترق
هذا الثناء، فإن ترضى فراضية ... أو تسخطي فإلى من تعطف العنق؟
وقال أوس بن حارثة: إنك لتعلمين أنا أكرم أحسابا، وأشهر أفعالا من أن نصف أنفسنا لك، أنا الذي يقول فيه الشاعر:
إلى أوس بن حارثة بن لأم ... ليقضي حاجتي ولقد قضاها
فما وطئ الحصا مثل ابن سعدى ... ولا لبس النعال ولا احتذاها
وأنا الذي عقت عقيقته، وأعتقت عن كل شعرة فيها عنه نسمة، ثم أنشأ يقول:
فإن تنكحي ماوية الخير حاتما ... فما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همه ... فكاك أسير أو معونة غارم
وإن تنكحي زيدا ففارس قومه ... إذا الحرب يوماً أقعدت كل قائم
وإن تنكحيني تنكحي غير فاجر ... ولا جارف جرف العشيرة هادم
ولا متق يوماً إذا الحرب شمرت ... بأنفسها نفسي كفعل الأشائم
وإن طارق الأضياف لاذ برحله ... وجدت ابن سعدى للقرى غير عائم
فأي فتى أهدى لك الله فاقبلي ... فإنا كرام من رؤوس أكارم
وأنشأ حاتم يقول:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم عذر
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوماً: حل في مالنا النزر
أماوي إما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر
ترى إن ما أنفقت لم يك ضائري ... وأن يدي مما بخلت به صفر
أماوي إني رب واحد أمه ... أخذت فلا قتل عليه ولا أسر
وقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر
وإني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر
يفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن يعريه القداح ولا القمر
ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهوداً وقد أودى بإخوته الدهر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بأواً على ذي قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وما ضر جاراً يا ابنة القوم فاعلمي ... يجاورني ألا يكون له ستر
بعيني عن جارات قومي غفلة ... وفي السمع مني عن أحاديثها وقر
فقالت أما أنت يا زيد فقد وترت العرب، وبقاؤك مع الحرة قليل، وأما أنت يا أوس فرجل ذو ضرائر، والدخول عليهن شديد، وأما أنت يا حاتم فمرضي الأخلاق، محمود الشيم، كريم النفس، وقد زوّجتك نفسي.