← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

يمكن أن يأتي البشر بمثلها - ولا سيما القرآن الكريم -؛ وأما كون هذه الكائنات آيات كونية فإن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها؛ وقد تحدى الله أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئاً من هذه الكائنات، فقال : ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣]؛ فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها، كلها آيات تدل على أن الله هو الخالق؛ وعلى وحدانيته، وعلى قدرته، وتمام حكمته، كما قيل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ١٥ - ومن فوائد الآية: تحريم اتخاذ آيات الله هزواً سواء اتخذ الكل أم البعض؛ فمثال اتخاذ آيات الله الشرعية هزواً أن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله ، سواء سخر بالشرع كله، أو بجزء منه؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة؛ وهناك فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله ؛ وبين من يسخر بالشرع، ويستهزئ به، ويرى أنه عبث، وأنه باطل، وما أشبه ذلك؛ فالأول له حكم العصاة؛ فإن كانت معصيته كبيرة تبلغ به الكفر فهو كافر؛ وإلا فهو فاسق؛ وإلا فهو دون الفاسق - كما لو كانت من صغائر الذنوب، ولم يصر عليها -؛ وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا، ومضوا، وأن هذا العصر لا يصلح للعمل بهذا الشرع؛ فهذا لا شك أنه كافر؛ وإذا استهزأ مستهزئ بحامل الشريعة، أو العامل بها من أجل حمله الشريعة، أو عمله بها فهو كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال في أولئك النفر

стр. 1017

الذين قالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء - يعنون الرسول، وأصحابه - أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء»؛ قال الله فيهم: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]؛ أما الذين يقولون عن حملة الشرع، والعاملين به: «هؤلاء دراويش لا يعرفون المجتمع ولا الدنيا»، وما أشبه ذلك من الكلمات؛ فهؤلاء أيضاً كفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]؛ وفي معنى ذلك قولهم: «هؤلاء رجعيون»، وقد ذكر الله في آخر الآيات ما يدل على كفرهم في قوله تعالى: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ [المطففين: ٣٤]؛ فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين من أجل إيمانهم كفار. ومثال اتخاذ الآيات الكونية هزواً: لو نزل المطر في أيام الصيف - وهذا لم تجر به العادة - فقال: «ما هذا التبديل! يوم أن يكون الناس محتاجين إلى المطر في الشتاء لا يجيء؛ والآن يأتي!» وهذا يمكن أن يوجد من بعض الفجرة الذين يقولون مثل هذا الكلام؛ أو مثلاً يُغْلَبُ قوميون من العرب - تغلبهم اليهود مثلاً، فيقول المستهزئ بآيات الله الكونية -: «ما هذا؟ كيف يكون النصر لليهود على العرب - على بني كنعان، وعدنان، وقحطان؛ كيف هذا وهم بنو إسرائيل؟!» وما أشبه ذلك؛ لكن المؤمن يستسلم لأمر الله الكوني كما يستسلم لأمره الشرعي؛

стр. 1018

ويرى أنه في غاية الحكمة، وفي غاية الإتقان، وأنه في مكانه، وأن ما حدث فهو واقع موقعه، وأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن الله حكيم؛ لا يصنع شيئاً إلا لحكمة؛ فالمهم أن الاستهزاء بالآية الكونية يمكن أن يكون؛ وقد نهى الله تعالى أن تتخذ آياته هزواً؛ وهو عام للكونية، والشرعية؛ لكن بما أن الآية في سياق الآية الشرعية تكون أخص بالآيات الشرعية منها بالآيات الكونية. ١٦ - ومن فوائد الآية: أن المخالفة نوع من الاستهزاء؛ لأنك إذا آمنت بأن الله هو الرب العظيم الذي له الحكم، وإليه الحكم، ثم عصيته فكأنك تستهزئ بهذه العظمة؛ فلو أن ملكاً من الملوك - ولله المثل الأعلى - نهاك عن شيء، ثم إنك أمامه، وعلى عينه تخالف هذا الأمر، فسيقول لك: «أنت تستهزئ بي؛ لأني نهيتك، ففعلتَ ما نهيتك عنه أمامي»؛ فالمعصية نوع من الاستهزاء بالله وإن كانت ليست من النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام -. ١٧ - ومن فوائد الآية: وجوب ذكر نعمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾؛ والذكر يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ فذكرها باللسان أن تقول: أنعم الله عليّ بكذا، كما قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى: ١١]؛ فتثني على الله بها تقول: اللهم لك الحمد على ما أنعمت عليّ به من المال، أو الزوجة، أو الأولاد، أو ما أشبه ذلك؛ وذكرها بالقلب أن تستحضرها بقلبك معترفاً بأنها نعمة من الله؛ وذكرها بالجوارح أن تعمل بطاعة الله، وأن يُرى أثر نعمته عليك.

стр. 1019

١٨ - ومن فوائد الآية: أن منة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل منة؛ يؤخذ ذلك من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على أهميتها. ١٩ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ لأن ما أنزل الله إما أن يكون عيناً قائمة بنفسها؛ أو صفة قائمة بموصوفها؛ فأما الأول فمخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ [الزمر: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾ [الحديد: ٢٥]؛ وأما الثاني فكقوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وكما في هذه الآية: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾؛ وهذا يكون صفة لله غير مخلوقة. ٢٠ - ومن فوائد الآية: أن شريعة الله كلها حكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة﴾. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أنه لا حاجة إلى أن نتعب أنفسنا في طلب الحكمة، أو أن نتمحل حكمة بعيدة قد تكون مرادة لله، أو غير مرادة؛ لأننا نعلم أن كل ما شرعه الله فهو لحكمة؛ ومن الحكمة امتحان العبد بالامتثال فيما لا يعلم حكمته؛ ولهذا لما سئلت عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نقضي الصلاة» (١)؛ فجعلت الحكمة أمر الله، ورسوله؛ أما السؤال عن الحكمة من باب الاسترشاد

стр. 1020

فإن هذا لا بأس به؛ ولهذا كان الصحابة ﵃ يسألون الرسول ﷺ عن حكمة بعض الأشياء، كما في ... قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ [البقرة: ١٨٩]؛ والسؤال على هذا الوجه من باب طلب العلم الذي يزداد به المؤمن إيماناً، وعلماً؛ وأما السؤال عن الحكمة بحيث لا يستسلم الإنسان للحكم، ولا ينقاد إلا بمعرفتها فهذا ضلال، واستكبار عن الحق، واتباع للهوى، وجعل الشريعة تابعة لا متبوعة. ٢١ - ومن فوائد الآية: أن ما جاء في كتاب الله موعظة يتعظ بها العبد؛ و «الاتعاظ» معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرة إلى ما فيه منفعة؛ يقال: وعظته فاتعظ - أي انتفع، وترك ما فيه مضرته إلى ما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: ﴿يعظكم به﴾ [البقرة: ٢٣١]. ٢٢ - ومنها: ثبوت رحمة الله ، وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به﴾؛ فرحمة الله تعرف بآثارها. ٢٣ - ومنها: وجوب التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٢٤ - ومنها: عموم علم الله لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿أن الله بكل شيء عليم﴾. ٢٥ - ومنها: تحذير المرء من المخالفة؛ لأنه إذا علم أن الله بكل شيء عليم حذر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، وقال تعالى: ﴿واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم﴾. ٢٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله

стр. 1021

لا يعلم أفعال العباد حتى تقع منهم؛ وهذا كان الغلاة يقولونه قديماً؛ قال شيخ الإسلام: «ومنكروه اليوم قليل»؛ والقدرية هم الذين يقولون: إن للعبد مشيئة، وقدرة مستقلتين عن الله . القرآن (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٣٢) التفسير: ﴿٢٣٢﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء﴾ سبق معنى الطلاق؛ والخطاب للأزواج؛ والمراد بـ ﴿النساء﴾ الزوجات. قوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن﴾ أي انتهت عدتهن؛ ﴿فلا تعضلوهن﴾ أي تمنعوهن؛ والخطاب للأولياء؛ ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾ جمع زوج؛ وسمي الزوج زوجاً؛ لأنه يجعل الفرد اثنين بالعقد؛ فالزوج يشفع زوجته؛ وهي كذلك؛ والمراد بـ «الأزواج» هنا الخاطبون لهن؛ وعبر عنهم بالأزواج باعتبار ما يكون؛ وقيل: الضمير في قوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن﴾ يعود للأزواج؛ وكانوا في الجاهلية إذا طلق الواحد منهم امرأته يستنكف أن يتزوجها أحد من بعده؛ فيمنعها من أن تتزوج بغيره إن استطاع؛ والأول أقرب؛ لكن لا مانع من حمل الآية على المعنيين. وأضاف هنا النكاح إلى النساء؛ لأن المراد به العقد؛ والعقد حاصل من الطرفين؛ فيقال: نكحت المرأة الرجل؛ ونكح

стр. 1022

الرجل المرأة؛ وأما الوطء فيقال: نكح الرجل زوجته؛ ويقال: نكح بنت فلان - أي عقد عليها فإذا كان المراد بالنكاح العقدَ صح أن يطلق على الرجل، وعلى المرأة؛ وإذا كان الجماعَ فهو للرجل خاصة. قوله تعالى: ﴿إذا تراضوا﴾ أي النساء، وأزواجهن؛ و ﴿تراضوا﴾ صيغة مفاعلة - أي حصل الرضا من الطرفين -؛ و ﴿بينهم﴾ أي بين الأزواج، والزوجات؛ و ﴿بالمعروف﴾ الباء للمصاحبة؛ فالمعنى أن يكون الرضا بينهم مصاحباً للمعروف غير منكر شرعاً، ولا عرفاً. قوله تعالى: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ المشار إليه ما سبق من الأحكام؛ والكاف للمخاطبة؛ والخطاب لكل من يصح خطابه؛ فإن قال قائل: لماذا لم يجئ الخطاب جمعاً مع قوله تعالى: ﴿إذا طلقتم ... فلا تعضلوهن﴾؟ فيقال: إن اسم الإشارة إذا خوطب به جماعة جاز أن يذكر مفرداً، ولو كانوا جماعة؛ وجاز أن يراعى في ذلك المخاطَب؛ فالكاف التي تتصل باسم الإشارة يجوز فيها لغة ثلاثة أوجه كما سبق في قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]؛ و ﴿يوعظ به﴾ أي يذكَّر به، وينتفع؛ و ﴿اليوم الآخر﴾ هو يوم القيامة؛ وصف بذلك؛ لأنه آخر مراحل الإنسان. قوله تعالى: ﴿ذلكم أزكى لكم وأطهر﴾: المشار إليه ما سبق من الأحكام؛ وأتى الخطاب مراعياً فيه المخاطب - وهم جمع -؛ و ﴿أزكى﴾ اسم تفضيل من الزكاء؛ و «الزكاء» في الأصل

стр. 1023

النمو؛ ومنه الزكاة؛ لأنها تنمي المال بإحلال البركة فيه؛ وتنمي الأخلاق بخروج الإنسان عن طائفة البخلاء إلى طائفة الكرام؛ ﴿أزكى لكم﴾ أي في أعمالكم، ونموها، وكثرتها؛ لأنكم إذا اتعظتم بذلك أطعتم الله، ورسوله، فزادت الأعمال، وزاد الإيمان؛ لأن الإيمان يزداد بامتثال الأمر، واجتناب النهي لله ؛ و ﴿أطهر﴾ أي أشد طهراً - يعني من الذنوب -. قوله تعالى: ﴿والله يعلم﴾ أي ما فيه مصلحتكم، ونقاؤكم، وطهركم؛ وحذف المفعول لإفادة العموم؛ لأنه إذا حذف المفعول من الفعل المتعدي صار شاملاً لكل ما يحتمله؛ فهو يعلم الحاضر، والمستقبل، والماضي، وما يصلحكم، وما لا يصلحكم، ومن يمتثل منكم، ومن لا يمتثل؛ ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أي لا تعلمون ذلك؛ والجملة هنا اسمية في إسناد الله العلم إلى نفسه، وفي نفي العلم عن عباده. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا يحل عقد النكاح قبل انقضاء العدة؛ لقوله تعالى: ﴿فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾؛ فإن النكاح في العدة باطل إلا ممن كانت العدة له إذا لم يكن طلاقه بينونة كبرى. ٢ - ومنها: تحريم منع الولي موليته أن تنكح من رضيته؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾. ٣ - ومنها: أن النكاح لا بد فيه من ولي؛ وأن المرأة لا تزوج نفسها؛ وجه ذلك أنه لو كانت تملك العقد لنفسها ما كان

стр. 1024

للعضل تأثير؛ فلولا أن عضلهم مؤثر ما قال الله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾؛ لأنهم لو عضلوا، ولم يكن الولي شرطاً لزوجن أنفسهن؛ وربما ينازع منازع في دلالتها على ذلك؛ لأنه قد يقول: إن الله نهى عن منعهن؛ والإنسان قد يمنع بحسب العادة، أو العرف ابنته، أو موليته من أن تنكح زوجاً - وإن كان يمكنها أن تتزوج هي بنفسها -؛ لأنها لا تريد أن تخالفهم مخافة المعرة، واللوم من الناس؛ بمعنى أن الآية ليست صريحة واضحة في أنه لا يمكن النكاح إلا بولي؛ لأنه ممكن أن يكون لها حق تزويج نفسها لكن يمنعها أبوها، ويقول: إذا زوجتِ نفسك قاطعتك، أو هجرتك؛ وعلى فرض أنها لا تدل على ذلك فهناك أدلة أخرى تدل على اشتراط الولي، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقول النبي ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (١). ٤ - ومن فوائد الآية: إطلاق الشيء على ما مضى، أو ما يستقبل مع أنه في الحال لا يتصف به؛ وذلك قوله تعالى: ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾؛ لأنه إذا كان المراد من طلقت، ثم أراد زوجها أن يعود إليها، فهم أزواجهن باعتبار ما مضى؛

стр. 1025

وإن كان المراد الخطّاب الذين يخطبونهن بعد انقضاء العدة فهم أزواجهن باعتبار المستقبل؛ وقد جاء التعبير عن الماضي، والمستقبل في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾ [النساء: ٢] مع أنهم حين إتيان المال قد بلغوا؛ فهذا تعبير عن الماضي؛ وقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ [يوسف: ٣٦] وهو لا يعصر الخمر؛ ولكن يعصر عنباً يكون خمراً؛ فهذا تعبير عن المستقبل. ٥ - ومن فوائد الآية: اعتبار الرضا في عقد النكاح سواء كان من الزوج، أو من الزوجة؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾؛ فالرضا شرط لصحة النكاح سواء أكانت المرأة بكراً، أم ثيباً؛ وسواء أكان الولي أباها، أم غيره - على القول الراجح -؛ وأنه ليس للأب، ولا لغيره أن يجبر المرأة على النكاح؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تستأمر؛ ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: كيف إذنها يا رسول الله؟ قال: أن تسكت» (١)؛ وورد في صحيح مسلم: «البكر يستأذنها أبوها» (٢)؛ وهذا صريح في أنه لا يحل لأحد أن يزوج ابنته وهي كارهة؛ بل لا بد من رضاها؛ والمعنى يقتضيه أيضاً؛ لأنه إذا كان الأب لا يملك أن يبيع شيئاً من مالها إلا برضاها، فكيف يملك أن يزوجها بدون رضاها؟! فلو أن رجلاً أكره ابنته أن تشتري هذا البيت

стр. 1026

فالعقد غير صحيح مع أنه بإمكانها إذا اشترت البيت وهي كارهة أن تبيعه بعد يوم، أو يومين؛ فكيف يملك أن يكرهها على أن تتزوج برجل لا تريده؟! فالشريعة جاءت من لدن حكيم خبير؛ فالصواب بلا شك أنه لا يحل للإنسان أن يجبر ابنته على نكاح من لا تريد مهما كان؛ لكن إذا أرادت إنساناً ليس مرضياً في دينه، وخلقه فللولي أن يأبى - ولو بقيت لا تتزوج طوال عمرها -؛ فليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بذلك؛ وما يترتب على المأمور فغير محظور؛ فإن قيل: يرد على ذلك تزويج أبي بكر عائشة من النبي ﷺ ولها ست سنين؟ فالجواب: أن يقال: لن يرد مثل هذه الصورة؛ لأننا نعلم علم اليقين أن عائشة سترضى برسول الله ﷺ ، ولا تبغي به بديلاً؛ ولذلك لما أمره الله أن يخير نساءه فبدأ بها ﵂، وقال ﷺ : «لا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك؛ قالت: يا رسول الله، أفي هذا أستأمر أبوي؟! إنني أريد الله ورسوله والدار الآخرة» (١)؛ وعلى هذا لا يتم الاستدلال بها على تزويج المرأة بغير إذنها. ٦ - ومن فوائد الآية: أن المرأة لو رضيت الزوج على وجه غير معروف - بل على وجه منكر لا يقره الشرع - فإنها لا تمكن من ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ فلو أن المرأة رضيت هذا

стр. 1027

الخاطب لفسقه، وانسلاخه من الدين - وإن لم يصل إلى حد الكفر - فلوليها أن يمنعها؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾. ٧ - ومنها: إثبات اليوم الآخر - وهو يوم القيامة -؛ لقوله تعالى: ﴿من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما ذكر في ذلك اليوم من البعث، والحساب، والصراط، ودنوّ الشمس، والعرق، وغير ذلك مما ذكر في الكتاب والسنة مجملاً أحياناً، ومفصلاً أحياناً؛ بل قال شيخ الإسلام ﵀: يدخل فيه الإيمان بكل ما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذابه، ونعيمه، وغير ذلك. ٨ - ومنها: أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ذلكم أزكى لكم﴾؛ فهو ينمي النفس، وينمي الإيمان، وينمي الأخلاق، وينمي الآداب؛ فكلما كان الإنسان أشد تطبيقاً لأحكام الله كان ذلك أزكى له. ٩ - ومنها: أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان؛ يعني أطهر للقلب؛ لأن الأعمال الصالحة تطهر القلب من أرجاس المعاصي؛ ولذلك تجد عند الإنسان المؤمن من الحيوية، والنشاط، والسرور، والفرح ما ليس عند غيره؛ ويعرف ذلك في وجهه؛ فالإنسان صاحب المعاصي مظلم الوجه كاسف البال؛ ولو فرح بما فرح من زهرة الدنيا فهو فرح خاسر؛ لكن المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام، وامتلأ قلبه بنور الله وهدايته، ليس كذلك؛ وأسعد الناس في الدنيا أطهرهم قلباً.

стр. 1028

١٠ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى نقص الإنسان في علمه؛ لقوله تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ فنفى عن الإنسان العلم - والمراد نفي كماله؛ لأن الإنسان له علم، كما قال الله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ [النور: ٣٣] لكن لنقصان علمه نفى الله عنه العلم؛ وهنا قال تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾؛ فإذا كان الله يعلم، ونحن لا نعلم فإن مقتضى ذلك أن نستسلم غاية الاستسلام لأحكامه ، وأن لا نعارضها بعقولنا مهما كانت؛ ولهذا ينعى الله على الكفار والمشركين عدم العقل؛ وكل ما خالف الشرع فليس بعقل. القرآن (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَاّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: ٢٣٣) التفسير: ﴿٢٣٣﴾ قوله تعالى: ﴿والوالدات﴾ اسم فاعل - أي اللاتي ولدن؛ ﴿يرضعن أولادهن﴾: الإرضاع معروف؛ والأولاد يشمل

стр. 1029

الذكور، والإناث، كما في قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: ١١]؛ والجملة خبرية بمعنى الأمر؛ وإتيان الأمر بصيغة الخبر أبلغ من الأمر المحض؛ كأنه حين يأتي بصيغة الخبر أمر مستقر يتحدث عنه. قوله تعالى: ﴿حولين كاملين﴾: «الحول» بمعنى السنة؛ وهو اثنا عشر شهراً هلالياً؛ ثم أكد الله هذين الحولين بقوله تعالى: ﴿كاملين﴾ أي بدون نقص. قوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ الجار، والمجرور متعلق بمحذوف خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: ذلك لمن أراد؛ فيكون المراد به: الوالدات المرضعات؛ وذَكَّر الضمير في ﴿أراد﴾ باعتبار لفظ «مَن»؛ ويحتمل أن يكون متعلقاً بقوله تعالى: ﴿يرضعن أولادهن﴾؛ فيكون المعنى: الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الأزواج؛ فهنا مرضِع، ومرضَع له؛ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]؛ ولو قيل: إن الآية تشمل هذا وهذا، لم يكن بعيداً. وقوله تعالى: ﴿أن يتم الرضاعة﴾ أي أن يأتي بها على وجه التمام؛ فإنها لا تنقص عن حولين. قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾؛ ﴿المولود﴾ اسم جنس؛ أو أن «أل» اسم موصول؛ لأنها إذا اقترنت بمشتق صارت اسماً من الأسماء الموصولة المشتركة - أي الصالحة للواحد، ومن فوقه -؛ فحينئذ أفرد الضمير الراجع إليها - ﴿له﴾ - باعتبار اللفظ؛ وجُمع - ﴿وإن أردتم﴾ - باعتبار المعنى؛ وملاحظة المعنى،

стр. 1030

واللفظ في هذه الألفاظ المشتركة جاء بها القرآن مثل قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً﴾ [الطلاق: ١١]؛ ﴿يدخله﴾ باعتبار اللفظ: مفرد؛ و ﴿خالدين﴾ باعتبار المعنى: جمع. قوله تعالى: ﴿وعلى المولود﴾ الجار والمجرور خبر مقدم؛ و ﴿له﴾ متعلقة بـ ﴿المولود﴾؛ و ﴿رزقهن مبتدأ مؤخر. قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾ أي على الزوج، أو السيد، أو الواطئ بشبهة ﴿رزقهن﴾ أي نفقتهن؛ ﴿وكسوتهن﴾ أي ما يكسو به الإنسان بدنه؛ ﴿بالمعروف﴾ أي رزقهن، وكسوتهن بما تعارف الناس بينهم عليه. قوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾: التكليف معناه إلزام ما فيه مشقة؛ أي لا يلزم الله نفساً إلا ما تقدر عليه. قوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها﴾: «المضارة» طلب ما يضر الغير؛ وفي الآية قراءتان: ﴿لا تضارَّ﴾ بفتح الراء؛ و ﴿لا تضارُّ﴾ بضمها؛ فعلى قراءة الفتح تكون ﴿لا﴾ ناهية؛ و ﴿تضارَّ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية؛ وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين؛ فإذا قيل: لماذا لم يحرك بالكسرة لأن التحريك بالكسرة هو الغالب في التقاء الساكنين، كما قال تعالى: ﴿لم يكنِ الذين كفروا﴾ [البينة: ١]؟ فالجواب أن الفتح أخف؛ أما على قراءة الرفع فإن ﴿لا﴾ نافية، و ﴿تضارُّ﴾ فعل مضارع مرفوع؛ وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. وقوله تعالى: ﴿تضار﴾ يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل،

стр. 1031

وأصله: «تضارِر» بكسر الراء الأولى، و ﴿والدة﴾ فاعل؛ ويحتمل أن يكون مبنياً لما لم يسم فاعله، وأصله: «تضارَر» بفتح الراء الأولى، و ﴿والدة﴾ نائب فاعل؛ وفاعل الإضرار المولود له - على هذا الاحتمال -. قوله تعالى: ﴿ولا مولود له بولده﴾: الواو حرف عطف؛ و ﴿لا﴾ نافية؛ و ﴿مولود﴾ معطوف على والدة. قوله تعالى: ﴿وعلى الوارث﴾ خبر مقدم؛ و ﴿مثل ذلك﴾ مبتدأ مؤخر؛ والمشار إليه الرزق، والكسوة؛ يعني أن على وارث المولود مثل ما على أبيه من النفقة، والكسوة. قوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾؛ «الفصال» بمعنى الفطام؛ والفاعل في ﴿أرادا﴾ يعود على الوالدة، والمولود له؛ فلا بد من أن يقع هذا الفصال عن تراض منهما؛ لقوله تعالى: ﴿عن تراض منهما﴾؛ و «التراضي» تفاعل من رضي؛ فلا بد أن يكون من الطرفين؛ فلو رضيت الأم دون الأب امتنع الفصال؛ ولو رضي الأب دون الأم امتنع الفصال؛ و «التشاور» تفاعل أيضاً؛ وأصله من: شار العسل - إذا استخلصه من الشمع -؛ والمراد به: تبادل الرأي بين المتشاورين لاستخلاص الأنفع، والأصوب؛ فلا بد من أن يقع التشاور من أجل مصلحة الطفل؛ فينظر هل من مصلحته أن يفطم قبل الحولين؛ أو من المصلحة أن يبقى حتى يتم الحولين؛ أو من المصلحة أن يبقى بعد الحولين أيضاً - فربما يكون محتاجاً إلى الرضاعة حتى بعد الحولين. وقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليهما﴾ أي لا إثم على الأبوين في فصاله قبل تمام الحولين.

стр. 1032

قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم﴾ أي: إن أردتم أن تطلبوا لأولادكم من يرضعهم؛ وتوجيه الخطاب للجماعة من باب الالتفات من الخطاب بالتثنية إلى الخطاب بالجمع؛ فهو موجه للعموم. قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾ أي فلا إثم عليكم. قوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم﴾ أي إذا أعطيتم ما اتفقتم عليه في العقد على الإرضاع؛ ﴿بالمعروف﴾ أي بما عرف من حسن القضاء بحيث لا يكون نقص، ولا مماطلة فيما اتفق عليه. وفي قوله تعالى: ﴿آتيتم﴾ قراءتان؛ أحدهما بمد الهمزة؛ والثانية بقصرها؛ والفرق بينهما أن «أتيتم» المقصور معناه جئتم؛ و «آتيتم» الممدود معناه أعطيتم. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره؛ وإن شئنا قلنا: إن «تصديق أخباره» داخل في فعل أوامره؛ لأن تصديق الأخبار من الواجبات. قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ جملة معطوفة على قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾؛ و ﴿بما تعملون﴾ متعلق بـ ﴿بصير﴾؛ وقدم على عامله للمبادرة بالتحذير، والتأكيد على علمه بما نعمل؛ والعلم بأن الله بما نعمل بصير من تقوى الله ؛ لكن لما كان من تمام التقوى أن تعلم أن الله بما تعمل بصير نص عليه؛ لأنك متى علمت ذلك خفت من هذا الذي هو بصير بعملك أن يجدك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك؛ لأنه بصير بذلك.

стр. 1033

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب الإرضاع على الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن﴾. ٢ - ومنها: أن الله أرحم بخلقه من الوالدة بولدها؛ لأنه أمرها أن ترضع مع أن فطرتها، وما جبلت عليه تستلزم الإرضاع؛ وهذا؛ لأن رحمة الله أعظم من رحمة الأم بولدها؛ ومثله قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]؛ فلأن الله أرحم بأولادنا منا أوصانا فيهم. ٣ - ومنها: أن الرضاع التام يكون حولين كاملين؛ لقوله تعالى: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ٤ - ومنها: توكيد اللفظ لينتفي احتمال النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كاملين﴾؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦]: فأكدها بـ ﴿كاملة﴾؛ لئلا يتوهم واهم في تلك العشرة الكاملة أن تفريق الثلاثة والسبعة يقتضي أن يكون كل عدد منفرداً عن الآخر. ٥ - ومنها: أنه ينبغي استعطاف المخاطب بما يقتضي عطفه على الشيء؛ لقوله تعالى: ﴿يرضعن أولادهن حيث أضاف الأولاد إلى المرضعات. ٦ - ومنها: أنه يجوز النقص عن الحولين؛ لكن ذلك بالتشاور، والتراضي؛ لقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لكن يجب أن نعلم أن الإتمام تارة يكون واجباً إذا ترتب على تركه إخلال بواجب، كقوله ﷺ : «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم

стр. 1034

فأتموا» (١)؛ وتارة يكون من باب الكمال، كما في هذه الآية: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما ... ﴾ إلخ؛ ولو كان الإتمام إتمام واجب لم يكن فيه خيار؛ فإن قيل: هل تجوز الزيادة على الحولين؟ فالجواب: أنه ينظر في حال الطفل إن بقي محتاجاً إلى اللبن زيد بقدره؛ وإن لم يكن محتاجاً فقد انتهت مدة رضاعته؛ وقوله تعالى: ﴿الرضاعة﴾ هي اسم مصدر بمعنى الإرضاع الذي يحتاجه الطفل. ٧ - ومن فوائد الآية: الرد على الجبرية في قوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾؛ والجبرية يسلبون الإنسان إرادته، وقدرته، واختياره، ويقولون: «الإنسان ليس له إرادة، ولا قدرة؛ إنما هو مجبر على عمله»؛ فلا يرون فرقاً بين الذي يتحرك ارتعاشاً، والذي يتحرك اختياراً. ٨ - ومنها: أن الولد هبة للوالد؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾؛ فبعض العلماء استنبط أن هذه الآية تدل على أن الوالد موهوب له؛ وعلى كل حال هذا شبيه بقول النبي ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (٢).

стр. 1035

٩ - ومنها: أنه قد يكون للشيء الواحد سببان؛ فالرزق، والكسوة هنا لهما سببان، كفقير غارم؛ وإذا تخلف أحد السببين بقي حكم السبب الآخر؛ فلو فرض أن امرأة ناشز لا تطيع زوجها فيما يجب عليها، وهي ترضع ولده كان لها الرزق، والكسوة لا بالزوجية - لأنها ناشز - ولكن بالرضاعة. فإن قيل: إذا كان سبب الرزق، والكسوة الزوجية أصبح الرضاع عديم التأثير. قلنا: لا؛ لأننا إذا قلنا: إن تخلف الإنفاق بالزوجية، وجب بالرضاع - هذه واحدة؛ ثانياً: أنه ربما يترتب لها من الطعام والكسوة إذا كانت ترضع ما لا يترتب لو كانت لا ترضع؛ فالمرضع ربما تحتاج إلى غسل ثيابها دائماً من الرضاعة، وتحتاج إلى زيادة طعام، وشراب. ١٠ - ومن فوائد الآية: اعتبار العرف بين الناس؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ وهذا ما لم يخالف الشرع؛ فإن خالفه رد إلى الشرع. ١١ - ومنها: أنه يجب على المولود له رزقهن، وكسوتهن بالمعروف؛ فيرجع إلى العرف في نوع الرزق، وكميته، وكيفيته؛ وكذلك الكسوة. ١٢ - ومنها: وجوب الإنفاق على المولود له من زوج، أو غيره للمرضع؛ وظاهر الآية أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله، أو بائناً منه؛ فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية، والإرضاع؛ وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد - وهو الإرضاع؛ ولا يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان

стр. 1036

- كما سبق - كما في الزوج يكون ابن عم، فيرث بالزوجية، والقرابة. ١٣ - ومنها: أن المعتبر حال الزوجة؛ لا حال الزوج؛ فيرجع تقدير الرزق والكسوة إلى حال الزوجة، فكأنه قال: الرزق الذي يصلح لمثلها، والكسوة التي تصلح لمثلها؛ وعلى هذا فإذا كان الزوج فقيراً وهي غنية يُلزَم بنفقة غني، وكسوة غني؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المعتبر حال الزوج، واستدل بقوله تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها﴾ [الطلاق: ٧]؛ وأجيب عن الآية بأن المراد: رزقهن من أمثالكم، وكسوتهن من أمثالكم؛ وبهذا تجتمع الآيتان؛ وقال بعض أهل العلم: بل نعمل بالآيتين جميعاً، فنقول: المعتبر حال الزوج، والزوجة جميعاً: إن كانا موسرين فنفقة الموسر؛ وإن كانا معسرين فنفقة المعسر؛ وإن كان أحدهما فقيراً، والآخر غنياً فنفقة المتوسط؛ والراجح أن المعتبر حال الزوج - وهو مذهب الشافعي -. ١٤ - ومن فوائد الآية: أن الله لا يكلف نفساً ما لا تطيق؛ لقوله تعالى: ﴿لا تكلف نفس إلا وسعها﴾، أي طاقتها. ويتفرع على هذه الفائدة: بيان رحمة الله بعباده، وأن الله لا يكلفهم إلا ما يطيقون. ١٥ - ومن فوائد الآية: تحريم المضارة؛ لقوله تعالى: ﴿لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده﴾؛ وقال النبي ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (١)، وقال ﷺ : «من ضار ضار الله به» (٢)؛ ولا

стр. 1037

فرق بين أن تكون المضارة من الوالدة للمولود له، أو بالعكس؛ لأن الآية تحتمل هذا، وهذا. ١٦ - ومنها: وجوب النفقة للمولود على الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾؛ وإيجاب النفقة للمرضع من أجل الرضيع دليل على وجوب الإنفاق على الرضيع نفسه. ١٧ - ومنها: أنه يجوز للأم أن تفطم الولد قبل تمام الحولين؛ لكن بشرط التراضي، والتشاور؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾. ١٨ - ومنها: عناية الله بالرضَّع؛ لأنه لم يبح فطامهم قبل الحولين إلا بعد التراضي بين الوالدة، والمولود له، والتشاور. ١٩ - ومنها: أنه لا يكفي المراضاة بين الزوجين في الفطام؛ بل لا بد أن يكون هذا بعد التشاور، والمراجعة في الأمر حتى إذا تبينت مصلحة الطفل جاز ذلك. ٢٠ - ومنها: جواز استرضاع الإنسان لولده المراضع؛ لقوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾؛ ولو أن الأم طلبت أن ترضعه، وقال الأب: ترضعه غيرها أجبر الأب على موافقة الأم؛ لقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾؛ فبدأ بـ ﴿الوالدات﴾؛ لأن الأم أشفق، ولبنها لطفلها أطيب؛ ولأن ذلك أدعى إلى التعاطف بين الأم، وولدها. فإن قيل: لو طلبت عليه أجرة أكثر من غيرها فهل يلزمه إجابتها؟ فالجواب: إن كانت الزيادة يسيرة وجبت إجابتها؛ وإن كانت كثيرة لم تلزم إجابتها. فإن قيل: هل للأم أن تطلب الأجرة إذا كانت مع المولود له؟

стр. 1038

فالجواب: أن في ذلك قولين لأهل العلم؛ والراجح أنه ليس لها ذلك اكتفاءً بإنفاق الزوج عليها بالزوجية. ٢١ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على الإنسان تسليم العوض بالمعروف - أي بدون مماطلة، وبدون نقص -؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف﴾. ٢٢ - ومنها: أنه لا يجب للأجير إلا ما اتفق عليه في العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إذا سلمتم ما آتيتم﴾؛ فلو أن المستأجر طلب منه أن يزيد في الأجرة فإنه لا يلزمه؛ حتى ولو زادت المؤن فلا يلزمه شيء سوى ما اتفقا عليه. ٢٣ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾. ٢٤ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من الصفات؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾. ٢٥ - ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله؛ لأنه بعد أن أمر بالتقوى قال: ﴿واعلموا أن الله بما تعملون بصير﴾ يحذرنا من مخالفة أمره بذلك. ٢٦ - ومنها: عموم علم الله بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾؛ و ﴿ما﴾ اسم موصول عام. ٢٧ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون﴾، وقوله تعالى: ﴿آتيتم﴾، وقوله تعالى: ﴿وإن أردتم﴾؛ فهذه عدة شواهد تردّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله ليس له إرادة فيه. ٢٨ - ومنها: إثبات بصر الله، وعلمه بما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون بصير﴾.

стр. 1039

٢٩ - ومنها: أن وساوس القلوب لا يؤاخذ بها؛ لأنها ليست من الأعمال؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم» (١). القرآن (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٣٤) التفسير: ﴿٢٣٤﴾ قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن﴾؛ ﴿الذين﴾ اسم موصول مبتدأ في محل رفع؛ وجملة: ﴿يتوفون﴾ صلة الموصول؛ وجملة ﴿يتربصن﴾ خبر ﴿الذين﴾؛ وفيها أشكال، حيث لم يوجد رابط يربطها بالمبتدأ؛ لأن قوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ ليس فيها ضمير يعود على ﴿الذين﴾؛ فاختلف الناس في كيفية الربط بين المبتدأ، والخبر؛ فقال بعضهم التقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم؛ وعلى هذا يكون الضمير: في «بعدهم» هو الرابط الذي يربط بين المبتدأ، والخبر؛ وقال بعضهم: التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن؛ فقدر المبتدأ؛ هذان وجهان؛ ولكن الأول أيسر من الثاني، وأقرب. وقوله تعالى: ﴿يتوفون﴾ بضم الياء - أي يتوفاهم الله -؛

стр. 1040

وذلك بقبض أرواحهم عند الموت؛ وقد أضاف الله التوفي إليه تارة، كما في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢]؛ وإلى ملك الموت تارة، كما في قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١]؛ وإلى رسله - وهم الملائكة - تارة، كما في قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١] فإضافتها إلى الله؛ لأنها بأمره؛ وإلى ملك الموت؛ لأنه الذي يقبض الروح؛ وإلى الرسل؛ لأنهم يقبضونها من ملك الموت يصعدون بها إلى السماء؛ ولذلك بني الفعل في الآية لما لم يسم فاعله؛ ليشمل كل ذلك. وقوله تعالى: ﴿منكم﴾: الخطاب للناس جميعاً؛ لأن الله يقول: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً﴾ [النساء: ١٧٤]؛ فالخطابات بصيغة الجمع لجميع من نزل إليهم القرآن. وقوله تعالى: ﴿ويذرون أزواجاً﴾ أي يتركون أزواجاً بعدهم؛ و ﴿أزواجاً﴾ جمع زوج - وهو من عقد له النكاح من رجل، أو امرأة -؛ إلا أن الفرضيين ﵏ اصطلحوا على أن الرجل يقال له: زوج؛ والمرأة يقال لها زوجة من أجل التمييز بينهما في قسمة الميراث. وقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾ أي ينتظرن، ويَحبسن أنفسهن عن الزواج؛ لأن المرأة بطبيعتها تطلب النكاح؛ فقيل لها: تربصي بنفسك؛ انتظري، مثلما أقول: ارفق بنفسك - أي هوِّن على نفسك -؛ وما أشبهها؛ وأما قول من قال: إن «أنفسهن» توكيد

стр. 1041

للفاعل في ﴿يتربصن﴾ زيدت فيه الباء، وجعل معنى الآية: يتربصن أنفسُهن؛ فهذا ليس بصحيح؛ لأن الأصل عدم الزيادة؛ ولأن مثل هذا التعبير شاذ في اللغة العربية؛ فلا يحمل كلام الله على الشاذ؛ وعلى هذا فالمعنى الصحيح: أن ينتظرن بأنفسهن فلا يعجلن. قوله تعالى: ﴿أربعة أشهر وعشراً﴾؛ ﴿أربعة﴾ نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه؛ وهي متعلقة بـ ﴿يتربصن﴾. قوله تعالى: ﴿وعشراً﴾ أي وعشر ليال؛ والمراد: عشرة أيام لكن يعبر عن الأيام بالليالي، كقوله تعالى: ﴿إن لبثتم إلا عشراً * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوماً﴾ [طه ١٠٣، ١٠٤] فتبين أن المراد بـ «العشر» هنا الأيام؛ وهنا قوله تعالى: ﴿وعشراً﴾ يعني عشرة أيام؛ ولكن قال أهل اللغة: إن العرب يعبرون بالليالي عن الأيام؛ لأنها قبلها. قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن﴾: الضمير يعود على الأزواج المتوفى عنهن أزواجهن؛ و ﴿أجلهن﴾ أي مدة العدة؛ وأجل كل شيء: غايته؛ أي الغاية التي تنتهي بها العدة؛ وهي هنا أربعة أشهر وعشراً. قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾: الخطاب لأولياء النساء؛ فلو أرادت المرأة أن تعمل شيئاً محرماً عليها في هذه العدة لزم وليها أن يمنعها؛ وإذا تمت العدة فلا جناح على وليها أن يمكنها من أن تفعل في نفسها ما تشاء - لكن بالمعروف -. قوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾، أي عليم ببواطن الأمور؛ فالخبير أخص من العليم.

стр. 1042

الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾؛ لأنها خبر بمعنى الأمر. ٢ - ومنها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء كانت صغيرة، أم كبيرة؛ لقوله تعالى: ﴿أزواجاً﴾، وأطلق؛ فأما الكبيرة فتقوم بما يلزمها من الإحداد؛ وأما الصغيرة فالمخاطب بذلك وليها يجنبها ما تتجنبه المحادة الكبيرة. ٣ - ومنها: وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء دخل بها، أم لم يدخل؛ لقوله تعالى: ﴿أزواجاً﴾؛ لأن الزوجة تكون زوجة بمجرد العقد بخلاف الطلاق؛ فإن الطلاق قبل الدخول، والخلوة لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ٤ - ومنها: وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج، ولا تتعرض للزواج؛ لقوله تعالى: ﴿يتربصن بأنفسهن﴾، كما تقول: تربص بكذا، وكذا - يعني لا تتعجل. ٥ - ومنها: أن السرية لا تلزمها عدة الوفاة؛ لأنها ليست بزوجة. ٦ - ومنها: أنه لو تبين عند الوفاة أن النكاح باطل لم تعتد بالوفاة، مثل أن يتبين عند وفاته أنها أخته من الرضاع؛ لأنه تبين أن النكاح باطل - وجوده كالعدم -. ٧ - ومنها: أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام سواء كانت تحيض، أو لا تحيض؛ ويستثنى من ذلك

стр. 1043

الحامل؛ فعدتها إلى وضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤]؛ ولا عدة للمتوفى عنها زوجها سوى هاتين. ٨ - ومنها: حكمة الله بتقدير عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر؛ وعلق الحكم بهذا العدد، ولم يعلقه بالأقراء - كما في المطلقات -؛ لأن أقل ما يمكن أن يتحرك فيه الجنين أربعة أشهر؛ وزيدت العشرة للاستثبات؛ هكذا قال بعض أهل العلم؛ ولكن عند التأمل يتبين لك ضعف هذا التعليل؛ لأن المرأة المتوفى عنها زوجها قد لا يدخل بها؛ وقد تكون صغيرة لا يمكن أن تحمل؛ وقد تكون كبيرة آيسة من الحمل؛ ثم الاحتياط بأربعة أشهر وعشر: يمكن العلم ببراءة الرحم قبل هذه المدة؛ فتبين بهذا أن الحكمة شيء آخر؛ وعندي - والله أعلم - أن الحكمة أنهم لما كانوا في الجاهلية تبقى المرأة حولاً كاملاً في العدة بعد موت زوجها، وتبقى في بيت صغير، كالخباء لها، ولا تمس الماء أبداً؛ تأكل، وتشرب حتى لا تموت؛ وتبقى بعرقها، ورائحتها، وحيضها، ونتنها لمدة سنة كاملة؛ فإذا تمت السنة أتوا لها بفأرة، أو عصفور، فقالوا لها: «امحشي به فرجك»؛ فقلّ ما تتمسح بشيء إلا مات من الرائحة الكريهة؛ مدة سنة ربما يأتيها الحيض اثنتي عشرة مرة وهي في هذا المكان؛ ثم إذا تم الحول أتوا لها ببعرة؛ فأخذت البعرة، ورمت بها، كأنها تقول: كل ما مر عليّ فهو أهون من رمي هذه البعرة؛ فجاء الإسلام، وأبدل الحول بأربعة أشهر؛ لأن أربعة أشهر: ثلث حول؛ وعشرة أيام: ثلث شهر؛ والثلث كثير؛ فأُتي من الحول بثلثه، ومن الشهر بثلثه؛ فإن تبينت هذه الحكمة، وكانت هي مراد الله فهذا من فضل الله؛ وإن

стр. 1044

لم تتبين فإننا نقول: الله أعلم بما أراد؛ وهذا كغيرها من العبادات ذوات العدد التي لا نعلم ما الحكمة فيها. ٩ - ومن فوائد الآية: أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفاً من تجمل، وخروج من البيت، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم﴾. ١٠ - ومنها: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم﴾ إشارة إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء؛ فيكونون مسؤولين عنهن. ١١ - ومنها: اعتبار العرف؛ لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾؛ والعرف معتبر إذا لم يخالف الشرع؛ فإن خالف الشرع فلا يعتبر. ١٢ - ومنها: إثبات علم الله بالظاهر، والخفي؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾؛ والخبير هو العليم ببواطن الأمور؛ ومن كان عليماً ببواطن الأمور كان عليماً بظواهرها من باب أولى. ١٣ - ومنها: التحذير من مخالفة هذا الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ أي احذروا من مخالفته؛ فإن الله بما تعملون خبير. القرآن (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة: ٢٣٥)

стр. 1045

التفسير: ﴿٢٣٥﴾ قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم﴾ أي لا إثم عليكم؛ والخطاب في قوله تعالى: ﴿عليكم﴾ لجميع الناس؛ فكل خطاب في القرآن بلفظ الجمع فهو للناس عموماً إلا ما خصه السياق بقرينة فليس للعموم. قوله تعالى: ﴿فيما﴾ أي في الذي ﴿عرضتم به من خطبة النساء﴾: «التعريض» هو أن يأتي الإنسان بكلام لا يصرح فيه بمراده؛ لكنه مقارب، مثل أن يقول للمرأة: «إني في مثلكِ لراغب»؛ «إنكِ امرأة يرغب فيكِ الرجال»؛ «إذا انقضت العدة فأخبريني»؛ وعلى هذا فقس؛ فهذا ليس فيه تصريح أن يخطبها لا لنفسه، ولا لغيره؛ لكنه يسمى تعريضاً؛ والتعريض، والتلويح بمعنًى واحد؛ و «الخطبة» معناها أن يعرض الإنسان نفسه على المرأة ليتزوجها، ويطلبها إليه؛ وسميت خطبة إما من الخَطْب بمعنى الشأن؛ لأن هذا شأنه عظيم؛ وإما من الخطابة؛ لأنها مقرونة بالقول - حتى إنه كان فيما سلف يأتي الخاطب إلى المرأة، وأهلها، ويخطب فيهم - يعني يتكلم بخطبة، ثم يبدي أنه يرغبها؛ ومع ذلك يفرقون بين الخِطبة - بالكسر -؛ وبين الخُطبة - بالضم -؛ فيقول: الخُطبة - بالضم: هي القول المشتمل على الوعظ، والتذكير، وما أشبه ذلك -؛ والخِطبة - بالكسر -: هي طلب المرأة لتكون زوجة للطالب؛ والمراد بـ ﴿النساء﴾ من مات عنهن أزواجهن. قوله تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾ أي أخفيتم، وأضمرتم في أنفسكم.

стр. 1046

قوله تعالى: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾ أي تكلمون فيهن معربين عن رغبتكم في نكاحهن، مثل أن يذكر لأخيه، أو لأبيه، أو لابنه، أو لصديقه بأنه يرغب أن يتزوج فلانة. قوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدوهن سراً﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾. وقوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدوهن سراً﴾: ﴿لا﴾ ناهية؛ لحذف النون؛ و ﴿سراً﴾ ذكر كثير من المفسرين أن «السر» من أسماء النكاح - أي لا تواعدوهن نكاحاً؛ وقالوا: إن «السر» من أسماء النكاح؛ لأنه يقع بين الرجل وامرأته سراً؛ وقال بعض العلماء: ﴿لا تواعدوهن سراً﴾ أي وعداً سراً فيما بينكم، وبينهن؛ وإذا نهي عن السر فالعلانية من باب أولى؛ ويختلف الإعراب بناءً على القولين؛ فإذا قلنا: إن ﴿سراً﴾ بمعنى النكاح صار مفعولاً ثانياً لـ ﴿تواعدوهن﴾؛ وإذا قلنا: إن ﴿سراً﴾ ضد العلانية، وأن المعنى: «لا تواعدوهن وعداً سرياً» صار مفعولاً مطلقاً. قوله تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ استثناء منقطع؛ وعلامته أن تكون «إلا» بمعنى «لكن»، وأن لا يكون ما بعدها من جنس ما قبلها؛ فقوله تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ ليس هو من جنس ما قبله من المواعدة سراً؛ لأن المواعدة سراً ليس من القول المعروف؛ إذ إن القول المعروف هو التعريض دون التصريح. قوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾؛ العزم على الشيء إرادة فعله بلا تردد؛ والمراد به هنا الفعل؛ و ﴿عقدة النكاح﴾ أي

стр. 1047

عقده؛ لأن النكاح عقد بين الزوج، والزوجة؛ فهو كالعقود الأخرى، كعقد البيع، وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾؛ ﴿حتى﴾ للغاية، وما بعدها منصوب بها؛ و ﴿الكتاب﴾ فعال بمعنى مفعول؛ والمراد بـ ﴿الكتاب﴾ هنا - كما ذكره المفسرون - العدة؛ لأن الله فرضها؛ فهي مفروضة؛ يعني حتى يبلغ المفروض أجله؛ والمفروض هي العدة؛ ويحتمل أن يكون المراد بـ ﴿الكتاب﴾ هنا ما يكتبونه عند ابتداء سبب العدة من موت، أو طلاق، أو نحوه، كأن يقال مثلاً: توفي في يوم كذا؛ ويكون هذا داخلاً في قوله تعالى: ﴿وأحصوا العدة﴾ يعني اضبطوها، وحرروها؛ وعلى هذا فيكون المعنى الكتاب المكتوب الذي فيه بيان متى كان سبب العدة من وفاة، أو طلاق. وقوله تعالى: ﴿أجله﴾: أجل الشيء منتهاه، وغايته؛ أي حتى يبلغ غايته حسب ما فرض الله . قوله تعالى: ﴿واعلموا﴾ فعل أمر؛ وأتى به للأهمية، والتحذير من المخالفة؛ وهذه الجملة يؤتى بها من أجل التنبيه؛ فيقال: اعلم كذا، وكذا؛ لكي تنتبه؛ ﴿أن الله يعلم ما في أنفسكم﴾ أي ما استقر في أنفسكم مما تضمرونه من كل شيء؛ ﴿فاحذروه﴾: الفاء هذه للتفريع - أي إذا علمتم هذا فاحذروا الله من أن تضمروا في هذه الأنفس ما لا يرضاه ؛ والحذر من الشيء معناه أخذ الحِذْر - وهو الاحتياط، وعدم المخالفة. قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله غفور حليم﴾؛ فإذا أضمرتم

стр. 1048

في أنفسكم ما لا يرضاه فإن لديكم باباً واسعاً - وهو المغفرة؛ تعرضوا لمغفرة الله بأن تستغفروه، وتتوبوا إليه؛ وسبق أن «الغفور» مأخوذ من: «الغَفْر» وهو الستر مع الوقاية؛ والمراد به ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ و «الحليم» هو الذي يؤخر العقوبة عن مستحقها، كما قال ابن القيم: (وهو الحليم فلا يعاجل عبده بعقوبة ليتوب من العصيان) الفوائد: ١ - من فوائد الآية: جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾. ٢ - ومنها: تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة؛ لقوله تعالى: ﴿فيما عرضتم به﴾ فنفي الجناح عن التعريض - وهو دون التصريح - يدل على تحريم التصريح؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدهن سراً﴾. تكميلاً لهذه الفائدة نقول: إن خطبة المعتدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: تحرم تصريحاً وتعريضاً؛ وتباح تصريحاً وتعريضاً؛ وتحرم تصريحاً لا تعريضاً؛ فالأول: في الرجعية لغير زوجها؛ فيحرم على الإنسان أن يخطب الرجعية لا تصريحاً، ولا تعريضاً؛ والرجعية هي المعتدة التي يجوز لزوجها أن يراجعها بغير عقد؛ لأنها زوجة، كما قال تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلى أن قال: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ والتي تحل تصريحاً وتعريضاً هي البائن من زوجها بغير الثلاث، كالمطلقة على عوض، والمختلعة، والفاسخة

стр. 1049

لنكاحها بسبب، وما أشبه ذلك؛ فيجوز لزوجها أن يخطبها تعريضاً، وتصريحاً، وأن يتزوجها؛ والتي تباح تعريضاً لا تصريحاً كل مبانة لغير زوجها؛ فيجوز لغير زوجها أن يعرض بخطبتها بدون تصريح، كالمتوفى عنها زوجها تجوز خطبتها تعريضاً لا تصريحاً. ٣ - ومن فوائد الآية: جواز إضمار الإنسان في نفسه خطبة امرأة لا يجوز له التصريح بخطبتها؛ لقوله تعالى: ﴿أو أكننتم في أنفسكم﴾. ٤ - ومنها: جواز ذكر الإنسان المرأة المعتدة في نفسه، ولغيره؛ لقوله تعالى: ﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾؛ فلو قال شخص: «إنني أريد أن أتزوج امرأة فلان المتوفى عنها زوجها» يحدث غيره: فلا بأس به. ٥ - ومنها: أنه لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من الوفاة بالنكاح، فيقول: «إذا انتهت عدتك فإنني سأتزوجك»؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا تواعدهن سراً﴾. ٦ - ومنها: أن التعريض بخطبة المتوفى عنها زوجها من القول المعروف غير المنكر؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾. ٧ - ومنها: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة إلا من زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي أن النكاح باطل؛ لقوله ﷺ : «فأيما شرط كان ليس في كتاب الله فهو باطل - وإن

стр. 1050

كان مائة شرط» (١)، وقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)؛ فلو عقد عليها في العدة فالعقد باطل؛ وهل له أن يتزوجها بعد انقضاء العدة؟ اختلف العلماء ﵏ هل تحل له لزوال المانع؛ وهو قول الجمهور؛ أو لا تحل له عقوبة له لتعجله الشيء قبل أوانه على وجه محرم؛ في المسألة قولان؛ وينبغي أن يرجع في ذلك إلى حكم الحاكم فيحكم بما يراه أصلح للعباد. ٨ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى العناية بالعدة، وأنه ينبغي أن تكتب؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾. ٩ - ومنها: المخاطبة بالمجمل، وأنها أسلوب من أساليب البلاغة؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يبلغ الكتاب أجله﴾؛ ومن فوائد الإجمال أن النفس تتطلع إلى بيانه، وتحرص عليه حتى تدركه؛ فإذا أدركت البيان بعد الإجمال كان ذلك أحرى بأن يبقى العلم في نفس الإنسان، ولا ينساه. ١٠ - ومنها: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾. ويتفرع على هذا: أن لا يضمر الإنسان في نفسه ما لا يرضاه الله . ١١ - ومنها: أن هذا القرآن العظيم مثاني - بمعنى تُثَنَّى فيه الأمور، والمواضيع؛ فإذا ذكر أهل الجنة ذكر أهل النار؛ وإذا ذكر الرجاء ذكر معه الخوف ... وهكذا؛ وقد نص الله على ذلك فقال تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني﴾ [الزمر:

стр. 1051

٢٣]- وهو هذا القرآن؛ ومثاله في هذه الآية: أن الله لما حذَّر قال: ﴿واعلموا أن الله غفور حليم﴾. ١٢ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما «الغفور» و «الحليم»؛ وقد ذكرنا فيما سبق أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن للصفة؛ فإذا كان متعدياً فهو يتضمن الحكم؛ وإن كان غير متعدٍّ لم يتضمنه؛ وربما يدل على أكثر من صفة بدلالة الالتزام؛ لأن أنواع الدلالة ثلاثة: مطابقة، وتضمن، والتزام؛ فـ «المطابقة» دلالة اللفظ على جميع معناه؛ و «التضمن» دلالته على بعض معناه؛ و «الالتزام» دلالته على لازم خارج؛ مثل «الخالق» من أسماء الله؛ دلالته على الذات، والخلق: مطابقة؛ ودلالته على الذات وحدها، أو على الخلق وحده: تضمن؛ ودلالته على العلم، والقدرة: التزام؛ فلا يمكن أن يكون خالقاً إلا أن يكون عالماً قادراً؛ لأنه لا يخلق من لا يقدر؛ ولا يخلق من لا يعلم؛ فلا بد أن يكون عالماً قادراً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فذكر العلم، والقدرة بعد أن ذكر أنه خلق؛ ولا يمكن أن يكون هناك خلق إلا أن يعلم كيف يخلق، ويقدر على ذلك. القرآن (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ٢٣٦)

стр. 1052

التفسير: ﴿٢٣٦﴾ قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم﴾ أي لا إثم عليكم؛ ﴿إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾: اختلف أهل الإعراب في إعراب: ﴿ما﴾؛ فقال بعضهم: إن ﴿ما﴾ مصدرية ظرفية؛ أي مدة دوام عدم مسكهم لهن؛ وقال بعضهم: إن ﴿ما﴾ شرطية؛ فهو من باب دخول الشرط على الشرط؛ أي لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن؛ وهذا يأتي في اللغة العربية كثيراً - أي كون الشرط الثاني شرطاً في الأول؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧] فهنا شرط في شرط؛ ومنه قول الشاعر: (إن تستغيثوا بنا إن تُذعَروا تجدوا منا معاقلَ عزّ زانها كرمُ) فيكون الثاني شرطاً في الأول؛ وكل شرط دخل على شرط فالسابق الثاني؛ فهنا نقول: إن ﴿ما﴾ شرطية؛ وأن تقدير الآية: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن؛ فإذا طلقها بدون مس فلا جناح عليه؛ والمعنى واحد؛ ولكن الاختلاف في الإعراب. وقوله تعالى: ﴿تمسوهن﴾ فيها قراءة ثانية: «تُماسوهن»؛ وكلاهما بمعنًى واحد؛ والمراد به الجماع؛ لكن جرت عادة العرب - والقرآن بلسان عربي مبين - أن يُكَنوا عما يستحيا من ذكره صريحاً بما يدل عليه؛ ولكل من القراءتين وجه؛ فعلى قراءة: «تماسوهن» يكون المسيس من الجانبين؛ فكل من الزوج، والزوجة يمس الآخر؛ ومثله قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ [المجادلة: ٣]؛ وأما على قراءة حذف الألف - الذي

стр. 1053

يفيد وقوع الفعل من جانب واحد - فهو أيضاً واقع؛ لأن حقيقة الفاعل هو الرجل؛ فهو ماسّ؛ ومنها قوله تعالى في مريم: ﴿ولم يمسسني بشر﴾ [آل عمران: ٤٧]؛ فجعل المسّ من جانب واحد - وهو الرجل -. قوله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾ أي تجمعوا بين الأمرين: بين ألا تفرضوا لهن فريضة، وبين ألا تمسوهن؛ فلا جناح عليكم إذا طلقتم المرأة بعد العقد بدون مسيس، وبدون تسمية مهر؛ و ﴿أو﴾ هنا على القول الراجح حرف عطف على ﴿تمسوهن﴾. قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾: قال بعض المفسرين: إن هذه الجملة معطوفة على جملة مقدرة؛ والتقدير: فطلقوهن، ومتعوهن؛ وأن تقدير: «فطلقوهن» مستفاد من قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾؛ لأن معنى ذلك: أننا قد أبحنا لكم طلاق النساء، فطلقوهن؛ فيكون المراد بالأمر المقدر - كما قالوا - الإباحة؛ والمراد بالأمر المذكور الوجوب؛ وقال بعض المعربين: لا حاجة إلى التقدير؛ لأن «فطلقوهن» المراد به الإباحة مفهوم من قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾؛ وما دام المعنى يفهم بدون تقدير فإنه لا يجوز التقدير؛ لأن التقدير نوع من التأويل؛ ولأن الأصل تمام الكلام، وعدم احتياجه إلى تقدير؛ وهذا القول أرجح؛ وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾ يعني إذا طلقتموهن؛ وهذا مستفاد من قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾؛ و ﴿متعوهن﴾ معناها أن يعطيها ما فيه المتعة والبلاغ، من زاد، أو لباس، أو غير ذلك، مما تقتضيه الحال والعرف.

стр. 1054

قوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾: في ﴿قدره﴾ قراءتان ﴿قدَره﴾ بفتح الدال؛ و ﴿قدْره﴾ بسكونها؛ فعلى القراءة الأولى يكون المعنى ما يقدِر عليه؛ وعلى الثانية يكون المعنى بقَدْره - أي بقدر سعته -؛ و ﴿الموسع﴾ هو الغني الكثير المال؛ و ﴿المقتر﴾ هو الفقير الذي ليس عنده شيء؛ وقوله تعالى: ﴿على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾، أي على الغني ما يناسب حاله؛ وعلى الفقير ما يناسب حاله؛ والجملة هذه قيل: إنها استئنافية لا محل لها من الإعراب تُبين مقدار الواجب الذي أوجبه الله في قوله تعالى: ﴿ومتعوهن﴾؛ وقيل: إنها في موضع نصب على الحال من الواو في ﴿متعوهن﴾؛ يعني متعوهن حال كونكم موسرين، أو معسرين - على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره -. قوله تعالى: ﴿متاعاً﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر - أي مفعولاً مطلقاً عامله ﴿متعوهن﴾ يعني تمتيعاً ﴿بالمعروف﴾؛ فـ «متاع» هنا بمعنى تمتيع، مثل «كلام» بمعنى تكليم، و «سلام» بمعنى تسليم، وما أشبهها؛ ويحتمل أن يكون حالاً؛ أي حال كون القدَر - أو القدْر - متاعاً ﴿بالمعروف﴾؛ أي بما يقتضيه العرف؛ والباء هنا للمصاحبة. قوله تعالى: ﴿حقاً﴾ منصوبة على أنه مصدر لفعل محذوف يعني: أحق ذلك حقاً؛ و «الحق» هو الشيء الثابت اللازم؛ و ﴿على المحسنين﴾ أي على فاعلي الإحسان؛ و «المحسن» اسم فاعل من: أحسَنَ - أي قام بالإحسان، وعمل به -؛ و «الإحسان» هنا ما كان موافقاً للشرع؛ فإذا قرن بـ «العدل» صار المراد

стр. 1055

بـ «الإحسان» الفضل الزائد على العدل، كما في قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل: ٩٠]؛ فـ «الإحسان» تارة يراد به موافقة الشرع - ولو كان شيئاً واجباً -؛ وتارة يراد به ما زاد على الواجب؛ وهذا إذا قُرن بـ «العدل»، كما سبق. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: جواز طلاق الرجل امرأته قبل أن يمسها؛ لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن﴾؛ وربما يشعر قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ أن الأولى عدم ذلك؛ لأن طلاقه إياها قبل أن يمسها وقد خطبها، وقدم إليها الصداق فيه شيء على المرأة، وغضاضة، وإن كان الإنسان قد يتأمل في أمره، وتضطره الأمور إلى الطلاق فإنه لا ينبغي أن يكون متسرعاً متعجلاً. ٢ - ومنها: إطلاق المس على الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿ما لم تمسوهن﴾. ٣ - ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يتزوج المرأة بلا تسمية مهر؛ لقوله تعالى: ﴿أو تفرضوا﴾ يعني: ما لم تفرضوا لهن فريضة؛ وقد اختلف العلماء فيما إذا تزوج المرأة، وشرط ألا مهر لها؛ فمنهم من يرى أن النكاح غير صحيح - وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وهو الراجح؛ لأن الله اشترط للحل المال؛ قال تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ [النساء: ٢٤]؛ ولأن النكاح إذا شرط فيه عدم المهر صار بمعنى الهبة؛ والنكاح بالهبة خاص بالنبي ﷺ ؛ والحال لا تخلو من ثلاثة أمور: إما أن يشترط المهر ويعيَّن؛ وإما أن يسكت عنه؛ وإما أن
следующие страницы →