Полный текст (144 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أرى الدهر كنزاً ناقصاً كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد
(د) ثم ينتقل إلى عتاب ابن عمه مالك وقد سبق أن ذكرناه في أول المعلقة.
(هـ) ثم يعود إلى التحدث عن نفسه ووصفها بالذكاء والشجاعة، ويتنبأ بموته ويطلب من ابنة أخيه معبد أن تبكيه إذا مات:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي، ولا يغنى عنائي ومشهدي
وهو في هذا البيت يعرض بابن عمه.
(و) ثم ينتقل إلى الحكمة فيأتي منها بحكم رائعة وأمثال بليغة رويت على مر الزمان:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى
لعمرك ما أدرى وأتى لواجل ... أفي اليوم أقدام المنية أو غد
إذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبؤس عدوك فابعد
- ٢ - وقال يصف أحواله وتنقله في البلاد ولهوه:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستمر
لا يكن حبك داء قاتلا ... ليس هذا منك ماوي بحر
كيف أرجو حبها من بعد ما ... علق القلب بنصب مستسر
أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر
جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر
ثم زارتني وصحبي هجج ... في خليط بين برد ونمر
تخلس الطرف بعيني برغز ... وبخدي رشاء آدم غر
ولها كشحاً مهاة مطفل ... تقترى بالرمل أفنان الزهر
وعلى المتنين منها وارد ... حسن النبت أثيث مسبكر
جأبة المدرى لها ذو جدة ... تنفض الضال وأفنان السمر
بين أكتاف خفاف فاللوى ... مخرف تحنو لرخص الظلف حر
تحسب الطرف عليها بحدة ... يا لقومي للشباب المسبكر
حيثما قاظوا بنجد وشتوا ... حول ذات الحاذ من ثني وقر
فله منها على أحيانها ... صفوة الراح بملذوذ خصر
إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر
ظل في عسكرة من حبها ... ونأت شحط مزار المدرر
فلئن شطت نواها مرة ... لعلي عهد حبيب معتكر
بادن تجلو إذا ما ابتسمت ... عن شتيت كأقاح الرمل غر
بدلته الشمس من منبته ... برداً أبيض مصقول الأشر
وإذا تضحك تبدي حبباً ... كرضاب المسك بالماء الخصر
صادفته حرجف في تلعة ... فسجا وسط بلاط مسبطر
وإذا قامت تداعى قاصف ... مال من أعلى كثيب منقعر
تطرد القر بحر صادق ... وعكيك القيظ، إن جاء، بقر
لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقالبت نزر
كبنات المخر يمأذن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر
فجعوني يوم زموا عيرهم ... برخيم الصوت ملثوم عطر
وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون فقر
لا كبير دالف من هرم ... أرهب الليل ولا كل الظفر
وبلاد زعل ظلمانها ... كالمخاض الجرب واليوم الخدر
قد تبطنت وتحتي جسرة ... تتقى الأرض بملثوم معز
فترى المرو إذا ما هجرت ... عن يديها كالفراش المشفتر
ذاك عصر وعداني أنني ... نابى العام خطوب غير سر
من أمور حدثت أمثالها ... تبتري عود القوي المستمر
وتشكى النفس ما صاب بها ... فاصبري إنك من قوم صبر
إن تصادف منفساً لا تلفنا ... فرح الخير ولا نكبوا لضر
أسد غيل فإذا ما فزعوا ... غير أنكاس ولا هوج هذر
ولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر
طيبوا الباءة، سهل ولهم ... سبل إن شئت في وحش وعر
وهم ما هم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر
وتساقى القوم كأساً مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر
ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر
لا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الثول والكوم البكر
فإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كل أمون وطمر
стр. 72
ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر
ورثوا السؤدد عن آبائهم ... ثم سادوا سؤدداً غير زمر
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب فينا يفتقر
حين قال الناس في مجلسهم ... أقتار ذاك أم ريح قطر
بجفان تعترى نادينا ... من سديف حين هاج الصنبر
كالجوابي لا تني مترعة ... لقرى الأضياف أو للمحتضر
ثم لا يخزن فينا لحمها ... إنما يخزن لحم المدخر
ولقد تعلم بكر أننا ... آفة الجزر مساميح يسر
ولقد تعلم بكر أننا ... واضحوا الأوجه في الأزمة غر
ولقد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرأي وفي الروع وقر
ولقد تعلم بكر أننا ... صادقو البأس وفي المحفل غر
يكشفون الضر عن ذي ضرهم ... ويبرون على الآبي المبر
فضل أحلامهم عن جارهم ... رحب الأذرع بالخبر أمر
دلق في غارة مسفوحة ... ولدى البأس حماة ما نفر
تمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسكها إلا الصبر
حين نادى الحي لما فزعوا ... ودعا الداعي وقد لج الذعر
أيها الفتيان في مجلسنا ... حردوا منها ورادا وشقر
أعوجيات طوالاً شرباً ... دوخل الصنعة فيها والضمر
من يعابيب ذكور وقح ... وهضبات إذا ابتل العذر
جافلات فوق عوج عجل ... ركبت فيها ملاطيس سمر
وأنافت بهواد تلع ... كجذوع شذبت عنها القشر
علت الأيدي بأجواز لها ... رحب الأجواف ما إن تنبهر
فهي تردى فإذا ما ألهبت ... طار من إحمائها شد الأزر
كائرات وتراها تنتحي ... مسلحبات إذا جد الحضر
دلق الغارة في إفزاعهم ... كرعال الطير أسراباً تمر
تذر الأبطال صرعى بينها ... ما يني منهم كمي منعفر
ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سر وضر
خالتي والنفس قدما إنهم ... نعم الساعون في القوم الشطر
وهم أيسار لقمان إذا ... أغلت الشتوة أبداء الجزر
لا يلحون على غارمهم ... وعلى الأيسار تيسير العسر
كنت فيكم كالمغطى رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر
ولقد كنت عليكم عاتباً ... فعقبتم بذنوب غير مر
سادراً أحسب غيي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر
- ٣ - وقال طرفة أيضاً
أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه
كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه
لعبت بعدي السيول به ... وجرى في ريق رهمه
فالكثيب معشب أنف ... فتناهيه فمرتكمه
جعلته حم كلكلها ... لربيع ديمة تثمه
حابسي رسم وقفت به ... لو أطيع النفس لم أرمه
لا أرى إلا النعام به ... كالإماء أشرفت حزمه
تذكرون إذ نقاتلكم ... لا يضر معدماً عدمه
أنتم نخل نظيف به ... فإذا جز نصطرمه
وعذاريكم مقلصة ... في دعاع النخل تجترمه
عجز شمط معالكم ... تصطلي نيرانه خدمه
خير ما ترعون من شجر ... يابس الطحماء أو سحمه
فسعى الغلاق بينهم ... سعي خب كاذب شيمه
أخذ الأزلام مقتسماً ... فأتى أغواهما زلمه
والقرار بطنه غدق ... زينت جلهاته أكمه
ففعلنا ذلكم زمناً ... ثم دانى بيننا حكمه
إن تعيدوها نعدلكم ... من هجاء سائر كلمه
وقتال لا يغبكم ... في جميع جحفل لهمه
رزه قدم وهب وهلا ... ذي زهار جمة بهمه
يتركون القاع تحتهم ... كمراغ ساطع قتمه
لا ترى إلا أخا رجل ... آخذاً قرناً كملتزمه
فالهبيت لا فؤاد له ... والتثبيت ثبته فهمه
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه
- ٤ - وقال في عبد عمرو بن بشر بن مرثد:
هند بحزان الشريف طلول ... تلوح وأدنى عهدهن محيل
وبالسفح آيات كأن رسومها ... يمان وشته ريدة وسحلول
أربت بها نتاجة تزدهي الحصى ... وأسحم وكاف العشي هطول
فغيرن آيات الديار مع البلى ... وليس على ريب الزمان كفيل
بما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... إذا الحي حي والحلول حلول
стр. 73
ألا أبلغا عبد الضلال رسالة ... وقد يبلغ الأنباء عنك رسول
دببت بسري بعدما قد علمته ... وأنت بأسرار الكرام نسول
وكيف نضل المصد والحق واضح ... وللحق بين الصالحين سبيل
وفرق عن بيتيك سعد بن مالك ... وعوفاً وعمراً ما تشي وتقول
فأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزوى الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صباً غير قرة ... تذاءب، منها مرزغ ومسيل
فأصبحت فقعاً نابتاً بقرارة ... تصوح عنه والذليل ذليل
وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
وإن امرأ لم يعف يوماً فكاهة ... لمن لم يرد سوءاً بها لجهول
تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل
- ٥ - وقال حين أطرد فصار في غير قومه:
قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالك ... وعوجي علينا من صدور جمالك
قفي لا يكن هذا تعلة وصلنا ... لبين، ولا ذا حظنا من نوالك
أخبرك أن الحي فوق بينهم ... نوى غربة ضرارة لي كذلك
ولم ينسني قد لقيت وشفني ... من الوجد أني غير ناس لقاءك
وما دونها إلا ثلاث مآوب ... قدرن لعيس مسنفات الحورك
ولا غرو إلا جارتي وسؤالها ... ألا هل لنا أهل؟ سئلت كذلك
تعير سيري البلاد ورحلتي ... ألا رب دار سوى حرداك
وليس امرؤ أفنى الشباب مجاوراً ... سوى حيه إلا كآخر هالك
ألا رب يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حي ومالك
ظللت بذي الأرطى فويق مثقب ... ببيئة سوء هالكاً أو كهالك
ترد عليها الريح ثوبى قاعداً ... إلى صدفي كالحنية بارك
رأيت سعوداً من شعوب كثيرة ... فلم تزعيني مثل سعد بن مالك
أبر وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيراً إذا ساوى الدرا بالحوارك
وأنمى إلى مجد تليد وسورة ... تكون تراثاً عند حي لهالك
أبى أنزل الجبار عامل رمحه ... على السرج حتى قر بين السنابك
وسيفي حسام أختلي بذبابه ... قوانس بيض الدار عين الدوارك
- ٦ - وقال أيضاً في اطراده إلى النجاشي:
لخلوة بالأجزاع من إضم طلل ... وبالسفح من قو مقام ومحتمل
تربعه مرباعها ومصيفها ... مياه من الأشراف يرمى بها الحجل
فلا زال غيث ربيع وصيف ... على دارها حيث استقرت له زجل
مرته الجنوب ثم هبت له الصبا ... إذا مس منها مسكناً عد ملاً نزل
كأن الخلايا فيه ضلت رباعها ... وعوذاً إذا ما هزه رعده اجتفل
لها كبد ملساء ذات أسرة ... وكشحان لم ينقض طواءهما الحبل
إذا قلت هل يسلو اللبانة عاشق ... تمر شؤون الحب من خولة الأول
وما زادك الشكوى إلى متنكر ... تظل به تبكي وليس به مظل
متى تر يوماً عرصة من ديارها ... ولو فرط خول تسجم العين أو تهل
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل
ألا إنما أبكي ليوم لقيته ... بجرثم قاس كل ما بعده جلل
إذا جاء مالا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي لا كذاب ولا علل
ألا إنني شربت أسود حالكاً ... ألا بجلى من الشراب ألا بجل
فلا أعرفي إن نشذتك ذمي ... كداعي هديل لا يجاب ولا يمل
- ٧ - وقال يهدد المسيب بن علس، ويمدح قتادة بن مسلمة الحنفي وأصاب قومه سنة، فبذل لهم:
إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلا بماء سحابة شتمي
وأنا امرؤ أكوى من القصر ال ... بادي وأغشى الدهم بالدهم
وأصيب شاكلة الرمية إذ ... صدت بصفحتها عن السهم
وأحر ذا الكفل القداة على ... أنسائه فيظل يستدمي
وتصد عنك مخيلة الرجل ال ... عريض موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم
أبلغ قتادة غير سائله ... منه الثواب وعاجل الشكم
أني حمدتك للعشيرة إذ ... جاءت إليك مرقة العظم
ألقوا إليك بكل أرملة ... شعثاء تحمل منقع البرم
ففتحت بابك للمكارم ح ... ين تواصت الأبواب بالأزم
стр. 74
وأهنت إذ قدموا التلاد لهم ... وكذاك يفعل مبتنى النعم
فسقى بلادك ... غير مفسدها
صوب الغمام وديمة تهمى
- ٨ - وقال طرفة يهجو عبد عمرو بن بشر وكان وقع بينهما شر:
يا عجباً من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمر فانعما
ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما
يظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما
له شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخداً مورما
ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطه أترك لقلبي مجثما
كان السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخاً ورد الأسرة أسحما
- ٩ - وقال طرفة أيضاً يهجو عمرو بن هند وأخاه قابوس بن هند:
فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبتنا تخور
من الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور
يشاركنا لها رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور
لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير
قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الحكم يقصد أو يجور
لنا يوم وللكروان يوم ... تطاردهن البائسات ولا نطير
فأما يومهن فيوم نحس ... تطاردهن بالحدب الصقور
وأما يومنا فنظل ركباً ... وقوفاً ما نحل وما نسير
- ١٠ - وقال يعتذر إلى عمر بن هند حين بلغه أنه هجاه فتوعده:
إني وجدك ما هجوتك وال ... أنصاب يسفح بينهن دم
ولقد هممت بذاك إذ حبست ... وأمر دون عبيدة الوذم
أخشى عقابك إن قدرت ولم ... أغدر فيؤثر بيننا الكلم
- ١١ - قال طرفة في حق لأمه ظلمته:
ما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب
قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب
والظلم فرق حيي وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب
قد يورد الظلم المبين آجناً ... ملحاً يخالط بالذعاف ويقشب
وقراف من لا يستفيق دعارة ... يعدى كما يعدى الصحيح الأجرب
والإثم داء ليس يرجى برؤه ... والبر برء ليس فيه معطب
والصدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدنيء الأخيب
ولقد بدا لي أنه سيغولني ... ما غال عاداً والقرون فأشعبوا
أدوا الحقوق نفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب
- ١٢ - وقال يذكر يوم قضة:
سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تخلاق اللمم
يوم تبدى البيض عن أسؤقها ... وتلف الخيل أعراج النعم
أجدر الناس برأس صلدم ... حازم الأمر شجاع في الوغم
كامل يحمل آلاء الفتى ... نبه سيد سادات خضم
خير حي من معد علموا ... لكفي والجار وابن عم
يجبر المحروب فينا ماله ... ببناء وسوام وخدم
نقل للشحم في مشتاتنا ... عقر للنيب طراد القرم
نزع الجاهل في مجلسنا ... فنرى المجلس فينا كالحرم
وتفرعنا من ابني وائل ... هامة العز وخرطوم الكرم
من بني بكر إذا ما نسبوا ... وبني تغلب ضرابي البهم
حين يحمى الناس نحمي سربنا ... واضحي الأوجه معروفي الكرم
بحسامات تراها رسباً ... في الضريبات مترات العصم
وفحول هيكلات وقح ... أعوجيات على الثأو أزم
وقناً جرد وخيل ضمر ... شرب من طول تغلاك اللجم
أدت الصنعة في أمتنها ... فهي من تحت مشيحات الحزم
تتقي الأرض برح وقح ... ورق يقعرن أنباك الأكم
وتفرى اللحم من تغدائها ... والتغالي فهي قب كالعجم
خلج الشد ملحات إذا ... شالت الأيدي عليها بالجذم
قدما تنضو إلى الداعي إذا ... خلل الداعي بدعوى ثم عم
بشباب وكهول نهد ... كليوث بين عريس الأجم
نمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم
نذر الأبطال صرعى بينها ... تعكف العقبان فيها والرخم
- ١٣ - وقال طرفة أيضاً يهجو بني المنذر بن عمرو:
من الشر والتبريح أولاد معشر ... كثير ولا يعطون في حادث بكرا
هم حرمل أعيا على كل آكل ... مبير ولو أمسى سوامهم دثرا
стр. 75
جماد بها البسباس نرهض مغزها ... بنات اللبون والسلاقمة الحمرا
فما ذنبنا في أن أداءت خصاكم ... وأن كنتم في قومكم معشرا أدرا
إذا جلسوا خيلت تحت ثيابهم ... خرانق توفى بالضغيب لها نذرا
أبا كرب أبلغ لديك رسالتي ... أبا جابر عني ولا تدعن عمرا
هم سودوا رهواً تزود في استه ... من الماء خال الطير واردة عمرا
- ١٤ - وقال طرفة أيضاً لعمر بن هند يلوم أصحابه في خذلانهم:
أسلمى قومي ولم يغضبوا ... لسوءة حلت بهم فادحه
كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه
كلهم اروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه
- ١٥ - وقال طرفة أيضاً:
أعرف رسم الدار قفراً منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله
بتثليث أو نجران أو حيث تلتقي ... من النجد في قيعان جاش مسابله
ديار لسلمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله
وإذ هي مثل الرئم صيد غزالها ... لها نظر ساج إليك تواغله
غنينا وما نخشى التفرق حقبة ... كلانا غرير ناعم العيش باجله
ليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ريعانه ونجاوله
سمالك من سلمى خيال ودونها ... سواد كثيب عرضه فأمايله
فذو النير فالأعلام من جانب الحمى ... وقف كظهر الترس تجرى أساجله
وأنى اهتدت سلمى وسائل بيننا ... بشاشة حب باشر القلب داخله
وكم دون سلمى من عدو وبلدة ... يجار بها الهادي الخفيف ذلاذله
يظل بها غير الفلاة كأنه ... رقيب يخافى شخصه ويضائله
وما خلت سلمى قبلها ذات رجلة ... إذا قسوري الليل جيبت سرابله
وقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله
كما أحرزت أسماء قلب مرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله
وأنكح أسماء المراذي يبتغي ... بذلك عوف أن تصاب مقاتله
فلما رأى أن لا قرار يقره ... وأن هوى أسماء لابد قاتله
ترحل من أرض العراق مرقش ... على طرب تهوى سراعا رواحله
إلى السرو أرض ساقه نحوها الهوى ... ولم يدر أن الموت بالسرو عائله
فغودر بالفردين: أرض نطية ... مسيرة شهر دائب لا يواكله
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
لعمري لموت لا عقوبة بعده ... لذي البث أشقى من هوى لا يزايله
فوجدي بسلمى مثل وجد مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذله
قضى نحبه وجداً عليها مرقش ... وعلقت من سلمى خيالاً أماطله
- ١٦ - وقال طرفة أيضاً:
إني من القوم الذين إذا ... أزم الشتاء ودوخلت حجره
يوماً ودونيت البيوت له ... فثنى قبيل ربيعهم قرره
رفعوا المنيح وكان رزقهم ... في المنقيات يقيمه يسره
شرطاً قويماً ليس يحبسه ... لما تتابع وجهة عسره
تلقى الجفان بكل صادقة ... ثمت تردد بينهم حيره
وترى الجفان لدى مجالسنا ... متحيرات بينهم سؤره
فكأنها عقرى لدى قلب ... يصفر من أغرابها صقره
إنا لنعلم أن سيدركنا ... غيث يصيب سوامنا مطره
وإذا المغيرة للهياج غدت ... بسعار موت ظاهر ذعره
ولو وأعطونا الذي سئلوا ... من بعد موت ساقط أزره
إنا لنكسوهم وإن كرهوا ... ضرباً يطير خلاله شرره
والمجد ننميه ونتلده ... والحمد في الأكفاء ندخره
نعفو كما تعفو الجياد على ال ... علات والمخذول لا ندره
إن غاب عنه الأقربون ولم ... يصبح بريق مائه شجره
إن التبالي في الحياة ولا ... يغنى نوائب ماجد عذره
كل امرئ فيما ألم به ... يوماً يبين من الغنى فقره
- ١٧ - وقال طرفة أيضاً:
إنا إذا ما الغيم أمسى كأنه ... سما حبق ثرب وهي حمراء حرجف
وجاءت بصراد كأن صقيعه ... خلال البيوت والمنازل كرسف
وجاء قريع الشول يرقص قبلها ... من الدفء والراعي لها متحرف
ترد العشار المنقيات شظيها ... إلى الحي حتى يمرح المتصيف
تبيت إماء الحي تطهى قدورنا ... ويأوي إلينا الأشعث المتجرف
стр. 76
ونحن إذا الخيل زايل بينها ... من الطعن نشاج مخل ومزعف
وجالت عذارى الحي شتى كأنها ... توالى صوان والأسنة ترعف
ولم يحم فرج الحي إلا ابن حرة ... وهم الدعاء المرهق المتلهف
ففئنا غداة الغب كل نقيذة ... ومنا الكمي الصابر المتعرف
وكارهة قد طلقتها رماحنا ... وأنقذنها والعين بالماء تذرف
نرد النجيب في حيازيم غصة ... على بطل غادرنه وهو مزعف
- ١٨ - وقال أيضاً:
وركوب تعزف الجن به ... قبل هذا الجيل من عهد أبد
وضباب سفر الماء بها ... غرقت أولاجها غير السدد
فهي موتى لعب الماء بها ... في غثاء ساقه السيل عدد
قد تبطنت بطرف هيكل ... غير مرباء ولا جأب مكد
قائداً قدام حي سلفوا ... غير أنكاس ولا وغل رفد
نبلاء السعي من جرثومة ... تترك الدنيا وتنمى للبعد
يزعون الجهل في مجلسهم ... وهم أنصار ذي الحلم الصمد
حبس في المحل حتى يفسحوا ... لابتغاء المجد أو ترك الفند
سمحاء القفر، أجواد الغنى ... سادة الشيب، مخاربق المرد
عنترة العبسي
ترجمة الشاعر
- ١ - عنترة بن شداد العبسي أحد شعراء العرب وفرسانهم وأبطالهم ومن أصحاب المعلقات.
أمه كانت أمة حبشية يقال لها زبيبة، وكان لعنترة أخوة من أمه عبيد وكان هو عبداً أيضاً لأن العرب كانت لا تعترف ببني الإماء إلا إذا امتازوا على أكفائهم ببطولة أو شاعرية أو سوى ذلك.
ولكن عنترة سرعان ما اعترف أبوه به لبسالته وشجاعته، وكان السبب في ذلك أن بعض أحياء العرب أغاروا على بني عبس فأصابوا منهم فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم وفيهم عنترة، فقال له أبوه: كر يا عنترة. فقال له: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر. فكر وقاتل يومئذ فأبلى واستنقذ ما في أيدي القوم من الغنيمة، فادعاه أبوه بعد ذلك.
وعنترة أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة وأمه سوداء، وخفاف بن ندبة السلمى وأبوه عمير وأمه سوداء وإليها نسب، والسليك بن السلطة السعدي.
وكان عنترة من أشجع الفرسان وأجود العرب بما ملكت يداه وكان لا يقول من الشعر إلا البيتين والثلاثة حتى سابه رجل فذكر سواده وسواد أمه وأنه لا يقول الشعر. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون الطعمة فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرفد الناس وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فصل، وإني لأحضر اللبس وأوفي المغنم وأعف عند المسألة وأجود بما ملكت يدي وأفصل الخطة الصماء وأما الشعر فستعلم، فكان أول ماقاله معلقته المشهورة:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟
وحضر عنترة حرب داحس والغبراء وحسن فيها بلاؤه وحمدت مشاهده وعاش طويلاً حتى كبر ومات نحو سنة ٦١٥ م.
وقد عشق عنترة في شبابه بنت عمه عبلة وكان ذلك قبل أن يحرره أبوه ويدعيه فأبى عمه أن يزوجه ابنته وهو عبد فحفزه ذلك للمعال وعظائم الأمور وهاج ذلك من شاعريته فاجتمع له الشعر السلس القوي والشجاعة النادرة والمروءة المأثورة.
وكان عنترة ينوه عن نسبه في شعره، من ذلك قوله:
إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري واحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معمم مخول
وقضى عنترة كل عمره في الحروب والقتال وقول الشعر فصارت العرب تعده من فحول أبطالها وأخذت تروى عند النوادر والأحاديث ومازالت الرواية بذلك تنتقل من جيل إلى آخر ويزداد فيها حتى صارت مع الزمان رواية كبيرة كتبت أخيراً وتعرف الآن بقصة عنترة بن شداد العبسي ويلتذ بقراءتها إلى الآن كثيرون من أهالي الشام ومصر.
- ٢ - ويمتاز شعر عنترة بعذوبة الأسلوب وسهولة اللفظ ورقة المعنى ومعلقته من أجمل المعلقات وأكثرها انسجاماً وأبدعها وصفا وأشدها حماسة وفخراً وله حلاوة الغزل ومتانة الفخر، وديوانه مطبوع ولكن أكثره منحول عليه..
ومما سبق إليه ولم ينازع فيه قوله:
إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل
стр. 77
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معمم مخول
ومن إقراطه قوله:
وأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال
وكثيراً ما يتغنى في شعره بمكارم الأخلاق كقوله:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
وقوله:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى توارى جارتي مأواها
ومن محاسن شعره قوله:
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
وأنشد رسول الله ﷺ هذا البيت، فقال: "ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة".
وعده صاحب الجمهرة ثاني أصحاب المجمهرات. قال: "وقد أدركنا أكثر أهل العلم يقولون إن بعدهن (السموط وهي المعلقات) سبعاً ما هن بدونهن ولقد تلا أصحابهم أصحاب الأوائل فما قصروا وهن المجمهرات لعبيد بن الأبرص، وعنترة بن عمرو وعدي بن زيد ونشر بن أبي خازم وأمية بن أبي الصلت وخداش بن زهير والنمر بن تولب.
وذكره أبو عبيدة في الطبقة الثالثة من الشعراء.
ويقول ابن قتيبة وكان لا يقول من الشعراء إلا البيت والبيتين والثلاثة حتى سابه رجل من قومه فذكر سواده وسواد أمه وغيره ذلك، وأنه لا يقول الشعر فقال عنترة والله إن الناس ليترافدون الطعمة فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرفد الناس قط وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك حطة فصل وإنما أنت فقع بقرقر وإني لأحتضر البأس وأوفى المغنم وأعف عن المسألة وأجود بما ملكت يدي وأفضل الخطة الصماء وأما الشعر فستعلم.
فكان أول ما قال: هل غادر الشعراء من متردم وكانت العرب تسميها المذهبة.
المختار من شعر عنترة العبسي
- ١ - قال عنترة العبسي:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
أعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم الأصم الأعجم
ولقد حبست بها طويلاً ناقتي ... أشكو إلى سفع رواكد جم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
دار لآنسة غضيص طرفها ... طوع العناق لذيذة المتبسم
فوقفت فيها ناقتي وكلها ... فدن، لأقضي حاجة المتلوم
وتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم
حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
حلت بأرض الزائرين فأصبحت ... عسراً علي طلابك ابنة مخوم
علقتها عرضاً وأقتل قومها ... زعماً لعمر أبيك ليس بمزعم
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
كيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغيلم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت ركابكم بليل مظلم
ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سوداً كخافية الغراب الأسحم
إذ تستبيك بأصلتي ناعم ... عذب مقبله لذيذ المطعم
وكأنما نظرت بعيني شادن ... رشإ من الغزلان ليس بتوءم
وكأن فارة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفاً تضمن نبتها ... غيث قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليها كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم
سحا وبسكاباً فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم
فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجاً كفعل الشارب المترنم
غرداً يسن ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم
تمسي ويصبح فوق ظهر حشية ... وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
وجشيتي سرج على عبل الشوى ... نهد مراكله نبيل المحزم
هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم
خطارة غب السرى زيافة ... تطس الإكام بكل خف مثيم
وكأنما أقص الإكام عشية ... بقريب بين المنسمين مصلم
يأوي إلى حزق النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم
يتبعن قلة رأسه وكأنه ... زوج على حرج لهن مخيم
صعل يعود بذي العشيرة بيضه ... كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم
стр. 78
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
وكأنما تنأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مؤوم
هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم
أبقى لها طول السفار مقرمدا ... سنداً ومثل دعائم المتخيم
بركت على ماء الرداع كأنما ... بركت على قصب أجش مهضم
وكأن ربا أو كحيلا معقداً ... حش القيان به جوانب قمقم
ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الفنيق المقرم
إن تغد في دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلم
أثنى علي بما علمت فإنني ... سمح مخالقتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم
ولقد شربت من المدامة بعدما ... ركد الهواجر بالمشوف المعلم
بزجاجة صفراء ذات أسرة ... قرنت بأزهر في الشمال مقدم
فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته بشدق الأعلم
عجلت يداي له بمارق طعنة ... ورشاش نافذة كلون العندم
هلا سألت القوم يا ابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم
طوراً يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقائع أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
فأرى مغانم لو أشاء حويتها ... ويصدني عنها الحيا وتكرمي
ومدجج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هرباً ولا مستسلم
جادت يداي له بعاجل طعنة ... بمثقف صدق الكعوب مقوم
برحيبه الفرغين يهدي جرسها ... بالليل معتس السباع الضرم
كمشت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
وتركته جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم
ومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
ربذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوءم
لما رآني قد قصدت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم
فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخذم
عهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم
يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم
فبعثت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فتحسسي أخبارها لي واعلي
قالت رأيت من الأعادي غرة ... والشاة ممكنة لمن هو مرتم
وكأنما التفتت بجيد جداية ... رشاء من الغزلان حر أرثم
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحا ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
في حومة الموت التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال غير تغمغم
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولم أني تضايق مقدمي
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبنان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه، حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة أشتكي ... أو كان يدري ما جواب تكلمي
والخيل تقتحم الخيار عوابسا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
ذلل جمالي حيث شئت مشايعي ... قلبي، وأحفزه برأي مبرم
إني عداني أن أزورك فاعلمي ... ما قد علمت وبعض مالم تعلمي
حالت رماح أنني بغيض دونكم ... وزرت جواني الحرب من لم يجرم
ولقد كررت المهر يدمى نحره ... حتى اتقتني الخيل يا بني حذيم
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزراً لخامعة ونسر قشعم
تحليل القصيدة
стр. 79
أ - عنترة بن عمرو بن شداد العبسي ٦١٥ م أحد فرسان العرب وأبطالها وشعرائها، كان عبداً أسود. وكان لا يقول من الشعر إلا البيتين أو الثلاثة، فخاصمه رجل وعيره بسواده وسواد أمه وسوى ذلك وأنه لا يقول الشعر. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون الطعام فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرفد الناس قط، وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط، وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فصل. وإني لأحضر البأس وأوفى المغنم، وأعف عن المسألة، وأجود بما ملكت يدي، وأفصل الخطة الصماء، وأما الشعر فستعلم. فغاب حيناً وعاد إليه فأنشده معلقته:
هل غادر الشعر من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
وهي أجود شعره. وكان العرب تسميها الذهبية.
وشجاعة عنترة وبسالته دفعت أباه إلى أن يستلحقه بنسبه، وإلى أن يزوجه عمه ابنته عبلة، وكان فارس داحس والغبراء، كما كان فارس عبس، وأحد أغربة العرب المشهورين.
ب - تحليل ونقد للمعلقة: ١ - هي إحدى المعلقات السبع، ومن روائع الشعر العربي القديم مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
٢ - وتمتاز بالسهولة واللين الباديين فيها، والذين قلما يوجدان في الشعر النجدي القديم، والذين لا يخلوان من فخامة وجزالة واضحة جلية، سهلة اللفظ، قريبة المعنى، ليس بينها وبين النفس حجاب من هذه الجزالة التي تكاد تبلغ الغرابة، وإنما تسير في سهولة ويسر، وترتفع عن الإسفاف والابتداء دون تورط في الغلظة والإغراب، وعنترة فيها رقيق في غزله والإشادة ببطولته، بل هو رقيق في حديثه عن أعدائه. أليس هو الذي يقول:
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
بل هو رقيق على فرسه، يألم لألمه، ويشقى لشقائه، ويرى بكاءه، ويسمع توجعه حين تعبث به رماح الأعداء:
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
وعنترة لا تنتهي به الرقة إلى الضعف، كما لا تنتهي به الشدة إلى العنف، وكما لا ينتهي به السكر إلى ما يفسد الأخلاق والمروءة، أو الصحو إلى التقصير والعيب والبخل، وهو مقدم إذا كانت الحرب عفيف إذا قسمت الغنائم، يحاول أن يصف من أخلاقه ما يشرف به الرجل العربي الكريم، مما يستغنى عن الإبانة عنه، فيقول هذه الكلمة الرائعة: "وكما علمت شمائلي وتكرمي".
المعلقة تصوير واضح لنفسية الشاعر ومشاعره وحياته وعواطفه وبطولته وقوته وبأسه ونضاله للأعداء، ولا عجب فهي تنبع من نفسه وحياته وتصورهما تمام التصوير.
ولو لم نعرف عنترة أو نسمع بأخباره وحياته، لعرفناه من معلقته بطلا مقداما، وشجاعا فارسا، وعربياً كريم الخلق، رقيق العاطفة، حار الشعور، يضع روحه في كفه، ويبذلها مضحيا في سبيل كرامته وشرفه وبطولته.
٣ - وقد سار فيها على نهج غيره من الشعراء فذكر الديار كما ذكروها، ووصف الناقة كما وصفوها، وافتخر بالكرم والنجدة والبطولة.
وفيها معان قلما انتهى إلى مثلها غير عنترة من الشعراء ولم يخطئ ابن سلام حين قال إن هذه القصيدة نادرة فهي نادرة حقاً، وكأنها طائفة من الأنغام الموسيقية الكثيرة المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف، وفيها نغمة واحدة متصلة منذ بدء القصيدة إلى نهايتها تظهر واضحة حيناً، وتحسها النفس وإن لم تسمعها الأذن حيناً آخر. وهذه النغمة التي تكون وحدة هذه القصيدة كما كونت الوحدة في معلقة لبيد هي حديث الشاعر إلى صاحبته واستحضار صورتها في الفسة منذ بدء القصيدة. ولكن بين هذه النغمة في قصيدة عنترة وقصيدة لبيد فرقاً واضحاً جداً، فهي في قصيدة عنترة حلوة رقيقة تمازج النفس فتمتزج بها لأن عنترة فيما يظهر كان حلو النفس، رقيق القلب، قوي العاطفة، جاءه ذلك من أنه عز بعد ذلة، وتحرر بعد رق، فهو قد شقي في صباح وطفولته، واحتمل الأذى في شبابه والذل الذي يمتزج بالنفس فيصفي عواطفها ويلطف حدتها. على حين نجد هذه النغمة عند لبيد غليظة خشنة، لبيد يتحدث عن صاحبته في أول القصيدة ويذكرها أثناءها ولكنه ليس متهالكاً عليها ولا متحرجاً من الصد عنها، فهو يبادل القطيعة بالقطيعة والهجر بالهجر. أما عنترة فيقول:
стр. 80
ولقد نزلت تلافظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
٤ - وفيها عدة تشبيهات رائقة، كتشبيه الظليم وقد تبعته النعام بالعبد الأسود وقد ثابت إليه الإبل:
تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق بجانبه لأعجم طمطم
ومثل هذا التشبيه الرائع الذي يعجب به النقاد من القدماء ويحبونه، في الأبيات التي وصف فيها ثغر صاحبته بالجمال وطيب النشر فذكر فأرة المسك وذكر الروضة الأنف التي ألح عليها الغيث حتى زكا نبتها وكثر فيها الذباب مبتهجاً نشوان مترنماً:
وكأن فأرة تاجر بقسيمة ... سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفا تضمن نبتها ... غيت قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
سحا وتسكابا فكل عشية ... يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب فيها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم
٥ - وكثير جداً من أبيات هذه المعلقة قد ظفر بحظ كبير من الإيجاز والامتلاء والبراءة من اللغو والفضول، حتى جرى مجرى الأمثال، فأي الناس لا يتمثل قوله:
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
أو قوله:
ينبئك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم
أو قوله:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لقيتهما دمي
مما احتذاه جميل فقال:
وليت رجالاً فيك قد نذر وأدمى ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني
أو قوله:
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
وجل هذه القصيدة يجري مجرى المثل وينشد على اختلاف العصور والبيئات والظروف. فلا يمل إنشاده ولا تحس النفس نوا عنه، أو نفورا منه، وإنما تحس كأنها تجري فيه أو كأن هذا الشعور مرآة صافية صادقة لكل نفس كريمة ولكل قلب ذكي، ولكل خلق نقي.
ذلك لأن عنترة بحياته وشخصيته ومشاعره وعواطفه وآماله وآلامه كان كأنما يتحدث عن النفوس ويصف حياة الناس، ويأخذ من تجاربه وخبرته ومن فراسته وذكائه أساليبه وصوره ويستمد من إلمامه بالحياة ومعرفته ببيئته مادة بيانه وشعوره وشعره.
فعنترة في معلقته شاعر يتحدث عن البطولة في البداية وعن المجتمع الذي كان يعيش فيه وعن الحياة التي كان يتأثر بها وعن عواطف الشاعر وعن دخائل نفسه حديث المصور الماهر والشاعر العبقري.
وبعد، فكل ما في المعلقة جيد وكل أبياتها خليق أن نطيل الوقوف عنده ونفكر فيه والإعجاب به، كما يقول الدكتور طه حسين.
(ج) وفنون المعلقة كثيرة.
١ - بدأها عنترة بالغزل في ابنة عمه عبلة ومخاطبة دارها ذات الذكريات الجميلة، قال:
هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
وتحل عبلة بالجواء وأهلنا ... بالحزن فالصمان فالمتثلم
حبيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
٢ - واسنطرد إلى وصف الروضة:
أو روضة أنقا تضمن نبتها ... غيث قلل الدمن ليس بمعلم
جادت عليه كل بكر حرة ... فتركن كل قرارة كالدرهم
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح لمكب على الزناد الأجذم
٣ - ثم يصف ناقته في أبيات كأبيات طرفة تمتاز بالغرابة:
هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم
٤ - ثم يفتخر بنفسه وشجاعته:
أثنى علي بما علمت فإنني ... سهل مخالطتي إذا لم أظلم
فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم
وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
ويستمر في التنويه بشجاعته إلى أن يقول:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم
стр. 81
لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحرة ... ولبانه حتى تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلى بعيرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس: ويك عنتر أقدم
٥ - ثم يختمها بتهديد ابني ضمضم، وكانا قد نذرا دمه وتربصا له لأنه قتل أباهما في الحرب. قال:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم ألقهما دمي
إن يفعلا فلقد تركت أباهما ... جزر السباع وكل نسر قشعم
- ٢ - وقال عنترة يذكر يوم الفروق:
ألا قاتل الله الطلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشيء الذي لا تناله ... إذا ما هو احلولى ألا ليت ذاليا
ونحن منعنا بالفروق نساءنا ... نطرف عنها مشعلات غواشيا
حلفنا لهم والخيل تردى بنا معاً ... نزايلكم حتى تهزوا العواليا
عوالي زرقا من رماح ردينة ... هرير الكلاب ينقين الأفاعيا
تفاديتم أستاه نيب تجمعت ... على رمة من العظام تفاديا
ألم تعلموا أن الأسنة أحرزت ... بقيتنا لو أن للدهر باقيا
أبينا أن تضب لثاتكم ... على مرشقات كالظباء عواطيا
وقلت لمن أحضر الموت نفسه ... ألا من لأمر حازم قد بدا ليا
وقلت لهم ردوا المغيرة عن هوى ... سوابقها وأقبلوها النواصيا
فما وجدونا بالفروق أشابة ... ولا كشفاً ولا دعينا مواليا
وإنا نقود الخيل حتى رؤوسها ... رؤوس نساء لا يجدن فواليا
تعالوا إلى ما تعلمون فإنني ... أرى الدهر لا ينجي من الموت ناجيا
- ٣ - وقال عنترة أيضاً في يوم عراعر:
ألا هل أتاها أن يوم عراعر ... شفى سقما لو كانت النفس تشتفي
فجئنا على عمياء ما جمعوا لنا ... بأرعن لا خل ولا متكشف
تماروا بنا إذ يمدرون حياضهم ... على ظهر مقضي من الأمر محصف
وما نذروا حتى غشينا بيوتهم ... بغية موت مسبل الودق مزعف
فظلنا نكر المشرفية فيهم ... وخرصان لدن السمهري المثقف
علالتنا في كل يوم كريهة ... بأسيافنا والقرح لم يتقرف
أبينا فلا نعطى السواء عدونا ... قياماً بأعضاد السراء المعطف
بكل هتوف عجسها رضوبة ... وسهم كسير الحميري المؤنف
فإن يك عز في قضاعة ثابت ... فإن لنا برحرحان وأسقف
كتائب شهباً فوق كل كتيبة ... لواء كظل الطائر المتصرف
وغادرن مسعوداً كأن بنحره ... شقيقة برد من يمان مفوف
- ٤ - وقال عنترة أيضاً يهجو عمارة بن زياد:
أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني، فهأنذا عمار
ومتى ما تلقني فردين ترجف ... روانف إليتيك وتستطارا
وسيفي صارم قبضت عليه ... أشاجع لا ترى فيها انتشارا
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي لا أفل ولا فطارا
وكالورق الخفاف وذات غرب ... ترى فيها عن الشرع ازورارا
ومطرد الكعوب أحض صدق ... تخال سنانه بالليل نارا
ستعلم أينا للموت أدنى ... إذا دانيت بي الأسل الحرارا
ومنجوب له منهن صرع ... يميل إذا عدلت به الشوارا
أقل عليك ضراً من قريح ... إذا أصحابه ذمروه سارا
وخيل قد زحفت لها بخيل ... عليها الأسد تهتصر اهتصارا
- ٥ - وقال عنترة أيضاً:
نأتك رقاش إلا عن لمام ... وأمسى حبلها خلق الرمام
وما ذكرى رقاش إذا استقرت ... لدى الطرفاء عند ابني شمام
ومسكن أهلها من بطن جزع ... تبيض به مصاييف الحمام
ووقفت وصحبتي بأرينبات ... على أقتاد عوج كالسمام
فقلت تبينوا ظعنا أراها ... تحل شواحطا جنح الظلام
وقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... لما منتك تغريراً قطام
ومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همت بإلقاء الزمام
стр. 82
فقلت لها اقصري منه وسيرى ... وقد قرع الرجائز بالخدام
أكر عليهم مهري كليماً ... قلائده سبائب كالقرام
كأن دفوف مرجع مرفقيه ... توارثها منازيع السهام
تقعس وهو مضطمر مضر ... بقارحه على فأس اللجام
يقدمه فتى من خير عبس ... أبوه وأمه من آل حام
- ٦ - وقال عنترة:
طال الثواء على رسوم المنزل ... بين اللكيك وبين ذات الحرمل
فوقفت في عرصاتها متحيراً ... أسل الديار كفعل من لم يذهل
لعبت بها الأنواء بعد أنيسها ... والرامسات وكل جون مسبل
أفمن بكاء حمامة في أيكة ... ذرفت دموعك فوق ظهر المحمل
كالدر أو فضض الجمان تقطعت ... منه عقائد سلكه لم توصل
لما سمعت دعاء مرة إذ دعا ... ودعاء عبس في الوغى ومحلل
ناديت عبساً فاستجابوا بالقنا ... وبكل أبيض صارم لم ينحل
حتى استباحوا آل عوف عنوة ... بالمشرفي وبالوشيج الذبل
إني امرؤ من خير عبس منصباً ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل
إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل
حين النزول يكون غاية مثلنا ... ويفر كل مضلل مستوهل
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيراً من معم مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بطعنة فيصل
إذ لا أبادر في المضيق فوارسي ... ولا أركل بالرعيل الأول
ولقد غدوت أمام راية غالب ... يوم الهياج وما غدوت بأعزل
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لابد أن أسقى بكاس المنهل
فاقني حياءك لا أبالك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل
وإذا حملت على الكريهة لم أقل ... بعد الكريهة ليتني لم أفعل
عجبت عبيلة من فتى متهذل ... عاري الأشاجع شاحب كالمنصل
شعث المفارق منهج سرباله ... لم يدهن حولاً ولم يترجل
لا يكتسي إلا الحديد إذا اكتسى ... وكذاك كل مغاور مستبسل
قد طال مالبس الحديد فإنما ... صدأ الحديد بجلده لم يغسل
فتضاحكت عجباً وقالت قولة ... لا خير فيك كأنها لم تحفل
فعجبت منها كيف زلت عينها ... عن ماجد طلق اليدين شمردل
لا تصرميني يا عبيل وراجعي ... في البصيرة نظرة المتأمل
فلرب أملح منك دلا فاعلمي ... وأقر في الدنيا لعين المجتلي
وصلت حبالي بالذي أنا أهله ... من ودها وأنا رخي المطول
يا عبل كم من غمرة باشرتها ... بالنفس ماكادت لعمرك تتجلى
فيها لوامع لو رأيت ذهاءها ... لسلوت بعد تخضب وتكحل
إما تريني قد نحلت ومن يكن ... غرضاً لأطراف الأسنة ينحل
فلرب أبلج مثل بعلك بادن ... ضخم على ظهر الجواد مهبل
غادرته متعفراً أرصاله ... والقوم بين مجرح ومجدل
فيهم أخو ثقة يضارب نازلاً ... بالمشرفي وفارس لم ينزل
ورماحنا تكف النجيع صدورها ... وسيوفنا تخلى الرقاب فتختلي
والهام تندر بالصعيد كأنها ... تلقى السيوف بها رؤوس الحنظل
ولقد لقيت الموت يوم لقيته ... متسربلاً والسيف لم يتسربل
فرأيتنا ما بيننا من حاجز ... إلا المجن ونصل أبيض مفصل
ذكر أشق به الجماجم في الوغى ... وأقول لا تقطع يمين الصيقل
ولرب مشعلة وزعت رعالها ... بمقلص نهد المراكل هيكل
سلس المعذر لاحق أقرابه ... متقلب عبثاً بفأس المسحل
نهد القطاة كأنها من صخرة ... ملساء يغشاها المسيل بمحفل
وكأن هاديه إذا استقبلته ... جذع أذل وكان غير مذلل
وكأن مخرج روحه في وجهه ... سربان كانا مولجين لجيئل
وكأن متنيه إذا جردته ... ونزعت عنه الجل متنا ايل
وله حوافر موثق تركيبها ... صم النسور كأنها من جندل
стр. 83
وله عسيب ذو سبيب سابغ ... مثل الرداء على الغني المفضل
سلس العنان إلى القتال فعينه ... قبلاء شاخصة كعين الأحول
وكأن مشيته إذا نهنهته ... بالنكل مشية شارب مستعجل
فعليه أقتحم الهياج تقحماً ... فيها وأنقض انقضاض الأجدل
- ٧ - وقال عنترة:
ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقع
خرق الجناح كأن لحي رأسه ... جلمان، بالأحبار هش مولع
فزجرته ألا يفرخ عشه ... أبداً، ويصبح واحداً يتفجع
إن الذين نعبت لي بفراقهم ... قد أسهروا ليلى التمام فأوجعوا
ومغيرة شعواء ذات أشلة ... فيها الفوارس حاسر ومقنع
فزجرتها عن نسوة من عامر ... أفخاذهن كلهن الخروع
وعرفت أن منيتي إن تأتني ... لا ينجني منها الفرار الأسرع
فصبرت عارفة لذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع
- ٨ - قال عنترة أيضاً:
ألا يا دار عبلة بالطوى ... كرجع الوشم في رسغ الهدي
كوحي صحائف من عهد كسرى ... فأهداها لأعجم طمطمي
أمن رو الحوادث يوم تسمو ... بنو جرم لحرب بني عدي
إذا اضطربوا سمعت الصوت فيهم ... خفياً غير صوت المشرفي
وغير نوافذ يخرجن منهم ... بطعن مثل أشطان الركي
وقد خذلتهم ثعل بن عمرو ... سلاميوهم والجرولي
- ٩ - وقال عنترة أيضاً:
أمن سهية دمع العين مذروف ... لو أن ذا منك قبل اليوم معروف
كأنها يوم صدت ما تكلمني ... ظبي بعسفان ساجي الطرف مطروف
تجللتني إذ أهوى العصا قبلي ... كأنها صم يعتاد معكوف
المال مالكم والعبد عبدكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف
تنسى بلائي إذا ما غارة لفحت ... تخرج منها الطوالات السراعيف
يخرجن منها وقد بلت رحائلها ... بالماء تركضها المرد الغطاريف
قد أطعن الطعنة النجلاء عن عروض ... تصفر كف أخيها وهو منزوف
لاشك للمرء أن الدهر ذو خلف ... فيه تفرق ذو إلف ومألوف
- ١٠ - وقال عنترة أيضاً:
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إن الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوهي ماشئت ثم تحوبي
كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك، تكحلي، وتخضبي
ويكون مركبك القعود وزحله ... وابن النعامة عند ذلك مركبي
وأنا امرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شر الركاب وأجنب
إني أحاذر أن تقول ظعيني ... هذا غبار ساطع فتلبب
- ١١ - وقال عنترة أيضاً:
وفوارس لي قد علمتهم ... صبر على التكرار والكلم
يمشون والماذي فوقهم ... يتوقدون توقد الفحم
كم من فتى فيهم أخي ثقة ... حر أغر كقوة الرئم
ليسوا كأقوام علمتهم ... سود الوجوه كمعدن البرم
عجلت بنو شيبان مدتهم ... والبقع أستاها بنو لأم
كنا إذا نفر المطي بنا ... وبدا لنا أحواض ذي الرضم
نعدى فنطعن في أنوفهم ... نختار بين القتل والغنم
إنا كذلك يا سهى إذا ... غدر الحليف نمور بالخطم
وبكل مرهقة لنا نفذ ... بين الضلوع كطرة القدم
- ١٢ - وقال عنترة أيضاً:
كأن السرايا بين قو وقارة ... عصائب طير ينتحين لمشرب
وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم ... قرائب عمرو وسط نوح مسلب
شفى النفس مني أو دنا من شفائها ... ترديهم من حالق متصوب
تصيح الردينيات في حجباتهم ... صياح العوالي في الثقاف المثقب
كتائب تزحى فوق كل كتيبة ... لواء كظل الطائر المتقلب
- ١٣ - وقال عنترة أيضاً:
هديكم خير أباً من أبيكم ... أعف وأوفى بالجوار وأحمد
وأطعن في الهيجا إذا الخيل صدها ... غداة الصياح السمهري المقصد
فهلا وفي الغوغاء عمرو بن جابر ... بذمته وابن اللقيطة عصيد
سيأتيكم عني وإن كنت نائياً ... دخان العلندي دون بيتي مذود
قصائد من قبل امرئ يحتديكم ... بني العشراء فارتدوا وتقلدوا
- ١٤ - وقال أيضاً:
стр. 84
تركت جرية العمري فيه ... شديد العير معتدل سديد
جعلت بني الهجيم له دواراً ... إذا تمضى جماعتهم تعود
إذا تقع الرماح بجانبيه ... تولى قابعاً فيه صدود
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحق له الفقود
وهل يدري جرية أن نبلى ... يكون جفيرها البطل النجيد
كأن رماحهم أشطان بئر ... لها في كل مدلجة خدود
- ١٥ - وقال عنترة أيضاً:
خذوا ما أسأرت منها قداحي ... ورفد الضيف والأنس الجميع
فلو لاقيتني وعلي درعي ... علمت علام تحتمل الدروع
تركت جبيلة بن أبي عدي ... ببل ثيابه علق نجيع
وآخر منهم أجررت رمحي ... وفي البجلي معبلة وقيع
- ١٦ - وقال عنترة أيضاً:
قد أرعدوني بأرماح معلبة ... سود لقطن من الجومان أخلاق
لم يسلبوها ولم يعطوا بها ثمناً ... أيدي النعام فلا أسقاهم الساقي
عمرو بن أسود فازباء قاربة ... ماء الكلاب عليها الظبي معناق
- ١٧ - وقال أيضاً في قتل قرواش وقتل عبد الله بن الصمة أخي دريد:
نجا فارس الشهباء والخيل جنح ... على فارس بين الأسنة مقصد
ولولا يد نالته منا لأصبحت ... سباع تهادى شلوه غير مسند
فلا تكفر النعمى وأثن بفضلها ... ولا تأمنن ما يحدث الله في غد
فإن يك عبد الله لاقى فوارسا ... يردون خال العارض المتوقد
فقد أمكنت منك الأسنة عانية ... فلم نجز إذ تسعى فتيلا بمعبد
- ١٨ - وقال عنترة وتروى للربيع بن زياد العبسي:
إن تك حربكم أمست عواناً ... فإني لم أكن ممن جناها
ولكن ولد سودة أرثوها ... وشبوا نارها لمن اصطلاها
فإني لست خاذلكم ولكن ... سأسعى الآن إذ بلغت إناها
- ١٩ - وقال عنترة أيضاً:
إذا لاقيت جمع بني أبان ... فإني لائم للجعد لاحي
كأن مؤشر العضدين جحلا ... هدرجا بين أقلبة ملاح
تضمن نعمتي فعدا عليها ... بكوراً أو تعجل في الرواح
ألم تعلم لحاك الله أني ... أجم إذا لقيت ذوي الرماح
كسوت الجعد جعد بني أبان ... سلاحي بعد عري وافتضاح
- ٢٠ - وقال أيضاً:
سائل عميرة حيث حلت جمعها ... عند الحروب بأي حي تلحق
أبحق قيس أم بعذرة بعدما ... رفع اللواء لها وبئس الملحق
واسأل حذيفة حين أرث بيننا ... حرباً ذوائبها بموت تخفق
فلتعلمن إذا التقت فرساننا ... بلوى النجيزة أن غنك أحمق
- ٢١ - وقال في قتل ورد بن حابس نضلة الأسدي:
غادرن نضلة في معرك ... يجر الأسنة كالمحتطب
فمن يك عن شأنه سائلاً ... فإن أبا نوفل قد شجب
تذاءب ورد على أثره ... وأدركه وقع مرد خشب
تدارك لا يتقي نفسه ... بأبيض كالقبس الملتهب
- ٢٢ - وقال أيضاً:
ومكروب كشفت الكرب عنه ... بضربة فيصل لما دعاني
دعاني دعوة والخيل تردى ... فما أدرى أباسمي أم كناني
فلم أمسك بسمعي إذ دعاني ... ولكن قد أبان له لساني
فكان إجابتي إياه أني ... عطفت عليه خوار العنان
بأسمر من رماح الخط لدن ... وأبيض صارم ذكر يمان
وقرن قد تركت لدى مكر ... عليه سبائب كالأرجوان
تركت الطير عاكفة عليه ... كما تردى إلى العرس البوانيٍ
ويمنعهن أن يأكلن منه ... حياة يد ورجل تركضان
فما أوهى مراس الحرب ركني ... ولكن ما تقادم من زماني
وقد علمت بنو عبس بأني ... أهش إذا دعيت إلى الطعان
وأن الموت طوع يدي إذا ما ... وصلت بنانها بالهندواني
ونعم فوارس الهيجاء إذا ما ... علقوا الأعنة بالبنان
هم قتلوا لقيطاً وابن حجر ... وأردوا حاجباً وابني أبان
- ٢٣ - وقال أيضاً:
طربت وهاجتك الظباء السوانح ... غدت منها سنيح وبارح
فمالت بي الأهواء حتى كأنما ... بزندين في جوفي من الوجد قادح
تعزيت عن ذكرى سهية حقبة ... فبح عنك منها بالذي أنت بائح
لعمري لقد أعذرت لو تعذريني ... وخشنت صدراً غيبة لك ناصح
стр. 85
أعادل كم من يوم حرب شهدته ... له منظر بادي النواجذ كالح
فلم أر حياً صابروا مثل صبرنا ... ولا كافحوا مثل الذين نكافح
إذا شئت لاقاني كمي مدجج ... على أعوجي بالطعان مسامح
نزاحف زحفاً أو نلاقي كتيبة ... تطاعننا أو يذعر السرح صائح
فلما التقيننا بالجفار تضعضعوا ... وردت على أعقابهن المسالح
وسارت رجال نحو أخرى عليهم ال ... حديد كما تمشى الجمال الدوالح
إذا ما مشوا في السابغات حسبتهم ... سيولاً وقد جاشت بهن الأباطح
فأشرع رايات وتحت ظلالها ... من القوم أبناء الحروب المراجح
ودرنا كما دارت على قطبها الرحى ... ودارت على هام الرجال الصفائح
بهاجرة حتى تغيب نورها ... وأقبل ليل يقبض الطرف سائح
تداعى بنو عبس بكل مهند ... حسام يزيل الهام والصف جانح
وكل رديني كأن سنانه ... شهاب بدا في ظلمة الليل واضح
فخلوا لنا عوذ النساء وخببوا ... عباديد منها مستقيم وجامح
وكل كعاب خدلة الساق فخمة ... لها منيت في آل ضبة طامح
تركنا ضراراً بين عان مكبل ... وبين قتيل غاب عنه النوائح
وغمراً وحيانا تركنا بقفرة ... تعودهما فيها الضباع الكوالح
يجرون هاما فلقتها سيوفنا ... تزيل منهن اللحى والمسائح
- ٢٤ - وقال أيضاً:
وكتيبة لبستها بكتيبة ... شهباء باسلة يخاف رداها
خرساء ظاهرة الأداء كأنها ... نار يثب وقودها بلظاها
فيها الكماة بنو الكماة كأنهم ... والخيل تعشر في الوغى بقناها
شهب بأيدي القابسين إذا بدت ... بأكفهم بهر الظلام سناها
صبر أعدوا كل أجرد سابح ... ونجية ذبلت وخف حشاها
يغدون بالمستلثمين عوابساً ... قوداً تشكى أينها ووجاها
يحملن فتياناً مداعس بالقنا ... وقراً إذا ما الحرب خف لواها
من كل أروع ماجد ذي صولة ... مرس إذا لحقت خصي بكلاها
وصحابة شم الأنوف بعثتهم ... ليلاً وقد مال الكرى بطلاها
وسريت في وعث الظلام أقودهم ... حتى رأيت الشمس زال ضحاها
ولقيت في قبل الهجير كتيبة ... طعنت أول فارس أولاها
وضربت قربى كبشها فتجدلا ... وحملت مهري وسطها فمضاها
حتى رأيت الخيل بعد سودها ... حمر الوجوه خضن من جرحاها
يعثرن في نقع النجيع جوافلا ... ويطأن من حمى الوغى صرعاها
فرجعت محموداً برأس عظيمها ... وتركتها جزراً لمن ناءاها
ما استمت أنثى نفسها في موطن ... حتى أوفى مهرها مولاها
ولما رزأت أخا حفاظ سلعاً ... إلا له عندي بها متلاها
أغشى فتاة الحي عند خليلها ... وإذا غزا في الحرب لا أغشاها
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يوارى جارتي مأواها
إني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها
ولئن سألت بذاك عبلة أخبرت ... لا أريد من النساء سواها
وأجيبها إما دعت لعظيمة ... وأعينها وأكف عما ساها
- ٢٥ - وقال عنترة أيضاً في قتل قراوش العبسي:
ومن يك سائلاً عني فإني ... وجروة لا ترود ولا تعار
مقربة الشتاء ولا تراها ... وراء الحي يتبعها المهار
لها بالصيف أصبرة وجل ... ونيب من رائمها غزار
ألا أبلغ بني العشراء عني ... علانية فقد ذهب السرار
قتلت سراتكم وخسلت منكم ... خسيلاً مثلما خسل الوبار
ولم نقتلكم سراً ولكن ... علانية وقد سطع الغبار
فلم يك حقكم أن تشتمونا ... بني العشراء إذ جد الفخار
- ٢٦ - وقال يرثي مالك بن زهير العبسي وتولى قتله بنو بدر:
لله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن حرى فرسان
فليتهما لم يجريا نصف غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان
وليتهما ماتا جميعاً ببلدة ... وأخطأهما قيس فلا يريان
لقد جلبا حيناً وحرباً عظيمة ... تبيد سراة القوم من غطفان
وكان فتى الهيجا ويحمى ذمارها ... ويضرب عند الكرب كل بنان
دراسات لبعض الشعراء الجاهليين
عمر بن كلثوم ٥٠٠ - ٦٠٠ م
стр. 86
- ١ -
حياته
تمهيد
هو عمرو بن كلثوم، أحد شعراء الجاهلية وفرسانهم وأشرافهم، ومن أصحاب المعلقات، ومكانته في الشعر الجاهلي تضارع مكانة كثير من الشعراء وإن كان ليس له ديوان شعر معروف.
نسبه
هو أبو الأسد عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن ربيعة بن زهير التغلبي، من تغلب بن وائل، وتغلب هم من الأهم في الشرف والسيادة والمجد وضخامة العدد وجلال المحتد والأرومة. وأسرته سادات تغلب ورؤساؤها وفرسانها حتى قيل: لو أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس.. كان أبوه كلثوم سيد قومه وأمه ليلى بنت المهلهل أخي كليب المشهور، واشتهرت أمه ليلى بالأنفة وعظم النفس، كما كانت لجلالة محتدها من فضليات السيدات العربيات قبل الإسلام.
بيئته وموطنه
ولد ونشأ عمرو بن كلثوم في أرض قومه التغلبيين، وكانوا يسكنون الجزيرة الفراتية وما حولها، وتخضع قبيلته لنفوذ ملوك الحيرة مع استقلالهم التام في شؤونهم الخاصة والعامة، والحيرة كما نعلم إمارة عربية أقامها الفرس على حدود الجزيرة العربية، وحموها بالسلاح والجنود.
نشأته وحياته
ولد عمر بين مجد وحسب وجاه وسلطان، فنشأ شجاعاً هماماً خطيباً جامعاً لخصال الخير والسؤدد والشرف، وبعد قليل ساد قومه وأخذ مكان أبيه وله من العمر خمس عشرة سنة، وقال الشعر وأجاد فيه وإن كان من المقلين.
قاد عمر الجيوش وحارب أعداء قومه وكان مظفراً في كثير من أيامهم وحروبهم، وأكثر ما كانت فتن تغلب وحروبها مع أختها بكر بن وائل بسبب الحرب المشهورة "البسوس"، وفي آخر الأمر أصلح بينهما المنذر ملك الحيرة وأخذ من كل منهما رهينة من الغلمان مائة غلام من أشرافهم حتى لا يعودوا إلى القتال، ولما تولى الحيرة عمرو بن هند عام ٥٦٢ م حذا حذو أبيه، فحدث أن عمرو بن هند وجه قوماً من بكر وتغلب إلى جبل طيء في أمر من أموره، فنزلوا على ماء لبني شيبان وهم من بكر، فأبعدوا التغلبيين عن الماء حتى ماتوا عطشاً، وقيل بل أصابتهم شموم في بعض مسيرهم فهلكوا وسلم البكريون، فطلب التغلبيون دينهم من بكر، واختصما وتحاكما إلى عمرو بن هند، وكان سيد تغلب هو عمرو بن كلثوم، وشاعر بكر هو الحارث بن حلزة، فتفاخرت القبيلتان بين يديه، وفي هذا الموقف قال الحارث بن حلزة معلقته يفتخر فيها ببكر وقال عمرو بن كلثوم بعض معلقته يفتخر فيها بتغلب، وأثرت قصيدة الحارث بن حلزة على عمرو بن هند، فقضى لبكر حقداً على تغلب وحسداً لعمرو، لإدلاله بشرفه وحسبه ومجده.
стр. 87
ويقال إن عمرو بن هند الملك - وكان جباراً متكبراً مستبداً - كان يريد إذلال عمرو وإهانته ويضمر ذلك في نفسه، وأنه كان جالساً يوماً مع ندمائه، فقال لهم: "هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي هند؟ فقالوا نعم، أم عمرو وبن كلثوم. قال: ولم؟ قالوا لأن أباها مهلهل بن ربيعة وعمها كليب بن وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب وابنها عمرو وهو سيد قومه، وكانت هند عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر المشهور وكانت أم ليلى بنت مهلهل هي بنت أخي فاطمة بنت ربيعة التي هي أم امرئ القيس وبينهما هذا النسب، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن يزير أمه، فأقبل عمرو بن كلثوم من الجزيرة إلى الحيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت ليلى بنت مهلهل في ظعن من بني تغلب، وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا في وجوه بني تغلب، فدخل عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند في رواقه. ودخلت ليلى وهند في قبة من جانب الرواق، وكان عمرو بن هند أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم ليلى، فدعا عمرو بمائدة ثم دعا بطرف، فقالت هند: ناوليني يا ليلى ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها فأعادت عليها فصاحت ليلى: "واذلاه، يا لتغلب! " فسمعها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه ونظر إليه عمرو بن هند فعرف الشرفي وجهه فوثب عمرو بن كلثوم إلى سيف لعمرو بن هند معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره فضرب به رأس ابن هند وقتله وكان ذلك نحو سنة ٥٦٩م ونادى عمرو في بني تغلب فانتبهوا مافي الرواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة وجاشت نفس ابن كلثوم وحمى غضبه وأخذته الأنفة والنخوة فنظم بعض معلقته في هذه الحادثة، يصف فيها حدثه مع ابن هند ويفتخر بأيام قومه وغاراتهم المشهورة.
وهكذا عاش عمرو عظيماً من عظماء الجاهلية وأشرافهم وفرسانهم، عزيز النفس مرهوب الجانب، شاعراً مطبوعاً على الشعر.. وعمر طويلاً حتى مات نحو سنة ٦٠٠ م.
ولعمرو ابن اسم عتاب بن عمرو بن كلثوم، كان كأبيه شجاعاً فارساً وهو الذي قتل بشر بن عمرو بن عدس، كما أن مرة بن كلثوم أخا عمرو بن كلثوم هو الذي قتل المنذر بن النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ولذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً:
ابني كليب إن عمى اللذا ... قتلا الملوك وفككا الأغلالا
ماضر تغلب وائل: أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
قومي همو قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا، وهم قسطوا على النعمان
- ٢ -
شعر عمرو بن كلثوم
أهم الدراسات عنه
كتب عن عمرو بن كلثوم من الأدباء والباحثين: أ - منهم من المحدثين: جورجي زيدان، وأصحاب الوسيط والمفصل، والزيات وصاحب شعراء النصرانية.
ب - ومن القدماء: أبو زيد الأنصاري في الجمهرة، وابن سلام في طبقات الشعراء، وأبو الفرج في الأغاني، وابن قتيبة في الشعر والشعراء.
ج - وشرح معلقته ورواها: الزوزني في كتابه "شرح المعلقات السبع"، والنعساني الحلبي في كتابه نهاية الأدب في شرح معلقات العرب، ورواها صاحب الجمهرة، وهي سبعة ومائة بيت. وقد طبعت المعلقة في مدينة بونا سنة ١٨١٩ مع ترجمتها اللاتينية بقلم كوزغارتن.
معلقة الشاعر
١ - عمرو بن كلثوم جاهلي قديم، قتل عمر بن هند الملك، أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة وعمها كليب أعز العرب، ووالده كلثوم بن عتاب فارس العرب، وكان عمرو سيداً في قومه من بني تغلب، وتوفي في أواخر القرن السادس الميلادي.
وعمرو شاعر قوي الشاعرية مجيد، ومعلقته "ألا هي بصحنك فاصبحينا" مشهورة، وهي من جيد شعر العرب وإحدى السبع المعلقات، وكان قام بها خطيباً فيما كان بينه وبين عمرو بن هند.
يمتاز عمر في شعره بالبديهة والارتجال، وبأسلوبه الرائق، وأغراضه العالية. وهو مقل لم ينظم في فنون الشعر جميعها، وكل ما روي عنه معلقته وبعض مقطوعات لا تخرج من موضوعها. أجاد في الفخر إجادة منقطعة النظير.
٢ - والمعلقة مشهورة بالرقة والسلاسة والسهولة، وفيها تكرير في بعض معانيها وألفاظها، ومبالغة واضحة شديدة في الفخر مما لم يؤلف نظيرها في الشعر الجاهلي، مثل:
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخر له الجبابر ساجدينا
ومثل:
стр. 88
لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
١ - بدأها عمر بن كلثوم بوصف الخمر، وهذه المعلقة فريدة في هذه الناحية، فلم تبدأ معلقة أو قصيدة بوصف الخمر في الجاهلية إلا هذه القصيدة، ولعل سر ذلك أن تغلب كانت النصرانية موجودة في بعض ربوعها، وأن الخمر كانت شائعة في هذه الربوع، قال:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا
مشعشعة كأن الحصى فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
وكأس قد شربت ببعلبك ... وأخرى في دمشق وقاصرينا
إذا صمدت حمياها أريبا ... من الفتيان خلت به جنونا
ب - ثم يأخذ في الغزل ووصف محبوبته وجمالها:
قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا
قفي نسألك هل أحدثت صرما ... لوشك البين أم خنت الأمينا
أفي ليلى يعاتبني أبوها ... وإخوتها وهم لي ظالمونا
ج - ثم ينتقل إلى الفخر بقومه ومجدهم وعزتهم، ويهدد الملك عمرو بن هند وينذره ويتوعده في أسلوب قوي جزل مع عذوبة وجمال، والظاهر أن ذلك كان أيام التحاكم أمام عمر بن هند والمفاخرة بين تغلب وبكر:
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمراً قد روينا
وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا
والجزء التالي من المعلقة يبدو أنه نظم بعد قتل عمرو بن هند، وهو:
بأي مشيئة عمر بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وتوعدنا رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا
وأن قناتنا يا عمر أعيت ... على الأعداء تملك أن تلينا
ثم ينتقل إلى ذكر وقائع قومه مفتخراً بها على بكر، ومنها يوم خزاز، ثم يختمها بفخر قوي، منه:
وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا النازلون بكل ثغر ... يخاف النازلون به المنونا
إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وموج البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الفطام لنا رضيع ... تخر له الجبابر ساجدينا
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا
وبعد، فالمعلقة من روائع الفخر، ويقال إنها كانت تزيد على الألف بيت، وإنما وصل إلينا بعضها مما حفظه الناس منها.
والغالب - كما ذكرنا - أن الشاعر نظمها على مرتين: في مفاخرته ليكون عند عمرو بن هند، وفي حادثة أمه، ولذلك رأينا فيها إشارة إلى كلتيهما وقد وقف عمر بن كلثوم بهذه المعلقة في سوق عكاظ فأنشدها في موسم الحج وكان بنو تغلب يعظمونها ويرويها صغارهم وكبارهم، لما حوته من الفخر والحماسة مع جزالتها وسهولة حفظها.
وقد أثرت هذه القصيدة في نفوس قبيلة تغلب وفخروا بها، واتخذوها أنشودتهم، حتى قال فيها بعض البكريين:
إلهي بني تغلب عن جل أمرهم ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسؤوم
والميزة الواضحة فيها السهولة والقوة، والاعتداد بالنفس والقبيلة، المبالغة في الفخر، وأنها شعر صدر عن سيد قومه يعترف فيه بسيادته وسيادة قبيلته ومجدها وأيامها وبطولة أبطالها وانتصاراتهم.
وبدؤها بالخمر يرجع إلى انتشار النصرانية في تغلب وانتشار الخمر بينهم. وتكاد تكون هي القصيدة الوحيدة في بدئها بالخمر على غير عادة الشعراء الجاهليين.
ويعجب النقاد بمعلقة عمرو إعجاباً شديداً، قال ابن قتيبة: وهي من جيد شعر العرب وإحدى السبع المعلقات. وقدمه بها النقاد وقال مطرف عن عيسى بن عمرو: لو وضعت أشعار العرب في كفة وقصيدة عمرو بن كلثوم في كفة لمالت بأكثرها.
آثار من شعر عمرو
١ - روى صاحب ديوان الحماسة لعمرو بن كلثوم أبياتاً له من خير الأبيات يمتدح فيها بقومه، هي:
معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالك، أو أن نضج من القتل
стр. 89
قراع السيوف بالسيوف حلنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل
فما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل
ثلاثة أثلاث، فأثمان خيلتنا ... وأقواتنا وما نسوق إلى القتل
٢ - وله يتوعد عمرو بن أبي حجر الغساني:
ألا فاعلم أبيت اللعن أنا ... على عمد سنأتي ما نريد
تعلم أن محملنا ثقيل ... وأن زياد كبتنا ديد
وأنا ليس حي من معد ... يوزننا إذا لبس الحديد
٣ - ومعلقته مشهورة ومطلعها:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
يبدؤها بوصف الخمر، وينتقل منها إلى الغزل إذ يقول:
قفي قبل التفرق يا ظعينا ... نخبرك اليقين وتخبرينا
ثم ينتقل إلى موضوع المعلقة، ويظهر أن هذا الموضوع مقسم إلى قسمين عملاً في زمنين مختلفين، أولهما عمل أيام التحاكم أمام عمر بن هند والمفاخر بين تغلب وبكر ويبتدئ من قوله:
أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا
بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا
ويفخر فيه بنفسه وقومه:
ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا
والثاني عمل بعد قتله عمرو بن هند، وأوله:
بأي مشيئة عمرو بن هند ... نطيع بنا الوشاة وتزدرينا؟
بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لقيلكم فيها قطينا؟
تهددنا وتوعدنا!! رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا
فإن قناتنا يا عمرو أعيت ... على الأعداء قبلك أن تلينا
آراء النقاد في شعره
١ - قال الكميت: عمر بن كلثوم أشعر الناس، وذكره في المزهر مع أصحاب الواحدة وأولهم طرفة، ومنهم عنترة، والحارث بن حلزة، وشاعرنا عمرو بن كلثوم.
٢ - وجعله ابن سلام في الطبقة السادسة من شعراء الجاهلية، وهم أربعة رهط لكل واحد منهم واحدة، وأولهم عمرو بن كلثوم، ثم الحارث بن حلزة وعنترة، وسويد بن أبي كاهل اليشكري.
٣ - وقد قدمه بعض النقاد وقالوا: هو من قدماء الشعراء وأعزهم نفساً وأكبرهم امتناعاً وأجودهم واحدة، وقال عيسى بن عمر: لله در عمر أي حلس شعر ووعاء علم، لو أنه رغب فيما رغب فيه أصحابه، من الشعراء.. وإن واحدته لأجود سبعهم - يعني السبع المعلقات -. وذكر أبو عمرو بن العلاء أن عمرو بن كلثوم لم يقل غير واحدته - معلقته - ولولا أنه افتخر فيها وذكر مآثر قومه ما قالها. وجعله صاحب شعراء النصرانية من شعراء الطبقة الأولى.
٤ - وقيل إنه كان ينشد عمرو بن هند وهو المحرق الثاني من ملوك الحيرة، فبينما هو ينشده في صفة جمل إذ حالت الصفة إلى صفة ناقة، فقال طرفة "استنوق الجمل"، والبيت الذي قاله عمرو:
وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم
فقال عمرو: وما يدريك يا صبي؟ فتشاتما. فقال عمرو بن المنذر: سبه يا طرفة، فقال قصيدته:
أشجاك الربع أم قدمه ... أم سواد دارس حممه
حتى بلغ قومه:
فإذا أنتم وجمعكمو ... حطب للنار نضطرمه
فقال عمرو بن كلثوم يتوعد عمرو بن هند:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا؟
ويروى أن هذه القصة كانت بين طرفة والمتلمس، وأنه ما كان ليجترئ على عمرو بن كلثوم بمثل هذا لشدته في قومه.
ويروى لعمرو ذي الطوق.
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا
فاستلحقهما عمرو بن كلثوم في معلقته. والاستلحاق أخذ الشاعر بيتاً مما سبقه على الجهل المثل (٢١٦-٢ العمدة) .
ويرى الدكتور طه حسين في كتابه الأدب الجاهلي أن عمرو بن كلثوم قد أحيط بطائفة من الأساطير، وأن معلقته لا يمكن أن تكون هي أو أكثرها جاهلية، وأن والرواة شكوا في بعضها، وأن معلقة الحارث أمتن وأرصن من معلقة ابن كلثوم.. وذكر أخيراً أنه يرجح أن المعلقتان منتحلتان.
خصائص شعر عمرو
стр. 90
أ - وعمرو بن كلثوم شاعر غمر البديهة رائق الأسلوب، نبيه الغرض وإن كان مقلاً، لم يتقلب في فنون الشعر ولم يرخ العنان لسليقته، شغلته الرياسة وخوض الحروب وتكسب الشعراء بالشعر عن أن يفيض في الشعر ويطرق أكثر أبوابه، ولذلك لم يشتهر إلا بمعلقته التي قامت له مقام الشعر الوفير، لحسن لفظها وانسجام عبارتها ووضوح معناها ورشاقة أسلوبها وعلو فخرها ونباهة مقصدها، ورويت له مقطعات، لم يخرج فيها عن أغراض معلقته.. ولعل شهرته بالخطابة لا تقل عن شهرته بالشعر.
ب - وأسباب شاعريته ترجع إلى: ١ - أسرة الشاعر وكثرة الشعراء منها ومن قبيلته.
٢ - بيئته في الجزيرة الفراتية واتصالها بثقافات كثيرة منها ثقافة النصرانية التي انتشرت فيها، ومنها الثقافة الفارسية التي لابد أن تكون قد أحدثت آثارها في هذه النواحي الخاضعة لنفوذ الحيرة وملوكها.
٣ - مجد الشاعر وحسبه فقد أنطقاه بهذا الشعر الرائع والفخر القوي البليغ.
٤ - كثرة الخصومات والحروب بين تغلب وبكر، وقد شاهدها الشاعر وأججت ثورة الشاعرية في نفسه.
٥ - الخصومات الأدبية بينه وبين خصمه شاعر بكر الحارث بن حلزة ، إلى غير ذلك من بواعث شاعريته.
ج - وأهم أغراض الشعر عند عمرو هو الفخر، ومن أولى من عمرو بن كلثوم بأن يفتخر بمجده ومجد قومه وحسبهم وشرفهم ومحتدهم الرفيع وفخره في معلقته صفحة من تاريخ قومه الحربي والسياسي.
د - ومهما كان فأسلوب عمرو يمتاز بقوته وسلاسته وحلاوته، وتمتاز معانيه بالوضوح وكثرة المبالغة وبالصراحة وروح الصحراء البادية فيه.
نثر الشاعر
١ - قال عمرو من خطبة له: أما بعد، فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه تزكية نفسه، ولا يعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم برغبته وائتمانه إياهم على حرمته.
٢ - وأوصى عمرو بن كلثوم التغلبي بنيه، فقال من وصية له: "زوجوا بنات العم بني العم، فإن تعديم بهن إلى الغرباء، فلا تألوا بهن الأكفاء، وأبعدوا بيوت النساء من بيوت الرجال، فإنه أغض للبصر، وأعف للبشر، ومتى كانت المعاينة واللقاء، ففي ذلك داء من الأدواء، ولا خير فيمن لا يغار لغيره، كما يغار لنفسه. وقل من انتهك حرمة لغيره، إلا انتهكت حرمته، وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا، وموت عاجل خير من ضنى آجل وما بكيت من زمان، إلا دهاني بعده زمان وربما شجاني، من لم يكن أمره عناني، وما عجبت من أحدوثة إلا رأيت بعدها أعجوبة، واعلموا أن أشجع القوم العطوف وخير الموت تحت ظلال السيوف الخ". (والوصية بتمامها في بلوغ الأرب ج٣) .
الحارث بن حلزة
حياته
من يشكر بن وائل، فارس مقدام وشاعر مجيد، وسيد من سادات بكر، كما كان عمرو بن كلثوم سيد تغلب وشاعرها، وهو أحد شعراء المعلقات، ومطلع معلقته:
آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
وكان سبب إنشاده هذه القصيدة أن عمرو بن هند ملك الحيرة - وكان جباراً عظيم السلطان - جمع بين بكر وتغلب وأصلح بينهم، وأخذ من الحيين رهنا من كل حي مائة غلام. فكف بعضهم عن بعض، وكان أولئك الرهن يكونون معه في سيره يغزون معه، فأصابتهم سموم في بعض مسيرهم فهلك عامة التغلبيين وسلم البكريون، فقالت تغلب لبكر بن وائل: أعطونا دية غلماننا، فأبت بكر ذلك فاجتمعت تغلب إلى عمرو بن كلثوم واجتمعت بكر إلى النعمان بن هرم اليشكري، واجتمع الجمع عند الملك عمرو بن هند، وتلاحى عمرو بن كلثوم والنعمان بن هرم أمام الملك فغضب عمرو بن هند، وكان يؤثر بني تغلب على بكر، واشتد غضبه على بكر والنعمان صاحبهم فقام الحارث بن حلزة وارتجل قصيدته ارتجالاً وهو متوكئ على قوسه، وكان الملك يسمع قصيدة الحارث من وراء حجاب لأنه كان لا يحب رؤية أحد فيه سوء، وكان الحرث به وضح فلما أنشد القصيدة أدناه حتى خلص إليه.. ويقال إن الحارث عندئذ كان طاعنا في السن وكان فوق المائة، وترى أثر السن ونضوجها وحكمتها وحلمها ووقارها في القصيدة واضحاً جليا حيث رد على تغلب في أناة وهدوء وحملها تبعة الحرب واستدرج عمرو بن هند إلى أن يكون في جانب قومه فمدحه ومدح قومه، وبها قضى عمرو لبكر على تغلب، وأطلق رهنهم وكانوا عدة فتيان من أشراف بكر. وقد بدأها بالغزل ووصف الناقة، ثم وصل إلى غرضه من الخصومة بين بكر وتغلب:
стр. 91
وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء، وخطب نعنى به ونساء
ويرد على عمرو بن كلثوم بقوله:
أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء؟
ثم يأخذ في مدح عمرو بن هند:
فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء
ملك أضلع البرية لا يو ... جد فيها لما لديه كفاء؟
وفي المعلقة بعد ذلك أبيات لها قيمة كبيرة في شرح أحداث تاريخية وسياسية، من صلح كان بين تغلب:
واذكروا حلف ذي المجاز وما قد ... م فيه العهود والكنفلاء
وأيام كانت بين تغلب أخرى غلبت فيها تغلب: أعلينا جناح كندة: أن يغنم غازيهم، ومنا الجزاء؟ وعداء قديم كان بين المنذر ملك الحيرة والتغلبيين لما امتنوا به من نصرته وعلى العكس من ذلك ولاء البكريين لملوك الحيرة. وينتقل من ذلك إلى مدح عمرو بن هند وآبائه:
أيها الناطق المبلغ عنا ... عند عمرو، وهل لذاك انتهاء؟
ملك مقسط وأفضل من يم ... شي، ومن دون ما لديه الثناء؟
وطبعت المعلقة في أوربا لأول مرة عام ١٨٢٧ م.
وعلى الجملة، فقد كان عمرو بن كلثوم في قوله أعز نفساً وأعلى قدراً، وضع نفسه وقومه موضع الند لعمرو بن هند وقومه.. وكان الحارث أحكم وأعقل.
وضع الحارث أمام نفسه غرضاً تحايل على الوصول إليه، في دهاء وإيماء وملق، حتى وصل إليه فحكم له ولقومه.
شعره
يمتاز الحارث بالبديهة والارتجال وقوة الشاعرية، وبتعدد فنون الشعر في معلقته وكثرة غريبها وإحكام نظمها على طولها، واشتمالها على كثير من أيام العرب ووقائعها، حتى قال أبو عمرو الشيباني: "لو قالها في حول لم يلم".
ومن شعره في غير المعلقة:
من حاكم بيني وبين ... الدهر مال على عمدا
أودى بسادتنا وقد ... تركوا لنا حلقا وجردا
خيلي وفارسها ورب ... أبيك كان أعز فقدا
فلو أن ما يأوي إلى ... أصاب من ثهلان هدا
فضعي قناعك إن ريب ... الدهر قد أفنى معدا
فلكم رأيت معاشرا ... قد جمعوا مالا وولدا
فعش بجد ولا يضر ... ك النوك ما لاقيت جدا
والعيش خير في ظلا ... ل النوك ممن عاش كدا
معلقة الحارث بن حلزة
١ - الحارث بن حلزة اليشكري من بكر، كان سيداً في قومه، وشاعراً مجيداً، ارتجل معلقته ارتجالاً في مجلس عمرو بن هند، يستدني بها عطفه، ويستجلب رضاءه ويذود بها عن قومه، وكان هوى عمرو بن هند مع تغلب، فتحول إلى العطف على البكريين بسبب هذه القصيدة الرائعة. وليس للحارث إلا آثار قليلة من الشعر مع معلقته هذه.
٢ - وتمتاز هذه المعلقة بإحكام نسجها وتنوع أغراضها، وبأنها أثر من آثار البديهة والارتجال.
أ = بدأها بالغزل في محبوبته أسماء:
آذنتنا بينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء
بعد عهد لنا ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء
لا أرى من عهدت فيها فأب ... كي اليوم دلها وما يحير البكاء
ب - ثم انتقل إلى وصف ناقته، وكما يقول:
أتلهى بها الهواجر إذ كل ... ابن هم بلية عمياء
ج - ثم يعاتب إخوانه من بني تغلب لصلفهم على قومه:
إن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء
يخلطون البريء منا بذي الذن ... ب ولا ينفع الخلي الخلاء
أجمعوا أمرهم عشاء، فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من مناد، ومن مجيب، ومن تص ... هال خيل خلال ذاك رغاء
أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء؟
فبقينا على غراتك إنما ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشناءة تنمي ... نا حصون وعزة قعساء
ثم يمدح الملك عمرو بن هند حينا، ويستمر في عتاب إخوانه من تغلب حيناً آخر:
ملك مقسط، وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثناء
أيما خطة أردتم فأدو ... ها الينا تمشي بها الأملاء
ويسير على هذا النهج من المدح والعتاب.
د - ثم يفتخر بقومه ومجدهم وأيامهم في صدق وجمال وقوة عاطفة:
هل علمتم أيام ينتهب النا ... س غوارا لكل حي عواء
стр. 92
إلى آخر هذه القصيدة الرائعة، التي يصح لنا أن نعدها ملحمة شعرية مصغرة، تنطق بمجد بكر ومفاخرها في الحرب والسلم في الجاهلية.
مختارات من المعلقة:
وأتانا من الحوادث والأن ... باء خطب نعنى به ونساء
أن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قيلهم إحفاء
يخلطون البريء منا بذي الذن ... ب، ولا ينفع الخلي الخلاء
زعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا، وأنا الولاء
أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
من مناد، ومن مجيب، ومن تص ... هال خيل، خلال ذاك رغاء
أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو، وهل لذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك، إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشناءة تنمي ... نا حصون، وعزة قعساء
قبل ما اليوم بيضت بعيون ... الناس فيها تعيط وإباء
وكأن المنون تردى بنا أر ... عن جوناً ينجاب عنه العماء
مكفهرا على الحوادث لا تر ... توه للدهر مؤيد صماء
أيما خطة أردتم فأدو ... ها إلينا تمشي بها الأملاء
إن نبشتم ما بين ملحة فالصا ... قب فيه الأموات والأحياء
أو نقشتم، فالنقش يحشمه النا ... س، وفيه الصلاح والإبراء
أو سكتم عنا، فكنا كمن أغ ... مض عيناً في جفنها أقذاء
أمية بن أبي الصلت ٥٥٠ - ٦٢٤ م
- ١ -
حياة الشاعر
نسبه وأسرته
هو أمية بن عبد الله أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف بن أمية الثقفي شاعر ثقيف، وأحد المتلمسين للدين في الجاهلية، ومن أشراف قبيلته ورؤسائها.
أبوه أبو الصلت من سادات ثقيف، وأمه رقية بنت عبد شمس بن مناف. وكان والده شاعراً، وله قصائد يمدح فيها سيف بن ذي يزن ٥٧٩ م ويشيد بالفرس الذين ساعدوه على تحرير اليمن من نير الحبشة واحتلالها، ومنها هذه القصيدة التي نظمت عام ٥٧٣ م، والرسول ابن عامين.
لا يطلب الوتر إلا كابن ذي يزن ... في البحر لجج للاعذام أحوالا
ويروى: خير أي أقام.
ومنها في الفرس:
لله درهم من عصبة خرجوا ... ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبه غراً جحاجحه ... أسدا تربب في الغيضات أشبالا
لا يرمضون إذا حرت مغافرهم ... ولا ترى منهم في الطعن ميالا
من مثل كسرى وسابور الجنود له ... أو مثل وهرز يوم الحبش إذ صالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... في رأس غمدان دارا منك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وتنسب القصيدة لأمية نفسه لا لأبيه في بعض المصادر.
بيئته ومولده
ولد أمية في أواسط القرن السادس الميلادي، ونشأ بالطائف، وهي مصيف أهل مكة ومتنزههم، وروضة خصبة وسط الصحراء القاحلة، وأطيب البلاد العربية هواء وأجملها مناخا وأكثرها بساتين وكروما وزرعا وفاكهة وعيونا وهي في الجنوب الشرقي لمكة وبينهما خمسة وسبعون ميلا. ويقول الشاعر:
تشتو بمكة نعمة ... ومصيفها بالطائف
وكانت الفترة التي عاش فيها أمية فترة عجيبة في تاريخ العرب، فالاحتلال الحبشي لليمن قد انتهى وصحبه امتداد نفوذ الفرس على هذه البلاد واختلاط العقليات العربية والفارسية وتجاورها وتبادل التفكير والثقافات الطارئة وقد وعى العرب لهذه الألوان الطريفة من القصص والأساطير والأخبار والعقائد والمحاورات التي هي جزء من ثقافة الفارسي الأصيلة أو المستمدة من ثقافات الهند وعلومها.
أما بيئة الطائف الأدبية فإنها على أي حال لم تصل نهضة الشعر فيها إلى ما وصلت إليه في نجد، كان فيها شعراء وليس شعرهم بالكثير، والسبب في ذلك كما يرى ابن سلام هو قلة الحروب والخصومات بين أهل الطائف، وأنه إنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء، وهذا هو السبب أيضاً في قلة شعر قريش وأهل عمان، ولم ينبع في الطائف سوى أبي الصلت، وابنه أمية وهو أشعرهم، وغيلان بن سلمة وكنانة بن عبد يا ليل.
نشأته وحياته
نشأ أمية في هذه البيئة، وشب شاعراً يرث من أبيه مواهب الشعر وملكاته، وأخذ يمارس التجارة وظل يمارسها طول عمره، فتارة إلى الشام وتارة إلى اليمن.
стр. 93
واتصل بالفرس في اليمن وسمع محاوراتهم وقصصهم، كما اتصل بالكهان والأحبار والقسس في الشام وسمع عظاتهم، وشاهد مظاهر القلق الروحي البادية في تفكير بعض العرب المتعبدين أمثال: زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، ويبدو أنه كان عالماً بغير العربية على ما يظهر فاطلع على كتب القدماء وخصوصاً التوراة والإنجيل.
وهكذا نشأ أمية مفطوراً على التدين، موهوباً ملكات الشاعرية القوية الجياشة.
وسافر إلى الشام في رحلات تجارية كما سافر إلى اليمن فلقي في رحلته بعض المتدينين هناك وسمع أخبارهم وعظاتهم، فرغب عن عبادة الأوثان وزهد في الدنيا، واستزاد النظر في الأديان وطلبها من أهل الكتاب، وروى الكثير من أخبار اليهود والنصارى وأقاصيص الشيوخ في الجاهلية من الذين يعبدون الله على دين إبراهيم وإسماعيل، وخاض في التوحيد وأمر الآخرة وتعبد ولبس المسوح وحرم الخمر والزنا والقمار على نفسه، ورأى في الكتب الدينية ما يبشر ببعثة نبي من العرب فطمع في أن يكون هو النبي المنتظر، وأخذ يدعو الناس إلى الحيفية دين إبراهيم وإسماعيل ويظهر التأله طمعاً في نزول الوحي عليه، ومع ميله إلى الحنيفية ملة إبراهيم السمحاء فقد كان لا يقلع عن التردد على الأديار، يجافس الرهبان ويختلف إلى الكنائس، يحاور القسس ويخبر الناس أن نبياً يخرج قد أطل زمانه.
ولما بعث محمد رسول الله صلوات الله عليه وقام بالدعوة، أدرك أمية الحسد وكفر به، وقال: "إنما كنت أرجو أن أكونه"، فنزل قوله تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين"، ثم أخذ يحرض على الرسول ويرثي قتل أعدائه في موقعة بدر، فنهى عن رواية شعره في ذلك، وكان الرسول ﷺ إذا سمع شعره في التوحيد يقول "آمن لسانه وكفر قلبه"، ويقول "كاد ليسلم" كما روى الإمام مسلم في صحيحه: ولم يطق أمية - بعد أن شاهد ذيوع الدعوة وانتشار الإسلام - أن يقيم على مقربة منه، فذهب بابنيه إلى أقصى اليمن ولكنه عاد إلى الطائف ثانياً بعد هجرة رسول الله إلى المدينة. وبقي بها إلى أن توفي في السنة التاسعة من الهجرة عام ٦٢٤م، ويروون أنه لما مرض مرضته التي مات فيها جعل يقول "قد دنا أجلي وهذه المرضة منيتي وأنا أعلم أن الحيفية حق ولكن الشك يداخلني"، وأنه لما دنت وفاته أغمي عليه قليلاً ثم أفاق وهو يقول:
لبيكما لبيكما ... هأنذا لديكما
لا مال يفيدني ... ولا عشيرة تنجيني.
وأغمي عليه ثم أفاق وهو يقول ذلك البيت ويصله بقوله: "لا برئ فاعتذر ولا قوي فانتصر" وأغمي عليه ثالثة ثم أفاق وهو ينشد البيت المذكور ويصله ببيت آخر بعده هو:
إن تغفر اللهم تعفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
وأقبل على القوم فقال: قد جاءني وقتي فكووا في أهبتي. واستمر يحدثهم حتى كان آخر قوله هذه الأبيات:
كل عيش وإن تطاول دهرا ... منتهى أمره إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا
فاجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر، إن للدهر غولا
وقد تكون هذه القصة من أساطير الرواة.
وبذلك انتهت حياة أمية، ومات ولم يؤمن بدين الإسلام والتوحيد، بعد أن كان داعية الطهر والتوحيد، وتوفي عام ٩ هـ وفي كتاب شعراء النصرانية أن وفاته كانت في السنة الثانية من الهجرة.
ألوان من حياته
١ - كان لأمية ابن عاق فأنشد فيه قصيدته:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً ... تعل بما أحنى عليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلا ساهراً أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي منك هجرا وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل
وسميتني باسم المفند رأيه ... وفي رأيك التفنيد لو كنت تعقل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل
وهي نمط جميل من الشعر العالي، وتصوير لما لقي أمية من ابن من أبنائه من جفاء وعقوق.
стр. 94
٢ - واتصل أمية أكثر ما اتصل بعبد الله بن جدعان التيمي وهو سيد من سادات قريش، وكان جواداً مضيافاً، وكان أمية كثير المدح له، وكان ابن جدعان يعطيه عطاء جزلا، كما كان يفعل هرم بن زهير.
ومن شعره فيه:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الحسب المهذب والسناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
تبارى الريح مكرمة ومجدا ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
فأرضك كل مكرمة بناها ... بنو تيم وأنت لها سماء
فهل تخفى السماء على بصير ... وهل بالشمس طالعة خفاء؟
ويقول فيه أيضاً:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... يبذل وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجهه ... إليك كما بعض السؤال يشين
ويقول فيه أيضاً حين صنع ابن جدعان الفالوذ ووضع موائده بالأبطح إلى باب المسجد، ونادى الناس فحضروا وكان هذا أول أكلهم له وحضر أمية فقال:
ومالي لا أحييه وعندي ... مواهب يطلعن من النجاد
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد
إلى آخر هذه الأبيات الطرفة التي تنسب أيضاً إلى أبي الصلت.
هذا وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان التيمي. وقد كان من مشاهير الأجواد، وممن سارت بجوده الأمثال في الأقطار والبلاد. وكان يسمى بحاسي الذهب لأنه كان يشرب في إناء من الذهب. وقالوا في المثل أقرى من حاسي الذهب. وكان من قريش، وفيه قال أبو الصلت الثقفي أو ابنه أمية:
له داع بمكة مشمعل وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزري ملاء لباب البر يلبك بالشهاد
وكان في ابتداء أمره على ما يروى صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكأ لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضه عشيرته ونفاه أبوه وحلف لا يؤويه أبداً، فخرج في شعار مكة حائراً ثائراً يتمنى الموت أن ينزل به فرأى شقا في جبل فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما بقتله فيستريح فلم ير شيئاً فدخل فيه، فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدحان كالسراجين، وإذا هو مصنوع من ذهب وعيناه ياقوتتان، فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من فضة تاريخهم وإذا هم رجال من ملوك جرهم وآخرهم موتا الحرث بن مضاض، وإذا عليهم ثياب من وشى لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات. وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذتم علم على الشق بعلامة، وأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج منه يسترضيه ويستعطفه ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف وفي القاموس، وربما كان يحضر النبي ﷺ طعامه. وكانت له جفنة يأكل منها القائم والراكب لعظمها، بل كانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير، وسقط فيها صبي فغرق ومات. وعبد الله بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها. ولذلك قالت يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال ﷺ : لا إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. وكان ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية بعد أن كان بها مغرى وذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه ويقبض على ضوء القمر ليأخذه، فضحك منه جلساؤه فأخبر بذلك حين صحا فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر وهرم أراد بنو تميم أن يمنعوه من تبذير ماله ولاموه في العطاء فكان يدعو الرجل فإذا دنى منه لطمه لطمة خفيفة ثم يقول له: قم فأنشد لطمتك واطلب ديتك فإذا فعل ذلك أعطته بنو تميم من مال ابن جدعان.
- ٢ -
شعر أمية
أهم الدراسات عن أمية وشعره
١ - كتب عن أمية ابن سلام في طبقات الشعر وابن قتيبة الشعر والشعراء وذكره الأغاني والمرزباني والدميري وصاحب خزانة الأدب، وابن رشيق في العمدة.
стр. 95
وترجم له صاحب شعراء النصرانية وجورجي زيدان، وصاحب كتاب الأدب العربي وتاريخه في العصر الجاهلي، وترجم له السباعي بيومي، والزيات، وأصحاب الوسيط.
وعده صاحب الجمهرة من أصحاب المجمهرات - وهي سبع قصائد تلي المعلقات في المنزلة الأدبية - وروى مجمهرته:
عرفت الدار قد أقوت سنينا ... لزينب إذ تحل بها قطينا
وألف أحد أساتذة كلية اللغة العربية رسالة فيه وفي حياته وشعره وهي مخطوطة بمكتبة الكلية.
وطبع ديوانه المستشرق الألماني "فريدرك شولتهيس" عام ١٩١١ معتمداً على عدة مصادر، منها شرح محمد ابن حبيب العالم الرواية م ٢٤٥ هـ.
وطبع لأمية ديوان في بيروت عام ١٩٤٣، إلى غير ذلك من شتى الدراسات عن أمية. ويلاحظ أن بعض الباحثين يعدون أمية جاهلياً لأنه قد توفي بعد ظهور الإسلام بقليل ولأن أكثر آثاره الشعرية نظم قبل الإسلام، ولبيد جاهلي مع أنه توفي عام ٤١ هـ لأنه لم ينظم في الإسلام شيئاً.
وبعضهم يجعله من المخضرمين، لأنه توفي بعد الهجرة ورثى من قتل في بدر من المشركين.
- ٣ -
مكانته في الشعر وآراء النقاد فيه
١ - قال أبو عبيدة: اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد القيس (سكان البحرين) ، ثم ثقيف والطائف وان أشعر ثقيف أمية.
وذكره ابن سلام في شعراء الطائف حين تكلم على شعراء القرى، وقال: وأمية أشعر أهل الطائف.
وكان الكميت يقول: أمية أشعر الناس، قال كما قلنا ولم نقل كما قال.
وقال الأصمعي كما في الأغاني: ذهب أمية بعامة ذكر الآخرة، وذهب عنترة بعامة ذكر الحروب وذهب عمر بعامة ذكر الشباب، وكان أبو عبيدة والأصمعي يقولان، عدي في الشعراء بمنزلة سهيل في النجوم يعارضها ولا يجري معها وكذلك أمية.
وجعله صاحب كتاب شعراء النصرانية من شعراء الطبقة الثانية وذكر ما نصه. وقيل انه من الطبقة الأولى، وهذا مبالغة شديدة منه.
- ٤ -
أسباب شاعريته
هناك أسباب كثيرة كونت شاعرية أمية وأثرت فيها.. منها: ١ - عصره وبيئته: فقد كان العصر الجاهلي وكانت البيئة العربية عامة والطائف خاصة من بيئات الشعر والأدب والبلاغة والبيان، وجو الطائف وجمالها وكثرة خيراتها ومزارعها واستقرار الحياة فيها، كل ذلك كان له أثره في شاعرية الشاعر ولا ريب.
٢ - وراثته الشعر عن أسرته: فقد كان أمية من أسرة شاعرة، واشتهر أبوه بالشعر، وامتدت تلك المواهب الفنية فتوارثها أبناء أمية، وكان ابنه القاسم شاعراً وينسب إليه وإلى أبيه.
قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... ردوه رب صواهل وقيان
وإذا دعوتهم لكل ملمة ... سدوا شعاع الشمس بالفرسان
إلى آخر هذه الأبيات.
٣ - ثقافته ورحلاته: فقد ألم أمية بثقافات واسعة واختلط بالحياة والناس والعناصر في رحلاته التجارية إلى اليمن والشام، مما كان له أثره في شعره وشاعريته.
٤ - فطرته على حب التدين: فقد دفعه ذلك إلى مخالطة رجال الأديان والتحدث إليهم والتأثر بعظاتهم، مما جعل قلبه رقيق العاطفة والشعور، وهما أساس الأدب والشعر، ومما جعله يلون شعره بهذا الروح الديني القوي الغلاب.
٥ - اختلاطه بالحياة الأدبية وبالشعراء في الطائف ومكة وسائر بلاد الجزيرة العربية شاباً ورجلاً وكهلاً، مما جعل الشعر أقرب إلى قلبه وروحه من أي شيء سواه.
إلى غير ذلك من بواعث الشعر وأسبابه في نفس أمية.
إن شعر أمية جدير بأوفر عناية وأدق درس لأنه وقد ذكر ما ذكر من أنباء الرسل وأمور الآخرة لا يعدو واحدة من اثنتين إما أن يكون قد قيل قبل نزول القرآن أو بعد بدء نزوله وفي أثنائه، فإن كانت الأولى فهو وثيقة فريدة في الدلالة على ما عرف بعض العرب لذلك العهد من تلك الشؤون، وإن كانت الثانية فقد أراد به صاحبه لا محالة معارضة القرآن فانقطع وتخلف ولم يستطع الكفار أن يشغبوا به.
وهذه أبيات من شعره تدل على طريقته، والأرجح أن نسبتها إليه صحيحة فإنها من قصيدة استشهد سيبويه ببيت منها وعنى بروايتها شراح كتابه، وقل أن يجوز عليهم غير صحيح.
قال أمية يذكر إرسال موسى وهارون إلى فرعون وفي الأبيات روح التأثر بالقرآن:
وأنت الذي فضل من سيب ونعمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقال أعني بابن أمي فانتي ... كثير به، يارب صل لي جناحيا
стр. 96
وقلت لهارون اذهبا فتظاهرا ... على المرء فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له هل أنت رفعت هذه ... بلا عمد أرفق إذن بك بانيا
وقولا له هل أنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنه الليل ساريا
وقولا من أخرج الشمس بكرة ... فأصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من أنبت الحب في الثرى ... فأصبح منه البقل يهتز رابيا
فأصبح منه حبه في رؤوسه ... ففي ذاك آيات لمن كان واعيا
- ٥ -
خصائص شعره
أولاً، من حيث الأسلوب والألفاظ
يعد أمية من أكبر شعراء القرى العربية على قلة الشعر فيهم، غير أن الذي أزرى بشعره في نظر بعض النقاد حتى أسقطوا الاحتجاج به كثرة استعماله للتدخيل من العبرية والسريانية في شعره، كما أنكروا عليه حق التعريب لشدة مخالطته للأعاجم وإن كان عربياً صريحاً، كما أنكروه على عدي لإدخاله الكثير من ألفاظ الفرس في شعره. قال ابن قتيبة: "واني بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب وكان يأخذها من الكتب، منها قوله: وخان أمانة الديك الغراب. ومنها قوله: قمر وساهور يسيل ويغمد". وزعم أهل الكتاب أن الساهور غلاف القمر يدخل فيه إذا انكسف. وعلماؤنا لا يرون شعره حجة.. وكان أمية يسمي الله في بعض أشعاره "السلطيط" وفي بعضها "التغرور"، وربما اقتبسهما من الحبشية أو صاغهما على صيغ تلك اللغة، فالأحباش يسمون الله في اللغة الأمحرية "أغزابهم" فلعلها كانت قبلا أقرب إلى "التغرور".
ومهما كان فإن في أساليب أمية بل وفي معانيه أشياء لم تكن العرب تعرفها، ولاشك أنه قرأها في بعض الكتب فأدخلها في شعره، وكان أمية يسمي السماء صاقورة وحاقورة. وكان قلق اللفظ سخيف النسج نابي القافية. كل هذا إنما كان في شعر أمية الديني. أما شعره الغير الديني فأرى عليه طلاقة الأسلوب وسهولة اللفظ وعذوبة العبارة وحلاوتها ورقتها وطلاوة البيان. كما في مدائحه لابن جدعان وقصيدته في ابنه وسواهما.
ثانياً، من حيث المعاني والأخيلة
انصرفت قريحة أمية إلى المعاني الدينية فاشتهر بها أمره، واصطبغ بها شعره، فوصف الله وذكر الحشر والحساب والجنة والنار والملائكة كما ذكر خلق الأرض والسموات. قال ابن سلام: "وكان أمية كثير العجائب في شعره، يذكر فيه خلق السموات والأرض، ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء.
ونظم حوادث التوراة كخراب سدوهم وقصة إسحاق وإبراهيم، وأدخل في الشعر معاني لم يألفها الشعراء، ولم يعرفها العرب، فكان مذهب أمية في شعره غير معهود في عصره، وكان سبباً في أن ينحله العلماء ما جاء على شاكلة تلك المعاني من الشعر ولم يعرفوا قائله، مما كان له أثره في عدم عناية الأدباء والرواة والنقاد بشعره، وإهمالهم له. ويقول الحجاج: "ذهب قوم يعرفون شعر أمية وكذلك اندراس الكلام".
وذكر كثيراً من العجائب والقصص الخيالية والأساطير الخرافية وخلق العالم وفنائه وأحوال الآخرة وصفات الخالق والخشوع له. مما يتخلله شيء من الحكم والأمثال.
ولا شك أن شعر أمية الذي لم يصطبغ بصبغته الدينية يخلو من هذه السمات ويسير الشاعر فيه على نهج الشعراء الجاهليين، من صدق المعنى وبساطته وسذاجته، مع تلون الثقافة فيه إلى حد ما، لثقافة أمية الواسعة. ومع البعد عن الخيال الكاذب والمبالغة المفرطة فيه.
ويأخذ في شعره الكوني والديني من أساليب ومعاني وروح القرآن الكريم كما في قوله من قصيدة:
عند ذي العرش يعرضون عليه ... يعلم الجهل والكلام الخفيا
يوم نأتيه وهو رب رحيم ... إنه كان وعده مأتيا
يوم نأتيه مثل ما قال فردا ... لم يذر فيه راشدا وغويا
أسعيد سعادة أنا أرجو ... أم مهان بما كسبت شقيا
رب كلا حتمته وارد النا ... ر كتابا حتمته مقضيا
إذ لا يتأتى أن يحمل ذلك على المصادفة والاتفاق، ولا على أنه أخذه مما قرأ من الكتب.
ولا شك أن ثقافة أمية الواسعة جعلته يستمد معانيه وأفكاره وأخيلته من كثير من الثقافات والمصادر.
ثالثاً، من حيث أغراض الشعر وفنونه
ويمكننا أن نقسم شعر أمية إلى قسمين:
(أ) شعره في غير الدين
стр. 97
وقد نحا أمية فيه منحى الشعراء في الأغراض والمعاني والأسلوب: ١ - فنظمه في المديح، كما في مدائحه السابقة لابن جدعان التي يظهر عليها روح الشاعرية ومواهبها العالية القوية الأخاذة المندفقة.
٢ - ونظمه في الرثاء، ومن ذلك قصائد له كثيرة، منها قوله يرثي زمعة بن الأسود وأخاه عقيلا من بني أسد:
عين بكى بالمسبلات أبا الحا ... رث لا تذخري على زمعة
وعقيل بن أسود أسد البأ ... س ليوم الهياج والدقعة
فعلى مثل هلكهم حوت الجو ... زاء لا خانة ولا خدعة
وهم الأسرة الوسيطة من كع ... ب وفيهم كذروة القمعة
أنبتوا من معار سعر الرأ ... س وهم ألحقوهم المنعة
فبنو عمهم إذا حضر البأ ... س عليهم أكبادهم وجعة
وهم المطعمون إذا أقحط القط ... ر، وحالت فلا ترى قزعة
وقال يرثي قتلى بدر وفيهم عتبة وشيبة ابنا خاله:
ألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولى الممادح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حرى مستكي ... نات يرحن مع الروائح
مثالهن الباكيا ... ت المعولات من النوائح
من يبكهم يبكي على ... حزن ويصدق كل مادح
أولا ترون لما أرى ... ولقد أبان لكل لامح
أن قد تغير بطن مك ... ة فهي موحشة الأباطح
من كل بطريق لبط ... ريق نفى اللون واضح
ومن السراطمة الخلا ... جمة الملاوثة المناجح
القائلين الفاعل ... ين الآمرين بكل صالح
المطعمين الشحم فو ... ق الخبز شحما كالأنافح
لكرامهم فوق الكرا ... م مزية وزن الرواجح
كتثاقل الأرطال بال ... قسطاس في الأيدي النوافح
خذلتهم فئة وهم ... يحمون عورات الفضائح
ولقد عناني صوتهم ... من بين مستسق وصائح
لله در بني علي ... أيم منهم وناكح
إن لم تغيروا غارة ... شعواء تجحر كل نابح
بالمقربات المبعدا ... ت الطامحات مع الطوامح
٢ - الفخر: كانت مادة الفخر أمام أمية كثيرة لمجد بيت أبيه من ثقيف وبيت أمه من عبد شمس، وكان قوله فيه فائقا بالغا وإن كان مقلا، ولعل إقلاله في هذا الباب ناشئ كما يقول السباعي بيومي من ميله إلى الناحية الدينية التي تزهد الإنسان في مفاخر هذه الحياة، ولذا يغلب أن تكون مجمهرته في الفخر قد قيلت قبل أن يتوغل في الورع والتدين، وهي حافلة بماله ولقومه من مكانة وعلاء. وقد جاءت متفقة مع معلقة ابن كلثوم وزناً ورويا ومتحدة معها في كثير من المعاني والأساليب لما فيه طبع أمية من ميل إلى السهل النازع إليه عمرو دون غيره من رجال المعلقات، ومنها:
فإما تسألي عني لبيني ... وعن نسبي أخبرك اليقينا
ثقي أني النبيه أبا وأما ... وأجداد سموا في الأقدمينا
ورثنا المجد عن كبرى نزار ... فأورثنا مآثرنا البنينا
وأرصدنا لريب الدهر جردا ... تكون متونها حصنا حصينا
وسيأتي تحليل لها.
٤ - ونظم الشعر في الوصف المعنوي لا الحسي، كما في قصيدته في عقوق ابنه، وهو بذلك يخالف جميع شعراء الجاهلية الذين عنوا بمظاهر الصحراء الحسية ووصفها، أما الوصف الحسي فليس له وجود في شعر أمية الذي نظمه في غير الكونيات وشؤون الدين ولكنه كثير جداً في شعره الديني وإن كان هذا الوصف الحسي لا يتناول الصحراء ومشاهدها وإنما يتناول الكون والسماء والأرض ووصف الحياة نفسها.
(ب) شعره الديني
وهو كثير ويغلب على شعر أمية وقد نظمه في أغراض كثيرة منها: ١ - القصص كما في وصفه لسفينة نوح وأسطورة تطويق الحمامة التي دلت أصحاب السفينة على الأرض اليابسة فأعطوها هذا الطوق وكما في قصيدته في ذكر إبراهيم ونذره ولده لله وما كان من حديث الذبح وكما في ذكره لقصة مريم وذكره لخراب سدوم وهي مدينة لوط وما وقع له مع قومه. وكما في قصيدته في غارة الأحباش على الكعبة وإشارته إلى قصة الفيل، وكما في كلامه عن قنزعة الهدهد وخرافة الديك والغراب وصداقتهما القديمة وقصة ثمود ورسالة موسى وهرون، إلى غير ذلك من قصصه وأساطيره.
стр. 98
٢ - شعره في الكونيات وهو كثير كوصفه للكون وخلقه، وللجنة والنار والملائكة، وسوى ذلك من نواحي هذا الفن.
٣ - شعره في توحيد الله وهو كثير جداً في شعره.
ويظهر في شعر أمية الديني الضعف الفني، لصعوبة الكلام في أمور الدين ولأنه كان يعارض القرآن في بعض معانيه فعجز وضعف وخذي.
- ٦ -
نماذج من شعر أمية
١ - قال في سفينة نوح وخرافة تطويق الحمامة إذ دلت من فيها على اليابسة:
وأرسلت الحمامة بعد سبع ... نزل على المهالك لا تهاب
فجاءت بعدما ركضت بقطف ... عليه الثأط والطين الكثاب
فلما فتشوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب
إذا ماتت تورثه بنيها ... وإن تقتل فليس له استلاب
جزى الله الأجل المرء نوحا ... جزاء البر ليس له كذاب
بما حملت سفينته وأنجت ... غداة أتاهم الموت الغلاب
وفيها من أرومته عيال ... لديه لا الظماء ولا السغاب
٢ - وقال في نذر إبراهيم ولده وإرسال الله بالفداء حين هم بالذبح واستسلم الذبيح:
ولإبراهيم الموفى بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال
بكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقتال
ابني إني نذرتك لله ... شحيطا فاصبر فدى لك خالي
فأجاب الغلام أن قال فيه ... كل شيء لله غير انتحال
أبتي إنني جزيتك بالله ... تقيا به على كل حال
فاقض ما قد نذرته لك واكفف ... عن دمي أن يمسه سربالي
واشدد الصفد أن أحيد عن ال ... سكين حيد الأسير ذي الاغلال
بينما يخلع السرابيل عنه ... فكه ربه بكبش جلال
قال خذه وأرسل ابنك إني ... للذي فعلتم غير قالي
ربما تجرع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال
٣ - وقال في خراب سدوم مدينة قوم لوط:
ثم لوط أخو سدوم أتاها ... إذ أتاها برشدها وهداها
راودوه عن ضيفه ثم قالوا ... قد نهيناك أن تقيم قراها
عرض الشيخ عن ذاك بنات ... كظاء بأجرع مرعاها
غضب القوم عند ذاك وقالوا: ... أيها الشيخ خطبة تأباها
أجمع القوم أمرهم وعجوز ... خيب الله سعيها ورجاها
أرسل الله عند ذاك عذابا ... جعل الأرض سفلها أعلاها
ورماها بحاصب ثم طين ... ذي حروف مسمم إذ رماها
ويروى مسوم أي معلم.
٤ - وقال في قصة مريم:
وفي دينكم من رب مريم آية ... منبئة بالعبد عيسى بن مريم
تدل عليها بعدما نام أهلها ... رسول فلم يحصر ولم يترمرم
فقال ألا لا تجزعي وتكذبي ... ملائكة من رب عاد وجرهم
أنيبي وأعطي ما سئلت فإنني ... رسول من الرحمن يأتيك بابنم
فقالت له أنى يكون ولم أكن ... بغيا ولا حبلى ولا ذاب قيم
فسبح ثم اغترها فالتقت به ... غلاما سوى الخلق ليس بتوأم
فقال لها إني من الله آية ... وعلمني والله خير معلم
وأرسلت لم أرسل غويا ولم أكن ... شقيا ولم أبعث بفحش ومأثم
٥ - وقال في حادثة الفيل وأن الدين الحق هو حنيفية إبراهيم بعد ذكر شيء من آيات الله:
إن آيات ربنا باقيات ... ما يمارى فيهن إلا الكفور
خلق الليل والنهار فكل ... مستبين حسابه مقدور
ثم يجلو النهار رب كريم ... بمهاة شعاعها منشور
حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور
لازما حلقة الجران كما قطر ... رمن صخر كبكب محدور
حوله من ملوك كندة أبطا ... ل ملاويث في الحروب صقور
خلفوه ثم انذعروا جميعا ... كلهم عظم ساقه مكسور
كل دين يوم القيامة عن ... د الله إلا دين الحنيفة زور
٦ - وقال في إرسال الله إلى فرعون موسى وهارون:
وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له فاذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى اطمأنت كما هي
وقولا له هل أنت رفعت هذه ... بلا عمد؟ أرفق إذن بك بانيا
وقولا له هل أنت سويت وسطها ... منيراً إذا ماجنه الليل هاديا؟
стр. 99
وقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى ... فيصبح منه البقل يهتز رابيا؟
وقد مضت برواية أخرى.
٧ - وقال في قنزعة الهدهد وأنها مكان حمله أمه في قفاه:
غيم وظلماء وغيث سحابة ... أيام كفن واستراد الهدهد
يبغي الفرار بأمه ليجنها ... فبنى عليها في قفاه بمهد
مهدا وطبا فاستقل بحمله ... في الطير يحملها ولا يتأود
فتراه يدلج ماشيا بجنازة ... منها وما اختلف الجديد المسند
إلى غير ذلك من قصصه وأساطيره.
٨ - وقال في التوحيد:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا
رب الحنيفة لم تنفد خزائنه ... مملوءة، طبق الآفاق سلطانا
ألا نبي لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس محيانا؟
بينا يرببنا آباؤنا هلكوا ... وبينا نقتني الأولاد أفنانا
وقد علمنا لو أن العلم ينفعنا ... أن سوف يلحق أخرانا بأولانا
٩ - وقال في خلق الكون وفناء الخلق وعاقبة الناس مجرمين ومتقين:
إله العالمين وكل أرض ... ورب الراسيات مني الجبال
بناها وابنتي سبعا شدادا ... بلا عمد يرين ولا حبال
وسواها وزينها بنور ... من الشمس المضيئة والهلال
ومن شهب تلألأ في دجاها ... مراميها أشد من النضال
وشق الأرض فانبجست عيونا ... وأنهارا من العذب الزلال
وبارك في نواحيها وزكي ... بها ما كان من حرث ومال
فكل معمر لابد يوما ... وذي دنيا يصبر إلى زوال
ويفنى بعد جدته ويبلى ... سوى الباقي المقدس ذي الجلال
وسبق المجرمون وهم عراة ... إلى ذات المقامع والنكال
فنادوا ويلنا ويلا طويلا ... وعجوا في سلاسلها الطوال
فليسوا ميتين فيستريحوا ... وكلهم بحر النار صالي
وحل المتقون بدار صدق ... وعيش ناعم تحت الظلال
لهم ما يشتهون وما تمنوا ... من الأفراح فيها والكمال
- ٧ -
بعض المنحول من شعره
هذا وقد نخل لأمية شعر كثير، وينفي الأصمعي عنه القصيدة المنسوبة إليه التي منها:
من لم يمت غبطة يمت هرما ... الموت كأس فالمرء ذائقها
وينسبها لرجل من الخوارج، ونقد قوله "الموت كأس".
وينسب هذه القصيدة لأمية: الزبير بن بكار عن شيوخه وعن الحسن البصري أيضاً.
- ٨ - كلمة أخيرة: وبعد، فهذا هو تحليلنا لشعر أمية، ومنه يبدو أنه عبقري في بابه، ونسيج وحده في أغراضه الدينية والكونية على الرغم مما فيها من ضعف في الأسلوب والتركيب لغرابة المعاني التي نظمها.
أما أمية في شعره البعيد عن الدين فيكاد يكون قريباً من زهير، وشبيهاً بالحطيئة وسواه من الشعراء المجيدين.
- ٩ - مجمهرة أمية وتحليلها: ١ - وهي قصيدة غير طويلة نظمها أمية في الفخر بقومه وأحسابهم. وتشبه في شاعريتها وموضوعها وروحها ووزنها وقافيتها وخيالها وكثير من معانيها وأساليبها قصيدة عمرو بن كلثوم أو معلقته:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا
٢ - ومطلع المجمهرة:
عرفت الدار قد أقوت سنينا ... لزينب إذ تحل بها قطينا
٣ - وبعد أبيات في الغزل وذكر الطلول يقول مفتخراً:
فإما تسألي عن لبينى ... وعن نسبي أخبرك اليقينا
ثقي أني النبيه أبا وأما ... وأجدادا سموا في الأقدمينا
ورثنا المجد عن كبرى نزار ... فأور لنا مآثرنا البنينا
وكنا حيثما علمت معد ... أقمنا حيث ساروا هاربينا
وتخبرك القبائل من معد ... إذا عدوا سعاية أولينا
بأنا النازلون بكل ثغر ... وأنا الضاربون إذا لقينا
وإنا المانعون إذ أردنا ... وإنا المقبلون إذا دعينا
وإنا الرافعون على معد ... أكفا في المكارم ما بقينا
نشرد بالمخافة من أتانا ... ويعطينا المقاده من يلينا
стр. 100
٤ - والقصيدة خلو من الروح الديني وقد يكون نظمها في بدء حياته الشعرية وقبل أن يقف نفسه وحياته وشعره على شؤون الدين وذلك يوضح لنا أسباب احتذائه لعمرو بن كلثوم، فالشاعر في أول حياته في الشعر كثيراً ما يقلد النابغين من الشعراء ويحتذيهم، وبين القصيدتين موازنة أدبية طويلة في كتابي موقف النقاد من الشعر الجاهلي.
وأصحاب المجمهرات هم عبيد وعنترة وأمية وعدي وبشر بن أبي خازم وخداش بن زهير والنمر بن تولب.
بعض ما أخذ عليه: ١ - أخذ عليه قوله:
والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء مطلع لونها متورد
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد
فما شأن الشمس تجلد.
٢ - وأخذ عليه قوله:
له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق سبع سمائيا
فقد خرج عن الاستعمال الفصيح لجمعه سماء على فعائل والقياس جمعها على فول ولأنه أقر الهمزة العارضة في الجمع، مع أن اللام معتلة، وهذا غير معروف، ألا ترى أنهم يقولون خطيئة وخطايا لا خطائي، ولأنه أجرى ياء "سمائي" مجرى الباء في ضوارب ففتحها في موضع الجر، والمعروف أن تقول هؤلاء جوار ومررت بجوار فتحذف الياء والنون، وهذه الأوجه ذكرها صاحب الخزانة.
دين أمية: لم يكن أمية وثنياً، وجعله البعض نصرانياً ومنهم المسعودي، وروى صاحب الإصابة أنه مات مسلماً ونسبوا إليه شعراً في مدح الرسول، والذي يراه أنه كان متحنفاً، ويقول:
كل دين يوم القيامة عند ... الله إلا دين الحنفية زور
مصادر ثقافته الدينية: ١ - حنيفية وما كانت تمده به من آراء في الحياة والإله والكون.
٢ - كتب أهل الكتب الدينية التي اطلع عليها أمية كما يبدو ذلك بوضوح شعره، ومنها التوراة والإنجيل.
٣ - الأساطير والقصص والذي كان ذائعاً في العصر الجاهلي، وما تلقفه من أفواه الأحبار والكهان، وما سمه من أساطير فارسياً.
٤ - آراؤه الخاصة في الدين والوجود.
٥ - القرآن الكريم، وهو أهم مصادر ثقافته الدينية.
آراء المستشرقين في أمية
وقد أعمى التعصب الديني بعض المستشرقين (أ) فذهب المستشرق الفرنسي كليمان هيوار (١٨٥٤ - ١٩٢٧) إلى أن شعر أمية كان من مصادر القرآن، وأن الرسول ألف القرآن متأثراً فيما تأثر به بثقافات أمية الدينية في شعره، وهو رأي باعثه التعصب الممقوت.
(ب) وذهب المستشرق الألماني (شولتهيس) إلى أن الأمية منهجاً مستقلاً، ومن ثم أخذ يوازن بين القرآن وشعر أمية وذهب في خطأ جسيم إلى أن أمية كان أدق في كثير من الأحيان في النقل عن الكتب القديمة وأنه كان أعلم وأبعد مدى في الثقافة من محمد وأن المصدر الذي نقل عنه كل منهما واحد، وينكر رأي هيوار في أي شعر أمية كان من مصادر القرآن، ويرى أن القرآن كتاب محمد.
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: أن القصائد والمقطوعات التي وصلت إلينا منسوبة إلى أمية، يمكن قسمتها بحسب موضوعها قسمين كبيرين، أصغرهما يتكون من قصائد وأبيات قيلت في مدح أشخاص وبخاصة في مدح رجل من أغنياء مكة هو عبد الله بن جدعان، وهي لا تختلف في جوهرها عن نظائرها عند غيره من شعراء العرب القدماء، أما القسم الأكبر الذي يبدأ بالقصيدة الثالثة والعشرين، فبدل دلالة كاملة على النزعة التي يمكن تسميتها بالحنيفية، وأساسها القول بإله واحد هو رب العباد، ونرى فيها صوراً شبيهة بالوحي عن مقام الله وملائكته، وحكايات عن الخلق وآراء تتعلق بيوم القيامة والجنة والنار، وفيها دعوة إلى عمل الخير، وإشارات إلى عبر أخذ بعضها من أخبار العرب من عاد وثمود، وبعضها من قصص التوراة عن الطوفان وإبراهيم ولوط وفرعون. وابن أبي الصلت مولع إلى جانب هذا بقص الحكايات على ألسنة الحيوان. ونلاحظ في شعره أيضاً ذكراً للأعمال السحرية.. ومن قصته عن إبراهيم:
ولإبراهيم الموفى بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال
يكره لم يكن ليصبر عنه ... أو يراه في معشر أقتال
ومن يقرأ هذه القصة وما شابهها في القرآن الكريم يعلم صحة ما نقول من أن أمية في هذا الباب متكلف متصنع، محاك لم يحكم المحاكاة، بل إنه نظام وليس بشاعر، وهذا لا يخليه من بعض أبيات كان له فيها بعض الإجادة في هذا الباب.
стр. 101
وقال ابن سلام فيه: وكان أمية كثير العجائب، يذكر في شعره خلق السموات والأرض ويذكر الملائكة، ويذكر من ذلك ما لم يذكره أحد من الشعراء. وقال أبو عبيدة: "اتفقت العرب على أن أشعر أهل المدن أهل يثرب، ثم عبد القيس، ثم ثقيف، وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصلت". وقال الكميت: "أمية أشعر الناس، كما قلنا ولم نقل كما قال". وقال الأصمعي: "ذهب أمية بعامة ذكر الآخرة وذهب عنترة بعامة ذكر الحرب، وذهب عمر بن أبي ربيعة بعامة ذكر الشباب".
ونقول: تلك آراء العلماء في شعر أمية، ولكن ما بين أيدينا من شعره لا ينزله هذه المنزلة، فلعل كثيراً من شعره الجيد قد ذهب مع الزمان.
وقال أبو الفرج في أغانيه: "كان أمية بن أبي الصلت في نظر في الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان ممن ذكر إبراهيم وإسماعيل والحنفية وحرم الخمر، وشك في الأوثان، وكان محققا. والتمس الدين، وطمع في النبوة، لأنه قرأ في الكتب أن نبيا يبعث من العرب فكان يرجو أن يكون هو، فلما بعث النبي ﷺ قيل له: هذا الذي كنت تستريث وتقول فيه فحسده عدو الله وقال إنما كنت أرجو أن أكونه فأنزل الله "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها".
وهو الذي يقول:
كل دين يوم القيامة عند الل ... هـ إلا دين الحنيفة زور
فأنت ترى من هذا أنه كان متألهاً يعبد الله على دين إبراهيم، ويتوقع أن يكون هو صاحب الرسالة الذي بشرت به الكتب التي عكف عليها بالدرس. فلما لم يكن ما خط في سجل القدر موافقا لما وقر في نفسه، غلب جهله على حلمه، وسيطر حسده على فكره، فلم يؤمن بالنبي ﵇، ولم ينهل من حياض شريعته. قال ابن عتيبة في طبقات الشعراء: "وكان أمية يخبر أن نبيا يخرج قد أظل زمانه، وكان يؤمل أن يكون ذلك النبي، فلما بلغه خروج النبي ﷺ كفر به جسدا". ولما بلغه خبر وقعة بدر والذين قتلوا بها من ذوي قرابته قال قصيدته التي يرثي فيها من قتل من قريش ويحرضهم على أخذ الثأر:
ألا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولى الممادح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الغصن الجوانح
ثم أخذ يفيض في وصف قتلى بدر حتى لم يدع مكرمة إلا ألصقها بهم إلى أن قال:
خذلتهم فئة وهم ... يحمون عورات الفضائح
الضاربين التقدمية ... بالمهندة الصفائح
قال ابن هشام بعد رواية هذه القصيدة: "تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب الرسول". وجاء في دائرة المعارف الإسلامية: "والأخبار مختلفة في موقفه بالنسبة للنبي وللإسلام، ولعل الأرجدح أنه لم يلق النبي وأبى أن يصدق بدعوته، يؤيد هذا ما يتجلى في قصيدته المذكورة من عطف على قريش.. وأياً ما كان من شأن هذه الروايات فقد اتفقت جميعاً على أنه مات كافراً ولم يؤمن بالنبي ﵇، روى صاحب الأغاني بسنده قال: "لما أنشد النبي ﷺ قول أمية:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا ... بالخير صبحنا ربى ومسانا
رب الحنيفة لم تنفد خزائنه ... مملوءة بطبق الآفاق سلطانا
ألاني لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
إلى أن قال:
يا رب لا تجعلني كافر أبدا ... واجعل سريرة قلبي الدهر إيمانا
واخلط به بنيتي واخلط به بشري ... واللحم والدم ما عمرت إنسانا
فقال ﷺ "آمن شعره وكفر قلبه". ولولا ما نعرف من غلبة الكذب على كثير من الشعراء لقلنا إن هذه الأبيات منحولة على أمية كما نحل الكثير غيرها ولكنا قد تعودنا من الشعراء غير ذلك، فلا بعد في أن تكون من شعره. ولقائل أن يقول إن هذه القصيدة قيلت قبل مبعث النبي ﵇، وقد اتفق الرواة كما قدمنا على أنه كان موحدا حنيفياً، فلم نشك في نسبتها إليه؟.
الشنفرى الأزدي
من شعراء العرب وفتاكهم، ومن أشهر العدائين فيهم هو والسليك وعمرو بن براق وتأبط شراً.
стр. 102
ويروى أنه حلف مرة ليقتلن من بني سلامان مائة رجل فقتل منهم تسعة وتسعين، فاحتالوا عليه فأمسكوه وكان الذي أمسكه أسير بن جابر أحد العدائين المشهورين، رصده حتى نزل في مضيق ليشرب الماء فوقف له فأمسكه ليلاثم قتله، فمر رجل منهم بجمجمته فضربها برجله، فدخلت شظية من الجمجمة في عينيه فمات منها، فتمت القتلى مئة.
ومن أحسن شعره قصيدته "لامية العرب":
أقيموا بني أمي صدور مطيعكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
وعليها شروح كثيرة، وقد طبعها العلامة سلوستر دي ساسي في كتابه "الأنيس المفيد" ترجمت للفرنسية بقلم العلامة فرستال، كما ترجمت إلى اللغة النمساوية مراراً.
نماذج من شعر الشنفرى: - ١ -
أقيموا بن أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشد لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل
ولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط ذهلول وعرفاء حيأل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
وكل أبي باسل غير أنني ... إذا عارضت أولى الطرائد أبسل
وإن مدة الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل
وأني كفاني فقد من ليس جازيا ... بحسنى ولا في قربه متعلل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع ... وأبيض إصليت وصفراء عيطل
هتوف من الملمس المتون يزينها ... رصائع قد نيطت إليها ومحمل
إذا زل عنها السهم حنت كأنها ... مرزأة عجلى ترن وتعول
ويصف الشنفرى الذئاب الجائعة في لاميته فيقول:
وأعدو على القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهاداه النتائف أطحل
غدا طاويا يعارض الريح هافيا ... نجوت بأذناب الشعاب وبعسل
فلما لواه القوت من حبت أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل
مهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تنقلقل
أو الخشرم المبعوب حثحث دبره ... محابيض أرادهن سام معسل
مهرته فوه كأن شدوقها ... شقوق العصى كالحالات وبسل
فضج وضجت بالبراج كأنها ... وإياه نوح فوق علياء ثكل
وأغضى وأغضت وأقسى وأقست به ... مراميل عزاها وعزته مرمل
شكا وشكت ثم ارعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل
لقيط بن يعمر
هو شاعر جاهلي قديم مقل، ذكر ابن الشجري أنه كان كاتباً في ديوان كسرى، ولم يكن بيد الناس من شعره في زمن صاحب الأغاني إلا قصيدة كتب بها إلى قومه يحذرهم ما اعتزمه كسرى من غزوهم وقتالهم، وقطع أخرى لطاف متفرقة، فإذا صحب رواية ابن الشجري - وفي ما قاله أبو الفرج ما يقويها وإن لم يصرح وكان لقيط قد خدم الأكاسرة وكتب لهم - فهو أقدم من بلغنا خبره ممن أتقن الفارسية من العرب وأجدرهم بأن يتأثر بها شعره.
وليس من المستطاع اليوم وقد ضاع شعر لقيط تعيين ما كان لعلمه بالفارسية واتصاله بخدمة الملوك من أثر فيه، ولكن القصيدة التي بقيت له وانتهت إلينا تتميز من شعر ذلك العهد بأنها نسق واحد لا خلة فيه ولا وثبة، وأنها لا تبدأ معنى حتى تتمه وتستوفيه، ولا تنتقل عنه إلى آخر حتى يكون هو الذي أدى إليه واقتضاه. ولعل خير ما يدل على مذهب الشاعر ويكشف عن طريقته إثبات أبيات منها تجمع إلى وضوح الدلالة كثيراً من الفائدة.
قال لقيط يحذر قومه عاقبة أمرهم إذا قهرهم الفرس، ويذكرهم بما يحل بهم إذا دارت عليهم الدائرة وغلبهم الأجنبي على سلطانهم، ويوصيهم باجتماع الكلمة والتشمير للحرب وتقليد زمامهم من توفرت فيه خلالها وتمت له أداتها:
هيهات لا مال من زرع ولا إبل ... يرجى لغابركم إن أنفسكم جدعا
لا تلهكم إبل ليست لكم إبلا ... إن العدو بعظم منكم قرعا
لا تثمروا المال للأعداء إنهم ... إن يظفروا يحتووكم والتلاد معا
يا قوم إن لكم من إرث أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل واتضعا
ماذا يرد عليكم عن أولكم ... مجداً قد أشفقت أن يفنى وينقطعا
فلا تغرنكم دنيا ولا طمع ... أن تنعشوا بزماع ذلك الطمعا
стр. 103
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا ... على نسائكم كسرى وما جمعا
يا قوم بيضتكم لا تفجعن بها ... إني أخاف عليها الأزلم الجذعا
هو العناء الذي تبقى مذلته ... إن طار طائركم يوما وإن وقعا
هو القتاد الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا رأيا ومن سمعا
قوموا قياما على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا، قد ينال الأمن من فزعا
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم تكاد حشاه تحطم الضلعا
مسهد النوم تعنيه أموركم ... تروم منها إلى الأعداء مطلعا
ما انفك يحلب در الدهر أشطره ... يكون متبعا طوراً ومتبعا
وليس بشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا
قد استمر على شرر مريرنه ... مستحكم السن لا قحما ولا ضرعا
أبو دؤاد الأيادي
شاعر قديم كان على خيل المنذر بن النعمان من ملوك الحيرة، أكثر من وصف الخيل في شعره، وأجاد وبرع حتى قال أبو عبيدة أنه أوصف الناس للفرس في الجاهلية والإسلام، وقال ابن الأعرابي: لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي دؤاد وقدمه: الخطيئة وأبو الأسود الدؤلي على جميع الشعراء ومع ذلك كانت الرواة - على ما قال الأصمعي - لا تروي شعره ولا شعر عدي بن زيد، لمخالفتهما مذهب الشعراء.
عدي بن زيد ٤٨٠ - ٥٨٧ م
بيت عدي
هو عدي بن زيد بن حماد، ينتهي نسبه إلى مضر، وكان من بيت مشهور بالكتابة والأدب.
هاجر أجداده من اليمامة إلى الحيرة، ونزلوا على أبناء خؤولتهم فيها، ثم استقروا بها واتصلوا بملوك الحيرة ونالوا جوائزهم.
وتعلم جده حماد الكتابة ونبغ فيها وكان أول من تعلمها من أسرته، وصار كاتب النعمان الأكبر.
ونشأ والده زيد في رعاية أمه الطائية وأبيه حماد ولما توفي حماد كفله صديق له من كبار تجار الفرس وقوادهم.. فتعلم زيد العربية، وأجاد الكتابة وحذق الفارسية وتولى وظيفة في دولة كسرى حيث كان يحمله على البريد في حوائجه وصار من المقربين في دولته كما كان أثيراً لدى المنذر بن ماء السماء الذي ولي عرش الحيرة بعد موت النعمان (٥٠٥-٥٥٤ م) .
مولده ونشأته
وولد عدي ونشأ في هذا المجد والجاه وفي ظلال والده ونفوذه، وتعلم العربية والكتابة بها في الكتاب بالحيرة كما تعلم الفارسية والكتابة بها في ديوان كسرى حتى خرج من أفهم الناس وأفصحهم بالعربية ونظم الشعر وتعلم الفروسية ووصف لكسرى بأنه أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية مع الجمال الفائق والذكاء العجيب والبديهة الحاضرة، فأثبته كسرى في ديوانه وكان أول من كتب بالعربية فيه.
بيئته
في هذه البيئة العامة، وفي الحيرة عاصمة إمارة المناذرة ولد ونشأ عدي.
وكانت الحيرة إمارة عربية على حدود الجزيرة العربية ومملكة كسرى، وكان أمراؤها خاضعين للنفوذ الفارسي.
وكانت الحيرة كذلك ملتقى للثقافة الفارسية والعربية ومنتدى واسعاً للأدب والشعر، يظللها ألوان من الحضارة والتقاليد الفارسية وكانت النصرانية سائدة فيها كما كان أئمة الشعراء يفدون إليها لينعموا بجوائز المناذرة وصلاتهم السنية وكان ممن قصد إليها النابغة والأعشى وعلقمة وحسان وسواهم.
كما كان تنقل عدي بين البلاد الفارسية سبباً في تنوع ثقافته، وسعة معارفه، وتعدد مشاهده، وكثرة تجاربه، وتباين البيئات التي عاش فيها.
حياته
انتقل عدي من الحيرة إلى المدائن حيث كان يعمل كما ذكرنا في ديوان كسرى، يؤذن له عليه في الخاصة، وهو معجب به، قريب منه، كما أصبح له نفوذه عند أمراء الحيرة، فعلا له بذاك صيت عظيم، وذكر كريم.
وكانت إقامته الغالبة في المدائن عاصمة كسرى فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله مع أهله استأذن كسرى فأقام فيهم الشهر والشهرين وكثيراً ما كان ينزل البادية قريباً من الحيرة.
стр. 104
وأرسله كسرى رسولاً له إلى إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية وأكرمه القيصر وطاف به في أرجاء مملكته الواسعة، وكان من البلاد التي زارها في هذه الرحلة دمشق ويؤثر له فيها قصيدة قالها وكانت فيما يروى أول شعر نظمه. ومن هذه القصيدة:
رب دار بأسفل الجزع من دو ... مة أشهى إلى من جيرون
وندامى لا يفرحون بما نا ... لوا ولا يرهبون صرف المنون
وقدم عدي المدائن على كسرى بهدية قيصر، وبلغة خبر موت والده أثناء رحلته فاستأذن كسرى في زيارة أهله بالحيرة فتلقاه ملكها في وجوه الناس يعزونه.
وتزوج عدي هنداً بنت النعمان بن المنذر، وكانت من أجمل نساء أهلها وزمانها، وكان لعدي فضل في تولي النعمان عرش الحيرة بعد المنذر، فعظمت منزلة عدي في دولة المناذرة، وخاصة أن النعمان ربي على يد أستاذه عدي، ثم وشى الوشاة به إلى النعمان فحبسه حتى مات في حبسه.
شخصيته وأخلاقه
كان عدي من أجمل الناس، وأشدهم ظرفاً، وأكثرهم أدباً، وكان واسع الحيلة كثير الدهاء والذكاء كبير المعرفة والتجربة والخبرة بالحياة والناس، وكان لطيف المعاشرة، قوي الألفة والوفاء لأصدقائه.
وكان حسن الكلام رائع البيان، ساحر الحديث، بادي الفصاحة واللسن.
أما ديانته فيقول مؤلف كتاب "شعراء النصرانية": إنه كان نصرانياً، وكذلك كان أبوه وأمه وأهله. ويروى أن النعمان ملك الحيرة كان يعبد الأوثان، وأنه خرج يتنزه بظهر الحيرة ومعه عدي بن زيد فمرا على مقابرها فقال له عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا. قال: إنها تقول:
أيها الركب المخبون ... على الأرض المجدون
فكما أنتم كنا ... وكما نحن تكونون
فدخلت قلب النعمان الرقة وحب التدين، فرجع وتنصر.
ولست أجد مظهراً لنصرانية عدي في شعره، فليس فيه ما يوجد في شعر أمية بن أبي الصلت مثلاً من أساطير دينية وقصص الأنبياء، وما إلى ذلك، وأما الحكمة في شعره فلا تدل على نصرانيته، بل قد تدل على أنه كان متحنفاً.
ويروى أنه كان له كتاب في تاريخ الروم، أخذ عنه المسعودي، وهذا بعيد.
شاعريته
- ١ - كان لوراثات عدي العربية الأصيلة المطبوعة على البلاغة والبيان والشعر أثر في تنشئته الشعرية، كما كان لفطرته واستعداده الشخصي وثقافته وميله إلى التدين آثار في تنمية ملكاته وإرهاف مشاعره وذوقه وعاطفته ووجدانه، مما يساعد على تكوين ملكات الشعر ومواهبه.
وكانت بيئته الحيرة المتحضرة ومشاهدها، وكثرة رحلاته في البلاد، واتصاله بالملوك وخبرته الواسعة، وذكاؤه العجيب، باعثاً على تقوية خياله وكثرة معانيه، وسهولة أساليبه في الشعر.
ولقد سمع عدي وهو صغير الشعراء في الحيرة، ينشدون ملوكها الشعر الجيد، والمدائح العالية والقصائد المحبرة كالنابغة، وحسان، وعلقمة، والأعشى، والمتلمس، وطرفة، وسواهم. فغذى ذلك الجو الأدبي شاعريته وأيقظ فطرته الأدبية، ونشأه على الشعر ونظمه.
وكانت المنافسات الأدبية، ورغبته الحافزة في الفوق على أقرانه وفي استدامة نفوذه وجاهه الذين كانا له، مما يدفعه إلى قوله الشعر والإجادة فيه، إلى غير ذلك من بواعث شاعريته وأسبابها.
- ٢ - ويمتاز شعر عدي بكثرة المعاني وتنوعها ودقتها مع الوضوح والصدق، ولعل هذه الكثرة راجعة إلى أثر حياته وبيئته وثقافته في شعره.. والحكمة والتجربة الصادقة تشيعان في معانيه.
وخياله خيال غذي بالحضارة، فقلت صور البادية وأثرها فيه وفي شعره وتكثر فيه الصور العقلية وتقل الصور المادية في شعره، ومن ثم اتكأ خياله على العقل والفطنة لا على المحسات والمشاهدات المادية، وهو مقتصد في تشبيهاته ومجازاته.
ويمتاز أسلوبه بشيوع الرقة والسهولة، وعدم ظهور الجزالة ووضوحها فيه، ويرجع ذلك إلى بيئته الحضرية التي عاش فيها وهي بيئة الحيرة، وإلى كثرة إقامته بالمدائن، ورحلاته إلى بلاد الشام وسواها، مما أشاع في شعره السهولة، ولذلك كثر الغناء به، وقد كانت هذه السهولة مدعاة إلى اللين، مما عابه النقاد عليه، حتى قال ابن سلام فيه:
стр. 105
"وعدي كان يسكن الحيرة ويراكز الريف، فلان لسانه، وسهل منطقه فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل فأكثر". وقال ابن قتيبة: "كان عدي يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، واحتمل عنه شيء كثير جداً، وعلماؤنا لا يرون شعره حجة".
وقد عدد صاحب الأغاني بعض الألحان التي صنعت في شعره. ونحن لا نوافق النقاد على مؤاخذة عدي بهذه الرقة، وبتلك السهولة، مادام الشعر غير متكلف ولا مصنوع. ولقد انقضى عصر البداوة في الأسلوب، وأصبحنا الآن نعيش في حياة جديدة لا تخالف حياة أجدادنا الأولين، وهذه الحياة وتلك الحضارة لا ترى في السهولة ما يستحق النقد والعيب.
التاريخ الأدبي لعدي
سجل أبو الفرج صاحب الأغاني حياة عدي وشعره في الجزء الثاني من كتابه، كما جمع الكثير من أخباره وشعره مؤلف كتاب "شعراء النصرانية" في القسم الرابع من الكتاب. وذكره ابن سلام في طبقات الشعراء، وابن قتيبة في الشعر والشعراء، والمرزباني في الموشح. وأخرج بعض المعاصرين بحثاً عنوانه "زعامة الشعر الجاهلي بين امرئ القيس وعدي بن زيد".
وقد جمع أبو سعيد السكري وجماعة أخرى شعر عدي في القرن الثالث الهجري - كما ذكر ابن النديم - في الفهرست - وذلك رواية عن هشام الكلبي وابن الأعرابي والضبي وسواهم.
ألوان من حياة عدي بن زيد وشعره
كان نصرانياً وكذلك أبوه وأمه وأهله، وكان أبوه ممن حذق الفارسية وأجادها وتوصل إلى كسرى، فجعله على البريد ولم يكونوا يفعلون ذلك إلا بأولاد المرازية، ولما ولد له عدي وتحرك وأيفع طرحه في الكتاب حتى حذق العربية. ثم أسلمه أبوه إلى صديق له من مرازبة الفرس فجعله مع ابنه في كتاب الفارسية فاختلف إليه زمنا، حتى خرج من أفهم الناس بها وأفصحهم بالعربية وقال الشعر وتعلم الرمي بالنشاب ولعب لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها، ووفد المرزبان على كسرى فذكره له وقال إن عندي غلاماً من العرب وهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية والملك محتاج إلى مثله فرغب فيه وجعله في كتاب الديوان وأوفده إلى قيصر فأكرمه وحمله إلى عماله على البريد ليريه بسطة سلطانه وعظيم شأنه وأقام عدي بالمدائن يؤذن له على كسرى في الخاصة وهو معجب به قريب منه فإذا أراد المقام بالحيرة في منزله ومع أهله استأذنه فأقام فيهم الشهر والشهرين وأكثر وأقل. وقد أثر كل هذا في شعر عدي فلان لسانه وسهل منطقه كما قال ابن سلام، وذهب مذهبا خالف فيه الشعراء كما قال الأصمعي، وكان لمكان الدين منه يتلطف في دعوة النعمان إلى النصرانية حتى نقله من الوثنية إليها، ويتوسل لذلك بالشعر فيضع من الأبيات ما يجعله حديثاً عن المقابر أو غيرها، فإذا خرج للنزهة أو الصيد ومرا بها قال أتدري ما تقول هذه المقابر قال لا قال فإنها تقول:
من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن زوال
وصروف الدهر لا يبقى لها ... ولما تأتى به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردى في الجلال
عمروا دهرا بعيش حسن ... آمني دهرهم غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر يودي بالرجال
وكذاك الدهر يودي بالفتى ... في طلاب العيش حالا بعد حال
وقد ظلت هذه المعاني وأشباهها مما يتصل بالدين تعتلج في صدره وتهجس في نفسه وتصطبغ بها خواطره حتى نفئها في غرر شعره وعيون قصائده التي كتب بها من حنسه إلى النعمان:
لم أر مثل الفتيان في غ ... ين الأيام ينسون ما عواقبها
ينسون إخوانهم ومصرعهم ... وكيف تعتاقهم مخالبها
ماذا ترجى النفوس من طلب ال ... خير وحب الحياة كاربها
تظن أن ليس يصيبها عنت الد ... هر، وريب المنون صائبها
ويقول عدي:
ليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المسيح الخلاق
فبرئ صدري من الظلم للرب ... وحنث بمعقد الميثاق
وشاهد ذلك حاضر في مصارع من غبر من الأمم وسلف من الملوك:
أيها الشامت المعير بالد ... هر: أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأ ... يام، بل أنت جاهل مغرور
стр. 106
من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر ... وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ... الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناء وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذا أق ... بل يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه فقال: وما غب ... طة حي إلى الممات يصير
شعراء النسيب في العصر الجاهلي
وهم كثيرون ومنهم: المرقش الأكبر ٥٥٢ م، وعبد الله بن العجلان ٥٦٦ م، ومالك، وعنترة، ومسعود بن خراشة التميمي وقد أدرك الإسلام، ومنظور بن زبان الفزاري.
ولهم شعر رائع وقصائد كثيرة قصروها على الغزل وحده كما في قصيدة المرقش الأكبر: سرى ليلا خيال سليمى.
وقد يبدو أن نسيب فن إسلامي بدأه عمر بن أبي ربيعة وجميل وكثير وطبقتهم، والحقيقة أن هؤلاء كانوا يحتذون مثالاً لمن تقدمهم، وما أظن أحداً بلغ من صفة النساء ما بلغ النابغة حين سأله النعمان أن يصف امرأته المتجردة، أو ما بلغ المنخل اليشكري والمرار العدوي وسويد بن أبي كاهل وشعر المرقشين الأكبر والأصغر وعبد الله بن العجلان النهدي وقيس بن الحدادية، ممن صدقوا الحب ونسبوا في لفظ عفيف ومعنى نزيه مشهور معروف.. قال المرقش الأكبر:
سرى ليلا خيال من سليمى ... فأرقني أصحاب هجود
فبت أدير أمري كل حال ... وأرقب أهلها وهم بعيد
على أن قد سما طرفي لنار ... يشب لها بذي الآرطي وقود
حواليها مهاجم التراقي ... وآرام وغزلان رقود
نواعم لا تعالج بؤس العيش ... أوانس لا تروح ولا ترود
يرحن معاً بطاء المشي بدا ... عليهن المحاسد والبرود
سكن ببلدة وسكنت أخرى ... وقطعت المواثق والعهود
فما بالي أفي ويخان عهدي ... وما بالي أصاد ولا أصيد
ورب أسيلة الخدين بكر ... منعمة لها فرع وجيد
وذو أشر شتيت النبت عذب ... نقي اللون براق برود
لهوت بها زماناً من شبابي ... وزارتها النجائب والقصيد
أناس كلما أخلقت وصلا ... عناني منهم وصل جديد
وقال:
نواعم أبكار سرائر بدن ... حسان الوجوه لينات السوالف
يهدلن في الآذان كل مذهب ... له زبد يعيان به كل واصف
قصرن شقيا لا يبالين غيه ... يعوجن من أعناقها بالمواقف
نشرن حديثاً آنساً فوضعته ... خفيضا فلا يلغى به كل طائف
ولعبد الله بن العجلان:
ألا أبلغا هند أسلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف
ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف
أنت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف
أشارت إلينا في خفاء وراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف
وقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعتف
وقال:
خليلي زورا قبل شحط النوى هندا ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغيا يلاقى في التعجل أم رشدا
ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
وقال قيش بن الحدادية من قصيدة طويلة:
أجدك أن نعم نأت أنت جازع ... قد اقتربت لو أن ذلك نافع
قد اقتربت لو أن في قرب دارها ... نوالا ولكن كل من ضن مانع
وقد جاورتنا في شهور كثيرة ... فما نولت والله راء وسامع
وظني بها حفظ لغيبي ورعية ... لما استرعيت والظن بالغيب واسع
فقالت لقاء بعد حول وحجة ... وشحط النوى إلا لذي العهد قاطع
وقد يلتقي بعد الشتاء أولو النوى ... ويسترجع الحي السحاب اللوامع
ومنها:
كأن فؤادي بين شقين من عصا ... حذار وقوع البين والبين واقع
يحث بهم حاد سريع نجاؤه ... ومعرى عن الساقين واللوب واسع
стр. 107
فقلت لها يا نعم حلى محلنا ... فإن الهوى يا نعم والعيش جامع
فقالت وعيناها تفيضان عبرة ... بأهلي بين لي متى أنت راجع
فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع
فشدت على فيها اللثام وأعرضت ... وأمعن بالكحل السحيق المدامع
وإني لعهد الود راع وإنني ... بوصلك مالم يطوني الموت طامع
فنصيب هذا العصر من النسيب كما رأيت أوفر وأجود مما توهم الأدباء، وهو أصل ينتمي إليه بارع النسيب الإسلامي من قريب.
لبيد بن ربيعة
حياته وشعره
لبيد بن ربيعة من بني عامر بن صعصعة، وهي قبيلة مضرية، وأمه من بني عبس. كان في الجاهلية شريفاً جواداً شجاعاً شاعراً وقد أدرك الإسلام وأسلم، وعمر طويلاً حتى مات في خلافة معاوية عام ٤١هـ. وأكثر شعره قاله قبل الإسلام، فلما أسلم لم يقل إلا قليلا.
وهو شاعر بدوي يصف في شعره حياة بدوية صحراوية ولاسيما في معلقته التي مطلعها:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمن تأبد غولها فرجامها
ويظهر أنه قالها في شبابه وهي تمثل الشعر البدوي في متانته وقوته.
وفي شعره بعد ذلك - وهو الذي عمله في الكهولة والشيخوخة على مايظهر - أثر الحكمة وقوة الشعور الديني كزهير، مثل قوله:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعدما هو ساطع
وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولابد يوماً أن ترد الودائع
وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبنى، وآخر رافع
وقصيدته التي مطلعها:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نفيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وقصيدته:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل
أحمد الله ولا ند له ... بيديه الخير ماشاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل
وكان لبيد أحدث أصحاب المعلقات عصرا وآخرهم موتا.
وشعر لبيد مثال للفخامة والقوة والمتانة والبداوة فتراه فخم العبارة قوي اللفظ قليل الحشو مزدانا بالحكمة العالية والموعظة الحسنة.
ولبيد من أحسن الجاهليين تصرفا في الرثاء وفخره قوي ينم عن شرفه وعزته ومجده وحسبه العريق. وقال فيه رسول الله ﷺ : أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله باطل".
وقد نظم لبيد الشعر في جاهليته وجرى به على سنن الأشراف والفرسان كعنترة وعمرو بن كلثوم فلم يتكسب بشعره ولذلك ترى فيه ولاسيما معلقته قوة الفخر والتحدث بالفتوة والنجدة والكرم وإيواء الجار وعزة القبيلة، ولم ينظم شعراً بعد أن أسلم.
هذا ويقدم لبيد بعض النقاد محتجين بأنه أفضلهم في الجاهلية والإسلام وأقلهم لغواً في شعره، وقالت عائشة ﵂: رحم الله لبيدا ما أشعره في قوله:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
وكان لبيد جواداً شريفاً في الجاهلية والإسلام وقصص جودة كثيرة.
ديوان لبيد
شرحه السكري والشيباني والأصمعي وابن السكيت والطوسي. ولم يصل إلينا من ذلك كله إلا نصف شرح الطوسي في مخطوطة طبعها في فيينا يوسف ضياء الدين الخالدي المقدسي سنة ١٨٨٠ وفيها عشرون قصيدة هي الجزء الثاني من الديوان وقد صدرت بمقدمة عن الديوان والشاعر.
وكذلك عنى بالديوان المستشرق هوبر الذي طبعه في ليدن سنة ١٩٨١ ووضع مقدمة له في حياة لبيد، وأخرجه بإشراف بروكلمان.
ول معلقة لبيد شروح، وقد نشرها دي ساسي وقد ترجمها إلى الفرنسية أيضاً.
مصادر حياة لبيد
ترجم له صاحب الأغاني في الجزء الرابع عشر، وابن قتيبة في الشعر والشعراء وذكره ابن سلام في طلبقات الشعراء والمرزباني في الموشح.
وترجم له صاحب كتاب "تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي"، والزيات في كتابه تاريخ الأدب العربي، وأصحاب الوسيط والمفصل وسواهم. وترجم له أيضاً في سلسلة الروائع.
معلقة لبيد
стр. 108
لبيد بن ربيعة العامري من سادة العامريين القيسيين وأشرافهم وكان يقال لأبيه ربيعة المعتربن وعمه ملاعب الأسنة عامر بن مالك أخذ أربعين مرباعا في الجاهلية.
كان لبيد من شعراء الجاهلية وفرسانهم وقال الشعر في الجاهلية في كل غرض، وأجرك الإسلام وأسلم وهجر الشعر وأقام بالكوفة إلى أن مات عام ٤١هـ مائة وسبع وخمسين سنة.
وسئل لبيد من أشعر الناس؟ فقال: الملك الضليل، ثم الشاب القتيل، ثم الشيخ أبو عقيل يعني نفسه. وهو من أصحاب المعلقات، وكان نظم لبيد الجاهلية فجم العبارة منضد اللفظ قليل الحشو مزداناً، فالحكمة العالية ثعات، وهو أحسن الجاهليين تصرفاً في الرثاء، وأكثرهم قدرة على تصوير عواطف المفجوع الحزين بلفظ رائق وألوب مؤثر، وقدمه بعض النقاد "لأنه أفضل الشعراء في الجاهلية والإسلام، وأقلهم لغواً في شعره".
ومعلقته لبيد تمتاز بقوة اللفظ ومتانة الأسلوب، وبما فيها من تصوير للبادية والحياة والأخلاق فيها.
أ - بدأها لبيد بذكر الديار وخلوها من أصحابها وتعرضها للرياح والأمطار تعبث بها ويمحو معالمها. قال:
عفت الديار محلها فمقامها ... بمعنى تأبد غولها فرجامها
وجلا السيول عن الطول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد ما يبين كلامها
ثم يصف رحيل أحبابه عنها، حتى يقول:
بل ما نذكر من "نوار" وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها
مرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فابن منك مرامها
وأخيراً، يرى لا أن يتسلى ويتعزى حتى يصل إلى رجائه وأمله، ولكن أن يقطع أمله منها ويترك رجاءه فيها ويقطع صلته بها مادامت نوار قد تغير وصلها:
فاقطع لبانة من تعرص وصله ... ولشر واصل خلة صرامها
ب - ثم يأخذ في وصف ناقته في لفظ غريب وتعبير بدوي متين، ويطيل في هذا الوصف ويشبهها بالأتان الوحشية وبالظبية الرؤوم المفجوعة إلى أن يقول:
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أرجية السراب كامها
أقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... أو أن يلوم بحاجة لوامها
أولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
ج - ثم يتحدث عن نفسه وعزتها، ولذات الراح التي شارك فيها، وشجاعته وبطولته في مواقف النزال والنضال، وكرامه وسخائه، ونواله للجار الفقير والضيف النازل والجار الغريب وللبائسين والمساكين:
وجزور أيسار دعوت لحتفها ... بمغالق متشابه أعلامها
فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تبالة مخصبا أهضامها
تأوي إلى الأطناب كل رزية ... مثل البلية قالص أهدامها
د - ثم يفتخر بقومه ومآثرهم ورفهم ومجدهم فيقول:
من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها
فبنوا لنا بيتاً رفيعاً سمكه ... فسما إليه كهلها وغلامها
فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها
وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها
فهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم ... والمرملات إذا تطاول عامها
أعشى قيس ٥٣٥ - ٦٢٩م
حياته
١ - صناجة العرب أعشى قيس المعروف بالأعشى الأكبر، وهو أبو بصير ميمون بن جندل بن شراحبيل بن عوف بن سعد من قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
وقيس بن ثعلبة من أشهر القبائل شاعرية وأكثرهم شعراء، والأعشى هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم، وكانت العرب تتغنى بشعره وتسميه صناجة العرب.
ولقب بالأعشى لضعف في بصره.
٢ - والده قيس بن جندل يسمى قتيل الجوع، قال جهنام البكري:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل ... وخالك عبد من خماعة راضع
روي أنه دخل غاراً يستظل به من لفح الحر فوقعت صخرة فسدت الغار فمات جوعاً.
وأمه أخت المسيب بن علس الشاعر ٥٨٠م من بني خماعة من بني ضبيعة وتزوج امرأة من بني عنزة من هزان ثم طلقها.
стр. 109
٣ - ولد الأعشى بقرية من قرى اليمامة يقال لها منفوحة ونشأ راوية لخاله المسيب وتتلمذ عليه في الشعر وبدأ حياته شاباً فقيراً ماجناً يلعب القمار ويشرب الخمر، ثم سكن الحيرة وتردد على النصارى فيها يأتيهم ويشرب الخمر معهم، ثم جاب الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها يمدح ملوكها وأمراءها:
قد جبت مابين بانقيا إلى عدن ... وطال في العجم تردادي وتسياري
ويقول:
وطوفت للمال آفاقه ... عمان فحمص فأورشليم
أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم
وكان تطوافه سبباً في كثرة معارفه وسعة ثقافته.
اتصل بنصارى نجران وبأهل الحيرة وبشريح بن السموءل اليهودي صاحب تيماء بحصنه "الأبلق" وعده بعض الباحثين من النصارى، والظاهر أنه لم يؤمن بدين وأن مسحة العقيدة النصرانية التي قد تبدو على شعره إنما كان منشؤها كثرة تردده على الحيرة ومعاشرته لأهلها.
وكان يوافي سوق عكاظ وينشد فيه شعره فيحفظ عنه ويغني به ولذلك كانت العرب تضيفه وتهاديه ليمدحها ويطير ذكرها.
قيل إن عبد العزى المحلق الكلابي كان أبوه من أشراف العرب فمات، وقد أتلف ماله وبقي المحلق وثلاث أخوات له لم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة فأقبل الأعشى في بعض أسفاره يريد منزله باليمامة، فنزل الماء الذي به المحلق فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه فأقبلت عمة المحلق فقالت يا ابن أخي هذا الأعشى نزل بمائنا وقد قراه أهل الماء والعرب تزعم أنه لم يمدح قوماً إلا رفعهم ولم يهج قوماً إلا وضعهم، فاحتل في زق خمر من عند بعض التجار فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردى أبيك، فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البرد ليقولن فيك شعراً يرفعك به. قال: ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها، فأخذت عمته تحضه، ثم دخل عليها وقال قد ارتحل الرجل. قالت الآن والله أحسن ما كان القرى تتبعه ذلك مع غلام أبيك فحيثما أدركه أخبره عنك أنك كنت غائباً عند نزوله الماء وأنك لما وردت فعلمت أنه كان به كرهت أن يفوتك قراه، فإن هذا أحسن لموقعه عنده. فمازالت به حتى فعل ذلك فخرج مولاه يتبع الأعشى، فكلما مر بماء قيل له: قد ارتحل أمس عنه، حتى صار إلى منزله بمنفوحة، فوجد عنده جماعة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وسقاهم، فقرع الباب فقال لهم: انظروا من هذا. فدخلوا عليه وقالوا: رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت، ومازالوا به حتى أذن له، فدخل وأدى الرسالة فقال له: أقرئه السلام وقل: وصلتك رحم سيأتيك ثناؤها. وقام الفتيان فنحروا الجزور وأخذوا يشوون ويأكلون ويشربون من الخمر، فلما شبع الأعشى قال:
أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق
فسارت القصيدة وشاعت في العرب، فما أتى على المحلق سنة حتى زوج إخوته الثلاث كل واحدة على مائة ناقة، فأيسر وشرف.
ويروى أن امرأة كسدت عليها بناتها فأتت الأعشى وسألته أن يشبب بواحدة فواحدة منهن وبعثت له هدايا فما زال يشيب بواحدة منهن واحدة حتى زوجن جميعا.
٤ - وفد الأعشى على كسرى، وقصد النعمان بن المنذر وأنشده:
إليك ... أبيت اللعن
كان كلالها
تروح مع الليل الطويل وتغتدي
ثم أنشده قصيدته:
أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوان تزارا
ويقال: إن الأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد ورحل به إلى الملوك والأمراء وكان يغنى بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب، وكان بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل مفاخرة، وكان الأعشى يمدح عامر بن الطفيل ويهجو علقمة، ومما قال فيه:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
فلما بلغ ذلك علقمة نذر دمه وجعل له على كل طريق رصدا، فخرج الأعشى يوماً يريد وجهاً فأخطأ به الدليل فألقاه في ديار عامر، فأخذه رهط علقمة فأتوه به فقال:
علقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص
فهب لي نفسي فدتك النفوس ... ولازلت تنمو ولا تنقص
стр. 110
فهم علقمة بقتله، ثم دخل إلى أمه، فقال لها: قد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث. قالت: فما تراك فاعلاً به؟ قال سأقتله شر قتله. فقالت: يا بني قد كنت أرجوك لقومك عامة وإني اليوم لأرجوك لنفسك خاصة وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ماقاله إلا هو. ففعل ما أمرته به وأحسن صلته، فقال الأعشى:
علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعائر
ومدح شريح بن السموءل والأسود بن الهنذر أخا النعمان لأمه وكان من تيم الرباب وهي قبائل من الياس بن مضر وكان أخوه ولاه عليهم وقد كان عنده أسرى من بني سعد بن ضبيعة، فأتاه الأعشى ومدحه بقصيدته:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي وما ترد سؤالي
وسأله أن يطلقهم ففعل. وهذه القصيدة عند بعض العلماء معدودة من المعلقات وبعضهم يذكر أن معلقته هي قصيدته:
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
وبعضهم يجعل معلقته هي مدحته للرسول:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم مسهدا
وهي قصيدة رائعة.
ومدح قيس بن معد يكرب الكندي، وسواه.
وقال الأعشى يمدح السموءل، ويستجير بابنه شريح بن السموءل من رجل كلبي كان الأعشى هجاه ثم أغار على قوم كان الأعشى نازلاً فيهم، فأسره وهو لا يعرفه، ثم سار حتى نزل بشريح بن السموءل فأحسن ضيافته، ومر بالأسرى فناداه الأعشى:
سريح، لا تسلمني بعد ما علقت ... حبالك اليوم بعد القد أظفاري
قد سرت ما بين بلقاء إلى عدن ... وطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهداً وأوثقهم ... عقداً أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث مااستمطروه جاد وابله ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموءل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف فقال له ... قل ما تشاء فإني سامع حار
فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر. وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل ثم قال له: ... اقتل أسيرك، إني مانع جاري
هذا له خلف إن كنت قاتله ... وإن قتلت كريما غير خوار
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ... رب كريم وقوم أهل اطهار
فاختار أدراعه كي لا يسب به ... ولم يكن وعده فيها بخنار
فجاء شريح الكلبي فقال: "هذا الأسير المنصور" فقال "هو لك" فأطلقه وقال له الأعشى "إن تمام إحسانك إلى أن تعطيني ناقة ناجية وتخليني الساعة" فأعطاه ناقة ناجية، فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: "ابعث إلي الأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه" فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في أثره فلم يلحقه.
ولما وفد الأعشلا إلى النبي ﷺ ، مدحه بقصيدته التي أولها:
ألم تغمض عيناك ليلة أرمدا ... وعاك ما عاد السليم المسهد
وما ذاك من عشق النساء وإنما ... تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
وفيها يقول لناقته:
فأليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من حفا حتى تزور محمدا
نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
متى ما تناخى عند باب ابن هاشم ... تراحى وتلقى من فواضله يدا
فبلغ خبره قريشاً قط، فرصدوه على طريقه وقالوا: هذا صناجة العرب ما مدح أحداً قط إلا رفع قدره.
فلما ورد عليهم قالوا له: أين أردت يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم. قالوا: إنه ينهاك عن خلال ويحرمها عليك. قال: وما هي؟ فقال أبو سفيان بن حرب: الزنا. قال: لقد تركني الزنا وتركته، ثم ماذا؟ قالوا: القمار. قال لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضاً من القمار، ثم ماذا؟ قالوا: الربا. قال: ما دنت ولا أدنت، ثم ماذا؟ قالوا: الخمر. قال أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها.
следующие страницы →