← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٩ ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري. ﵀. على هذه المسألة بقوله: "باب: العلم قبل القول، والعمل .. القرآن (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٢) التفسير:. ﴿٢٢﴾ قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً ... ﴾ هذا من باب تعديد أنواع من مخلوقاته ؛ جعل الله لنا الأرض فراشاً مُوَطَّأة يستقر الإنسان عليها استقراراً كاملاً مهيأة له يستريح فيها. ليست نشَزاً؛ وليست مؤلمة عند النوم عليها، أو عند السكون عليها، أو ما أشبه ذلك؛ والله تعالى قد وصف الأرض بأوصاف متعددة: وصفها بأنها فراش، وبأنها ذلول، وبأنها مهاد .. قوله تعالى: ﴿والسماء بناءً﴾. كما قال تعالى: ﴿وبنينا فوقكم سبعاً شداداً﴾ [النبأ: ١٢]: السماء جعلها الله بمنزلة البناء، وبمنزلة السقف، كما قال تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ (الأنبياء: ٣٢) قوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماءً﴾: ليست هي السماء الأولى؛ بل المراد بـ ﴿السماء﴾ هنا العلو؛ لأن الماء. الذي هو المطر. ينزل من السحاب، والسحاب بين السماء، والأرض،

стр. 142

كما قال الله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله﴾ [النور: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار .... ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قوله تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ [البقرة: ١٦٤]؛ وبهذا نعرف أن السماء يطلق على معنيين؛ المعنى الأول: البناء الذي فوقنا؛ والمعنى الثاني: العلو .. قوله تعالى: ﴿فأخرج به﴾ أي بسببه؛ ﴿من الثمرات﴾ جمع ثمرة؛ وجمعت باعتبار أنواعها .. قوله تعالى: ﴿رزقاً لكم﴾ أي عطاء لكم؛ وهو مفعول لأجله .. قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا﴾ أي لا تُصَيِّروا ﴿لله أنداداً﴾ أي نظراء، ومشابهين في العبادة ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنه لا نِد له في الخلق، والرزق، وإنزال المطر، وما أشبه ذلك من معاني الربوبية، ومقتضياتها؛ لأن المشركين يقرُّون بأن الخالق هو الله، والرازق هو الله، والمدبر للأمر هو الله إقراراً تاماً، ويعلمون أنه لا إله مع الله في هذا؛ لكن في العبادة ينكرون التوحيد: يشركون؛ يجعلون مع الله إلهاً آخر؛ وينكرون على من وحّد الله حتى قالوا في الرسول ﷺ ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٥]؛ وإقرارهم بالخلق، والرزق أن الله منفرد به يستلزم أن يجعلوا العبادة لله وحده؛ فإن لم يفعلوا فهم متناقضون؛ ولهذا قال العلماء. ﵏.: توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛

стр. 143

يعني من أقر بتوحيد الربوبية لزمه أن يقر بتوحيد الألوهية؛ ومن أقر بتوحيد الألوهية فإنه لم يقرَّ بها حتى كان قد أقر بتوحيد الربوبية .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: بيان رحمة الله تعالى، وحكمته في جعل الأرض فراشاً؛ إذ لو جعلها خشنة صلبة لا يمكن أن يستقر الإنسان عليها ما هدأ لأحد بال؛ لكن من رحمته، ولطفه، وإحسانه جعلها فراشاً .. . ٢ ومنها: جعْل السماء بناءً؛ وفائدتنا من جعل السماء بناءً أن نعلم بذلك قدرة الله ؛ لأن هذه السماء المحيطة بالأرض من كل الجوانب نعلم أنها كبيرة جداً، وواسعة، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾ (الذاريات: ٤٧) .. ٣ ومنها: بيان قدرة الله بإنزال المطر من السماء؛ لقوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء﴾؛ لو اجتمعت الخلائق على أن يخلقوا نقطة من الماء ما استطاعوا؛ والله تعالى ينزل هذا المطر العظيم بلحظة؛ وقصة الرجل الذي دخل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قال: ادع الله يغيثنا، فرفع ﷺ يديه، وقال: "اللهم أغثنا" (١)، وما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته ..

стр. 144

٤ ومنها: حكمة الله ، ورحمته بإنزال المطر من السماء؛ وجه ذلك: لو كان الماء الذي تحيى به الأرض يجري على الأرض لأضر الناس؛ ولو كان يجري على الأرض لحُرِم منه أراضٍ كثيرة. الأراضي المرتفعة لا يأتيها شيء؛ ولكن من نعمة الله أن ينزل من السماء؛ ثم هناك شيء آخر أيضاً: أنه ينزل رذاذاً. يعني قطرةً قطرةً؛ ولو نزل كأفواه القرب لأضر بالناس .. . ٥ ومنها: إثبات الأسباب؛ لقوله تعالى: (فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم) .. . ٦ ومنها: أن الأسباب لا تكون مؤثرة إلا بإرادة الله ؛ لقوله تعالى: (فأخرج به) ... ٧ ومنها: أنه ينبغي لمن أراد أن يضيف الشيء إلى سببه أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب، مثل لو أن أحداً من الناس غرق، وجاء رجل فأخرجه. أنقذه من الغرق؛ فليقل: أنقذني الله بفلان؛ وله أن يقول: أنقذني فلان؛ لأنه فعلاً أنقذه؛ وله أن يقول: أنقذني الله ثم فلان؛ وليس له أن يقول: أنقذني الله وفلان؛ لأن هذا تشريك مع الله؛ ويدل لهذا. أي الاختيار أن يضيف الشيء إلى الله مقروناً بالسبب. أن النبي ﷺ لما دعا الغلام اليهودي للإسلام وكان هذا الغلام في سياق الموت، فعرض عليه النبي ﷺ أن يسلم، فأسلم؛ لكنه أسلم بعد أن استشار أباه: التفت إليه ينظر إليه يستشيره؛ قال: "أطع أبا القاسم". أمر ولده أن يسلم، وهو لم يسلم في تلك الحال، أما بعد فلا ندري، والله أعلم؛ فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله

стр. 145

الذي أنقذه بي من النار" (١)، وهكذا ينبغي لنا إذا حصل شيء بسبب أن نضيفه إلى الله تعالى مقروناً ببيان السبب؛ وذلك؛ لأن السبب موصل فقط .. . ٨. ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله، وفضله بإخراج هذه الثمرات من الماء؛ أما القدرة فظاهر: تجد الأرض شهباء جدباء ليس فيها ورقة خضراء فينزل المطر، وفي مدة وجيزة يخرج هذا النبات من كل زوج بهيج بإذن الله ، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءاً فتصبح الأرض مخضرَّة﴾ [الحج: ٦٣]؛ وأما الفضل فبما يمن الله به من الثمرات؛ ولذلك قال تعالى: ﴿رزقاً لكم﴾ ... ٩ ومنها: أن الله منعم على الإنسان كافراً كان، أو مؤمناً؛ لقوله تعالى: ﴿لكم﴾، وهو يخاطب في الأول الناس عموماً؛ لكن فضل الله على المؤمن دائم متصل بفضل الآخرة؛ وفضل الله على الكافر منقطع بانقطاعه من الدنيا .. . ١٠ ومنها: تحريم اتخاذ الأنداد لله؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً﴾؛ وهل الأنداد شرك أكبر، أو شرك أصغر؛ وهل هي شرك جلي، أو شرك خفي؛ هذا له تفصيل في علم التوحيد؛ خلاصته: إن اتخذ الأنداد في العبادة، أو جعلها شريكة لله في الخلق، والملك، والتدبير فهو شرك أكبر؛ وإن كان دون ذلك فهو شرك أصغر، كقول الرجل لصاحبه: "ما شاء الله وشئت" ..

стр. 146

١١. ومن فوائد الآية: أنه ينبغي لمن خاطب أحداً أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون﴾، ولقوله تعالى في صدر الآية الأولى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ فإن قوله تعالى: ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١] فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده .. القرآن (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة: ٢٣) التفسير: . ﴿٢٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإن كنتم ... ﴾: الخطاب لمن جعل لله أنداداً؛ لأنه تعالى قال: (فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون * وإن كنتم في ريب) وفي ذكر هذه الآية المتعلقة برسالة محمد ﷺ إشارة إلى كلمتي التوحيد؛ وهما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ لكن شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد القصد؛ والثاني: توحيد المتابعة؛ فكلاهما توحيد؛ لكن الأول توحيد القصد بأن يكون العمل خالصاً لله؛ والثاني توحيد المتابعة بأن لا يتابع في عبادته سوى رسول الله ﷺ وإذا تأملت القرآن وجدت هكذا: يأتي بما يدل على التوحيد، ثم بما يدل على الرسالة؛

стр. 147

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿أفلم يدَّبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ثم قال تعالى: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون﴾ [المؤمنون: ٦٩]؛ وهذا مطَّرد في القرآن الكريم .. قوله تعالى: ﴿في ريب﴾: "الريب" يفسره كثير من الناس بالشك؛ ولا شك أنه قريب من معنى الشك، لكنه يختلف عنه بأن "الريب" يُشعر بقلق مع الشك، وأن الإنسان في قلق عظيم مما وقع فيه الشك؛ وذلك؛ لأن ما جاء به الرسول حق؛ والشاك فيه لا بد أن يعتريه قلق من أجل أنه شك في أمر لا بد من التصديق به؛ بخلاف الشك في الأمور الهينة، فلا يقال: "ريب"؛ وإنما يقال في الأمور العظيمة التي إذا شك فيها الإنسان وجد في داخل نفسه قلقاً، واضطراباً .. قوله تعالى: ﴿مما نزَّلنا﴾: المراد به القرآن؛ لأن الله أنزله على محمد ﷺ ﴿على عبدنا﴾: هو محمد رسول الله ﷺ والله. ﵎. وصف رسوله ﷺ بالعبودية في المقامات العالية: في الدفاع عنه؛ وفي بيان تكريمه بالمعراج، والإسراء؛ وفي بيان تكريمه بإنزال القرآن، كما قال تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وقال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء: ١]، وقال تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾: هذا في مقام التحدي، والمدافعة؛ وأفضل أوصاف الرسول ﷺ هي العبودية، والرسالة؛ ولهذا قال ﷺ "إنما أنا عبد؛ فقولوا:

стр. 148

عبد الله، ورسوله" (١)؛ و "العبودية": هي التذلل للمحبوب، والمعظم؛ ولهذا قال الشاعر في محبوبته:. (لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي) يعني: لا تقل: فلان، وفلان؛ بل قل: يا عبد فلانة؛ لأن هذا عنده أشرف أوصافه، حيث انتمى إليها. نعوذ بالله من الخذلان .. قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة﴾: أمر يقصد به التحدي. يعني: إذا كنتم في شك من هذا القرآن فإننا نتحداكم أن تأتوا بسورة واحدة؛ ﴿من مثله﴾: يحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الرسول ﷺ ؛ والمعنى: من مثل محمد ﷺ ويحتمل أن يكون عائداً إلى القرآن المنزل؛ والمعنى: من مثل ما نزلنا على عبدنا. أي من جنسه؛ وكلاهما صحيح .. قوله تعالى: ﴿وادعوا شهداءكم﴾ أي الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله؛ وهذا غاية ما يكون من التحدي: أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله. قوله تعالى: ﴿من دون الله﴾ أي مما سوى الله؛ ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي في أن هذا القرآن مفترًى على الله؛ والجواب على هذا: أنه لا يمكن أن يأتوا بسورة مثله مهما أتوا من المعاونين، والمساعدين ..

стр. 149

الفوائد: . ١ من فوائد الآية: دفاع الله عن رسوله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾؛ لأن الأمر هنا للتحدي؛ فالله يتحدى هؤلاء بأن يأتوا بمعارضٍِ لما جاء به الرسول ﷺ .. . ٢ ومنها: فضيلة النبي ﷺ ؛ لوصفه بالعبودية؛ والعبودية لله هي غاية الحرية؛ لأن من لم يعبد الله فلا بد أن يعبد غيره؛ فإذا لم يعبد الله . الذي هو مستحق للعبادة. عَبَدَ الشيطان، كما قال ابن القيم. ﵀. في النونية:. (هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان) ٣. ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿مما نزلنا﴾؛ ووجه كونه كلام الله أن القرآن كلام؛ والكلام صفة للمتكلم، وليس شيئاً بائناً منه؛ وبهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن مخلوق .. . ٤ ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به؛ وعلو الله ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته؛ لأنه أمر فطري؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع ... ٥ ومن فوائد الآية: أن القرآن معجز حتى بسورة. ولو كانت قصيرة؛ لقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله) ..

стр. 150

٦ ومنها: تحدي هؤلاء العابدين للآلهة مع معبوديهم؛ وهذا أشد ذلاًّ مما لو تُحدوا وحدهم .. القرآن (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٤) التفسير: . ﴿٢٤﴾ قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾ يعني فإن لم تأتوا بسورة من مثله .. ولما قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾. وهي شرطية. قطع أطماعهم بقوله: ﴿ولن تفعلوا﴾ يعني: ولا يمكنكم أن تفعلوا؛ و ﴿لن﴾ هنا للتأبيد؛ لأن المقام مقام تحدٍّ .. قوله تعالى: ﴿فاتقوا النار﴾: الفاء هنا واقعة في جواب الشرط. وهو ﴿إن لم تفعلوا﴾ يعني: إن لم تفعلوا، وتعارضوا القرآن بمثله فالنار مثواكم؛ فاتقوا النار. ولن يجدوا ما يتقون به النار إلا أن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ قوله تعالى: ﴿التي وقودها الناس والحجارة﴾؛ ﴿التي﴾ اسم موصول صفة لـ ﴿النار﴾؛ و ﴿وقود﴾ مبتدأ؛ و ﴿الناس﴾ خبر المبتدأ؛ والجملة: صلة الموصول؛ و "الوقود" ما يوقد به الشيء، كالحطب. مثلاً. في نار الدنيا؛ في الآخرة وقود النار هم الناس، والحجارة؛ فالنار تحرقهم، وتلتهب بهم؛ و ﴿الحجارة﴾: قال بعض العلماء: إن المراد بها الحجارة المعبودة. يعني

стр. 151

الأصنام؛ لأنهم يعبدون الأصنام؛ فأصنامهم هذه تكون معهم في النار، كما قال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨]؛ وقيل: هذا، وهذا. الحجارة المعبودة، والحجارة الموقودة التي خلقها لتوقد بها النار .. قوله تعالى: ﴿أعدت﴾: الضمير المستتر يعود على النار؛ والمعِدُّ لها هو الله ؛ ومعنى "الإعداد" التهيئة للشيء؛ ﴿للكافرين﴾ أي لكل كافر سواء كفر بالرسالة، أو كفر بالألوهية، أو بغير ذلك .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: أن من عارض القرآن فإن مأواه النار؛ لقوله تعالى: (فاتقوا النار) . ٢ ومنها: أن الناس وقود للنار كما توقد النار بالحطب؛ فهي في نفس الوقت تحرقهم، وهي أيضاً توقد بهم؛ فيجتمع العذاب عليهم من وجهين .. . ٣ ومنها: إهانة هؤلاء الكفار بإذلال آلهتهم، وطرحها في النار. على أحد الاحتمالين في قوله تعالى: ﴿الحجارة﴾؛ لأن من المعلوم أن الإنسان يغار على من كان يعبده، ولا يريد أن يصيبه أذًى؛ فإذا أحرق هؤلاء المعبودون أمام العابدين فإن ذلك من تمام إذلالهم، وخزيهم ... ٤ ومنها: أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت﴾؛ ومعلوم أن الفعل هنا فعل ماض؛ والماضي يدل على وجود الشيء؛ وهذا أمر دلت عليه السنة أيضاً؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 152

عُرضت عليه الجنة، والنار، ورأى أهلها يعذبون فيها: رأى عمرو بن لحيّ الخزاعي يجر قصبه. أي أمعاءه. في النار؛ ورأى المرأة التي حبست الهرة حتى ماتت جوعاً: فلم تكن أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ ورأى فيها صاحب المحجن. الذي كان يسرق الحُجَّاج بمحجنه. يعذب: وهو رجل معه محجن. أي عصا محنية الرأس. كان يسرق الحُجاج بهذا المحجن؛ إذا مر به الحجاج جذب متاعهم؛ فإن تفطن صاحب الرحل لذلك ادعى أن الذي جذبه المحجن؛ وإن لم يتفطن أخذه؛ فكان يعذب. والعياذ بالله. بمحجنه في نار جهنم (١) .. مسألة: هل النار باقية؛ أو تفنى؟ ذكر بعض العلماء إجماع السلف على أنها تبقى، ولا تفنى؛ وذكر بعضهم خلافاً عن بعض السلف أنها تفنى؛ والصواب أنها تبقى أبد الآبدين؛ والدليل على هذا من كتاب الله في ثلاث آيات من القرآن: في سورة النساء، وسورة الأحزاب، وسورة الجن؛ فأما الآية التي في النساء فهي قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]؛ والتي في سورة الأحزاب قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً﴾ [الأحزاب: ٦٤،

стр. 153

٦٥]؛ والتي في سورة الجن قوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ [الجن: ٢٣]؛ وليس بعد كلام الله كلام؛ حتى إني أذكر تعليقاً لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي ﵀ على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم؛ ذكر أن هذا من باب: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة". وهو صحيح؛ كيف إن المؤلف ﵀ يستدل بهذه الأدلة على القول بفناء النار مع أن الأمر فيها واضح؟! غريب على ابن القيم ﵀ أنه يسوق الأدلة بهذه القوة للقول بأن النار تفنى! وعلى كل حال، كما قال شيخنا في هذه المسألة: "لكل جواد كبوة؛ ولكل صارم نبوة"؛ والصواب الذي لا شك فيه. وهو عندي مقطوع به. أن النار باقية أبد الآبدين؛ لأنه إذا كان يخلد فيها تخليداً أبدياً لزم أن تكون هي مؤبدة؛ لأن ساكن الدار إذا كان سكونه أبدياً لابد أن تكون الدار أيضاً أبدية .. وأما قوله تعالى في أصحاب النار: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٧] فهي كقوله تعالى في أصحاب الجنة: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ [هود: ١٠٨] لكن لما كان أهل الجنة نعيمهم، وثوابهم فضلاً ومنَّة، بيَّن أن هذا الفضل غير منقطع، فقال تعالى: ﴿عطاءً غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٨]؛ ولما كان عذاب أهل النار من باب العدل، والسلطان المطلق للرب قال تعالى في آخر الآية: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]؛ وليس المعنى: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧] أنه سوف يخرجه من النار، أو سوف يُفني النار ..

стр. 154

٥ ومن فوائد الآية: أن النار دار للكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿أعدت للكافرين﴾؛ وأما من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم لا يخلدون فيها؛ فهم فيها كالزوار؛ لا بد أن يَخرجوا منها؛ فلا تسمى النار داراً لهم؛ بل هي دار للكافر فقط؛ أما المؤمن العاصي. إذا لم يعف الله عنه. فإنه يعذب فيها ما شاء الله، ثم يخرج منها إما بشفاعة؛ أو بمنة من الله وفضل؛ أو بانتهاء العقوبة .. مسألة: إذا قال قائل: ما وجه الإعجاز في القرآن؟ وكيف أعجز البشر؟ .. الجواب: أنه معجز بجميع وجوه الإعجاز؛ لأنه كلام الله، وفيه من وجوه الإعجاز ما لا يدرك؛ فمن ذلك:. أولاً: قوة الأسلوب، وجماله؛ والبلاغة، والفصاحة؛ وعدم الملل في قراءته؛ فالإنسان يقرأ القرآن صباحاً، ومساءً. وربما يختمه في اليومين، والثلاثة. ولا يمله إطلاقاً؛ لكن لو كرر متناً من المتون كما يكرر القرآن ملّ .. ثانياً: أنه معجز بحيث إن الإنسان كلما قرأه بتدبر ظهر له بالقراءة الثانية ما لم يظهر له بالقراءة الأولى .. ثالثاً: صدق أخباره بحيث يشهد لها الواقع؛ وكمال أحكامه التي تتضمن مصالح الدنيا، والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً﴾ (الأنعام: ١١٥) رابعاً: تأثيره على القلوب، والمناهج؛ وآثاره، حيث ملك به السلف الصالح مشارق الأرض، ومغاربها ..

стр. 155

وأما كيفية الإعجاز فهي تحدي الجن، والإنس على أن يأتوا بمثله، ولم يستطيعوا .. مسألة:. ثانية:. حكى الله عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندهم أقوالاً؛ وهذه الحكاية تحكي قول من حُكيت عنه؛ فهل يكون قول هؤلاء معجزاً. يعني مثلاً: فرعون قال لموسى: ﴿لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩]: هذا يحكيه الله عن فرعون؛ فيكون القول قول فرعون؛ فكيف كان قول فرعون معجزاً والإعجاز إنما هو قول الله ؟ فالجواب: أن الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظه؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآن كلام الله . وهو معجز .. القرآن (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢٥) التفسير:. ﴿٢٥﴾ مناسبة الآية لما قبلها أن الله لما ذكر وعيد الكافرين المكذبين للرسول ﷺ ذكر وعد المؤمنين به، فقال تعالى: ﴿وبشر ... ﴾ الآية؛ و "البشارة" هي الإخبار بما يسر؛ وسميت بذلك لتغير بَشَرة المخاطَب بالسرور؛ لأن الإنسان إذا

стр. 156

أُخبر بما يُسِرُّه استنار وجهه، وطابت نفسه، وانشرح صدره؛ وقد تستعمل "البشارة" في الإخبار بما يسوء، كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]: إمَّا تهكماً بهم؛ وإما لأنهم يحصل لهم من الإخبار بهذا ما تتغير به بشرتهم، وتَسودَّ به وجوههم، وتُظلِم، كقوله تعالى في عذابهم يوم القيامة: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٨، ٤٩] .. والخطاب في قوله تعالى: ﴿بشِّر﴾ إما للرسول ﷺ ؛ أو لكل من يتوجه إليه الخطاب. يعني بشِّر أيها النبي؛ أو بشِّر أيها المخاطَب من اتصفوا بهذه الصفات بأن لهم جنات .. قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا﴾ أي بما يجب الإيمان به مما أخبر الله به، ورسوله؛ وقد بيَّن الرسول ﷺ أصول الإيمان بأنها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ لكن ليس الإيمان بهذه الأشياء مجرد التصديق بها؛ بل لا بد من قبول، وإذعان؛ وإلا لما صح الإيمان .. قوله تعالى: ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات. وهي الصادرة عن محبة، وتعظيم لله المتضمنة للإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله؛ فما لا إخلاص فيه فهو فاسد؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (١)؛ وما لم يكن على الاتِّباع فهو مردود لا يقبل؛ لقول

стр. 157

النبي ﷺ (: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (١) " .. قوله تعالى: ﴿أن لهم جنات﴾: هذا المبشر به: أن لهم عند الله ﴿جنات ... ﴾: جمع "جنَّة"؛ وهي في اللغة: البستان كثير الأشجار بحيث تغطي الأشجار أرضه، فتجتن بها؛ والمراد بها شرعاً: الدار التي أعدها الله للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر .. قوله تعالى: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أي تسيح من تحتها الأنهار؛ و ﴿الأنهار﴾ فاعل ﴿تجري﴾؛ و ﴿من تحتها﴾ قال العلماء: من تحت أشجارها، وقصورها؛ وليس من تحت سطحها؛ لأن جريانها من تحت سطحها لا فائدة منه؛ وما أحسن جري هذه الأنهار إذا كانت من تحت الأشجار، والقصور! يجد الإنسان فيها لذة في المنظر قبل أن يتناولها .. وقد بيّن الله تعالى أنها أربعة أنواع، كما قال تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفَّى﴾ (محمد: ١٥). قوله تعالى: ﴿كلما رزقوا﴾ أي أعطوا؛ ﴿منها﴾ أي من الجنات؛ ﴿من ثمرة﴾ أي من أيّ ثمرة؛ ﴿قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ لأنه يشبه ما سبقه في حجمه، ولونه، وملمسه، وغير ذلك

стр. 158

من صفاته؛ فيظنون أنه هو الأول؛ ولكنه يختلف عنه في الطعم والمذاق اختلافاً عظيماً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وأتوا به متشابهاً﴾؛ وما أجمل وألذّ للإنسان إذا رأى هذه الفاكهة يراها وكأنها شيء واحد؛ فإذا ذاقها وإذا الطعم يختلف اختلافاً عظيماً! تجده يجد في نفسه حركةً لهذا الفاكهة، ولذةً، وتعجباً؛ كيف يكون هذا الاختلاف المتباين العظيم والشكل واحد! ولهذا لو قُدم لك فاكهة ألوانها سواء، وأحجامها سواء، وملمسها سواء، ثم إذا ذقتها وإذا هذه حلو خالص، وهذه مُز. أي حلو مقرون بالحموضة. وهذه حامضة؛ تجد لذة أكثر مما لو كانت على حد سواء، أو كانت مختلفة .. قوله تعالى: ﴿وأتوا به متشابهاً﴾؛ ﴿أتوا﴾ من "أتى" التي بمعنى جاء؛ فالمعنى: جيء إليهم به متشابهاً يشبه بعضه بعضاً. كما سبق .. قوله تعالى: ﴿ولهم فيها أزواج﴾؛ لما ذكر الله الفاكهة ذكر الأزواج؛ لأن في كل منهما تفكهاً، لكن كل واحد من نوع غير الآخر: هذا تفكه في المذاق، والمطعم؛ وهذا تفكه آخر من نوع ثان؛ لأن بذلك يتم النعيم؛ و ﴿أزواج﴾ جمع زوج؛ وهو شامل للأزواج من الحور، ومن نساء الدنيا؛ ويطلق "الزوج" على الذكر، والأنثى؛ ولهذا يقال للرجل: "زوج"، وللمرأة: "زوج"؛ لكن في اصطلاح الفرضيين صاروا يلحقون التاء للأنثى فرقاً بينها وبين الرجل عند قسمة الميراث .. قوله تعالى: ﴿مطهرة﴾ يشمل طهارة الظاهر، والباطن؛ فهي مطهرة من الأذى القذر: لا بول، ولا غائط، ولا حيض، ولا نفاس، ولا استحاضة، ولا عرق، ولا بخر، مطهرة من كل شيء ظاهر حسي؛ مطهرة أيضاً من الأقذار الباطنة، كالغل، والحقد، والكراهية، والبغضاء، وغير ذلك ..

стр. 159

قوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾ أي ماكثون لا يخرجون منها .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾؛ ولقول الله ﵎: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وبشروه بغلام عليم﴾ [الذاريات: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ [الصافات: ١٠١]؛ فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين. عليهم الصلاة والسلام؛ وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة، كما لو أدرك رمضان، فقلت: هنّاك الله بهذا الشهر؟ الجواب: نعم؛ وكذلك أيضاً لو أتم الصوم، فقلت: هنّأك الله بهذا العيد، وتقبل منك عبادتك وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس به، وقد كان من عادة السلف .. . ٢ ومن فوائد الآية: أن الجنات لا تكون إلا لمن جمع هذين: الإيمان، والعمل الصالح .. فإن قال قائل: في القرآن الكريم ما يدل على أن الأوصاف أربعة: الإيمان؛ والعمل الصالح؛ والتواصي بالحق؛ والتواصي بالصبر؟ فالجواب: أن التواصي بالحق، والتواصي بالصبر من العمل الصالح، لكن أحياناً يُذكر بعض أفراد العام لعلة من العلل، وسبب من الأسباب .. . ٣ ومنها: أن جزاء المؤمنين العاملين للصالحات أكبر بكثير مما عملوا، وأعظم؛ لأنهم مهما آمنوا، وعملوا فالعمر

стр. 160

محدود، وينتهي؛ لكن الجزاء لا ينتهي أبداً؛ هم مخلدون فيه أبد الآباد؛ كذلك أيضاً الأعمال التي يقدمونها قد يشوبها كسل؛ قد يشوبها تعب؛ قد يشوبها أشياء تنقصها، لكن إذا منّ الله عليه، فدخل الجنة فالنعيم كامل ... ٤ ومنها: أن الجنات أنواع؛ لقوله تعالى: ﴿جنات﴾؛ وقد دل على ذلك القرآن، والسنة؛ فقال الله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال تعالى: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ [الرحمن: ٦٢]؛ وقال النبي ﷺ "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما؛ وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما (١) " .. . ٥ ومنها: تمام قدرة الله بخلق هذه الأنهار بغير سبب معلوم، بخلاف أنهار الدنيا؛ لأن أنهار الماء في الدنيا معروفة أسبابها؛ وليس في الدنيا أنهار من لبن، ولا من عسل، ولا من خمر؛ وقد جاء في الأثر (٢) أنها أنهار تجري من غير أخدود. يعني لم يحفر لها حفر، ولا يقام لها أعضاد تمنعها؛ بل النهر يجري، ويتصرف فيه الإنسان بما شاء. يوجهه حيث شاء؛ قال ابن القيم ﵀ في النونية:. (أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان)

стр. 161

٦. ومن فوائد الآية: أن من تمام نعيم أهل الجنة أنهم يؤتون بالرزق متشابهاً؛ وكلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل؛ وهذا من تمام النعيم، والتلذذ بما يأكلون ... ٧ ومنها: إثبات الأزواج في الآخرة، وأنه من كمال النعيم؛ وعلى هذا يكون جماع، ولكن بدون الأذى الذي يحصل بجماع نساء الدنيا؛ ولهذا ليس في الجنة مَنِيّ، ولا مَنِيَّة؛ والمنيّ الذي خلق في الدنيا إنما خُلق لبقاء النسل؛ لأن هذا المنيّ مشتمل على المادة التي يتكون منها الجنين، فيخرج بإذن الله تعالى ولداً؛ لكن في الآخرة لا يحتاجون إلى ذلك؛ لأنه لا حاجة لبقاء النسل؛ إذ إن الموجودين سوف يبقون أبد الآبدين لا يفنى منهم أحد؛ ثم هم ليسوا بحاجة إلى أحد يعينهم، ويخدمهم؛ الوِلدان تطوف عليهم بأكواب، وأباريق، وكأس من معين؛ ثم هم لا يحتاجون إلى أحد يصعد الشجرة ليجني ثمارها؛ بل الأمر فيها كما قال الله تعالى: ﴿وجنى الجنتين دان﴾ [الرحمن: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿قطوفها دانية﴾ [الحاقة: ٢٣]؛ حتى ذكر العلماء أن الرجل ينظر إلى الثمرة في الشجرة، فيحسّ أنه يشتهيها، فيدنو منه الغصن حتى يأخذها؛ ولا تستغرب هذا؛ فنحن في الدنيا نشاهد أن الشيء يدنو من الشيء بغير سلطة محسوسة؛ وما في الآخرة أبلغ، وأبلغ .. . ٨ ومن فوائد الآية: أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآباد؛ لا يمكن أن تفنى، ولا يمكن أن يفنى من فيها؛ وقد أجمع على ذلك أهل السنة والجماعة ..

стр. 162

القرآن (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَاّ الْفَاسِقِينَ) (البقرة: ٢٦) التفسير:. ﴿٢٦﴾ قوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما﴾ أي لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلاً ولو كان مثلاً حقيراً ما دام يثبت به الحق؛ فالعبرة بالغاية؛ و ﴿ما﴾ يقولون: إنها نكرة واصفة. أي: مثلاً أيَّ مثل .. قوله تعالى: ﴿بعوضة﴾: عطف بيان لـ ﴿ما﴾ أي: مثلاً بعوضة؛ والبعوضة معروفة؛ ويضرب بها المثل في الحقارة؛ وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية أن المشركين اعترضوا: كيف يضرب الله المثل بالذباب في قوله ﵎: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له﴾ [الحج: ٧٣]: قالوا: الذباب يذكره الله في مقام المحاجة! فبيَّن الله أنه لا يستحيي من الحق حتى وإن ضرب المثل بالبعوضة، فما فوقها .. قوله تعالى: ﴿فما فوقها﴾: هل المراد بما فوق. أي فما فوقها في الحقارة، فيكون المعنى أدنى من البعوضة؛ أو فما فوقها في الارتفاع، فيكون المراد ما هو أعلى من البعوضة؟ فأيهما أعلى خلقة: الذباب، أو البعوضة؟ الجواب: الذباب أكبر، وأقوى. لا شك؛ لكن مع ذلك يمكن أن يكون معنى الآية:

стр. 163

﴿فما فوقها﴾ أي فما دونها؛ لأن الفوقية تكون للأدنى، وللأعلى، كما أن الوراء تكون للأمام، وللخلف، كما في قوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً﴾ [الكهف: ٧٩] أي كان أمامهم .. قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه﴾ أي المثل الذي ضربه الله ﴿الحق من ربهم﴾، ويؤمنون به، ويرون أن فيه آيات بينات .. قوله تعالى: ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً﴾ لأنه لم يتبين لهم الحق لإعراضهم عنه، وقد قال الله تعالى: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ (المطففين: ١٣، ١٤) .. وقوله تعالى: ﴿ماذا﴾: "ما" هنا اسم استفهام مبتدأ؛ و "ذا" اسم موصول بمعنى "الذي" خبر المبتدأ. أي: ما الذي أراد الله بهذا مثلاً، كما قال ابن مالك:. (ومثل ماذا بعد ما استفهام أو مَن إذا لم تلغ في الكلام) قوله تعالى: ﴿يضل به كثيراً﴾: الجملة استئنافية لبيان الحكمة من ضرب المثل بالشيء الحقير؛ ولهذا ينبغي الوقوف على قوله تعالى: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلاً﴾؛ و ﴿يضل به﴾ أي بالمثل؛ ﴿كثيراً﴾ أي من الناس؛ ﴿ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين﴾ أي الخارجين عن طاعة الله؛ والمراد هنا الخروج المطلق الذي هو الكفر؛ لأن الفسق قد يراد به الكفر؛ وقد يراد به ما دونه؛ ففي قوله ﵎: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ٢٠]: المراد به في هذه الآية الكفر؛ وكذلك هنا ..

стр. 164

الفوائد: . ١ من فوائد الآية: إثبات الحياء لله ؛ لقوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما). ووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحاً في السنة، كما في قول النبي ﷺ : "إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفراً" (١)؛ والحياء الثابت لله ليس كحياء المخلوق؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يَدْهَمُ الإنسان ويعجز عن مقاومته؛ فتجده ينكسر، ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يُستحيا منه؛ وهو صفة ضعف ونقص إذا حصل في غير محله .. . ٢ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يستدل بها على الأمور المعقولة؛ انظر إلى قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ وهذا البيت لا يقيها من حَرّ، ولا برد، ولا مطر، ولا رياح ﴿وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾ [العنكبوت: ٤١]؛ وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو

стр. 165

ببالغه﴾ [الرعد: ١٤]: إنسان بسط كفيه إلى غدير مثلاً، أو نهر يريد أن يصل الماء إلى فمه! هذا لا يمكن؛ هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه؛ فالأمثال لا شك أنها تقرب المعاني إلى الإنسان إما لفهم المعنى؛ وإما لحكمتها، وبيان وجه هذا المثل ... ٣ ومن فوائد الآية: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله تعالى: ﴿بعوضة فما فوقها﴾؛ ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة؛ وربما تهلك: لو سُلطت على الإنسان لأهلكته وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة .. . ٤ ومنها: رحمة الله تعالى بعباده حيث يقرر لهم المعاني المعقولة بضرب الأمثال المحسوسة لتتقرر المعاني في عقولهم .. . ٥ ومنها: أن القياس حجة؛ لأن كل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على ثبوت القياس .. . ٦ ومنها: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزل الله بعقله؛ لقوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم﴾، ولا يعترضون، ولا يقولون: لِم؟، ولا: كيف؟؛ يقولون: سمعنا، وأطعنا، وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله له الحكمة البالغة فيما شرع، وفيما قدر .. . ٧ ومنها: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى: ﴿من ربهم﴾؛ واعلم أن ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة؛ وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرف المطلق في العباد؛ والخاصة هي التي تختص بمن أضيفت له، وتقتضي عناية خاصة؛ وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿قالوا آمنا

стр. 166

برب العالمين * رب موسى وهارون﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]: فالأولى ربوبية عامة؛ والثانية خاصة بموسى، وهارون؛ كما أن مقابل ذلك "العبودية" تنقسم إلى عبودية عامة، كما في قوله ﵎: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣]؛ وخاصة كما في قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]؛ والفرق بينهما أن العامة هي الخضوع للأمر الكوني؛ والخاصة هي الخضوع للأمر الشرعي؛ وعلى هذا فالكافر عبد لله بالعبودية العامة؛ والمؤمن عبد لله بالعبودية العامة، والخاصة ... ٨ ومن فوائد الآية: أن ديدن الكافرين الاعتراض على حكم الله، وعلى حكمة الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا﴾؛ وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار؛ فمثلاً لو قال قائل: لماذا ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل، ولا ينتقض بأكل لحم الخنزير إذا جاز أكله للضرورة مع أن الخنزير خبيث نجس؟ فالجواب: أن هذا اعتراض على حكم الله ؛ وهو دليل على نقص الإيمان؛ لأن لازم الإيمان التام التسليم التام لحكم الله . إلا أن يقول ذلك على سبيل الاسترشاد، والاطلاع على الحكمة؛ فهذا لا بأس به .. . ٩ ومن فوائد الآية: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً﴾؛ فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً؛ وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف ضالون؛ وواحد من الألف

стр. 167

مهتدٍ؛ فكلمة: ﴿كثيراً﴾ لا تعني الأكثر؛ وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها؛ لأن "كثير" يطلق على القليل، وعلى الأكثر .. . ١٠ ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (الصف: ٥) .. . ١١ ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله. لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: (وما يضل به إلا الفاسقين) .. القرآن (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة: ٢٧) التفسير:. ﴿٢٧﴾ قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ أي العهد الذي بينهم وبين الله ؛ وهو الإيمان به، وبرسله؛ فإن هذا مأخوذ على كل إنسان؛ إذا جاء رسول بالآيات فإن الواجب على كل إنسان أن يؤمن به؛ فهؤلاء نقضوا عهد الله، ولم يؤمنوا به، وبرسله؛ والنقض حَلّ الشيء بعد إبرامه؛ وقد بين الله هذا العهد في قوله تعالى: ﴿ولقد

стр. 168

أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ [المائدة: ١٢] .. قوله تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ أي يقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل، كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق .. قوله تعالى: ﴿ويفسدون في الأرض﴾ أي يسعون لما به فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس .. قوله تعالى: ﴿أولئك هم الخاسرون﴾: جملة اسمية مؤكَّدة بضمير الفصل: ﴿هم﴾؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد؛ الفائدة الأولى: التوكيد؛ والفائدة الثانية: الحصر؛ والفائدة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة، والخبر؛ مثال ذلك: تقول: "زيد الفاضل": كلمة "الفاضل" يحتمل أن تكون خبراً؛ ويحتمل أن تكون وصفاً، فتقول: "زيد الفاضل محبوب"؛ إذا قلت: "زيد الفاضل محبوب" تعين أن تكون صفة؛ وإذا قلت: "زيد الفاضل" يحتمل أن تكون صفة، والخبر لم يأت بعد؛ ويحتمل أن تكون خبراً؛ فإذا قلت: "زيد هو الفاضل" تعين أن تكون خبراً لوجود ضمير الفصل؛ ولهذا سُمي ضمير فصل. لفصله بين الوصف والخبر؛ الفائدة الثانية: التوكيد؛ إذا قلت: "زيد هو الفاضل" كان أبلغ من قولك: "زيد الفاضل"؛ والفائدة الثالثة: الحصر؛ فإنك إذا قلت: "زيد هو

стр. 169

الفاضل" فقد حصرت هذا الوصف فيه دون غيره؛ وضمير الفصل ليس له محل من الإعراب، كما في قوله تعالى: ﴿لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين﴾ [الشعراء: ٤٠]؛ ولو كان له محل من الإعراب لكانت: "هم الغالبون"؛ وربما يضاف إليه اللام، كما في قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢]؛ فيكون في إضافة اللام إليه زيادة توكيد .. وقوله تعالى: ﴿الخاسرون﴾؛ "الخاسر" هو الذي فاته الربح؛ وذلك؛ لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقطع ما أمر الله به أن يوصل .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: أن نقض عهد الله من الفسق؛ لقوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ فكلما رأيت شخصاً قد فرط في واجب، أو فعل محرماً فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق .. . ٢ ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سبباً للفسق ... ٣ ومنها: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام. أي الأقارب. وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم؛ وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ لا يدخل الجنة قاطع" (١)، يعني قاطع رحم ..

стр. 170

٤ ومنها: أن المعاصي والفسوق سبب للفساد في الأرض، كما قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]؛ ولهذا إذا قحط المطر، وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم، وأقاموا صلاة الاستسقاء، وتضرعوا إليه ، وتابوا إليه، أغاثهم الله ؛ وقد قال نوح ﵇ لقومه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لهم أنهاراً﴾ [نوح: ١٠. ١٢] .. فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟ فالجواب: أن هذا الإيراد أوردته أم المؤمنين زينب ﵂ على النبي ﷺ حيث قال: "ويل للعرب من شر قد اقترب"؛ قالت: أنهلك وفينا الصالحون؟! قال ﷺ : "نعم، إذا كثر الخبث" (١)؛ وقوله ﷺ "إذا كثر الخبث" يشمل معنيين:. أحدهما: أن يكثر الخبث في العاملين بحيث يكون عامة الناس على هذا الوصف .. والثاني: أن يكثر فعل الخبث بأنواعه من فئة قليلة، لكن لا

стр. 171

تقوم الفئة الصالحة بإنكاره؛ فمثلاً إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سبباً للشر، والبلاء؛ لأن الكفار نجس؛ فكثرتهم كثرة خبث؛ وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سبباً أيضاً للشر، والبلاء؛ لأن المعاصي خبث .. . ٥ ومن فوائد الآية: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله فيما ضرب من الأمثال، ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض هم الخاسرون. وإن ظنوا أنهم يحسنون صنعاً .. القرآن (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: ٢٨) التفسير: . ﴿٢٨﴾ قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله ... ﴾: الاستفهام هنا للإنكار، والتعجيب؛ والكفر بالله هو الإنكار، والتكذيب مأخوذ من: كَفَر الشيء: إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى: لغلاف طلع النخل؛ والمعنى: كيف تجحدونه، وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته، وتنكرون البعث مع أنكم تعلمون نشأتكم؟! .. قوله تعالى: ﴿وكنتم أمواتاً﴾: وذلك: قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت؛ جماد؛ ﴿فأحياكم﴾ أي بنفخ الروح؛ ﴿ثم يميتكم﴾ ثانية؛ وذلك بعد أن يخرج إلى الدنيا؛ ﴿ثم يحييكم﴾ الحياة الآخرة التي لا موت بعدها؛ ﴿ثم إليه ترجعون﴾: بعد الإحياء الثاني ترجعون إلى الله، فينبئكم بأعمالكم، ويجازيكم عليها ..

стр. 172

الفوائد: . ١ من فوائد الآية: شدة الإنكار حتى يصل إلى حد التعجب ممن يكفر وهو يعلم حاله، ومآله ... ٢ ومنها: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه. وإن لم تسبقه حياة.؛ يعني: لا يشترط للوصف بالموت تقدم الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿كنتم أمواتاً فأحياكم﴾؛ أما ظن بعض الناس أنه لا يقال: "ميت" إلا لمن سبقت حياته؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات؛ قال تعالى في الأصنام: ﴿أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢١] .. . ٣ ومنها: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي؛ ولهذا لا يُغَسَّل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يرث، ولا يورث؛ لأنه ميت جماد لا يستحق شيئاً مما يستحقه الأحياء؛ وإنما يدفن في أيّ مكان في المقبرة، أو غيرها .. . ٤ ومنها: تمام قدرة الله ؛ فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح، فيحيى، ويكون إنساناً يتحرك، ويتكلم، ويقوم، ويقعد، ويفعل ما أراد الله .. . ٥ ومنها: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿ثم يحييكم ثم إليه ترجعون﴾؛ والبعث أنكره من أنكره من الناس، واستبعده، وقال: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨]؛ فأقام الله. ﵎. على إمكان ذلك ثمانية أدلة في آخر سورة "يس":. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٩]: هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم؛ وقوله تعالى: ﴿أنشأها أول مرة﴾ دليل قاطع، وبرهان جليّ

стр. 173

على إمكان إعادته كما قال الله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧] .. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وهو بكل خلق عليم﴾ [يس: ٧٩] يعني: كيف يعجز عن إعادتها وهو بكل خلق عليم: يعلم كيف يخلق الأشياء، وكيف يكونها؛ فلا يعجز عن إعادة الخلق .. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٨٠]: الشجر الأخضر فيه البرودة، وفيه الرطوبة؛ والنار فيها الحرارة، واليبوسة؛ هذه النار الحارة اليابسة تخرج من شجر بارد رطب؛ وكان الناس فيما سبق يضربون أغصاناً من أشجار معينة بالزند؛ فإذا ضربوها انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال بسرعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فإذا أنتم منه توقدون﴾ [يس: ٨٠] تحقيقاً لذلك .. ووجه الدلالة: أن القادر على إخراج النار الحارة اليابسة من الشجر الأخضر مع ما بينهما من تضاد قادر على إحياء العظام وهي رميم .. الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ (يس: ٨١) ووجه الدلالة: أن خلْق السموات والأرض أكبر من خلق الناس؛ والقادر على الأكبر قادر على ما دونه .. الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿وهو الخلَّاق العليم﴾ [يس: ٨١]؛ فـ ﴿الخلاق﴾ صفته، ووصفه الدائم؛ وإذا كان خلَّاقاً، ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إحياء العظام وهي رميم ..

стр. 174

الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]: إذا أراد شيئاً مهما كان؛ و ﴿شيئاً﴾: نكرة في سياق الشرط، فتكون للعموم؛ ﴿أمره﴾ أي شأنه في ذلك أن يقول له كن فيكون؛ أو ﴿أمره﴾ الذي هو واحد "أوامر"؛ ويكون المعنى: إنما أمره أن يقول: "كن"، فيعيده مرة أخرى .. ووجه الدلالة: أن الله لا يستعصي عليه شيء أراده .. الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء﴾: كل شيء فهو مملوك لله : الموجود يعدمه؛ والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء .. ووجه الدلالة: أن الله نزه نفسه؛ وهذا يشمل تنزيهه عن العجز عن إحياء العظام وهي رميم الدليل الثامن: قوله تعالى: (وإليه ترجعون) .. ووجه الدلالة: أنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة، ويأمرها، وينهاها، ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن، والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدًى؛ بل لابد من الرجوع؛ وهذا دليل عقلي .. فهذه ثمانية أدلة على قدرة الله على إحياء العظام وهي رميم جمعها الله في موضع واحد؛ وهناك أدلة أخرى في مواضع كثيرة في القرآن؛ وكذلك في السنة .. . ٦ ومن فوائد الآية: أن الخلق مآلهم، ورجوعهم إلى الله ..

стр. 175

القرآن (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٩) التفسير: لما ذكر جلّ وعلا أنه قادر على الإحياء والإماتة، بيَّن منَّته على العباد بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعاً . ﴿٢٩﴾ قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم﴾ أي أوجد عن علم وتقدير على ما اقتضته حكمته جلّ وعلا، وعلمه؛ و ﴿لكم﴾: اللام هنا لها معنيان؛ المعنى الأول: الإباحة، كما تقول: "أبحت لك"؛ والمعنى الثاني: التعليل: أي خلق لأجلكم .. قوله تعالى: ﴿ما في الأرض جميعاً﴾؛ ﴿ما﴾ اسم موصول تعُمّ: كل ما في الأرض فهو مخلوق لنا من الأشجار، والزروع، والأنهار، والجبال ... كل شيء .. قوله تعالى: ﴿ثم﴾ أي بعد أن خلق لنا ما في الأرض جميعاً ﴿استوى إلى السماء﴾ أي علا إلى السماء؛ هذا ما فسرها به ابن جرير. ﵀؛ وقيل: أي قصد إليها؛ وهذا ما اختاره ابن كثير. ﵀؛ فللعلماء في تفسير ﴿استوى إلى﴾ قولان: الأول: أن الاستواء هنا بمعنى القصد؛ وإذا كان القصد تاماً قيل: استوى؛ لأن الاستواء كله يدل على الكمال، كما قال تعالى: ﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ [القصص: ١٤] أي كمل؛ فمن نظر إلى أن هذا الفعل عُدّي بـ ﴿إلى﴾ قال: إن ﴿استوى﴾ هنا ضُمِّن معنى قصد؛ ومن نظر إلى أن الاستواء لا يكون إلا في علوّ جعل ﴿إلى﴾ بمعنى "على"؛ لكن هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى لم يستوِ

стр. 176

على السماء أبداً؛ وإنما استوى على العرش؛ فالصواب ما ذهب إليه ابن كثير ﵀ وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام، والإرادة الجازمة؛ و ﴿السماء﴾ أي العلوّ؛ وكانت السماء دخاناً. أي مثل الدخان؛ ﴿فسواهن سبع سموات﴾ أي جعلها سوية طباقاً غير متناثرة قوية متينة .. قوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾؛ ومن علمه أنه علم كيف يخلق هذه السماء .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: منّة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعاً؛ فكل شيء في الأرض فإنه لنا. والحمد لله. والعجب أن من الناس من سخر نفسه لما سخره الله له؛ فخدم الدنيا، ولم تخدمه؛ وصار أكبر همه الدنيا: جمع المال، وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك ... ٢ ومنها: أن الأصل في كل ما في الأرض الحلّ. من أشجار، ومياه، وثمار، وحيوان، وغير ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة؛ وبناءً على هذا لو أن إنساناً أكل شيئاً من الأشجار، فقال له بعض الناس: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالَب بالدليل؛ ولو أن إنساناً وجد طائراً يطير، فرماه، وأصابه، ومات، وأكله، فقال له الآخر: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالب بالدليل؛ ولهذا لا يَحْرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل .. . ٣ ومن فوائد الآية: تأكيد هذا العموم بقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ مع أن ﴿ما﴾ موصولة تفيد العموم؛ لكنه أكده حتى لا يتوهم واهم بأن شيئاً من أفراد هذا العموم قد خرج

стр. 177

من الأصل .. . ٤ ومنها: إثبات الأفعال لله . أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾: و ﴿استوى﴾ فعل؛ فهو جلّ وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله .. . ٥ ومنها: أن السموات سبع؛ لقوله تعالى: (سبع سموات) . ٦ ومنها: كمال خلق السموات؛ لقوله تعالى: (فسواهن) .. . ٧ ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: (وهو بكل شيء عليم) . ٨ ومنها: أن نشكر الله على هذه النعمة. وهي أنه تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعاً؛ لأن الله لم يبينها لنا لمجرد الخبر؛ ولكن لنعرف نعمته بذلك، فنشكره عليها .. . ٩ ومنها: أن نخشى، ونخاف؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم؛ فإذا كان الله عليماً بكل شيء. حتى ما نخفي في صدورنا. أوجب لنا ذلك أن نحترس مما يغضب الله سواء في أفعالنا، أو في أقوالنا، أو في ضمائر قلوبنا .. القرآن (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٣٠)

стр. 178

التفسير: . ﴿٣٠﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك﴾: قال المعربون: ﴿إذ﴾ مفعول لفعل محذوف؛ والتقدير: اذكر إذ قال؛ والخطاب في قوله تعالى: ﴿ربك﴾ للنبي ﷺ ؛ ولما كان الخطاب له صارت الربوبية هنا من أقسام الربوبية الخاصة .. قوله تعالى: ﴿للملائكة﴾: اللام للتعدية. أي تعدية القول للمقول له؛ و "الملائكة" جمع "مَلْئَك"، وأصله "مألك"؛ لأنه مشتق من الأَلُوكة. وهي الرسالة؛ لكن صار فيها إعلال بالنقل. أي نقل حرف مكان حرف آخر؛ مثل أشياء أصلها: "شيئاء"؛ و "الملائكة" عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، وجعل لهم وظائف، وأعمالاً مختلفة؛ فمنهم الموكل بالوحي كجبريل؛ وبالقطر، والنبات كميكائيل؛ وبالنفخ في الصور كإسرافيل؛ وبأرواح بني أدم كملَك الموت ... إلى غير ذلك من الوظائف، والأعمال .. قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾؛ خليفة يخلف الله؛ أو يخلف من سبقه؛ أو يخلف بعضهم بعضاً يتناسلون. على أقوال:. أما الأول: فيحتمل أن الله أراد من هذه الخليقة. آدم، وبنيه. أن يجعل منهم الخلفاء يخلفون الله تعالى في عباده بإبلاغ شريعته، والدعوة إليها، والحكم بين عباده؛ لا عن جهل بالله . وحاشاه من ذلك، ولا عن عجز؛ ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس﴾ [ص: ٢٦]: هو

стр. 179

خليفة يخلف الله في الحكم بين عباده .. والثاني: أنهم يخلفون من سبقهم؛ لأن الأرض كانت معمورة قبل آدم؛ وعلى هذا الاحتمال تكون ﴿خليفة﴾ هنا بمعنى الفاعل؛ وعلى الأول بمعنى المفعول .. والثالث: أنه يخلف بعضهم بعضاً؛ بمعنى: أنهم يتناسلون: هذا يموت، وهذا يحيى؛ وعلى هذا التفسير تكون ﴿خليفة﴾ صالحة لاسم الفاعل، واسم المفعول .. كل هذا محتمل؛ وكل هذا واقع؛ لكن قول الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ يرجح أنهم خليفة لمن سبقهم، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء، وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها : ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ كما فعل من قبلهم. واستفهام الملائكة للاستطلاع، والاستعلام، وليس للاعتراض؛ قال تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ يعني: وستتغير الحال؛ ولا تكون كالتي سبقت .. قوله تعالى: ﴿ونحن نسبح﴾ أي نُنَزِّه؛ والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولاً: النقص؛ والثاني: النقص في كماله؛ وزد ثالثاً إن شئت: مماثلة المخلوقين؛ كل هذا يُنَزَّه الله عنه؛ النقص: مطلقاً؛ يعني أن كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبداً. لا وصفاً دائماً، ولا خبراً؛ والنقص في كماله: فلا يمكن أن يكون في كماله نقص؛ قدرته: لا يمكن أن يعتريها عجز؛ قوته: لا يمكن أن يعتريها ضعف؛ علمه: لا يمكن أن يعتريه نسيان ... وهلم جراً؛ ولهذا قال : ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض

стр. 180

وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] أي تعب، وإعياء؛ فهو كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص؛ ومماثلة المخلوقين: هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. وقال تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾، وقال تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ [النحل: ٧٤]؛ وإن شئنا جعلناها داخلة في القسم الأول. النقص. لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصاً، كما قال القائل:. (ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا) لو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا تبين أن السيف هذا رديء، وليس بشيء؛ فربما نفرد هذا القسم الثالث، وربما ندخله في القسم الأول؛ على كل حال التسبيح ينبغي لنا. عندما نقول: "سبحان الله"، أو: "أسبح الله"، أو ما أشبه ذلك. أن نستحضر هذه المعاني .. قوله تعالى: و ﴿بحمدك﴾: قال العلماء: الباء هنا للمصاحبة. أي تسبيحاً مصحوباً بالحمد مقروناً به؛ فتكون الجملة متضمنة لتنزيه الله عن النقص، وإثبات الكمال لله بالحمد؛ لأن الحمد: وصف المحمود بالكمال محبة، وتعظيماً؛ فإن وصفتَ مرة أخرى بكمال فسَمِّه ثناءً؛ والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: "قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذ قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال تعالى:
следующие страницы →