Полный текст (144 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
امرؤ القيس الشاعر الجاهلي المتوفي عام ٥٦٠م - ٨٠ ق. ه ـ
ترجمة الشاعر
- ١ - هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر. وهو من قبيلة كندة. وكندة قبيلة يمنية، كانت تسكن قبل الإسلام غربي حضرموت؛ وكانت على اتصال بالحميريين. وفي عهد حسان بن تبع ملك حمير كان حجر بن عمرو سيد كندة في حاشية حسان. وقد فتح حسان فتوحاً كثيرة في جزيرة العرب، فولى حجراً بعض قبائلها ودانت كلها لحجر الكندي؛ كما دان حجر بالولاء لحمير، ونزل حجر نجداً؛ وكان اللخميون ملوك الحيرة قد بسطوا نفوذهم على تلك البلاد؛ وخاصة بلاد بكر بن وائل؛ فحارب حجر اللخميين وأزال نفوذهم.
وفي عهد الحارث بن عمرو بن حجر اتسع سلطان كندة؛ واتصل الحارث بقباذ ملك الفرس فولاه الحيرة مكان اللخميين؛ ونشر نفوذه - وسط الجزيرة - على كثير من قبائل العرب؛ وفرق الملك في أبنائه الأربعة: فولى ابنه حجراً (أبا امرئ القيس) بني أسد؛ وابنه شرحبيل بكر بن وائل؛ وابنه معد يكرب قبيلة قيس وكنانة وابنه سلمة قبيلتي تغلب والنمر بن قاسط.
ولكن هذا النفوذ لم يدم طويلاً؛ فقد عاد اللخميون إلى نفوذهم في الحيرة وقربهم من ملك فارس؛ ودسوا الدسائس لأولاد الحارث فقتل سلمة وشرحبيل وتنكر بنو أسد لحجر؛ ونبذوا طاعته؛ وأمسكوا عن دفع الأتاوة له. واستعان حجر بجند من ربيعة وأعمل في بني أسد السيف؛ واستباح أموالهم؛ وحبس أسرافهم؛ ومنهم عبيد بن الأبرص الشاعر؛ ثم رق لهم وأطلق سراحهم فحقدوا عليه واغتالوه.
وفي أخبار الرومان أن حجراً وأخاه معد يكرب قاما ببعض غزوات على حدود المملكة البيزنطية من أواخر القرن الخامس الميلادي.
وبموت حجر تضعضعت سلطة كندة.
- ٢ - نشأ امرؤ القيس في بيت ملك واسع الجاه، وكان من صباح ذكياً متوقد الذهن فلما ترعرع أخذ يقول الشعر ويصور به عواطفه وأحلامه. نشأ نشأت ترف؛ يحب اللهو ويشبب بالنساء ويقول في ذلك الشعر الماجن. فطرده أبوه وآلى ألا يقيم معه فكان يسير في أحياء العرب، ومعه طائفة من شباب القبائل الأخرى؛ كطيئ وكلب، وبكر بن وائل، يجتمعون على الشراب والغناء عند روضة أو غدير، ويخرج هو للصيد فيصيد ويطعمهم من صيده. وظل كذلك حتى جاءه نعي أبيه وهو بدمون (قرية بالشام وقيل في اليمن) ، فرووا أنه قال: "ضيعني أبي صغيرا، وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا، اليوم خمر، وغداً أمر".
رحل امرؤ القيس يستنصر القبائل للأخذ بثأر أبيه من بني أسد فاستنجد بقبيلتي بكر وتغلب فأعانوه وأوقعوا ببني أسد؛ وقتلوا منهم، واكتفت بكر وتغلب بذلك وقالوا له قد أصبت ثأرك وتركوه. ولكن امرؤ القيس كان يريد التنكيل ببني أسد ويحاول أن يعيد لنفسه ملك أبيه، فلم يقنعه ما فعلت بكر وتغلب، فذهب إلى أهله باليمن يستنصرهم، فأعانوه بجنود ذهب بهم إلى بني أسد، ولكن ملك الحيرة أخذ يؤلب عليه ويدس الدسائس له حتى فشل.. وظل شريداً يتنقل بين أمراء العرب حتى نزل أخيراً على السموءل بتيماء فأجاره. وطلب إليه امرؤ القيس أن يكتب إلى الحارث - أمير الغساسنة بالشام - ليوصله إلى قيصر ملك الرومان ويمهد لامرئ القيس السبيل للسفر إلى القسطنطينية؛ يطلب المعونة منه ليعيد ملكه فأجاب السموءل طلبه فأودعه امرؤ القيس امرأته ودروعاً له كان يتوارثها ملوك كندة، ورحل إلى قيصر. وكان ذلك في عهد القيصر (يوستنيانوس) .
ويرى أن القيصر أحسن وفادته، وكان السبب في ذلك - على ما يظهر - أن امرأ القيس كان طريد اللخميين في الحيرة، وأمراء الحيرة في كنف الفرس. والفرس أعداء الروم. فلعل (يوستنيانوس) أراد أن يعينه ويجعل منه ومن أعوانه جيشاً ينتقم بهم من أمراء الحيرة، ويصطنعه كما اصطنع غساسنة الشام.
وقد ذكر بعض مؤرخي الرومان خبر رحلته إلى القسطنطينية، وسموه "قيساً" لا امرأ القيس، وذكروا أن القيصر وعده بإعادة ملكه ثم ولاه فلسطين، ولكن هذا لم يرض امرأ القيس فقفل راجعاً.
ولكن مؤرخي العرب يروون أن القيصر قبل وفادته وضم إليه جيشاً وفيهم جماعة من أبناء الملك؛ وأن قوماً من أصحاب قيصر قالوا له: "إن العرب قوم غدر ولا تأمن أن يظفر بما يريد ثم يغزوك بمن بعثت معه".
стр. 2
وآخرون يروون أن بعض العرب ممن كان مع امرئ القيس ذكروا للقيصر أن امرأ القيس قال لقومه إنه كان يراسل ابنتك ويواصلها، فأرسل قيصر إليه حلة مسمومة فلما لبسها أسرع فيه السم وسقط جلده؛ ومن أجل هذا سمي "ذا القروح" ومات بأنقرة وهو عائد من القسطنطينية. والظاهر أن امرأ القيس أصيب أثناء عودته بمرض جلدي سبب له قروحاً.
كان دين امرئ القيس الوثنية وكان غير مخلص لها. فقد روي أنه لما خرج للأخذ بثأر أبيه مر بصنم للعرب تعظمه يقال له ذو خلصة. فاستقسم بقداحه وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص. فأجالها فخرج الناهي. فعل ذلك ثلاثاً فجمعها وكسرها. وضرب بها وجه الصنم. وقال: "لو كان أبوك قتل ما عقتني".
وكان امرؤ القيس يلقب بالملك الضليل؛ وبذي القروح؛ لما أصيب به في مرضه على ما ذكرناه.
- ٣ -
ألوان من حياة امرئ القيس
كان حجر في بني أسد، وكانت له عليهم إتاوة في كل سنة مؤقتة فغبر ذلك دهراً، ثم بعث إليهم جابيه الذي كان يجيبهم؛ فمنعوه ذلك - وحجر يومئذ بتهامة - وضربوا رسله؛ وضرجوهم ضرجاً شديداً قبيحاً.
فبلغ ذلك حجراً، فسار إليهم بجند من ربيعة وقبس وكنانة. فأتاهم وأخذ سراتهم. فجعل يقتلهم بالعصا. وأباح الأموال؛ وصيرهم إلى تهامة؛ وآلى بالله ألا يساكنوهم في بلد أبداً؛ وحبس منهم عمرو بن مسعود الأسدي، وكان سيداً؛ وعبيد بن الأبرص الشاعر؛ فسارت بنو أسد ثلاثاً.
ثم إن عبيد بن الأبرص قام فقال: أيها الملك اسمع مقالتي:
يا عين فابكي من بني ... أسد فهم أهل الندامة
أهل القباب الحمر والن ... عم المؤبل والمدامة
وذوي الجياد الجرد والأ ... سل المثقفة المقامة
حلا أبيت اللعن حلا ... إن فيما قلت آمة
في كل واد بين يث ... رب فالقصور إلى اليمامة
تطريب عان أو صيا ... ح محرق أو صوت هامة
ومنعتهم نجداً فقد ... حلو على وجل تهامة
برمت بنو أسد كما ... برمت ببيضتها الحمامة
جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامة
إما تركت عف ... واً أو قتلت فلا ملامة
أنت المليك عليهم ... وهم العبيد إلى القيامة
ذلوا لسوطك مثل ما ... ذل الأشيقر ذو الخزامة
فرق لهم حجر حين سمع قوله، فبعث في أثرهم فأقبلوا، حتى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة تكهن كاهنهم فقال لبني أسد: من الملك الأصهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، لا يعلق رأسه الصخب؟ هذا دمه ينثعب وهذا غداً أول من يسلب.
قالوا: من هو؟ قال: لولا أن تجيش نفس جاشية؛ لأخبرتكم أنه حجر ضاحية.
فركبوا كل صعب وذلول، فما أشرق لهم النهار حتى أتوا على عسكر حجر فهجموا على قبته، وهزموا أصحابه وأسروه فحبسوه، وتشاور القوم على قتله، فقال لهم كاهن من كهنتهم بعد أن حبسوه ليروا رأيهم فيه: أي قوم! لا تعجلوا بقتل الرجل حتى أزجر لكم.
فانصرف عن القوم لينظر لهم في قتله، فلما رأى ذلك علباء بن الحارث الكاهلي خشي أن يتواكلوا في قتله، فدعا غلاماً من بني كاهل - وكان ابن أخته - فقال: يا بني، أعندك خير فتثأر بأبيك، وتنال شرف الدهر، وإن قومك لن يقتلوك؟!.
فلم يزل بالغلام حتى حربه، ودفع إليه حديدة وقد شحذها وقال: ادخل عليه مع قومك، ثم اطعنه في مقتله.
فعمد الغلام إلى الحديدة فخبأها، ثم دخل على حجر في قبته التي حبس فيها.
فلما رأى الغلام غفلة وثب عليه فقتله؛ فوثب القوم على الغلام فقالت بنو كاهل: ثأرنا وفي أيدينا!.
فقال الغلام: إنما ثأرت بأبي، فخلوا عنه.
وأقبل كاهنهم المزدجر فقال: أي قوم! قتلتموه! ملك شهر، وذل دهر، أما والله لا تحظون عند الملوك بعده أبدا.
ولما طعن الغلام حجراً ولم يجهز عليه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع. وكان أكبر ولده - فإن بكى وجزع فاله عنه؛ واستقرهم واحداً واحداً؛ حتى تأتي امرأ القيس - وكان أصغرهم - فأيهم لم يجزع؛ فادفع إليه سلاحي وخيلي وقدوري ووصيتي، وبين في وصيته من قتله؛ وكيف كان خبره.
стр. 3
فانطلق الرجل بوصيته إلى نافع ابنه، فأخذ التراب فوضعه على رأسه؛ ثم استقراهم واحداً واحداً، فكلهم فعل ذلك؛ حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد؛ فقال له: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه. فقال له امرؤ القيس، اضرب فضرب، حتى إذا فزع قال: ما كنت لأسد عليك دستك.
ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره؛ فقال الخمر علي والنساء حرام، حتى أقل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة.
وكان امرؤ القيس قد طرده أبو حجر، وآلى ألا يقيم معه أنفة من قوله الشعر - وكانت الملوك تأنف من ذلك - فكان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب: من طيئ وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح لمن معه في كل يوم؛ وخرج للصيد فتصيد فأكل وأكلوا معه. وشرب الخمر وسقاهم. وغنته قيانه.
ولا يزال كذلك حتى ينفذ ماء ذلك الغدير. ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمون من أرض اليمن. فقال:
تطاول الليل على دمون ... دمون إنا معشر يمانون
وإننا لأهلنا محبون
ثم قال: ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً. لا صحو اليوم؛ ولا سكر غداً، "اليوم خمر، وغداً أمر". ثم قال:
خليلي لا في اليوم مصحى لشارب ... ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب.
وقدم على امرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجالات من بني أسد، فيهم المهاجر بن خداش؛ وعبيد بن الأبرص، وقبيصة بن نعيم - وكان رجلاً مقيماً في بني أسد ذا بصيرة بمواقع الأمور ورداً وإصداراً، يعرف ذلك له من كان محيطاً بأكناف بلده من العرب.
فلما علم امرؤ القيس بمكانهم أمر بإنزالهم، وتقدم في إكرامهم والإفضال عليهم. واحتجب عنهم ثلاثا.
فقالوا لمن ببابه من رجال كندة: ما بال الرجل لا يخرج إلينا؟ فقيل لهم: هو في شغل بإخراج ما في خزائن حجر من العدة والسلاح! فقالوا: اللهم غفرا! إنما قدمنا في أمر نتناسى به ذكر ما سلف. ونستدرك به ما فرط. فليبلغ ذلك عنا.
فخرج إليهم بعد ثلاث في قباء وخف غمامة سوداء - وكانت العرب لا تعتم بالسواد إلا في التراث - فلما رأوه نهضوا له. وبدر إليه قبيصة فقال: إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر. وما تحدثه أيامه وتتنقل به أحواله، بحيث لا تحتاج إلى تبصير واعظ. ولا تذكرة مجرب. ولك من سؤدد منصبك، وشرف أعراقك، وكرم أصلك في العرب محتمل يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة، والرجوع عن الهفوة ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها.
وقد كان الذي كان من الخطب الجليل، الذي عمت رزيته نزاراً واليمن. ولم تخصص به كندة دوننا للشرف البارع الذي كان لحجر، ولولا كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا على مثله ببذل ذلك، ولفديناه منه. ولكن مضى به سبيل لا يرجع أولاه على أخراه ولا يلحق أقصاه أدناه.
فأحمد الحالات في ذلك: أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتاً وأعلاها في بناء المكرمات صوتاً فقدناه إليك بنسعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته. فيقال: رجل امتحن بهلك عزيز عليه. فلم تستل سخيمته إلا بتمكينه من الانتقام أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف تجاوز الحسبة وكان ذلك فداء ترجع به القضب إلى أجفانها لم يردده تسليط الإحن على البراء وإما أن توادعنا حتى تضع الحوامل فتسدل الأزر وتعقد الخمر فوق الرايات.
فبكى امرؤ القيس ساعة ثم رفع طرفه إليهم فقال قد علمت العرب أن لا كفء لحجر في دم وأني لن أعتاض به ناقة أو جملاً فأكتسب بذلك سبة الأبد وفت العضد وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها وإني لن أكون لعطبها سبيا وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقا وفوق الأسنة علقا.
إذا جالت الخيل في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا
أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا بل ننصرف بأسوأ الاختيار لحرب وبلية، ومكروه وأذية. ثم نهضوا عنه وقبيصة يقول متمثلا:
لعلك أن تستوخم الموت إن غدت ... كتائبنا في مأزق الموت تمطر
стр. 4
فقال امرؤ القيس لا والله لا أستوخمه ولكن أستعذبه فرويداً ينكشف لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير. ولقد كان ذكر غير هذا أولى بي، إذ كنت نازلاً بربعي، ومتحرماً بذمامي، ولكنك قلت فأجبت.
قال قبيصة: إن ما نتوقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب. قال امرؤ القيس: هو ذاك!.
ثم شرب امرؤ القيس سبعا، فلما صحا آلى ألا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا يدهن بدهن، ولا يصب امرأة حتى يدرك بثأره، فلما جنه الليل رأى برقاً فقال:
أرقت لبرق بليل أهل ... يضيء سناه بأعلى الجبل
أتاني حديث فكذبته ... بأمر تزعزع منه القلل
بقتل بني أسد ربهم ... ألا كل شيء سواه جلل
فأين ربيعة عن ربها ... وأين تميم وأين الخول
ألا يحضرون لدى بابه ... كما يحضرون إذا ما أكل
وارتحل امرؤ القيس حتى نزل بكراً وتغلب، فسألهم النصر، وبعث العيون على بني أسد، فلما كان الليل قال لهم علباء: يا معشر بني أسد، تعلمون والله أن عيون امرئ القيس قد أتتكم، ورجعت إليه بخبركم، فارحلوا بليل، ولا تعلموا بني كنانة، ففعلوا.
وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب، حتى انتهى إلى بني كنانة، وهو يحسبهم بني أسد، فوضع السلاح فيهم، وقال: يا لثارات الملك! يا لثارات الهمام. فخرجت إليه عجوز من بني كنانة فقالت: أبيت اللعن! لسنا لك بثأر، ونحن من كنانة فدونك ثأرك فاطلبهم؛ فإن القوم ساروا بالأمس.
فتبع بني أسد ففاتوه ليلتهم تلك؛ فقال:
ألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب
وأدركهم ظهراً، وقد تقطعت خيله، وقطع أعناقهم العطش، وبنو أسد جامون على الماء؛ فنهد إليهم فقالتهم حتى كثرت الجرحى والقتلى فيهم وحجز الليل بينهم وهربت بنو أسد.
فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم؛ وقالوا له: لقد أصبت ثأرك. قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحداً. قالوا: بلى، ولكنك رجل مشؤوم، وكرهوا قتالهم، وانصرفوا عنه، فمضى هارباً لوجهه حتى لحق بحمير.
فاستأجر من قبائل العرب رجالاً، فسار بهم إلى بني أسد، ومر بتبالة وبها صنم للعرب تعظمه، فاستقسم عنده بقداحة، وهي ثلاثة: الآمر، والناهي، والمتربص. فأجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، فجمعها فكسرها وضرب بها وجه الصنم وقال: لو أبوك قتل ما عقني، ثم خرج فظفر ببني أسد.
وألح المنذر في طلب امرئ القيس، ووجه الجيوش في طلبه من إياد وبهراء وتنوخ، وأمده أنو شروان بجيش من الأساورة فسرحهم في طلبه، فلم يكن لامرئ القيس بهم طاقة؛ وتفرقت حمير ومن كان معه عنه، فنجا في عصبه من بني آكل المرار؛ ونزل ببعض رؤساء القبائل يستجير بهم وصار يتحول عنهم إلى غيرهم؛ حتى نزل برجل من بني فزارة يقال له عمرو بن جابر بن مازن، فطلب منه الجوار، حتى يرى ذات عيبه.
فقال له الفزاري: يابن حجر؛ إني أراك في خلل من قومك؛ وأنا أنفس بمثلك من أجل الشرف؛ وقد كدت بالأمس تؤكل في دار طيئ؛ وأهل البادية أهل وبر؛ لا أهل حصون تمنعهم، وبينك وبين أهل اليمن ذؤبان من قيس، أفلا أدلك على بلد! فقد جئت قيصر، وجئت النعمان، فلم أر لضيف نازل ولا لمجتد مثله ولا مثل صاحبه.
قال: من هو؟ وأين منزله؟ قال: السموءل بتيماء، هو يمنع ضعفك حتى ترى عيبك، وهو في حصن حصين وحسب كبير.
فقال له امرؤ القيس: وكيف لي به؟ قال أو صلك إلى من يوصلك إليه.
فصحبه إلى رجل من بني فزارة يقال له الربيع بن ضبع الفزاري ممن يأتي السموءل فيحمله ويعطيه.
فلما صار إليه قال له الفزاري: إن السموءل يعجبه الشعر؛ فتعال نتناشد له أشعاراً؛ فقال امرؤ القيس: قل حتى أقول. فقال الربيع:
قل للمنية أي حين نلتقي ... بفناء بيتك في الحضيض المزلق
ولقد أتيت بني المصاص مفاخراً ... وإلى السموءل زرته بالأبلق
فأتيت أفضل من تحمل حاجة ... إن جئته في غارم أو مرهق
عرفت له الأقوام كل فضيلة ... وحوى المكارم سابقاً لم يسبق
فقال امرؤ القيس:
طرقتك هند بعد طول تجنب ... وهنا ولم تك قبل ذلك تطرق
стр. 5
ثم مضى القوم حتى قدموا إلى السموءل فأنشدوه الشعر؛ وعرف لهم حقهم؛ ثم إنه طلب إليه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر. ومضى حتى انتهى إلى قيصر؛ فقبله وأكرمه؛ وكانت له عنده منزلة.
ثم إن قير ضم إليه جيشاً كثيفاً؛ فيه جماعة من أبناء الملوك، فلما فصل قال لقيصر قوم من أصحابه: إن العرب قوم غدر، ولا تأمن أن يظفر بما يريد؛ ثم يغزوك بمن بعثت معه.
فبعث إليه حينئذ بحلة وشى مسمومة منسوجة بالذهب، وقال له إني أرسلت إليك بحلتي كنت ألبسها تكرمة لك؛ فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة، واكتب إلي بخبرك من منزل إلى منزل.
فلما وصلت إليه لبسها، واشتد سروره بها، فأسرع فيه السم وسقط جلده، فقال:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني مما يلبس أبؤسا
فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
ويروى أن امرأ القيس آلى بألية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة واثنتين؛ فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عن هذا قلن: أربعة عشر.
فبينا هو يسير في جوف الليل إذ هو برجل يحمل ابنة له صغيرة كائنها البدر ليلة تمامه، فأعجبته؛ فقال لها: يا جارية! ما ثمانية وأربعة واثنتان؟ فقالت: أما ثمانية فأطباء الكلبة؛ وأما أربعه فأخلاف الناقة، وأما اثنتان فثديا المرأة.
فخطبها إلى أبيها، فزوجه إياها وشرطت عليه أن تسأله ليلة بنائها عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، وأن يسوق إليها مائة من الإبل وعشرة أعبد وعشر وصائف وثلاثة أفراس، ففعل ذلك.
ثم إنه بعث عبداً له إلى المرأة، وأهدى إليها نحيا من سمن ونحيا من عسل وحلة من عصب، فنزل العبد ببعض المياه فنشر الحلة ولبسها فتعلقت بعشرة فانشقت؛ وفتح النحيين فطعم أهل الماء منهما فنقصا.
ثم قدم على حي المرأة وهم خلوف فسألها عن أبيها وأمها وأخيها ودفع إليها هديتها، فقالت له: أعلم مولاك أن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يرعى الشمس؛ وأن سماءكم انشقت، وأن وعاءيكم نضبا.
فقدم الغلام على مولاه فأخبره. فقال: أما قولها: إن أبي ذهب يقرب بعيداً ويبعد قريباً، فإن أباها ذهب يحالف قوماً على قومه. وأما قولها: ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة نفساء. وأما قولها: إن أخي يرعى الشمس، فإن أخاها في سرح له يرعاه فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح به. وأما قولها: إن سماءكم انشقت؛ فإن البرد الذي بعثت به انشق. وأما قولها: إن وعاءيكم نضبا؛ فإن النحيين الذين بعثت بهما نقصا فاصدقني!.
فقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني من نسبي فأخبرتهم أني ابن عمك، ونشرت الحلة فانشقت، وفتحت النحيين فأطعمت منها أهل الماء. فقال: أولى لك!. ثم ساق مائة من الإبل وخرج نحوها ومعه الغلام، فنزلا منزلاً، فخرج الغلام يسقي الإبل فعجز، فأعانه امرؤ القيس، فرمى به الغلام في البئر، وخرج حتى أتى أهل المرأة بالإبل وأخبرهم أنه زوجها، فقيل لها: قد جاء زوجك، فقالت: والله ما أدري أزوجي هو أم لا! ولكن انحروا له جزوراً وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا فأكل ما أطعموه، فقالت: اسقوه لبناً حازراً، فسقوه فشرب. فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له فنام.
فلما أصبحت أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك، فقال: سلي عما شئت، فسألته فلم يعجبها جوابه، فقالت: عليكم العبد فشدوا أيديكم به؛ ففعلوا.
قال: ومر قوم فاستخرجوا امرأ القيس من البئر، فرجع إلى حيه، فاستاق مائة من الإبل وأقبل إلى امرأته، فقال لها: قد جاء زوجك! فقالت: والله ما أدري أهو زوجي أم لا، ولكن انحروا له جزوراً فأطعموه من كرشها وذنبها ففعلوا. فلما أتوه بذلك قال: وأين الكبد والسنام والملحاء! وأبى أن يأكل. فقالت: اسقوه لبناً حازراً؛ فأبى أن يشربه وقال: فأين الصريف والرثئة؟ فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، فأبى أن ينام وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء، واضربوا عليها خباء.. ثم أرسلت إليه: هلم شريطتي عليك في المسائل الثلاثة فأرسل إليها أن سلي عما شئت. فسألته، فأعجبها جوابه فقالت: هذا زوجي لعمركم؛ عليكم به، واقتلوا العبد، فقتلوه ودخل امرؤ القيس بالجارية.
- ٤ -
شعر امرئ القيس
стр. 6
امرؤ القيس أسبق شعراء العربية إلى ابتداع المعاني والتعبير عنها، افتتح أبواباً من الشعر ووفق إلى تشبيهات وطوق موضوعات لم يسبق إليها. ففتح باب الغزل وأطال الوصف، وأمعن فيه، وأبدع تصويره هذا إلى لفظ جزل موجز. وسبك محكم يتخلله مثل مرسل، وحكمة بالغة.
وكان شعره مرآة لحياته، وتاريخ قومه. فقد ذكرنا أنه كان لاهياً مولعاً بالشراب. فكذلك كان شعره في شبابه صورة لحياته.
يمثل شعره حياته وترفه في بدء شبابه. فقد كان يخرج إلى الصيد بالطهاة يطهون له ولصحبه ما يصيد:
وظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواه أو قدير معجل
حتى إذا انتهت حياة اللهو والترف وحمل عبء أبيه كان شعره صورة لآماله:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني، ولم أطلب، قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وهو يصف حزنه على أبيه. وتهديده لقتلته بني أسد:
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخلى ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد
لقلت من القول ما لايزا ... ل يؤثر عني يد المسند
فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا تقعد
وإن تقتلونا نقتلكمو ... وإن تقصدوا لدم نقصد
وأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود
وهو يتردد في القبائل يتصرخها، يمدح من نصره، ويذم من خذله، فيمدح سعد بن ضباب الإيادي. وكان قد نزل به فأنجده:
سأشكرك الذي دافعت عني ... وما يجزيك مني غير شكري
فما جاء بأوثق منك جاراً ... ونصرك للفريد أعز نصر
ويهجو سبيع بن عوف:
أبلغ سبيعاً إن عرضت رسالة ... إني كظنك إن عشوت أمامي
أقصر إليك من الوغيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي
ثم هو يذهب إلى قيصر فيصف ذلك في شعره:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وهكذا كان شعره صورة لما روي من حياته.
وأشهر شعره معلقته، ومطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وتقع في واحد وثمانين بيتاً. وقد نظمها في أيام شبابه ولهوه وموضوعها الغزل في بنت عمه عنيزة.
وله مطولات أخرى ذكرت في ديوانه وهو على كل حال قد امتاز بجودة الوصف، ولاسيما النساء والفرس والصيد. كما امتاز بكثرة متشبيه المبكر فشبه النساء بالظباء والبيض وشبه الخيل بالعقبان والعصي إلى كثير من أمثال ذلك. وقل أن ترى له أبياتاً خلت من التشبيه. وكان لرحلاته الكثيرة إلى الشام واليمن وغيرهما أثر في سعة خياله وحسن تصويره واستعماله ألفاظاً جديدة، فشبه في معلقته إشراق محبوبته بسراج الراهب، وحسن تصويره، وشبه ترائبها (وهي موضع القلادة منها) بالسجنجل (وهي كلمة رومية معناها المرآة) ، وهكذا.
وأورث امرؤ القيس الأدب العربي أبياناً كثيرة يتمثل بها كقوله: (وحسبك من غنى شبع ورى) ، وقوله:
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
وقوله:
بنو أسد قتلوا ربهم ... ألا كل شيء سواه الجلل
وقوله:
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
وقوله:
كذلك جدى لا أصاحب صاحباً ... من الناس إلا خانني وتغيرا
وديوان امرئ القيس مشروح عدة شروح وطبع في باريس ومصر. وجمع أشعار امرئ القيس عدة من العلماء، وطبع ديوانه العلامة دي ستان في باريس سنة ١٨٢٨ مع ترجمة لاتينية. وجمع الأب لويس شيخو اليسوعي أهم أخبار وأشعار امرئ القيس من كتب عديدة وسردها في كتابه المعروف بشعراء النصرانية المطبوع في بيروت سنة ١٨٩٠.
стр. 7
ويعد امرؤ القيس أفحل شعراء الجاهلية وإمامهم ويقولون إنه كان أول من ابتدأ في شعره بذكر طلول محبوبته وباليقين في الأوصاف حتى إنه بلغ في ذلك مبلغاً عظيماً وانه طبع في كل قصيدة من قصائده صوراً كثيرة من حياة البدو أنشدها على نسق واحد بديع مقبول فإن تشبيهات واستعاراته حسنة جداً ولم يصل أحد إلى ما وصل إليه امرؤ القيس في المديح والهجو وأحسن صنعة في شعره هو وصفه جواده، فليس له في ذلك مثيل، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب وهو أحد الأربعة الذين وقع الاتفاق على أنهم أشعر شعراء العرب: امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى واختلفوا في أيهم أشعر وأحسن ديباجة شعر والأكثرون على أنه امرؤ القيس.
قال لبيد: أشعر الناس ذو القروح. وقال الفرزدق: كان الشعر جملاً فنحر فجاء امرؤ القيس فأخذ رأسه. وقال جرير: اتخذ الخبيث الشعر نعلين.
وقال رسول الله ﷺ في امرئ القيس: إنه يقدم بلواء الشعر إلى النار. وقال علي بن أبي طالب: رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة.
وقد أجاد امرؤ القيس في الغزل والوصف ووصف الخيل والصيد وتشبيه النساء بالظباء والمها إلى غير ذلك مما ابتكره من معان واهتدى إليه من أغراض. وله أبيات وقصائد غير صحيحة النسبة إليه وينكر بعض الرواة أبياته في معلقته:
وقربة قوم قد جعلت عصامها ... على كاهل مني ذلول مرحل
إلى آخر هذه الأبيات.
آراء النقاد في شعره
أقبل قوم من أهل اليمن يريدون النبي ﷺ فضلوا الطريق ووقعوا على غيرهما ومكثوا ثلاثاً لا يجدون الماء، ثم أقبل راكب فسمع بعضهم ينشد:
ولما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي
فقال: من يقول هذا؟ قيل امرؤ القيس. قال: والله ما كذب هذا عارض عندكم. وأشار لهم إليه فوصلوه فإذا ماء عذب وإذا عليه العرمض والظل يفيء عليه فشربوا منه وحملوا ولما أتوا النبي قالوا يا رسول الله أحيانا الله ببيتين من شعر امرئ القيس وأنشدوهما. فقال ﷺ : "ذلك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها متسي في الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعر إلى النار".
وسأل العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب عن الشعراء، فقال امرؤ القيس سابقهم خسف لهم عين الشعر فافتقر من معان عور أصح بصر.
وقال علي بن أبي طالب: "رأيت امرأ القيس أحسن الشعراء نادرة وأسبقهم بادرة وأنه لم يقل لرغبة ولا رهبة".
ومر لبيد بالكوفة على مجلس وهو يتوكأ على محجن له فسألوه عن أشعر العرب فقال: الملك الضليل ذو القروح.
وسئل جرير رأيه في امرئ القيس فقال: "اتخذ الخبيث الشعر نعلين"، وهذا رأي يمثل اقتدار امرئ القيس على الشعر وشدة تمكنه منه.
وقيل للفرزدق من أشعر الناس يا أبا فراس؟ فقال: ذو القروح. قيل حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول:
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وقال ابن يحيى: سمعت من لا أحصى من الرواة يقولون: "أحسن الناس ابتداء في الجاهلية امرؤ القيس حيث يقول: "ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي"؛ وحيث يقول: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"؛ وفي الإسلام القطامى حيث يقول: "إنا محيوك فاسلم أيها الطلل"؛ ومن المحدثين بشار حيث يقول:
أبى طلل بالجزع أن يتكلما ... وماذا عليه لو أجاب متيما
وقال بشار: لم أزل منذ سمعت قول امرئ القيس في تشبيهه بشيئين في بيت واحد حيث يقول:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
أعمل نفسي في تشبيه شيئين بشيئين في بيت واحد حتى قلت:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وكان أبو عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي يقول: أنسب بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
стр. 8
وقال حماد بن إسحق قال لي أبو ربيعة لو لم تكن هذه القصيدة "بزينب ألمم" لنصيب؛ شعر من كانت تشبه؟ قلت: شعر امرئ القيس "لأنها جزلة الكلام جيدة. فقال: سبحان الله قلت: ما شأنك؟ قال: سألت أباك عن هذا فقال لي مثل ما قلت" فعجبت من اتفاقكما.
وفي أسطورة أدبية رواها صاحب الجمهرة سئل جني من أشعر العرب؟ فقال:
ذهب ابن حجر بالقريض وقوله ... ولقد أجاب فما يعاب زياد
ويقول الآمدي: "وفضل امرؤ القيس لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة؛ فوق ما استعار سائر الشعراء منه في الجاهلية والإسلام. ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره ولكان كسائر شعراء أهل زمانه. ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا هو أول من شبه الخيل بالعصا وذكر الوحش والطير وأول من قال قيد الأوابد الخ. فهل هذا التقديم إلا لأجل معانيه.
ومن آثار شعر الطبيعة عند امرئ القيس وصفه الجميل الرائع لليل وطوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انحلي ... بصبح وما الأصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
والقارئ يقف أمام هذه القطعة الفنية الجميلة متأملاً معجباً مشدوهاً من روعة البيان وجمال التصوير ورقة التعبير وقوة التأثير ومن هذه الشخصية الفنية الكاملة التي تبرز من هذه الأبيات في وضوح وقوة وجمال.
الليل رهيب، ظلماته كالموج، اللجى؛ وقد أقبل على الشاعر، فأثار في نفسه الذكريات، وهاج كوامن الأحزان وبعث الهموم من مرقدها، وترك النفس موزعة حيرى مفزعة.
واستمرت صور الماضي وأحداث الحاضر تتراءى أمام عينيه يتذكرها ويذكرها، يتذكر حياته اللاهية العابثة في صباح، وهذه الآمال والآلام التي تعتلج في صدره وذكريات الحب والأحباب المؤثرة الباقية.
وطال الليل على الشاعر وطال، وامتد وامتد، فرسم لطوله هذه الصورة البارعة التي تجدها في البيت الثاني، فكأنه يتمطى بصلبة، وكأن أعجازه وأواخره يردف بعضها بعضاً، وكأنه يقع بصدره على المهمومين والمحزونين ليوسعهم ألماً وشقاء.
ويتمنى الشاعر أن يذهب الليل بظلمته ورهبته؛ وأن يشرق الصبح بضوئه وجماله ولكنه يعود فيتذكر أن أحزانه كامنة في نفسه فلن يسري عنها إشراق الصباح ولا ضجيج الحياة في أول النهار.
وتستمر الصور والذكريات تطوف بخيال الشاعر وأمام عينيه اليقظتين والليل كما هو لم يذهب ولم يطلع الصباح الجميل، وكأنه لا يريد أن يذهب بل كأنه مشدود بحبال قوية شدت بصخرة من صخور هذا الجبل الغليظ.
صور جميلة لا يعدل جمالها جمال، وخيال يقظ مشبوب لا يماثله في استنباط دقائق التصوير خيال.
وهكذا كان امرؤ القيس وبحق ما كان زعيم الشعراء في الجاهلية.
ويرى الأصمعي أن أحسن الناس تشبيهاً امرؤ القيس في قوله:
كأن قلوب الطير رطباً ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي
وفي قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
وفي قوله:
ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد
وفي قوله:
سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال
وأن أبدع تشبيهاته قوله يصف فرساً:
كأن تشوفه بالضحى ... تشوف أزرق ذي مخلب
إذا قرعته جلال له ... تقول سلبت ولم تسلب
فقال الرشيد للأصمعي: هذا حسن؛ وأحسن منه قوله:
فرحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طوراً وترتقي
واجتمع عبيد الأبرص وامرؤ القيس يوماً فقال عبيد: كيف معرفتك بالأوابد؟ فقال قل ما شئت تجدني كما أحببت. فقال عبيد:
ما حية ميتة قامت بميتتها ... درداء ما أنبتت ناباً وأضراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الشعير تسقى في سنابها ... قد أخرجت بعد طول المكث أكداسا
فقال عبيد:
ما السرد والبيض والأسماء واحدة ... لا يستطيع لهن الناس تمساسا
فقال امرؤ القيس:
تلك السحائب والرحمن أنشأها ... روى بها من محول الأبيض أبياسا
فقال عبيد:
стр. 9
ما مرتجات على هول مراكبها ... يقطعن بعد المدى سيراً وأمراسا
فقال امرؤ القيس:
تلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في سواد الليل أقباسا
فقال عبيد:
ما القاطعات لأرض لا أنيس بها ... تأتي سراعاً وما يرجعن أنكاسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للترب كناسا
فقال عبيد:
ما الفاجعات جهاراً في علانية ... أشد من فيلق ملمومة باسا
فقال امرؤ القيس:
تلك المنايا فما يبقين من أحد ... يأخذن حمقاً وما يبقين أكياسا
فقال عبيد:
ما السابقات سراع الطير في مهل ... لا يشتكين ولو طال المدى باسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الجياد عليها القوم مذ نتجت ... كانوا لهن غداة الروع أحلاسا
فقال عبيد:
ما القاطعات لأرض الجو في طلق ... قبل الصباح وما يسوين قرطاسا
فقال امرؤ القيس:
تلك الأماني يتركن الفتى ملكا ... دون السماء ولم ترفع له راسا
فقال عبيد:
ما الحاكمون بلا سمع ولا بصر ... ولا لسان فصيح يعجب الناسا
فقال امرؤ القيس
تلك الموازين والرحمن أرسلها ... رب البرية بين الناس مقياسا
ومما يتصل بشعر امرئ القيس ما يروى من أنه وصل إلى حضرة سيف الدولة رجل من أهل بغداد، وكان ينقر العلماء والشعراء بما لم يدفعه الخصم ولا ينكره الوهم. فتلقاه سيف الدولة باليمن، وأعجب به إعجاباً شديداً، فقال يوماً: أخطأ امرؤ القيس في قوله:
كأني لم أركب جواد اللذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروى ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال
وهذا معدول عن وجهه ولاشك فيه.
فقيل: وكيف ذلك؟ قال إنما سبيله أن يقول:
كأني لم أركب جواداً ولم أقل ... لخيلي كرى كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروى للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
فيقترن ذكر الخيل بما يشاكلها في البيت كله، ويقترن ذكر الشراب واللهو بالنساء؛ ويكون قوله "للذة" في الشرب أطبع منه في الركوب! فبهت الحاضرون، واهتز سيف الدولة، وقال: هذا النهدي وحق أبي!. فقال له بعض الحاضرين من العلماء: أنت أخطأت وطعنت في القرآن إن كنت تعمدت!.
فقال سيف الدولة: وكيف ذلك؟ فقال: قال الله تعالى: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى"، وعلى قياسه يجب أن يكون: إن لك أن تجوع فيها ولا تظمأ ولا تعرى فيها ولا تضحى! وإنما عطفه امرؤ القيس بالواو التي لا توجب تعقيباً، ولا ترتب.. فخجل وانقطع!.
شرح المختار من شعر امرئ القيس
- ١ - قال امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من معلقته المشهورة:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
لتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال
ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل
وقوفاً بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول
كدأبك من أم الحريثرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل
ففاضت دموع العين مني صبابة ... على النحر حتى بل دمعي مخملي
ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولاسيما يوم بدارة جلجل
ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من كورها المتحمل
فظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معاً ... عقرت بعيري ياامرأ القيس فانزل
فقلت لها سيري وأرخى زمامه ... ولا تبعديني من جناك المعلل
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم مخول
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشق وشقى تحتها لم يحول
ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
стр. 10
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً ... علي حراصاً لو يسرون مقتلي
إذا ما الثريا في السماء تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل
فجئت وقد فضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
خرجت بها نمشي نجر وراءها ... على أثرينا ذيل مرط مرحل
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... علي هضيم الكشح ريا المخلخل
إذا التفتت نحوي تضوع ريحها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
مهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل
كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
وفرع يغشى المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلى ... تضل المذارى في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر ... وساق كأنبوب السقي المذلل
وتغطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك إسحل
تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... منارة ممسى راهب متبتل
وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئوم الضحى لم تنطق عن تفضل
إلى مثلها يرنو الحليم صبابة ... إذا مااسبكرت بين درع ومجول
تسلت عمايات الرجال عن الصبا ... وليس صباي عن هواها بمنسل
ألا رب خصم فيك ألوى رددته ... نصيح على تعذاله غير مؤتل
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار القتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كنان إلى صم جندل
وقد اغتدى والطير في وكنانها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن غباراً بالكديد المركل
على العقب جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلا مرجل
يطير الغلام الخف عن صهواته ... ويلوى بأثواب العنيف المتبل
درير كخذروف الوليد أغره ... تقلب كفيه بخيط موصل
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
كأن على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صلاية حنظل
وبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائماً غير مرسل
فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في الملاء المذيل
فأدبرن كالجرع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول
فألحقنا بالهاديات ودونه ... جواجرها في صرة لم تزيل
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكاً ولم ينضح بماء فيغسل
وظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه ... متى ما ترق العين فيه تسفل
كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل
وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
أحار ترى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الدبا والمفتل
قعدت له وصخبتي بين حامر ... وبين إكام بعد ما متأمل
وأضحى يسج الماء عن كل فيقة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل
وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطماً إلا مشيداً بجندل
كأن ذرى رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء قلكة مغزل
стр. 11
كأن أبانا في أفانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل
وألقى بصحراء الغبيط بعاعه ... نزول اليماني ذي العياب المخول
كأن سباعاً فيه غرقى غدية ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
على قطن بالبشيم أيمن صوته ... وأيسره على الستار فيذبل
وألقى ببسيان مع الليل بركه ... فأنزل منه الغضم من كل منزل
تحليل القصيدة
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسيط الورى بين الدخول فحومل مطلع معلقة امرئ القيس الرائعة الشهرة، والتي تدل على شخصية صاحبها المرحة وروحه الموهوب، مجوته المأثور، وأسلوب القصيدة أسلوب جزل فيه أسر وقوة في عذوبة حيناً مع الجمال والصدق والتنقل في الخيال ومع سحر المطلع وفخامته.
ومعانيها قريبة لا تعقيد فيها تنكئ على الحسن والمشاهدات، فهو حين يتحدث عن الحب يصف جمال المرأة ومحاسنها، وحين يصف الفرس يتحدث عن ساقه ومتنه وشعره وحين يتحدث عن المطر يصف كثرته وأنه ألقى مياهه على جبل كذا وكذا ففزعت العصم وهدمت البيوت وسقطت جذوع النخل، دون أن يتحدث الشاعر عما وراء هذه الأوصاف الحسية في الخيل والمطر أو عن عواطفه الإنسانية في حبه وغزله.
وتمتاز المعلقة بأنها مظهر للبلاغة العربية، وبما فيها من أساليب البيان، ومناهج الأداء وصور التعبير، وألوان الرسم والخيال والتفكير، فيها تشبيهات بليغة عذبة كثيرة واستعارات جميلة بالغة، وكنايات أنيقة ساحرة، وسوى ذلك من أدوات التعبير والبيان. ولتفصيل ذلك كله نقول: للمعلقة مطلعها الساحر القوي وأسلوبها الجزل، وخيالها البدوي الموهوب وتشبيهاتها الحسية الساذجة المكرورة أحياناً، وفيها فوق ذلك وبرغم الكثير من ألفاظها البدوية الجافة ورقة النسيب ودقة الوصف وتنوع الأغراض وبراعة التصوير والبيان، وفيها جل ما ابتكره امرؤ القيس من المعاني الشعرية التي فضل بها على غيره من الشعراء وعدبها أميرهم وقائدهم، ففيها بكاء للديار واستيقاف للصحب وتجويد في النسيب وتصوير لاستهتاره ومجونه، وقص لذكرياته وأيامه، وإبداع في وصف الليل وطوله "والفرس ومحاسنه، والبرق، والمطر وآثاره".
وفي المعلقة الكثير من التشبيهات الجميلة، كتشبيه موقفه حين رحيل أحبابه بموقف الحنظل، وغزارة ما ينهمر منهما من دموع، وكتشبيه عبق الرائحة من حبيبه بعبق رائة النسيم، قد جاء بريا القرنفل. وتشبيه شحم ناقته بهداب الدمقس المفتل، والثغر بالأقحوان المنور، وتعرض الثريا في السماء بتعرض أثناء الوشاح المفصل، وتشبيه ترائب المرأة بالمرآة المجلوة، وجيدها بجيد الظباء، وبنانها بأساريع الظبي، وجمالها المشرق بمنارة الراهب المتبتل، وتشبيه الليل بموج البحر واهتزام الفرس بغلي المرجل. فقد أخذ الحسن من جميع الحيوانات، أخذ من الظبي خاصرته، ومن النعامة ساقها، ومن الذئب والثعيلب مشيهما، فهو جواد ويا له من جواد ضافي الذيل مستقيم العسيب، لماع الظهر كما تلمع صلاية الحنظل مما يعلق بها من الدهن اللامع، أو صلاية عروس تدق فيها العطر والطيب، وكأن دماء هوادي فرائسه في نحره المخضوب عصارة حناء في شيب مسرح.
وتمتاز المعلقة بكناياتها الساحرة، كنؤوم الضحى في وصف المرأة بالترف والنعمة وقوله "لم تنتطق عن تفضل" في وصفها بأنها عزيزة منعمة لم تعز بعد ذل ولم تنعم بعد شقاء، وقوله "إذا ما اسبكرت بين درع ومجول" يريد إذا بلغت سن الشباب لأنه الدرع هو قميص المرأة والمجول ثوب تلبسه الفتاة وتجول فيه قبل أن تخدر، وقوله "قيد الأوابد" في وصف الفرس بسرعة العدو، وقوله: ولم ينضح بماء فيغسل في وصفه بالنشاط. ومنها كثير من المجازات الجميلة والاستعارات المبدعة كقوله "فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي" يريد بالثياب القلب أو الصداقة. وقوله "وبيضة خدر" يريد امرأة كريمة مخدرة. وقوله في وصف الليل بالطول "فقلت له لما تمطى بصلبه" وقوله "وتتقي بناظرة من وحش وجرة" وكذلك قوله "له أيطلا ظبي وساقا نعامة" من أساليب التجريد أو التشبيه الجميلة.
стр. 12
وقد تجد في المعلقة تنقلاً في الخيال وفي رسم الصور الشعرية، ولكن لا ضير في ذلك، لأن الشعر فن والفنون تأبى أن تخضع لقيود المنطق والفلسفة وحريتها في التعبير والتصوير هو سر جمالها وخلودها وفق ذلك فإن الشعر صورة للحياة العربية في سذاجتها وبساطتها فضلاً عن أثر الارتجال والبديهة في نظم الشعر وإنشاده وخاصة في العصر الجاهلي.
وفي المعلقة وصف لما يحبه العربي من مظاهر الجمال في المرأة وفي الفرس وفيها بيان مفصل لزينة المرأة وترفها وفيها نواة للقصص الشعري وخاصة في الغزل، مما نهج نهجه عمر بن أبي ربيعة ثم بشار وأبو نواس. وليس فيها أثر للمدح لأن شخصية امرئ القيس العظيمة أرفع من المدح، ولأن المعلقة لم تنظم إلا لوصف ذكرياته ولهوه وترفه ومجونه، مما يرجع أنها نظمت في أيام صبواته وشبابه قبل أن يحمل عبء الأخذ بثأر والده، حيث تجدها خالية من ذكر الأحداث التي طافت به بعد ذلك. وتعدد الأعراض والفنون في القصيدة يتفق ونهج العرب والشعراء الجاهليين في صياغة قصائدهم؛ حيث كانوا يروحون عن أنفسهم وسامعيهم بهذا الاستطراد الجميل وبتعدد نواحي القصيدة ومراميها حتى تكون أشد أثراً وسحراً.
وروح الشاعرية في المعلقة متحدة متناسقة إلا في أبيات يضيفها بعض الرواة إليها وهي:
وقربة أقوام جعلت عصامها ... على كاهلي مني ذلول مرحل
وما بعده من أبيات، مما تخالف روحها روح المعلقة. والصحيح أن هذه الأبيات لتأبط شراً وأنكرها الكثير من الرواة، وقيل هي لامرئ القيس في عصر مشيبه وكهولته وأضيفت إلى المعلقة إضافة، فهي لا تمثل روحه في فترة شبابه اللاهية الماجنة التي نراها في معلقته.
وتمثل هذه المعلقة الحياة العربية في كثير من نواحيها المختلفة، كما تصور حياة امرئ القيس وترفه وروحه اللاهي المسرف في العبث والمجون أتم التصوير، فهي صورة جميلة واضحة لحياة الشاعر وقومه، وأثر أدبي كبير نستطيع أن نفهم منه الكثير من عادات العرب وأخلاقهم.
نشأ امرؤ القيس في بيت سؤدد ومجد ونعمة، فخب في سبل اللهو وذاق أفاويق الجمال والحب وقضى أيام شبابه في مغازلة الغيد الحسان؛ فكانت له معهن أيام وذكريات قص الكثير منها في هذه المعلقة، وما برح في لهوه ومجونه حتى ضاق به والده ذرعاً فأبعده عنه، فأقام مع أمثاله من أهل البطالة واللهو حتى قتل أبوه فذهبت سكرته وطالت حسرته، وهب للأخذ بثأره حتى قضى عليه أخيراً إسرافه في الانتقام.
ذلك هو امرؤ القيس قائد الشعراء في الجاهلية، وحامل لواء الشعر في ذلك العصر البعيد، والمفتن في أبواب الشعر وأغراضه، والمجلى في بيان أسرار الجمال واللهو وفي رقة الأسلوب وسحره، وفي جزالة اللفظ وأسره، وفي روائع التشبيه وبدائع الخيال، وفي ابتداع الكثير من المعاني الشعرية الطريفة التي قلده فيها سواء من الشعراء وتتناول المعلقة كثيراً من فنون الشعر، وتحوي الكثير من الأفكار المنوعة، ففيها بكاء لديار أحبابه في ثلاثة أبيات وتصوير لحيرته وذهوله يوم رحيلهن واستيقاف لأصحابه ليحملوا معه عبء الحزن والشجى في بيتين وفيها شرح للهوه وعبثه وقص لذكرياته وأشجانه مع محبوباته ووصف للجمال العربي وزينة المرأة في الجاهلية ولأثر الجمال وسحره في النفوس وذلك في عشرين بيتاً، وفيها مناجاة الليل وذكر لطوله وآلامه فيه في خمسة أبيات ووصف دقيق لفرسه في ثمانية عشر بيتاً، وللبرق والمطر ونشوة الطبيعة في عشرة أبيات فأبياتها تبلغ الستين أو تزيد وهي كلها في درجة عالية من الإحسان.
ويقول الزوزني في سبب إنشاد هذه القصة: "السبب في إنشادها هو قصة غدير دارة جلجل حيث كان امرؤ القيس يحب ابنة عمه عنيزة فتركها تستحم في هذا الغدير مع أتراب لها وجمع ملابسهن ثم لم يعطها لهن إلا بعد مرورهن أمامه عاريات، ثم ذبح لهن ناقته وقسم متاعه عليهن يحملنه وركب مع عنيزة في هودجها".
وقد بدأها ببكاء الديار بمطلع جميل ساحر ثم يستمر في وصف الديار وآثارها حتى يقول: وقوفاً بها صحبي على مطيهم.
ثم يصف ذكريات لهوه وعبثه وغزله. ثم يصف الليل وطوله، وطوله والفرس وقوته ويذكر الصيد الذي صاده وطهى الطهاة له وسط الصحراء ويصف البرق والمطر في عذوبة وسحر وجمال.
- ٢ - وقال أيضاً:
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
стр. 13
وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
ديار لسلمى عافيات بذي خال ... ألح عليها كل أسحم هطال
وتحسب سلمى لا تزال ترى طلا ... من الوحش أو بيضاً بميثاء شملال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بواد الخزامى أو على رس أو عال
ليالي سلمى إذ تريك منصباً ... وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطال
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
كذبت لقد أصبى على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي
ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال
يضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبال
كأن على لباتها جمر مصطل ... أصاب غضى جزلا وكف بأجذال
وهبت له ريح بمختلف الصوا ... صباً وشمال في منازل قفال
ومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تنسيني إذا قمت سربالي
إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير مجبال
كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مس وتسهال
لطيفة طي الكشح غير مفاضة ... إذا انفلتت مرتجة غير متفال
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لفقال
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال
فقالت سباك الله، إنك فاضحي ... ألست ترى السماء والناس أحوالي
فقلت يمين الله أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال
فأبحت معشوقاً وأصبح بعلها ... عليه القتام سيئ الظن والبال
يغط غطيط البكر شد خناقه ... ليقتلني والمرء ليس بقتال
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أعوال
وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال
أيقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما شغف المهنوءة الرجل الطالي
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال
وماذا عليه أن ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقيال
وبيت عذارى يوم دحن ولجته ... يطفن بحباء المرافق مكسال
سباط البنان والعرانين والقنا ... لطاف الخصور في تمام وإكمال
نواعم يتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال
كأني لم أركب جواداً للذة ... ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبإ الزرق الروى ولم أقل ... لخليلي كري كرة بعد إجفال
ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى ... على هيكل عبل الجزارة جوال
سليم الشظى عبل الشوى شنج النسا ... لع حجبات مشرفات على الفال
وصم صلاب ما يقين من الوحي ... كأن مكان الردف منه على رال
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خال
تحاماه أطراف الرماح تحامياً ... وجاد عليه كل أسحم هطال
بعجلزة قد أترز الجري لحمها ... كميت كأنها هراوة منوال
ذعرت بها سرباً نقياً جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخال
كأن الصوار إذ تجهد عدوه ... على جمزى خيل تجول بأجلال
فجال الصوار واتقين بقرهب ... طويل الفرا والروق أخنس ذيال
فعادى عداء بين ثور ونعجة ... وكان عداء الوحش مني على بال
كأني بفتحاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي
تخطف خزان الشربة بالضحى ... وقد حجرت منها ثعالب أورال
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدي وكرها العناب والحشف البالي
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
стр. 14
وطر المرء مادامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي
- ٣ - وقال امرؤ القيس أيضاً:
خليلي مرا بي على أم جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذب
فإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب
ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
عقيلة أتراب لها لا دميمة ... ولا ذات خلق إن تأملت جأنب
ألا ليست شعري كيف حادث وصلها ... وكيف تراعى وصلة للتغيب
أقامت على ما بيننا من مودة ... أميمة أم صارت لقول المخبب
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب
وقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... سوالك نقبا بين حزمى شعبعب
علون بأنطاكية فوق عقمة ... كجرمة نخل أو كجنة يثرب
ولله عيناً من رأى من تفرق ... أشت وأنأى من فراق المحصب
فريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع بحد كبكب
فعيناك غرباً جدول في مفاضة ... كمر الخليج في صفيح مصوب
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
وإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل غدو أو رواح مؤوب
بأدماء حرجوج كأن قتودها ... على أبلق الكشحين ليس بمغرب
يغرد بالأسحار في كل سدفة ... تغرد مياح الندامى المطرب
أقب رباع من حمير عماية ... يمج لعاع البقل في كل مشرب
بمحنية قد آزر الضال نبتها ... مجر جيوش الغانمين وخيب
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب
بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كل شأو مغرب
على الأين جياش كان سراته ... على الضمر والتعداء سرحة مرقب
يباري الخنوف المستاقل زماعه ... ترى شخصه كأنه عود مشحب
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وصهوة عير قائم فوق مرقب
ويخطو على ضم صلاب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حارك مثل الغبيط المذأب
وعين كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب
له أذنان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب
ومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذب
وأسحم ريان العسيب كأنه ... عثاكيل قنو من سميحة مرطب
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه ... تقول هزير الريح مرت بأثأب
يدير قطاة كالمحالة أشرفت ... إلى سند مثل الغبيط المذأب
ويخضد في الاري حتى كأنما ... به غرة من طائف غير معقب
فيوماً على سرب نقي جلوده ... ويوماً على بيدانة أم تولب
فبينا نعاج يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب
فكان تنادينا وعقد عذاره ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب
فلأياً بلأي ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السراة محنب
وولى كشؤبوب العشي بوابل ... ويخرجن من جعد ثراه منصب
فللساق ألهوب وللسوط درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب
فأدرك لم تجهد ولم يثن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب
ترى الفأر في مستنقع القاع لاجباً ... على جدد الصحراء من شد ملهب
خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب
فعادى عداءً بين ثور ونعجة ... وبين شبوب كالقضيمة قرهب
وظل لثيران الصريم غماغم ... يداعسها بالسمهري المعلب
فكاب على حر الجبين ومتق ... بمذرية كأنها ذاق مشعب
وقلنا لفتيان كرام ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوب مطنب
وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب
وأطنابه أشطان خوض نجائب ... وصهوته من أتحمى مشرعب
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري جديد مشطب
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مضهب
ورحنا كأنا من جؤائي عشية ... نعالى النعاج بين عدل ومحقب
стр. 15
وراح كتيس الربل ينفض رأسه ... أذاة به من صائك متحلب
كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مخضب
وأنت إذا استدبرته سد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأصهب
- ٤ - وقال أيضاً حين توجه إلى قيصر:
سما لك شوق بعدما كان أقصرا ... وحلت سليمى بطن قو فعرعرا
كنانية بانت وفي الصدر ودها ... مجاورة غسان والحي يغمرا
بعيني ظعن الحي لما تحملوا ... لدى جانب الأفلاج من جنب تيمرى
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دوم أو سفيناً مقيرا
أو المكرعات من نخيل ابن يامن ... دوين الصفا اللآلئ يلين المشقرا
سوامق جبار أثيث فروعه ... وعالين قنواناً من البسر أحمرا
حمته بنو الربداء من آل يامن ... بأسيافهم حتى أقو وأوقرا
وأرضى بني الربداء واعتم زهوه ... وأكمامه حتى إذا ما تهصرا
أطافت به جيلان عند قطاعه ... تردد فيه العين حتى تحيرا
كأن دمى شغف على ظهر مرمر ... كسا مزبد الساجوم وشياً مصورا
غرائر في كن وصون ونعمة ... يحلين ياقوتاً وشذراً مفقرا
وريح سناً في حقه حميرية ... تخص بمفروك من المسك أذفرا
وبانا وألويا من الهند ذاكيا ... ورندا ولبنى والكباء المقترا
غلقن برهن من حبيب به ادعت ... سليمى فأمسى حبلها قد تبترا
وكان لها في سالف الدهر خله ... يسارق بالطرف الخباء المسترا
إذ نال منها نظرة ريع قلبه ... كما ذعرت كأس الصبوح المخمرا
نزيف إذا قامت لوجه تمايلت ... تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا
أأسماء أمسى ودها قد تغيرا ... سنبدل إن أبدلت بالود آخرا
تذكرت أهلي الصالحين وقد أتت ... على خملي خوص الركاب وأوجرا
فلما بدا حوران والآل دونه ... نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا
تقطع أسباب اللبانة والهوى ... عشية جاوزنا حماة وشيزرا
بسير يضج العود منه يمنه ... أخو الجهد لا يلوى على من تعذرا
ولم ينسى ما قد لقيت ظعائنا ... وخملا لها كالقر يوما مخدرا
كأثل من الأعراض من دون بيثشة ... ودون الغمير عامدات لغضورا
فدع ذا وسل اللهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا
تقطع غيطاناً كأن متونها ... إذا أظهرت تكسى ملاء منشرا
بعيدة بين المنكبين كأنما ... ترى عند مجرى الضفر هراً مشجرا
تطاير ظران الحصى بمناسم ... صلاب العجى ملثومها غير أمعرا
كأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها حذف أعسرا
كأن صليل المروحين تشده ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا
عليها فتى لم تحمل الأرض مثله ... أبر بميثاق وأوفى وأصبرا
هو المنزل الآلاف من جونا عطٍ ... بني أسد حزناً من الأرض أوعرا
ولو شاء كان الغزو من أرض حمير ... ولكنه عمداً إلى الروم أنفرا
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وإني زعيم إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الفرانق أزورا
على لاحبٍ لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا
على كل مقصوص الذنابي معاود ... يريد السرى بالليل من خيل بربرا
أقب كسرحان الغضى متمطر ... ترى الماء من أعطافه قد تحدرا
إذا زعته من جانبيه كليهما ... مشى الهيدبى في دفه ثم فرفرا
إذا قلت زوحنا أرن فرانق ... على جلعد واهي الأباجل أبترا
لقد أنكرتني بعلبك وأهلها ... ولابن جريج في قرى حمص أنكرا
نشيم يروق المزن أين مصابه ... ولا شيء يشفي منك يا ابنة عفزرا
من القاصرات الطرف لو دب مخول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا
أرى أم عمرو دمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو وما كان أصبرا
إذا نحن سرنا خمس عشرة ليلة ... وراء الحساء من مدافع قيصرا
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا
стр. 16
كذلك جدي ما أصاحب صاحباً ... من الناس إلا خانني وتغيرا
وكنا أناساً قبل غزوة قرمل ... ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا
وما جبنت خيلي ولكن تذكرت ... مرابطها في بربعيص وميسرا
ألا رب يوم صالح قد شهدته ... بتادف ذات التل من فوق طرطرا
ولا مثل يوم في قداران ظلته ... كأني وأصحابي على قرن أعفرا
ونشرب حتى نحسب الخيل حولنا ... نقاداً وحتى نحسب الجون أشقرا
- ٥ - قال أيضاً:
أعني على برق أراه وميض ... يضيء حبياً في شماريخ بيض
ويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتعتاب الكسير المهيض
وتخرج منه لامعات كأنها ... أكف تلقى الفوز عند المفيض
قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين تلاع يثلث فالعريض
أصاب قطاتين فسال لواهما ... فوادي البدي فانتحى للأريض
بلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث في فضاء عريض
فأضحى يسح الماء عن كل فيقة ... يحوز الضباب في صفاصف بيض
فأسقى به أختي ضعيقة إذ نأت ... وإذ بعد المزار غير القريض
ومرقبة كالزج أشرفت فوقها ... أقلب طرفي في فضاء عريض
فظلت وظل الجون عندي بلبده ... كأني أعدي عن جناح مهيض
فلما أجن الشمس عني غيارها ... نزلت إليه قائماً بالحضيض
يباري شباة الرمح خد مذلق ... كصفح السنان الصلبي النحيض
أخفضه بالنقر لما علوته ... ويرفع عزفاً غير جاف غضيض
وقد أعتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد عبل اليدين قبيض
له قصريا عير وساقا نعامة ... كفحل الهجان ينتجى للعضيض
يجم على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسى بعد المخيض
ذعرت بها سرباً نقياً جلودها ... كما ذعر السرحان جنب الربيض
ووالى ثلاثاً واثنتين وأربعاً ... وغادر أخرى في قناة الرفيض
فآب إياباً غير نكد مواكل ... وأخلف ماء بعد ماء فضيض
وسن كسنيق سناء وسنما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض
أرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض
كأن الفتى لم يغن في الناس ساعة ... إذا اختلف اللحيان عند الجريض
- ٦ - وقال أيضاً:
غشيت ديار الحي بالبكرات ... فعارمة فبرقة العيرات
فغول فحليت فنفى فمنعج ... إلى عاقل فالجب ذي الأمرات
ظللت ردائي فوق رأسي قاعداً ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي
أعني على التهمام والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات
بليل التمام أو وصلن بمثله ... مقايسة أيامها نكرات
كأني وردفي والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وارد الخبرات
أرن على عقب حيال طروقة ... كذود الأجير الأربع الأشرات
عنيف بتجميع الضرائر فاحش ... شتيم كدلق الزج ذي ذمرات
ويأكلن بهمى جعدة حبشية ... ويشربن برد الماء في السبرات
فأوردها ماء قليلاً أنيسه ... يحاذرن عمراً صاحب القترات
تلت الحصى لتاً بسمر رزينة ... موازن لا كزم ولا معرات
ويرخين أذناباً كأن فروعها ... عرا خلل مشهورة ضفرات
وعنس كألواح الإران فسألتها ... على لاحب كالبرد ذي الخبرات
فغادرتها من بعد بدن ردية ... تغالى على عوج لها عود لها كدنات
وأبيض كالمخراق بليت حده ... وهبته في الساق والقصرات
- ٧ - وقال أيضاً يمدح غوير بن شجنة بن عطارد من بني تميم، وبني عوف رهطه:
ألا إن قوماً كنتم أمس دونهم ... هم منعوا جاراتكم آل غدران
عوير ومن مثل العوير ورهطه ... وأسعد في ليل البلايل صفوان
ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غران
هم أبلغوا الحي المضلل أهلهم ... وساروا بهم بين العراق ونجوان
فقد أصبحوا والله أصفاهم به ... أبر بميثاق وأوفى بجيران
- ٨ - وقال أيضاً:
لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عصيب بمان
ديار لهند والرباب وفرتني ... ليالينا بالنعف من بدلان
ليالي يدعوني الهوى فأجيبه ... وأعين من أهوى إلي رواني
стр. 17
فإن أمس مكروباً فيا رب بهمة ... كشفت إذا ما اسود وجه الجبان
وإن أمس مكروباً فيا رب قينة ... منعمة أعملتها بكران
لها مزهر يعلو الخميس بصوته ... أجش إذا ما حركته اليدان
وإن أمس مكروباً فيا رب غارة ... شهدت على أقب رخو اللبان
على ربذ يزداد عفواً إذا جرى ... مسح حثيث الركض والذألان
ويخدى على صم صلاب ملاطس ... شديدات عقد لينات المثاني
وغيث من الوسمي حو تلاعه ... تبطنته بشيظم صلتان
مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كتيس ظباء الحلب الغذوان
إذا ما جنبناه تأود متنه ... كعرق الرخامى اهتز في الهجلان
تمتع من الدنيا فإنك فاني ... من النشوات والنساء الحسان
من البيض كالآرام والأدم كالدمى ... حواصنها والمبرقات الرواني
أمن ذكر نبهانية حل أهلها ... بجزع الملا عيناك تبتدران
فدمعهما سكب وسح وديمة ... ورش وتوكاف وتنهملان
كأنهما مزادتا متعجن ... فريان لما تسلقا بدهان
- ٩ - وقال أيضاً:
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان
ذكرت بها الحي الجميع فهيجت ... عقابيل سقم من ضمير وأشجان
فسحت دموعي في الرداء كأنها ... ثكلى من شعيب ذات سح وتهتان
إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان
فإما تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقر تخفق أكفاني
فيا رب مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغل عنه ففداني
وفتيان صدق قد بعثت بسخرة ... فقاموا جميعاً بين عاث ونشوان
وخرق بعيد قد قطعت نياطه ... على ذات لوث سهوة المشي مذعان
وغيث كألوان الفنا قد هبطته ... تعاون فيه كل أوطف حنان
على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان
كتيس الظباء الأعفر انضرجت له ... عقاب تدلت من شماريخ ثهلان
وخرق كجوف العير قفر مضلة ... قطعت بسام ساهم الوجه حسان
يدافع أعطاف المطايا بركنه ... كما مال غصن ناعم فوق أغصان
ومجر كغلان الأنيعم بالغ ... ديار العدو ذي زهار وأركان
مطوت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
وحتى ترى الجون الذي كان بادنا ... عليه عواف من نسور وعقبان
- ١٠ - وقال أيضاً يمدح جارية بن مر أبا حنبل، ويذم خالد بن سدوس بن أصمع النبهاني:
دع عنك نهباً صبح في حجراته ... ولكن حديثاً ما حديث الرواحل
كأن دثاراً حلقت بلبونه ... عقاب تنوفي لا عقاب القواعل
تلعب باعث بذمة خالد ... وأودى عصام في الخطوب الأوائل
وأعجبني مشي الحزقة خالد ... كمشي أتان حلئت بالمناهل
أبت أجأ أن تسلم العام جارها ... فمن شاء فلينهض لها من مقاتل
تبيت لبوني بالقرية أمنا ... وأسرحها غباً بأكناف خائل
بنو ثعل جيرانها وحماتها ... وتمنع من رماة سعد ونائل
تلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل
مكللة حمراء ذات أسرة ... لها حبك كأنها من وصائل
- ١١ - وقال أيضاً:
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب
عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب
فبعض اللوم عاذلني فإني ... ستكفيني التجارب وانتسابي
إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي
ونفسي سوف يسلبها وجرمي ... فيلحقني وسيكا بالتراب
ألم أفض المطي بكل خرق ... أمق الطول لماع السراب
وأركب في اللهام المجر حتى ... أنال مآكل القحم الرغاب
وكل مكارم الأخلاق صارت ... إليه همتي وربه اكتسابي
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
أبعد الحارث الملك ابن عمرو ... وبعد الخير حجر ذي القباب
أرجي من صروف الدهر ليناً ... ولم تغفل عن الصم الهضاب
وأعلم أنني عما قريب ... سأنشب في شبا ظفر وناب
стр. 18
كما لاقى أبي حجر وجدي ... ولا أنسى قتيلا بالكلاب
- ١٢ - وقال:
أماوي هل لي عندكم من معرس ... أم الصرم تختارين بالوصل نيأس
أبيني لنا إن الصريمة راحة ... من الشك ذي المخلوجة المتلبس
كأني ورحلي فوق أحقب قارح ... بشربة أوطاف بعرنان موجس
تعشى قليلاً ثم أنحى ظلوفه ... يشير التراب عن مبيت ومكنس
يهيل ويذري تربها ويثيره ... إثارة نباث الهواجر مخمس
فبات على خد أحم ومنكب ... وضجعته مثل الأسير المكردس
وبات إلى أرطأة حقف كأنها ... إذا التقتها غبية بيت معرس
فصبحه عند الشروق غدية ... كلاب ابن مر أو كلاب ابن سنبس
مغرثة زرقا كأن عيونها ... من الذمر والإيحاء نوار عضرس
فأدبر يكسوها الرغام كأنها ... على الصمد والآكام جذوة مقبس
وأيقن إن لاقينه أن يومه ... بذي الرمث إن ماوتنه يوم أنفس
فأدركنه يأخذن بالساق والنسا ... كما شبرق الولدان ثوب المقدس
وغورن في ظل الغضى وتركنه ... كقرم الهجان القادر المتشمس
- ١٣ - وقال:
ألما على الربع القديم بعسعسا ... كأني أنادي أو أكلم أخرسا
فلو أن أهل الدار فيها كعهدنا ... وجدت مقيلاً عندهم ومعرسا
فلا تنكروني إنني أنا ذاكم ... ليالي حل الحي غولاً فألعسا
فإما تريثي لا أغمض ساعة ... من الليل إلا أن أكب فأنعسا
تأوبي دائي القديم فغلسا ... أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا
فيا رب مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا
ويا رب يوم قد أروح مرجلا ... حبيباً إلى البيض الكواعب أملسا
يرعن إلى صوتي إذا ما سمعنه ... كما ترعوي عيط إلى صوت أعيسا
أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا
وما خفت تبريح الحياة كما أرى ... تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا
فلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
وبدلت قرحاً دامياً بعد صحة ... فيا لك من نعمى تحولن أبؤسا
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا
- ١٤ - وقال:
لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يوماً فيأتيني بقر
ألا إنما الدهر ليال وأعصر ... وليس على شيء قويم بمستمر
ليال بذات الطلح عند محجر ... أحب إلينا من ليال على أقر
أعادي الصبوح عند هر وفرتني ... وليداً وهل أفنى شبابي غير هر
إذا ذقت فاه قلت طعم مدامة ... معتقة مما تجيء به التجر
هما نعجتان من نعاج تبالة ... لذي جؤذرين أو كبعض دمى هكر
إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريح من القطر
كأن التجار أصعدوا بسبيئة ... من الخص حتى أنزلوها على يسر
فلما استطابا صب في الصحن نصفه ... وشجت بماء غير طرق ولا كدر
بماء سحاب زل عن متن صخرة ... إلى بطن أخرى طيب ماؤها خصر
لعمرك ما إن ضرني وسط حمير ... وأقوالها إلا المخيلة والشكر
وغير الشقاء المستبين فليتني ... أجر لساني يوم ذلكم مجر
لعمرك ما سعد بخلة آثم ... ولا نأنإ يوم الحفاظ ولا حصر
لعمري لقوم قد نرى أمس فيهم ... مرابط للأمهار والعكر الدثر
أحب إلينا من أناس بقنة ... يروح على آثار شأنهم النمر
يفاكهنا سعد ويغدو لجمعنا ... بمثنى الزقاق المترعات وبالجزر
لعمري لسعد حيث حلت دياره ... أحب إلينا منك فافرس حمر
وتعرف فيه من أبيه شمائلاً ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
- ١٥ - وقال يجيب سبيع بن عوف بن مالك:
لمن الديار غشيتها بسحام ... فعمايتين فهضب ذي أقدام
فصفا الأطيط فصاحتين فغاضر ... تمشي النعاج بها مع الآرام!
دار لهند والرباب وفرتني ... وبليس قبل حوادث الأيام
عوجا على الطلل المحيل لاننا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام
стр. 19
أو ما ترى أظعانهن بواكراً ... كالنخل من شوكان حين صرام
حور تعلل بالعبير جلودها ... بيض الوجوه نواعم الأجسام
فظلت في دمن الديار كأنني ... نشوان باكره صبوح مدام
أنف كلون دم الغزال معتق ... من خمر عانة أو كروم شبام
وكأن شاربها أصاب لسانه ... موم يخالط جسمه بسقام
ومجدة نسأتها فتكمشت ... رتك النعامة في طريق حام
تخدى على العلات سام رأسها ... روعاء منسمها رثيم دام
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام
فجزيت خير جزاء ناقة واحد ... ورجعت سالمة القرا بسلام
وكأنما بدر وصيل كتيفة ... وكأنما من عاقل أرمام
أبلغ سبيعاً إن عرضت رسالة ... إني كهمك إن عشوت أمامي
أقصر إليك من الوعيد فإنني ... مما ألاقي لا أشد حزامي
وأنا المنبه بعد ما قد نوموا ... وأنا المعالن صفحة النوام
وأنا الذي عرفت معد فضله ... ونشدت عن حجر ابن أم قطام
وأنازل البطل الكريه نزاله ... وإذا أناضل لا تطيش سهامي
خالي ابن كبشة قد علمت مكانه ... وأبو يزيد ورهطه أعمامي
وإذا أذيت ببلدة ودعتها ... ولا أقيم بغير دار مقام
- ١٦ - وقال:
يا دار ماوية بالحائل ... فالسهب فالخبتين من عاقل
صم صداها وعفا رسمها ... واستعجمت عن منطق السائل
قولا لدودان عبيد العصا ... ما غركم بالأسد الباسل
قد قرت العينان من مالك ... ومن بني عمرو ومن كاهل
ومن بني غنم بن دودان إذ ... نقذف أعلاهم على السافل
نطعنهم سلكي ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل
إذ هن أقساط كرجل الدبى ... أو كقطا كاظمة الناهل
حتى تركناهم لدى معرك ... أرجلهم كالخشب الشائل
حلت لي الخمر وكنت امرأ ... عن شربها في شغل شاغل
فاليوم أسقى غير مستحقب ... إثماً من الله ولا واغل
- ١٧ - وقال:
رب رام من بني ثعل ... مثلج كفيه في قتره
عارض زوراء من نشم ... غير باناة على وتره
قد أتته الوحش واردة ... فتنحى النزع في يسره
فرماها في فرائصها ... بإزاء الحوض أو عقره
برهيش من كنانته ... كتلظي الجمر في شرره
راشه من ريش ناهضة ... ثم أمهاه على حجره
فهو لا تنمى رميته ... ماله لا عد من نفره
مطعم للصيد ليس له ... غيرها كسب على كبره
وخليل قد أفارقه ... ثم لا أبكي على أثره
وابن عم قد تركت له ... صفو ماء الحوض عن كدره
وحديث الركب يوم هنا ... وحديث ما على قصره
- ١٨ - وقال:
يا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا
مرسعة بين أرساغه ... به عسم يبتغي أرنبا
ليجعل في رجله كعبها ... حذار المنية أن يعطبا
ولست بخزرافة في القعود ... ولست بطياخة أحدبا
ولست بذي رثية إفر ... إذا قيد مستكرهاً أصحبا
وقالت بنفسي شباب له ... ولمته قبل أن يشجبا
وإذ هي سوداء مثل الفحيم ... تغشى المطانب والمنكبا
- ١٩ - وقال في قتل شرحبيل بن عمرو بن حجر عمه ويهجو البراجم من بني تميم ويربوعاً ودارما:
ألا قبح الله البراجم كلها ... وجدع يربوعاً وعفر دارما
وآثر بالملحاة آل مجاشع ... رقاب إماء يقتنين المفارما
فما قاتلوا عن ربهم وربيبهم ... ولا آذنوا جاراً فيظفر سالما
وما فعلوا فعل العوير بجاره ... لدى باب هند إذ تجرد قائما
- ٢٠ - وقال يمدح العوير بن شجنة وقؤمة بني عوف:
إن بني عوف ابتنوا حسبا ... ضيعه الدخللون إذ غدروا
إدوا إلى جارهم خفارته ... ولم يضع بالمغيب من نصروا
لم يفعلوا فعل آل حنظلة ... إنهم جير بئس ما ائتمروا
لا حميري وفي ولا عدس ... ولا أست عير يحكها النفر
لكن عوير وفي بذمته ... لا عور شانه ولا قصر
- ٢١ - وقال حين بلغه أن بني أسد قتلت أباه:
تالله لا يذهب سيخي باطلا
حتى أبير مالكاً وكاهلا
القاتلين الملك الحلاحلا
стр. 20
خير معد حسباً ونائلا
يا لهف هند إذ خطئن كاهلا
نحن جلبنا القرح القوافلا
يحملننا والأسل النواهلا
مستفرمات بالحصى جوافلا
تستنفر الأواخر الأوائلا
- ٢٢ - وقال لما ذهبت إبله:
ألا إلا تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي
وجاد لها الربيع بواقصات ... فآرام وجاد لها الولي
إذا مشت حوالبها أرنت ... كأن الحي صبحهم نعي
تروح كأنها مما أصابت ... معلقة بأحقبها الدلي
فتوسع أهلها أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنى شبع وري
- ٢٣ - وقال حين غزا بني أسد فأخطأهم وأوقع ببني كنانة وهو لا يدري:
ألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهن علباء جريصاً ... ولو أدركنه صفر الوطاب
- ٢٤ - وقال يمدح المعلى أحد بني تميم ب- ٢٤ -ن ثعلبة من جديلة طيئ وكان أجاره والمنذر بن ماء السماء يطلبه فمنعه ووفى له:
كأني إذ نزلت على المعلى ... نزلت على البواذخ من شمام
فما ملك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا ملك الشآم
أشد نشاص ذي القرنين حتى ... تولى عارض الملك الهمام
أقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام
- ٢٥ - وقال يمدح طريف بن مالك:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
إذا البازل الكوماء راحت عشية ... تلاوذ من صوت المبسين بالشجر
- ٢٦ - وقال يصف تقلب الزمان ودورانه:
أبعد الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان
مجاورة بن شمحى بن جرم ... هوانا ما أتيح من الهوان
ويمنعها بنو شمحى بن جرم ... معيزهم خانك ذا الحنان
- ٢٧ - وقال يصف الغيث
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر
تخرج الود إذا ما أشجدت ... وتواريه إذا ما تشتكر
وترى الضب خفيفاً ماهراً ... ثانياً برثنه ما ينعفر
وترى الشجراء في ربقه ... كروس قطعت فيها الخمر
ساعة ثم انتحاها وابل ... ساقط الأكناف واه منهمر
راح تمريه الصبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منفجر
ثج حتى ضاق عن آذيه ... عرض خيم فجفاف فيسر
قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الإطلين محبوك ممر
- ٢٨ - وقال ينازع الحارث التوءم اليشكري قال امرؤ القيس: أحار ترى بريقاً حب وهناً فقال الحارث بن التوءم: كنار مجوس تستعر استعارا ثم قال امرؤ القيس: أرقت له ونام أبو شريح فقال الحارث: إذا ما قلت قد هدأ استطارا فقال امرؤ القيس: كان هزيزه بوراء غيب فقال الحارث: عشار وله لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلما أن دنا لقفا أضاخ فقال الحارث: وهت أعجاز ريقه فحارا فقال امرؤ القيس: فلم يترك بذات السر ظبيا فقال الحارث: ولم يترك بجلهتها حمارا - ٢٩ - وقال:
أحار بن عمر وكأني خمر ... ويعدوا على المرء ما يأتمر
لا وأبيك ابنة العامر ... ي لا يدعي القوم أني أفر
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر
تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر
أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
وفيمن أقام عن الحي هر ... أم الظاعنون بها في الشطر
وهر تصيد قلوب الرجال ... وأفلت منها ابن عمرو حجر
رمتني بسهم أصاب الفؤاد ... غداة الرحيل فلم أنتصر
فأسبل دمعي كفض الجمان ... أو الدر رقراقه المنحدر
وإذ هي تمشي كمشي النزي ... ف يصرعه بالكثيب البهر
برهرهة رؤدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنفطر
فتور القيام قطيع الكلا ... م تفتر عن ذي غروب خصر
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر
فبت أكابد ليل التما ... م والقلب من خشية مقتشعر
فلما دنوت تسديتها ... فثوباً نسيت وثوباً أجر
стр. 21
ولم يرنا كالئ كاشح ... ولم يفش منا لدى البيت سر
وقد رابني قولها يا هنا ... هـ ويحك ألحقت شراً بشر
وقد اغتدى معي القانصان ... وكل بمربأة مقتفر
فيدركنا فغم داجن ... سميع بصير طلوب نكر
ألص الضروس حتى الضلوع ... تبوع طلوب نشيط آشر
فأنشب أظفاره في النسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر
فكر إليه بمبراته ... كما خل ظهر اللسان المجر
فظل يرنح في غيطل ... كما يستدير الحمار النعر
وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
لها حافز مثل قعب الولي ... د ركب فيه وظيف عجر
لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفئن إذا تزبئر
وساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حماتيهما منبتر
لها عجز كصفاة المسي ... ل أبرز عنها جحاف مضر
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد بها فرجها من دبر
لها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر
لها عذر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر
وسالفة كسحوق الليا ... ن أضرم فيها الغوى السعر
لها جبهة كسراة المج ... ن حذفه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر
وعين لها حذرة بدرة ... وشقت مآقيها من أخر
إذا أقبلت قلت دباءة ... من الخضر مغموسة في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفية ... ململمة ليس فيها أثر
وإن أعرضت قلت سرعوفة ... لها ذنب خلفها مسبطر
وللسوط فيها مجال كما ... تنزل ذو برد منهمر
لها وثبات كصوب السحاب ... فواد خطاء وواد مطر
وتعدو كعدو نجاة الظبا ... ء أخطأها الحاذف المقتدر
- ٣٠ - وقال:
ألا انعم صباحاً أيها الربع وانطق ... وحدث حديث الركب إن شئت واصدق
وحدث بأن زالت بليل حمولهم ... كنخل من الأعراض غير منبق
جعلن حوايا واقتعدن قعائدا ... وخففن من حوك العراق المنمق
وفوق الحوايا غزلة وجآذر ... تضمخن من مسك ذكي وزنبق
فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم ... غوارب رمل ذي ألاء وشبرق
على إثر حي عامدين لنية ... فحلوا العقيق أو ثنية مطرق
فعزيت نفسي حين بانوا بجسرة ... أمون كبنيان اليهودي خيفق
إذا زجرت ألفيتها مشمعلة ... تنيف بعذق من غرس ابن معنق
تروح إذا راحت رواح جهامة ... بإثر جهام رائح متفرق
كأن بها هراً جنيباً تجره ... بكل طريق صادفته ومأزق
كأني ورحلي والقراب وتمرقي ... يرفئ ذي زوائد نقنق
تروح من أرض لأرض نطية ... لذكرة قيض حول بيض مفلق
يجول بآفاق البلاد مغربا ... وتسحقه ريح الصبا كل مسحق
وبيت يفوح المسك في حجراته ... بعيد من الآفات غير مروق
دخلت على بيضاء جم عظامها ... تعفى بذيل الدرع إذ جئت مودقي
وقد ركدت وسط السماء نجومها ... ركود نوادي الربرب المتورق
وقد أغتدي قبل العطاس بهيكل ... شديد مشك الجنب فعم المنطق
بعشا ربيئاً قبل ذاك مخملاً ... كذئب الغضى يمشي الضراء ويتقي
فظل كمثل الخشف يرفع رأسه ... وسائره مثل التراب المدقق
وجاء خفياً يسفن الأرض بطنه ... ترى الترب منه لاصقاً كل ملصق
وقال ألا هذا صوار وعانة ... وخيط نعام.. يرتعي متفرق
فقمنا بأشلاء اللجام ولم نقد ... إلى غصن بان ناضر لم يحرق
نزاوله حتى حملنا غلامنا ... على ظهر ساط كالصليف المعرق
كأن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق
رأى أرنباً فانقض يهوى أمامه ... إليها وجلاها بطرف ملقلق
فقلت له صوب ولا تجهدنه ... فيدرك من أعلى القطاه فتنزلق
فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد الغلام ذي القميص المطوق
وأدركهن ثانياً من عنانه ... كغيث العشي الأقهب المتودق
فصاد لنا عيراً وثوراً وخاضباً ... عداء ولم ينضح بماء فيعرق
وظل غلامي يضجع الرمح حوله ... لكل مهاة أو لأحقب سهوق
وقام طوال الشخص إذ يخضبونه ... قيام العزيز الفارسي المنطق
стр. 22
فقلنا ألا قد كان صيد لقانص ... فخبوا علينا كل ثوب مزرق
وظل صحابي يشتوون بنعمة ... يصفون غارا باللكيك الموشق
ورحنا كأنا من جؤاثى عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومشنق
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طوراً وترتقي
وأصبح زهلولاً يزل غلامنا ... كقدح النضي باليدين المفوق
كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مفرق
- ٣١ - وقال:
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص
وكم دونها من مهمة ومفازة ... وكم أرض جدب دونها ولصوص
تراءت لنا يوماً بجنب عنيزة ... وقد حان منها رحلة فقلوص
بأسود ملتف الغدائر وارد ... وذي أشر تشوفة وتشوص
منابته مثل السدوس ولونه ... كشوك السيال فهو عذب يفيض
فهل تسلين الهم عنك شملة ... مداخلة صم العظام أصوص
تظاهر فيها الني لا هي بكرة ... ولا ذات ضغن في الزمام قموص
أؤوب نعوب لا يواكل نهزها ... إذا قيل سير المدلجين نصيص
كأني ورحلي والقراب وغرقي ... إذا شب للمرو والصغار وبيص
على نقنق هيق له ولعرسه ... بمنعرج الوعساء بيض رصيص
إذا راح للأدحي أوباً يفنها ... تحاذر من إدراكه وتحيص
أذلك أم جون يطارد آتناً ... فأربى حملهن دروص
طواء اضطمار الشد فالبطن شارب ... معالي إلى المتنين فهو خميص
بحاجبه كدح من الضرب جالب ... وحاركه من الكدام حصيص
كأن سرته وجدة ظهره ... كنائن يجري بينهن دليص
ويأكلن من قو لعاعاً وربة ... تجبر بعد الأكل فهو نميص
تطير عفاء من نسيل كأنه ... مسدس أطارته الرياح وخوص
تصيفها حتى إذا لم يسغ لها ... حلي بأعلى حائل وقصيص
تغالبن فيه الجزء لولا هواجر ... جنادبها صرعى لهن فصيص
أرن عليها قارباً وانتحت له ... طوالة أرساغ اليدين نحوص
فأوردها من آخر الليل مشرباً ... بلائق خضراً ماؤهن قليص
فيشربن أنفاساً وهن خوائف ... وترعد منهن الكلى والفريص
فأصدرها تعلو النجاد عشية ... أقب كمقلاء الوليد خميص
فجحش على أدبارهن مخلف ... وجحش لدى مكرهن وقيص
وأصدرها بادي النواجذ قارح ... أقب كسكر الأندري محيص
- ٣٢ - وقال:
تطاول ليلك بالأثمد ... نام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني ... وحبرته عن أبي الأسود
ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد
لقلت من القول ما لايزا ... ل يؤثر عني يد المسند
بأي علاقتنا ترغبون ... أعن دم عمرو على مرثد
فإن تدفنوا الداء لا تخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد
فإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا لدم نقصد
متى عهدنا بطعان الكما ... ة والحمد والمجد والسؤدد
وبني القباب وملء الجفا ... ن والنار والحطب المفاد
وأعددت للحرب وثابة ... جواد المحثة والمرود
سبوحاً جموحاً وإحضارها ... كمعمعة السعف الموقد
ومشدودة السك موضونة ... تضاءل في الطي كالمبرد
تفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتي على الجدجد
ومطرداً كرشاء الجرو ... ر من خلب النخلة الأحرد
وذا شطب غامضاً كلمه ... إذا صاب بالعظم لم ينأد
- ٣٣ - وقال:
حي الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي
ماذا يشق عليك من ظعن ... إلا صباك وقلة العقل
منيتنا بغد وبعد غد ... حتى بخلت كأسوأ البخل
يا رب غانية لهوت بها ... ومشيت متئداً على رسلي
لا استقيد لمن دعا لصبا ... قسراً ولا أصطاد بالختل
وتنوفة جرداء مهلكة ... جاوزتها بنجائب فتل
فيبتن ينهشن الجبوب بها ... وأبيت مرتفقاً على رحلي
متوسداً عضباً مضاربه ... في متنه كمدبة النمل
يدعى صقيلاً وهو ليس له ... عهد بتمويه ولا صقل
عفت الديار فما بها أهلي ... ولوت شموس بشاشة البذل
стр. 23
نظرت إليك بعين جازئة ... حوراء حانية على طفل
فلها مقلدها ومقتلها ... ولها عليه سراوة الفضل
أقبلت مقتصداً وراجعني ... حلمي وسدد للتقى فعلي
الله أنجدح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل
ومن الطريقة جائر وهدى ... قصد السبيل ومنه ذو دخل
إني لأصرم من يصارمني ... وأجد وصل من ابتغى وصلي
وأخي إخاء ذي محافظة ... سهل الخليقة ماجد الأصل
حلو إذا ما جئت قال ألا ... في الرحب أنت ومنزل السهل
نازعته كأس الصبوح ولم ... أجهل مجدة عذرة الرجل
إني بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي
ما لم أجدك على هدى أثر ... يقرو مقصك قائف قبلي
وشمالي ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقاً مثلي
- ٣٤ - وقال:
جزعت ولم أجزع من البين مجزعا ... وعزيت قلباً بالكواعب مولعا
وأصبحت ودعت الصبا غير أنني ... أراقب خلات من العيش أربعا
فمنهن قولي للندامى ترفقوا ... يداجون نشاجاً من الخمر مترعا
ومنهن ركض الخيل ترجم بالقنا ... يبادرن سرباً آمناً أن يفزعا
ومنهن نص العيس والليل شامل ... تيمم مجهولاً من الأرض بلقعا
خوارج من برية نحو قرية ... يجددن وصلاً أو يقربن مطمعا
ومنهن سوفي الخود قد بلها الندى ... تراقب منظوم التمائم مرضعا
تعز عليها ريبتي ويسوءها ... بكاه فتثنى الجيد أن يتضوعا
بعثت إليها والنجوم طوالع ... حذاراً عليها أن تقوما فتسمعا
فجاءت قطوف المشي هيابة السرى ... يدافع ركناها كواعب أربعا
يزجينها مشي النزيف وقد جرى ... صباب الكرى في مخها فتقطعا
تقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحول المدامع أتلعا
وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فبتنا تسد الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مضرعا
تجافى عن الماثور بيني وبينها ... وتدنى على السايري المضلعا
إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا
علقمة الفحل الشاعر الجاهلي
ترجمة الشاعر
هو علقمة بن عبدة، بن النعمان التميمي، من نجد وسادات تميم وشعرائهم المشهورين المتوفي عام ٥٦١ م.
شب وترعرع في بادية نجد وكان للبيئة أثرها في الشاعر فأرهفت حسه وصقلت خياله وجلت قريحته، وألهمته الشعر الرصين الرائع الديباجة، الفخم الأسلوب الذي يمتلك المشاعر ويستلب الحواس الحقيق بأن يلقب صاحبه بالفحل.
وسبب تلقيبه بهذا اللقب كما يقال -أنه ابن امرأ القيس وخلفه على زوجته بعد تحاكمهما إليها. وتفصيل الخبر أن علقمة ضاف امرأ القيس - وصديقاً له - فتذاكرا القريض، وادعاه كل منهما على صاحبه، ولج في ذلك فقالت لهما "أم جندب" وكانت سليمة الذوق: قولا شعراً تصفان فيه الخيل وتذكران الصيد على قافية واحدة وروى واحد، لأنظر أيكما أشعر فرضيا بحكمها وأنشداها على البديهة قصيدتين كبيرتين وأول قصيدة امرئ القيس:
خليلي مرابي على أم جندب ... لنقضي لبانات الفؤاد المعذب
وأول قصيدة علقمة:
ذهب من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب
ولما فرغا من إنشادهما قالت أم جندب لبعلها علقمة أشعر منك. فقال وهو يكاد يتميز من الغيظ: وكيف ذاك؟ قالت لأنك قلت:
فللسوط ألهوب وللساق ذرة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب
فزجرت فرسك وجهدته بسوطك ومريته بساقك، وقال علقمة:
فأدركهن ثانياً من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب
فأدرك الطريدة وهو ثان من عنان فرسه. لم يضربه بسوط ولا مراه بساق، ولا زجره فتزبد وجهه. وقال لها ما هو بأشعر مني ولكنك له وامق وطلقها فخلفه عليها علقمة وسمي لذلك الفحل. ويروى أن علقمة لقب بالفحل تمييزاً له عن سمي من قومه هو علقمة بن سهل أحد بني ربيعة بن مالك التميمي، وكان شاعراً مثله، ومن شعره:
يقول رجال من صديق وصاحب ... أراك أبا الوضاح أصبحت ثاويا
فلن يعدم الباقون قبراً لجثتي ... ولن يعدم الميراث من المواليا
стр. 24
وخفت عيون الباكيات وأقبلوا ... إلى ما لهم قد بنت عنه بماليا
حراصاً على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئاً لهم جمعي وما كنت واليا
وقد وفد علقمة على الحارث الوهاب سيد بني غسان ملك الشام ومدحه بقصيدته
طحا بك قلب في الحسان طروب ... يعيد الشباب عصر حان مشيب
وكان أخو علقمة شاس أسيراً عند الحارث مع عدة رجال من بني تميم فطلب علقمة إطلاقهم وكان سبب أسرهم على ما يروى أن الحارث الغساني خطب إلى المنذر ابنته هنداً فوعده بها وكانت هند لا تريد الرجال فصنعت بجلدها شبه البرص فندم المنذر على تزويجها وأمسكها عن ملك غسان فنشبت الحرب بسبب ذلك وأسر خلق كثير من أصحاب المنذر منهم شاس بن عبدة أخو علقمة فلما مدح علقمة الحارث بقصيدته المذكورة وطلب منه فك أسر أخيه لبى الملك دعاءه وأطلق له أخاه وكل الأسرى من قبيلته. ومن شعر علقمة الجيد قصيدة مطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوب ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... أثر الأحبة يوم البين مشكوم
والنقاد يعجبون بشعر علقمة إعجاباً شديداً.
اجتمع الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم والمخبل السعدي وعلقمة الفحل قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي ﷺ ، فنحروا جزوراً واشتروا خمراً ببعير، وجلسوا يشوون ويأكلون، فقال أحدهم وقد لعبت برأسه سورة الحميا: لو أن قوماً طاروا من جودة أشعارهم لطرنا. وقال كل منهم لصاحبه أنا أشعر منك، ثم تحاكموا إلى أول من يطلع عليهم. ومن غرائب المصادفات أن يكون أول طالع حكم العرب وقاضيها الحصيف الرأي ربيعة بن حذار الأسدي. ولما طلع رحبوا به وقالوا له: أخبرنا أينا أشعر؟ قال أخاف أن تغضبوا. فأمنوه من ذلك. فقال: أما أنت يا زبرقان فإن شعرك كلحم لا أنضج فيؤكل؛ ولا ترك نيئاً فينتفع به. وأما أنت يا عمرو فإن شعرك كبرد حبرة يتلألأ فيه البصر فكلما أعدته نقص. وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من نار الله يلقيها على من يشاء. وأما أنت يا علقمة فإن شعرك كمزادة قد أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء. وقال ابن الأعرابي (١٥٠-٢٤٠ هـ) لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي دؤاد، ولا وصف الخمر إلا احتاج إلى أوس بن حجر ولا وصف أحد النعامة إلا احتاج إلى علقمة بن عبدة ولا اعتذر أحد في شعره إلا احتاج إلى النابغة الذبياني.
وقال أبو عبد الله بن سلام الجمحي المتوفي عام ٢٣١ هـ في كتابه طبقات الشعراء لابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوقهن شعر: الأولى "طحا بك قلب في الحسان طروب" والثانية "ذهبت من الهجران غير مذهب"، والثالثة "هل ما علمت وما استودعت مكتوم". وقد شارك ابن سلام في رأيه هذا ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة" وقد ذكره ابن سلام في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية.
وقال ابن سعيد المغربي (٦١٠-٦٩٣ هـ) في كتابه "عنوان المرقصات والمطربات" "معاني الغوص في شعر علقمة معدومة، وأقرب ما وقع له قوله:
أوردتها وصدور العبس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور
يشير إلى أن كوكب الصبح مثل سنان الحربة طعن به فسال منه دم الشفق وإذا تبين هذا المعنى كان من المرقصات.. وقوله:
يحملن أترجة نضح العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم
يشير إلى أن ما نال هذه المرأة من مضض السير واصفرار لونها كالأترجة وأنها كلما تحركت تزيد طيباً! ومنه أخذ ابن الرمى وغيره تشبيه المرأة بالروضة لطيب ثغرها".
وقال أبو عمرو بن العلاء (٦٨-١٥٤ هـ) أعلم الناس بالنساء علقمة بن عبدة حيث يقول:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب
وكانت العرب - كما يقول حماد الراوية - تعرض أشعارها على قريش، فما قبلوا منها كان مقبولاً، وما ردوا منها كان مردوداً، فقدم علقمة بن عبدة فأنشدهم قصيدته التي أولها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم؟ ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
فقالوا: هذا سمط الدهر.. ثم عاد إليهم في العام المقبل فأنشدهم درته التي مطلعها "طحابك" فقالوا: هاتان سمطا الدهر.
стр. 25
وقد عمر علقمة طويلاً، وتوفي عام ٥٦١، ويروي بعض الباحثين أنه عمر بعد ذلك طويلاً وتوفي ٢٦٥؛ وله أبناء شعراء منهم خالد، وعلي، ولعلي ابن شاعر اسمه عبد الرحمن.
شرح المختار من شعر علقمة
- ١ - قال علقمة بن عبدة يمدح الحارث بن أبي شمر الغساني:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
يكلفني ليلي وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب
منعمة لا يستطاع كلامها ... على بابها من أن تزار رقيب
إذا غاب عنها البعل لم تفش سره ... وترضى إياب البعل حين يؤوب
فلا تعدلي بيني وبين مغمر ... سقتك روايا المزن حيث تصوب
سقاك يمان ذو حي وعارض ... تروح به جنح العشي جنوب
وما أنت أم ما ذكرها ربعية ... يخط لها من ثرمداء قليب
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من ودهن نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهن عجيب
فدعها وسل الهم عنك بحسرة ... كهمك فيها بالرداف خبيب
وناجية أفنى ركيب ضلوعها ... وحاركها تهجر فدؤوب
وتصبح عن غب السرى وكأنها ... مولعة تخشى القنيص شبوب
تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكيب
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصر بين وجيب
لتبلغني دار امرئ كان نائياً ... فقد قربتني من نداك قروب
إليك "أبيت اللعن" كان وجيفها ... بمشتبهات هو لهن مهيب
تتبع أفياء الظلال عشية ... على طرق كأنهن سبوب
هداني إليك الفرقدان ولاحب ... له فوق أصراء المتان علوب
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض، وأما جلدها فصليب
فأوردتها ماء كأن جمامه ... من الأجن حناء معاً وصبيب
تراد على دمن الحياض فإن تعف ... فإن المندى رحلة فركوب
وأنت امرؤ أفضت إليك أمانتي ... وقبلك ربتني فضعت ربوب
فأدت بنو كعب بن عوف ربيبها ... وغودر في بعض الجنود ربيب
فوالله لولا فارس الجون منهم ... لآبوا خزايا والإياب حبيب
تقدمه حتى تغيب حجوله ... وأنت لبيض الدارعين ضروب
مظاهر سربالي حديد عليهما ... عقيلاً سيوف مخذم ورسوب
فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهار غروب
تجود بنفس لا يجاد بمثلها ... وأنت بها يوم اللقاء تطيب
قاتل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب
تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب
كأن رحال الأوس تحت لبانه ... وما جمعت جل معاً وعنيب
رغا فويهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب
كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب
فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طمر كالقناة نجيب
وإلا كمي ذو حفاظ كأنه ... بما ابتل من حد الظبات خضيب
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب
وما مثله في الناس إلا قبيله ... مساو ولا دان لذاك قريب
فلا تحرمني نائلاً عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب
فلست لإنسي ولكن لملاك ... تنزل من جو السماء يصوب
- ٢ - وقال علقمة أيضاً:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذ نأتك اليوم مصروم
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
لم أدر بالبين حتى أزمعوا طعناً ... كل الجمال قبيل الصبح مزموم
رد الإماء جمال الحي فاحتملوا ... فكلها بالتزيديات معكوم
عقلاً ورقماً تظل الطير تتبعه ... كأنه من دم الأجواف مدموم
يحملن أترجة نضج العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم
كأن فارة مسك في مفارقها ... للباسط المتعاطي وهو مزكوم
فالعين مني كأن غرب تحط به ... دعماء حاركها بالقنب محزوم
قد عريت حقبة حتى استطف لها ... كتر كحافة كير القين ملموم
كأن غسلة خطمي بمشفرها ... في الخد منها وفي اللحيين تلغيم
стр. 26
قد أدبر العر عنها وهي شاملها ... من ناصع القطران الصرف ترسيم
تسقي مذانب قد زالت عصيفتها ... حدورها من أتي الماء مطموم
من ذكر سلمى وما ذكرى الأوان لها ... إلا السفاه وظن الغيب ترجيم
صفر الوشاحين ملء الدرع خرعبة ... كأنها رشأ في البيت ملزوم
هل تلحقي بأولي القوم إذ شحطوا ... جلذية كأتان الضحل علكوم
تلاحظ السوط شزراً وهي ضامرة ... كما توجس طاوي الكشح موشوم
كأنها خاضب زعر قوائمه ... أجنى له باللوى شرى وتنوم
يظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطف من التنوم مخدوم
فوه كشق العصا لأياً تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم
حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ عليه الريح مغيوم
فلا تزيده في مشيه نفق ... ولا الزفيف دوين الشد مسؤوم
يكاد منسمه يختل مقلته ... كأنه حاذر للنحس مشهوم
يأوي إلى خرق زعر قرادتها ... كأنهن إذا بركن جرثوم
وضاعة كعصي الشرع جؤجؤه ... كأنه يتناهى الروض علجوم
حتى تلافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عرسين فيه البيض مركوم
يوجي إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم
صعل كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم
تحفه هقلة سطعاء خاضعة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم
بل كل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم
والجود نافية للمال مهلكة ... والبخل مبق لأهليه ومذموم
والمال صوف قرار يلعبون به ... على نقادته واف ومجلوم
والحمد لا يشترى إلا له ثمن ... مما تضن به النفوس معلوم
والجهل ذو عرض لا يستراد له ... والحلم آونة في الناس معدوم
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشؤوم
وكل بيت وإن طالت إقامته ... على دعائمه لابد مهدوم
قد أشهد الشرب فيهم مزهور رنم ... والقوم تصرعهم صهباء خرطوم
كاس عزيز من الأعناب عتقها ... الغض أربابها حانية حوم
تشفى الصداع ولا يؤذيك صالبها ... ولا يخالطها في الرأس تدويم
عانية قرقف لم تطلع سنة ... يجنها مدمج بالطين مختوم
ظلت ترقرق في الناجود يصفقها ... وليد أعجم بالكتان مفدوم
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مقدم بسبا الكتان ملثوم
أبيض أبرزه للضح راقبه ... مقلد قضب الريحان مفعوم
وقد غدوت على قرني يشيعني ... ماض أخو ثقة بالخير موسوم
وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم
حام كأن أوار النار شامله ... دون الثياب ورأس المرء معموم
وقد أقود أمام الحي سلهبة ... يهدي بها نسب في الحي مغلوم
لا في شظاها ولا أرساغها عتب ... ولا السنابك أفناهن تقليم
سلاءة كعصا النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم
تتبع جوناً إذا ما هيجت زجلت ... كأن دفا على علياء مهزوم
يهدي بها أكلف الخدين مختبر ... من الجمال كثير اللحم عبثوم
إذا ترغم من حافاتها ربع ... حنت شغاميم في حافاتها كوم
وقد أصاحب فتياناً طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم
وقد يسرت إذا ما الجوع كلفه ... معقب من قداح النبع مقروم
لو ييسرون بخيل قد يسرت بها ... وكل ما يسر الأقوام مغروم
- ٣ - وقال علقمة أيضاً يعارض امرأ القيس:
ذهبتَ من الهجران في غير مذهب ... ولم يك حقاً كل هذا التجنب
ليالي لا تبلى النصيحة بيننا ... ليالي حلوا بالستار فغرب
مبتلة كأن أنضاء حليها ... على شادن من صاحة متربب
محال كأحواز الجراد ولؤلؤ ... من القلقى والكبيس الملوب
إذا ألحم الواشون للشر بيننا ... تبلغ رس الحب غير المكذب
وما أنت أم ما ذكرها ربعة ... تحل بأير أو بأكناف شربب
أطعت الوشاة والمشاة بصرمها ... فقد أنهجت حبالها للتقضب
وقد وعدتك موعداً لو وفت به ... كموعود عرقوب أخاه بيثرب
стр. 27
وقالت متى تبخل عليك بعثلل ... تشك وإن يكشف غرامك تدرب
فقلت لها فيئ فما تستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب
ففاءت كما فاءت من الآدم مغزل ... بيشة ترعى في أراك وحلب
فعشنا بها من الشباب ملاوة ... فأنجح آيات الرسول المخبب
فإنك لم تقطع لبانة عاشق ... بمثل بكور أو رواح مؤوب
بمجفرة الجنبين حرف شملة ... كهمك مرقال على الأين دغلب
إذا ما ضربت الدف أوصلت صولة ... ترقب مني غير أدنى ترقب
بعين كمرآة الصناع تديرها ... لمحجرها من النصيف المنقب
كأن بحادتها إذ ما تشذرت ... عثاكيل عذق من سميحة مرطب
تذب به طوراً وطوراً تمره ... كذب البشير بالرداء الهذب
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب
بمنجرد قيد الأوابد لاحه ... طراد الهوادي كل شأن معرب
بغوج لبانيه ثم بريمه ... على نفث راق خشية العين مجلب
كميت كلون الأرجوان نشأته ... لمع الرداء في الصوان المكعب
ممر كعقد الأندري يزينه ... مع العتق خلق مفعم غير جأنب
له حرتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب
وجوف هواء تحت متن كأنه ... من الهضبة الخلقاء زحلوف ملعب
قطاة تكردس المحالة شرفت ... إلى سند مثل الغيط الم١اب
وغلب كأعناق الضباع مصيغها ... سلام النظى يغشى بها كل مركب
وسمر يفلقن الظراب كأنها ... حجارة غيل وارسات بطحلب
إذا ما افتصنا لم نخاتل بجنه ... ولكن نادى من بعبد ألا اركب
أحاتفة لا يلعن الحي شخصه ... صبوراً على العلات غير مسبب
إذا انفدوا زاداً فإن عنانه ... وأكرعه مستعملا حير مكسب
رأينا شياهاً ترتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهدب
فينا تمارينا وعقد عذاره ... خرجن علينا كالجمار المثقب
فأتبع أدبار الشياه بصادق ... حثيث كغيث الرائح المتحلب
ترى الفأر عن مسترغب القدر لائحاً ... على جدد الصحراء من شد ملهب
خفى الفأر من أنفاقه فكأنما ... تجلله شؤوب غيث منقب
فظل لنيران الصريم غماغم ... يداعسهن بالنضي المعلب
فهاو على حر الجبين ومتق ... بمدراته كأنها ذلق مشعب
وعادى عداء بين ثور ونعجة ... وتيس شبوب كالهشيمة قرهب
فقلنا ألا قد كان صند لقانص ... فخبوا علينا فضل برد مطنب
فظل الأكف يختلفن بحاند ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
ورحنا كأنامن جؤاثى عشية ... نعالي النعاج بين عدل ومحقب
وراح كشاة الربل ينغض رأسه ... أذاة به من صائك متحلب
وراح يباري في الجناب قلوصنا ... عزيزاً علينا كالجباب المسبب
قال الأعلم: كمل جميع ما رواه الأصمعي من شعر علقمة، ونذكر قطعاً من شعره مما رواه أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي (القالي) عن الطوسي وابن الأعرابي وغيرهما.
- ٤ - وقال في فكه أخاء شأسا:
دافعته عنه بشعري إذ ... كان لقومي في الفداء جحد
فكان فيه ما أتاك وفي ... تسعين أسرى مقرنين صفد
دافع قومي في الكتيبة إذ ... طار لأطراف الطبات وقد
فأصبحوا عند ابن جفنة في ال ... أغلال منهم والحديد عقد
إذ مخنب في المخنبين وفي الن ... هكة غي بادئ ورشد
- ٤ - وقال علقمة أيضاً:
تراءت وأستار من البيت دونها ... إلينا وحانت غيلة المتفقد
بعيني مهاة يخدر الدمع منهما ... بريمين شتى من دموع وإثمد
وجيد غزال شارد فردت له ... من الحلي سمطى لؤلؤ وزبرجد
- ٦ - وقال علقمة أيضاً أو علي بن علقمة في يوم الكلاب الثاني:
ود نفير للمكاور أنهم ... بنجدران في شاء الحجار الموقر
أسعيا إلى نجران في شهرناجر ... حفاة وأعيا كل أعيس مسفر
وقرت لهم عيني بيوم حذنة ... كأنهم تذبيح شاء معتر
عمدتم إلى شلو تنوذر قبلكم ... كثير عظام الرأس ضخم المذمر
- ٧ - وقال علقمة أيضاً:
стр. 28
وأخي محافظة طليق وجهه ... هش جررت له الشواء بمسعر
من بازل ضربت بأبيض باتر ... بيدي أغر يجر فضل المئزر
ورفعت راحلة كأن ضلوعها ... من نص راكبها سفائف عرعر
حرجاً إذا هاج السراب على الصوى ... واستن في أفق السماء الأغبر
- ٨ - وقال في مولى له، وينسب هذا الشعر لابنه خالد:
ومولى كمولى الزبرقان دملته ... كما دملت ساق تهاض بها وقر
إذا ما أحالت والجبائر فوقها ... أتى الحول لا برء جبير ولا كسر
تراه كأن الله يجدع أنفسه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
ترى الشر قد أفنى دوائر وجهه ... كضب الكدى أفنى أنامله الجفر
- ٩ - وقال علقمة وينسب هذا الشعر لحفيده عبد الرحمن بن علي بن علقمة:
وشامت بي لا تخفي عداوته ... إذا حمامى ساقته المقادير
إذا تضمنني بيت برابية ... آبوا سراعاً وأمسى وهو مهجور
فلا يغرنك جري الثوب معتجراً ... إني امرؤ في عند الجد تشمير
كأنني لم أقل يوماً لعادية ... شدوا ولا فتية في موكب سيروا
ساروا جميعاً وقد طال الوجيف بهم ... حتى بدا واضح الأقراب مشهور
ولم أصبح جمام الماء طاوية ... بالقوم وردهم للخمس تبكير
أوردتها وصدور العيس مسنفة ... والصبح بالكوكب الدري منحور
تباشروا بعد ما طال الوجيف بهم ... بالصبح لما بدت منه تباشير
بدت سوابق من أولاه نعرفها ... وكبره في سواء الليل مستور
كمل المختار من شعر علقمة بن عبدة التميمي.
النابعة الذبياني ٥٣٥ - ٦٠٤ م
- ١ - هو زيادة بن معاوية من غيظ بن مرة من ذبيان من قيس من مضر؛ وكنيته أبو أمامة، ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر وهو كبير دفعة واحدة بعد أن أحكمته التجارب ومشى به السن وهو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم، ويعد من شعراء الطبقة الأولى مع امرئ القيس، وكانت تضرب له قبل بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها فيفاضل بينهم.
وكان النابغة من أشراف قومه، ومع تكسبه بالشعر فإنه كان يعتز بنفسه، لا كما صنع الأعشى. وكان يقصد الملوك ويمدحهم في غير صنعة فيجزلون له العطاء. اتصل بالنعمان بن المنذر أبي قابوس ملك الحيرة الذي تولى الملك من عام ٥٨٠ - ٦٠٢ م، ومدحه بقصائد رائعة كثيرة، فقربه النعمان إليه، وصار أثيراً عنده ومن ندمائه، وغمره بعطائه الجزل، حتى صار النابغة يأكل في صحاف الذهب والفضة، ثم غضب عليه.. وتختلف الروايات في سبب ذلك.
قيل إن النابغة رأى زوجة النعمان "المتجردة" يوماً في حين غفلة فسقط نصيفها عن وجهها فاستترت بيدها وذراعها، فقال فيها قصيدته:
أمن آل أمية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود
فامتلأ النعمان غضباً وأوعد النابغة فهرب.. وقيل إن غضب النعمان عليه لأن أحد خصوم النابغة وهو عبد القيس التميمي ومرة بن سعد السعدي نظما هجاء في النعمان على لسان النابغة وأنشد النعمان أبياتاً منها:
قبح الله ثم ثنى بلعن ... وارث الصائغ الجبان الجهولا
من يضر الأدنى ويعجز عن ض ... ر الأقاصي ومن يخون الخليلا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا
وكانت أم النعمان بنت صائغ من فدك - بلدة قريبة من المدينة - فنبر النابغة من ذلك الشعر، ولكنه خاف على نفسه فهرب إلى الشام.
وقيل ان سبب وعد النعمان للنابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري جالسين في مجلس النعمان ومعهم زوجته المتجردة، فقال النعمان للنابغة: صفها في شعرك. فقال قصيدته:
أمن آل مية رائح أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود
стр. 29
فلحقت المنخل غيرة، فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من عرف. فحقد النعمان على النابغة وعلم بذلك فخافه وهرب. وقيل إن النابغة وصف امرأة بقصيدته "يا دار مية بالعلياء فالسند" فوشى للنعمان أنه يعني زوجته المتجردة.. وأياً ما كان فقد كان لوشايات خصوم النابغة أثرها في تغير قلب النعمان وسخطه عليه، فهرب وأتى قومه، ثم شخص إلى ملوك غسان بالشام، وكانوا أعداء لملوك الحيرة، فاتصل النابغة بعمرو بن الحارث الأصغر ملك غسان ومدحه ومدح أخاه النعمان وظل لديه حتى مات، وملك أخوه النعمان، فأقام عنده أثيراً لديه. ولكنه كان يحن إلى بلاط النعمان بن المنذر ملك الحيرة، ويرسل إلى الملك قصائد من اعتذارياته الرائعة يتبرأ فيها مما رمى به ويعتذر مما كان. وتوالت اعتذاراته على النعمان فعفا عنه فعاد إليه وعاشره في الحيرة.. ويقال أن النابغة استجار ببعض المقربين لدى النعمان فكلموه في شأنه، حتى أمنه وأمر له بمائة بعير. ويقال أن النابغة علم بمرضه فلم يملك صبره وسار إليه فألفاه في مرضه فمدحه. ثم عوفي النعمان فأمنه وأقام عنده، وظل النابغة عظيماً شريفاً مكرماً عند الملوك والأمراء، وتوفي عام ٦٠٤ م.
- ٢ - وفي الأغاني ترجمة طويلة له، وكذلك في الشعر والشعراء لابن قتيبة كما عرض له ابن سلام في طبقات الشعراء، وكذلك شعراء النصرانية، وكذلك صاحب كتاب تاريخ الأدب في العصر الجاهلي، وأخرج الأستاذ عمر الدسوقي كتاباً عنه، كما نشر عدد عنه في سلسلة "الروائع".. وعرض له صاحب الجمهرة، والمرزباني في الموشح، وكثير من العلماء، كما كتب عنه الزيات وجورجي زيدان وأصحاب الوسيط والمفصل، وسواهم.
وشعر النابغة لطيف رقيق إذا تملكته عاطفة قوية من إشفاق أو حماسة أو رهبة كما ترى في أهاجيه ومدائحه واعتذارياته، وقيل عنه أشعر الناس إذا رهب وهو في اعتذارياته حزين عميق الحزن قلق مضطرب يداخله التشاؤم واليأس الشديد ذلك كله لأن خيال الشاعر دقيق واسع، يسمو إلى درجة عالية في إكمال الصورة وإيضاح المشابهات، يتوسع بالتشبيه، ويفسح له خياله المجال في التصوير، كما في وصفه للفرات أو لغيره.
وتمتاز معانيه بالدقة والانسجام والتآلف والصدق والقرب من العقل والبعد عن التعقيد والغموض، مع مراعاة المخاطبين، ومع البصر بمواقع الكلام.
وقد أجاد النابغة في المدح والاعتذار والعزل والفخر إجازة بالغة كما أجاد في الوصف والرثاء والحكمة إجادة دون ذلك.
وأسباب إجادته في المدح معروفة منها حب المال، وخصب الخيال، وقوة الذكاء، وميله إلى التجويد والتنقيح، والتهذيب إلى غير ذلك من الأسباب.
وإجادته في الاعتذار كذلك كان الباعث عليها الرهبة والخوف مع الرغبة والأمل. أما الوصف فقد أجاد في بعض دون البعض الآخر، فأجاد في وصف الثور والوحش والفرات وما إلى ذلك.
وقال الأصمعي: لم يكن النابغة وزهير وأوس يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الغنوي أحسن في صفة الخيل غاية الإحسان.
- ٣ - ويمتاز شعر النابغة ببلوغه غاية الحسن والجودة ونقاوته من العيوب وجودة مطالع قصائده وأواخرها. وكان البدو من أهل الحجاز يحفظون شعره ويفاخرون به لحسن ديباجته وجمال رونقه وجزالة لفظه وقلة تكلفه وليس له نظير في وصف الإحساسات النفسية كالخوف وما شابه ذلك.
أجاد في المدح كما بلغ الغاية في الاعتذار واعتذارياته إلى النعمان من عيون الشعر العربي وهي فن جديد من فنون الشعر الجاهلي. وتبلغ غاية الجودة والإحسان ومنها قوله:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
مهلاً فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد
وقوله:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع
أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع
وقوله:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشنني ... هراساً به يعلى فراشي ويقشب
стр. 30
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وقد عده بعض العلماء من شعراء المعلقات ومطلع معلقته:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
وتقع في واحد وخمسين بيتاً. وهي من قصائده الاعتذاريات، بدأها ببكاء الاطلاق كالمألوف من أشعار الجاهلية، ثم انتقل من ذلك إلى وصف ناقته:
فقد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد
وشبهها بوحش وجرة، ثم أفاض كعادته في وصف وحش وجرة، والكلاب الصائدة، ودخل من ذلك إلى النعمان:
فتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ... وما أحاشي من الأقوام من أحد
ثم طلب إليه أن يكون حكيماً في أمره، لا يقبل سعاية الساعين، ونفى عن نفسه ما اتهم به
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي
هذا لأبرأ من قول قذفت به ... كانت نوافذه حراً على الكبد
ثم مدحه بالكرم، وأنه يشبه نهر الفرات، واسترسل في وصف الفرات كعادته أيضاً.. وختمها بقوله:
ها إن تاعذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها قد تاه في البلد
ويظهر من شعره التدين والتزام مكارم الأخلاق، فهو يقول:
قالت أراك أخاً رحل وراحلة ... تغشى متالف لن ينظرنك الهرما
حياك ربي فأنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما
مشمرين على خوص مزممة ... نرجو الإله ونرجو البر والطعما
وقوله:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي حومة المستأسد الحامي
وقوله:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما
وصيرته ملكاً هماماً ... من علا وجاوز الأقواما
وقدم عمر بن الخطاب النابغة على جميع الشعراء في غير موضع، وفضله على جميع شعراء غطفان في موضع آخر، ويروى عن حسان قصة تدل على مكان النابغة عند النعمان وفضله لديه على جميع الشعراء، وحسان منهم. وحضر النابغة سوق عكاظ مرة فأنشده الأعشى ثم حسان ثم شعراء آخرون ثم الخنساء فقال لها: لولا أن أبا بصير أنشدني لقلت إنك أشعر الجن والإنس، فقال له حسان: أنا أشعر منك ومن أبيك. فقال له النابغة: يابن أخي إنك لا تحسن أن تقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك أواسع
ومن روائع شعره قصيدته:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
ومن معانيه المبتدعة قوله:
نبئت أن أبا قانوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
وقوله:
فلو كفى اليمين بغتك خونا ... لا فردت اليمين عن الشمال
وأخذه عن المثقب العبدي فقال:
ولو أني تخالفني شمالي ... بنصر لم تصاحبها يميني
وقوله:
فحملتني ذنب امرئ تركته ... كذي العري يكوي غيره وهو رائع
وقد أخذت الكميت فقال:
ولا أكوى الصحاح براتعات ... بهن العر قبلي ما كوينا
وقوله وهو أحسن ما قيل في العفة:
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
وما يتمثل به من شعره:
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد
وقوله:
واستبق ودك للصديق ولا تكن ... فتبا يعض بغارب ملحاحا
أخذه ابن ميادة فقال:
ما إن ألح على الإخوان أسألهم ... كما يلح بعض الغارب القتب
ومما يمثل به من شعره قوله:
لونها عرضت الأشمط راهب ... عبد الإله ضرورة متعبد
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد
أخذه ربيعة بن مقروم فقال:
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... في رأس مشرفة الذرى يتبتل
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهم من ناموسه يتنزل
ومن أمثالها ثم أصدق من قطاة - قال النابغة
تدعو القطاويها تدعى إذا نسبت ... يا حسنها حين تدعوها فتنسب
أخذه ابو نواس فقال أصدق من قوة قطاة قطا. ومن حكمه:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟
стр. 31
ومما سبق إليه قوله:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
وقد أخذه أبو نواس فقال:
ضعيفة كر الطرف تحسب أنها ... قريبة عهد بالأفاقة من سقم
ومما يستحسن من قوله:
حسب الخليلين نأي لأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بالي
وقوله:
المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته ويب ... قى بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام ح ... تى لا يرى شيئاً يسره
كم شامت بي إن هلك ... ت وقائل: لله دره
ومما سبق إليه ولم يحسن تشبيهه قوله:
من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
فشبه الثور في بياضه والتماعه بالسيف المجرد من الغمد، ولم تسمع كلمة "الفرد" إلا في هذا الشعر؛ وللطرماح في المعنى نفسه:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد
وهذا أكمل في التشبيه لدلالته على الاختفاء، والظهور المأخوذ من حركة هذا الثور الوحشي.
وفضل ناقد أمام الأصمعي قول النابغة:
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
وقوله:
فإنك كالليل الذي هو مدكي ... وإن خلت أن المنتأى عنك أوسع
وقوله:
من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
فقال الأصمعي: أما تشبيهه مرض الطرف فحسن، إلا أنه هجنه بذكره العلة وتشبيهه المرأة بالعليل، وأحسن منه قول عدي بن الرقاع العاملي:
وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم
وسنان أقصدة النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم
وأما تشبيه الإدراك بالليل فقد تساوى الليل والنهار فيما يدركانه، وإنما كان سبيله أن يأتي بما ليس له سيم؛ حتى يأتي بمعنى ينفرد به ولو قال قائل: إن قول "النمري" في هذا أحسن لو وجد مساغاً إلى ذلك، حيث يقول:
فلو كنت بالعنقاء أو بسنامها ... لخلتك إلا أن تصد تراني
وأما قوله: "طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد" فالطرماح أحق بهذا المعنى؛ لأنه أخذه فجوره، وزاد عليه، وإن كان النابغة اخترعه، وقول الطرماح هو:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد
فقد جمع في هذا البيت استعارة لطيفة بقوله "وتضمره البلاد" وتشبيهه اثنين بقوله "يبدو وتضمر، ويسل ويغمد"؛ وجمع حسن التقسيم، وصحة المقابلة.
وقال جعفر أمام الأصمعي في مجلس الرشيد: لست أفص على شاعر واحد أنه أحسن الناس في بيت تشبيها، ولكن قول امرئ القيس:
كائن غلامي إذ علا حال متنه ... على ظهر باز في السماء محلق
وقول عدي بن الرقاع:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها
تطوى إذا وردا مكاناً خاسئاً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
وقول النابغة:
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلت لم يبد منهن كوكب
قال الأصمعي: قلت هذا حسن كله بارع، وغيره أحسن منه؛ وإنما يجب أن يقع التعيين على ما اخترعه قائله، ولم يتعرض له أحد، أو تعرض له شاعر فوقه دونه. فأما قول امرئ القيس: "على ظهر باز في السماء محلق". فمن قول أبي داود.
إذا شاء راكبه ضمه ... كما ضم بازي السماء الجناحا
وأما قول عدي: "يتعاوران من الغبار ملاءة" فمن قول الخنساء:
جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر
وأول من نطق به جاهلي من بني عقيل، قال:
ألا يا دار الحي بالبرهان ... عفت حجج بعدي لهن ثماني
فلم يبق منها غير نؤدى مهدم ... وغيره أثاف كالركى دفان
وآثار هاب أورق اللون سافرت ... به الريح والأمطار كل مكان
قفار مريرات يحاز بها القطار ... ويضحى بها الجنان يعتركان
يثيران من نسج الغبار عليهما ... قميص أسمالا ويرتديان
وشارك عدياً أبو النجم، وأورده في أحسن لفظ، قال يصف عيراً وأتاناً، وما أثاراه من الغبار بعدوهما:
ألقى بجنب القاع من حبالها ... سرباله وانشام في سربالها
وأما قول النابغة: "بأنك شمس والملوك كواكب" فقد تقدمه فيه شاعر قديم من شعراء كندة يمدح عمرو بن هند، وهو أحق به من النابغة إذ كان أبا عذرته، فقال:
стр. 32
وكادت تميد الأرض بالناس إذ رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... عل كل ضوء والملوك كواكب
قال الأصمعي: فكأني والله ألقمت جعفراً حجراً فاهتز الرشيد فوق سريره وكاد يطير عجباً وطرباً. وقال: والله لله درك يا أصمعي اسمع الآن ما كان عليه اختياري ليقل أمير المؤمنين فقال عينت على ثلاثة أشعار أقسم بالله أني أملك السبق بأحدها ثم قال الرشيد أتعرف يا أصمعي تشبيهاً أفخر أو أعظم في أحقر مشبه وأصغره في أحسن معرض من قول عنترة الذي لم يسبقه إليه سابق ولا نازعه منازع ولا طمع في مجاراته طامع حين شبه ذباب الروض العازب في قوله:
وخلا الذباب بها فليس مبارح ... غردا كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم
ثم قال: يا أصمعي هذا من التشبيهات العقم التي لا تنتج، فقلت كذلك هو يا أمير المؤمنين وبمجدك آليت ما سمعت قط أحداً يصف شعره بأحسن من هذه الصفة ولا استطاع بلوغ هذه الغاية فقال مهلاً لا تعجل.. أتعرف أحسن من قول الحطيئة يصف لغام ناقته أو تعلم أحداً قبله أو بعده شبه تشبيهه، حيث يقول:
ترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لغاماً كنسج العنكبوت الممدد
فقلت والله ما علمت أحداً تقدمه إلى هذا التشبيه، أو أشار إليه بعده ولا قبله قال أتعرف بيتاً أبدع وأوقع من تشبيه الشماخ لنعامة سقط ريشها وبقي أثره في قوله:
كأنما منثنى أقماع ما مرطت ... من العفاء بليتيها الثآليل
فقلت ولا والله يا أمير المؤمنين، فالتفت إلى يحيى، فقال أوجب؟ فقال وجب، ويؤخذ على النابغة بعض مبالغات في معانيه كقوله:
إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق
وكقوله: تقد السلوقى المضاعف نسجه=وتوقد بالصفاح نار الحباحب فقد ذهب إلى أن سيفه يقطع الدرع المضاعف والفارس والفرس ثم يذهب في الحجارة فيقدح فيها الشرر. ويؤخذ عليه قوله:
وكنت امرأ لا أمدح الدهر سوقه ... فلست على خير أتاك بجاحد
فتراه يمتن على ممدوحه بمدحه إياه، وجعله خيراً أتاه ولا يحسد عليه، وإنما يحسن الثناء إذا كان خالصاً من كل وجه.
وأخذوا عليه الخنونة في بعض معانيه، كقوله:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
- ١ - قال النابغة الذبياني يمدح النعمان ويعتذر إليه:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أفوت وطال عليها سالف الأبد
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جواباً وما بالربع من أحد
إلا الأوارى لأياً ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
ردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
خلت سبيل أني كان يحبسه ... ورفعته إلى السجفين فالنضد
أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أحنى عليها الذي أحنى على لبد
فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد
مقذوفة بدخيس النحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد
من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
فظل يعجم أعلى الروق منقبضاً ... في حالك اللون صدق غير ذي أود
لما رأى واشق إقعاص صاحبه ... ولا سبيل إلى عقل ولا قود
قالت له النفس إني لا أرى طمعاً ... وإن مولاك لم يسلم ولم يصد
فتلك تبلغني النعمان إن له ... فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد
أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجى الشمال عليه جامد البرد
فارتاع من صوت كلاب فبات له ... طوع الشوامت من خوف ومن صرد
فبثهن عليه واستمر به ... صمع الكعوب بريات من الحرد
وكان ضمران منه حيث يوزعه ... طعن المعارك عند المحجر النجد
شك الفريصة بالمدرى فأنفذها ... طعن المبيطر إذ يشفى من العضد
كأنه خارجاً من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ... ولا أحاشى من الأقوام من أحد
إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند
стр. 33
وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد
فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد
إلا لمثلك أو من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
أعطى لفارهة حلو توابعها ... من المواهب لا تعطى على نكد
الواهب المئة المعكاء زينها ... سعدان توضح في أوبارها اللبد
والأدم قد حيست فثلاً مرافقها ... مشدودة برحال الحيرة الجدد
والراكضات ذيول الريط فانقها ... برد الهواجر كالغزلان بالجرد
والخيل تمزع غرباً في أعنتها ... كالطير تنجو من الشؤوب ذي البرد
احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد
يحفه جانباً نيق وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد
فكملت مئة فيها حمامتها ... وأسرعت حبسة في ذلك العدد
فلا لعمر الذي مسحت كعبته ... وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسعد
ما قلت من سيء مما أتيت به ... إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
إلا مقالة أقوام شقيت بها ... كانت مقالتهم قرعاً على الكبد
إذن فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالفند
أنبئت أن أبا قوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد
مهلاً فداء لك الأقوام كلهم ... وما أثمر من مال ومن ولد
لا تقذفني بركن لا كفاء له ... وإن تأنفك الأعداء بالرفد
فما الفرات إذا هب الرياح له ... ترمى غواربه العبرين بالزبد
يمده كل واد مترع لجب ... فيه ركام من الينبوت والخضد
يظل من خوفه الملاح معتصماً ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد
يوماً بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد
هذا الثناء فإن تسمع به حسناً ... فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد
ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت ... فإن صاحبها مشارك النكد
- ٢ - وقال يعتذر إلى النعمان بن المنذر:
عفا ذو حساً فرتني بالفوارع ... فجنباً أريك فالتلاع الدوافع
فتجمع الأشراج غير رسمها ... مصايف مرت بعدنا ومرابع
توهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
رماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤى كجذم الحوض أثأم خاشع
كأن مجر الراميات ذيولها ... عليه حصير نمقته الصوانع
على ظهر مبناة جديد سيورها ... يطوف بها وسط اللطيمة بائع
فكفكفت مني عبرة فرددتها ... على النحر منها مستهل ودامع
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع
وقد حال هم دون ذلك شاغل ... مكان الشغاف تبتغيه الأصابع
وعيد أبو قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس فالضواجع
فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طوراً وطوراً تراجع
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع
لعمري وما عمري علي بهين ... لقد نطقت بطلاً على الأقارع
أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع
أتاك امرؤ مستبطن لي بغضة ... له من عدو مثل ذلك شائع
أتاك بقول هلهل النسج كاذب ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصع
أتاك بقول لم أكن لأقوله ... ولو كبت في ساعدي الجوامع
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع
بمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالاً سيرهن التدافع
سماماً تبارى الريح خوصاً عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع
عليهن شعث عامدون لحجهم ... فهن بأطراف الحي خواضع
стр. 34
لكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع
فإن كنت لاذ والضعن عني مكذب ... ولا حلفي على البراءة نافع
ولا أنا مأمون بشيء أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع
أتوعد عبداً لم يخنك أمانة ... وتترك عبداً ظالماً وهو ضالع
وأنت ربيع ينعش الناس سيله ... وسيف أعيرته المنية قاطع
أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع
وتسقى إذا ما شبت غير مصرد ... بزوراء في حافاتها المسك كانع
- ٣ - وقال أيضاً:
كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآئب
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب
علي لعمر ونعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
حلفت يميناً غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظن بصاحب
لئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عند حارب
وللحارث الجفني سيد قومه ... ليلتمسن بالجيش دار المحارب
وثقت له بالنصر إذ قيل قذ غزت ... كتائب من غسان غير أشائب
بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب
إذا ما غزوا في الجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب
يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب
تراهن خلف القوم خزراً عيونها ... جلوس الشيوخ في ثياب المرانب
جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب
لهن عليهم عادة قد عرفنها ... إذا عرض الخطي فوق الكواثب
على عارفات للطعان عوابس ... بهن كلوم بين دام وجالب
إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب
يطير فضاضاً بينها كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
تورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كإبزاغ المخاض الضوارب
لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الجود والأحلام غير عوازب
محلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب
رقاق النعال طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
نحييهم بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضريج فوق المشاحب
يصونون أجساداً قديماً نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب
حبوت بها غسان إذ كنت لاحقاً ... بقومي، وإذ أعيت علي مذاهبي
- ٤ - وقال أيضاً:
إني كأني لدى النعمان خبره ... بعض الأود حديثاً غير مكذوب
بأن حصناً وحياً من بني أسد ... قاموا فقالوا حمانا غير مقروب
ضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب
قاد الجياد من الجولان قائظة ... من بين منعلة تزجى ومجنوب
حتى استغاثت بأهل الملح ما طمعت ... في منزل طعم نوم غير تأويب
ينضحن نضح المزاد الوفر أتأفها ... شد الرواة بماء غير مشروب
قب الأياطل تردى في أعنتها ... كالخاضبات من الزعر الظنابيب
شعث عليها مساعير لحربهم ... شم العرانين من مرد ومن شيب
وما بحصن نعاس إذ تؤرقه ... أصوات حي الأمرار محروب
ظلت أقاطيع أنعام مؤبلة ... لدى صليب على الزوراء منصوب
فإذ وقيت بحمد الله شرتها ... فانجى فزار إلى الأطواد فاللوب
ولا تلاقى كما لاقت بنو أسد ... فقد أصابتهم منها بشؤبوب
لم يبق غير طريد غير منفلت ... وموثق في حبال القد مسلوب
стр. 35
أو حرة كمهاة الرمل قد كبلت ... فوق المعاصم منها والعراقيب
تدعو قعيناً وقد عض الحديد بها ... عض الثقاف على صم الأنابيب
مستشعرين قد الفوا في ديارهم ... دعاء سوع ودعمي وأيوب
- ٥ - وقال يهجو زرعة بن عمرو:
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها ... يهدي إلى غرائب الأشعار
فحلفت يا زرع بن عمر وأنني ... بما يشق على العدو ضراري
أرأيت يوم عكاظ حين لقيتني ... تحت العجاج فما شققت غباري
إذا اقتسمنا خطتينا بيننا ... فحملت برة واحتملت فجار
فلتأتينك قصائد وليدفعن ... جيش إليك قوادم الأكوار
رهط بن كوز محقي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة بن حذار
ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابهم بمطار
وبنو قعين لا محالة أنهم ... آتوك غير مقلمي الأظفار
سهكين من صدأ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار
وبنو سواءة زائرك بوفدهم ... جيشاً يقودهم أبو المظفار
وبنو جذيمة حتى صدق سادة ... غلبوا على خبت إلى تعشار
متكنفي جني عكاظ كليهما ... يدعو بها ولدائهم عرعار
قوم إذا كثر الصياح رأيتهم ... وقرا غداة الروع والإنفار
والغاضريون الذين تحملوا ... بلوائهم سيراً لدار قرار
تمشي بهم أدم كأن رحالها ... علق هريق على متون صوار
شعب العلاقيات بين فروجهم ... والمحصنات عوازب الأطهار
برز الأكف من الخدام خوارج ... من فرج كل وصيلة وإزار
شمس موانع كل ليلة حرة ... يخلفن ظن الفاحش المغيار
جمعاً يظل به الفضاء معضلاً ... يدع الإكام كأنهن صحارى
لم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار
حولي بنو دودان لا يعصونني ... وبنو بغيض كلهم أنصاري
زيد بن زيد حاضر بعراعر ... وعلى كنيب مالك بن حمار
وعلى الرميثة من سكين حاضر ... وعلى الذثيمة من بني سيار
فيهم بنات المسجدي ولا حق ... ورقا مراقلها من المضمار
يتجلب اليعضيد من أشداقها ... صفراً مناخرها من الجرجار
تشلى توابعها إلى ألاقها ... خبب السباع الوله الأبكار
إن الرميث مانع أرماحنا ... ما كان من سخم بها وصفار
فأصبن أبكاراً وهن بإمة ... أعجلنهن مظنة الإعذار
- ٦ - وقال أيضاً:
كانت سعاد وأمسى حبلها انجذما ... واحتلت الشرع فالأجزاع من اضما
إحدى بلي وما هام الفؤاد بها ... إلا السفاه وإلا ذكرةً حلما
ليست من السود أعقاباً إذا انصرفت ... ولا تبيع بجنبي نخلة البرما
غراء أكمل من يمشي على قدم ... حسناً وأملح من حاورته الكلما
قالت أراك أخاً رحل وراحلة ... تغشى متالف لن ينظرنك الهرما
حياك ربي فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد عزما
مشمرين على خوص مزممة ... نرجو الإله ونرجو البر والطعما
هلا سألت بني ذبيان ما حسى ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما
وهبت الريح من تلقاء ذي أرل ... تزجى مع الليل من صرادها صرما
صهب الظلال أتين التين عن عرض ... بزحين غيماً قليلاً ماؤه شبما
ينبئك ذو عرضهم عني وعالمهم ... وليس جاهل شيء مثل من علما
إني أتمم أيساري، وأمنحهم ... مثنى الأيادي، وأكسوا الجفنة الأدما
وأقطع الخرق بالخرقاء قد جعلت ... بعد الكلال تشكى الأين والسأما
كادت تساقطني رحلي وميثرتي ... بذي المجاز ولم تحسن به نعما
من قول حرمية قالت وقد ظعنوا ... هل في مخفيكم من يشتري أدما
قلت لها وهي تسعى تحت لبتها ... لا تحطمنك إن البيع قد زرما
باتت ثلاث ليال ثم واحدة ... بذي المجاز تراعى منزلاً زيما
فانشق عنها عمود الصبح حافلة ... عدو النحوص تخاف القانص اللجما
تحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادي محمل الحزما
أو ذي رشوم بحوضي بات منكرساً ... في ليلة من جمادى أحضلت ديما
بات بحقف من البقار يحفزه ... إذا استكف قليلاً تربه انهدما
стр. 36
مولى الريح روقيه وجبهته ... كالهبرقي تنخى ينفخ الفحما
حتى غدا مثل نصل السيف منصلتاً ... يقرو الأماعز من لبنان والأكما
- ٧ - وقال يعتذر إلى النعمان ويمدحه:
كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا ... وهمين هماً مستكنا وظاهرا
أحاديث نفسي تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لن يحدن مصادرا
تكلفني أن يفعل الدهر همها ... وهل وجدت قبلي على الدهر قادرا
ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتية قد حاوز الحي سائرا
ونحن لديه نسأل الله خلده ... يرد لنا ملكاً وللأرض عامرا
ونحن نرجي الخلد إن فاز قدحنا ... ونرهب قدح الموت إن جاء قامرا
لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا ... وأصبح جد الناس يطلع عاثرا
وردت مطايا الراغبين وعريت ... جيادك لا يخفى لها الدهر حافرا
رأيتك ترعاني بعين بصيرة ... وتبعث حراساً علي وناظرا
وذلك من قول أتاك أقوله ... ومن دس أعدائي إليك المآبرا
فآليت لا آتيك إن جئت مجرما ... ولا أبتغي جاراً سواك مجاورا
فأهلي فداء لامرئ إن أتيته ... تقبل معروفي وسد المفاقرا
سأكعم كلبي أن يريبك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان فحامرا
وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... يخال به راعي الحمولة طائرا
تزل الوعول العصم عن قذفاته ... وتضحى ذراه بالسحاب كوافرا
حذاراً على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
أقول وإن شطت بي الدار عنكم ... إذا ما لقينا من معد مسافرا
ألكنني إلى النعمان حيث لقيته ... فأهدى له الله الغياث البواكرا
وصبحه فلج ولا زال كعبه ... على كل من عادى من الناس ظاهرا
ورب عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على البرية ناصرا
فألفيته يوماً يمير عدوه ... وبحر عطء يستخف المعابرا
- ٨ - وقال يعتذر إلى النعمان بن المنذر، ويمدحه:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشنني ... هراساً به يعلى فراشي ويقشب
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب
لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب
ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟
فإن أك مظلوماً فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب
- ٩ - وقال أيضاً:
لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربهم في كل أصفار
وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري
لا أعرفن ربرجاً حوراً مدامعها ... كأن أبكارها نعاج دوار
ينظرن شرراً إلى من جاء عن عرض ... بأوجه منكرات الرق أحرار
خلف العضاريط لا يرقين فاحشة ... مستمسكات بأقتاب وأكوار
يذرين دمعاً على الأشفار منحدراً ... يأملن رحلة حصن وابن سيار
إما عصيت فإني غير منفلت ... مني اللصاب فجنبا حرة النار
أو أضع البيت في سوداء مظلمة ... تقيد الغير لا يسري بها الساري
تدافع الناس عنا حين تركبها ... من المظالم تدعى أم صبار
ساق الرفيدات من جوش ومن عظم ... وماش من رهط ربعي وحجار
قرمى قضاعة حلا حول حجرته ... مدا عليه بسلاف وأنفار
حتى استقل بجمع لا كفاء له ... ينفي الوحوش عن الصحراء جرار
لا يخفض الرز عن أرض ألم بها ... ولا يضل عن مصباحه الساري
وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاك من عار
- ١٠ -
стр. 37
وقال النابغة يرد على بدر بن حذار ويذكر حزيما وزبان ابني سيار بن عمرو بن جابر لأنه بلغه أنهما أعانا بدراً ورويا شعره فيه:
ألا من مبلغ عني حريماً ... وزبان الذي لم يرع صهري
فإياكم وعوراً داميات ... كأن صلاءهن صلاء جمر
فإني قد أتاني ما صنعتم ... وما وشحتم من شعر بدر
فلم يك نولكم أن تشقذوني ... ودوني عازب وبلاد حجر
فإن جوابها في كل يوم ... ألم بأنفس منكم ووفر
ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمرلاه عوان غير بكر
- ١١ - وقال أيضاً:
قالت بنو عامر خالوا بنو أسد ... يا بؤس للجهل ضراراً لأقوام
يأبى البلاء فلا نبغي بهم بدلاً ... ولا نريد خلاء بعد إحكام
فصالحونا جميعاً إن بدا لكم ... ولا تقولوا لنا أمثالها عام
إني لأخشى عليكم أن يكون لكم ... من أجل بغضائهم يوم كأيام
تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام
أو تزجروا مكفهراً لا كفاء له ... كالليل يخلط أصراماً بأصرام
مستحقبي خلق المادي يقدمهم ... شم العرانين ضرابون للهام
لهم لواء بكفي ماجد بطل ... لا يقطع الخرق إلا طرفه سام
يهدي كتائب خضراً ليس يعصمها ... إلا ابتدار إلى موت بإلجام
كم غادرت خيلنا منكم بمعترك ... للخامعات أكفاً بعد أقدام
يا رب ذات خليل قد فجعن به ... وموتمين وكانوا غير أيتام
والخيل تعلم أنا في تجاولها ... عند الكعان أولو بؤسي وإنعام
ولوا وكبشهم يكبو لجهته ... عند الكماة صريعاً جوفه دام
- ١٢ - وقال في أمر بني عامر:
ليهنئ بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع
سوى أسد يحمونها كل شارق ... بألفي كمي ذي سلاح ودارع
قعوداً على آل الوجيه ولاحق ... يقيمون حولياتها بالمقارع
يهزون أرماحاً طوالاً متونها ... بأيد طوال عاريات الأشاجع
فدع عنك قوماً لا عتاب عليهم ... هم ألحقوا عبساً بأرض القعاقع
وقد عسرت من دونهم بأكفهم ... بنو عامر عسر المخاض الموانع
فما أنا في سهم ولا نصر مالك ... ومولاهم عبد بن سعد بطامع
إذا نزلوا ذا ضرغد وعتائداً ... يغنيهم فيها نقيق الضفادع
قعوداً لدى أبياتهم يثمدونها ... رمى الله في تلك الأنوف الكوانع
- ١٣ - وقال يصف المتجردة زوج النعمان بن المنذر:
أمن آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد
زعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود
لا مرحباً بغد ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبة في غد
حان الرحيل ولم تودع مهدداً ... والصبح والإمساء منها موعدي
في إثر غانية رمتك بسهمها ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد
غنيت بذلك إذ هم لك جبرة ... منها بعطف رسالة وتردد
ولقد أصابت قلبه من حبها ... عن ظهر مرنان بسهم مصرد
والنظم في سلك يزين نحرها ... ذهب توقد كالشهاب الموقد
صفراء كالسيراء أكمل خلقها ... كالغصن في غلوائه المتأود
والبطن ذو عكن لطيف طيه ... والإتب تنفجه بثدي مقعد
محطوطة المتنين غير مفاضة ... رياً الروادف بضة المتجرد
قامت تراءى بين سجفي كلة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد
أو درة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد
أو دمية من مرمر مرفوعة ... بنيت بآجر تشاد بقرمد
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
بمخضب رخص كأن بنانه ... عدم يكاد من اللطافة يعقد
نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود
نجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برداً أسف لثاته بالإثمد
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى
زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهي المورد
زعم الهمام "ولم أذقه" أنه ... عذب إذا ما ذقته قلت ازدد
стр. 38
زعم الهمام "ولم أذقه" أنه ... يشفى بريا ريقها العطش الصدى
أخذ العذارى عقده فظمنه ... من لؤلؤ متتابع متسرد
لو أنها عرشت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشد
بتكلم لو تستطيع سماعه ... لدنت له أروى الهضاب الصخد
وبفاحم رجل أثيث نيته ... كالكرم مال على الدعام المسند
فإذا لمست لمست أخثم جاثماً ... متحيزاً بمكانه ملء اليد
وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد
وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد
لا وارد منها يحور لمصدر ... عنها، ولا صدر يحور لمورد
وإذا يعض تشده أعضاؤه ... عض الكبير من الرجال الأدرد
ويكاد ينزع جلد من يصلى به ... بلوافح مثل السعير الموقد
- ١٤ - وقال يمدح بني عذرة:
لقد قلت للنعمان يوم لقيته ... يريد بني حن ببرقة صادر
تجنب بني حن فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر
عظام اللهى أولاد عذرة إنهم ... لهاميم يستلهونها بالحناجر
وهم منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمع مبير للعدو المكاثر
من الواردات الماء بالقاع تستقى ... بأعجازها قبل استقاء الحناجر
بزاخية ألوت بليف كأنه ... عفاء قلاص طار عنها تواجر
صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر
هم طردوا عنها بليا فأصبحت ... بلي بواد من تهامة غائر
وهم منعوها من قضاعة كلها ... ومن مضر الحمراء عند التغاور
وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أم جابر
- ١٥ - وقال يمدح غسان حين ارتحل من عندهم راجعاً:
لا يبعد الله جيراناً تركتهم ... مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم
لا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الأمحال كالأدم
هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... فضل على الناس في اللأواء والنعم
أحلام عاد وأجساد مطهرة ... من المعقة والآفات والإثم
- ١٦ - وقال أيضاً:
جمع محاشك يا زيد فإنني ... أعددت يربوعاً لكم وتميما
ولحقت بالنسب الذي عبرتني ... وتركت أصلك يا يزيد ذميما
عيرتني نسب الكرام وإنما ... فخر المفاخر أن يعد كريما
حدبت على بطون ضنة كلها ... إن ظالماً فيهم وإن مظلوما
لولا بنو عوف بن بهثة أصبحت ... بالنغف أم بني أبيك عقيما
- ١٧ - وقال أيضاً:
أبلغ بني ذبيان أن لا أخالهم ... بعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما
بجمع كلون الأعبل الجون لونه ... ترى في نواحيه ذهيراً وحذيما
هم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لابد أكراما
- ١٨ - وقال لعضام بن شهبرة الجرمي حاجب النعمان بن المنذر:
ألم أقسم عليك لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام
فإني لا ألام على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام
ونمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام
- ١٩ - وقال أيضاً يمدح النعمان بن الحارث الأصغر وكان قد خرج إلى بعض متنزعاته:
إن يرجع النعمان نفرح ونبتهج ... ويأت معدا ملكها وربيعها
ويرجع إلى غسان ملك وسؤدد ... وتلك المنى لو أننا نستطيعها
وإن يهلك النعمان تغر مطيه ... ويلق إلى جنب الفناء قطوعها
وتنحط حصان آخر الليل نحطه ... تقضقض منها أو تكاد ضلوعها
على إثر خير الناس إن كان هالكاً ... وإن كان في جنب الفراش ضجيعها
- ٢٠ - وقال أيضاً:
فإن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مظنة الجهل الشباب
فكن كأبيك أو كأبي براء ... توافقك الحكومة والصواب
ولا تذهب بحلمك طاميات ... من الخيلاء ليس لهن باب
فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
فإن تكن الفوارس يوم حسى ... أصابوا من لقائك ما أصابوا
فما إن كان من نسب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب
стр. 39
فوارس من منولة غير ميل ... ومرة، فوق جمعهم العقاب
- ٢١ - وقال يهجو يزيد بن عمرو بن الصعف الكلابي:
لعمرك ما خشيت على يزيد ... من العحر المضلل ما أتاني
كأن التاج معصوباً عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان
فحسبك أن تهاض بمحكمات ... تمر بها الروى على لساني
فقبلك ما شتمت وقاذعوني ... فما نزر الكلام ولا شجاني
يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان
أثرت الغي ثم نزعت عنه ... كما حاد الأزب عن الطعان
فإن يقدر عليك أبو قبيس ... تمط بك المعيشة في هوان
وتخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف آني
وكنت أمينه لو لم تخنه ... ولكن لا أمانة لليمان
- ٢٢ - وقال يرثي النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني:
دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابى المرء والشيب شامل
وقفت بربع الدار قد غير البلى ... معارفها والساريات الهواطل
أسائل عن سعدى وقد مر بعدنا ... على عرصات الدار سبع كوامل
فسليت ما عندي بروحة عرمس ... تخب برحلي تارة وتناقل
موثقة الأنساء مضبورة القرا ... نعوب إذا كل العتاق المراسل
كأني شددت الرحل حين تشذرت ... على قارح مما تضمن عاقل
أقب كعقد الأندي مسحج ... حزابية قد كدمته المساحل
أضر بجرداء النسالة سمحج ... يقلبها إذ أعوزته الحلائل
إذا جاهدته الشد جد وإن ونت ... تساقط لا وان ولا متخاذل
وإن هبطا سهلاً أثار عجاجة ... وإن علوا حزناً تشظت جنادل
ورب بني البر شاء ذهل وقيسها ... وشيبان حيث استبهلتها المنازل
لقد عالني ما سرها وتقطعت ... لروعاتها مني القوى والوسائل
فلا يهنئ الأعداء يصرح ملكهم ... وما عتقت منه تميم ووائل
وكانت لهم ربعية يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السماء القبائل
يسير بها النعمان تغلي قدوره ... تجيش بأسباب المنايا المراحل
تحث الحداة جالزاً بردائه ... بقي حاجبيه ما يثير القنابل
يقول رجال ينكرون خليقتي ... لعل زياداً "لا ابا لك" غافل
أبي غفلتي أني إذا ما ذكرته ... تحرك داء في فؤادي داخل
وإن تلادى إن ذكرت وشكتي ... ومهري وما ضمت لدي الأنامل
حباؤك والعيس العتاق كأنها ... هجان المها تحدى عليها الرحائل
فإن تك قد ودعت غير مذمم ... أواسي ملك ثبتتها الأوائل
فلا تبعدن إن المنية موعد ... وكل امرئ يوماً به الحال زائل
فما كان بين الخير لو جاء سالماً ... أبو حجر إلا ليال فلائل
فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياتي بعد موتك طائل
فآب مصلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل
سقى الغيث قبراً بين بصرى وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل
ولا زال ريحان ومسك عنبر ... على منتهاه ديمة ثم هاطل
ونبت حوذاناً وعوف منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل
بكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه موحش متضائل
قعوداً له غسان يرجون أوبه ... وترك ورهط الأعجمين وكابل
قال الأعلم الشنتمري في شرحه للديوان: كمل جميع ما رواه الأصمعي من شعر النابغة نصل به قصائد متخيرة مما رواه غير الأصمعي إن شاء الله تعالى.
- ٢٣ - وقال:
غشيت منازلاً بعريتنات ... فأعلى الجزع للحي المبن
تعاورهن صرف الدهر حتى ... عفون؛ وكل منهمر مرن
وقفت بها القلوص على اكتئاب ... وذاك تفارط الشوق المعني
أسائلها وقد سفحت دموعي ... كأن مفيضهن غروب شن
بكاء حمامة تدعو عديلاً ... مفجعة على فنن تغني
ألكي يا عيين إليك قولاً ... سأهديه إليك: إليك عني
قوافي كالسلام إذا استمرت ... فليس يرد مذهبها التظني
بهن أدين من يبغي أذاتي ... مداينة المداين فليدني
أتخذل ناصري وتعز عبساً ... أيربوع بن غيظ للمعن
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن
تكون نعامة طوراً وطوراً ... هوى الريح تنسج كل فن
стр. 40
تمن بعادهم واستبق منهم ... فإنك سوف تترك والتمني
لدى جرعاء ليس بها أنيس ... وليس بها الدليل بمطمئن
إذا حاولت في أسد فجوراً ... فإني لست منك ولست مني
فهم درعي التي استلامت فيها ... إلى يوم النسار، وهم مجني
وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواطن صادقات ... أتيتهم بود الصدر مني
وهم ساروا لحجر في خميس ... وكانوا يوم ذلك عند ظني
وهم زحفوا لغسان بزحف ... رحيب السرب أرعن مرجحن
بكل مجرب كالليث يسمو ... على أوصال ذيال رفن
وضمر كالمداح مسومات ... عليها معشر أشباه جن
غداة تعاورته ثم بيض ... دفعن إليه في الرهج المكن
ولو أني أطعتك في أمور ... قرعت ندامة من ذاك سني
- ٢٤ - وقال أيضاً:
أتاركة تدللها قطام ... وضناً بالتحية والكلام
فإن كان الدلال فلا تلجي ... وإن كان الوداع فبالسلام
فلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام
صفحت بنظرة فرأيت منها ... تحيت الخدر واضعة القرام
ترائب يستضيء الحلي فيها ... كجمر النار بدر بالظلام
كأن الشذر والياقوت منها ... على جيداء فاترة البغام
خلت بغزالها ودنا عليها ... أراك الجزع أسفل من سنام
تسف بريره وترود فيه ... إلى دبر النهار من البشام
كان مشعشعاً من خمر بصرى ... نمته البخت مشدود الختام
تمين قلاله من بيت رأس ... إلى لقمان في سوق مقام
إذا فضت خواتمه علاه ... يبيس القمحان من المدام
على أنيابها بغريض مزن ... تقبله الجباة من الغمام
فأضحت في مداهن باردات ... بمنطلق الجنوب على الجهام
تلذ لطعمه وتخال فيه ... إذا نبهتها بعد المنام
فدعها عنك إذا شطت نواها ... ولجت من بعادك في غرام
ولكن ما أتاك عن ابن هند ... من الجزم المبين والتمام؟
فداء ما تقل النعل مني ... إلى أعلى الذؤابة للهمام
ومغراه قبائل غائظات ... على الذهيوط في لجب لهام
يقدن مع امرئ يدع الهوينى ... ويعمد للمهمات العظام
أعين على العدو بكل طرف ... وسلهبة تجلل في السمام
وأسمر مارنٍ يلتاح فيه ... سنان مثل نبراس النهام
وأنباه المنبئ أن حيا ... حلولاً من حزام أو جذام
وأن القوم نصرهم جميع ... فئام مجلبون إلى فئام
فأوردهن بطن الأتم شعثاً ... يصن المشي كالحداء التؤام
على إثر الأدلة والبغايا ... وخفق الياجيات من الشآم
فباتوا ساكنين وبات يسرى ... يقربهم له ليل التمام
فصيحهم بها صهباء صرفاً ... كأن رؤوسهم بيض النعام
فذاق الموت من بركت عليه ... وبالناجين أظفار دوامي
وهن كأنهن نعاج رمل ... يسوين الذيول على الخدام
يوصين الرواة إذا ألموا ... شعث مكرهين على الفطام
وأضحى ساطعاً بحبال حسمي ... دقاق الترب محتزم القتام
فهم الصالبون ليدركوه ... وما راموا بذلك من مرام
إلى صعب المقادة ذي شريس ... نماه في قروع المجد نامي
أبوه قبله وأبو أبيه ... بنوا مجد الحياة على إمام
فدوحت العراق فكل قصر ... يجلل خندق منه وحام
وما تنفك محلولاً عراها ... على متناذر الأكلاء طام
- ٢٥ - وقال يمدح النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي:
أهاجك من سعدك مغنى المعاهد ... بروضة نعمي فذات الأساود
تعاورها الأرواح ينسفن تربها ... وكل ملث ذي أهاضيب راعد
بها كل ذيال وخنساء ترعوي ... إلى كل رجاف من الرمل فارد
عهدت بها سعدى وسعدى غريرة ... عروب تهادى في جوار خرائد
لعمري النعم الحي صبح سر بنا ... وأبياتنا يوماً بذات المراود
يقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يغم الخارجي مناجد
وشيمة لا وان ولا واهن القوى ... وجد إذا خاب المفيدون صاعد
فآب بأبكار وعون عقائل ... أوانس يحميها امرؤ غير زاهد
следующие страницы →