٢٣]- وهو هذا القرآن؛ ومثاله في هذه الآية: أن الله لما حذَّر قال: ﴿واعلموا أن الله غفور حليم﴾.
١٢ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الحليم»؛ وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن للصفة؛ فإذا كان متعدياً فهو يتضمن الحكم؛ وإن كان غير متعدٍّ لم يتضمنه؛ وربما يدل على أكثر من صفة بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة: مطابقة، وتضمن، والتزام؛ فـ «المطابقة» دلالة اللفظ على جميع معناه؛ و «التضمن» دلالته على بعض معناه؛ و «الالتزام» دلالته على لازم خارج؛ مثل «الخالق» من أسماء الله؛ دلالته على الذات، والخلق: مطابقة؛ ودلالته على الذات وحدها، أو على الخلق وحده: تضمن؛ ودلالته على العلم، والقدرة: التزام؛ فلا يمكن أن يكون خالقاً إلا أن يكون عالماً قادراً؛ لأنه لا يخلق من لا يقدر؛ ولا يخلق من لا يعلم؛ فلا بد أن يكون عالماً قادراً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فذكر العلم، والقدرة بعد أن ذكر أنه خلق؛ ولا يمكن أن يكون هناك خلق إلا أن يعلم كيف يخلق، ويقدر على ذلك.
القرآن
(لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ٢٣٦)
стр. 1052
التفسير:
﴿٢٣٦﴾ قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم﴾ أي لا إثم عليكم؛ ﴿إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾: اختلف أهل الإعراب في إعراب: ﴿ما﴾؛ فقال بعضهم: إن ﴿ما﴾ مصدرية ظرفية؛ أي مدة دوام عدم مسكهم لهن؛ وقال بعضهم: إن ﴿ما﴾ شرطية؛ فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ أي لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن؛ وهذا يأتي في اللغة العربية كثيراً - أي كون الشرط الثاني شرطاً في الأول؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط؛ ومنه قول الشاعر:
(إن تستغيثوا بنا إن تُذعَروا تجدوا منا معاقلَ عزّ زانها كرمُ) فيكون الثاني شرطاً في الأول؛ وكل شرط دخل على شرط فالسابق الثاني؛ فهنا نقول: إن ﴿ما﴾ شرطية؛ وأن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن؛ فإذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه؛ والمعنى واحد؛ ولكن الاختلاف في الإعراب.
وقوله تعالى: ﴿تمسوهن﴾ فيها قراءة ثانية: «تُماسوهن»؛ وكلاهما بمعنًى واحد؛ والمراد به الجماع؛ لكن جرت عادة العرب - والقرآن بلسان عربي مبين - أن يُكَنوا عما يستحيا من ذكره صريحاً بما يدل عليه؛ ولكل من القراءتين وجه؛ فعلى قراءة: «تماسوهن» يكون المسيس من الجانبين؛ فكل من الزوج، والزوجة يمس الآخر؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣]؛ وأما على قراءة حذف الألف - الذي
стр. 1053
يفيد وقوع الفعل من جانب واحد - فهو أيضاً واقع؛ لأن حقيقة الفاعل هو الرجل؛ فهو ماسّ؛ ومنها قوله تعالى في مريم: ﴿ولم يمسسني بشر﴾ [آل عمران: ٤٧]؛ فجعل المسّ من جانب واحد - وهو الرجل -.
قوله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ أي تجمعوا بين الأمرين: بين ألا تفرضوا لهن فريضة، وبين ألا تمسوهن؛ فلا جناح عليكم إذا طلقتم المرأة بعد العقد بدون مسيس، وبدون تسمية مهر؛ و ﴿أو﴾ هنا على القول الراجح حرف عطف على ﴿تمسوهن﴾.
قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾: قال بعض المفسرين: إن هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة؛ والتقدير: فطلقوهن، ومتعوهن؛ وأن تقدير: «فطلقوهن» مستفاد من قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾؛ لأن معنى ذلك: أننا قد أبحنا لكم طلاق النساء، فطلقوهن؛ فيكون المراد بالأمر المقدر - كما قالوا - الإباحة؛ والمراد بالأمر المذكور الوجوب؛ وقال بعض المعربين: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن «فطلقوهن» المراد به الإباحة مفهوم من قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾؛ وما دام المعنى يفهم بدون تقدير فإنه لا يجوز التقدير؛ لأن التقدير نوع من التأويل؛ ولأن الأصل تمام الكلام، وعدم احتياجه إلى تقدير؛ وهذا القول أرجح؛ وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ يعني إذا طلقتموهن؛ وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾؛ و ﴿متعوهن﴾ معناها أن يعطيها ما فيه المتعة والبلاغ، من زاد، أو لباس، أو غير ذلك، مما تقتضيه الحال والعرف.
стр. 1054
قوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾: في ﴿قدره﴾ قراءتان ﴿قدَره﴾ بفتح الدال؛ و ﴿قدْره﴾ بسكونها؛ فعلى القراءة الأولى يكون المعنى ما يقدِر عليه؛ وعلى الثانية يكون المعنى بقَدْره - أي بقدر سعته -؛ و ﴿الموسع﴾ هو الغني الكثير المال؛ و ﴿المقتر﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء؛ وقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾، أي على الغني ما يناسب حاله؛ وعلى الفقير ما يناسب حاله؛ والجملة هذه قيل: إنها استئنافية لا محل لها من الإعراب تُبين مقدار الواجب الذي أوجبه الله في قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾؛ وقيل: إنها في موضع نصب على الحال من الواو في ﴿متعوهن﴾؛ يعني متعوهن حال كونكم موسرين، أو معسرين - على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره -.
قوله تعالى: ﴿متاعاً﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر - أي مفعولاً مطلقاً عامله ﴿متعوهن﴾ يعني تمتيعاً ﴿بالمعروف﴾؛ فـ «متاع» هنا بمعنى تمتيع، مثل «كلام» بمعنى تكليم، و «سلام» بمعنى تسليم، وما أشبهها؛ ويحتمل أن يكون حالاً؛ أي حال كون القدَر - أو القدْر - متاعاً ﴿بالمعروف﴾؛ أي بما يقتضيه العرف؛ والباء هنا للمصاحبة.
قوله تعالى: ﴿حقاً﴾ منصوبة على أنه مصدر لفعل محذوف يعني: أحق ذلك حقاً؛ و «الحق» هو الشيء الثابت اللازم؛ و ﴿على المحسنين﴾ أي على فاعلي الإحسان؛ و «المحسن» اسم فاعل من: أحسَنَ - أي قام بالإحسان، وعمل به -؛ و «الإحسان» هنا ما كان موافقاً للشرع؛ فإذا قرن بـ «العدل» صار المراد
стр. 1055
بـ «الإحسان» الفضل الزائد على العدل، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]؛ فـ «الإحسان» تارة يراد به موافقة الشرع - ولو كان شيئاً واجباً -؛ وتارة يراد به ما زاد على الواجب؛ وهذا إذا قُرن بـ «العدل»، كما سبق.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾؛ وربما يشعر قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ أن الأولى عدم ذلك؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها، وقدم إليها الصداق فيه شيء على المرأة، وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره، وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعاً متعجلاً.
٢ - ومنها: إطلاق المس على الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿ما لم تمسوهن﴾.
٣ - ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر؛ لقوله تعالى: ﴿أو تفرضوا﴾ يعني: ما لم تفرضوا لهن فريضة؛ وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة، وشرط ألا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح غير صحيح - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وهو الراجح؛ لأن الله اشترط للحل المال؛ قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]؛ ولأن النكاح إذا شرط فيه عدم المهر صار بمعنى الهبة؛ والنكاح بالهبة خاص بالنبي ﷺ ؛ والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يشترط المهر ويعيَّن؛ وإما أن يسكت عنه؛ وإما أن
стр. 1056
يشترط عدمه؛ ففي الحال الأولى يكون النكاح صحيحاً، ولا نزاع فيه؛ وفي الثانية النكاح صحيح، ولها مهر المثل؛ وفي الثالثة موضع خلاف بين أهل العلم؛ وسبق بيان الراجح.
٤ - ومن فوائد الآية: وجوب المتعة على من طلق قبل الدخول، ولم يسم لها مهراً؛ لقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾.
٥ - ومنها: أن ظاهر الآية الكريمة أنه إذا خلا بها، ولم يمسها لم يكن عليه إلا المتعة؛ لكن الصحابة ألحقوا الخلوة بها بالمسيس في وجوب العدة؛ وقياس ذلك وجوب مهر المثل إذا خلا بها، ولم يسم لها صداقاً.
٦ - ومنها: أن العبرة في المتعة حالُ الزوج: إن كان موسراً فعليه قدره؛ وإن كان معسراً فعليه قدره؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.
٧ - ومنها: امتناع التكليف بما لا يطاق؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾؛ وهذه القاعدة دل عليها القرآن في عدة مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٨ - ومنها: مراعاة الأحوال في الأحكام؛ فيثبت في كل حال ما يناسبها؛ لقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾.
٩ - ومنها: أن للعرف اعتباراً شرعياً؛ لقوله تعالى: ﴿متاعاً بالمعروف﴾.
١٠ - ومنها: أن الحق إما أن يكون في الأخبار، أو يكون في الأحكام؛ فإن كان في الأخبار فهو الصدق؛ وإن كان في
стр. 1057
الأحكام فهو العدل؛ وقد يجمع بين العدل وبين الصدق، فيحمل الصدق على الخبر؛ والعدل على الأحكام، مثل قوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
القرآن
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: ٢٣٧)
التفسير:
﴿٢٣٧﴾ قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾؛ وفي قراءة: «تماسوهن»، وسبق توجيههما، ومعناهما.
قوله تعالى: ﴿وقد فرضتم لهن فريضة﴾ أي قدرتم لهن مهراً، كعشرة آلاف مثلاً؛ والجملة في موضع نصب على الحال؛ وهي في مقابل قوله تعالى فيما سبق: ﴿ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾.
قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم﴾؛ الفاء واقعة في جواب الشرط، وهو قوله تعالى: ﴿إن طلقتموهن﴾؛ و «نصف» مبتدأ خبره محذوف؛ وتقدير هذا الخبر: «فلهن»؛ أو «فعليكم»؛ ويجوز أن نجعل «نصف» خبر المبتدأ المحذوف؛ ويكون التقدير: فالواجب نصف ما فرضتم.
стр. 1058
قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾ استثناء من أعم الأحوال - أي فنصف ما فرضتم في كل حال إلا في هذه الحال -؛ و ﴿أن﴾ حرف مصدر ينصب الفعل المضارع؛ لكنه اتصل بنون النسوة، فكان مبنياً على السكون؛ وضمير النسوة يعود على النساء المطلقات.
قوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾؛ قيل: المراد به الزوج؛ وقيل: وليّ المرأة؛ والصواب الأول؛ لأن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح إذا شاء أبقاها؛ وإذا شاء حلها بالطلاق؛ ولأن وليّ المرأة قد لا يملك إسقاط شيء من مهرها، كابن العم مثلاً؛ ولأنه إذا قيل: هو الزوج صار العفو من جانبين؛ إما من الزوجة، كما يفيده قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ أو من الزوج، كما يفيده قوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾؛ وإذا قيل: إنه وليّ المرأة صار العفو من جانب واحد؛ وهو الزوجة، أو وليها؛ ويؤيد الترجيح قوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾؛ ولو كان المراد وليّ المرأة لقال تعالى: «وأن يعفوَ» بالياء، وفتح الواو؛ فإن قيل: كيف يكون الزوج عافياً وهو الباذل؟ فالجواب أن هذا مبني على الغالب؛ وهو أن الزوج قد سلم المهر؛ فإذا طلقها قبل الدخول صار له عند المرأة نصف المهر؛ فإذا عفا عن مطالبتها به صار أقرب للتقوى.
وقوله تعالى: ﴿عقدة النكاح﴾ إشارة إلى أن النكاح ربط بين الزوجين، كما تربط العقدة بين طرفي الحبل.
قوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾ أي أن تعفوا أيها الأزواج عما تستحقون من المهر إذا طلقتم قبل الدخول - وهو نصف المهر - أقرب للتقوى.
стр. 1059
قوله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾، أي لا تتركوا الفضل - أي الإفضال بينكم - بالتسامح، والعفو.
قوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون﴾، أي بكل ما تعملون من خير وشر ﴿بصير﴾ أي عليم.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أنه إذا طلقها قبل المسيس وقد سمى لها صداقاً وجب لها نصف المهر.
٢ - ومنها: أنه إذا خلا بها، ولم يمسها لم يكن عليه إلا نصف المهر؛ لكن الصحابة ألحقوا الخلوة بها بالمسيس في وجوب العدة؛ وقياس ذلك وجوب المهر كاملاً إذا خلا بها.
٣ - ومنها: جواز الطلاق قبل المسيس مع تعيين المهر؛ وجهه أن الله أقر هذه الحال، ورتب عليها أحكاماً؛ ولو كانت حراماً ما أقرها، ولا رتب عليها أحكاماً؛ وعلى هذا فيكون ارتباط الآية بما قبلها ظاهراً؛ لأن الآية قبلها فيما إذا طلِّقت قبل المسيس ولم يسمَّ لها مهر؛ وهذه الآية فيما إذا طلقت قبل المسيس وسُمي لها مهر؛ وإن طلقت بعد المسيس؛ إن سُمي لها مهر فلها المهر كاملاً؛ وإن لم يسمَّ لها مهر فلها مهر المثل.
٤ - ومن فوائد الآية: أن تعيين المهر إلى الزوج لا إلى الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿وقد فرضتم﴾.
٥ - ومنها: جواز إسقاط المرأة ما وجب لها من المهر عن الزوج، أو بعضه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ ويشترط لذلك أن تكون حرة بالغة عاقلة رشيدة.
٦ - ومنها: جواز تصرف المرأة في مالها - ولو على سبيل
стр. 1060
التبرع - لقوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون﴾؛ وهل نقول: عمومه يقتضي جواز عفوها - وإن كان عليها دين يستغرق؛ أو نقول: إن كان عليها دين يستغرق فليس لها أن تعفو؟ يحتمل هذا، وهذا؛ وظاهر الآية العموم؛ لكن تبرع المدين لا ينفذ على القول الراجح إذا كان يضر بالغرماء؛ لكن قد يقال: هذا ليس تبرعاً محضاً؛ وإنما هو إسقاط ما وجب على الغير؛ وليس كالتبرع المحض الذي ينتزع من مال المدين.
٧ - ومنها: جواز عفو الزوج عما يبقى له من المهر إذا طلق قبل الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾؛ ويقال فيما إذا كان مديناً كما قيل في عفو الزوجة.
٨ - ومنها: أن النكاح من العقود؛ لقوله تعالى: ﴿عقدة النكاح﴾ ويترتب على هذه الفائدة جواز التوكيل فيه؛ لأن النبي ﷺ وكَّل في العقود؛ فيجوز أن يوكل الإنسان من يعقد النكاح له؛ وحينئذٍ يقول وليّ المرأة لوكيل الزوج: زوجت موكِّلَك فلاناً بنتي فلانة؛ ولا يصح أن يقول: زوجتك بنتي فلانة؛ ويقول وكيل الولي للزوج: زوجتك بنت موكلي فلانٍ فلانة؛ ولا يصح أن يقول: زوجتك فلانة بنت فلان؛ لأن لا بد من النص على الوكالة، حيث إنه لا بد من الشهادة على عقد النكاح؛ وإذا لم يصرح بما يدل على الوكالة أوهم أن العقد للوكيل؛ وقال بعض العلماء: إنه إذا كان معلوماً عند الجميع أن العقد بوكالة لم يحتج إلى ذكر موكل؛ والأول أحوط سداً للباب؛ لئلا يدعي الوكيل أنه فسخ الوكالة، ونوى العقد لنفسه.
وهل يثبت لعقد النكاح ما يثبت لعقد البيع من خيار
стр. 1061
المجلس، أو خيار الشرط؟ أما خيار المجلس فلا يثبت؛ لأن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار» (١)؛ ولا يصح قياس النكاح على البيع؛ لأن النكاح غالباً إنما يصدر بعد تروٍّ دقيق، ونظر، وبحث؛ بخلاف البيع فقد يصدر عن عجلة، وعن حرص على الربح بدون أن يتروى الإنسان؛ واحتياط الإنسان لعقد النكاح أشد من احتياطه للبيع.
لكن هل يثبت فيه خيار الشرط فالمذهب أنه لا يثبت فيه خيار الشرط؛ واختار شيخ الإسلام أنه يجوز خيار الشرط في النكاح؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٢)، وقوله ﷺ : «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً، أو حرم حلالاً» (٣)؛ وهذا القول قد تحتاج إليه المرأة فيما إذا أراد الزوج أن يسكنها مع أهله؛ فتشترط عليه الخيار؛ وهذا له حالان:
стр. 1062
الحال الأولى: أن تشترط عليه الخيار في أصل العقد: فَتَفسَخ النكاح إذا لم يمكن المقام معهم.
الحال الثانية: أن تشترط عليه الخيار في البقاء مع أهله - يعني إن استقامت الحال؛ وإلا أنزلها في بيت آخر.
٩ - ومن فوائد الآية: الترغيب في العفو؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾؛ وقد حث الله على العفو، وبيَّن أن أجر العافي على الله ؛ ولكنه تعالى قيد ذلك بما إذا كان العفو إصلاحاً فقال تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ [الشورى: ٤٠].
١٠ - ومنها: أن الأعمال تتفاضل؛ لقوله تعالى: ﴿أقرب للتقوى﴾.
١١ - ومنها: أن الناس يتفاضلون في الإيمان؛ لأن تفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل؛ والأعمال من الإيمان، كما قد تقرر في غير هذا الموضع.
١٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا ينسى الفضل مع إخوانه في معاملته؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾؛ وقد جاء في الحديث: «رحم الله عبداً سمحاً إذا باع؛ سمحاً إذا اشترى؛ سمحاً إذا اقتضى» (١)؛ فإن هذا فيه من حسن المعاملة ما هو ظاهر؛ والدين الإسلامي يحث على حسن المعاملة، وعلى حسن الخلق، وعلى البر كله.
١٣ - ومنها: إحاطة علم الله ، وبصره بكل
стр. 1063
شيء مما نعمله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾.
١٤ - ومنها: الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل السيء؛ لأن ختم الآية بهذه الجملة مقتضاه: احرصوا على العمل الصالح؛ فإنه لن يضيع؛ واحذروا من العمل السيء؛ فإنكم تجازون عليه؛ لأن كلاً معلوم عند الله .
القرآن
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨)) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٣٩)
التفسير:
فإن قال قائل: ما وجه ارتباط هاتين الآيتين بما يتعلق بشأن العدة للنساء؟
فالجواب: أن ترتيب الآيات توقيفي ليس للعقل فيه مجال؛ والله أعلم بما أراد؛ وقد التمس بعض المفسرين حكمة لهذا؛ ولكن لما لم يتعين ما ذكره أحجمنا عن ذكرها؛ ونَكِلُ العلم إلى منزل هذا الكتاب العظيم، ونعلم أنه لابد أن يكون هناك حكمة، أو حِكَم؛ لأن الله حكيم عليم.
﴿٢٣٨﴾ قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾: «المحافظة» الاستمرار في حفظ الشيء مع العناية به؛ ولم يبين الله في هذه الآية كيفية المحافظة؛ لكن بينت في مواضع أخرى من
стр. 1064
الكتاب، والسنة؛ وهو أبلغ من قولك: «احفظ كذا»؛ بدليل أنك لو أعطيتني وديعة، وقلت: «حافظ عليها»، أو قلت: «هذه وديعة احفظها» لكان الأول أبلغ؛ فلهذا جاءت في الآية: ﴿حافظوا على الصلوات﴾؛ و ﴿الصلوات﴾ جمع صلاة؛ وهي في اللغة: الدعاء؛ وفي الشرع العبادة المعروفة.
قوله تعالى: ﴿والصلاة الوسطى﴾ أي الفضلى؛ وهي صلاة العصر، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ (١)؛ ولا عبرة بما خالفه؛ لأن النبي ﷺ أعلم الناس بمراد الله؛ وقد قال الله : ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل: ٤٤].
قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾: هذا أمر بالقيام؛ ولا إشكال فيه؛ وهل المراد بالقيام هنا المكث على الشيء، أو القيام على القدمين؟ هو المعنيان جميعاً؛ واللام في قوله تعالى: ﴿لله﴾ للإخلاص.
قوله تعالى: ﴿قانتين﴾ حال من الواو في ﴿قوموا﴾ أي حال كونكم قانتين؛ و «القنوت» يطلق على عدة معانٍ؛ منها: دوام العبادة، والطاعة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [التحريم: ١٢]؛ ويطلق «القنوت» على «الخشوع» - وهو السكوت تعظيماً لمن قنت له؛ وعليه
стр. 1065
يدل سبب نزول الآية؛ فإنه كان أحدهم يكلم صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ فأمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام؛ (١) إذاً فـ «القنوت» خشوع القلب الذي يظهر فيه خشوع الجوارح؛ ومنها اللسان حتى لا يتكلم الإنسان مع الناس؛ ليتجه إلى صلاته؛ وكذلك لا يفعل إلا ما يتعلق بصلاته.
﴿٢٣٩﴾ قوله تعالى: ﴿فإن خفتم﴾ أي خفتم حصول مكروه بالمحافظة على ما ذُكر بأن أخافكم عدو، أو حريق، أو سيل، أو ما أشبه ذلك مما يخاف منه الإنسان.
قوله تعالى: ﴿فرجالاً﴾ أي على الأرجل؛ وهي جمع راجل؛ و «الراجل» هو الذي يمشي على رجليه؛ لأنه قابله بقوله تعالى: ﴿أو ركباناً﴾ أي راكبين؛ و ﴿رجالاً﴾ منصوبة على الحال على تأويل: راجلين؛ وعاملها، وصاحبها محذوفان؛ والتقدير: فصلوا رجالاً.
قوله تعالى: ﴿أو ركباناً﴾ جمع راكب.
قوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم﴾ أي زال الخوف عنكم ﴿فاذكروا الله﴾ أي أقيموا الصلاة؛ وسماها ذكراً؛ لأنها هي ذكر، ومشتملة على ذكر؛ قال تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾
стр. 1066
[العنكبوت: ٤٥] قال بعض المفسرين: أي ولَما فيها من ذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء، والمنكر.
قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله كما علمكم﴾؛ الكاف هنا يحتمل أن تكون للتعليل، أو التشبيه؛ فعلى الأول يكون المعنى: اذكروا الله لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمون؛ وعلى الثاني يكون المعنى: اذكروا الله على الصفة التي بينها لكم - وهي أن تكون صلاة أمن لا صلاة خوف؛ والمعنيان لا منافاة بينهما؛ فتحمل الآية عليهما.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: وجوب المحافظة على الصلوات؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات﴾؛ والأصل في الأمر الوجوب.
فإن قيل: إن النوافل لا تجب المحافظة عليها؟
فالجواب أنه لا مانع من استعمال المشترك في معنييه؛ فتكون المحافظة على الفرائض واجبة؛ وعلى النوافل سنة.
٢ - ومن فوائد الآيتين: فضيلة صلاة العصر؛ لأن الله خصها بالذكر بعد التعميم؛ وهي أفضل الصلاتين المفضلتين - العصر، والفجر؛ وقد بين النبي ﷺ فضلهما في أحاديث؛ منها قوله ﷺ : «من صلى البردين دخل الجنة» (١)، وقوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته؛ فإن
стр. 1067
استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» (١).
٣ - ومنها: وجوب القيام؛ لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله﴾.
٤ - ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لقوله تعالى: ﴿لله﴾.
٥ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان إذا تعبد لله أن يستشعر أمر الله؛ لأنه أبلغ في الامتثال، والطاعة؛ وكذلك ينبغي أن يستحضر أنه متأسٍ برسول الله ﷺ كأنما يشاهده رأي عين؛ لقول النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢) - فتتم له المتابعة.
٦ - ومنها: الأمر بالقنوت لله ؛ وهو خشوع القلب الذي يظهر منه سكون الجوارح؛ لقوله تعالى: ﴿قانتين﴾.
٧ - ومنها: تحريم الكلام في الصلاة - بناءً على سبب النزول؛ وهو أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية؛ فأمروا بالسكوت، ونهوا عن الكلام.
٨ - ومنها: وجوب القيام في الصلاة؛ ويستثني من ذلك:
أ - صلاة النافلة؛ لدلالة السنة على جوازها من قاعد؛ هذا إذا جعلنا قوله تعالى: ﴿الصلوات﴾ عامة؛ وأما إذا جعلناها خاصة بالفرائض فلا استثناء.
стр. 1068
ب - ويستثني أيضاً الخائف، مثل أن يصلي خلف الجدار إن قام علم به عدوه فمال عليه؛ وإن صلى جالساً سَلِم.
ج - ويستثني أيضاً العاجز؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
د - ويستثني أيضاً المأموم القادر على القيام إذا صلى إمامه العاجز عنه قاعداً من أول صلاته؛ لقول النبي ﷺ في الإمام: «إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون» (١)؛ أما إذا طرأ عليه العجز في أثناء الصلاة فإن المأمومين يتمونها قياماً؛ لقصة صلاة أبي بكر بالناس، حيث ابتدأ بهم الصلاة قائماً؛ فلما حضر النبي ﷺ في أثناء الصلاة صلى جالساً، وأتموا خلفه قياماً (٢).
٩ - ومن فوائد الآيتين: سعة رحمة الله ، وأن هذا الدين يسر؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾؛ لأن هذا من التيسير على العباد.
١٠ - ومنها: جواز الحركة الكثيرة في الصلاة للضرورة؛ لقوله تعالى: ﴿فرجالاً﴾؛ لأن الراجل - وهو الماشي - يتحرك حركة كثيرة.
стр. 1069
١١ - ومنها: جواز الصلاة على الراحلة في حال الخوف؛ لقوله تعالى: ﴿أو ركباناً﴾؛ أما في حال الأمن فلا تجوز الصلاة على الراحلة إلا النافلة؛ إلا إذا تمكن من الإتيان بالصلاة على وجه التمام فإنه يجوز؛ ولهذا جوزنا الصلاة في السفينة، وفي القطار، وما أشبه ذلك؛ لأنه سيأتي بها على وجه التمام بخلاف الراحلة من بعير، وسيارة، وطائرة إلا أن يكون في الطائرة مكان متسع يتمكن فيه من الإتيان بالصلاة كاملة: فتصح؛ لكن إذا خاف الإنسان خروج الوقت يصلي على أي حال - ولو مضطجعاً - في أيّ مكان.
١٢ - ومن فوائد الآيتين: أنه يجب على المرء القيام بالعبادة على التمام متى زال العذر؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾.
١٣ - ومنها: أن الصلاة من الذكر؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾؛ والكلام هنا في الصلاة.
١٤ - ومنها: بيان منة الله علينا بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾.
١٥ - ومنها: بيان نقص الإنسان لكون الأصل فيه الجهل، حيث قال تعالى: ﴿كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾؛ فالأصل في الإنسان الجهل حتى يُعَلِّمَه الله .
١٦ - ومنها: الرد على القدرية الذين يقولون: «إن الإنسان مستقل بعمله»؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمكم﴾؛ والرد على الجبرية أيضاً؛ لتوجيه الأوامر إلى الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿حافظوا﴾، وقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله﴾، وما أشبههما؛ لأننا لو قلنا بأن
стр. 1070
العبد مجبر صار توجيه الخطاب إليه نوعاً من العبث؛ لأنه أمر بما لا يطاق، ولا يمكن تطبيقه.
القرآن
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٤٠)
التفسير:
﴿٢٤٠﴾ قوله تعالى: ﴿وصية﴾ فيها قراءتان: النصب، والرفع؛ وقوله تعالى: ﴿الذين﴾ مبتدأ؛ و ﴿وصية﴾ بالرفع مبتدأ خبره محذوف؛ والتقدير: عليهم وصية؛ والجملة: خبر ﴿الذين﴾؛ أما على قراءة النصب فإن خبر ﴿الذين﴾ جملة فعلية محذوفة؛ والتقدير: يوصُون وصيةً؛ أو نوصيهم وصية - على خلاف في ذلك: هل هي وصية من الله؛ أو منهم؛ فإن كانت من الله فالتقدير: نوصيهم وصية؛ وإن كانت منهم فالتقدير: يوصُون وصية؛ والجملة المحذوفة خبر ﴿الذين﴾؛ والرابط الضمير في الجملة المحذوفة سواء قلنا: «عليهم وصية»؛ أو قلنا: «نوصيهم وصية»، أو «يوصُون وصية».
قوله تعالى: ﴿متاعاً إلى الحول﴾؛ ﴿متاعاً﴾ مصدر لفعل محذوف؛ والتقدير: يمتعونهن متاعاً إلى الحول؛ و ﴿غير إخراج﴾ إما صفة لمصدر محذوف؛ أي متاعاً غير إخراج؛ أي متعة غير مخرجات فيها؛ أو أنها حال من الفاعل في الفعل المحذوف.
стр. 1071
قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾؛ هذه «لا» النافية للجنس، واسمها، وخبرها؛ وقوله تعالى: ﴿من معروف﴾ متعلق بـ ﴿فعلْن﴾؛ وباقي الآية إعرابها ظاهر، وواضح.
قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم﴾ أي يُقبَضون؛ والمراد: الموت؛ و ﴿منكم﴾ الخطاب لعموم الأمة؛ وليس خاصاً بالصحابة ﵃؛ لأن القرآن نزل للجميع إلى يوم القيامة؛ فالخطاب الموجود فيه عام لكل الأمة؛ إلا إذا دل دليل على الخصوصية، كما في قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًّا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠].
قوله تعالى: ﴿ويذرون﴾ أي يتركون؛ وهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿يتوفون﴾؛ و ﴿أزواجاً﴾ أي زوجات لهم.
قوله تعالى: ﴿وصية لأزواجهم﴾ أي عهداً لأزواجهم؛ ولا تكون الوصية إلا في الأمر الذي له شأن، وبه اهتمام؛ ﴿إلى الحول﴾ أي إلى تمام الحول من موت الزوج؛ و ﴿غير إخراج﴾ أي من الورثة الذين يرثون المال بعد الزوج؛ ومنه البيت الذي تسكن فيه الزوجة.
قوله تعالى: ﴿فإن خرجن﴾ أي خرج الزوجات من البيت قبل الحول؛ ﴿فلا جناح عليكم﴾ أي لا إثم عليكم ﴿فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾ أي مما يعرفه الشرع، والعرف، ولا ينكره.
قوله تعالى: ﴿والله عزيز حكيم﴾ أي ذو عزة، وحُكم، وحِكمة.
стр. 1072
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن الزوجة تبقى زوجيتها حتى بعد الموت؛ لقوله تعالى: ﴿ويذرون أزواجاً﴾؛ ولا يقول قائل: إن المراد باعتبار ما كان؛ لأن هذا خلاف الأصل.
فإن قال قائل: فإذا كان الأمر كذلك فإنها لا تحل لأحد بعده؟
قلنا: هي مقيدة بمدة العدة؛ ويدل على ذلك أن المرأة إذا مات زوجها جاز أن تغسله؛ ولو كانت أحكام الزوجية منقطعة ما جاز لها أن تغسِّل زوجها.
٢ - ومنها: أنه يشرع للزوج أن يوصي لزوجته أن تبقى في بيته، وينفق عليها من تركته لمدة حول كامل؛ هذا ما تفيده الآية؛ فهل هذا الحكم منسوخ، أو محكم؟ على قولين للعلماء؛ أحدهما: أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ ويؤيده ما في صحيح البخاري حينما سئل عثمان ﵁: لماذا أبقيت هذه الآية وهي منسوخة؛ ولماذا وضعتها بعد الآية الناسخة - وكان الأولى أن تكون المنسوخة قبل الآية الناسخة لمراعاة الترتيب؟ فأجاب عثمان ﵁ بأنه لا يغير شيئاً من مكانه (١)؛ وذلك لأن الترتيب بين الآيات توقيفي؛ فهذه الآية توفي رسول الله ﷺ وهي تتلى في القرآن، وفي مكانها؛ ولا يمكن أن تغير؛ وعلى هذا فتكون هذه الآية منسوخة بالآية السابقة بالنسبة للعدة؛ وأما بالنسبة
стр. 1073
لما يوصي به الزوج من المال فهو منسوخ بآية المواريث - وهي قوله تعالى: ﴿ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾ [النساء: ١٢]، وقول النبي ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث» (١).
والقول الثاني: أن الآية محكمة؛ فتحمل على معنًى لا يعارض الآية الأخرى؛ فيقال: إن الآية الأخرى يخاطَب بها الزوجة: تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشراً؛ والآية الثانية يخاطَب بها الزوج ليوصي لزوجته بما ذُكر.
٣ - ومن فوائد الآية: أن الله ذو رحمة واسعة حتى أوصى الزوج بأن يوصي لزوجته مع أن الزوج قد جعل الله فيه رحمة لزوجته حين قال الله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ [الروم: ٢١]؛ ورحمة الله لهذه الزوجة أعظم من رحمة الزوج لها.
٤ - ومنها: أن المرأة يحل لها إذا أوصى زوجها أن تبقى في البيت أن تخرج، ولا تنفذ وصيته؛ لقوله تعالى: ﴿فإن خرجن
стр. 1074
فلا جناح عليكم﴾؛ لأن هذا شيء يتعلق بها، وليس لزوجها مصلحة فيه.
ويتفرع عليه لو أوصى الزوج الزوجة ألا تتزوج من بعده لا يلزمها؛ لأنه إذا كان لا يلزمها أن تبقى في البيت مدة الحول فلأن لا يلزمها أن تبقى غير متزوجة من باب أولى.
وكذلك يؤخذ منه قياساً كل من أوصى شخصاً بأمر يتعلق بالشخص الموصى له فإن الحق له في تنفيذ الوصية، وعدم تنفيذها.
٥ - ومن فوائد الآية: أن المسؤولين عن النساء هم الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾.
٦ - ومنها: أن على الرجال الإثم فيما إذا خرجت المرأة عن المعروف شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف﴾.
ويتفرع على هذا أن كل مسؤول عن شخص إذا تمكن من منعه عن المنكر فإنه يمنعه؛ ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن الإنسان ما دام مسؤولاً فإنه إذا فرط في مسؤوليته كان وازراً، ووزره على نفسه.
٧ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج عن المعروف في جميع أحوالها؛ و «المعروف» هو ما أقره الشرع والعرف جميعاً؛ فلو خرجت في لباسها، أو مشيتها، أو صوتها، عن المعروف شرعاً فهي آثمة؛ وعلينا أن نردعها عن الخروج على هذا الوجه.
٨ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «العزيز»،
стр. 1075
و «الحكيم»؛ وإثبات ما تضمناه من صفة سواء كان ذلك عن طريق اللزوم، أو المطابقة، أو التضمن؛ وهي العزة، والحكمة، والحُكم؛ وقد سبق تفسير ذلك.
٩ - ومنها: إثبات العزة، والحكمة على سبيل الإطلاق، لأن الله أطلق: قال: ﴿عزيز حكيم﴾؛ فيكون عزيزاً في كل حال؛ وحكيماً حاكماً في كل حال.
القرآن
(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: ٢٤١)
التفسير:
﴿٢٤١﴾ قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف﴾؛ الجملة مكونة من مبتدأ، وخبر؛ فالخبر مقدم: ﴿للمطلقات﴾؛ والمبتدأ مؤخر؛ وهو قوله تعالى: ﴿متاع بالمعروف﴾؛ ومن ثم جاز الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه يجوز الابتداء بالنكرة إذا تأخر المبتدأ.
وقوله تعالى: ﴿وللمطلقات﴾ من ألفاظ العموم؛ لأن «أل» فيها اسم موصول؛ فيشمل كل المطلقات بدون استثناء؛ وهن من فارقهن أزواجهن؛ وسمي طلاقاً؛ لأن الزوجة قبله في قيد النكاح؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان» (١) أي أسيرات؛ وقال تعالى عن امرأة العزيز: ﴿وألفيا
стр. 1076
سيدها لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥]؛ و ﴿سيدها﴾: زوجها.
قوله تعالى: ﴿متاع﴾ أي ما تتمتع به من لباس، وغيره؛ وقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ متعلق بـ ﴿متاع﴾؛ يعني: هذا المتاع مقيد بالمعروف - أي ما يعرفه الناس -؛ وهذا قد يكون مفسَّراً بقوله تعالى: ﴿وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٦]، أي المتاع على الموسر بقدر إيساره؛ وعلى المعسر بقدر إعساره.
قوله تعالى: ﴿حقًّا﴾ مصدر منصوب على المصدرية عامله محذوف؛ والتقدير: نحقه حقاً؛ و «الحق» هنا بمعنى الحتم الثابت؛ و ﴿على المتقين﴾ أي ذوي التقوى؛ و «التقوى» هي القيام بطاعة الله على علم وبصيرة؛ وما أحسن ما قاله بعضهم: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ ولا يعني قوله تعالى: ﴿على المتقين﴾ أنه لا يجب على غير المتقين؛ ولكن تقييده بالمتقين من باب الإغراء، والحث على لزومه؛ ويفيد أن التزامه
стр. 1077
من تقوى الله ؛ وأن من لم يلتزمه فقد نقصت تقواه.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: وجوب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وللمطلقات﴾؛ ويستثنى من ذلك:
أ - من طلقت قبل الدخول وقد فرض لها المهر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ب - من طلقت بعد الدخول فلها المهر: إن كان مسمًّى فهو ما سمي؛ وإن لم يكن مسمًّى فمهر المثل؛ واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن من طلقت بعد الدخول فلها المتعة على زوجها مطلقاً؛ لعموم الآية.
٢ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي تأكيد الحقوق التي قد يتهاون الناس بها؛ لقوله تعالى: ﴿حقًّا على المتقين﴾.
٣ - ومنها: أنه ينبغي ذكر الأوصاف التي تحمل الإنسان على الامتثال فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور؛ لقوله تعالى: ﴿حقًّا على المتقين﴾؛ لأن عدم القيام به مخالف للتقوى؛ والقيام به من التقوى.
٤ - ومنها: اعتبار العرف؛ لقوله تعالى: ﴿متاعاً بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٦]؛ وهذا ما لم يكن العرف مخالفاً للشرع؛ فإن كان مخالفاً له وجب رده إلى الشرع.
٥ - ومنها: أن التقوى تحمل على طاعة الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
стр. 1078
القرآن
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٢٤٢)
التفسير:
﴿٢٤٢﴾ قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته﴾، أي مثلَ ذلك البيان السابق يبين الله لكم آياته؛ فالكاف في محل المفعول المطلق؛ ومعنى «البيان» التوضيح؛ أي أن الله يوضحه حتى لا يبقى فيه خفاء؛ و ﴿لكم﴾ يحتمل أن تكون اللام لتعدية الفعل: ﴿يبين﴾؛ ويحتمل أن تكون اللام للتعليل؛ أي يبين الآيات لأجلكم حتى تتبين لكم، وتتضح؛ و ﴿آياته﴾ جمع آية؛ وهي العلامة المعينة لمدلولها؛ وتشمل الآيات الكونية والشرعية؛ فإن الله بيّن لنا من آياته الكونية والشرعية ما لا يبقى معه أدنى شبهة في أن هذه الآيات علامات واضحة على وجود الله ، وعلى ما له من حكمة، ورحمة، وقدرة.
قوله تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾؛ «لعل» هنا للتعليل؛ أي لتكونوا من ذوي العقول الرشيدة.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: منة الله على عباده بتبيين الآيات؛ لقوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾.
٢ - ومنها: أن مسائل النكاح والطلاق، قد يخفى على الإنسان حكمتها؛ لأن الله جعل بيان ذلك إليه، فقال تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم﴾.
стр. 1079
٣ - ومنها: الرد على المفوضة - أهل التجهيل؛ وعلى أهل التحريف - الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم آياته﴾؛ لأن أهل التفويض يقولون: إن الله لم يبين ما أراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وأنها بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم معناها؛ وأهل التحريف يقولون: إن الله لم يبين المعنى المراد في آيات الصفات، وأحاديثها؛ وإنما وكل ذلك إلى عقولنا؛ وإنما البيان بما ندركه نحن بعقولنا؛ فنقول: لو كان الأمر كما ذكرتم لكان الله يبيّنه؛ فلما لم يبين ما قلتم علم أنه ليس بمراد.
٤ - ومن فوائد الآية: الثناء على العقل، حيث جعله الله غاية لأمر محمود - وهو تبيين الآيات؛ والمراد عقل الرشد السالم من الشبهات، والشهوات - أي الإرادات السيئة.
٥ - ومنها: إثبات العلة لأفعال الله؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تعقلون﴾.
٦ - ومنها: أنه لا يمكن أن يوجد في الشرع حكم غير مبين؛ لقوله تعالى: ﴿يبين الله لكم آياته﴾؛ والآيات هنا جمع مضاف؛ فيعم.
فإن قال قائل: إننا نجد بعض النصوص تخفى علينا؟
فالجواب: أن ذلك إما لقصور في فهمنا؛ وإما لتقصير في تدبرنا؛ وإما لنقص في علومنا؛ أما أن النص نفسه لم يبين فهذا شيء مستحيل.
стр. 1080
القرآن
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (البقرة: ٢٤٣)
التفسير:
﴿٢٤٣﴾ قوله تعالى: ﴿ألم﴾: الاستفهام الداخل هنا على النفي يراد به التقرير، والتعجيب أيضاً: ﴿تر﴾ أي تنظر؛ والخطاب هنا إما لرسول الله ﷺ ؛ أو لكل من يتأتى خطابه؛ والأخير أحسن؛ لأنه أعم؛ و «الرؤية» هنا رؤية الفكر؛ لا رؤية البصر.
قوله تعالى: ﴿إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾؛ لم يبين الله من هؤلاء الذين خرجوا؛ فقيل: إنهم من بني إسرائيل؛ وقيل: إنهم من غيرهم؛ والمهم القصة، والقضية التي وقعت؛ و ﴿من ديارهم﴾ أي من بيوتهم، وأحيائهم التي يأوون إليها؛ ﴿وهم ألوف﴾: الجملة في موضع نصب على الحال من الواو في ﴿خرجوا﴾؛ وكلمة: ﴿ألوف﴾ جمع ألف؛ وهو من صيغ جموع الكثرة؛ فقيل: إنهم ثمانية آلاف؛ وقيل: ثمانون ألفاً؛ وإذا نظرت إلى صيغة اللفظ - ﴿وهم ألوف﴾ - تجد أنها تدل على أنهم أكثر من ثمانية آلاف؛ وأنهم عالم كثير؛ و ﴿حذر الموت﴾ مفعول لأجله؛ والعامل قوله تعالى: ﴿خرجوا﴾ يعني خرجوا خوفاً من الموت؛ وهل هذا الموت طبيعي؛ لأنه نزل في أرضهم وباء؛ أو الموت بالقتال في سبيل الله؟ في ذلك قولان لأهل العلم: فمنهم من يقول - وهم أكثر المفسرين -: إن
стр. 1081
المراد: خرجوا من ديارهم خوفاً من الموت لوباء وقع في البلاد؛ فخرجوا فراراً من قدر الله؛ فأراد الله أن يريهم أنه لا مفر منه إلا إليه؛ وقيل: إن المراد: خرجوا حذر الموت بالقتل؛ لأنهم دهمهم العدو؛ ولكنهم جبنوا، وخرجوا خوفاً من أن يقتلهم العدو؛ فالذين قالوا بالأول قالوا: لأنا إذا أخذنا الآية بظاهرها - ﴿حذر الموت﴾ - تبين أنه نزل في أرضهم وباء، فخرجوا من ديارهم خوفاً من الوباء؛ والذين قالوا بالثاني قالوا: لأن الله قال بعدها: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٤٤]؛ فكأن الله عرض قصة هؤلاء الذين جبنوا، وهربوا توطئة لأمرنا بالقتال في سبيل الله، وأن نصبر.
قوله تعالى: ﴿فقال لهم الله موتوا﴾ أي قال لهم قولاً كونياً، كقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢].
قوله تعالى: ﴿ثم أحياهم﴾؛ «ثم» تدل على التراخي، وأن الله أحياهم بعد مدة؛ وقيل: إنه أحياهم لسبب؛ وهو أن نبياً من الأنبياء مرّ بهم وهم ألوف مؤلفة جثث هامدة؛ فدعا الله أن يحييهم؛ فأحياهم الله؛ وقال بعض المفسرين: إن الله أحياهم بدون دعوة نبي؛ وهذا هو ظاهر اللفظ؛ وأما الأول فلا دلالة عليه؛ وعليه فنقول: إن الله أحياهم ليُري العباد آياته.
قوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾: اللام هنا للتوكيد؛ و «ذو» بمعنى صاحب؛ و «الفضل» بمعنى العطاء، والتفضل.
قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ أي لا يقومون
стр. 1082
بشكر الله حين يتفضل عليهم؛ و «الشكر» طاعة المتفضل.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أنه لا فرار من قدر الله؛ لقوله تعالى: ﴿حذر الموت فقال لهم الله موتوا﴾؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال في الطاعون: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» (١).
٢ - ومنها: تمام قدرة الله بإماتة الحيّ، وإحياء الميت؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا﴾؛ فماتوا بدليل قوله تعالى: ﴿ثم أحياهم﴾.
٣ - ومنها: أن فيها دلالة على البعث؛ وجهه: أن الله أحياهم بعد أن أماتهم.
٤ - ومنها: أن بيان الله آياته للناس، وإنقاذهم من الهلاك من فضله؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾.
٥ - ومنها: أن لله نعمة على الكافر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿على الناس﴾؛ ولكن نعمة الله على الكافر ليست كنعمته على المؤمن؛ لأن نعمته على المؤمن نعمة متصلة بالدنيا والآخرة؛ وأما على الكافر فنعمة في الدنيا فقط.
٦ - ومنها: أن الشاكر من الناس قليل؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾.
стр. 1083
٧ - ومنها: أن العقل يدل على وجوب شكر المنعم؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾؛ وهذا على سبيل الذم؛ فيكون من لا يشكر مذموماً عقلاً، وشرعاً.
٨ - ومنها: أن كلام الله بحروف مرتبة؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا﴾؛ فيكون فيه رد على من قال: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه.
٩ - ومنها: أن معنى قوله تعالى: ﴿إذا أراد شيئاً أن يقول له كن﴾ [يس: ٨٢] أن الله يتكلم بما أراد؛ لا أن يقول: ﴿كن﴾ فقط؛ بل يتكلم بما أراد: كن كذا؛ كن كذا؛ لأن الكلام بكلمة ﴿كن﴾ مجمل؛ ولما قال الله للقلم: «اكتب قال: رب ماذا أكتب؟» (١)؛ فيصير معنى ﴿كن﴾ أي الأمر المستفاد من هذه الصيغة؛ ولكنه يكون أمراً خاصاً؛ فلو كان الله يريد أن ينزل مطراً؛ لا يقول: ﴿كن﴾ فقط؛ بل يكون بالصيغة التي أراد الله .
١٠ - ومن فوائد الآية: جواز حذف ما كان معلوماً، وأنه لا
стр. 1084
ينافي البلاغة؛ وهو ما يسمى عند البلاغيين بإيجاز الحذف؛ لقوله تعالى: ﴿موتوا ثم أحياهم﴾؛ والتقدير: «فماتوا ثم أحياهم»؛ وهذا كثير في القرآن، وكلام العرب.
١١ - ومنها: أنه يمدح نفسه بما أنعم به على عباده؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لذو فضل على الناس﴾؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لا أحد أحب إليه المدح من الله» (١)؛ فهو يحب أن يُمدح، ويُحمد؛ لأن ذلك صدق، وحق؛ فإنه أحق من يُثنى عليه، وأحق من يُحمَد؛ وهو يحب الحق.
١٢ - ومنها: أن من طبيعة البشر الفرار من الموت؛ لقوله تعالى: ﴿خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت﴾.
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يستعد للذي يحذر منه وهو لا يدري متى يفجؤه.
القرآن
(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٤٤)
التفسير:
﴿٢٤٤﴾ قوله تعالى: ﴿وقاتلوا﴾ فعل أمر حذف مفعوله للعلم به؛ والتقدير: قاتلوا في سبيل الله الكفار الذين يقاتلونكم، كما في
стр. 1085
قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾ [البقرة: ١٩٠].
قوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾ أي في الطريقة الموصلة إليه - وهي شريعته -؛ وهذا يشمل النية، والعمل؛ أما النية فأن يكون الإنسان قاصداً بقتاله أن تكون كلمة الله هي العليا، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه؛ أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١)؛ وأما العمل فأن يكون جهاده على وفق الشرع.
قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾ أي سميع لأقوالكم؛ عليم بأحوالكم؛ وختم الله هذه الآية بالأمر بعلمنا بأن الله سميع عليم تحذيراً من المخالفة، وترغيباً في الموافقة؛ فنقوم بما أوجب علينا، ونجتنب ما حرم علينا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: الأمر بقتال الكافرين؛ وهو إما فرض عين، أو فرض كفاية، أو مستحب على حسب ما قرره العلماء؛ وقد سبق الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا﴾ [البقرة: ١٩٠].
٢ - ومنها: الأمر بالقتال على وجه الإخلاص لله تعالى بأن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ لقوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله﴾.
стр. 1086
٣ - ومنها: أنه يحرم على الإنسان أن يقاتل حمية، أو أن يقاتل شجاعة، أو أن يقاتل رياءً؛ لأن إيجاب الإخلاص في القتال يقتضي تحريم القتال لغير ذلك؛ اللهم إلا أن يكون دفاعاً عن النفس فهو مباح؛ بل قد يجب.
فإن قيل: لو قاتل دفاعاً عن وطنه لأنه بلد إسلامي؛ فيقاتل دفاعاً عنه لهذا الغرض؛ فهل يكون قتالاً في سبيل الله؟
فالجواب: نعم؛ لأن نيته أن لا يفرق بين وطنه وغيره إذا كان ذلك لحماية الإسلام.
٤ - ومن فوائد الآية: وجوب التمشي في الجهاد على ما تقتضيه الشريعة من طاعة الأمير، والصبر عند اللقاء، ومعاملة الأسرى، وغير ذلك.
٥ - ومنها: التحذير من مخالفة الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله سميع عليم﴾؛ فإن مقتضى ذلك أن نحذر من مخالفته؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا.
٦ - ومنها: الترغيب في موافقة الشرع؛ فإن ذلك لا يضيع عند الله؛ لأنه سميع لأقوالنا عليم بأحوالنا.
٧ - ومنها: إثبات هذين الاسمين لله تعالى؛ وهما «السميع»، و «العليم»؛ وما تضمناه من صفة، وحُكم؛ وقد سبق تفصيل «السمع» الذي وصف الله به نفسه.
القرآن
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: ٢٤٥)
стр. 1087
التفسير:
﴿٢٤٥﴾ قوله تعالى: ﴿فيضاعفه﴾ فيها أربع قراءات؛ الأولى: «يضاعفُه» بمدّ الضاد مع رفع الفاء؛ والثانية؛ بمدّ الضاد مع فتح الفاء؛ والثالثة: «يضَعِّفُه» حذف المد مع تشديد العين، وضم الفاء؛ والرابعة: حذف المد مع تشديد العين، وفتح الفاء؛ ولهذا جاء الرسم صالحاً للقراءات الأربع؛ لأن القرآن أول ما كُتب ليس فيه حركات؛ أما على قراءة فتح الفاء فوجهه أن الفاء السابقة للفعل للسببية؛ والفعل منصوب بـ «أنْ» بعد الفاء السببية؛ لأنه جواب الاستفهام؛ وأما على قراءة الرفع فالفاء السابقة للفعل للاستئناف؛ والفعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم.
قوله تعالى: ﴿من ذا﴾ اسم استفهام؛ أو ﴿من﴾ اسم استفهام، و ﴿ذا﴾ ملغاة؛ و ﴿الذي﴾ خبر المبتدأ؛ والمبتدأ ﴿من﴾؛ وهذا الاستفهام بمعنى التشويق، والحث؛ يعني: أين الذي يقرض الله، فليتقدم.
قوله تعالى: ﴿يقرض الله﴾؛ «القرض» في اللغة: القطع؛ ومنه: المقراض - وهو المقص قاطع الثياب؛ ومعنى «أقرضت فلاناً» اقتطعت له جزءاً من مالي فأعطيته إياه؛ ﴿يقرض الله﴾ أي يعبده؛ وسميت العبادة قرضاً للمجازاة عليها؛ ويحتمل: أن الله أراد بالإقراض إنفاق المال في سبيله؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿قاتلوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٤٤]- والقتال يكون بالنفس، والمال - قال الله : ﴿من ذا الذي يقرض الله﴾؛ وهذا جهاد بالمال.
قوله تعالى: ﴿فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾؛ ﴿أضعافاً﴾
стр. 1088
مصدر مبين للنوع؛ لأن مطلق الضعف يكون بواحدة؛ لكن إذا قال تعالى: ﴿أضعافاً﴾ صار أكثر من واحد؛ فيكون مصدراً مبيناً للنوع؛ وقد بيّن الله هذه الأضعاف بقوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة: ٢٦١].
قوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبسط﴾؛ فيها قراءتان: بالسين؛ وبالصاد؛ و «القبض» هو التضييق؛ وهو ضد البسط؛ و «البسط» هو التوسيع؛ فهو الذي بيده القبض، والبسط؛ ويعم كل شيء؛ فيقبض في الرزق ويبسط؛ وفي العلم؛ وفي العمر؛ وفي كل ما يتعلق في الحياة الدنيا، وفي الحياة الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وإليه ترجعون﴾: تقديم المعمول: «إليه» له فائدتان؛ فائدة لفظية؛ وفائدة معنوية؛ أما الفائدة اللفظية: فهي توافق رؤوس الآيات؛ وأما الفائدة المعنوية: فهي الحصر - فالمرجع كله إلى الله ؛ لا إلى غيره، كما أن المبدأ كله من الله .
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: الحث على الإنفاق في سبيل الله ؛ لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي﴾؛ والاستفهام هنا للحث، والتشويق.
٢ - ومنها: أن الجزاء على العمل مضمون كضمان القرض لمقرضه.
٣ - ومنها: ملاحظة الإخلاص بأن يكون الإنسان منفقاً
стр. 1089
ماله لله على سبيل الإخلاص، وطيب النفس، والمال الحلال، ولا يتبع إنفاقه منًّا، ولا أذًى؛ لقوله تعالى: ﴿قرضاً حسناً﴾؛ فالقرض الحسن هو ما وافق الشرع بأن يكون:
أولاً: خالصاً لله؛ فإن كان رياءً وسمعة، فليس قرضاً حسناً؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (١).
ثانياً: من مال حلال؛ فإن كان من مال حرام فليس بقرض حسن؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
ثالثاً: نفسه طيبة به؛ لا متكرهاً، ولا معتقداً أنه غُرْم وضريبة، كما يظن بعض الناس أن الزكاة ضريبة - حتى إن بعض الكُتّاب يعبرون بقولهم: ضريبة الزكاة - والعياذ بالله.
رابعاً: أن يكون في محله؛ بأن يتصدق على فقير، أو مسكين، أو في مصالح عامة؛ أما لو أنفقها فيما يغضب الله فإن ذلك ليس قرضاً حسناً.
خامساً: أن لا يتبع ما أنفق منًّا ولا أذًى؛ فإن أتبعه بذلك بطل ثوابه، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
٤ - ومن فوائد الآية: أن فضل الله وعطاءه واسع؛ وأن جزاءه للمحسن جزاء فضل؛ لقوله تعالى: ﴿فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾ مع أن أصل توفيقه للعمل الصالح فضل منه؛ لقول النبي ﷺ لفقراء الأنصار حين ذكروا له فضل الأغنياء عليهم في
стр. 1090
الصدقات، والعتق: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (١)؛ وعلى هذا فيكون لله تعالى في توفيق العبد للعمل الصالح فضلان: فضل سابق على العمل الصالح؛ وفضل لاحق - وهو الثواب عليه أضعافاً مضاعفة -؛ وأما جزؤاه للعصاة فهو دائر بين العدل والفضل؛ إن كانت المعصية كفراً فجزاؤها عدل؛ وإن كانت دون ذلك فجزاؤها دائر بين الفضل، والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
٥ - ومن فوائد الآية: تمام ربوبية الله ، وكمالها؛ لقوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبسط﴾.
٦ - ومنها: الإشارة إلى أن الإنفاق ليس هو سبب الإقتار، والفقر؛ لأن ذكر هذه الجملة بعد الحث على الإنفاق يشير إلى أن الإنفاق لا يستلزم الإعدام، أو التضييق؛ لأن الأمر بيد الله ؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ما نقصت صدقة من مال» (٢)؛ وكم من إنسان أمسك، ولم ينفق في سبيل الله، فسلط الله على ماله آفات في نفس المال، كالضياع، والاحتراق، والسرقة، وما أشبه ذلك؛ أو آفات تلحق هذا الرجل ببدنه، أو بأهله يحتاج معها إلى أموال كثيرة؛ وقد يتصدق الإنسان، وينفق، ويوسع الله له في الرزق.
٧ - ومن فوائد الآية: إثبات المعاد، والبعث؛ لقوله تعالى: ﴿وإليه ترجعون﴾.