← Адаб

Адаб · id 5449

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

الأعلم الشنتمري

Полный текст (144 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مولى الريح روقيه وجبهته ... كالهبرقي تنخى ينفخ الفحما حتى غدا مثل نصل السيف منصلتاً ... يقرو الأماعز من لبنان والأكما - ٧ - وقال يعتذر إلى النعمان ويمدحه: كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا ... وهمين هماً مستكنا وظاهرا أحاديث نفسي تشتكي ما يريبها ... وورد هموم لن يحدن مصادرا تكلفني أن يفعل الدهر همها ... وهل وجدت قبلي على الدهر قادرا ألم تر خير الناس أصبح نعشه ... على فتية قد حاوز الحي سائرا ونحن لديه نسأل الله خلده ... يرد لنا ملكاً وللأرض عامرا ونحن نرجي الخلد إن فاز قدحنا ... ونرهب قدح الموت إن جاء قامرا لك الخير إن وارت بك الأرض واحدا ... وأصبح جد الناس يطلع عاثرا وردت مطايا الراغبين وعريت ... جيادك لا يخفى لها الدهر حافرا رأيتك ترعاني بعين بصيرة ... وتبعث حراساً علي وناظرا وذلك من قول أتاك أقوله ... ومن دس أعدائي إليك المآبرا فآليت لا آتيك إن جئت مجرما ... ولا أبتغي جاراً سواك مجاورا فأهلي فداء لامرئ إن أتيته ... تقبل معروفي وسد المفاقرا سأكعم كلبي أن يريبك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان فحامرا وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... يخال به راعي الحمولة طائرا تزل الوعول العصم عن قذفاته ... وتضحى ذراه بالسحاب كوافرا حذاراً على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا أقول وإن شطت بي الدار عنكم ... إذا ما لقينا من معد مسافرا ألكنني إلى النعمان حيث لقيته ... فأهدى له الله الغياث البواكرا وصبحه فلج ولا زال كعبه ... على كل من عادى من الناس ظاهرا ورب عليه الله أحسن صنعه ... وكان له على البرية ناصرا فألفيته يوماً يمير عدوه ... وبحر عطء يستخف المعابرا - ٨ - وقال يعتذر إلى النعمان بن المنذر، ويمدحه: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب فبت كأن العائدات فرشنني ... هراساً به يعلى فراشي ويقشب حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب ولكنني كنت امرأ لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومذهب ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في شكر ذلك أذنبوا فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟ فإن أك مظلوماً فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب - ٩ - وقال أيضاً: لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربهم في كل أصفار وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري لا أعرفن ربرجاً حوراً مدامعها ... كأن أبكارها نعاج دوار ينظرن شرراً إلى من جاء عن عرض ... بأوجه منكرات الرق أحرار خلف العضاريط لا يرقين فاحشة ... مستمسكات بأقتاب وأكوار يذرين دمعاً على الأشفار منحدراً ... يأملن رحلة حصن وابن سيار إما عصيت فإني غير منفلت ... مني اللصاب فجنبا حرة النار أو أضع البيت في سوداء مظلمة ... تقيد الغير لا يسري بها الساري تدافع الناس عنا حين تركبها ... من المظالم تدعى أم صبار ساق الرفيدات من جوش ومن عظم ... وماش من رهط ربعي وحجار قرمى قضاعة حلا حول حجرته ... مدا عليه بسلاف وأنفار حتى استقل بجمع لا كفاء له ... ينفي الوحوش عن الصحراء جرار لا يخفض الرز عن أرض ألم بها ... ولا يضل عن مصباحه الساري وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل علي بأن أخشاك من عار - ١٠ -

стр. 37

وقال النابغة يرد على بدر بن حذار ويذكر حزيما وزبان ابني سيار بن عمرو بن جابر لأنه بلغه أنهما أعانا بدراً ورويا شعره فيه: ألا من مبلغ عني حريماً ... وزبان الذي لم يرع صهري فإياكم وعوراً داميات ... كأن صلاءهن صلاء جمر فإني قد أتاني ما صنعتم ... وما وشحتم من شعر بدر فلم يك نولكم أن تشقذوني ... ودوني عازب وبلاد حجر فإن جوابها في كل يوم ... ألم بأنفس منكم ووفر ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمرلاه عوان غير بكر - ١١ - وقال أيضاً: قالت بنو عامر خالوا بنو أسد ... يا بؤس للجهل ضراراً لأقوام يأبى البلاء فلا نبغي بهم بدلاً ... ولا نريد خلاء بعد إحكام فصالحونا جميعاً إن بدا لكم ... ولا تقولوا لنا أمثالها عام إني لأخشى عليكم أن يكون لكم ... من أجل بغضائهم يوم كأيام تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام أو تزجروا مكفهراً لا كفاء له ... كالليل يخلط أصراماً بأصرام مستحقبي خلق المادي يقدمهم ... شم العرانين ضرابون للهام لهم لواء بكفي ماجد بطل ... لا يقطع الخرق إلا طرفه سام يهدي كتائب خضراً ليس يعصمها ... إلا ابتدار إلى موت بإلجام كم غادرت خيلنا منكم بمعترك ... للخامعات أكفاً بعد أقدام يا رب ذات خليل قد فجعن به ... وموتمين وكانوا غير أيتام والخيل تعلم أنا في تجاولها ... عند الكعان أولو بؤسي وإنعام ولوا وكبشهم يكبو لجهته ... عند الكماة صريعاً جوفه دام - ١٢ - وقال في أمر بني عامر: ليهنئ بني ذبيان أن بلادهم ... خلت لهم من كل مولى وتابع سوى أسد يحمونها كل شارق ... بألفي كمي ذي سلاح ودارع قعوداً على آل الوجيه ولاحق ... يقيمون حولياتها بالمقارع يهزون أرماحاً طوالاً متونها ... بأيد طوال عاريات الأشاجع فدع عنك قوماً لا عتاب عليهم ... هم ألحقوا عبساً بأرض القعاقع وقد عسرت من دونهم بأكفهم ... بنو عامر عسر المخاض الموانع فما أنا في سهم ولا نصر مالك ... ومولاهم عبد بن سعد بطامع إذا نزلوا ذا ضرغد وعتائداً ... يغنيهم فيها نقيق الضفادع قعوداً لدى أبياتهم يثمدونها ... رمى الله في تلك الأنوف الكوانع - ١٣ - وقال يصف المتجردة زوج النعمان بن المنذر: أمن آل مية رائح أو مغتد ... عجلان ذا زاد وغير مزود أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد زعم البوارح أن رحلتنا غداً ... وبذاك خبرنا الغداف الأسود لا مرحباً بغد ولا أهلاً به ... إن كان تفريق الأحبة في غد حان الرحيل ولم تودع مهدداً ... والصبح والإمساء منها موعدي في إثر غانية رمتك بسهمها ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد غنيت بذلك إذ هم لك جبرة ... منها بعطف رسالة وتردد ولقد أصابت قلبه من حبها ... عن ظهر مرنان بسهم مصرد والنظم في سلك يزين نحرها ... ذهب توقد كالشهاب الموقد صفراء كالسيراء أكمل خلقها ... كالغصن في غلوائه المتأود والبطن ذو عكن لطيف طيه ... والإتب تنفجه بثدي مقعد محطوطة المتنين غير مفاضة ... رياً الروادف بضة المتجرد قامت تراءى بين سجفي كلة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد أو درة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد أو دمية من مرمر مرفوعة ... بنيت بآجر تشاد بقرمد سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد بمخضب رخص كأن بنانه ... عدم يكاد من اللطافة يعقد نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر السقيم إلى وجوه العود نجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برداً أسف لثاته بالإثمد كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندى زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب مقبله شهي المورد زعم الهمام "ولم أذقه" أنه ... عذب إذا ما ذقته قلت ازدد

стр. 38

زعم الهمام "ولم أذقه" أنه ... يشفى بريا ريقها العطش الصدى أخذ العذارى عقده فظمنه ... من لؤلؤ متتابع متسرد لو أنها عرشت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متعبد لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشداً وإن لم يرشد بتكلم لو تستطيع سماعه ... لدنت له أروى الهضاب الصخد وبفاحم رجل أثيث نيته ... كالكرم مال على الدعام المسند فإذا لمست لمست أخثم جاثماً ... متحيزاً بمكانه ملء اليد وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسة بالعبير مقرمد وإذا نزعت نزعت عن مستحصف ... نزع الحزور بالرشاء المحصد لا وارد منها يحور لمصدر ... عنها، ولا صدر يحور لمورد وإذا يعض تشده أعضاؤه ... عض الكبير من الرجال الأدرد ويكاد ينزع جلد من يصلى به ... بلوافح مثل السعير الموقد - ١٤ - وقال يمدح بني عذرة: لقد قلت للنعمان يوم لقيته ... يريد بني حن ببرقة صادر تجنب بني حن فإن لقاءهم ... كريه وإن لم تلق إلا بصابر عظام اللهى أولاد عذرة إنهم ... لهاميم يستلهونها بالحناجر وهم منعوا وادي القرى من عدوهم ... بجمع مبير للعدو المكاثر من الواردات الماء بالقاع تستقى ... بأعجازها قبل استقاء الحناجر بزاخية ألوت بليف كأنه ... عفاء قلاص طار عنها تواجر صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر هم طردوا عنها بليا فأصبحت ... بلي بواد من تهامة غائر وهم منعوها من قضاعة كلها ... ومن مضر الحمراء عند التغاور وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة ... أبا جابر واستنكحوا أم جابر - ١٥ - وقال يمدح غسان حين ارتحل من عندهم راجعاً: لا يبعد الله جيراناً تركتهم ... مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم لا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الأمحال كالأدم هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... فضل على الناس في اللأواء والنعم أحلام عاد وأجساد مطهرة ... من المعقة والآفات والإثم - ١٦ - وقال أيضاً: جمع محاشك يا زيد فإنني ... أعددت يربوعاً لكم وتميما ولحقت بالنسب الذي عبرتني ... وتركت أصلك يا يزيد ذميما عيرتني نسب الكرام وإنما ... فخر المفاخر أن يعد كريما حدبت على بطون ضنة كلها ... إن ظالماً فيهم وإن مظلوما لولا بنو عوف بن بهثة أصبحت ... بالنغف أم بني أبيك عقيما - ١٧ - وقال أيضاً: أبلغ بني ذبيان أن لا أخالهم ... بعبس إذا حلوا الدماخ فأظلما بجمع كلون الأعبل الجون لونه ... ترى في نواحيه ذهيراً وحذيما هم يردون الموت عند لقائه ... إذا كان ورد الموت لابد أكراما - ١٨ - وقال لعضام بن شهبرة الجرمي حاجب النعمان بن المنذر: ألم أقسم عليك لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام فإني لا ألام على دخول ... ولكن ما وراءك يا عصام فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرام ونمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام - ١٩ - وقال أيضاً يمدح النعمان بن الحارث الأصغر وكان قد خرج إلى بعض متنزعاته: إن يرجع النعمان نفرح ونبتهج ... ويأت معدا ملكها وربيعها ويرجع إلى غسان ملك وسؤدد ... وتلك المنى لو أننا نستطيعها وإن يهلك النعمان تغر مطيه ... ويلق إلى جنب الفناء قطوعها وتنحط حصان آخر الليل نحطه ... تقضقض منها أو تكاد ضلوعها على إثر خير الناس إن كان هالكاً ... وإن كان في جنب الفراش ضجيعها - ٢٠ - وقال أيضاً: فإن يك عامر قد قال جهلاً ... فإن مظنة الجهل الشباب فكن كأبيك أو كأبي براء ... توافقك الحكومة والصواب ولا تذهب بحلمك طاميات ... من الخيلاء ليس لهن باب فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب فإن تكن الفوارس يوم حسى ... أصابوا من لقائك ما أصابوا فما إن كان من نسب بعيد ... ولكن أدركوك وهم غضاب

стр. 39

فوارس من منولة غير ميل ... ومرة، فوق جمعهم العقاب - ٢١ - وقال يهجو يزيد بن عمرو بن الصعف الكلابي: لعمرك ما خشيت على يزيد ... من العحر المضلل ما أتاني كأن التاج معصوباً عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان فحسبك أن تهاض بمحكمات ... تمر بها الروى على لساني فقبلك ما شتمت وقاذعوني ... فما نزر الكلام ولا شجاني يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان أثرت الغي ثم نزعت عنه ... كما حاد الأزب عن الطعان فإن يقدر عليك أبو قبيس ... تمط بك المعيشة في هوان وتخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من نجيع الجوف آني وكنت أمينه لو لم تخنه ... ولكن لا أمانة لليمان - ٢٢ - وقال يرثي النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني: دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابى المرء والشيب شامل وقفت بربع الدار قد غير البلى ... معارفها والساريات الهواطل أسائل عن سعدى وقد مر بعدنا ... على عرصات الدار سبع كوامل فسليت ما عندي بروحة عرمس ... تخب برحلي تارة وتناقل موثقة الأنساء مضبورة القرا ... نعوب إذا كل العتاق المراسل كأني شددت الرحل حين تشذرت ... على قارح مما تضمن عاقل أقب كعقد الأندي مسحج ... حزابية قد كدمته المساحل أضر بجرداء النسالة سمحج ... يقلبها إذ أعوزته الحلائل إذا جاهدته الشد جد وإن ونت ... تساقط لا وان ولا متخاذل وإن هبطا سهلاً أثار عجاجة ... وإن علوا حزناً تشظت جنادل ورب بني البر شاء ذهل وقيسها ... وشيبان حيث استبهلتها المنازل لقد عالني ما سرها وتقطعت ... لروعاتها مني القوى والوسائل فلا يهنئ الأعداء يصرح ملكهم ... وما عتقت منه تميم ووائل وكانت لهم ربعية يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السماء القبائل يسير بها النعمان تغلي قدوره ... تجيش بأسباب المنايا المراحل تحث الحداة جالزاً بردائه ... بقي حاجبيه ما يثير القنابل يقول رجال ينكرون خليقتي ... لعل زياداً "لا ابا لك" غافل أبي غفلتي أني إذا ما ذكرته ... تحرك داء في فؤادي داخل وإن تلادى إن ذكرت وشكتي ... ومهري وما ضمت لدي الأنامل حباؤك والعيس العتاق كأنها ... هجان المها تحدى عليها الرحائل فإن تك قد ودعت غير مذمم ... أواسي ملك ثبتتها الأوائل فلا تبعدن إن المنية موعد ... وكل امرئ يوماً به الحال زائل فما كان بين الخير لو جاء سالماً ... أبو حجر إلا ليال فلائل فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياتي بعد موتك طائل فآب مصلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل سقى الغيث قبراً بين بصرى وجاسم ... بغيث من الوسمي قطر ووابل ولا زال ريحان ومسك عنبر ... على منتهاه ديمة ثم هاطل ونبت حوذاناً وعوف منورا ... سأتبعه من خير ما قال قائل بكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه موحش متضائل قعوداً له غسان يرجون أوبه ... وترك ورهط الأعجمين وكابل قال الأعلم الشنتمري في شرحه للديوان: كمل جميع ما رواه الأصمعي من شعر النابغة نصل به قصائد متخيرة مما رواه غير الأصمعي إن شاء الله تعالى. - ٢٣ - وقال: غشيت منازلاً بعريتنات ... فأعلى الجزع للحي المبن تعاورهن صرف الدهر حتى ... عفون؛ وكل منهمر مرن وقفت بها القلوص على اكتئاب ... وذاك تفارط الشوق المعني أسائلها وقد سفحت دموعي ... كأن مفيضهن غروب شن بكاء حمامة تدعو عديلاً ... مفجعة على فنن تغني ألكي يا عيين إليك قولاً ... سأهديه إليك: إليك عني قوافي كالسلام إذا استمرت ... فليس يرد مذهبها التظني بهن أدين من يبغي أذاتي ... مداينة المداين فليدني أتخذل ناصري وتعز عبساً ... أيربوع بن غيظ للمعن كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن تكون نعامة طوراً وطوراً ... هوى الريح تنسج كل فن

стр. 40

تمن بعادهم واستبق منهم ... فإنك سوف تترك والتمني لدى جرعاء ليس بها أنيس ... وليس بها الدليل بمطمئن إذا حاولت في أسد فجوراً ... فإني لست منك ولست مني فهم درعي التي استلامت فيها ... إلى يوم النسار، وهم مجني وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني شهدت لهم مواطن صادقات ... أتيتهم بود الصدر مني وهم ساروا لحجر في خميس ... وكانوا يوم ذلك عند ظني وهم زحفوا لغسان بزحف ... رحيب السرب أرعن مرجحن بكل مجرب كالليث يسمو ... على أوصال ذيال رفن وضمر كالمداح مسومات ... عليها معشر أشباه جن غداة تعاورته ثم بيض ... دفعن إليه في الرهج المكن ولو أني أطعتك في أمور ... قرعت ندامة من ذاك سني - ٢٤ - وقال أيضاً: أتاركة تدللها قطام ... وضناً بالتحية والكلام فإن كان الدلال فلا تلجي ... وإن كان الوداع فبالسلام فلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام صفحت بنظرة فرأيت منها ... تحيت الخدر واضعة القرام ترائب يستضيء الحلي فيها ... كجمر النار بدر بالظلام كأن الشذر والياقوت منها ... على جيداء فاترة البغام خلت بغزالها ودنا عليها ... أراك الجزع أسفل من سنام تسف بريره وترود فيه ... إلى دبر النهار من البشام كان مشعشعاً من خمر بصرى ... نمته البخت مشدود الختام تمين قلاله من بيت رأس ... إلى لقمان في سوق مقام إذا فضت خواتمه علاه ... يبيس القمحان من المدام على أنيابها بغريض مزن ... تقبله الجباة من الغمام فأضحت في مداهن باردات ... بمنطلق الجنوب على الجهام تلذ لطعمه وتخال فيه ... إذا نبهتها بعد المنام فدعها عنك إذا شطت نواها ... ولجت من بعادك في غرام ولكن ما أتاك عن ابن هند ... من الجزم المبين والتمام؟ فداء ما تقل النعل مني ... إلى أعلى الذؤابة للهمام ومغراه قبائل غائظات ... على الذهيوط في لجب لهام يقدن مع امرئ يدع الهوينى ... ويعمد للمهمات العظام أعين على العدو بكل طرف ... وسلهبة تجلل في السمام وأسمر مارنٍ يلتاح فيه ... سنان مثل نبراس النهام وأنباه المنبئ أن حيا ... حلولاً من حزام أو جذام وأن القوم نصرهم جميع ... فئام مجلبون إلى فئام فأوردهن بطن الأتم شعثاً ... يصن المشي كالحداء التؤام على إثر الأدلة والبغايا ... وخفق الياجيات من الشآم فباتوا ساكنين وبات يسرى ... يقربهم له ليل التمام فصيحهم بها صهباء صرفاً ... كأن رؤوسهم بيض النعام فذاق الموت من بركت عليه ... وبالناجين أظفار دوامي وهن كأنهن نعاج رمل ... يسوين الذيول على الخدام يوصين الرواة إذا ألموا ... شعث مكرهين على الفطام وأضحى ساطعاً بحبال حسمي ... دقاق الترب محتزم القتام فهم الصالبون ليدركوه ... وما راموا بذلك من مرام إلى صعب المقادة ذي شريس ... نماه في قروع المجد نامي أبوه قبله وأبو أبيه ... بنوا مجد الحياة على إمام فدوحت العراق فكل قصر ... يجلل خندق منه وحام وما تنفك محلولاً عراها ... على متناذر الأكلاء طام - ٢٥ - وقال يمدح النعمان بن وائل بن الجلاح الكلبي: أهاجك من سعدك مغنى المعاهد ... بروضة نعمي فذات الأساود تعاورها الأرواح ينسفن تربها ... وكل ملث ذي أهاضيب راعد بها كل ذيال وخنساء ترعوي ... إلى كل رجاف من الرمل فارد عهدت بها سعدى وسعدى غريرة ... عروب تهادى في جوار خرائد لعمري النعم الحي صبح سر بنا ... وأبياتنا يوماً بذات المراود يقودهم النعمان منه بمحصف ... وكيد يغم الخارجي مناجد وشيمة لا وان ولا واهن القوى ... وجد إذا خاب المفيدون صاعد فآب بأبكار وعون عقائل ... أوانس يحميها امرؤ غير زاهد

стр. 41

يخططن بالعيدان في كل مقعد ... ويخبأن رمان الثدي النواهد ويضربن بالأيدي وراء براغز ... حسان الوجوه كالظباء العواقد غرائر لم يلقين بأساء قبلها ... لدى ابن الجلاح ما يثقن بوافد أصاب بني غيظ فأصحوا عباده ... وحللها نعمى على غير واحد فلابد من عوجاء تهوى براكب ... إلى ابن الجلاح سيرها الليل قاصد تخب إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريفي وتالدي فسكنت نفسي بعدما طار روحها ... وألبستني نعمى ولست بشاهد وكنت امرأ لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد سبقت الرجال الباهشين إلى العلا ... كسبق الجواد اصطاد قبل الطوارد علوت معداً نائلاً ونكاية ... فأنت لغيث الحمد أول رائد - ٢٦ - وقال في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان: أهاجك من أسماء رسم المنازل ... بروضة نعمي فذات الأجاول أربت بها الأرواح حتى كأنما ... تهادين أعلى تربها بالمناخل وكل ملث مكفهر سحابه ... كميش التوالي مرثعن الأسافل إذا رجفت فيه رحى مرجحنة ... تبعق ثجاج غزير الحوافل عهدت بها حياً كراماً فبدلت ... حناطيل آجال النعام الجوافل ترى كل ذيال يعارض ربرباً ... على كل رجاف من الرمل هائل يثرن الحصى حتى يباشرن برده ... إذا الشمس مجت ريقها بالكلاكل وناجية عديت في متن لاحب ... كسحل اليماني قاصد للمناهل له خلج تهوى فرادى وترعوي ... إلى كل ذي نيرين بادي الشواكل وإني عداني عن لقائك حادث ... وهم أتى من دون همك شاغلي نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... وصاتي ولم تنجح لديهم وسائلي فقلت لهم لا أعرفن عقائلاً ... رعابيب من جنبي أريك وعاقل ضوارب بالأيدي وراء براغز ... حسان كآرام الصريم الخواذل خلال المطايا يتصلن وقد أتت ... قنان أبير دونها والكواثل وخلوا له بين الجناب وعالج ... فراق الخليط ذي الأذاة المزايل ولا أعرفني بعد ما قد نهيتكم ... أجادل يوماً في شوي وجامل وبيض غريرات تفيض دموعها ... بمستكره يذرينه بالأنامل وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل مخافة عمرو أن تكون جياده ... يقدن إلينا بين حاف وناعل إذا استعجلوها عن سجية مشيها ... تتلع في أعناقها بالجحافل شوازب كالأجلام قد آل رمها ... سماحيق صفراً في تليل وفائل ويقذفن بالأولاد في كل منزل ... تشحط في أسلائها كالوصائل ترى عافيات الطير قد وثقت لها ... بشبع من السخل العتاق الأكائل برى وقع الصوان حد نسورها ... فهن لطاف كالصعاد الذوابل مقرنة بالعيس والأدم كالقنا ... عليها الحبور محقبات المراجل وكل صموت نثلة تبعية ... ونسج سليم كل قضاء ذائل علين بكديون وأبطن كرة ... فهن وضاء صافيات العلائل عتاد امرئ لا ينقض البعد همه ... طلوب الأعادي واضح غير خامل تحين بكفيه المنايا وتارة ... تسحان سحا من عطاء ونائل إذا حل بالأرض البرية أصبحت ... كئيبة وجه غبها غير طائل يؤم بربعي كأن زهاءه ... إذا هبط الصحراء حرة راجل - ٢٧ - وقال يمدح النعمان بن المنذر: أمن ظلامة الدمن البوالي ... بمرفض الحي إلى وعال فأمواه الدنا فعويرضات ... دوارس بعد أحياء حلال تأبد لا ترى إلا صواراً ... بمرقوم عليه العهد خال تعاورها السواري والغوادي ... وما تذرى الرياح من الرمال أثيت نبته جعد ثراه ... به عوذ المطافل والمتالي يكشفن الألاء مزينات ... بغاب ردينة السحم الطوال كأن كشوحهن مبطنات ... إلى فوق الكعوب برود خال فلما أن رأيت الدار قفرا ... وخالف بال أهل الدار بالي نهضت إلى عذافرة صموت ... مذكرة تجل عن الكلال فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي ومن يغرف من النعمان سجلاً ... فليس كمن يتيه في الضلال

стр. 42

فإن كنت امرأ قد سؤت ظناً ... بعبدك والخطوب إلى تبال فأرسل إلى بني ذبيان فاسأل ... ولا تعجل إلي عن السؤال فلا عمر الذي أثنى عليه ... وما رفع الحجيج إلى إلال لما أغفلت شكرك فانتصحني ... وكيف ومن عطائك جل مالي ولو كفي اليمين بغتك خوناً ... لأفردت اليمين من الشمال ولكن لا تخان الدهر عندي ... وعند الله تجزية الرجال له بحر يقمص بالعدولي ... وبالخلج المحملة الثقال مضر بالقصور تذود عنها ... قراقير النبيط إلى التلال وهوب للمخيسة النواجي ... عليها القانئات من الرحال - ٢٨ - وقال أيضاً: ألا أبلغا ذبيان عني رسالة ... فقد أصبحت عن منهج الحق جائره أجدكم لن تزجروا عن ظلامة ... سفيهاً ولن ترعوا لذي الود آصره فلو شهدت سهم وأبناء مالك ... فتعذرني من مرة المتناصره لجاءوا بجمع لم ير الناس مثله ... تضاءل منه بالعشي قصائره ليهنئ لكم أن قد نفيتم بيوتنا ... مندى عبيدان المحلئ باقره وإني لألقى من ذوي الضعن منهم ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهره كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره فقالت له أدعوك للعقل وافيا ... ولا تغشيني منك بالظلم بادره فوثقها بالله حين تراضيا ... فكانت تديه المال غبا وظاهره فلما توفي العقل إلا أقله ... وجارت به نفس عن الحق جائره تذكر أني يجعل الله جنة ... فبصبح ذا مال ويقتل واتره فلما رأى أن ثمر الله ماله ... وأثل موجوداً وسد مفاقره أكب على فأس يحد غرابها ... مذكرة من المعاول باتره فقام لها من فوق جحر مشيد ... ليقتلها أو تخطئ الكف بادره فلما وقاها الله ضربة فأسه ... وللبر عين لا تغمض ناظره فقال تعالى نجعل الله بيننا ... على مالنا أو تنجزي لي آخره فقالت يمين الله أفعل أنني ... رأيتك مسحوراً يمينك فاجره أبى لي قبر لا يزال مقابلي ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره - ٢٩ - وقال أيضاً: ودع أمامة والتوديع تعذير ... وما وداعك من قفت به العير وما رأيتك إلا نظرة عرضت ... يوم النمارة والمأمور مأمور إن إلى الفول حي وإن بعدوا ... أمسوا ودونهم ثهلان فالنير هل تبلغينهم حرف مصرمة ... أجد القفار وإدلاج وتهجير قد عريت نصف حول أشهر جددا ... يسفى على رحلها بالحيرة المور وفارقت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير ليست ترى حولها إلفاً وراكبها ... نشوان في جوة الباغوث مخمور تلقى الإوزين في أكناف دارتها ... بيضاً وبين يديها التين منشور لولا الهمام الذي ترجى نوافله ... لقال راكبها في عصبة سيروا كأنها خاضب أظلافه لهق ... قهد الإهاب تربته الزنانير أصاخ من نبأة أصغى لها أذناً ... صماخها بدخيس الروق مستور من حس أطلس تسعى تحته شرع ... كأن أحناكها السفلى مآشير يقول راكبها الجني مرتفقاً ... هذا لكن ولحم الشاة محجور تمت القصائد المختارة من شعر النابغة. زهير بن أبي سلمى ترجمة الشاعر - ١ - هو زهير بن ربيعة الملقب بأبي سلمى، من قبيلة مزينة من مضر. كان يقيم هو وقومه في بلاد غطفان وأسرته أسرة شاعرة فكان أبوه شاعراً وخال أبيه - واسمه بشامة بن الغدير - شاعراً؛ جمع إلى الشعر الحكمة وجودة الرأي، وكانت غطفان إذا أرادوا الغزو أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا من الحرب قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، وقد لازمه زهير وأخذ عنه الشعر وجودة الرأي. وكان زوج أمه أوس بن حجر - شاعراً. وكان أبو شاعراً وأخته سلمى شاعرة، وابناه - كعب ويجير - شاعرين، وابن ابنه المضرب بن كعب بن زهير كان كذلك شاعراً.

стр. 43

وكانت بلاد غطفان ساحة للعداء الشديد والحرب المستعرة بين قبيلتين من قبائلهما وهما عبس وذبيان، وكانت هذه الحروب وهذا العداء سبباً في ثروة أدبية كبيرة من شعر ملئ بالفخر والهجاء والتحريض على القتال والأخذ بالثأر، ومن قصص تدور وقائعها على ما كان بين الفريقين. فكثير من شعر عنترة العبسي مثلاً يصف الأطوار الأخيرة لحرب داحس والغبراء الطاحنة، وكان كثير من شعر زهير يدور حول السلم بين القبيلتين والدعوة إليه وإظهار نتائجه، والإعجاب برجلين من رؤساء ذبيان، وهما هرم بن سنان والحارث بن عوف، سعيا في الصلح بين عبس وذبيان واحتملا ديات القتلى ونشرا السلام في غطفان، فكان هذا داعياً لزهير ليصور حبه للسلام واستفظاعه للحرب وأهوالها، وليمدح هذين العظيمين على ما قاما به من جهود لتوطيد دعائم السلم في هذه الجزيرة العربية المتنافرة المتخاصمة. وقد مدح هرم بن سنان بمدائح كثيرة، وأجزل هرم له العطاء وله نحو العشرين قصيدة، يمدحه هو والحارث بن عوف بها؛ لسعيه في الصلح بين عبس وذبيان. ومات قبل البعثة بقليل. وكان سنان أبو هرم سيد غطفان وماتت أمه وهي حامل به. وقالت: إذا أنا مت فشقوا بطني. فإن سيد غطفان فيه، فلما ماتت شقوا بطنها فاستخرجوا منه سنانا. وفي بني سنان يقول زهير: قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قدم بأولهم أو مجدهم قعدوا جن إذا فزعوا أنس إذا أمنوا ... مرزؤون بهاليل إذا قصدوا محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ماله حسدوا وقال زهير في هرم بن سنان: وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواصله تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله أخو ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يتلف المال نائله وقال زهير أيضاً في هرم بن سنان وأهل بيته: من أهل بيت يرى ذو العرش فضلهم ... يبني لهم في جنان الخلد مرتفق المطعمين إذا ما أزمة أزمت ... والطيبين ثياباً كلما عرقوا كأن آخرهم في الجود أولهم ... إن الشمائل والأخلاق تتفق إن قامروا قمروا أو فاخروا فخروا ... أو ناضلوا نضلوا أو سابقوا سبقوا تنافس الأرض موتاهم إذا دفنوا ... كما تنافس عند الباعة الورق قال الميداني في مجمع أمثاله عند قولهم أجود من هرم: هو هرم بن سنان بن أبي حارثة المري وقد سار بذكر جوده المثل، وقال زهير بن أبي سلمى فيه: إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكن الجواد على علاته هرم هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظلم ووفدت ابنة هرم على عمر، فقال لها: ما كان الذي أعطى أبوك زهيراً حتى قابله من المديح بما قد سار فيه، فقالت: أعطاه خيلاً تنضى، وإبلاً تتوى وثيابا تبلى ومالاً يفنى. فقال عمر: لكن ما أعطاكم زهير لا يبليه الدهر، ولا يفنيه العصر.. ويروى أنها قالت: ما أعطى هرم زهيراً قد نسي. قال: لكن ما أعطاكم زهير لا ينسى. - ٢ - وزهير من شعراء الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية، وفضله كثير ممن لهم معرفة بنقد الشعر على امرئ القيس والنابغة وأضرابهما، وقال أناس: هو أشعر العرب وعده عمر أشعر الشعراء لأنه لا يعاظل بين الكلام ولا يتتبع حواشيه ولا يمدح أحد بغير ما فيه. وذكره الأصمعي قال: كفاك من الشعراء أربعة: "زهير إذا طرب والنابغة إذا رهب والأعشى إذا غضب وعنترة إذا كلب". وكان زهير يتأله ويتعفف في شعره، ويدل شعره على إيمانه بالبعث كقوله: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينتقم وكان عمر بن الخطاب يعجب بقوله: فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء يعني يميناً أو مناقرة إلى الحاكم أو برهان. ومما جرى من شعره مجرى المثل قوله: وهل ينبت الخطى إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل أسباب شاعرية زهير

стр. 44

كان زهير شاعراً مجيداً معدوداً من فحول الشعراء في الجاهلية، وكان النقاد يضعونه مع امرئ القيس والنابغة والأعشى في طبقة واحدة، هي الطبقة الأولى من شعراء الجاهلية. وكان الذي بلغ به إلى هذه المنزلة الكبيرة في الشعر، ووثق أسباب شاعريته عدة أسباب كثيرة منها: أولاً - هذه البيئة العربية البدوية الشاعرة. ثانياً - تلك النهضة الأدبية في الشعر التي كانت تموج بها نجد والقرى العربية في عصر زهير. ثالثاً - وراثته الشعر عن أسرته. فقد كان خاله بشامة بن الغدير شاعراً وكانت أسرة زهير من ذريته من المجيدين في الشعر قالوا: "لم يتصل الشعر في أهل بيت من العرب كما اتصل في بيت زهير" فأبوه وأبناؤه وأحفاده وأخته الخنساء كلهم من الشعراء المجيدين. رابعاً - اشترك زهير في الملاحم الحربية في الجزيرة العربية. وفي حرب داحس والغبراء، والحروب تثير الشاعرية، وتهيج الخيال، وتحرك الشعور، وتبعث على الكلام. خامساً - المنافسات الأدبية بين زهير والشعراء المعاصرين له، كانت سبباً أيضاً من أسباب نضوج شعره وشاعريته. سادساً - قصد زهير بشعره إلى المدح كان يدفعه إلى الإجادة والتهذيب في شعره، مما رفع من مكانته، وقوى أسباب الرغبة في نفسه وشاعريته. أثر حياة زهير في شعره أولاً - نشأته في أسرة شاعرة جعلته يجود من شعره ويهذب من شاعريته. ثانياً - اتصاله بهرم وتوالي أيادي هرم عليه جعله يجود في المدح. ثالثاً - مشاهدته حرب داحس والغبراء الطاحنة، ومآسيها الدامية، دفعه إلى نظم الشعراء في التنفير من الحرب والدعوة إلى السلام. رابعاً - تجارب زهير وخبرته بالحياة أنضجت شعر الحكمة عنده. خامساً - التنافس الأدبي بينه وبين الشعراء، وتلمذته على أوس بن حجر، دفعاه إلى تجويد شعره والعناية بتهذيبه. - ٣ - خصائص شعره أولاً - من حيث الألفاظ: كان زهير يختار ألفاظه اختيار، ويبالغ في اختيارها بذوقه وفطرته الأدبية، وقد يسرف في الغرابة حيناً، ولكن لا يخلو أغلب شعره من سهولة في اللفظ حيناً، وجزالة وقوة غالبتين عليه أحياناً. ثانياً - من حيث الأسلوب: وأسلوب زهير من أساليب الشعراء المجددين المصنعين في شعرهم، وأنتم تعلمون مذهب زهير في الروية وتهذيب الشعر وتنقيحه للوصول به إلى منزلة الكمال الفني في النظم وإدراكاً للمنزلة السامية بين الشعراء. ومذهب الروية في شعر زهير واضح كل الوضوح في جميع قصائده، ويتجلى في عدة مظاهر في أسلوب زهير، من إمعان في تنقيح الأسلوب ونفي كل ما يعاب به، وإسقاط كل ما يؤخذ عليه، ومن إدخال الرونق والبهاء والجمال على كل بيت من أبيات قصيدته، ومن قصد للسهولة والوضوح والإمتاع واللذة الفنية التي تبعث على الإعجاب والروعة والتأثر. ويغلب على شعر زهير ألوان كثيرة من الصنعة، يدخلها فيه من استعارة وتشبيه وكناية وطباق، ولكن هذه الألوان الفنية تجيء في شعره عفو القريحة، من غير قصد إليها وتعمل لها وتكلف فيها وغلو في طلبها، وإنما تنبعث من ذوق الشاعر وموهبته وروحه الصناع الموهوب وهذه الخصائص التي امتاز بها أسلوب زهير كانت هي السبب الأهم في تقديم كثير من النقاد له، ويجمع أغلبهم على وصف أسلوبه بالخلو من التعقيد والتكلف، وبالمساوقة للطبع وبالسهولة والوضوح في قوة وجزالة.. وعلى أي حال، فأسلوب زهير ذوب شاعريته وملكاته في الشعور، ومذهبه في الصنعة الذي شهر به، والذي أخذه عنه تلاميذه من أمثال الحطيئة، وكعب ابن شاعرنا زهير. ثالثاً - من حيث المعاني: ومعاني زهير كما قلت تنبع من نفسه وتصدر عن حسه، وتتصل بمظاهر البيئة في حياته لا يمعن فيها في طلب المحال، ولكنه يعمد إلى الصدق فإذا بالغ في أداء المعنى اختار طريق المبالغة المقبولة فقال مثلاً: فلو كان حمد يخلد الناس أخلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد

стр. 45

وإذا أراد أن يجود في المدح اختار ما هو أليق به وأقرب إلى ذوق الناس في عصره من وصف ممدوحه بالبطولة والشجاعة والعفة والنائل الكثير، والتهلل عند ورود العفاة ولكنه لا يزعم أبداً أن ممدوحه فعل المعجزات وصنع المستحيلات ونالت قدرته السموات، كما يزعم المحدثون من الشعراء. وتشيع في معاني زهير الحكمة الصادقة، والتجربة الصحيحة، والخبرة الواعية بالحياة وأحداثها ومشكلاتها. ومن ثم عد من شعراء الحكمة في الشعر الجاهلي. رابعاً - من حيث الخيال: ومعاني زهير لا يسوقها سوق الحس والمشاهدة فحسب، ولكنه يتكئ فيها على خياله، ليبرزها في ألوان مجنحة من صنعة الخيال المتصرف في ملكات النفس والشعور وهذا الخيال عند زهير من صنعته أن يقرب البعيد، ويسهل الصعب من المعاني ويوضح الغامض، وأجنحة هذا الخيال في مبالغة مقبولة أو استعارة صادقة، أو كناية قريبة، أو تشبيه مستطرف في ثنايا شعره. خامساً - من حيث الأغراض: أجاد زهير إجادة عالية في الحكمة والمدح والغزل، وقارب من الإجادة في الوصف والفخر والعتاب، وكان متوسطاً في الهجاء والرثاء والاعتذار.. وقد مضت نماذج لهذه الفنون من شعره، ولكن الذي نريد أن نتحدث عنه هو أسباب تجويده في المدح.. وهذه الأسباب من أهمها: أولاً: حرص زهير على تسجيل بعض مآثر سادات العرب الذين كان لهم مكان مرموق في الحياة الجاهلية، وأثر واضح في فض مشكلات الحرب بين قبائلها. ثانياً: الوفاء الذي طبعت عليه نفس زهير وشدة تأثر بأيدي ممدوحيه عليه. ثالثاً: اعتزازه بمفاخر القبيلة، ومجدها ومآثرها، مما كان يدفعه إلى مدح قومه. رابعاً: اتصاله بهرم وتوالي أيادي هرم عليه.. كل هذه الأسباب جعلته جيد المدح. ولذلك قالوا: "كان أشعر الناس امرئ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب". ويقصدون من ذلك أن أجود شعر امرئ القيس كان في وصف الخيل والصيد، وأجود شعر زهير كان في المدح، وأجود شعر النابغة كان في الاعتذار، وأجود شعر الأعشى كان في وصف الخمر. - ٤ - وكان زهير ينقح شعره مدة طويلة فتسمى كبار قصائده "الحوليات"، وعد من عبيد الشعر.. ولذلك كان زهير "أبعد الشعراء عن سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من اللفظ، وأكثرهم أمثالاً في شعره".. وكان لا يتتبع حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما يكون فيه. والظاهر أن طول تهذيبه لشعره إنما كان في طوال قصائده.. وهي أربع: أحداها مطلعها: قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم والثانية: إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا والثالثة: بأن الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وذودوك اشتياقا أية سلكوا والرابعة: لمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلا له حقب قديم تظهر هذه الروية في شعره كل الظهور، فهو هادئ رزين في تفكيره، يتخير المعاني التي تناسب موضوعه، ويتخير لهذه المعاني خير الألفاظ، يرفق مواضع الرفق، ويشتد في مواضع الشدة. كذلك عرف بالميل إلى الحكمة، جرب الدهر وحلب أشطره وخبر الناس وعرف نفوسهم فعمد إلى صياغة ذلك كله في شعره -وكان ملهما - فأتى بما لم يسبق إليه وقد أعجب المسلمون في الصدر الأول بحكمه، وفضله بعضهم من أجلها على سائر الشعراء، لما فيها من صدق القول، وحسن النظر، ولما فيها من نظرات تتفق ومبادئ الإسلام كقوله: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فوضع في كتاب فيدحر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم وخير شعره هو في مدح هرم بن سنان، كقوله: قد جعل المبتعون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا من يلق يوماً على علاقة هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا ليث بعثر يصطاد الليوث إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا لو نال حي من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا وقوله: دع ذا وعد القول في هرم ... خير البداة وسيد الحضر لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر ولأنت أوصل من سمعت به ... لشوابك الأرحام والصهر

стр. 46

ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر وأراك تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري أثنى عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات من ذكر والستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر ولما مات هرم رثاه زهير بقصيدته: إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت ينعين خير الناس عند شديدة ... عظمت مصيبته هناك وجلت ولنعم حشو الدرع كان إذا سطا ... نهلت من العلق الرماح وعلت وأولى قصائده معلقته التي مطلعها: أمن أم أو في دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم وهي في تسعة وخمسين بيتاً وموضوعها إطراء الصلح بين عبس وذبيان ومدح هرم والحارث بن عوف لقيامهما بهذا العمل الجليل. - ٥ - وقد ظهر منذ حين شرح لديوان زهير بن أبي سلمى، ويهو يقع في نحو ٤٦٠ صفحة من القطع الكبير، وطبع بمطبعة دار الكتب المصرية - وللديوان قصة فإنه منذ سنوات أتيح للمستشرق المعروف الأستاذ أوجست فيشر الاطلاع على مخطوط قديم بمكتبة الجمعية الألمانية الشرقية بمدينة هلة، شرح فيه مصنفه ديوان الشاعر الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمى المزني وديوان ولده كعب. ويمتاز هذا المخطوط بأنه نسخة ديوان زهير فيه أقدم نسخه المعروفة جميعاً، إذ يرجع تاريخها إلى سنة ٥٣٣ هجرية، كما أن ديوان كعب فريد لا يعرف له نسخة ثانية. ويقول الأستاذ فيشر في وصفه إنه مخطوط بقلم لغوي يدير، يندر أن تفوته غلطة، كتبه بخط واضح كامل الشكل، ومما يذكر أن هذا المخطوط كان قد عثر عليه الأستاذ ألبرت سوتسن في زيارة له لدمشق ١٧٨٣، وآلت ملكيته إلى الجمعية الألمانية بعد وفاته وليس زهير في حاجة إلى تعرف، فهو أحد ثلاثة كانوا أقطاب الشعر في الجاهلية والمقدمين على سائر الشعراء. وكان يسمي قصائده المطولة "الحوليات" لكثرة ما يعود إليها بالنظر والتروية والتنقيح، حتى كان الأصمعي يقول "زهير والحطيئة وأشباههما من الشعراء عبيد الشعر لأنهم نقحوه ولم يذهب فيه مذهب المطبوعين". ورغم مكانة زهير هذه، فإن ديوانه لم يطبع غير مرة واحدة منذ قرابة نصف قرن، وكانت الحاجة ماسة لذلك، إلى إعادة نشره من جديد على طريقة التحقيق العلمي الحديث.. وهذلت ما تكفلت به الطبعة التي بين أيدينها. ورواية زهير وشارحه في هذه الطبعة هو الإمام أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني المعروف بثعلب اللغوي الكوفي الحجة. وقد كان كما يقول عنه القطربلي "من الحفظ والعلم وصدق اللهجة والمعرفة بالغيب ورواية الشعر القديم ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين على ما ليس عليه أحد" ووصفه المبرد بأنه "أعلم الكوفيين" على رغم ما كان بينهما من تنافس ونزاع. وذكر له ابن النديم اثنين وعشرين كتاباً في النحو والأدب واللغة، من أشهرها كتاب الفصيح المعروف باسمه. وله شرح على ديوان الأعشى نشره المستشرق رودلف جيد، وشرح ديوان زهير الذي نحن بصدده، وقد تواتر الإجماع بروايته له في سائر نسخ الديوان المعروفة بغير شك أو خلاف. أما شرح ديوان كعب فالمحقق الأوجه لنسبته لثعلب. ويقطع الأستاذ فيشر بأنه للسكري اللغوي البصري (المتوفي سنة ٢٧٥هـ) .. ويرجح ذلك عنده ما ورد في نهاية المخطوط حيث ذكر ناسخه بعد الفراغ من شعر كعب: "تم شعر كعب في رواية السكري"، ثم ما ورد في رواية بعض القصائد مما يغلب أن يكون رواية من غير أهل الكوفة. المختار من شعر زهير - ١ - قال زهير بن أبي سلمى: أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم ودار لها بالرقمتين كأنها ... مراجيع وشم في نواشر معصم بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل محثم وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأياً عرفت الدار بعد توهم أثافي سفعاً في معرس مرجل ... ونؤياً كجذم الحوض لم يتثلم فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحاً أيها الربع واسلم تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحملن بالعلياء من فوق جرثم علون بأنماط عتاق وكلة ... وراد حواشيها مشاكهة الدم

стр. 47

ووركن في السوبان يعلون متنه ... عليهن دل الناعم المتنعم وفيهن ملهى للصديق ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم بكرن بكوراً واستحرن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفم جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم ظهرن من السوبان ثم جزعنه ... على كل قيني قشيب مفأم كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم فلما وردن الماء زرقاً جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم سعى ساعياً غيط ابن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم يميناً لنعم السيدان وجدتما ... على كل حل من سحيل ومرم تدار كتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم وقد قلتما إن ندرك السلم واسعاً ... بمال ومعروف من الأمر نسلم فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأتم عظيمين في عليا معد وغيرها ... ومن يستبح كنزاً من المجد يعظم فأصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إقال المزنم تعفى الكلوم بالمئين فأصبحت ... ينجمها من ليس فيها بمجرم ينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم فمن مبلغ الأحلاف عني رسالة ... وذبيان هل أقسمتم كل مقسم فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا أضربتموها فتضرم فنعرككم عرك الرحى بثقالها ... وتلقح كشافاً ثم تحمل فتتئم فنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم فتعلل لكم مالا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفير ودرهم لعمري لنعم الحي حر عليهم ... بما لا يواتيهم حصين بن ضمضم وكان طوى كشحاً على مستكة ... فلا هو أبداها ولم يتجمجم وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألف من ورائي ملجم فشد ولم تفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعاً، وإلا يبد الظلم بظلم رعوا ما رغوا من ظمئهم ثم أوردوا ... غماراً تسيل بالرماح وبالدم فقضوا منايا بينهم ثم أصدروا ... إلى كلأ مستوبل متوخم لعمرك ما جرت عليهم رماحهم ... دم ابن نهيك أو قتيل المثلم ولا شاركوا في القوم في دم نوفل ... ولا وهب منهم ولا ابن المحزم فكلأ أراهم أصبحوا يعقلونهم ... علالة ألف بعد ألف مصتم تساق إلى قوم لقوم غرامة ... صحيحات مال طالعات بمخرم لحي حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طلعت إحدى الليالي بمعظم كرام فلاذوا لوتر يدرك وتره ... لديهم ولا الجاني عليهم بمسلم سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم اليأس يظلم ومن هاب أسباب المنية يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلم ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهدم ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم ومن يغترب يحسب عدواً صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يوماً من الدهر يسأم تحليل لمعلقة زهير

стр. 48

هذه المعلقة هي أثر آخر من آثار البلاغة العربية القديمة، يقع في تسعة وخمسين بيتاً، وصاحبها هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رباح المزني. نشأ في أقاربه بني غطفان وتخرج في الشعر على خال أبيه بشامة بن الغدير، وكان يروي لأوس بن حجر أيضاً وكان أوس زوج أمه، فكان شاعراً فحلاً، كما كان صائب الرأي عاقلاً حازماً حكيماً وكان يتأله ويتعفف في شعره.. ويدل شعره على إيمان بالبعث: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم وفضله عمر بن الخطاب على الشعراء، لأنه كان لا يعاظل بين القول ولا يتبع حوشي الكلام ولا يمدح الرجل إلا بما هو فيه. وكان زهير أحكمهم شعراً، وأبعدهم من سخف وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق وأشدهم مبالغة في المدح. كانت حرب داحس والغبراء بين عبس وبيان تؤرق زهيراً وتضنيه، وتثير شاعريته. ولما سعى هرم بن سنان والحارث بن عوف المريان في الصلح وحقن الدماء وتحملا ديات القتلى أنطلقت تلك المأثرة زهيراً، فنظم معلقته هذه يمدح هذين السيدين، وينوه بعملهما الجليل ويدعو إلى السلم وينفر من الحرب ويصف مآسيها وآلامها، وهي قصيدة رائعة، تمتاز بحكمها الكثيرة، وكان زهير ذا حكمة في شعره.. وقد بدأ زهير معلقته بذكر الديار وزيارته لها ووقوفه فيها عشرين عاماً طوالاً يتذكر ذكريات حبه ووفائه، قال: أمن أم أوفى دمنه لم تكلم ... بحوماته الدراج فالمتثلم وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأياً عرفت الدار بعد توهم فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحاً أيها الربع واسلم ثم أخذ يصف النساء اللاتي ارتحلن عنها، فيتبعن ببصره كئيباً حزيناً، ويصف الطريق التي سلكنها، والهوادج التي كن فيها، والمياه التي نزلنها، في عذوبة وسهولة وجمال، إلى أن يقول: فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم تذكرني الأحلام ليلى ومن تطف ... عليه خيالات الأحبة يحلم ثم ينتقل إلى مدح هرم الحارث والإشادة بمنقبتهما الكريمة في إنقاذ السلام وإطفاء الحرب بين عبس وذبيان وتحملهما ديات القتلى من ما لهما، وقد بلغت ثلاثة آلاف بعير. قال: سعى ساعياً "غيظ بن مرة" بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم يميناً لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم تداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم وقد قلتما إن ندرك السلم واسعاً ... بمال ومعروف من الأمر نسلم فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومآثم ثم ندد بالحرب ووصف فظائعها؛ ودعا إلى السلم وأكده وأوجبه على المتحاربين، قال: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضربتموها فتضرم ثم ينصح قومه بأن يبقوا على السلم، ويندد بالحصين بن ضمضم وبآثار عمله في تهييج الشر وإعادة نار المحرب، وكان الحصين حين اجتمع القوم للصلح قد حمل على رجل له عنده ثأر في الحرب فقتله، ويعيد التنويه بالرجلين اللذين احتملا ديات القتلى واحداً واحداً على غير جريرة كانت منهما. ثم ينتقل من هذا المجال الرهيب مجال النصح والتوجيه وتأكيد السلام، إلى مجال الحكمة الإنسانية العامة، حكمة الرجل المجرب للحياة الذي ذاقها وخبرها، وعاش في خضمها، ثم امتد به العمر فزهدها وانصرف عنها.. قال: ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عند ويذمهم إلى أن قال: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولاً لا أبالك يسأم وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم ويختمها بتأكيد معروف السيدين الممدوحين عليه فيقول: سألنا فأعطيتم وعدنا فعدتم ... ومن يكثر التسآل يوماً سيحرم - ٢ - وقال أيضاً يمدح سنان بن أبي حارثة المري: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقل

стр. 49

وقد كنت من سلمى سبين ثمانيا ... على صبر أمر ما يمر وما يحلو وكنت إذا ما جئت يوماً لحاجة ... مضت وأجمت، حاجة الغد ما تخلو وكل محب أحدث النأي عنده ... سلو فؤاد غير حبك ما يسلو تأوبني ذكر الأحبة بعده ما ... هجعت ودوني قلة الحزن فالرمل فأقسمت جهداً بالمنازل من منى ... وما سحقت فيها المقادم والقمل لأرتحلن بالفجر ثم لأدأبن ... إلى الليل إلا أن يعرجني طفل إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم ... أصاغرهم وكل فحل له نجل تربص فإن تقو المروراة منهم ... وداراتها لا تقو منهم إذن نخل فإن تقويا منهم فإن محجراً ... وجزع الحسا منهم إذن قلما يخلو بلاد بها ندمتهم وألفتهم ... فإن تقويا منهم فإنهما بسل إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم ... طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل بخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديماً من مناياهم القتل عليها أسود ضاريات لبوسهم ... سوابغ بيض لا تخرقها النبل إذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل قضاعية أو أختها مضرية ... يحرق في حافاتها الخطب الجزل تجدهم على ما خيلت هم إزاءها ... وإن أفسد المال الجماعات والأزل يحشونها بالمشرفيات والقنا ... وفتيان صدق لا ضعاف ولا نكل تهامون نجديون كيداً ونجعة ... لكل أناس من وقائعهم سجل هم ضربوا عن فرجها بكتيبة ... كبيضاء حرس في طوائفها الرجل متى يشتجر قوم تفل سرارتهم ... هم بيننا فهم رضا وهم عدل هم جددوا أحكام كل مضلة ... من العقم لا يلقى لأمثالها فصل بعزمة مأمور مطيع وآمر ... مطاع فلا يلقى لحزمهم مثل ولست بلاق بالحجاز مجاورا ... ولا سفراً إلا له منهم حبل بلاد بها عزوا معدا وغيرها ... مشاربها عذب وأعلامها ثمل هم خير حي من معد علمتهم ... لهم نائب في قومهم ولهم فضل فرحت بما خبرت عن سيديكم ... وكانا امرأين كل أرهما يعلو رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو تداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل فأصبحتما منها على خير موطن ... سبيلكما فيه وإن أحرثوا سهل إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الحجرة الأكل رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطيناً بها حتى إذا نبت البقل هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن يسروا يغلوا وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل على مكتريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل وإن قام فيهم حامل قال قاعد ... رشدت، فلا غرم عليك ولا خذل سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا، ولم يليموا، ولم يألوا فما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في مناتها النخل - ٣ - وقال يمدح خصن بن حذيفة بن بدر: صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله وأقصرت عما تعلمين وسددت ... علي سوى قصد السبيل معادله وقال العذارى إنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط زايله فأصبحت ما يعرفن إلا خليفتي ... وإلا سواد الرأس والشيب شامله لمن طلل كالوحي عاف منازله ... عفا الرس منه فالرسيس فعاقله فرقد فصارات فأكناف منعج ... فشرقي سلمى: حوضه فأجاوله فوادي البدي فالطوي فنادق ... فوادي القنان: جزعه فأفاكله وغيث من الوسمي حو تلاعه ... أجابت روابيه النجا وهواطله هبطت بممسود النواشر سابح ... ممر أسيل الخد نهد مراكله تميم فلوناه فأكمل صنعه ... فتم وعزته يداه وكاهله أمين شظاه لم يخرق صفاقة ... بمنقبة ولم تقطع أباجله

стр. 50

إذا ما غدونا نبتغي الصيد مرة ... متى نره فإننا لا نخاتله فبينا نبغي الصيد جاء غلامنا ... يدب ويخفى شخصه ويضائله فقال شياه راتعات بقفرة ... بمستأسد القريان حو مسائله ثلاث كأقواس السراء مسحل ... قد اخضر من لس الغمير جحافله وقد خرم الطراد عنه جحاشه ... فلم تبق إلا نفسه وحلائله فقال: أميري ما ترى رأي ما نرى ... أنختله عن نفسه أم نصاوله فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عمن نفسه ونزاوله ونضربه حتى اطمأن قذاله ... ولم يطمئن قلبه وخصائله وملجمنا ما إن ينال قذاله ... ولا قدماه الأرض إلا أنامله فلأياً بلأي ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله فقلت له سدد وأبصر طريقه ... وما هو فيه عن وصاتي شاغله وقلت: تعلم أن للصيد غرة ... وإلا تضبعها فإنك قاتله فتمع آثار الشياه وليدنا ... كشؤبوب غيث يحفش الأكم وابله نظرت إليه نظرة فرأيته ... على كل حال مرة هو حامله يثرن الحصى في وجهه وهو لاحق ... سراع تواليه صياب أوائله فرد علينا العير من دن إلفه ... على رغمه يدمى نساه وفائله ورحنا به ينضو الجياد عشية ... مخضبة أرساغه وعوامله بذي ميعة لا موضع الرمح مسلم ... لبطء ولا ما خلف ذلك خاذله وأبيض فياض يداه غمامة ... على معئفيه ما تغب فواضله بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله يفدينه طوراً وطوراً يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله فأقصرن منه عن كريم مرزأ ... عزم على الأمر الذي هو فاعله أخي ثقة لا تتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله وذي نسب ناء بعيد وصلته ... بمال وما يدري بأنك واصله وذي نعمة تممتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحق باطله دفعت بمعروف من القول صائب ... إذا ما أضل الناطقين مفاصله وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله عبأت له حلماً وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله حذيفة ينميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ يعلو على من يطاوله ومن مثل حصن في الحروب، ومثله ... لإنكار ضيم، أو لأمر يحاوله؟ أبي الضيم والنعمان يخرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله عزيز إذا حل الخليفان حوله ... بذي لجب لجاته وصواهله يهد له ما دون رملة عالج ... ومن أهله بالغور زالت زلازله وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله فأقبلت في الساعين أسأل عنهم ... سؤالك بالشيء الذي أنت جاهله - ٤ - وقال يمدح هرم بن سنان وأباه وإخوته: إن الخليط أجد البين فانفرقا ... وعلق القلب من أسماء ما علقا وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع وأمسى الرهن قد غلقا وأحلفتك ابنة البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل واهناً خلقا قامت تراءى بذي ضال لتحزنني ... ولا محالة أن يشتاق من عشقا بجيد مغزلة أدماء خازلة ... من الظباء تراعى شادناً خرقا كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من طيب الراح لما يعد أن عتقا شج لسقاة على ناجودها شبما ... من ماء لينة لا طرقاً ولا زنقا مازلت أرمقهم حتى إذا هبطت ... أيدي الركاب بهم من راكس فلقا دانية لشروري أو قفا أدم ... يسعى الحداة على آثارهم حزقا كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقى جنة سحقا تمطو الرشاء فتجري في ثنايتها ... من المحالة ثقباً رائداً قلقا لها متاع وأعوان غدون به ... قتب وغرب إذا ما أفرغ انسحقا وخلفها سائق يحذو إذا خشيت ... منه اللحاق تمد الصلب والعنقا وقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائماً دفقا يحيل في جدول تخبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا

стр. 51

بل اذكرن خير قبس كلها حسباً ... وخيرها نائلاً وخيرها خلقا القائد الخيل منكوباً دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا غزت سماناً فآبت ضمرا خدجا ... من بعد ما جنبوها بدناً عققا حتى يئوب بها عوجاً معطلة ... تشكو الدوابر والأنساء والصفقا يطلب شأو امرأين قدما حسنا ... نالا الملوك وبذا هذه السوقا هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا أغر أبيض فياض يفكك عن ... أيدي العناة وعن أعناقها الربقا وذاك أحزمهم رأياً إذا نب ... أمن الحوادث عادى الناس أو طرقا فضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... يعطى بذلك ممنوناً لا نزقا قد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا وليس مانع ذي قربى وذي رحم ... يوماً ولا معدما من خابط ورقا إن تلق يوماً على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كدب الليث عن أقرانه صدقا يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا هذا وليس كمن يعيا بخطته ... وسط الندى إذا ما ناطق نطقا لو نال حي من الدنيا بمنزلة ... أفق السماء لنالت كفه الأفقا - ٥ - وقال أيضاً: بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودك اشتياقاً أية سلكوا رد القيان جمال الحي فاحتملوا ... إلى الظهيرة أمر بينهم لبك ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إن الأمر مشترك ضحوا قليلاً قفا كتبان أسنمة ... ومنهم بالقسوميات معترك ثم استمروا وقالوا إن مشربكم ... ماء بشرقي سلمى قيد أوركك يغشى الحداة بهم وعث الكثيب كما ... يغشى السفائن موج اللجة العرك هل تبلغني أذني دراهم قلص ... يزحى أوائلها التبغيل والرتك مقورة تتبارى لا شوار لها ... إلا القطوع على الأنساع والورك مثل النعام إذا هيجتها ارتفعت ... على الواجب بيض بينها الشرك وقد أروح أمام الحي مقتنصاً ... قمراً مراتعها القيعان والنبك وصاحبي وردة نهد مراكلها ... جرداء لا فحج فيها ولا صكك مرا كفاتاً إذا ما الماء أسهلها ... حتى إذا ضربت بالسوط تبترك كأنها من قطا الأجباب حلأها ... ورد وأفرد عنها أختها الشرك جونية كحصاة القسم مرتعها ... بالسي ما تنبت القفعاء والحسك أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم ينصب له السبك لا شيء أسرع منها وهي طيبة ... نفساً بما سوف ينجيها وتترك دون السماء وفرق الأرض قدرهما ... عند الذنابى، فلا فوت ولا درك عند الذنابي لها صوت وأزملة ... يكاد يخطفها طوراً وتهتلك حتى إذا هوت كف الغلام لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك ثم استمرت إلى الوادي فألجأها ... منه وقد طمع الأظفار والحنك حتى استغاثت بماء لا رشاء له ... من الأباطح في حافاته البرك مكلل بأصول النبت تنسجه ... ريح خريق لضاحي مائه حبك كما استغاث بسيء فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك فزل عنها وأوفى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمى رأسه النسك هلا سألت بني الصيداء كلهم ... بأي حبل جوار كنت أمتسك فلن يقولوا بحبل واهن خلق ... لو كان قومك في أسبابه هلكوا يا حار لا أرمين منكم بداهية ... لم يلقها سوقة قبلي ولا ملك فاردد يساراً لا تعف علي ولا ... تمعك بعرضك إن الغادر المعك ولا تكونن كأقوام علمتهم ... يلوون ما عندهم حتى إذا نهكوا طابت نفوسهم عن حق خصمهم ... مخافة الشر فارتدوا لما تركوا تعلمن ها "لعمر الله" ذا قسما ... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك لئن حللت بجو في بني أسد ... في دين غمرو وحالت بيننا فدك ليأتينك مني منطق قذع ... باق كما دنس القبطية الودك - ٦ - وقال أيضاً:

стр. 52

تعلم أن شر الناس حي ... ينادي في شعارهم يسار ولولا عسبه لرددتموه ... وشر منيحة عسب معار إذا جمحت نساؤكم إليه ... أشظ كأنه مسد مغار يبربر حين يغدو من بعيد ... إليها وهو قبقاب قطار كطفل ظل يهدج من بعيد ... ضئيل الجسم يعلوه انبهار إذا أبزت به يوماً أهلت ... كما تبزى الصفائد والعشار فأبلغ إن عرضت لهم رسولا ... بني الصيداء إن نفع الجوار فإن الشعر ليس له مرد ... إذا ورد المياه به التجار - ٧ - وقال أيضاً: أبلف بني نوفل عني وقد بلغوا ... مني الحفيظة لما جاءني الخبر القائلين يساراً لا تناظره ... غشاً لسيدهم في الأمر إذا أمروا إن ابن ورقاء لا تخشى غوائله ... لكن وقائعه في الحرب تنتظر لولا ابن ورقاء والمجد التليد له ... كانوا قليلاً فما عزوا ولا كثروا المجد في غيرهم لولا مآثره ... وصبره نفسه والحرب تستعر أولى لهم ثم أولى أن تصيبهم ... مني بواقر لا تبقي ولا تذر وأن يعلل ركبان المطي بهم ... بكل قافية شنعاء تشتهر - ٨ - وقال أيضاً يمدح الحارث: أبلغ لديك بني الصيداء كلهم ... أن يساراً أتانا غير مغلول ولا مهان ولكن عند ذي كرم ... وفي حبال وفي غير مجهول يعطي الجزيل ويسمو وهو متئد ... بالخيل والقوم في الرجراجة الجول وبالفوارس من ورقاء قد علموا ... فرسان صدق على جرد أبابيل في حومة الموت إذ ثابت حلائبهم ... لا مقرفين، ولا عزل، ولا ميل في ساطع من غيابات ومن رهج ... وعثير من دقاق الترب منخول أصحاب زند وأيام لهم سلفت ... من حاروا أعذبوا عنه بتنكيل أو صالحوا فله أمن ومنتفذ ... وعقد أهل وفاء غير مخذول - ٩ - وقال يمدح هرم بن سنان المري: قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم لا الدار غيرها بعدي الأنيس ولا ... بالدار لو كلمت ذا حاجة صمم دار لأسماء بالغمريز ماثلة ... كالوحي ليس بها من أهلها أرم وقد أراها حديثاً غير مقوية ... السر منها فوادي الجفر فالهدم فلا لكان إلى وادي الغمار، ولا ... شرقي سلمى، ولا قيد، ولا رهم شطت بهم قرقرى: برك بأيمنهم ... والعاليات، وعن أيسارهم خيم عوم السفين، فلما حال دونهم ... فند الفريات فالعتكان فالكرم كان عيني وقد سال السليل بهم ... وعبرة ما هم لو أنهم أمم! غرب على بكرة أو لؤلؤ قلق ... في السلك خان به رباته النظم عهدي بهم يوم باب القريتين ... زال الهماليج بالفرسان واللجم فاستبدلت بعدنا داراً يمانية ... ترعى الخريف فأدنى دارها ظلم إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظلم وإن أتاه خليل يوم مسئلة ... يقول لا غاثب مالي ولا حرم القائد الخيل منكوباً دوابرها ... منها الشنون ومنها الزاهق الزهم قد عوليت فهي مرفوع جواشنها ... على قوائم عوج لحمها زيم تنبذ أفلاءها في كل منزلة ... تفتح أعينها العقبان والرخم فهي تتلع بالأعناق يتبعها ... خلج الأجرة في أشداقها ضجم تخطو على ربذات غير فائرة ... تحذى وتعقد في أرساغها الخدم قد أبدأت قطفاً في المشي منشرة ال ... أكتاف تنكبها الحزان والأكم يهوى بها ماجد سمح خلائقه ... حتى إذا ما أناخ القوم فاحتزموا صدت صدوداً عن الأشوال واشترفت ... فبلا تقلقل في أعناقها الجذم كانوا فريقين يصغون الزجاج على ... قعس الكواهل في أكتافها شمم وآخرين ترى الماذي عدتهم ... من نسج داود أو ما أورثت إرم هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكصون إذا ما استلحموا وحموا ينظر فرسانهم أمر الرئيس وقد ... شد السروج على أثباجها الحزم يمرونها ساعة مرياً بأسوقهم ... حتى إذا ما بدا للغارة النعم

стр. 53

شدوا جميعاً وكانت كلها نهزاً ... تحشك درتها الأرسان والجذم ينزعن إمة أقوام لذي كرم ... بحر يفيض على العافين إذ عدموا حتى تآوى إلى لا فاحش برم ... ولا شحيح إذا أصحابه غنموا يقسم ثم يسوي القسم بينهم ... معتدل الحكم لا هار ولا هشم فضله فرق أقوام ومجده ... مالم ينالوا وإن جادوا وإن كرموا قود الجياد وإصهار الملوك وصبر ... في مواطن لو كانوا بها سئموا ينزع إمة أقوام ذوي حسب ... مما ييسر أحياناً له الطعم ومن ضريبته التقوى ويعصمه ... من سيئ العثرات الله والرحم مورث المجد لا يغتال همته ... عن الرياسة لا عجز ولا سأم كالهندواني لا يحزنك مشهده ... وسط السيوف إذا ما تضرب البهم - ١٠ - وقال زهير أيضاً يمدح هرما: لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر؟ لعب الزمان بها وغيرها ... بعدى سوافي المور والقطر قفراً بمندفع النحائت من ... ضفوى أولات الضال والسدر دع ذا وعد القول في هرم ... حير البداة وسيد الحضر تالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عام الحبس والأصر أن نعم معترك الجياع إذا ... خب السفير وسابي الخمر ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر حامي الذمار على محافظة ال ... جلى أمين مغيب الصدر حدب على المولى الضريك إذا ... نابت عليه نوائب الدهر ومرهق النيران يحمد في ال ... لأواء غير معلن القدر ويقيك ما وفى الأكارم من ... حوب تسب به ومن غدر وإذا برزت به برزت إلى ... صافي الخليقة طيب الخبر متصرف للمجد معترف ... للنائبات يراح للذكر جلد يحث على الجميع إذا ... كره الظنون جوامع الأمر فلأنت تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى ولانت أشجع حين تتجه ال ... أبطال من ليث أبي أجر ورد عراض الساعدين حدي ... د الناب بين ضراغم غثر يصطاد أحدان الرجال فما ... تنفك أجريه على ذحر والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر أثنى عليك بما علمت وما ... سلفت في النجدات والذكر لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر - ١١ - وقال أيضاً: عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم الحساء فذو هاش فميث عريينات ... عفتها الريح بعدك والسماء فذروة فالجناب كأن خنس النعاج ... الطاويات بها الملاء يشمن بروقه ويرش أرى ال ... جنوب على حواجبها العماء فلما أن تحمل آل ليلى ... جرت بيني وبينهم ظباء جرت سنحاً فقلت لها أجيزي ... نوى مشمولة فمتى البقاء؟ تحمل أهلها منها فبانوا ... على آثر من ذهب العفاء كأن أوابد الثيران فيها ... هجائن في مغابنها الطلاء لقد طالبتها ولكل شيء ... وإن طالت لجاجته انتهاء تنازعها المها شبهاً ودر الن ... حور وشاكهت فيها الظباء فأما ما فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاء وأما المقلتان فمن مهاة ... وللدر الملاحة والصفاء فصرم حبلها إذ صرمته ... وعادى أن تلاقيها العداء بآرزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الركاب ولا خلاء كأن الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء أصك مصلم الأذنين أجنى ... له بالسي تنوم وآء أذلك أم شتيم الوجه جأب ... عليه من عقيقته عفاء تربع صارة حتى إذا ما ... فنى الدحلان عنه والإضاء ترفع للقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاء فأوردها حياض صنيبعات ... فألفاهن ليس بهن ماء فشج بها الأماعز فهي تهوى ... هوي الدلو أسلمها الرشاء فليس لحاقه كلحاق إلف ... ولا كنجائها منه نجاء وإن مالا لوعث خازمته ... بألواح مفاصلها ظماء يخر نبيذها عن حاجبيه ... فليس لوجهه منه غطاء يغرد بين خرم مفضيات ... صواف لم يكدرها الدلاء

стр. 54

يفضله إذا اجتهدا عليه ... تمام السن منه والذكاء كأن سحيله في كل فجر ... على أحساء يمئود دعاء فآض كأنه رجل سليب ... على علياء ليس له رداء كأن بريقه برقان سحل ... جلا عن متنه حرض وماء فليس بغافل عنها مضيع ... رعيته إذ غفل الرعاء وقد أغدو على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء لهم راح وراووق ومسك ... تعل به جلودهم وماء يجرون البرود قد تمشت ... حميا الكأس فيهم والغناء تمشى بين قتلى قد أصيبت ... نفوسهم ولم تغرق دماء وما أدرى وسوف إخال أدرى ... أقوم آل حصن أم نساء فإن قالوا: النساء مخبئات ... فحق لكل محصنة هداء وإما أن يقول بنو مصاد ... إليكم إننا قوم براء وإما أن يقولوا قد وفينا ... بذمتنا فعادتنا الوفاء وإما أن يقولوا قد أبينا ... فشر مواطن الحسب الإباء وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو حلاء فذلكم مقاطع كل حق ... ثلاث كلهن شفاء فلا مستكرهون لما منعتم ... ولا تعطون إلا أن تشاءوا جوار شاهد عدل عليكم ... وسيان الكفالة والتلاء بأي الجيرتين أجرتموه ... فلم يصلح لكم إلا الأداء وجار شار معتمداً إليكم ... أجاءته المخافة والرجاء فجاور مكرماً حتى إذا ما ... دعاه الصف وانقطع الشتاء ضمنتم ماله وغدا جميعاً ... عليكم نقصه وله النماء ولولا أن ينال أبا طريف ... إسار من مليك أو لحاء لقد زارت بيوت عليم ... من الكلمات آنية ملاء فتجمع أيمن منا ومنكم ... بقسمة تمور بها الدماء سيأتي آل حصن حيث كانوا ... من المثلات باقية ثناء فلم أر معشراً أسروا هدياً ... ولم أر جاء بيت يستباء وجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي عقدهما سواء أبى الشهداء عندك من معد ... فليس لما تدب له خفاء تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء غصصت بنيئها فبشمت منها ... وعندك لو أردت لها دواء وإني لو لقيتك فاجتمعنا ... لكان لكل مندية لقاء فأبرئ موضحات الرأس منه ... وقد يشفى من الجرب الهناء فمهلاً آل عبد الله عدوا ... مخازي لا يدب لها الضراء أرونا سنة لا عيب فيها ... يسوى بيننا فيها السواء فإن تدعوا السواء فليس بيني ... وبينكم بني حصن بقاء ويبقى بيننا قدع وتلفوا ... إذن قوماً بأنفسهم أساءوا وتوقد ناركم شرراً ويرفع ... لكم في كل مجمعة لواء - ١٢ - وقال زهير أيضاً يمدح هرما: لمن طلل برامة لا يريم ... عفا وخلا له حقب قديم تحمل أهله منه فبانوا ... وفي عرصاته منهم رسوم يلحن كأنه يدا فتاة ... ترجع في معاصمها الوشوم عفا عن آل ليلى بطن ساق ... فأكثبة العجالز فالقصيم تطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطلع الدين الغريم لعمر أبيك ما هرم بن سلمى ... بملحي إذا اللؤماء ليموا ولا ساهى الفؤاد ولاعبي ال ... لمسان إذا تشاجرت الخصوم وهو غبث لنا في كل عام ... يلوذ به المخول والعديم وعود قومه هرم عليه ... ومن عاداته الخلق الكريم كما قد كان عودهم أبوه ... إذا أزمتهم يوماً أزوم كبيرة مغرم أن يحملوها ... تهم الناس أو أمر عظيم لينجو من سلامتها وكانوا ... إذا شهدوا العظائم لم يليموا كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم وإن سدت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم مخوف بأسه يكلاك منه ... عتيق لا ألف ولا سئوم له في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم - ١٣ - وقال أيضاً: ألا أبلغ لديك بني تميم ... وقد تأتيك بالخبر الظنون بأن بيوتنا بمحل حجر ... بكل قرارة منها نكون إلى قلهى تكون الدار منا ... إلى أكتاف دومة فالجحون بأودية أسافلهن روض ... وأعلاها إذا خفنا حصون نحل بسهلها فإذا فزعنا ... جرى منهن بالأصلاء عون

стр. 55

وكل طوالة وأقب نهد ... مراً كلها من النعداء جون تصمر بالأصائل كل يوم ... تسن على سنابكها القرون وكانت تشتكي الأضغان منها ال ... لجون الخب واللحج الحرون وخرجها صوارخ كل يوم ... فقد جعلت عرائكها تلين وعزتها كواهلها وكلت ... سنابكها وقدحت العيون إذا رفع السياط لها تمطت ... وذلك من علالتها متين ومرجعها إذا نحن انقلبنا ... نسيف البقل واللبن الحقين فقري في بلادك إن قوماً ... متى يدعوا بلادهم يهونوا أو انتجعي سناناً حيث أمسى ... فإن الغيث منتجع معين متى تأتيه تأتي لج بحر ... تقاذف في غواربه السفين له لقب لباغي الخير سهل ... وكيد حين تبلوه متين - ١٤ - وقال أيضاً: رأيت بني آل امرئ القيس أصفقوا ... علينا وقالوا: إننا نحن أكثر سليم بن منصور وأفناه عامر ... وسعد بن بكر والنصور وأعصر خذوا حظكم يا آل عكرم واذكروا ... أواصرنا والرحم بالغيب تذكر خذوا حظكم من ودنا إن قربنا ... إذا ضرستنا الحرب نار تسعر وإنا وإياكم إلى ما تسومكم ... لمثلان أو أنتم إلى الصلح أفقر إذا ما سمعنا صارخاً معجت بنا ... إلى صوته ورق المراكل ضمر وإن شل ريعان الجميع مخافة ... نقول جهاراً ويلكم لا تنفروا على رسلكم إنا سنعدي وراءكم ... فتمنعكم أرماحنا أو سنعذر وإلا فإنا بالشر به فاللوى ... نعقر أمات الرباع ونيسر - ١٥ - وقال أيضاً: لعمرك والخطوب مغيرات ... وفي طول المعاشرة التقالي لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي - ١٦ - وقال أيضاً: إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت إن الركاب لتبتغي ذا مرة ... بجنوب نخل إذا الشهور أحلت ينعون خير الناس عند كريهة ... عظمت رزيتهم هناك وجلت ولنعم حشو الدرع كان إذا سطا ... نهلت من العلق الرماح وعلت - ١٧ - وقال زهير أيضاً: ألا ليت شعري هل ترى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا بدا لي أن الله حق فزادني ... إلى الحق تقوى الله ما كان باديا بدا لي أن الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا وإني متى أهبط من الأرض تلعة ... أجد أثراً قبلي جديداً وعافيا أراني إذا ما بت بت على هوى ... وأني إذا أصبحت أصبحت غاديا إلى حفرة أهدى إليها مقيمة ... يحث إليها سائق من ورائيا كأني وقد خلفت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقي شيء إذا كان جاثيا أراني إذا ما شئت لاقيت آية ... تذكرني بعض الذي كنت ناسيا وما إن أرى نفسي تقيها كريهتي ... وما إن تقي نفسي كرائم ماليا ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالداً إلا الجبال الرواسيا وإلا السماء والبلاد وربنا ... وأيامنا معدودة واللياليا ألم تر أن الله أهلك تبعاً ... وأهلك لقمان بن عاد وعاديا وأهلك ذا القرنين من قبل ما ترى ... وفرعون جباراً طغى والنجاشيا ألا لا أرى ذا أمة أصبحت به ... فتتركه الأيام وهي كما هيا ألم تر للعمان كان بنجوة ... من الشر لو أن امرأ كان ناجيا فغير منه ملك عشرين حجة ... من الدهر يوم واحد كان غاويا لم أر مسلوباً له مثل ملكه ... أقل صديقاً باذلاً أو مؤاسيا فأين الذين كان يغطى جياده ... بأرسائهن والحسان الغواليا وأين الذين كان يعطيهم القرى ... بغلاتهن والمئين الغواديا وأين الذين يحضرون جفانه ... إذا قدمت ألقوا عليها المراسيا رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا أنها هيا خلا أن حياً من رواحة حافظوا ... وكانوا أناساً يتقون المخازيا فساروا له حتى أناخوا ببابه ... كرام المطايا والهجان المتاليا فقال لهم خيراً وأثنى عليهم ... وودعهم وداع أن لا تلاقيا

стр. 56

وأجمع أمراً كان ما بعده له ... وكان إذا ما اخلولج الأمر ماضيا - ١٨ - وقال زهير أيضاً لأم ولده كعب: قالت أم كعب لا تزرني ... فلا والله مالك من مزار رأيتك عبتني وصددت عني ... فكيف عليك صبري واصطباري فلم أفسد بنبك ولم أقرب ... إليك من الملمات الكبار أقيمي أم كعب واطمئني ... فإنك ما أقمت بخير دار - ١٩ - وقال زهير يمدح هرم بن سنان أيضاً عن أبي عمرو المفضل: خشيت دياراً بالبقيع فثهمد ... دوارس قد أقوين من أم معبد أربت بها الأرواح كل عشية ... فلم يبق إلا آل خيم منضد وغير ثلاث كالحمام خوالد ... وهاب محيل هامد متلبد فلما رأيت أنها لا تجيبني ... نهضت إلى وجناء كالفحل جلعد جمالية لم يبق سيري ورحلتي ... على ظهرها من نيها غير محفد متى ما تكلفها مآبة منهل ... فتستعف أو تنهك إليه فتجهد برده ولما يخرج السوط شأوها ... مروحاً جنوح الليل ناجية الغد كهمك إن تجهد تجدها نجيحة ... صبوراً وإن تسترخ عنها تزيد وتنضح ذفراها بجون كأنه ... عصيم كحيل في المراجل معقد وتلوى بربان العسيب تمره ... على فرج محروم الشراب مجدد تبادر أغوال العشي وتاتقي ... علالة ملوي من القد مخصد كخنساء سفعاء الملاطم حرة ... مسافرة مزؤودة أم فرقد غدت بسلاح مثله يتقى به ... ويؤمن جأش الخائف المتوحد وسامعتين تعرف العتق فيهما ... إلى جذر مدلوك الكعوب محدد وناظرتين تطرحان قذاهما ... كأنهما مكحولتان بإثمد طباها ضحاء أو خلاء فحالفت ... إلي السباع في كناس ومرقد أضاعت فلم تغفر لها خلونها ... فلاقت بياناً عند آخر معهد دماً عند شلو تخجل الطير حوله ... وبضع لحام في إهاب مقدد وتنفض عنها غيب كل خميلة ... ونخشى رماة الغوث من كل مرصد فجالت على وحشيها وكأنها ... مسربلة في رزاقى معضد ولم تدر وشك البين حتى رأتهم ... وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد وثاروا بها من جانبيها كليهما ... وحالت وإن تجشمنها الشد تجهد تبذ الألى يأتينها من ورائها ... وإن تتقدمها السوابق تصطد فأنقذها من غمرة الموت أنها ... رأت أنها إن تنظر النبل تقصد نجاء مجد ليس فيه وتيرة ... وتذيبها عنها بأسحم مذود وجدت فألقت بينهن وبينها ... غباراً كما فارت دواخن غرقد بملتئمات كالخذاريف قوبلت ... إلى جوشن خاطى الطريقة مسند إلى هرم تهجيرها ووسيجها ... تروح من الليل التمام وتغتدي إلى هرم سارت ثلاثاً من اللوى ... فنعم مسير الواثق المتعمد سواء عليه أي حين أتيته ... أساعة نحس يتقي أم بأسعد أليس بضراب الكماة بسيفه ... وفكاك أغلال الأسير المقيد كليث أبي شبلين يحمي عرينه ... إذا هو لاقى نجدة لم يعرد ومدره حرب حميها يتقى به ... شديد الرجام باللسان وباليد وثقل على الأعداء لا يضونه ... وحمال أثقال ومأوى المطرد أليس بفياض يداه عمامة ... ثمال اليتامى في السنين محمد إذا ابتدرت قيس بن عيلان غاية ... من المجد من يسبق إليها يسود سبقت إليها كل طلق مبرز ... سبوق إلى الغايات غير مجلد كفضل جواد الخيل يسبق عفوه ال ... راع وإن يجهدن يجهد ويبعد تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي القربى ولا بحقلد سوى ربع لم يأت فيه مخونة ... ولا رهقاً من عائذ متهود يطيب له أو افتراض بسيفه ... على دهش في عارض متوقد فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد ولكن منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزود تزود إلى يوم الممات فإنه ... ولو كرهته النفس آخر موعد - ٢٠ - وقال يمدح سنان بن أبي حارثة: أمن آل ليلى عرفت الطلولا ... بذي حرض ماثلات مثولا بلين وتحسب آياته ... ن عن فرط حولين رقاً محيلا إليك سنان الغداة الرحي ... ل أعصى النهاة وأمضى الفئولا

стр. 57

فلا تأمني غزو أفراسه ... بني وائل وازهبيه جديلا وكيف اتقاء امرئ لا يئو ... ب بالقوم في الغزو حتى يطيلا بشعث معطلة كالقسي ... غزون مخاضاً وأدين حولا نواشز أطباق أعناقها ... وضمرها قافلات قفولا وإذا أدلجوا لحوال الغوا ... ر لم تلف في القوم نكساً ضئيلا ولكن جلداً جميع السلا ... ح ليلة ذلك عضاً بسيلا فلما تبلج ما فوقه ... أناخ فشن عليه الشليلا وضاعف من فوقها نثرة ... يرد القواضب عنها فلولا مضاعفة كأضاة المسي ... ل تغشى على قدميه فضولا فنهنهها ساعة ثم قا ... ل للوازعين خلوا السبيلا فأتبعهم فيلقاً كالسراب ... جأواء تتبع شخباً ثعولا عناجيج في كل رهو ترى ... رعالاً سراعاً تبارى رعيلا جوانح يخلجن الظبا ... ء يركضن ميلاً وينزعن ميلا فظل قصيراً على صحبه ... وظل على القوم يوماً طويلا @طرفة بن العبد ترجمته والمختار من شعره طرفة الشاعر الشاب ٥٤٠ - ٥٦٥ م ترجمة الشاعر تمهيد طرفة شاعر صاحب شخصية واضحة في شعره، وصاحب مذهب واضح في حياته، وداعية من دعاة اللهو واللذة والعبث، وشاب جمع إلى فتوة الشاب وطيشه حكمة الشيوخ وتفكيرهم، ويعجب النقاد والمستشرقون به وبشخصيته وشعره إعجاباً شديداً؛ وشعره صورة واضحة لحياته كل الوضوح، بما كان فيها من مطامح وآمال وآلام وأحداث. أسرة الشاعر وبيئته ١ - وطرفة شاعر فحل من أعلام الشعر الجاهلي، وهو من ربيعة من بكر بن وائل إحدى قبيلتيها العظيمتين المشهورتين - وهما بكر وتغلب - فهو بكري ربعي. وربيعة أخت مضر في الشرف والسيادة وضخامة الحسب والقوة والعدد. وبكر أخت تغلب في المجد والجاه والعزة والأنفة، وهما جميعاً من ربيعة. ومن شعراء بكر: الحارث بن حلزة الشاعر الجاهلي المشهور والمعدود من أصحاب المعلقات، وتوفي أواخر القرن السادس الميلادي، ومنهم المرقش الأكبر والمرقش الأصغر. ذلك هو نسب الشاعر بين العرب وحسبه، أما أسرته القريبة فهي سعد بن مالك من بني قيس. إذ هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من بكر بن وائل من ربيعة بن نزار من عدنان الجد الأعلى للعرب الحجازيين العدنانيين كما علمت.. واسم طرفة عمرو، وكنيته أبو عمرو. ٢ - كان قومه في عزة ومنعة بعددهم وحسبهم وشرفهم ومكانتهم بين العرب وكان جده سفيان موصوفاً بالشرف والرئاسة، وكان أبو شاباً قوياً ظاهر الفتوة والجرأة والإقدام، مات وطرفة طفل صغير. وترك غير طرفة ابناً آخر اسمه معبد ورد ذكره في معلقة طرفة: إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد وأم طرفة اسمها وردة، وورد ذكرها في شعره، قال: ما تنظرون بحق وردة فيكمو ... صغر البنون ورهط وردة غيب ولا نعلم من أمر وردة هذه شيئاً آخر غير هذا البيت، ولكننا نعرف أن المتلمس الشاعر خال طرفة، فهو غالباً أخو وردة لأمه وأبيه، وتكون هي بنت عبد المسيح من بني ضبيعة من بكر من ربيعة من عدنان، فصلة القرابة واضحة بين أسرتي والدته وأبيه. ٣ - كان طرفة وقومه يعيشون في البحرين، وهي واقعة في شرق الجزيرة العربية وتمتد من عمان إلى حدود العراق، ومن أشهر مدنها هجر التي ضرب المثل بكثرة تمرها، فقالوا: "كناقل التمر إلى هجر"، ومن مدنها كذلك "قطر" كان يسكن البحرين قبائل كثيرة من العرب، وجوها جميل معتدل نوعاً لقربها من البحر، وهي قريبة من الحيرة وكانت تخضع لنفوذها.. والقبائل التي تعيش فيها والشعراء الذين نشأوا في أرضها لهم صلات واضحة بملوك الحيرة الذين يخضعون لنفوذ أكاسرة الفرس وسلطانهم. وهذه البقعة من أرض الجزيرة العربية قريبة من العراق وإيران، يمر بها الكثير من المسافرين بين هذه البلاد، وهي خاضعة للحيرة، والحيرة ملتقى الأفكار والديانات والمذاهب المختلفة، وتعيش في ظلال قسط من الحضارة، والنصرانية منتشرة فيها، فلابد أن يكون لكل هذه العوامل الظاهرة أثرها في عقلية أبنائها وتفكيرهم في الحياة، وفي عقلية وتفكير شاعرنا طرفة بوجه خاص.

стр. 58

٤ - ولا يفوتنا أن نذكر أن المرقش الأصغر والمرقش الأكبر من أسرة طرفة الشاعر. فالمرقش الأصغر ٥٦٠ م عم طرفة. والمرقش الأكبر ٥٥٢ م عم المرقش الأصغر. ومن أقارب طرفة خاله المتلمس ٥٨٠ م. ويعد من الطبقة الثانية عند بعض النقاد، وله قصيدة سينية في الجمهرة وقد نظمها بعد قتل ابن أخته طرفة يوقظ فيها بكراً ويدعوها إلى الانتقام من عمرو بن هند ملك الحيرة، ويقول فيها: يا آل بكر ألا لله أمكمو ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس أغنيت شاتي فأغنوا اليوم تيسكمو ... واستحمقوا في مراس الحرب أو كيسوا وتتصل حياة المتلمس بحياة طرفة اتصالاً وثيقاً، كما سترى فيما نقصه عليك في القريب. وترجم له ابن قتيبة. ويقول صاحب الأغاني عنه: "وهو من شعراء الجاهلية المغلين المفلسين ويرى صاحب "الأدب الجاهلي" على مذهبه من إنكار الشعر الجاهلي أن شعر المتلمس "مخترع منحول"، وأنه قد يكون المتلمس نفسه أيضاً شخصاً روائياً مخترعاً وهو رأي غريب. نشأة الشاعر وحياته ١ - لا ندري متى ولد طرفة على وجه التحديد. وإن كان قد أدرك عهد عمرو بن هند ملك الحيرة، وأمر عمرو بقتله في أوائل حكمه، وقد حقق بعض المؤرخين والمستشرقين أن عمرو بن المنذر الثالث المشهور بابن هند تولى ملك الحيرة عام ٥٦٢ م، فإذا كان طرفة قد قتل في مطلع حكمه، فيكون تاريخ موته نحو عام ٥٦٥ م، وإن كان جورجي زيدان يذكر أن وفاته سنة ٥٥٠ م. وقد قتل طرفة وهو شاب صغير في العشرين أو الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين من عمره على اختلاف الروايات، إذ تقول أخته الخرنق تبكيه: عددنا له ستاً وعشرين حجة ... فلما وتوفاها استوى سيدا ضخما فجعنا به لما رجونا إبابه ... على خير حال، لا وليدا ولا قحما فيكون ميلاد طرفة نحو عام ٥٤٠ ميلادية وتكون حياته على الراجح من سنة ٥٤٠ إلى ٥٦٥ م. ويجعل باحث آخر ميلاده عام ٥٣٨ م، والرأيان متقاربان. ٢ - نشأ طرفة في هذه البيئة العامة من بلاده، وتلك البيئة الخاصة من أسرته وحسنها، يجول ببصره في هذه الفيافي المترامية القبح ومشاهدها، ويصعد بفكره في هذه الحياة البدوية، وما خالطها من أفكار وأديان ومبادئ ليفهمها ويتمثلها، وأخذ يعيش بين حسب كريم وعدد كثير وحمية ظاهرة. ولكنه فوجئ وهو طفل صغير بوفاة والده، فكان لذلك أثره البليغ في نفسه وحياته، فكفله أعمامه وقاموا بواجب تربيته. وبعثت بيئته وحياته ووراثته مواهب الشاعرية في نفسه، فنظم الشعر وهو صغير، يصف فيه مناظر الصحراء وألوان حياته فيها، ولذاته منها، وما يجده من قومه من تقصير في حق رعايته، ويشيد فيه بمجد قومه وأحسابهم، ويذود عن شرفهم وحياضهم ويهجو خصومه وخصومهم. وكان ليتمه أثره الواضح فيه منذ حداثته فشب متوقد الذهن، مضطرم الشعور، حاد العاطفة سريع التأثر والغضب قوي الفطرة، صادق النظر يفزع إلى هجاء من يشعر منه بتقصير نحوه كما كان لحسبه ومجد قومه أثره في اعتزازه بنفسه، وتمجيده لشخصيته، وحبه الظهور بمظهر البطل الشجاع والشاب المقدام. وأول شعر قاله هو هذه الأبيات التي أنشدها حين وجد أعمامه يظلمونه ويغتصبون حقاً لوردة أمه إذ أبوا أن يقسموا مال أبيه، ومنعوا حق أمه منه فثارت نفسه واشتعلت شاعريته، وقال: ما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب والظلم فرق بين حي وائل ... بكر تساقبها المنايا تغلب إلى أن قال: أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب ٤ - وأخذ الشعر يميل إلى اللهو ويسرف فيه ويعتنق البطالة والدعة والعبث ويهجو قومه وسواهم، ويسير وفق رغبات نفسه ونوازعها. ويذهب إلى حوانيت الخمر ويشربها مع نداماه وأصدقاء لهوه. فأخذ أهله يلومونه وينصحونه ويعاتبونه، حتى ضاق بعتابهم، فاقتاد راحلته يسير متنقلاً بين القبائل والأحياء. سار إلى اليمامة وأناخ راحلته بفناء قتادة بن سلمة الحنفي فمدحه بقصيدة، ذكر فيها طرفة إسراف ابن عمه عبد عمرو في تنقصه وشتمه، ثم افتخر بنفسه، وخلص إلى مدح قتادة، وذكر ما كان من صنيعه مع قومه حين أتوه في قحط أصابهم فأكرم وفادتهم وبذل لهم من ماله وأكرم مثواهم ورفدهم، قال:

стр. 59

إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلاً بماء سحابة شتمي وأنا امرؤ ألوي من القص ... ر البادي وأغشى الدهم بالدهم وأصيب شاكله الرمية إن ... صدت بصفحتها عن السهم إلى أن قال: أبلغ قتادة غير سائله ... من الثواب وعاجل الشكم إني حمدتك للعشيرة إذ ... جاءت إليك مرقتة العظم ففتحت بابك للمكارم حين ... تواصت الأبواب بالأزم فسقى بلادك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمه تهمي وتعيره حبيبته لسيره في البلاد وتنقله فيها بعيداً عن أهله وبلاده فيقول: تعير سيري في البلاد ورحلتي ... ألا رب دار لي سوى حر دارك وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حبه إلا كآخر هالك ألا رب يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حي ومالك وطال تنقله في البلاد فذهب إلى اليمن، ثم رحل منها إلى النجاشي في الحبشة، وقال في اطراده إلى النجاشي قصيدته: لخولة بالأجزاع من إضم طلل. ولم فزعته الغربة وحرق قلبه الحنين إلى أهله وبلده، عاد إلى الموطن الذي هجره، فأمده أخوه "معبد" بمال من ماله، ولكنه أتلفه في لذاته ولهوه وعبثه. ٤ - ثم قصد أملاً في إصلاح حاله ملك الحيرة عمرو بن المنذر الثالث الذي يلقب باسم أمه حتى اشتهر بعمرو بن هند، وتولى ملك الحيرة عام ٥٥٤ م كما يقول البعض، أو عام ٥٦٢، أو ٥٦٣ كما يرجح آخرون. وكان الشعراء يرحلون إليه وينشدونه قصائدهم في مدحه فيجزل لهم العطاء. فوفد عليه طرفة مع خاله المتلمس فأحسن وفادتهما وجعلهما في حاشية أخيه قابوس بن المنذر وكان مرشحاً للملك بعده، وكان شاباً يميل إلى اللهو والترف، ويخرج إلى الصيد، فكان يخرج معه طرفة إذا خرج وينادمه على الشراب، وهكذا اطمأن به الحال، واستقرت حياته بعض الاستقرار. ولكن طرفة الشاعر لم يرضه أن يكون تابعاً لأحد، أو أن يشعر بأنه أقل شرفاً ومجداً من إنسان. ٥ - طرفة وابن عمه عبد عمرو: كان عبد عمرو بن بشر بن مرثد بن سعد بن مالك زوجاً للخرنق أخت طرفة، وكان عبد عمرو سيداً كريماً شجاعاً مطاعاً في قومه، ظاهر الثراء والقوة والفتوة، وكان من أجمل العرب، كما كان أثيراً رفيع المنزلة عند عمرو بن هند يداعيه وينادمه، وسيد أهل زمانه كما يقولون. فجاءت أخت طرفة تشكو إليه شيئاً من أمر زوجها، فغضب الشاعر وهجاه بعد ذلك بقصيدته: أيا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما ولا خير فيه غير أن له عني ... وأن له كشحا إذا قام أهضما يظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما وبدأت الخصمة والشحناء بين الشاعر وابن عمه، وفيه أيضاً يقول من قصيدة له: ألا أبلغ عبد الضلال رسالة ... وقد يبلغ الأنباء عنك رسول دببت بسري بعد ما قد علمته ... وأنت بأسرار الكرام نسول وكيف تضل القصد والحق واضح ... وللحق بين الصالحين سبيل ومنها: وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوارته لدليل قتل طرفة: ١ - كان ملك الحيرة عمرو بن هند جباراً عنيداً متكبراً، لا يرى في الناس من يدانيه شرفاً ومجداً، وكان له يوم بؤس ويوم نعيم كل سنة، يركب يوم بؤسه فيقتل أول من يلقاه، وفي يوم نعيمه يقف الناس ببابه فإن اشتهى حديث رجل أذن له فأصاب مجداً ومالاً وملك ثلاثاً وخمسين سنة، وكان العرب تهابه هيبة شديدة، وكان أخوه قابوس ولي عهده جباراً متكبراً مستبداً كذلك. ولم يرض طرفة الشاعر عن طغيانهما واستبدادهما وكبريائهما، فنظم قصيدة يهجوهما بها، وهي طويلة.. ومنها: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير ومنها: ولما أن أنخت إلى مليك ... مساكنه الخورنق والسدير لينجزني مواعد كاذبات ... بطي صحيفة فيها غرور فأوعدني فأخلف ثم ظني ... وبئس خليقة الملك الفجور وتمادى طرفة في هجاء عمرو بن هند وأسرته. ومما هجاه به قوله: ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضمها

стр. 60

تظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما ٢ - وبلغ ذلك عمرو بن هند فامتلأ حقداً وغضباً على طرفة وأضمر له الشر. قالوا: إن الذي نقل إليه أهاجي طرفة فيه هو عبد عمرو ابن عمر الشاعر، فثارت حفيظة الملك عليه، ولكنه كره العجلة عليه لمكان قومه فتظاهر بالرضا عن طرفة والتنويه به وبشعره، حتى أمن الشاعر ولم يخفه على نفسه وظن أنه قد رضي، فقدم طرفة والمتلمس على عمرو بن هند يتعرضان لفضله ومعروفه وكان المتلمس أيضاً قد هجا عمرو بن هند الملك في قصيدة من شعره، وكان في نفس الملك موجدة عليه يكتمها عنه كذلك. أظهر عمرو بن هند الاحتفاء بالشاعرين، وتلطف معهما تلطفاً جميلاً وكتب لكل منهما كتابا إلى عامله بالبحرين وأوهمهما أنه أمر لهما بعطاء كثير سيدفعه إليهما هذا العامل عندما يتوجهان إليه بهجر، وقال لهما: انطلقا إليه فخذا جوائزكما منه، وكان قد أعطاهما هدية من عنده وحملهما. ولعل إيثاره لهذا الأسلوب في الانتقام من الشاعرين لخوفه من قبيلتهما - بكر - حتى لا يرمى الملك بقتلهما، أو بمثابة الرد على قول طرفة في هجائه: لينجزني مواعد كاذبات ... بطي صحيفة فيها غرور كان مكتوباً في صحيفة المتلمس: "باسمك اللهم، من عمرو بن هند إلى المكعبر: إذا جاءك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً"، وكذلك كانت صحيفة طرفة. وخرج الشاعران من بلاط الملك، فلما وصلا النجف قال المتلمس: يا طرفة إنك غلام حديث السن، والملك من عرفت حقده وغدره، وكلانا قد هجاه فلست آمنا أن يكون قد أمر بشر، فهلم فلننظر في كتبنا هذه، فإن يكن قد أمر لنا بخير مضينا فيه، وإن تكن الأخرى لم نهلك أنفسنا، فأبى طرفة أن يفك خاتم الملك، وعدل المتلمس إلى غلام من غلمان الحيرة عبادي، فأعطاه الصحيفة ليقرأها، والغلام لا يعرف المتلمس ولا من كتب الصحيفة، فقرأها فقال: ثكلت المتلمس أمه، فانتزع المتلمس الصحيفة من يده، واتبع طرفة فلم يلحقه. ٣ - ألقى المتلمس الصحيفة في نهر الحيرة، وسار هارباً إلى الشام وهو يقول: وألقيتها بالشنى من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضلل رضيت لها بالماء لما رأيتها ... يجول بها التيار في كل جدول وأخيراً استقر به المقام عند بني غسان فأكرموا وفادته، وأخذ الشاعر يهجو ملوك الحيرة وبني المنذر، فشق ذلك على عمرو بن هند، وكان بنو غسان قد قتلوا أباه يوم "أباغ" فحلف ألا يدخل المتلمس العراق ولا يطعم بها حتى يموت، وكتب إلى عماله بنواحي الريف يأمرهم أن يأخذوا المتلمس إن قدروا عليه وهو يمتار طعاماً أو يدخل الريف، وفي ذلك يقول المتلمس يحرض قومه بعد قتل طرفة: يا آل بكر ألا لله دركمو ... طال الثواء وثوب العجز ملبوس ومنها: آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس وقال: أيها السائلي فإني غريب ... نازح عن محلتي وصميمي وقال: إن العراق وأهله كانوا الهوى ... فإذا نآنا ودهم فليبعدوا ومات ببصرى بأرض الشام نحو عام ٥٨٠ م. ٤ - وأما طرفة فقد سار حتى قدم على عامل البحرين ربيعة بن الحرث العبدي على الأرجح بهجر، فدفع إليه كتاب عمرو بن هند فقرأه فقال: هل تعلم يا طرفة ما أمرت به؟ قال: نعم، أمرت أن تجيرني وتحسن إلي. فقال: يا طرفة بيني وبينك خؤولة أنا لها راع حافظ فاهرب في ليلتك هذه فإني قد أمرت بقتلك، فاخرج قبل أن تصبح ويعلم بك الناس. فقال طرفة: اشتدت عليك جائزتي فأردت أن أهرب؟ فسكت ربيعة، وأصبح الصباح فأمر بحبسه ولم يقتله، وكتب إلى عمرو بن هند ابعث إلى عملك من تريد فإني غير قاتله، فبعث عمرو بن هند رجلاً من تغلب فاستعمله على البحرين وأمره بقتل طرفة وربيعة بن الحارث العبدي، فاجتمعت بكر تريد الفتك بالعامل الجديد، ولكنها لم تستطع، وجيء بطرفة إليه فقال له: إني قاتلك لا محالة فاختر لنفسك ميتة تهواها. فقال: إن كان ولابد فاسقني الخمر وافصدني. ففعل به ذلك، فما زال ينزف دمه حتى مات. قال صاحب الجمهرة ٢١٥ هـ وقبر طرفة اليوم معروف بهجر بأرض لبنى قيس بن ثعلبة، ويروى أنه قال قبل صلبه: فمن مبلغ أحياء بكر بن وائل ... بأن ابن عبد راكب غير راجل

стр. 61

على ناقة لم يركب الفحل ظهرها ... مدببة أطرافها بالمناجل وقال أيضاً: لعمرك ما تدري الطوارق بالحا ... ولا زاجرات الطير ما الله فاعل وهكذا انتهت حياة هذا الشاعر الشاب طرفة، وودع الدنيا وداع الناقم عليها، الساخط من ظلمها وآلامها، وكان قتله نحو عام ٥٦٥ م. ٦ - ورثت الخرنق أخاها طرفة وبكته بكاء شديدا، وهجت عبد عمرو الذي وشى به إلى الملك عمرو بن هند فقالت: ألا ثكلتك أمك عبد عمرو ... أبا الخزيات وأخيت الملوكا فيومك عند زانية هلوك ... تظل لرجع مزهرها ضحوكا وقال المتلمس يحرض قوم طرفة: أبني "قلابة" لم تكن عاداتكم ... خذ لدنية قبل خطة معضد وقال: من مبلغ الشعراء عن أخويهم ... خبرا فتصدقهم بذاك الأنفس أودى الذي علق الصحيفة منهم ... ونجا حذار حبائه المتلمس الق الصحيفة لا أبا لك إنه ... يخشى عليك من الحباء النقرس شعر طرفة أهم الدراسات عن طرفة وشعره والدراسات عن طرفة كثيرة، ولكنها لا تزال غامضة. ١ - ذكره ابن سلام ٢٣١هـ في كتابه "طبقات الشعراء". ٢ - وترجم له ابن قتيبة ٢٧٦ هـ في الشعر والشعراء ترجمة صغيرة جداً. ٣ - وذكر بعض أخباره أبو زيد الأنصاري ٢١٥ هـ في كتابه جمهرة أشعار العرب. ٤ - وذكر أبو الفرج بعض أخباره في الأغاني في ترجمته للمتلمس وفي مواضع أخرى. ٥ - وشرح الزوزني معلقته في كتابه "شرح المعلقات السبع" كما شرحها النعساني في كتابه "نهاية الأرب في شرح معلقات العرب" وقد ذكر كل منهما تصديراً للمعلقة ضمنه بعض أخباره، ورواها صاحب الجمهرة. وقد طبعها العلامة "وليرس" في مدينة بونا ١٨٢٩ م. ٦ - وطبع شعره مع شعر خمسة من شعراء الجاهلية هم امرؤ القيس والنابغة وزهير وعلقمة وعنترة في مجموعة تسمى "العقد الثمين" والذي جمعها هو والمستشرق الألماني وليم بن الورد البروسي، وطبع شعره أيضاً مع شعر امرؤ القيس وزهير في مجموعة أخرى مختصرة من الأولى سميت: العقد الثمين أيضاً، وهي منقولة عن النسخة المطبوعة في لندرة عام ١٨٧٠، وطبعت هذه المجموعة في المطبعة اللبنانية ببيروت سنة ١٨٨٦. وشرح ديوان يعقوب بن السكيت ٢٤٤ هـ، وشرحه أيضاً الأعلم الشنتمري، وقد نشر شرحه مع ترجمة فرنسية للمستشرق "مكس سلغسون" الذي كتب رسالة عن حياة طرفة ونال بها درجة علمية في التاريخ واللغات من جامعة باريس عام ١٨٩٢ م، وطبع هذا المستشرق أشعار طرفة بشالون بفرنسا سنة ١٩٠٠. ٧ - وعده صاحب كتاب "شعراء النصرانية" من شعراء النصارى وأرخ له (٢٩٨ - ٣٢٠ ج١) . ٨ - وترجم له البغدادي في خزانة الأدب ترجمة موجزة (٤١٤ - ١) وكذلك ترجم جورجي زيدان (١١٦-١) . ٩ - كما ترجم له الزيات وأصحابه الوسيط والمفصل والأستاذ هاشم في كتاب "الأدب العربي وتاريخه في العصر الجاهلي" والدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي وسواهم من الباحثين والمؤلفين. وذكره اسكندر ابكاريوس السوري في كتابه "روضة الأدب في طبقات شعراء العرب" وله ترجمة في حياة الحيوان للدميري وفي المجلة الآسيوية الفرنسية عام ١٨٤١ مقال عنه وعن المتلمس. طبقته وآراء النقاد فيه ١ - جعله ابن سلام الجمحي ٢٣١ هـ في الطبقة الرابعة من طبقات شعراء الجاهلية، وعد معه: عبيد بن الأبرص وعلقمة بن عبدة وعدي بن زبده. وقال عنه: وهو أشعر الناس واحدة. وجعله أبو عبيدة ٢٠٩ هـ في الطبقة الثانية مع الأغشى ولبيد، أما الطبقة الأولى عنده فهي: امرؤ القيس والنابغة وزهير. ووافقه على ذلك أبو زيد ٢١٥ في الجمهرة. ٢ - ويقول ابن مقبل في طرفة: هو أشعر الناس وكذلك يروى عن النضر بن شمبل أما أبو عمرو بن العلاء ١٥٤هـ فكان يقول: أشعر الناس أربعة: امرؤ القيس والنابغة وطرفة ومهلهل. ويقول قتيبة بن مسلم: أشعر الجاهلية امرؤ القيس وأضربهم مثلاً طرفة. ويقول لبيد بن ربيعة الشاعر الجاهلي المشهور: أشعر الناس الملك الضليل ثم الشاب القتيل ثم الشيخ أبو عقيل. وأشاد به وبشاعريته جرير والأخطل. كما ذكره المرزباني في كتابه الموشح والثعالبي في كتابه خاص الخاص.

стр. 62

٣ - ويقول ابن قتيبة فيه ما قاله ابن سلام: فهو أجودهم طويلة وهو صاحب المعلقة "لخولة أطلال" وليس عند الرواة من شعره وشعر عبيد بن الأبرص القليل. ويقول فيه صاحب الجمهرة: هو أشعرهم إذ بلغ بحداثة سنه ما بلغ القوم في طوال أعمارهم فجب وركض معهم. وسئل حسان من أشعر الناس فقال قبيلة أم قصيدة. قيل كلاهما قال أما أشعرهم قبيلة فهذيل، وأما أشعرهم قصيدة فطرفة. وسئل جرير من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا - البيت. وقال القالي في أماليه حدثنا أبو بكر بن الأنباري، نبأنا أبو حاتم، نبأنا عمارة بن عقيل، نبأنا أبي: يعني عقيل بن بلال، سمعت أبي يعني بلال بن جرير يقول عن أبيه جرير دخلت على بعض خلفاء بني أمية، فقال ألا تحدثني عن الشعراء؟ فقلت بلى قال: فمن أشعر الناس؟ قلت ابن العشرين، يعني طرفة. قال فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت كانا ينيران الشعر ويسديانه. قال فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت: اتخذ الخبيث الشعر نعلين يطؤهما كيف يشاء. قال: فما تقول في ذي الرمة؟ قلت: قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد. قال فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضاً عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيئاً. قلت: بلى، والله يا أمير المؤمنين، أنا مدينة الشعر، التي يخرج منها ويعود إليها. ويقول السيوطي ٩١١ في المزهر: طرفة من المقلين وفضل الناس بواحدة وهي معلقته "لخولة أطلال"، وله سواها يسير لأنه قتل صغيراً حول العشرين فيما روي. ويقول فيه صاحب الأدب الجاهلي على مذهبه في إنكار الشعر الجاهلي وانتحاله: "معلقة طرفة تبدو فيها شخصية قوية ومذهب في الحياة واضح هو مذهب اللهو واللذة، وهذه الشخصية ظاهرة البداوة والإلحاد، وهذا الشعر واضح لا تكلف فيه ولا انتحال، وفي المعلقة شعر وصفي صنعه علماء اللغة وشعر صدر عن الشاعر حقاً وهو الذي سجل عواطف الشاعر وآراءه في الحياة. طرفة والشعراء الجاهليون والشعراء الجاهليون باعتبار أزمنتهم ثلاث طبقات: ١ - الطبقة الأولى، ومن شعرائها المهلهل ٥٣٠ م والشنفري ٥١٠، وتأبط شراً ٥٣٠م، وسواهم من الشعراء. ٢ - الثانية، ومن شعرائها: امرؤ القيس ٥٦٠ م، والسموأل ٥٦٠ م، وعلقمة الفحل ٥٦١ م والمرقش الأصغر نحو عام ٥٦٠ م، والمرقش الأكبر ٥٥٢ م، وعبيد ٥٥٥ م، والمتلمس ٥٨٠ م والحارث ابن حلزة ٥٨٠ م، والمثقب العبدي ٥٨٧ م، والأفوه الأودي ٥٧٠ م ومنها طرفة ٥٦٥ م، ولقد عاش طرفة إبان هذه النهضة الشعرية التي حمل لواءها امرؤ القيس ومن عاصره أو جاء بعده من الشعراء. ٣ - الطبقة الثالثة، ومن شعرائها: النابغة ٦٠٤ م، وعمرو بن كلثوم ٦٠٠ م، وحاتم ٦٠٥ م، وعروة بن الورد ٥٩٦ م، وعنترة ٦٥١ م، والأعشى ٦٢٩ م، وزهير ٦٣٠ م، ولبيد ٦٦٢ م، وسواهم. أسباب شاعريته كانت كل الظروف تعمل عملها في خلق شاعرية طرفة وتكوينها: ١ - فالصحراء تغذي الخيال وتثير العاطفة والشعور وتلهم الناس بآيات الشاعرية وموهبتها. فضلاً عن مشاهدها المنوعة التي تستثير المشاعر والملكات. ٢ - وأسرة الشاعر بما كان فيها من أعلام في الشعر جعلته يرث هذه المواهب ومن أسرته المرقش الأكبر، وخاله هو المتلمس، وكانت أخته الخرنق شاعرة، كما كان من شعراء بكر قومه: الحارث بن حلزة، وسواه. ٣ - ومجد طرفة وحسبه أنطقاه وألهماه القول والبيان، وكما يقول الشاعر: فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت ٤ - ويتمه أليس هو الذي أثار فيه بواعث الشعر وأسبابه الأولى وأمده بهذه العاطفة المتأججة المشتعلة، وتلك الملكة القوية الحادة؟. ٥ - ورحلة الشاعر في البلاد ما بين اليمامة واليمن والحبشة إلى الحيرة وبعض أرجاء البلاد العربية أمدته بمدد لا ينفذ وبثروة فنية وفكرية واسعة مما ظهر في شعر الشاعر وأفكاره وآرائه وحكمته. ٦ - والخصومات العنيفة بين قومه وخصومهم من تغلب وسواها، وبين الشاعر والعاصرية، كابن عمه عبد عمرو، وكعمرو بن هند ملك الحيرة وسواهما هذه الخصومات هي التي أججت شاعريته وأحكمت فنه.

стр. 63

٧ - يضاف إلى ذلك فطرة الشاعر وخلقه وصفاته من حدة الذهن واضطرام الشعور وثوران العواطف والتهاب المشاعر، إلى ما سوى ذلك من أسباب الشعر وبواعثه في نفس الشاعر. ولا عجب ذلك، فقد كانت ملكات البلاغة والشعر قوية في نفس طرفة حتى في طفولته، ولقد روي أن المتلمس شاعر ربيعة في زمانه وخال طرفة وقف على مجلس لقومه من بني قيس بن ثعلبة فاستنشدوه، فأنشدهم شعراً، جاء فيه: وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم والصيعرية: سمة تكون للإناث خاصة فقال له طرفة وهو غلام - وطرفة لا يعرفه -: استنوق الجمل، أي وصفت الجمل بوصف الناقة وخلطت، فذهبت كلمته مثلاً، وضحك القوم وغضب المتلمس، ونظر إلى لسان طرفة وقال: ويل لهذا مني. يعني رأسه من لسانه. ويروى أن تلك القصة كانت مع عمرو بن كلثوم لا مع المتلمس (٤٠ و ٤١ جمهرة أشعار العرب) . خصائص شاعريته أولاً، من حيث الألفاظ: يجمع طرفة بين العذوبة الجميلة السلسة والوحشية الغريبة المعقدة في ألفاظه. فإذا وصف رأيت ألفاظاً بعيدة غريبة قوية ضخمة مسرفة في حوشيتها وغرابتها، وإذا فخر أو هجا رأيته يقرب من السهولة والوضوح في لفظه، وإذا أرسل الحكمة رأيت جمالاً وسلاسة وسهولة. والظاهر أن مرجع ذلك هو حياة الشاعر الشعرية، فقد بدأ في صغره ينظم الشعر، يصف به مشاهد الطبيعة وروائعها الماثلة أمام بصره، وكانت شاعريته في بدء أمرها قوية خشنة قوة البداوة وخشونة الصحراء، فقوي في ألفاظه وأغرب، ثم أخذت شاعريته تنضج وبدأ يكثر من قصائده في الفخر بأحسابه وهجاء خصومه فأخذت ألفاظه تلين وتسهل، ثم خبر الحياة وطاف في الأرجاء وشاهد ألواناً من التفكير والمذاهب والآراء، فكانت شاعريته قد كمل نضجها. فبدأت ألفاظه تسلس وتسهل وتقرب من ذوق البدوي المتحضر الذي يبعد عن حياة الخشونة ومظاهر الإغراب في البداوة. ثانياً، من حيث الأسلوب: وأسلوب طرفة قوي جزل رصين، يمتاز بالمتانة، وأسر اللفظ وفخامة الأسلوب وقوة القافية مع سهولتها. تجد فيه جزالة وقوة في كثير من شعره، ورقة وسهولة في بعض غزله وفي حكمته وفي عتابه وفي وصف مطامحه وآماله وآلامه. والجزالة والرقة تختلف موضعها باختلاف المقام ومواطن الكلام وفنونه والمناسبات التي تسنح للشاعر فتجعل نفسه مرحة فرحة أو تجعلها مكتئبة كزة نافرة. وفي أسلوبه معاظلة في التركيب وتعقيد في الكلام حيناً، وفي غالب الأحايين نجد وضوحاً ودقة تصوير وجمال تعبير وقرب مأخذ وسهولة عرض ورشاقة بيان. ثالثاً، من حيث المعاني والأخيلة: معاني طرفة تتصل بنفسه وحياته وقبيلته وبالصحراء والبادية التي عاش فيها وبتاريخ قومه وأحسابهم وبالحياة العربية عامة اتصالاً وثيقا. وطرفة في معانيه قريب، واضح أحياناً، وخفي معقد حيناً، يقتصر على بيان الحقيقة، قليلة الغلو والمبالغة، يصور الحقائق والواقع تصويراً قوياً. وخياله خيال يقظ مشبوب حاد. يحلق قريباً من الحياة والواقع، يظهر في أسلوب الاستعارة والتشبيه أحياناً، ويجنح إلى القصد والاعتدال والصدق. وفي معانيه معان مكرورة، متقاربة الخيال. وطرفة على أي حال من المقلين في الشعر، ومعلقته سبب شهرته وتمتاز بوفرة معانيها وتنوع أغراضها وقوة قافيتها وصدق تصويرها. رابعاً، من حيث أغراض الشعر وفنونه: ولقد نظم طرفة الشعر في أغراض كثيرة وأجاد فيها إجادة بليغة. ومن أهم هذه الأغراض: ١ - الهجاء: فقد كان طرفة هجاء. هجا عمرو بن هند الملك، كما هجا ابن عمه عبد عمرو. وهجا قومه كما هجا أعداءهم، وتنبأ له المتلمس منذ طفولته بالقتل بسبب نشأته وفطرته على الهجاء. ترجع أسباب ميله إلى الهجاء إلى توقد عاطفته وحدة شعوره واضطرام حسه وإلى قوة اعتزازه بنفسه وشدة تأثره مما يشعر به من تقصير في حقه من قومه وسواهم وإلى يتمه الذي جعله يتوهم العداوة من الصديق والضر حتى من القريب. يقول في قومه: أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب ويقول في ابن عمه: ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما ويقول في عمرو بن هند: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور

стр. 64

٢ - الفخر: ولقد كان طرفة يشعر بحسب قومه ومجدهم بين العرب وكثرة عددهم وقوتهم وشوكتهم، ويعتز بذلك اعتزازاً كبيراً، وينظم شرف قومه في قصائده، فيمدحهم بحماية الجار، وقرى الضيف والغناء في الحرب وجلال المجلس ووقاره، ويسوي ذلك من مظاهر الفخر وألوانه. (أ) قال في قومه من قصيدة في الفخر: يزعون الجهل من مجلسهم ... وهم أنطارى ذي الحلم الصمد سماء الفقر أجواد الغنى ... سادة الشيب، مخاريق المرد (ب) وقصيدته: أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعمر وقف على الفخر بقومه وأحسابهم ومجدهم.. وهي إحدى قصائده الجياد وأشاد بها ابن سلام وسواه من النقاد، بدأها بالنسيب والتغزل في محبوبته "هر" في أبيات طويلة، ثم ذكر الناقة في بيتين، ثم التفت إلى نفسه وقومه فافتخر ببأسهم وكرمهم وبطولتهم ومكانتهم بين العرب واعتزازهم بالخيل للحرب والنضال، فخراً قوياً كثيراً، جاء فيه قوله: وهم ما هم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر ولقد تعلم بكر أننا ... آفة الجزر مساميح يسر ولقد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرأي وفي الروغ وقر ثم ختمها بالرضاء على قومه وذكر ما آل إليه من رشد: ولقد كنت عليكم عاتبا ... فعقبتم بذنوب غير مر كنت فيكم كالمغطى رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر سادراً أحسب غي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر ويبدو من هذه الأبيات أنه نظمها بعد عودته إثر تنقله بين الأحياء والبلاد، وأن قومه أعانوه بمالهم وعطفهم، وأنه رضي بعد سخط، واطمأن فيهم بعد قلق، ورشد بعد غي. (ج) ويقول طرفة من قصيدة في الفخر؛ ختمها بحكمته: إنا لنكسوهم وإن كرهوا ... ضربا يطير خلاله شرره والمجد ننميه ونتلده ... والحمد في الاكفاح ندخره (د) ويقول يفتخر بقومه وأبيه من قصيدة طويلة بدأها بالحديث عن نفسه وغربته وتنقله بين القبائل: وأنمي إلى مجد تليد وسورة ... تكون تراثاً عند حي لهالك أبي أنزل الجبار عامل رمحه ... عن السرج حتى خر بين السنابك _هـ) ويفتخر بقومه وبطولتهم وما سجلوه في أمسهم البعيد من مجد تليد وبطولة نادرة في حروبهم يوم التحاليق، وهو يوم من أيام حرب البسوس وكان لبكر على تغلب، وذلك في قصيدة مطلعها: سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم وهي وقف على الفخر ويقول فيها: نزع الجاهل في مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرم وتفرعنا من ابني وائل ... هامة المجد وخرطوم الكرم نمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم (و) ويفتخر بنفسه في قصيدته في مدح قتادة الحنفي وقد مضت الإشارة إليها، وكذلك قصيدته: أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه قد ذكر فيها شيئاً من تاريخ قومه إبان حرب البسوس، وسعى الغلاق" أحد قواد ملك الحيرة بين تغلب وقومه بكر من أجل الصلح، وكان الغلاق يميل إلى تغلب، وهدد طرفة فيها تغلباً بالعودة إلى الحرب باللسان وبالسيوف جميعاً، وعلى الجملة، فقد كان طرفة مجيداً في فخره، كما كان لاذعاً في هجائه. ٣ - الغزل: ويتغزل طرفة في شعره بخولة: لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وينسبها إلى قومها الحنظليين فيقول من قصيدة بدأها بذكر خوله: فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل ويذكرها في معلقته بالمالكية ولعل ذلك نسبة إلى مالك بن ضبيعة من عمومة الشاعر. ويتغزل بهر "أصحوت اليوم أم شاقتك هر" كما يتغزل بهند "لهند بحزان الشديف طلول"، وبسلمى: ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله وهو في غزله يذكر الديار ويقف عليها ويبكيها كما في معلقته، ويذكر خيال الحبيب وسراه إليه، ويصف جمال حبيبته وتقاطيع جسمها كما في قصيدته "أصحوت اليوم"، ويدعو لدارها بالمطر كما في قصيدته "لخولة بالأجزاع من إضم طلل". وله قصيدة مفردة في الغزل قصرها عليه، ومطلعها: أتعرف رسم الدار قفراً منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله وهي في محبوبته سليمى أو سلمى، بدأها بذكر ديارها، ثم قال:

стр. 65

ديار سليمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله وإذ هي مثل الرئم صيد غزالها ... لها نظر ساج إليك تواغله غنينا وما نخشى التفرق حقبة ... كلانا غرير ناعم العيش باجله ليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ربعانه ونجاوله ثم يصف خيالها الذي سرى إليه من مكان بعيد ويتعجب لاهتدائه إليه، ثم يقول: وقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله كما أحرزت أسماء مرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله ثم يذكر قصة المرقش مع محبوبته أسماء، ويختمها بقوله: فوجدي بسلمى مثل وجد مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذله قضى نحبه وجدا عليها مرقش ... وعلقت من سلمى خبالا أماطله وبعد، فمعاني طرفة في غزله قليلة بدائية وشتان بينه وبين امرئ القيس في هذا الباب والنقاد يقولون إن طرفة لا يحسن العشق، أليس هو الذي يقول: وإذا تلسنني ألسنها ... أنني لست بموهون قفر أي إذا افتخرت عليه افتخر عليها لأنه ليس بضعيف ولا دنيء. وهو الذي يقول: فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل وأين هذا من قول امرئ القيس: أغرك مني أن حبك قائلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل ٤ - الوصف: وهو كثير في شعر طرفة، ويمتاز بغرابة اللفظ وقوة الأسلوب وصدق الوصف وصحة التصوير والرسم، ويبدو فيه أثر بيئته واضحاً، فوصفه للسفينة في معلقته يرجع إلى كثرة ما شاهد من سفن تسير في البحر في البحرين وسواها. ووصف الصحراء كما وصف الناقة والفرس ومجالس الشراب، والغيث والرعد، وسوى ذلك من مشاهد الصحراء ومناظرها، ولاشك أن شعره يتصل بالصحراء اتصالاً وثيقاً لأنه صورة منها ورسم لمناظرها وألوان الحياة والطبيعة فيها، ونماذج وصفة في معلقته فارجع إليها. ٥ - الحكمة: وهي كثيرة في شعر طرفة، عميقة رائعة تدل على صدق النظر وقوة الفراسة وعلى ثقوب الذهن وحدة الفكر، وهي مبكرة في طرفة الشباب، ولعل أسفاره ورحلاته وبيئته وقربه من ألوان الحياة والتفكير في الحيرة قد نمتها فيه رغم صغر سنه، ومعلقته فيها الكثير من الحكم.. ومن حكمه قوله: والأثم داء ليس يرجى برؤه ... والبر برء ليس فيه معطب والصدق يألفه اللبيب المرتجى ... والكذب يألفه الدني الأخيب ويقول: وليس امرؤ أفنى الشباب مجاورا ... سوى حيه إلا كآخر هالك ويقول: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه وسوى ذلك من صادق حكمه وبعيد فراسته وتفكيره للأمور وحكمه عليها. شعر طرفة في ميزان النقد ١ - قال الأصمعي: لم يكن طرفة يحسن أن يتعشق. قال في قصيدته: أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستعر أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء بسر أي زار في مكان لا يزار فيه، فتراه يقول هذا القول، أنه لم ينم ولم يهج من حبها، ثم يقول: وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون غمر ٢ - وقال المبرد: عاب الناس قول طرفة: أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا أمون وطمر فقيل إنما يهبون عند هذه الآفة التي تدخل على عقولهم، وفضلوا قول عنترة: وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فأقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي فخبر عنترة أن جوده باق لأنه لا يبلغ من الشراب ما يثلم عرضه. قالوا: وقول عنترة حسن جميل إلا أنه أتى به في بيتين، هلا قال كما قال امرؤ القيس: سماحة ذا، وبر ذا، ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر قال الصولي: وقد تبغ حسان طرفة، فقال وهو أعيب من الأول: ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء فقول طرفة خير من هذا، لأنه قال "أسد غيل فإذا ما شربوا" فجعل الشجاعة لهم قبل الشرب، وحساب قال نشرب فنشجع ونهب كأنا ملوك إذا شربنا، فلهذا كان قول طرفة أجود، وقول عنترة أحسن، لأنه احترس من عيب الإعطاء على السكر وأن السكر زائد في سخائه، فقال: "وإذا شربت فإنني مستهلك - البيتين". وقال زهير: أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله

стр. 66

فهذا من أحسن الكلام، يريد أنه لا يشرب بماله الخمر، ولكنه يبذله للحمد. وقال البحتري: تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما ٣ - وكان النبي ﷺ يتمثل بقول طرفة، ولا يقيم وزنه: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وكان ابن عباس يقول إنه كلام نبي يجمع الحكمة والمثل. ٤ - ويقال إن أمير شعره قوله: قد يبعث الأمر الكبير صغيره ... حتى تظل له الدماء تصيب ٥ - ويمتثل من شعره قوله: بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم ٦ - وقال ناقد أمام الأصمعي إن طرفة أحسن الناس تشبيهاً في قوله: ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتخدد وفي قوله: يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد قال الأصمعي: فقلت هذا حسن، وغيره حسن منه، وقد شركه في هذا المعنى جماعة من الشعراء، وبعد فطرفة صاحب واحد لا يقطع بقوله مع التجوز، وإنما يعد أصحاب الواحدة. قال: ومن أصحاب الواحدة؟ قلت الحرث بن حلزة في قوله: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء والأسعر الجعفي في قوله: هل دان قلبك من سليمى فاشتفى ... ولقد عنيت بحبها فيما مضى والأفوه والأودي في قوله: إن ترى رأسي فيها نزع ... وشواتى خلة فيها دوار وعلقمة في قوله: طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشبب وسويد بن أبي كاهل في قوله: بسطت رابعة الحبل لنا ... فوصلنا الحبل منها فاتسع وعمرو بن كلثوم في قوله: ألا هبي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقى خمور الأندرينا وعمرو بن معد يكرب في قوله: أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع ٧ - وقال طرفة: يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد أخذه لبيد فقال يصف ثورا: تشق خمائل الدهنا يداه ... كما لعب المقامر بالفيال ٨ - وقال طرفة: وبلاد زعل ظلمانها ... كرجال الحبش تمشى بالعمد قد تبطنت وتحتي جسرة ... غير أسفار كمخراق وحد أخذه لبيد فقال: وبلاد زعل ظلمانها ... كحزيق الحبشيين الزجل قد تبطنت وتحتي جسرة ... حرج في مرفقيها كالقتل ٩ - ولطرفة أبيات مشهورة منها: كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة ومنها: قد يبعث الأمر العظيم صغره ... حتى تظل له الدماء تصبب وقوله: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند وقوله: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقوله: ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر وقوله: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب فينا ينتقر وقوله: تذكرون زعل نقاتلكم إذا لا يضير معدما عدمه وقوله: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه ١٠ - وينسب إليه شعر منحول، ومنه قصيدته: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك، بعض الشر أهون من بعض ١١ - ويقول امرؤ القيس في ديار محبوبته: وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل أخذه طرفة بنفسه فقال: وقوفا بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد ١٢ - ويقول طرفة في الفخر بنفسه: إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد أخذه النهشلي فقال في الفخر بقومه: لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس؟ خالهم إياه يعنونا فالمعنى واحد. ولكن طرفة: أ - أسلوبه بدوي مطبوع جزل عن أسلوب النهشلي.

стр. 67

ب - ومعناه أتم، فقال قال: "القوم" وهو يشمل القليل والكثير مهما تجاوز العدد. وقال النهشلي "الألف" فقصر بهذا التسديد. وقال طرفة "من فتى" وقال النهشلي "من فارس"، فشمل كلام طرفة تميزه عليهم بالشجاعة والجود وكرم الخلق وسمو النفس وجلال المحتد وسواها، من حيث قصر النهشلي فخره على الشجاعة. وقال طرفة "فلم أكسد ولم أتبلد" وهي زيادة لا نظير لها في بيت النهشلي. شرح المختار من شعر طرفة - ١ - قال طرفة بن العبد البكري: لخولة أطلال ببرقة تهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد عدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طوراً ويهتدي يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم التراب المفايل باليد وفي الحي أحوى بنفض المرد شادن ... مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد خذول تراعى ربرباً بخميلة ... تناول أطراف البرير وترتدي وتبسم عن ألمى كان منوراً ... تخلل حر الرمل دعص له ندي سقته إياة الشمس إلا لثاته ... أسف، ولم تكدم عليه، بإثمد ووجه كأن الشمس ألقت رداءها ... عليه نقي اللون لم يتحدد وإني لأمضي لهم عند احتضاره ... بعوجاء مرقال تروح وتغتدي أمون كألواح الإران نصأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد حمالية وجناء تردى كأنها ... سفنجة تبرى لأزعر أربد تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفاً وطيفاً فوق مور معبد تربعت القفين في الشول ترتعي ... حدائق مولى الأسرة أغيد تريع إلى صوت المهيب وتتقي ... بذي خصل روعات أكلفت ملبد كان جناحي مضرحي تكنفا ... حفافية شكا في العسيب بمسرد فطوراً به خلف الزميل وتارة ... على حشف كالشن ذار مجدد لها فخذان أكمل النحض فيهما ... كأنهما بابا منيف ممرد وطي محال كالحنى خلوفه ... وأجرنة لزت بدأي منضد كأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطر قسي تحت صلب مؤبد لها مرفقان أفتلان كأنما ... تمر بسلمى دالج متشدد كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد صهابية العثنون مؤجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موارة اليد أمرت يداها فتل شزر وأجنحت ... لها عضداها في سقيف مسند جنوح دفاق عندل ثم أفرعت ... لها ستفاها في معالي مصعد كأن علوب النسغ في دأياتها ... موارد من خلقاء في ظهر قردد تلافى وأحياناً تبين كأنها ... بنائق غر في قميص مقدد وأتلع نهاض إذا صعدت به ... كسكان بوصي بدجلة مصعد وجمجمة مثل العلاة كأنما ... رعى الملتقى منها إلى حرف مبرد وخد كقرطاس الشآمي ومشفر ... كسبت اليماني قده لم يجرد وعينان كالماء بتين استكنتا ... بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد طحوران عوار القذى فتراهما ... كمكحولتي مذعورة أم فرقد وصادقتا سمع التوجس للسرى ... لهجس خفي أو لصوت مندد مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد وأروع نباض أحذ ململم ... كمرداة صخو من صفيح مصمد وإن شئت سامي واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخفيدد وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد وأعلم مخزوت من الأنف مارن ... عتيق متى ترجم به الأرض تزدد على مثلها أمضى إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفريك منها وأفتدي وجاشت إليه النفس خوفاً وخاله ... مصاباً لو أمسى على غير مرصد إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد أحلت عليها بالقطيع فأجذمت ... وقد خب آل الأمعز المتوقد فذالت كما ذالت وليدة مجلس ... ترى ربها أذيال سحل ممدد ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد وإن تبغني في حلقه القوم تلقني ... وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد متى تأتني أصبحك كأساً روية ... وإن كنت عنها ذا غنى وازدد

стр. 68

وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الشريف المصمد نداماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ومجسد رحيب قطاب الجيب منها رفيقة ... بحس الندامى بضة المتجرد إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا ... على رسلها مطروفة لم تشدد إذا رجعت في صوتها خلت صوتها ... تجاوب أظآر على ربع ردي وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريقي ومتلدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تستطيع منع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي فنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما نعل الماء تزبد وكرى إذا نادى المضاف محنباً ... كسيد الغضى نبهته المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمد كأن البرين والدماليج علقت ... على عشر أو خروع لم يعضد فذرني أرةي هامتي في حياتها ... مخافة شرب في الممات مصرد كريم يروي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غداً أبنا الصدى أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد ترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح منضد أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد أرى العيش كنزاً ناقصاً كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد متى ما يشأ يوماً يفده لحتفه ... ومن يك في حبل المنية ينقد فمالي أراني وابن عمي مالكاً ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد يلوم وما أدري علام يلومني ... كما لامني في الحي قرط بن أعيد وأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه إلى رمس ملحد على غير شيء قلته غير أنني ... نشدت ولم أغفل حمولة معبد وقربت بالقربى وجدك إنه ... متى يك عهد للنكيثة أشهد وإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد وإن يقذفوا بالقذع عرضك أسقهم ... بشرب حياض الموت قبل التهدد بلا حدث أحدثته وكمحدث ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي فلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرج كربى أو لأنظرني غدي ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتد وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند فذرني وخلقي إنني لك شاكر ... ولو حل بيني نائياً عند ضرغد فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت قيس بن مرثد فأصبحت ذا مال كثير وزارني ... بنون كرام سادة لمسود أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه ... خشاش كرأس الحية المتوقد فآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين مهند حسام إذا ما قمت منتصراً به ... كفى العود منه البدء ليس بمعضد أخي ثقه لا ينثني عن ضريبة ... إذا قيل مهلاً قال حاجزه قدي إذا ابتدر القوم السلاح وجدتني ... منيعاً إذا بلت بقائمه يدي وبرك هجود قد أثارت مخافتي ... بواديها أمشي بعضب مجرد فموت كهاة ذات خيف جلالة ... عقيلة شيخ كالوبيل يلندد يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد وقال ألا ماذا ترون بشارب ... شديداً علينا بغيه متعمد وقال ذروه إنما نفعها له ... وإلا تكفوا قاصي البرك يزدد فظل الإماء يمتللن حوارها ... ويسعى علينا بالسديف المسرهد فإن مت فأنعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب ياابنة معبد ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي ولا يغنى غنائي ومشهدي بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ... ذليل باجماع الرجال ملهد فلو كنت وغلاً في الرجال لضرني ... عداوة ذي الأصحاب والمتوحد

стр. 69

ولكن نفى عني الرجال جراءتي ... عليهم وإقدامي وصدقي ومحتدي لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتدي لعمرك ما أمري علي بغمة ... نهاري ولا ليلي علي بسرمد ويوم حبست النفس عند عراكه ... حفاظاً على عوراته والتهدد على موطن يخشى الفتى عنده الردى ... متى تعترك فيه الفرائص ترعد وأصفر مضبوح نظرت جواره ... على النار واستودعته كف مجمد أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيداً غداً ما أقرب اليوم من غد ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأحبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد وما لام نفسي مثلها لي لائم ... ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي تحليل القصيدة: ١ - طرفة بن العبد البكري شاعر جاهلي مشهور، نشأ يتيماً في كفالة أعمامه، يؤثر اللهو والدعة والبطالة ويدمن الخمر ويهجو الناس، حتى الملك عمرو بن هند الذي أضمر له الشر وأرسله لعامله بالبحرين فقتله ولم يتجاوز السادسة والعشرين. وتقول أخته الخرنق في رثائه: عددنا له ستا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدا فخما وكان طرفة ملتهب المشاعر والعواطف حاد التفكير واللسان متأجج الشاعرية نظم الشعر يصور فيه حياته وآماله وبطالته يصف فيجيد الوصف ويأتي بالحكمة العالية والفكرة الرائعة "وهو أجود الجاهليين طويلة كما يقول ابن قتيلة وشعره قليل بأيدي الرواة. ٢ - ومطلع هذه المعلقة الرائعة: لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقد عد بها الشاعر من فحول الشعراء الجاهليين ومشهوريهم، واستحق من أجلها أن يضعه أبو عبيدة في الطبقة الثانية منه وابن سلام في الطبقة الرابعة وأن يذهب بعض الشعراء والنقاد إلى أنه أشعر الجاهليين. وهي أطول المعلقات، أبياتها خمسة أو عشرة ومائة بيت، وتمتاز بكثرة معانيها وجزالة أسلوبها نظمها طرفة بعد عودته إلى أرض قومه إثر تنقله في الأحياء حين كان مغاضباً لقومه وعشيرته وقبل أن يتصل بملوك الحيرة وينادمهم. ويبدو من روح المعلقة ولهجتها أن الشاعر نظمها عتاباً لابن عمه، ويبدو أيضاً أن السبب في عتابه له أن أخاه "معبدا" كان له إبل يرعاها هو وأخوه طرفة فأغبها طرفة في المرعى حتى دخلت مرعى ابن عمه فحجزها، فلام معبد أخاه وألقى عليه عبء طلبها واستردادها من ابن عمه فذهب طرفة إليه فلم يجد كلامه معه فعاد ثائراً غاضباً، ونظم قصيدته يعاتب فيها عبد عمرو عتاباً شديداً قاسياً مما نقرؤه في المعلقة، في قوله: فمالي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد وأيأسني من كل خير طلبته ... كأنا وضعناه على رمس ملحد على غير شيء قلته غير أنني ... نشدت فلم أغفل حمولة معبد وإن أدع للجلى أكن من حماتها ... وإن تأتك الأعداء بالجهد أجهد فلو كان مولاي امرأ هو غيره ... لفرج كربي أو لأنظرني غدي ولكن مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشكر والتسآل أو أنا مفتدي وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد فأصبحت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسود ولما سمع عبد عمرو بن مرثد معلقة طرفة أرسل إليه، فقال له أما الولد فالله يعطيكه وأما المال فلا تبرح حتى تكون من أوسطنا فيه وأمر سبعة من أبنائه وثلاثة من بني أبنائه أن يعطوه عشرا عشرا من الإبل ففعلوا. ٤ - ويذكر بعض الباحثين من المستشرقين أن المعلقة لم توضع مرة واحدة، كقوله: إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب ياابنة معبد وما يليه من أبيات قالها وهو في سجن البحرين قبيل موته وهذا خطأ في البحث فلم يقل طرفة هذه الأبيات وهو في سجن البحرين بل نظمها ونظم القصيدة كلها مرة واحدة وهو صحيح مقيم في أرض قومه والقصيدة قطعة واحدة من الشعر الحي والتصوير الرائع والديباجة الساحرة والوصف الصادق.

стр. 70

٤ - وتمتاز المعلقة بوفرة معانيها وتنوع أغراضها وجمعها بين السهولة والغرابة في اللفظ وبين الرقة والمتانة في الأسلوب وبين الحكمة واللهو والجد والهزل في النهج والحياة. وتصور الشاعر وحياته وأمانيه ومطامحه ولذاته ولهوه وبيئته والحياة فيها تصويراً جميلاً رائعاً حد الدقة والإحكام والجمال. ٥ - وحدة القصيدة وفنونها: ونحن نقف أمامها معجبين بجمالها وانسجامها وقوة شاعريتها وتأجج عواطف الشاعر فيها، وهذه الوحدة التامة الظاهرة على أغراضها وفنون القول فيها. (أ) بدأها الشاعر بالغزل فذكر أطلال خولة محبوبته ووقف عليها وبكاها: لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد وقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد ثم يذكر قباب خولة وهي ظاعنة ويشبهها بالسفينة تشبيهاً جميلاً قوياً، فيقول: كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد عدولية أو من سفين ابن يامنيجور بها الملاح طورا ويهتدي يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفايل باليد وهو في هذا الوصف يرسم صورة جميلة للسفن الكبيرة التي كان يراها ويشاهدها تسير في الماء على شواطئ البحرين وسواها. ثم يصف جمال محبوبته وينعتها نعتاً جميلاً قوياً مؤثراً عذباً، يدل على امتلاء نفسه بالحب، وعلى خضوعه لأسر الجمال: وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مظاهر شمطي لؤلؤ وزبرجد وتبسم عن ألمي كأن منوراً ... تخلل حر الرمل دعص له ندى ووجه كأن الشمس حلت رداءها ... عليه، نقي اللون لم يتخدد (ب) ثم يأخذ الشاعر في وصف ناقته التي يسير عليها ليسلي عن نفسه الهموم والأحزان، ووصفه لها طويل في خمسة وثلاثين بيتاً، ويجيء به في لفظ غامض غريب، لا تكاد تفهمه إلا بصعوبة وعسر ومشقة ومراجعة وطول عناء. قال طرفة فيما قال في وصف ناقته: وإني لأمضي الهم عند احتضاره ... بهوجاء مرفال تروح وتغتدي أمون كألواح الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد إلى أن يقول: وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوى من القد محصد على مثلها أمضى إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي وجاشت إليه النفس خوفاً وخاله ... مصاباً ولو أمسى على غير مرصد (ج) ثم يفتخر الشاعر بنفسه ويفرغ لها. ويصف فتوته وكرمه ولذاته ومجده، ولهوه بشرب الراح، في وضوح وسهولة فيقول: إذا القوم قالوا: من فتى خلت أنني ... عنيت، فلم أكسل ولم أتبلد ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد وإن تأتني في حلقة القوم تلقني ... وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد راماي بيض كالنجوم وقينة ... تروح علينا بين برد ويحسد ثم يذكر أثر لهوه وشربه الخمر في حياته وبين قبيلته، ويتحدث عن لذاته في الحياة ويصفها، ويلوم من يعذله في اللهو والإسراف، ويفند رأيهم ويقول: إن الكريم المسرف والبخيل المقتر مآلهما واحد إلى القبر: ومازال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريقي ومتلدي إلى أن تحامتني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد ألا أيهذا اللائمي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي ويعتد بلذاته اعتداداً كبيراً وبذكرها: فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد وكرى إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطراف الممدد أي شرب الراح وركوب الخيل، واللهو مع امرأة جميلة: أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوى في البطالة مفسد أرى الموت يعنام الكرام ويصطفى ... عقيلة مال الفاحش المتشدد

стр. 71

أرى الدهر كنزاً ناقصاً كل ليلة ... وما تنقص الأيام والدهر ينفد لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد (د) ثم ينتقل إلى عتاب ابن عمه مالك وقد سبق أن ذكرناه في أول المعلقة. (هـ) ثم يعود إلى التحدث عن نفسه ووصفها بالذكاء والشجاعة، ويتنبأ بموته ويطلب من ابنة أخيه معبد أن تبكيه إذا مات: إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة معبد ولا تجعليني كامرئ ليس همه ... كهمي، ولا يغنى عنائي ومشهدي وهو في هذا البيت يعرض بابن عمه. (و) ثم ينتقل إلى الحكمة فيأتي منها بحكم رائعة وأمثال بليغة رويت على مر الزمان: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزود عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى لعمرك ما أدرى وأتى لواجل ... أفي اليوم أقدام المنية أو غد إذا أنت لم تنفع بودك أهله ... ولم تنك بالبؤس عدوك فابعد - ٢ - وقال يصف أحواله وتنقله في البلاد ولهوه: أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحب جنون مستمر لا يكن حبك داء قاتلا ... ليس هذا منك ماوي بحر كيف أرجو حبها من بعد ما ... علق القلب بنصب مستسر أرق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر ثم زارتني وصحبي هجج ... في خليط بين برد ونمر تخلس الطرف بعيني برغز ... وبخدي رشاء آدم غر ولها كشحاً مهاة مطفل ... تقترى بالرمل أفنان الزهر وعلى المتنين منها وارد ... حسن النبت أثيث مسبكر جأبة المدرى لها ذو جدة ... تنفض الضال وأفنان السمر بين أكتاف خفاف فاللوى ... مخرف تحنو لرخص الظلف حر تحسب الطرف عليها بحدة ... يا لقومي للشباب المسبكر حيثما قاظوا بنجد وشتوا ... حول ذات الحاذ من ثني وقر فله منها على أحيانها ... صفوة الراح بملذوذ خصر إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر ظل في عسكرة من حبها ... ونأت شحط مزار المدرر فلئن شطت نواها مرة ... لعلي عهد حبيب معتكر بادن تجلو إذا ما ابتسمت ... عن شتيت كأقاح الرمل غر بدلته الشمس من منبته ... برداً أبيض مصقول الأشر وإذا تضحك تبدي حبباً ... كرضاب المسك بالماء الخصر صادفته حرجف في تلعة ... فسجا وسط بلاط مسبطر وإذا قامت تداعى قاصف ... مال من أعلى كثيب منقعر تطرد القر بحر صادق ... وعكيك القيظ، إن جاء، بقر لا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقالبت نزر كبنات المخر يمأذن كما ... أنبت الصيف عساليج الخضر فجعوني يوم زموا عيرهم ... برخيم الصوت ملثوم عطر وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون فقر لا كبير دالف من هرم ... أرهب الليل ولا كل الظفر وبلاد زعل ظلمانها ... كالمخاض الجرب واليوم الخدر قد تبطنت وتحتي جسرة ... تتقى الأرض بملثوم معز فترى المرو إذا ما هجرت ... عن يديها كالفراش المشفتر ذاك عصر وعداني أنني ... نابى العام خطوب غير سر من أمور حدثت أمثالها ... تبتري عود القوي المستمر وتشكى النفس ما صاب بها ... فاصبري إنك من قوم صبر إن تصادف منفساً لا تلفنا ... فرح الخير ولا نكبوا لضر أسد غيل فإذا ما فزعوا ... غير أنكاس ولا هوج هذر ولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر طيبوا الباءة، سهل ولهم ... سبل إن شئت في وحش وعر وهم ما هم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر وتساقى القوم كأساً مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر لا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الثول والكوم البكر فإذا ما شربوها وانتشوا ... وهبوا كل أمون وطمر

стр. 72

ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر ورثوا السؤدد عن آبائهم ... ثم سادوا سؤدداً غير زمر نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الأدب فينا يفتقر حين قال الناس في مجلسهم ... أقتار ذاك أم ريح قطر بجفان تعترى نادينا ... من سديف حين هاج الصنبر كالجوابي لا تني مترعة ... لقرى الأضياف أو للمحتضر ثم لا يخزن فينا لحمها ... إنما يخزن لحم المدخر ولقد تعلم بكر أننا ... آفة الجزر مساميح يسر ولقد تعلم بكر أننا ... واضحوا الأوجه في الأزمة غر ولقد تعلم بكر أننا ... فاضلو الرأي وفي الروع وقر ولقد تعلم بكر أننا ... صادقو البأس وفي المحفل غر يكشفون الضر عن ذي ضرهم ... ويبرون على الآبي المبر فضل أحلامهم عن جارهم ... رحب الأذرع بالخبر أمر دلق في غارة مسفوحة ... ولدى البأس حماة ما نفر تمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسكها إلا الصبر حين نادى الحي لما فزعوا ... ودعا الداعي وقد لج الذعر أيها الفتيان في مجلسنا ... حردوا منها ورادا وشقر أعوجيات طوالاً شرباً ... دوخل الصنعة فيها والضمر من يعابيب ذكور وقح ... وهضبات إذا ابتل العذر جافلات فوق عوج عجل ... ركبت فيها ملاطيس سمر وأنافت بهواد تلع ... كجذوع شذبت عنها القشر علت الأيدي بأجواز لها ... رحب الأجواف ما إن تنبهر فهي تردى فإذا ما ألهبت ... طار من إحمائها شد الأزر كائرات وتراها تنتحي ... مسلحبات إذا جد الحضر دلق الغارة في إفزاعهم ... كرعال الطير أسراباً تمر تذر الأبطال صرعى بينها ... ما يني منهم كمي منعفر ففداء لبني قيس على ... ما أصاب الناس من سر وضر خالتي والنفس قدما إنهم ... نعم الساعون في القوم الشطر وهم أيسار لقمان إذا ... أغلت الشتوة أبداء الجزر لا يلحون على غارمهم ... وعلى الأيسار تيسير العسر كنت فيكم كالمغطى رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر ولقد كنت عليكم عاتباً ... فعقبتم بذنوب غير مر سادراً أحسب غيي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر - ٣ - وقال طرفة أيضاً أشجاك الربع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه لعبت بعدي السيول به ... وجرى في ريق رهمه فالكثيب معشب أنف ... فتناهيه فمرتكمه جعلته حم كلكلها ... لربيع ديمة تثمه حابسي رسم وقفت به ... لو أطيع النفس لم أرمه لا أرى إلا النعام به ... كالإماء أشرفت حزمه تذكرون إذ نقاتلكم ... لا يضر معدماً عدمه أنتم نخل نظيف به ... فإذا جز نصطرمه وعذاريكم مقلصة ... في دعاع النخل تجترمه عجز شمط معالكم ... تصطلي نيرانه خدمه خير ما ترعون من شجر ... يابس الطحماء أو سحمه فسعى الغلاق بينهم ... سعي خب كاذب شيمه أخذ الأزلام مقتسماً ... فأتى أغواهما زلمه والقرار بطنه غدق ... زينت جلهاته أكمه ففعلنا ذلكم زمناً ... ثم دانى بيننا حكمه إن تعيدوها نعدلكم ... من هجاء سائر كلمه وقتال لا يغبكم ... في جميع جحفل لهمه رزه قدم وهب وهلا ... ذي زهار جمة بهمه يتركون القاع تحتهم ... كمراغ ساطع قتمه لا ترى إلا أخا رجل ... آخذاً قرناً كملتزمه فالهبيت لا فؤاد له ... والتثبيت ثبته فهمه للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه - ٤ - وقال في عبد عمرو بن بشر بن مرثد: هند بحزان الشريف طلول ... تلوح وأدنى عهدهن محيل وبالسفح آيات كأن رسومها ... يمان وشته ريدة وسحلول أربت بها نتاجة تزدهي الحصى ... وأسحم وكاف العشي هطول فغيرن آيات الديار مع البلى ... وليس على ريب الزمان كفيل بما قد أرى الحي الجميع بغبطة ... إذا الحي حي والحلول حلول

стр. 73

ألا أبلغا عبد الضلال رسالة ... وقد يبلغ الأنباء عنك رسول دببت بسري بعدما قد علمته ... وأنت بأسرار الكرام نسول وكيف نضل المصد والحق واضح ... وللحق بين الصالحين سبيل وفرق عن بيتيك سعد بن مالك ... وعوفاً وعمراً ما تشي وتقول فأنت على الأدنى شمال عرية ... شآمية تزوى الوجوه بليل وأنت على الأقصى صباً غير قرة ... تذاءب، منها مرزغ ومسيل فأصبحت فقعاً نابتاً بقرارة ... تصوح عنه والذليل ذليل وأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل وإن امرأ لم يعف يوماً فكاهة ... لمن لم يرد سوءاً بها لجهول تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل - ٥ - وقال حين أطرد فصار في غير قومه: قفي ودعينا اليوم يا ابنة مالك ... وعوجي علينا من صدور جمالك قفي لا يكن هذا تعلة وصلنا ... لبين، ولا ذا حظنا من نوالك أخبرك أن الحي فوق بينهم ... نوى غربة ضرارة لي كذلك ولم ينسني قد لقيت وشفني ... من الوجد أني غير ناس لقاءك وما دونها إلا ثلاث مآوب ... قدرن لعيس مسنفات الحورك ولا غرو إلا جارتي وسؤالها ... ألا هل لنا أهل؟ سئلت كذلك تعير سيري البلاد ورحلتي ... ألا رب دار سوى حرداك وليس امرؤ أفنى الشباب مجاوراً ... سوى حيه إلا كآخر هالك ألا رب يوم لو سقمت لعادني ... نساء كرام من حي ومالك ظللت بذي الأرطى فويق مثقب ... ببيئة سوء هالكاً أو كهالك ترد عليها الريح ثوبى قاعداً ... إلى صدفي كالحنية بارك رأيت سعوداً من شعوب كثيرة ... فلم تزعيني مثل سعد بن مالك أبر وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيراً إذا ساوى الدرا بالحوارك وأنمى إلى مجد تليد وسورة ... تكون تراثاً عند حي لهالك أبى أنزل الجبار عامل رمحه ... على السرج حتى قر بين السنابك وسيفي حسام أختلي بذبابه ... قوانس بيض الدار عين الدوارك - ٦ - وقال أيضاً في اطراده إلى النجاشي: لخلوة بالأجزاع من إضم طلل ... وبالسفح من قو مقام ومحتمل تربعه مرباعها ومصيفها ... مياه من الأشراف يرمى بها الحجل فلا زال غيث ربيع وصيف ... على دارها حيث استقرت له زجل مرته الجنوب ثم هبت له الصبا ... إذا مس منها مسكناً عد ملاً نزل كأن الخلايا فيه ضلت رباعها ... وعوذاً إذا ما هزه رعده اجتفل لها كبد ملساء ذات أسرة ... وكشحان لم ينقض طواءهما الحبل إذا قلت هل يسلو اللبانة عاشق ... تمر شؤون الحب من خولة الأول وما زادك الشكوى إلى متنكر ... تظل به تبكي وليس به مظل متى تر يوماً عرصة من ديارها ... ولو فرط خول تسجم العين أو تهل فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل ألا إنما أبكي ليوم لقيته ... بجرثم قاس كل ما بعده جلل إذا جاء مالا بد منه فمرحبا ... به حين يأتي لا كذاب ولا علل ألا إنني شربت أسود حالكاً ... ألا بجلى من الشراب ألا بجل فلا أعرفي إن نشذتك ذمي ... كداعي هديل لا يجاب ولا يمل - ٧ - وقال يهدد المسيب بن علس، ويمدح قتادة بن مسلمة الحنفي وأصاب قومه سنة، فبذل لهم: إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلا بماء سحابة شتمي وأنا امرؤ أكوى من القصر ال ... بادي وأغشى الدهم بالدهم وأصيب شاكلة الرمية إذ ... صدت بصفحتها عن السهم وأحر ذا الكفل القداة على ... أنسائه فيظل يستدمي وتصد عنك مخيلة الرجل ال ... عريض موضحة عن العظم بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم أبلغ قتادة غير سائله ... منه الثواب وعاجل الشكم أني حمدتك للعشيرة إذ ... جاءت إليك مرقة العظم ألقوا إليك بكل أرملة ... شعثاء تحمل منقع البرم ففتحت بابك للمكارم ح ... ين تواصت الأبواب بالأزم

стр. 74

وأهنت إذ قدموا التلاد لهم ... وكذاك يفعل مبتنى النعم فسقى بلادك ... غير مفسدها صوب الغمام وديمة تهمى - ٨ - وقال طرفة يهجو عبد عمرو بن بشر وكان وقع بينهما شر: يا عجباً من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمر فانعما ولا خير فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما يظل نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما له شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخداً مورما ويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطه أترك لقلبي مجثما كان السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخاً ورد الأسرة أسحما - ٩ - وقال طرفة أيضاً يهجو عمرو بن هند وأخاه قابوس بن هند: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثاً حول قبتنا تخور من الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور يشاركنا لها رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير قسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الحكم يقصد أو يجور لنا يوم وللكروان يوم ... تطاردهن البائسات ولا نطير فأما يومهن فيوم نحس ... تطاردهن بالحدب الصقور وأما يومنا فنظل ركباً ... وقوفاً ما نحل وما نسير - ١٠ - وقال يعتذر إلى عمر بن هند حين بلغه أنه هجاه فتوعده: إني وجدك ما هجوتك وال ... أنصاب يسفح بينهن دم ولقد هممت بذاك إذ حبست ... وأمر دون عبيدة الوذم أخشى عقابك إن قدرت ولم ... أغدر فيؤثر بيننا الكلم - ١١ - قال طرفة في حق لأمه ظلمته: ما تنظرون بحق وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب والظلم فرق حيي وائل ... بكر تساقيها المنايا تغلب قد يورد الظلم المبين آجناً ... ملحاً يخالط بالذعاف ويقشب وقراف من لا يستفيق دعارة ... يعدى كما يعدى الصحيح الأجرب والإثم داء ليس يرجى برؤه ... والبر برء ليس فيه معطب والصدق يألفه الكريم المرتجى ... والكذب يألفه الدنيء الأخيب ولقد بدا لي أنه سيغولني ... ما غال عاداً والقرون فأشعبوا أدوا الحقوق نفر لكم أعراضكم ... إن الكريم إذا يحرب يغضب - ١٢ - وقال يذكر يوم قضة: سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تخلاق اللمم يوم تبدى البيض عن أسؤقها ... وتلف الخيل أعراج النعم أجدر الناس برأس صلدم ... حازم الأمر شجاع في الوغم كامل يحمل آلاء الفتى ... نبه سيد سادات خضم خير حي من معد علموا ... لكفي والجار وابن عم يجبر المحروب فينا ماله ... ببناء وسوام وخدم نقل للشحم في مشتاتنا ... عقر للنيب طراد القرم نزع الجاهل في مجلسنا ... فنرى المجلس فينا كالحرم وتفرعنا من ابني وائل ... هامة العز وخرطوم الكرم من بني بكر إذا ما نسبوا ... وبني تغلب ضرابي البهم حين يحمى الناس نحمي سربنا ... واضحي الأوجه معروفي الكرم بحسامات تراها رسباً ... في الضريبات مترات العصم وفحول هيكلات وقح ... أعوجيات على الثأو أزم وقناً جرد وخيل ضمر ... شرب من طول تغلاك اللجم أدت الصنعة في أمتنها ... فهي من تحت مشيحات الحزم تتقي الأرض برح وقح ... ورق يقعرن أنباك الأكم وتفرى اللحم من تغدائها ... والتغالي فهي قب كالعجم خلج الشد ملحات إذا ... شالت الأيدي عليها بالجذم قدما تنضو إلى الداعي إذا ... خلل الداعي بدعوى ثم عم بشباب وكهول نهد ... كليوث بين عريس الأجم نمسك الخيل على مكروهها ... حين لا يمسك إلا ذو كرم نذر الأبطال صرعى بينها ... تعكف العقبان فيها والرخم - ١٣ - وقال طرفة أيضاً يهجو بني المنذر بن عمرو: من الشر والتبريح أولاد معشر ... كثير ولا يعطون في حادث بكرا هم حرمل أعيا على كل آكل ... مبير ولو أمسى سوامهم دثرا

стр. 75

جماد بها البسباس نرهض مغزها ... بنات اللبون والسلاقمة الحمرا فما ذنبنا في أن أداءت خصاكم ... وأن كنتم في قومكم معشرا أدرا إذا جلسوا خيلت تحت ثيابهم ... خرانق توفى بالضغيب لها نذرا أبا كرب أبلغ لديك رسالتي ... أبا جابر عني ولا تدعن عمرا هم سودوا رهواً تزود في استه ... من الماء خال الطير واردة عمرا - ١٤ - وقال طرفة أيضاً لعمر بن هند يلوم أصحابه في خذلانهم: أسلمى قومي ولم يغضبوا ... لسوءة حلت بهم فادحه كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه كلهم اروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه - ١٥ - وقال طرفة أيضاً: أعرف رسم الدار قفراً منازله ... كجفن اليماني زخرف الوشي ماثله بتثليث أو نجران أو حيث تلتقي ... من النجد في قيعان جاش مسابله ديار لسلمى إذ تصيدك بالمنى ... وإذ حبل سلمى منك دان تواصله وإذ هي مثل الرئم صيد غزالها ... لها نظر ساج إليك تواغله غنينا وما نخشى التفرق حقبة ... كلانا غرير ناعم العيش باجله ليالي أقتاد الصبا ويقودني ... يجول بنا ريعانه ونجاوله سمالك من سلمى خيال ودونها ... سواد كثيب عرضه فأمايله فذو النير فالأعلام من جانب الحمى ... وقف كظهر الترس تجرى أساجله وأنى اهتدت سلمى وسائل بيننا ... بشاشة حب باشر القلب داخله وكم دون سلمى من عدو وبلدة ... يجار بها الهادي الخفيف ذلاذله يظل بها غير الفلاة كأنه ... رقيب يخافى شخصه ويضائله وما خلت سلمى قبلها ذات رجلة ... إذا قسوري الليل جيبت سرابله وقد ذهبت سلمى بعقلك كله ... فهل غير صيد أحرزته حبائله كما أحرزت أسماء قلب مرقش ... بحب كلمع البرق لاحت مخايله وأنكح أسماء المراذي يبتغي ... بذلك عوف أن تصاب مقاتله فلما رأى أن لا قرار يقره ... وأن هوى أسماء لابد قاتله ترحل من أرض العراق مرقش ... على طرب تهوى سراعا رواحله إلى السرو أرض ساقه نحوها الهوى ... ولم يدر أن الموت بالسرو عائله فغودر بالفردين: أرض نطية ... مسيرة شهر دائب لا يواكله فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله لعمري لموت لا عقوبة بعده ... لذي البث أشقى من هوى لا يزايله فوجدي بسلمى مثل وجد مرقش ... بأسماء إذ لا تستفيق عواذله قضى نحبه وجداً عليها مرقش ... وعلقت من سلمى خيالاً أماطله - ١٦ - وقال طرفة أيضاً: إني من القوم الذين إذا ... أزم الشتاء ودوخلت حجره يوماً ودونيت البيوت له ... فثنى قبيل ربيعهم قرره رفعوا المنيح وكان رزقهم ... في المنقيات يقيمه يسره شرطاً قويماً ليس يحبسه ... لما تتابع وجهة عسره تلقى الجفان بكل صادقة ... ثمت تردد بينهم حيره وترى الجفان لدى مجالسنا ... متحيرات بينهم سؤره فكأنها عقرى لدى قلب ... يصفر من أغرابها صقره إنا لنعلم أن سيدركنا ... غيث يصيب سوامنا مطره وإذا المغيرة للهياج غدت ... بسعار موت ظاهر ذعره ولو وأعطونا الذي سئلوا ... من بعد موت ساقط أزره إنا لنكسوهم وإن كرهوا ... ضرباً يطير خلاله شرره والمجد ننميه ونتلده ... والحمد في الأكفاء ندخره نعفو كما تعفو الجياد على ال ... علات والمخذول لا ندره إن غاب عنه الأقربون ولم ... يصبح بريق مائه شجره إن التبالي في الحياة ولا ... يغنى نوائب ماجد عذره كل امرئ فيما ألم به ... يوماً يبين من الغنى فقره - ١٧ - وقال طرفة أيضاً: إنا إذا ما الغيم أمسى كأنه ... سما حبق ثرب وهي حمراء حرجف وجاءت بصراد كأن صقيعه ... خلال البيوت والمنازل كرسف وجاء قريع الشول يرقص قبلها ... من الدفء والراعي لها متحرف ترد العشار المنقيات شظيها ... إلى الحي حتى يمرح المتصيف تبيت إماء الحي تطهى قدورنا ... ويأوي إلينا الأشعث المتجرف
следующие страницы →