٣ ومنها: أن المنافقين ليسوا بمؤمنين. وإن قالوا: إنهم مؤمنون.؛ لقوله تعالى: ﴿وما هم بمؤمنين﴾؛ ولكن هل هم مسلمون؟ إن أريد بالإسلام الاستسلام الظاهر فهم مسلمون؛ وإن أريد بالإسلام إسلام القلب والبدن فليسوا بمسلمين ..
. ٤ ومنها: أن الإيمان لا بد أن يتطابق عليه القلب، واللسان ..
ووجه الدلالة: أن هؤلاء قالوا: "آمنا" بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم؛ فصح نفي الإيمان عنهم؛ لأن الإيمان باللسان ليس بشيء ..
القرآن
(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: ٩)
التفسير:
. ﴿٩﴾ قوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ أي بإظهار إسلامهم الذي يعصمون به دماءهم، وأموالهم ..
قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾ معطوف على لفظ الجلالة؛ والمعنى: ويخدعون الذين آمنوا بإظهار الإسلام، وإبطان الكفر، فيظن المؤمنون أنهم صادقون ..
قوله تعالى: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ أي ما يخدع هؤلاء المنافقون إلا أنفسهم، حيث منَّوها الأماني الكاذبة ..
قوله تعالى: ﴿وما يشعرون﴾ أي ما يشعر هؤلاء أن خداعهم على أنفسهم مع أنهم يباشرونه؛ ولكن لا يُحِسُّون به، كما تقول: "مَرَّ بي فلان ولم أشعر به" ..
стр. 107
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر، وخديعة؛ لقوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة المنافقين: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: ٤]؛ فحصر العداوة فيهم؛ لأنهم مخادعون ..
. ٢ ومنها: التحفظ من المنافقين؛ لأنه إذا قيل لك: "فلان يخدع" فإنك تزداد تحفظاً منها؛ وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون يقظاً حذراً، فلا ينخدع بمثل هؤلاء ..
فإن قال قائل: كيف نعرف المنافق حتى نكون حذرين منه؟
فالجواب: نعرفه بأن نتتبع أقواله، وأفعاله: هل هي متطابقة، أو متناقضة؟ فإذا علمنا أن هذا الرجل يتملق لنا، ويظهر أنه يحب الإسلام، ويحب الدين، لكن إذا غاب عنا نسمع عنه بتأكد أنه يحارب الدين عرفنا أنه منافق؛ فيجب علينا أن نحذر منه ..
. ٣ ومن فوائد الآية: أن المكر السيئ لا يحيق إلّا بأهله؛ فهم يخادعون الله، ويظنون أنهم قد نجحوا، أو غلبوا؛ ولكن في الحقيقة أن الخداع عائد عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾: فالحصر هنا يدل على أن خداعهم هذا لا يضر الله تعالى شيئاً، ولا رسوله، ولا المؤمنين ..
. ٤ ومنها: أن العمل السيئ قد يُعمي البصيرة؛ فلا يشعر الإنسان بالأمور الظاهرة؛ لقوله تعالى: ﴿وما يشعرون﴾ أي ما يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم؛ و "الشعور" أخص من العلم؛ فهو
стр. 108
العلم بأمور دقيقة خفية؛ ولهذا قيل: إنه مأخوذ من الشَّعر؛ والشعر دقيق؛ فهؤلاء الذين يخادعون الله، والرسول، والمؤمنين لو أنهم تأملوا حق التأمل لعرفوا أنهم يخدعون أنفسهم، لكن لا شعور عندهم في ذلك؛ لأن الله تعالى قد أعمى بصائرهم. والعياذ بالله.، فلا يشعرون بهذا الأمر ..
القرآن
(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة: ١٠)
التفسير:.
﴿١٠﴾ قوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض﴾: هذه الجملة جملة اسمية تدل على مكث وتمكن هذا المرض في قلوبهم؛ ولكنه مرض على وجه قليل أثّر بهم حتى بلغوا النفاق؛ ومن أجل هذا المرض قال : ﴿فزادهم الله مرضاً﴾: الفاء هنا عاطفة؛ ولكنها تفيد معنى السببية: زادهم الله مرضاً على مرضهم؛ لأنهم. والعياذ بالله. يريدون الكفر؛ وهذه الإرادة مرض أدى بهم إلى زيادة المرض؛ لأن الإرادات التي في القلوب عبارة عن صلاح القلوب، أو فسادها؛ فإذا كان القلب يريد خيراً فهو دليل على سلامته، وصحته؛ وإذا كان يريد الشر فهو دليل على مرضه، وعلته ..
وهؤلاء قلوبهم تريد الكفر؛ لأنهم يقولون لشياطينهم إذا خلوا إليهم: ﴿إنا معكم إنما نحن مستهزئون﴾ [البقرة: ١٤]، أي
стр. 109
بهؤلاء المؤمنين السذج. على زعمهم. ويرون أن المؤمنين ليسوا بشيء، وأن العِلْية من القوم هم الكفار؛ ولهذا جاء التعبير بـ ﴿إنا معكم﴾ [البقرة: ١٤] الذي يفيد المصاحبة، والملازمة ..
فهذا مرض زادهم الله به مرضاً إلى مرضهم حتى بلغوا إلى موت القلوب، وعدم إحساسها، وشعورها ..
قوله تعالى في مجازاتهم: ﴿ولهم عذاب﴾ أي عقوبة؛ ﴿أليم﴾ أي مؤلم؛ فهو شديد، وعظيم، وكثير؛ لأن الأليم قد يكون مؤلماً لقوته، وشدته: فضربة واحدة بقوة تؤلم الإنسان؛ وقد يكون مؤلماً لكثرته: فقد يكون ضرباً خفيفاً؛ ولكن إذا كثر، وتوالى آلَم؛ وقد اجتمع في هؤلاء المنافقين الأمران؛ لأنهم في الدرك الأسفل من النار. وهذا ألم حسي.؛ وقال تعالى في أهل النار: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ٢٠]، وهذا ألم قلبي يحصل بتوبيخهم ..
قوله تعالى: ﴿بما كانوا يكذبون﴾: الباء للسببية. أي بسبب كذبهم.، أو تكذيبهم؛ و "ما" مصدرية تؤول وما بعدها بمصدر؛ فيكون التقدير: بكونهم كاذبين؛ أو: بكونهم مكذبين؛ لأن في الآية قراءتين؛ الأولى: بفتح الياء، وسكون الكاف، وكسر الذال مخففة؛ ومعناها: يَكْذِبون بقولهم: آمنا بالله، وباليوم الآخر. وما هم بمؤمنين.؛ والقراءة الثانية: بضم الياء، وفتح الكاف، وكسر الذال مشددة؛ ومعناها: يُكَذِّبون الله، ورسوله؛ وقد اجتمع الوصفان في المنافقين؛ فهم كاذبون مكذبون ..
стр. 110
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضاً فإنه يعاقب بزيادة المرض؛ لقوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين: شبهات، وشهوات؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده؛ ومنهم من اشتبه عليه؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا﴾ [النساء: ١٣٧]، وقال تعالى في سورة المنافقين: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣] ..
. ٢ ومن فوائد الآية: أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد؛ لقوله تعالى: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾؛ ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقوله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ [الأنعام: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم﴾ [المائدة: ٤٩] ...
٣ ومنها: أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله تعالى: ﴿فزادهم الله مرضاً﴾؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص؛ والمرض يزيد، وينقص ..
. ٤ ومنها: الوعيد الشديد للمنافقين؛ لقوله تعالى: (ولهم عذاب أليم)
. ٥ ومنها: أن العقوبات لا تكون إلا بأسباب. أي أن الله
стр. 111
لا يعذب أحداً إلا بذنب.؛ لقوله تعالى:
(بما كانوا يكذبون)
. ٦ ومنها: أن هؤلاء المنافقين جمعوا بين الكذب، والتكذيب؛ وهذا شر الأحوال ..
. ٧ ومنها: ذم الكذب، وأنه سبب للعقوبة؛ فإن الكذب من أقبح الخصال؛ وقد بين رسول الله ﷺ أن الكذب من خصال المنافقين، فقال ﷺ "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب ... " (١) الحديث؛ والكذب مذموم شرعاً، ومذموم عادة، ومذموم فطرة أيضاً ..
مسألة: -
إن قيل: كيف يكون خداعهم لله وهو يعلم ما في قلوبهم؟
فالجواب: أنهم إذا أظهروا إسلامهم فكأنما خادعوا الله؛ لأنهم حينئذ تُجرى عليهم أحكام الإسلام، فيلوذون بحكم الله. ﵎. حيث عصموا دماءهم وأموالهم بذلك ..
القرآن
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) (البقرة: ١١)
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) (البقرة: ١٢)
التفسير:.
﴿١١﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في
стр. 112
الأرض﴾: القائل هنا مبهم للعموم. أي ليعم أيَّ قائل كان؛ و "الإفساد في الأرض" هو أن يسعى الإنسان فيها بالمعاصي. كما فسره بذلك السلف؛ لقوله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]
وقوله تعالى: ﴿في الأرض﴾: المراد الأرض نفسها؛ أو أهلها؛ أو كلاهما. وهو الأولى؛ أما إفساد الأرض نفسها: فإن المعاصي سبب للقحط، ونزع البركات، وحلول الآفات في الثمار، وغيرها، كما قال تعالى عن آل فرعون لما عصوا رسوله موسى ﵇: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون﴾ [الأعراف: ١٣٠]، فهذا فساد في الأرض ..
وأما الفساد في أهلها: فإن هؤلاء المنافقين يأتوا إلى اليهود، ويقولون لهم: ﴿لئن أخرجتم لنخرجنَّ معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ [الحشر: ١١]: فيزدادوا استعداءً للرسول ﷺ ومحاربة له؛ كذلك أيضاً من فسادهم في أهل الأرض: أنهم يعيشون بين المسلمين، ويأخذون أسرارهم، ويفشونها إلى أعدائهم؛ ومن فسادهم في أهل الأرض: أنهم يفتحون للناس باب الخيانة والتَقِيَّة، بحيث لا يكون الإنسان صريحاً واضحاً، وهذا من أخطر ما يكون في المجتمع ..
قوله تعالى: ﴿قالوا إنما نحن مصلحون﴾؛ ﴿إنما﴾: أداة حصر؛ و ﴿نحن﴾: مبتدأ؛ و ﴿مصلحون﴾: خبر؛ والجملة اسمية؛ والجملة الاسمية تفيد الثبوت، والاستمرار؛ فكأنهم يقولون: ما
стр. 113
حالنا إلا الإصلاح؛ يعني: أنه ليس فيهم إفساد مطلقاً ..
ومن توفيق الله أنه لم يلهمهم، فيقولوا: إنما نحن المصلحون؛ فلو أنهم قالوا: "نحن المصلحون" كان مقتضاه أن لا مصلح غيرهم؛ لكنهم قالوا: ﴿إنما نحن مصلحون﴾ أي ما حالنا إلا إصلاح؛ ولم يدَّعوا أنهم المصلحون وحدهم ...
﴿١٢﴾ قوله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾؛ ﴿ألا﴾: أداة تفيد التنبيه، والتأكيد؛ و ﴿إنهم﴾: توكيد أيضاً؛ و ﴿هم﴾: ضمير فصل يفيد التوكيد أيضاً؛ فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: ﴿ألا﴾، و "إن"، و ﴿هم﴾ وهذا من أبلغ صيغ التوكيد؛ وأتى بـ "أل" الدالة على حقيقة الإفساد، وأنهم هم المفسدون حقاً؛ ووجه حصر الإفساد فيهم أن ﴿هم﴾ ضمير فصل يفيد الحصر. أي هم لا غيرهم المفسدون؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: ٤] أي هم لا غيرهم؛ فلا عداء أبلغ من عداء المنافقين للمؤمنين؛ ولا فساد أعظم من فساد المنافقين في الأرض ..
قوله تعالى: ﴿ولكن لا يشعرون﴾ أي لا يشعرون أنهم مفسدون؛ لأن الفساد أمر حسي يدرك بالشعور والإحساس؛ فلبلادتهم وعدم فهمهم للأمور، لا يشعرون بأنهم هم المفسدون دون غيرهم ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: أن النفاق الذي هو إظهار الإسلام، وإبطان الكفر من الفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض﴾؛ والنفاق من أعظم الفساد في الأرض ..
стр. 114
٢ ومنها: أن من أعظم البلوى أن يُزَيَّن للإنسان الفساد حتى يَرى أنه مصلح؛ لقولهم: (إنما نحن مصلحون)
. ٣ ومنها: أن غير المؤمن نظره قاصر، حيث يرى الإصلاح في الأمر المعيشي فقط؛ بل الإصلاح حقيقة أن يسير على شريعة الله واضحاً صريحاً ..
. ٤ ومنها: أنه ليس كل من ادعى شيئاً يصدق في دعواه؛ لأنهم قالوا: ﴿إنما نحن مصلحون﴾؛ فقال الله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾؛ وليس كل ما زينته النفس يكون حسناً، كما قال تعالى: ﴿أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [فاطر: ٨] ..
. ٥ ومنها: أن الإنسان قد يبتلى بالإفساد في الأرض، ويخفى عليه فساده؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا يشعرون.
٦ ومنها: قوة الرد على هؤلاء الذين ادعوا أنهم مصلحون، حيث قال الله : ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾؛ فأكد إفسادهم بثلاثة مؤكدات؛ وهي ﴿ألا﴾ و "إن"، و ﴿هم﴾؛ بل حصر الإفساد فيهم عن طريق ضمير الفصل ..
القرآن
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٣)
التفسير:.
. ﴿١٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس﴾: القائل هنا مبهم للعموم. أي ليعم أيَّ قائل كان؛ والكاف
стр. 115
للتشبيه، و "ما" مصدرية. أي كإيمان الناس؛ والمراد بـ ﴿الناس﴾ هنا الصحابة الذين كانوا في المدينة، وإمامهم النبي ﷺ
قوله تعالى: ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾؛ الاستفهام هنا للنفي، والتحقير؛ والمعنى: لا نؤمن كما آمن السفهاء؛ وربما يكون أيضاً مضمناً معنى الإنكار. أي أنهم ينكرون على من قال: ﴿آمنوا كما آمن الناس﴾؛ وهذا أبلغ من النفي المحض؛ و ﴿السفهاء﴾: الذين ليس لهم رشد، وعقل؛ والمراد بهم هنا أصحاب النبي ﷺ . على حدّ زعم هؤلاء المنافقين؛ فقال الله تعالى. وهو العليم بما في القلوب. رداً على هؤلاء: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾: وهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: ﴿ألا﴾، و "إن"، وضمير الفصل: ﴿هم﴾، وهو أيضاً مفيد للحصر؛ وهذه الجملة كالتي قبلها في قوله تعالى: ﴿ألا إنهم هم المفسدون﴾ ..
قوله تعالى: ﴿ولكن لا يعلمون﴾ أي لا يعلمون سفههم؛ فإن قيل: ما الفرق بين قوله تعالى هنا: ﴿ولكن لا يعلمون﴾، وقوله تعالى فيما سبق: ﴿ولكن لا يشعرون﴾؟
فالجواب: أن الإفساد في الأرض أمر حسي يدركه الإنسان بإحساسه، وشعوره؛ وأما السفه فأمر معنوي يدرك بآثاره، ولا يُحَسُّ به نفسِه ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: أن المنافق لا تنفعه الدعوة إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾؛ فهم لا ينتفعون إذا دعوا إلى الحق؛ بل يقولون: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء)
стр. 116
٢ ومنها: إعجاب المنافقين بأنفسهم؛ لقولهم: (أنؤمن كما آمن السفهاء)
. ٣ ومنها: شدة طغيان المنافقين؛ لأنهم أنكروا على الذين عرضوا عليهم الإيمان: ﴿قالوا أنؤمن﴾؛ وهذا غاية ما يكون من الطغيان؛ ولهذا قال الله تعالى في آخر الآية: ﴿في طغيانهم يعمهون﴾ [البقرة: ١٥] ..
. ٤ ومنها: أن أعداء الله يصفون أولياءه بما يوجب التنفير عنهم لقولهم: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾؛ فأعداء الله في كل زمان، وفي كل مكان يصفون أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم؛ فالرسل وصفهم قومهم بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر تنفيراً عنهم، كما قال تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ [الذاريات: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين﴾ [الفرقان: ٣١] وورثة الأنبياء مثلهم يجعل الله لهم أعداء من المجرمين، ولكن ﴿وكفى بربك هادياً ونصيراً﴾ [الفرقان: ٣١]؛ فمهما بلغوا من الأساليب فإن الله تعالى إذا أراد هداية أحد فلا يمنعه إضلال هؤلاء؛ لأن أعداء الأنبياء يسلكون في إبطال دعوة الأنبياء مَسْلكين؛ مسلك الإضلال، والدعاية الباطلة في كل زمان، ومكان؛ ثم مسلك السلاح. أي المجابهة المسلحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هادياً﴾ [الفرقان: ٣١] في مقابل المسلك الأول الذي هو الإضلال. وهو الذي نسميه الآن بالأفكار المنحرفة، وتضليل الأمة، والتلبيس على عقول أبنائها؛ وقال تعالى: ﴿ونصيراً﴾ [الفرقان: ٣١] في مقابل المسلك الثاني. وهو المجابهة المسلحة ..
.
стр. 117
٥ ومن فوائد الآية: أن كل من لم يؤمن فهو سفيه، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠] ..
. ٦ ومنها: أن الحكمة كل الحكمة إنما هي الإيمان بالله، واتباع شريعته؛ لأن الكافر المخالف للشريعة سفيه؛ فيقتضي أن ضده يكون حكيماً رشيداً ..
. ٧ ومنها: تحقيق ما وعد الله به من الدفاع عن المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨]؛ فإذا ذموا بالقول دافع الله عنهم بالقول؛ فهؤلاء قالوا: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾، والله هو الذي جادل عن المؤمنين، فقال: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ يعني هم السفهاء لا أنتم؛ فهذا من تحقيق دفاع الله تعالى عن المؤمنين؛ أما دفاعه عن المؤمنين إذا اعتُدي عليهم بالفعل فاستمع إلى قول الله تعالى: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ١٢]: هذه مدافعة فعلية، حيث تنْزل جنود الله تعالى من السماء لتقتل أعداء المؤمنين؛ فهذا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ [الحج: ٣٨]؛ ولكن الحقيقة أن هذا الوعد العظيم من القادر جل وعلا الصادق في وعده يحتاج إلى إيمان حتى نؤمن بالله ، ولا نخشى أحداً سواه، فإذا ضعف الإيمان أصبحنا نخشى الناس كخشية الله، أو أشد خشية؛ لأننا إذا كنا نراعيهم دون أوامر الله فسنخشاهم أشد من خشية الله ؛ وإلا لكنا ننفذ أمر الله ، ولا نخشى إلا الله ..
стр. 118
فنحن لو آمنا حقيقة الإيمان بهذا الوعد الصادق الذي لا يُخلَف لكنا منصورين في كل حال؛ لكن الإيمان ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله ؛ وهذه هي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوم؛ ولذلك تجد كثيراً من ولاة المسلمين. مع الأسف. لا يهتمون بأمر الله، ولا بشريعة الله؛ لكن يهتمون بمراعاة فلان، وفلان؛ أو الدولة الفلانية، والفلانية. ولو على حساب الشريعة الإسلامية التي من تمسك بها فهو المنصور، ومن خالفها فهو المخذول؛ وهم لا يعرفون أن هذا هو الذي يبعدهم من نصر الله؛ فبدلاً من أن يكونوا عبيداً لله أعزة صاروا عبيداً للمخلوقين أذلة؛ لأن الأمم الكافرة الكبرى لا ترحم أحداً في سبيل مصلحتها؛ لكن لو أننا ضربنا بذلك عُرض الحائط، وقلنا: لا نريد إلا رضى الله، ونريد أن نطبق شريعة الله على أنفسنا، وعلى أمتنا؛ لكانت تلك الأمم العظمى تهابنا؛ ولهذا يقال: من خاف الله خافه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء ..
. ٨. ومن فوائد الآية: الدلالة على جهل المنافقين؛ لأن الله نفى العلم عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن لا يعلمون﴾؛ فالحقيقة أنهم من أجهل الناس. إن لم يكونوا أجهل الناس؛ لأن طريقهم إنما هو خداع، وانخداع، وتضليل؛ وهؤلاء المنافقون من أجهل الناس؛ لأنهم لم يعلموا حقيقة أنفسهم، وأنهم هم السفهاء ..
стр. 119
القرآن
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) (البقرة: ١٤)) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة: ١٥)
التفسير:.
﴿١٤﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾ أي قابلوهم، أو جلسوا إليهم؛ ﴿قالوا﴾ أي للمؤمنين الذين لقوهم؛ ﴿آمنا﴾ أي كإيمانكم ..
قوله تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم﴾؛ ضُمِّن الفعل هنا معنى "رجعوا"؛ ولذلك عُدِّي بـ ﴿إلى﴾، لكن عُدِّي بالفعل ﴿خلوا﴾ ليكون المعنى: رجعوا خالِين بهم؛ والمراد بـ ﴿شياطينهم﴾ كبراؤهم؛ وسمي كبراؤهم بـ "الشياطين" لظهور تمردهم؛ وقد قيل: إن "الشيطان" كل مارد؛ أي كل عاتٍ من الجن، أو الإنس، أو غيرهما: شيطان؛ وقد وصف النبي ﷺ الكلب الأسود بأنه شيطان؛ وليس معناه شيطان الجن؛ بل معناه: الشيطان في جنسه: لأن أعتى الكلاب، وأشدها قبحاً هي الكلاب السود؛ فلذلك قال ﷺ : "الكلب الأسود شيطان" (١)؛ ويقال للرجل العاتي: هذا شيطان بني فلان. أي مَريدهم، وعاتيهم ..
وكلمة: "شيطان": النون فيها أصلية من "شطن" بمعنى بعُد؛
стр. 120
ولكونها أصلية صُرف الاسم بتنوين، كما في قوله تعالى: ﴿ويتبع كل شيطان مريد﴾ [الحج: ٣]؛ ولو كانت النون والألف زائدتان منعت من الصرف؛ لأن الألف والنون إذا كانتا زائدتين في عَلَم؛ أو وصف فإنه يُمنع من الصرف؛ وأما إذا كانتا زائدتين في غير علم، ولا وصف فإنه لا يمنع من الصرف ..
قوله تعالى: ﴿إنا معكم﴾ أي صحب مقارنون لكم تابعون لكم؛ ﴿إنما نحن مستهزئون﴾ أي ما نحن إلا ساخرون بالمؤمنين: نظهر لهم أنا مسلمون لنخادعهم ..
. ﴿١٥﴾ قوله تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ أي يسخر ﵎ بهم بما أملى لهم، وكفّ أيدي رسول الله ﷺ ، وأصحابه عن قتلهم. مع أنهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار ..
قوله تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ الطغيان مجاوزة الحد، كقوله تعالى: ﴿إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١]؛ و "العَمَه" الضلال؛ والمعنى أن الله يبقيهم ضالين في طغيانهم؛ واعلم أن بين "يَمد" الثلاثي، و"يُمد" الرباعي فرقاً؛ فالغالب أن الرباعي يستعمل في الخير، والثلاثي في الشر؛ قال الله تعالى: ﴿ونمد له من العذاب مداً﴾ [مريم: ٧٩]: وهذا في الشر؛ وقال تعالى: ﴿وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون﴾ [الطور: ٢٢]: وهذا في الخير؛ وهنا قال تعالى: ﴿ويَمدهم﴾: فهو في الشر ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: ذلّ المنافق؛ فالمنافق ذليل؛ لأنه خائن؛ فهم ﴿إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ خوفاً من المؤمنين؛
стр. 121
و ﴿إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم﴾ خوفاً منهم؛ فهم أذلاء عند هؤلاء، وهؤلاء؛ لأن كون الإنسان يتخذ من دينه تَقيَّة فهذا دليل على ذله؛ وهذا نوع من النفاق؛ لأنه تستر بما يُظَن أنه خير وهو شر ..
. ٢ ومنها: أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، أو برسله، أو بشرعه جزاءً وفاقاً؛ واعلم أن ها هنا أربعة أقسام:
قسم هو صفة كمال لكن قد ينتج عنه نقص: هذا لا يسمى الله تعالى به؛ ولكن يوصف الله به، مثل "المتكلم"، و"المريد"؛ فـ"المتكلم"، و"المريد" ليسا من أسماء الله؛ لكن يصح أن يوصف الله بأنه متكلم، ومريد على سبيل الإطلاق؛ ولم تكن من أسمائه؛ لأن الكلام قد يكون بخير، وقد يكون بشر؛ وقد يكون بصدق، وقد يكون بكذب؛ وقد يكون بعدل، وقد يكون بظلم؛ وكذلك الإرادة ..
القسم الثاني: ما هو كمال على الإطلاق، ولا ينقسم: فهذا يسمى الله به، مثل: الرحمن، الرحيم، الغفور، السميع، البصير ... وما أشبه ذلك؛ وهو متضمن للصفة؛ وليس معنى قولنا: "يسمى الله به" أن نُحْدِث له اسماً بذلك؛ لأن الأسماء توقيفية؛ لكن معناه أن الله تَسَمَّى به ..
القسم الثالث: ما لا يكون كمالاً عند الإطلاق؛ ولكن هو كمال عند التقييد؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيداً، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول: إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل: إن الله ماكر بمن يمكر به، وبرسله، ونحو ذلك ..
стр. 122
مسألة: -
هل "المنتقم" من جنس الماكر، والمستهزئ؟
الجواب: مسألة "المنتقم" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقول: إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بـ"العفوّ"؛ فيقال: "العفوُّ المنتقم"؛ لأن "المنتقم" على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بـ"العفوّ"؛ ومثله أيضاً المُذِل: قالوا: لا يوصف الله به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بـ"المُعِز"؛ فيقال: "المعزُّ المُذل"؛ ومثله أيضاً "الضار": قالوا: لا يوصف الله به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن "بالنافع"؛ فيقال: "النافع الضار"؛ ويسمون هذه: الأسماء المزدوجة ..
ويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق. ولو مقروناً بما يقابله. أي إنك لا تقول: العفوّ المنتقم؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله "المنتقم"؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام؛ ولهذا يقول : ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢]، وقال : ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ [آل عمران: ٤]؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح؛ بل هو مدرج؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله. مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ ..
القسم الرابع: ما يتضمن النقص على سبيل الإطلاق: فهذا
стр. 123
لا يوصف الله به أبداً، ولا يسمى به، مثل: العاجز؛ الضعيف؛ الأعور .... وما أشبه ذلك؛ فلا يجوز أن يوصف الله بصفة عيب مطلقاً ..
والاستهزاء هنا في الآية على حقيقته؛ لأن استهزاء الله بهؤلاء المستهزئين دال على كماله، وقوته، وعدم عجزه عن مقابلتهم؛ فهو صفة كمال هنا في مقابل المستهزئين مثل قوله تعالى: ﴿إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦﴾ أي أعظمَ منه كيداً؛ فالاستهزاء من الله تعالى حق على حقيقته، ولا يجوز أن يفسر بغير ظاهره؛ فتفسيره بغير ظاهره محرم؛ وكل من فسر شيئاً من القرآن على غير ظاهره بلا دليل صحيح فقد قال على الله ما لم يعلم؛ والقول على الله بلا علم حرام، كما قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف: ٣٣]؛ فكل قول على الله بلا علم في شرعه، أو في فعله، أو في وصفه غير جائز؛ بل نحن نؤمن بأن الله جل وعلا يستهزئ بالمنافقين استهزاءً حقيقياً؛ لكن ليس كاستهزائنا؛ بل أعظم من استهزائنا، وأكبر، وليس كمثله شيء ..
وهذه القاعدة يجب أن يسار عليها في كل ما وصف الله به نفسه؛ فكما أنك لا تتجاوز حكم الله فلا تقول لما حرم: "إنه حلال"، فكذلك لا تقول لما وصف به نفسه أن هذا ليس المراد؛ فكل ما وصف الله به نفسه يجب عليك أن تبقيه على ظاهره، لكن تعلم أن ظاهره ليس كالذي ينسب لك؛ فاستهزاء الله ليس كاستهزائنا؛ وقرب الله ليس كقربنا؛ واستواء الله على عرشه ليس كاستوائنا على السرير؛ وهكذا بقية الصفات نجريها على ظاهرها،
стр. 124
ولا نقول على الله ما لا نعلم؛ ولكن ننزه ربنا عما نزَّه نفسه عنه من مماثلة المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١] ..
أما الخيانة فلا يوصف بها الله مطلقاً؛ لأن الخيانة صفة نقص مطلق؛ و"الخيانة" معناها: الخديعة في موضع الائتمان. وهذا نقص؛ ولهذا قال الله : ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم﴾ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم؛ لكن لما قال تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ [النساء: ١٤٢] قال: ﴿وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]؛ لأن الخديعة صفة مدح مقيدة؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "الحرب خدعة" (١)، وقال ﷺ : "لا تخن من خانك" (٢)؛ لأن الخيانة تكون في موضع الائتمان؛ أما الخداع فيكون في موضع ليس فيه ائتمان؛ والخيانة صفة نقص مطلق ..
. ٣ ومن فوائد الآيتين: أن الله قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانه ..
فيستفاد من هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي تحذير الإنسان
стр. 125
الطاغي أن يغتر بنعم الله ؛ فهذه النعم قد تكون استدراجاً من الله؛ فالله يملي، كما قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. كما جاء في الحديث (١) ..
فإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟
فالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج ..
. ٤ ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (الحجرات: ١).
القرآن
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (البقرة: ١٦)
стр. 126
التفسير:.
﴿١٦﴾ قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾؛ "أولاء" اسم إشارة؛ والمشار إليهم المنافقون؛ وجاءت الإشارة بصيغة البُعد لبُعد منزلة المنافق سفولاً؛ و ﴿اشتروا﴾ أي اختاروا؛ و ﴿الضلالة﴾: العماية؛ وهي ما ساروا عليه من النفاق؛ و ﴿بالهدى﴾: الباء هنا للعوض؛ أخذوا الضلالة، وأعطوا الهدى. مثلما تقول: اشتريت الثوب بدرهم؛ فالهدى المدفوع عوض عن الضلالة المأخوذة، كما أن الدرهم المدفوع عوض عن الثوب المأخوذ ..
قوله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ أي ما زادت تجارتهم. وهي اشتراؤهم الضلالة بالهدى ..
قوله تعالى: ﴿وما كانوا مهتدين﴾ أي ما كانوا متصفين بالاهتداء حينما اشتروا الضلالة بالهدى؛ بل هم خاسرون في تجارتهم ضالون في منهجهم ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان سفه هؤلاء المنافقين، حيث اشتروا الضلالة بالهدى ..
. ٢ ومنها: شغف المنافقين بالضلال؛ لأنه ﵎ عبر عن سلوكهم الضلال بأنهم اشتروه؛ والمشتري مشغوف بالسلعة محب لها ..
. ٣ ومنها: أن الإنسان قد يظن أنه أحسنَ عملاً وهو قد أساء؛ لأن هؤلاء اشتروا الضلالة بالهدى ظناً منهم أنهم على صواب، وأنهم رابحون، فقال الله تعالى: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾ ..
стр. 127
٤ ومنها: خسران المنافقين فيما يطمعون فيه بالربح؛ لقوله تعالى: (فما ربحت تجارتهم) ...
٥ ومنها: أن المدار في الربح، والخسران على اتباع الهدى؛ فمن اتبعه فهو الرابح؛ ومن خالفه فهو الخاسر؛ ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر: ١. ٣]، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [الصف: ١٠، ١١]: تقف على ﴿خير لكم﴾؛ لأن ﴿إن كنتم تعلمون﴾ إذا وصلناها بما قبلها صار الخير معلقاً بكوننا نعلم. وهو خير علمنا أم لم نعلم ..
. ٦. ومن فوائد الآية: أن هؤلاء لن يهتدوا؛ لقوله تعالى: ﴿وما كانوا مهتدين﴾؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؛ ولذلك لا يرجعون؛ وهكذا كل فاسق، أو مبتدع يظن أنه على حق فإنه لن يرجع؛ فالجاهل البسيط خير من هذا؛ لأن هذا جاهل مركب يظن أنه على صواب. وليس على صواب ..
القرآن
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) (البقرة: ١٧)) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (البقرة: ١٨)
стр. 128
التفسير:
. ﴿١٧﴾ قوله تعالى: ﴿مثلهم﴾ أي وصْفهم، وحالهم ﴿كمثل الذي استوقد ناراً﴾ أي طلب من غيره أن يوقد له ناراً، أو طلب من غيره ما يوقد به النار بنفسه؛ ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾ أي أنارت ما حول المستوقد، ولم تذهب بعيداً لضعفها؛ ﴿ذهب الله بنورهم﴾ يعني: وأبقى حرارة النار؛ و "لما" حرف شرط، و ﴿أضاءت﴾ فعل الشرط؛ و ﴿ذهب الله﴾ جواب الشرط؛ والمعنى: أنه بمجرد الإضاءة ذهب النور؛ لأن القاعدة أن جواب الشرط يلي المشروط مباشرة ..
وفي هذه الآية نجد اختلافاً في الضمائر: ﴿استوقد﴾: مفرد؛ ﴿حوله﴾: مفرد؛ ﴿بنورهم﴾: جمع؛ ﴿تركهم﴾: جمع؛ ﴿لا يبصرون﴾: جمع؛ قد يقول قائل: كيف يجوز في أفصح الكلام أن تكون الضمائر مختلفة والمرجع فيها واحد؟ الجواب من وجهين:.
الأول: أن اسم الموصول يفيد العموم؛ وإذا كان يفيد العموم فهو صالح للمفرد، والجمع؛ فتكون الضمائر في ﴿استوقد﴾، و ﴿حوله﴾ عادت إلى اسم الموصول باعتبار اللفظ؛ وأما ﴿نورهم﴾، و ﴿تركهم﴾، و ﴿لا يبصرون﴾ فعادت إلى الموصول باعتبار المعنى ..
الوجه الثاني: أن الذي استوقد النار كان مع رفقة، فاستوقد النار له، ولرفقته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ... ﴾ إلخ ..
وعلى الوجه الثاني تكون الآية ممثلة لرؤساء المنافقين مع
стр. 129
أتباعهم؛ لأن رأس المنافقين هو الذي استوقد النار، وأراد أن ينفع بها أقرانه، ثم ذهبت الإضاءة، وبقيت الحرارة، والظلمة، وتركهم جميعاً في ظلمات لا يبصرون ..
قوله تعالى: ﴿وتركهم في ظلمات﴾: جمعها لتضمنها ظلمات عديدة؛ أولها: ظلمة الليل؛ لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل؛ لأنك إذا استوقدت ناراً بالنهار فإنها لا تضيء؛ والثانية: ظلمة الجو إذا كان غائماً؛ والثالثة: الظلمة التي تحدث بعد فقد النور؛ فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة؛ و ﴿لا يبصرون﴾ تأكيد من حيث المعنى لقوله تعالى: ﴿في ظلمات﴾ دال على شدة الظلمة ...
﴿١٨﴾ قوله تعالى في وصفهم: ﴿صم﴾ خبر لمبتدأ محذوف. أي هم صم؛ و ﴿صم﴾ جمع أصم؛ و"الأصم" الذي لا يسمع، لكنه هنا ليس على سبيل الإطلاق؛ بل أريد به شيء معين: أي هم صم عن الحق، فلا يسمعون؛ والمراد نفي السمع المعنوي. وهو السمع النافع؛ لا الحسي. وهو الإدراك؛ لأن كلهم يسمعون القرآن، ويفهمون معناه، لكن لما كانوا لا ينتفعون به صاروا كالصم الذين لا يسمعون؛ وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ (الأنفال: ٢١).
قوله تعالى: ﴿بُكْمٌ﴾ جمع أبكم؛ وهو الذي لا ينطق؛ والمراد أنهم لا ينطقون بالحق؛ وإنما ينطقون بالباطل؛ و ﴿عُمْيٌ﴾ جمع أعمى؛ والمراد أنهم لا ينتفعون بما يشاهدونه من الآية التي تظهر على أيدي الرسل. عليهم الصلاة والسلام ..
فبهذا سُدت طرق الحق أمامهم؛ لأن الحق إما مسموع؛
стр. 130
وإما مشهود؛ وإما معقول؛ فهم لا يسمعون، ولا يشهدون؛ كذلك أيضاً لا يؤخذ منهم حق؛ لأنهم لا ينطقون بالحق؛ لأنهم بُكم؛ فهم لا ينتفعون بالحق من غيرهم، ولا ينفعون غيرهم بحق ..
قوله تعالى: ﴿فهم لا يرجعون﴾: الفاء هذه عاطفة، لكنها تفيد السببية. أي بسبب هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عن غيِّهم؛ فلا ينتفعون بسماع الحق، ولا بمشاهدته، ولا ينطقون به ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالاً محسوسات؛ لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول؛ لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيداً، كما قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣] ..
. ٢ ومنها: ثبوت القياس، وأنه دليل يؤخذ به؛ لأن الله أراد منا أن نقيس حالهم على حال من يستوقد؛ وكل مثل في القرآن فهو دليل على ثبوت القياس ...
٣ ومنها: أن هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور؛ لقوله تعالى: ﴿كمثل الذي استوقد ناراً﴾؛ فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور؛ فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءل، ويزول؛ لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب؛ فربما يجلس إلى المؤمن حقاً، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول ..
стр. 131
٤ ومن فوائد الآيتين: أن الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق؛ لقوله تعالى: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾: الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم؛ ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر؛ ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين. وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم﴾ [المنافقون: ٣] ..
. ٥ ومنها: أنه بعد أن ذهب هذا الضياء حلت الظلمة الشديدة؛ بل الظلمات ..
. ٦ ومنها: أن الله تعالى جازاهم على حسب ما في قلوبهم: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، كأنه أخذه قهراً ..
فإن قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الجبرية؟
فالجواب: لا؛ لأن هذا الذي حصل من رب العباد بسببهم؛ وتذكَّر دائماً قول الله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]. حتى يتبين لك أن كل من وصفه الله بأنه أضله فإنما ذلك بسبب منه
. ٧ ومن فوائد الآيتين: تخلي الله عن المنافقين؛ لقوله تعالى: [وتركهم]
ويتفرع على ذلك: أن من تخلى الله عنه فهو هالك. ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح؛ لقوله تعالى: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون).
٨ ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق؛ ولو سمعوا ما انتفعوا؛ ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا
стр. 132
كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ (الأنفال: ٢١)
. ٩ ومنها: أن هؤلاء المنافقين لا ينطقون بالحق. كالأبكم ..
. ١٠ ومنها: أنهم لا يبصرون الحق. كالأعمى ..
. ١١ ومنها: أنهم لا يرجعون عن غيِّهم؛ لأنهم يعتقدون أنهم محسنون، وأنهم صاروا أصحاباً للمؤمنين، وأصحاباً للكافرين: هم أصحاب للمؤمنين في الظاهر، وأصحاب للكافرين في الباطن؛ ومن استحسن شيئاً فإنه لا يكاد أن يرجع عنه ..
القرآن
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) (البقرة: ١٩)) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٠)
التفسير:
. ﴿١٩﴾ قوله تعالى: ﴿أو كصيِّب من السماء﴾؛ ﴿أو﴾ هنا للتنويع؛ لأن المثل الثاني نوع آخر؛ والكاف اسم بمعنى "مِثل"؛ فالمعنى: أو مِثل صيب؛ ويجوز أن نقول: إن الكاف حرف تشبيه، والتقدير: أو مَثلهم كصيب؛ و "الصيِّب" المطر النازل من السماء؛ والمراد بـ ﴿السماء﴾ هنا العلو ..
قوله تعالى: ﴿فيه ظلمات﴾ أي معه ظلمات؛ لأن الظلمات تكون مصاحبة له؛ وهذه الظلمات ثلاث: ظلمة الليل؛ وظلمة السحاب؛ وظلمة المطر؛ والدليل على أنها ظلمة الليل قوله تعالى
стр. 133
بعد ذلك: ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾، وقوله تعالى: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه﴾: وهذا لا يكون إلا في الليل؛ والثاني: ظلمة السحاب؛ لأن السحاب الكثير يتراكم بعضه على بعض، فيَحدُث من ذلك ظلمةٌ فوق ظلمة؛ والثالث: ظلمة المطر النازل؛ لأن المطر النازل له كثافة تُحدِث ظلمةً؛ هذه ثلاث ظلمات؛ وربما تكون أكثر، كما لو كان في الجو غبار ..
قوله تعالى: ﴿ورعد وبرق﴾؛ "الرعد" هو الصوت الذي نسمعه من السحاب؛ أما "البرق" فهو النور الذي يلمع في السحاب ..
فهؤلاء عندهم ظلمات في قلوبهم. فهي مملوءة ظلمة من الأصل؛ أصابها صيب. وهو القرآن. فيه رعد؛ والرعد هو وعيد القرآن؛ إلا أنه بالنسبة لهؤلاء المنافقين وخوفهم منه كأنه رعد شديد؛ وفيه برق. وهو وعد القرآن؛ إلا أنه بالنسبة لما فيه من نور، وهدى يكون كالبرق؛ لأن البرق ينير الأرض ..
قوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾؛ الضمير في ﴿يجعلون﴾ يعود على أصحاب الصيب؛ ففيها حذف المضاف؛ والتقدير: أصحاب الصيب؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنه ليس المشبه به هنا هو الصيب؛ وإنما المشبه به الذين أصابهم الصيب؛ و "أصابع" جمع أصبع، وفيه عشر لغات أشار إليها في قوله:.
(وهمزَ أنملةٍ ثلِّث وثالثَه التسعُ في إصبعٍ واختم بأصبوع) هذا وقد قيل: إن في الآية مجازاً من وجهين؛ الأول: أن الأصابع ليست كلها تجعل في الأذن؛ والثاني: أنه ليس كل الأصبع يدخل في الأذن؛ والتحقيق: أنه ليس في الآية مجاز؛
стр. 134
أما الأول: فلأن "أصابع" جمع عائد على قوله تعالى: ﴿يجعلون﴾، فيكون من باب توزيع الجمع على الجمع. أي يجعل كل واحد منهم أصبعه في أذنه؛ وأما الثاني: فلأن المخاطَب لا يمكن أن يفهم من جعْل الأصبع في الأذن أن جميع الأصبع تدخل في الأذن؛ وإذا كان لا يمكن ذلك امتنع أن تحمل الحقيقة على إدخال جميع الأصبع؛ بل الحقيقة أن ذلك إدخال بعض الأصبع؛ وحينئذ لا مجاز في الآية؛ على أن القول الراجح أنه لا مجاز في القرآن أصلاً؛ لأن معاني الآية تدرك بالسياق؛ وحقيقة الكلام: ما دلّ عليه السياق. وإن استعملت الكلمات في غير أصلها؛ وبحث ذلك مذكور في كتب البلاغة، وأصول الفقه، وأكبر دليل على امتناع المجاز في القرآن: أن من علامات المجاز صحة نفيه، وتبادر غيره لولا القرينة؛ وليس في القرآن ما يصح نفيه؛ وإذا وجدت القرينة صار الكلام بها حقيقة في المراد به ..
قوله تعالى: ﴿من الصواعق﴾؛ ﴿من﴾ سببية. أي يجعلونها بسبب الصواعق؛ و ﴿الصواعق﴾ جمع صاعقة؛ وهي ما تَصعَق. أي تُهلك. مَنْ أصابته؛ هذه الصواعق معروفة بآثارها؛ فهي نار تنطلق من البرق؛ فإذا أصابت أحداً، أو شيئاً أحرقته؛ وغالباً تسقط على النخيل، وتحرقها؛ وترى فيها النار، والدخان؛ وأحياناً تسقط على المنازل وتهدمها؛ لأنها كتلة نارية تنطلق بشدة لها هواء تدفعه أمامها ..
فيجعلون أصابعهم في آذانهم من هذه الصواعق لئلا يموتوا؛ ولكنهم لا ينجون منها بهذا الفعل؛ إلا أنهم كالنعامة إذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمل لئلا تراه؛ وتظن أنها إذا لم تره
стр. 135
تنجو منه! وكذلك الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق لا يسلمون بهذا؛ إذا أراد الله تعالى أن يصيبهم أصابهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿والله محيط بالكافرين﴾، فلن ينفعهم الحذر ..
. ﴿٢٠﴾ ولما بَيَّن الله شدة الصوت، وأنهم لفرارهم منه، وعدم تحملهم إياه يجعلون أصابعهم في آذانهم بَيَّن شدة الضوء عليهم، فقال تعالى: ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾ أي يقرب أن يخطف أبصارهم. أي يأخذها بسرعة، فتعمى؛ وذلك لقوته، وضعف أبصارهم ..
قوله تعالى: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه﴾؛ فكأنهم ينتهزون فرصة الإضاءة، ولا يتأخرون عن الإضاءة طرفة عين؛ كلما أضاء لهم. ولو شيئاً يسيراً. مشوا فيه ..
قوله تعالى: ﴿وإذا أظلم عليهم﴾ أي أصابهم بظلمة؛ وذلك أن الضوء إذا انطفأ بسرعة اشتدت الظلمة بعده؛ ﴿قاموا﴾ أي وقفوا ..
قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ دون أن تحدث الصواعق، ودون أن يحدث البرق؛ لأن الله على كل شيء قدير؛ فهو قادر على أن يُذهب السمع والبصر بدون أسباب: فيذهب السمع بدون صواعق، والبصر بدون برق؛ ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ ..
هذا المثل ينطبق على منافقين لم يؤمنوا أصلاً؛ بل كانوا كافرين من قبل، كاليهود؛ لأن المنافقين منهم عرب من الخزرج، والأوس؛ ومنهم يهود من بني إسرائيل؛ فاليهود لم يذوقوا طعم الإيمان أبداً؛ لأنهم كفار من الأصل؛ لكن أظهروا الإسلام خوفاً من النبي ﷺ بعد أن أعزه الله في بدر؛ فهؤلاء ليسوا على هدًى.
стр. 136
كالأولين؛ الأولون استوقدوا النار، وصار عندهم شيء من النور بهذه النار، ثم. والعياذ بالله. انتكسوا؛ لكن هؤلاء من الأصل في ظلمات؛ فيكون هذا المثل غير المثل الأول؛ بل هو لقوم آخرين؛ والمنافقون أصناف بلا شك ..
و"الصواعق" عبارة عما في القرآن من الإنذار، والخوف؛ ولهذا يقول الله عنهم في آية أخرى: ﴿يحسبون كل صيحة عليهم﴾ [المنافقون: ٤]؛ و "البرق" نور الإسلام، لكنه ليس نوراً يستمر؛ نور البرق ينقطع في لحظة؛ وميض؛ فهؤلاء لم يدخل الإيمان في قلوبهم أصلاً، ولا فكروا في ذلك؛ وإنما يرون هذا النور العظيم الذي شع، فينتفعون به لمجرد خطوة يخطونها فقط؛ وبعد ذلك يقفون؛ كذلك أيضاً يكاد البرق يخطف أبصارهم؛ لأنهم لا يتمكنون من رؤية النور الذي جاء به النبي ﷺ ؛ بل لكبريائهم، وحسدهم للعرب يكاد هذا البرق يعمي أبصارهم؛ لأنه قوي عليهم لا يستطيعون مدافعته، ومقابلته ..
فالظاهر أن القول الراجح أن هذين مثلان يتنَزلان على صنفين من المنافقين ..
فإن قال قائل: الصنف الأول كيف نقول: إنه دخل الإيمان في قلوبهم؟
فالجواب: نقول: نعم؛ قال الله تعالى: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ [المنافقون: ٣]؛ وهذا يدل على أنهم آمنوا أولاً، ثم كفروا ثانياً؛ لأن الإيمان لم يستقر في قلوبهم، ولم تستنر به؛ وإنما هو وميض ضوء ما لبث أن طفئ؛ وإلا فإن الإيمان إذا دخل القلب دخولاً حقيقياً فإنه لن
стр. 137
يخرج منه بإذن الله؛ ولهذا سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب الرسول ﷺ الذين يدخلون في الإسلام: "فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فيه؛ فقال: لا؛ فقال: وَكَذَلِكَ الْإِيْمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلوبَ" (١)؛ لكن الإيمان الهش - الذي لم يتمكن من القلب - هو الذي يُخشى على صاحبه ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: تهديد الكفار بأن الله محيط بهم؛ لقوله تعالى: ﴿والله محيط بالكافرين﴾ ..
. ٢ ومنها: أن البرق الشديد يخطف البصر؛ ولهذا يُنهى الإنسان أن ينظر إلى البرق حال كون السماء تبرق؛ لئلا يُخطف بصره ..
. ٣ ومنها: أن من طبيعة الإنسان اجتناب ما يهلكه؛ لقوله تعالى: (وإذا أظلم عليهم قاموا)
. ٤ ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم).
٥ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله أن يمتعه بسمعه، وبصره؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾؛ وفي الدعاء المأثور: "متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا" (٢) ..
стр. 138
٦ ومنها: أن من أسماء الله أنه قدير على كل شيء ..
. ٧ ومنها: عموم قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهو جلّ وعلا قادر على إيجاد المعدوم، وإعدام الموجود، وعلى تغيير الصالح إلى فاسد، والفاسد إلى صالح، وغير ذلك ..
القرآن
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ٢١)
التفسير:
. ﴿٢١﴾ يا أيها الناس﴾: النداء هنا وجِّه لعموم الناس مع أن السورة مدنية؛ والغالب في السور المدنية أن النداء فيها يكون موجهاً للمؤمنين. والله أعلم بما أراد في كتابه؛ ولو قال قائل: لعل هذه آية مكية جعلت في السورة المدنية؟
فالجواب: أن الأصل عدم ذلك - أي عدم إدخال الآية المكية في السور المدنية، أو العكس؛ ولا يجوز العدول عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح؛ وعلى هذا فما نراه في عناوين بعض السور أنها مدنية إلا آية كذا، أو مكية إلا آية كذا غير مسلَّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح صريح؛ وإلا فالأصل أن السورة المدنية جميع آياتها مدنية، وأن السور المكية جميع آياتها مكية إلا بدليل ثابت ..
стр. 139
قوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾ أي تذللوا له بالطاعة؛ وذلك بفعل الأوامر، واجتناب النواهي ذلاً تاماً ناشئاً عن المحبة، والتعظيم؛ و "الرب" هو الخالق المالك المدبر لشؤون خلقه؛ ﴿الذي خلقكم﴾ أي أوجدكم من العدم؛ ﴿والذين من قبلكم﴾ معطوف على الكاف في قوله تعالى: ﴿خلقكم﴾. يعني وخلق الذين من قبلكم؛ والمراد بـ "من قبلنا": سائر الأمم الماضية ..
وقوله تعالى: ﴿الذي خلقكم﴾ صفة كاشفة تبين بعض معنى الربوبية؛ وليست صفة احترازية؛ لأنه ليس لنا ربان أحدهما خالق، والثاني غير خالق؛ بل ربنا هو الخالق ..
قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾؛ "لعل" هنا للتعليل. أي لتصلوا إلى التقوى؛ ومعلوم أن التقوى مرتبة عالية، حتى قال الله في الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٨]، وقال تعالى: ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ [البقرة: ١٩٤] ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: العناية بالعبادة؛ يستفاد هذا من وجهين؛ الوجه الأول: تصدير الأمر بها بالنداء؛ والوجه الثاني: تعميم النداء لجميع الناس مما يدل على أن العبادة أهم شيء؛ بل إنّ الناس ما خُلقوا إلا للعبادة، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات: ٥٦)
. ٢ ومنها: أن الإقرار بتوحيد الربوبية مستلزم للإقرار بتوحيد الألوهية؛ لقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾ ..
. ٣ ومنها: وجوب عبادة الله وحده. وهي التي
стр. 140
خُلق لها الجن، والإنس؛ و"العبادة" تطلق على معنيين؛ أحدهما: التعبد. وهو فعل العابد؛ والثاني: المتعبَّد به. وهي كل قول، أو فعل ظاهر، أو باطن يقرب إلى الله ...
٤ ومنها: أن وجوب العبادة علينا مما يقتضيه العقل بالإضافة إلى الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم﴾؛ فإن الرب يستحق أن يُعبد وحده، ولا يعبد غيره؛ والعجب أن هؤلاء المشركين الذين لم يمتثلوا هذا الأمر إذا أصابتهم ضراء، وتقطعت بهم الأسباب يتوجهون إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين﴾ [لقمان: ٣٢]؛ لأن فطرهم تحملهم على ذلك ولابد ..
. ٥. ومن فوائد الآية: إثبات أن الله هو الخالق وحده، وأنه خالق الأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: (الذي خلقكم والذين من قبلكم)
. ٦ ومنها: أن من طريق القرآن أنه إذا ذَكر الحكم غالباً ذَكر العلة؛ الحكم: ﴿اعبدوا ربكم﴾؛ والعلة: كونه رباً خالقاً لنا، ولمن قبلنا ..
. ٧ ومنها: أن التقوى مرتبة عالية لا ينالها كل أحد إلا من أخلص العبادة لله ؛ لقوله تعالى: (لعلكم تتقون) ..
. ٨ وربما يستفاد التحذير من البدع؛ وذلك؛ لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعباد؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الوحي والشرع: كيف نتوضأ، كيف نصلي ... يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام للصلاة يقرأ، ثم يركع، ثم يسجد ... إلخ، إلا بعد الوحي ..
стр. 141
٩ ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري. ﵀. على هذه المسألة بقوله: "باب: العلم قبل القول، والعمل ..
القرآن
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢)
التفسير:.
﴿٢٢﴾ قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً ... ﴾ هذا من باب تعديد أنواع من مخلوقاته ؛ جعل الله لنا الأرض فراشاً مُوَطَّأة يستقر الإنسان عليها استقراراً كاملاً مهيأة له يستريح فيها. ليست نشَزاً؛ وليست مؤلمة عند النوم عليها، أو عند السكون عليها، أو ما أشبه ذلك؛ والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة: وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبأنها مهاد ..
قوله تعالى: ﴿والسماء بناءً﴾. كما قال تعالى: ﴿وبنينا فوقكم سبعاً شداداً﴾ [النبأ: ١٢]: السماء جعلها الله بمنزلة البناء، وبمنزلة السقف، كما قال تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ (الأنبياء: ٣٢)
قوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماءً﴾: ليست هي السماء الأولى؛ بل المراد بـ ﴿السماء﴾ هنا العلو؛ لأن الماء. الذي هو المطر. ينزل من السحاب، والسحاب بين السماء، والأرض،
стр. 142
كما قال الله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [النور: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار .... ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قوله تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ [البقرة: ١٦٤]؛ وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا؛ والمعنى الثاني: العلو ..
قوله تعالى: ﴿فأخرج به﴾ أي بسببه؛ ﴿من الثمرات﴾ جمع ثمرة؛ وجمعت باعتبار أنواعها ..
قوله تعالى: ﴿رزقاً لكم﴾ أي عطاء لكم؛ وهو مفعول لأجله ..
قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا﴾ أي لا تُصَيِّروا ﴿لله أنداداً﴾ أي نظراء، ومشابهين في العبادة ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنه لا نِد له في الخلق، والرزق، وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من معاني الربوبية، ومقتضياتها؛ لأن المشركين يقرُّون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله إقراراً تاماً، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا؛ لكن في العبادة ينكرون التوحيد: يشركون؛ يجعلون مع الله إلهاً آخر؛ وينكرون على من وحّد الله حتى قالوا في الرسول ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٥]؛ وإقرارهم بالخلق، والرزق أن الله منفرد به يستلزم أن يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإن لم يفعلوا فهم متناقضون؛ ولهذا قال العلماء. ﵏.: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛
стр. 143
يعني من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ ومن أقر بتوحيد الألوهية فإنه لم يقرَّ بها حتى كان قد أقر بتوحيد الربوبية ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: بيان رحمة الله تعالى، وحكمته في جعل الأرض فراشاً؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال؛ لكن من رحمته، ولطفه، وإحسانه جعلها فراشاً ..
. ٢ ومنها: جعْل السماء بناءً؛ وفائدتنا من جعل السماء بناءً أن نعلم بذلك قدرة الله ؛ لأن هذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جداً، وواسعة، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ (الذاريات: ٤٧) ..
٣ ومنها: بيان قدرة الله بإنزال المطر من السماء؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾؛ لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال: ادع الله يغيثنا، فرفع ﷺ يديه، وقال: "اللهم أغثنا" (١)، وما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته ..
стр. 144
٤ ومنها: حكمة الله ، ورحمته بإنزال المطر من السماء؛ وجه ذلك: لو كان الماء الذي تحيى به الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراضٍ كثيرة. الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أن ينزل من السماء؛ ثم هناك شيء آخر أيضاً: أنه ينزل رذاذاً. يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزل كأفواه القرب لأضر بالناس ..
. ٥ ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم) ..
. ٦ ومنها: أن الأسباب لا تكون مؤثرة إلا بإرادة الله ؛ لقوله تعالى: (فأخرج به) ...
٧ ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يضيف الشيء إلى سببه أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب، مثل لو أن أحداً من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه. أنقذه من الغرق؛ فليقل: أنقذني الله بفلان؛ وله أن يقول: أنقذني فلان؛ لأنه فعلاً أنقذه؛ وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان؛ وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله؛ ويدل لهذا. أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله مقروناً بالسبب. أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي ﷺ أن يسلم، فأسلم؛ لكنه أسلم بعد أن استشار أباه: التفت إليه ينظر إليه يستشيره؛ قال: "أطع أبا القاسم". أمر ولده أن يسلم، وهو لم يسلم في تلك الحال، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله
стр. 145
الذي أنقذه بي من النار" (١)، وهكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى مقروناً ببيان السبب؛ وذلك؛ لأن السبب موصل فقط ..
. ٨. ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله ، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءاً فتصبح الأرض مخضرَّة﴾ [الحج: ٦٣]؛ وأما الفضل فبما يمن الله به من الثمرات؛ ولذلك قال تعالى: ﴿رزقاً لكم﴾ ...
٩ ومنها: أن الله منعم على الإنسان كافراً كان، أو مؤمناً؛ لقوله تعالى: ﴿لكم﴾، وهو يخاطب في الأول الناس عموماً؛ لكن فضل الله على المؤمن دائم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا ..
. ١٠ ومنها: تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾؛ وهل الأنداد شرك أكبر، أو شرك أصغر؛ وهل هي شرك جلي، أو شرك خفي؛ هذا له تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصته: إن اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرك أكبر؛ وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، كقول الرجل لصاحبه: "ما شاء الله وشئت" ..