← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

[القيامة: ١٦ - ١٨]؛ يعني إذا قرأه جبريل فاتبع قرآنه؛ فجبريل يتلوه على النبي ﷺ وقد تلقاه من الله . ٣ - ومنها: أن القرآن كله حق من الله، ونازل بالحق؛ لأن الباء في قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ للمصاحبة، والملابسة أيضاً؛ فهو نازل من عند الله حقاً؛ وهو كذلك مشتمل على الحق؛ وليس فيه كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه؛ بل أحكامه كلها عدل؛ وأخباره كلها صدق. ٤ - ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وإنك لمن المرسلين﴾. ٥ - ومنها: أن هناك رسلاً آخرين غير الرسول؛ لقوله تعالى: ﴿لمن المرسلين﴾؛ ولكنه ﷺ كان خاتم النبيين؛ إذ لا نبي بعده. القرآن (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة: ٢٥٣) التفسير: ﴿٢٥٣﴾ قوله تعالى: ﴿تلك﴾ التاء هنا اسم إشارة؛ وأشار إلى «الرسل» بإشارة المؤنث؛ لأنه جمع تكسير؛ وجمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في تأنيث فعله، والإشارة إليه، كما قال

стр. 1122

تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ [الحجرات: ١٤]؛ و «الأعراب» مذكر، لكن لما جُمع جَمع تكسير صح تأنيثه؛ وتأنيثه لفظي؛ لأنه مؤول بالجماعة؛ والمشار إليه هم المرسل الذين دلّ عليهم قوله تعالى: ﴿وإنك لمن المرسلين﴾ [البقرة: ٢٥٢]. قوله تعالى: ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾؛ يعني جعلنا بعضهم أفضل من بعض في الوحي؛ وفي الأتباع؛ وفي الدرجات؛ والمراتب عند الله . قوله تعالى: ﴿منهم﴾ أي من الرسل ﴿من كلم الله﴾ أي من كلمه الله ؛ فالعائد محذوف، وذلك مثل موسى، ومحمد صلى الله عليهما وسلم؛ وهذه الجملة استئنافية لبيان وجه من أوجه التفضيل. قوله تعالى: ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ معطوف على ﴿فضلنا﴾، لكن فيه التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب. وقوله: ﴿ورفع بعضهم درجات﴾ أي على بعض؛ فمحمد ﷺ له الوسيلة؛ وهي أعلى درجة في الجنة، ولا تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال النبي ﷺ : «وأرجو أن أكون أنا هو» (١)؛ وفي المعراج وجد النبي ﷺ إبراهيم في السماء السابعة؛ وموسى في السادسة؛ وهارون في الخامسة؛ وإدريس في الرابعة (٢)؛ وهكذا؛ وهذا من رفع الدرجات.

стр. 1123

قوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ أي الآيات البينات الدالة على رسالته، ويراد بها الإنجيل، وما جرى على يديه من إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله، ونحو ذلك. قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ أي قويناه؛ وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿بروح القدس﴾ ما المراد بها؟ فقيل: المراد بها: ما معه من العلم المطهر الآتي من عند الله؛ والعلم، أو الوحي يسمى روحاً، كما قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢]؛ وقيل: المراد بـ «روح القدس» جبريل، كما قال تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ [النحل: ١٠٢]؛ فـ «روح القدس» هو جبريل؛ أيد الله عيسى به، حيث كان يقويه في مهام أموره عندما يحتاج إلى تقوية؛ والآية صالحة للأمرين، فتفسر بهما كما قررناه غير مرة. قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات﴾؛ «لو» شرطية؛ فعل الشرط فيها ﴿شاء الله﴾؛ وجوابه ﴿ما اقتتل الذين ... ﴾؛ ومفعول ﴿شاء﴾ محذوف دلّ عليه جواب الشرط؛ والتقدير: ولو شاء الله أن لا يقتتل الذين من بعدهم ما اقتتلوا؛ إما لاتفاقهم على الإيمان؛ وإما لاتفاقهم على المهادنة، وإن كفر بعضهم. وقوله تعالى: ﴿من بعدهم﴾ أي من بعد الرسل؛ ﴿من بعدما جاءتهم البينات﴾ أي هذا القتال حصل بعدما زال اللبس، واتضح الأمر، ووجدت البينات الدالة على صدق الرسل؛ ومع ذلك فإن

стр. 1124

الكفار استمروا على كفرهم، ورخصت عليهم رقابهم، ونفوسهم في نصرة الطاغوت؛ وقاتلوا المؤمنين أولياء الله ؛ كل ذلك من أجل العناد، والاستكبار؛ و ﴿البينات﴾ أي الآيات البينات؛ وهو الوحي الذي جاءت به الرسل، وغيره من الآيات الدالة على رسالتهم. قوله تعالى: ﴿ولكن اختلفوا﴾ أي الذين جاءتهم البينات؛ ثم بيّن كيفية اختلافهم فقال تعالى: ﴿فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾ وقوله تعالى: ﴿ولكن اختلفوا﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين ... ﴾. قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ هذه الجملة توكيد لما سبق؛ يعني لو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا؛ وعلى هذا فالمفعول هنا كما سبق. قوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾؛ هذا استدراك على قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ ليبين أن ما وقع من الاختلاف والاقتتال كان بإرادته؛ والإرادة في قوله تعالى: ﴿ما يريد﴾ كونية. تنبيه: قوله تعالى: ﴿ولكن اختلفوا﴾ بعد قوله : ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ بيان لسبب الاقتتال الواقع منهم؛ وقوله تعالى في الجملة الثانية: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾ بيان لكونه بإرادته كقوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يشاء﴾. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الرسل ﵈ يتفاضلون؛ لقوله تعالى: ﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾.

стр. 1125

٢ - ومنها: أن فضل الله يؤتيه من يشاء؛ حتى خواص عباده يفضل بعضهم على بعض؛ لأن الرسل هم أعلى أصناف بني آدم، ومع ذلك يقع التفاضل بينهم بتفضيل الله. ويتفرع عليها فائدة أخرى: أن الله يفضل أتباع الرسل بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكما قال النبي ﷺ : «خير الناس قرني» (١)؛ كما أن من كان من الأمم أخلص لله، وأتبع لرسله فهو أفضل ممن دونه من أمته؛ لأن الرسل إذا كانوا يتفاضلون فأتباعهم كذلك يتفاضلون؛ فإن قلت: كيف نجمع بين هذه الآية المثبتة للتفاضل بين الرسل؛ وبين قوله ﷺ : «لا تخيروني على موسى» (٢)، ونهيه ﷺ أن يفاضل بين الأنبياء؟ فالجواب: أن يقال: في هذا عدة أوجه من الجمع؛ أحسنها أن النهي فيما إذا كان على سبيل الافتخار والتعلِّي: بأن يفتخر أتباع محمد ﷺ على غيرهم، فيقولوا: «محمد أفضل من موسى» مثلاً؛ أفضل من عيسى؛ وما أشبه ذلك؛ فهذا منهي عنه؛ أما إذا كان على سبيل الخبر فهذا لا بأس به؛ ولهذا قال ﷺ : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٣). ٣ - ومن فوائد الآية: إثبات الكلام لله ؛ لقوله

стр. 1126

تعالى: ﴿منهم من كلم الله﴾؛ وكلام الله عند أهل السنة، والجماعة من صفاته الذاتية الفعلية؛ فباعتبار أصله من الصفات الذاتية؛ لأنه صفة كمال؛ والله موصوف بالكمال أزلاً، وأبداً؛ أما باعتبار آحاده - أنه يتكلم إذا شاء - فهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته. قال الله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ حصل الكلام بعد مجيئه لميقات الله؛ ولهذا حصل بينهما مناجاة: ﴿قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فقال تعالى: ﴿لن تراني﴾ بعد أن قال موسى: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾؛ هذا هو الحق في هذه المسألة؛ وزعمت الأشاعرة أن كلام الله هو المعنى النفسي - أي المعنى القائم بنفسه -؛ وأما ما يسمعه المخاطب به فهو أصوات مخلوقة خلقها الله لتعبر عما في نفسه؛ وقد أبطل شيخ الإسلام هذا القول من تسعين وجهاً في كتاب يسمى بـ «التسعينية». ٤ - ومن فوائد الآية: أن كلام الله للإنسان يعتبر رفعة له؛ لأن الله تعالى ساق قوله: ﴿منهم من كلم الله﴾ على سبيل الثناء، والمدح. ومنه يؤخذ علوّ مقام المصلي؛ لأنه يخاطب الله ، ويناجيه كما أخبر بذلك النبي ﷺ : فإذا قال المصلي: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، قال الله: «حمدني عبدي»؛ وإذا قال المصلي: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله: «أثنى عليّ عبدي» (١) إلى آخر

стр. 1127

الحديث؛ فالله تعالى يناجي المصلي، وإن كان المصلي لا يسمعه؛ لكن أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ . ٦ - ومن فوائد الآية: أن الفضائل مراتب، ودرجات؛ لقوله تعالى: ﴿ورفع بعضهم درجات﴾؛ وهذا يشمل الدرجات الحسية، والدرجات المعنوية؛ فالنبي ﷺ له الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله؛ قال الرسول ﷺ : «وأرجو أن أكون أنا هو» (١)؛ كذلك مراتب أهل الجنة درجات: قال النبي ﷺ : «إن أهل الجنة يتراءون أصحاب الغرف من فوقهم - يعني العالية - كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم؛ قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين» (٢). ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات أن عيسى نبي من أنبياء الله؛ لقوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾؛ والله أعطاه آيات ليؤمن الناس به؛ ومن الآيات الحسية لعيسى ابن مريم إحياء الموتى بإذن الله؛ وإخراجهم من القبور؛ وإبراء الأكمه، والأبرص؛ وأن يخلق من الطين كهيئة الطير فيكون طيراً يطير بالفعل بإذن الله؛ وهناك آيات شرعية مستفادة من قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ على أحد التفسيرين السابقين.

стр. 1128

٨ - ومنها: أن البشر مهما كانوا فهم في حاجة إلى من يؤيدهم، ويقويهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾. ٩ - ومنها: الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى إله؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾؛ أي قويناه؛ ولازم ذلك أنه يحتاج إلى تقوية؛ والذي يحتاج إلى تقوية لا يصلح أن يكون ربًّا، وإلهاً. ١٠ - ومنها: الثناء على جبريل ﵇ حيث وصف بأنه روح القدس؛ ومن وجه آخر: حيث كان مؤيِّداً للرسل بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾. ١١ - ومنها: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم﴾. ١٢ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتل﴾؛ لأن القدرية يقولون: إن فعل العبد ليس بمشيئة الله؛ وإنما العبد مستقل بعمله؛ وهذه الآية صريحة في أن أفعال الإنسان بمشيئة الله. ١٣ - ومنها: أن قتال الكفار للمؤمنين كان عن عناد، واستكبار؛ لا عن جهل؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾. ١٤ - ومنها: لطف الله بالعباد، حيث كان لا يبعث رسولاً إلا ببينة تشهد بأنه رسول؛ وشهادة الله لأنبيائه بالرسالة تكون بالقول، وبالفعل؛ مثالها بالقول: قوله تعالى: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً﴾ [النساء: ١٦٦]؛ ومثالها بالفعل: تأييد الله للرسول، ونصره إياه، وتمكينه من قتل أعدائه.

стр. 1129

١٥ - ومنها: بيان حكمة الله في انقسام الناس إلى مؤمن، وكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر﴾؛ ولولا هذا ما استقام الجهاد، ولا حصل الامتحان. ١٦ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿آمن﴾، و ﴿كفر﴾، حيث أضاف الفعل إلى العبد؛ وهم يرون أن الإنسان مجبر على عمله، ولا ينسب إليه الفعل إلا على سبيل المجاز كما يقال: أحرقت النار الخشب؛ وهذه الآية ترد عليهم. ١٧ - ومنها: إثبات أن الله هو خالق أفعال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿يفعل ما يريد﴾؛ مع أن الفعل فعل العبد: فالاقتتال فعل العبد؛ والاختلاف فعل العبد؛ لكن لما كان صادراً بمشيئة الله وبخلقه، أضافه الله إلى نفسه. ١٨ - ومنها: إثبات الإرادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن الله يفعل ما يريد﴾؛ والإرادة التي اتصف الله بها نوعان: كونية، وشرعية؛ والفرق بينهما من حيث المعنى؛ ومن حيث المتعلق؛ ومن حيث الأثر؛ من حيث المعنى: «الإرادة الشرعية» بمعنى المحبة؛ و «الإرادة الكونية» بمعنى المشيئة؛ ومن حيث المتعلق: «الإرادة الكونية» تتعلق فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه؛ فإذا قيل: هل أراد الله الكفر؟ نقول: بالإرادة الكونية: نعم؛ وبالشرعية: لا؛ لأن «الإرادة الكونية» تشمل ما يحبه الله، وما لا يحبه؛ و «الإرادة الشرعية» لا تتعلق إلا فيما يحبه الله؛ ومن حيث الأثر: «الإرادة الكونية» لا بد فيها من وقوع المراد؛ و «الإرادة الشرعية» قد يقع المراد، وقد لا يقع؛ فمثلاً: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾

стр. 1130

[النساء: ٢٧]: الإرادة هنا شرعية؛ لو كانت كونية لكان الله يتوب على كل الناس؛ لكن الإرادة شرعية: يحب أن يتوب علينا بأن نفعل أسباب التوبة. فإن قيل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؛ هل هو مراد بالإرادة الشرعية، أو بالإرادة الكونية؟ قلنا: مراد بالإرادتين كلتيهما؛ وما تقولون في إيمان أبي طالب؟ قلنا: مراد شرعاً؛ غير مراد كوناً؛ ولذلك لم يقع؛ وما تقولون في فسق الفاسق؟ قلنا: مراد كوناً لا شرعاً؛ إذاً نقول: قد تجتمع الإرادتان، كإيمان أبي بكر؛ وقد تنتفيان، مثل كفر المسلم؛ وقد توجد الإرادة الكونية دون الشرعية، مثل كفر الكافر؛ وقد توجد الشرعية دون الكونية، كإيمان الكافر. القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: ٢٥٤) التفسير: تقدم مراراً، وتكراراً أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهمية المطلوب؛ لأن النداء يقتضي التنبيه؛ ولا يكون التنبيه إلا في الأمور الهامة. وتوجيه النداء للمؤمنين يدل على أن التزام ما ذكر من مقتضيات الإيمان سواء كان أمراً، أو نهياً؛ وعلى أن عدم امتثاله نقص في الإيمان؛ وعلى الحث، والإغراء، كأنه قال: يا أيها

стр. 1131

الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا، وكذا، مثل ما تقول للحث، والإغراء: يا رجل افعل كذا، وكذا؛ أي لأن ذلك من مقتضى الرجولة. ﴿٢٥٤﴾ قوله تعالى: ﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾ الإنفاق بمعنى البذل؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله؛ و ﴿مما رزقناكم﴾ أي مما أعطيناكم؛ «من» يحتمل أن تكون بيانية؛ أو تبعيضية؛ والفرق بينهما أن البيانية لا تمنع من إنفاق جميع المال؛ لأنها بيان لموضع الإنفاق؛ والتبعيضية تمنع من إنفاق جميع المال؛ وبناءً على ذلك لا يمكن أن يتوارد المعنيان على شيء واحد لتناقض الحكمين. قوله تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ المراد به يوم القيامة؛ ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾؛ ثلاثة أشياء منتفية؛ وهي «البيع»؛ وهو تبادل الأشياء؛ و «الخلة»؛ وهي أعلى المحبة؛ و «الشفاعة»؛ وهي الوساطة لدفع الضرر، أو جلب المنفعة؛ وفي الآية قراءتان؛ إحداهما ما في المصحف: بالضم، والتنوين: ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾؛ و ﴿لا﴾ على هذه القراءة ملغاة إعراباً؛ لأنها متكررة؛ والقراءة الثانية البناء على الفتح؛ وعلى هذه القراءة تكون ﴿لا﴾ عاملة عمل «إنّ»؛ لكن بالبناء على الفتح؛ لا بالتنوين. وإنما قال : ﴿لا بيع﴾؛ لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع، والشراء؛ فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره؛ لكن يوم القيامة ليس فيه بيع. وقوله تعالى: ﴿ولا خلة﴾؛ هذا من جهة أخرى: قد ينتفع

стр. 1132

الإنسان بالشيء بواسطة الصداقة؛ و «الخُلة» بالضم: أعلى المحبة؛ وهي مشتقة من قول الشاعر: (قد تخللتِ مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلاً) يعني أن حبها دخل إلى مسالك الروح، فامتزج بروحه، فصار له كالحياة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر» (١)؛ ولكنه ﷺ اتخذه حبيباً. قيل له: من أحب النساء إليك؟ قال ﷺ : «عائشة»؛ قيل: ومن الرجال؟ قال ﷺ : «أبوها» (٢)؛ فأثبت المحبة؛ وكان أسامة بن زيد يسمى «حِب رسول الله» أي حبيبه؛ إذاً الخلة أعلى من المحبة. فانتفت المعاوضة في هذا اليوم؛ وانتفت المحاباة بواسطة الصداقة؛ وانتفى شيء آخر: الشفاعة؛ وهي الإحسان المحض من الشافع للمشفوع له - وإن لم يكن بينهما صداقة -؛ فقال تعالى: ﴿ولا شفاعة﴾؛ فنفى الله كل الوسائل التي يمكن أن ينتفع بها في هذا اليوم. قوله تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾؛ أي أن الكافرين بالله هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم، وحصر الظلم فيهم لعظم ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ [لقمان: ١٣]؛

стр. 1133

وأخبر النبي ﷺ : أن أعظم الظلم أن تجعل لله نداً وهو خلقك (١). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، حيث صدرها بالنداء. ٢ - ومنها: أن الإنفاق من مقتضى الإيمان، وأن البخل نقص في الإيمان؛ ولهذا لا يكون المؤمن بخيلاً؛ المؤمن جواد بعلمه؛ جواد بجاهه؛ جواد بماله؛ جواد ببدنه. ٣ - ومنها: بيان منة الله علينا في الرزق؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ ثم للأمر بالإنفاق في سبيله، والإثابة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا مما رزقناكم﴾. ٤ - ومنها: التنبيه على أن الإنسان لا يحصل الرزق بمجرد كسبه؛ الكسب سبب؛ لكن المسبِّب هو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ فلا ينبغي أن يعجب الإنسان بنفسه حتى يجعل ما اكتسبه من رزق من كسبه، وعمله، كما في قول القائل: إنما أوتيته على علم عندي. ٥ - ومنها: الإشارة إلى أنه لا منة للعبد على الله مما أنفقه في سبيله؛ لأن ما أنفقه من رزق الله له. ٦ - ومنها: أن الميت إذا مات فكأنما قامت القيامة في حقه؛ لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ... ﴾ إلخ.

стр. 1134

٧ - ومنها: أن ذلك اليوم ليس فيه إمكان أن يصل إلى مطلوبه بأي سبب من أسباب الوصول إلى المطلوب في الدنيا، كالبيع، والصداقة، والشفاعة؛ وإنما يصل إلى مطلوبه بطاعة الله. ٨ - ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لأنه تعالى أعقب قوله: ﴿ولا شفاعة﴾ بقوله تعالى: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨]. ٩ - ومنها: أن الكفر أعظم الظلم؛ ووجه الدلالة منه: حصر الظلم في الكافرين؛ وطريق الحصر هنا ضمير الفصل: ﴿هم﴾. ١٠ - ومنها: أن الإنسان لا ينتفع بماله بعد موته؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم﴾؛ لكن هذا مقيد بما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به؛ أو ولد صالح يدعو له» (١). ١١ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿أنفقوا﴾، حيث أضاف الفعل إلى المنفقين؛ والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يفعل باختياره؛ وهذا القول يرد عليه السمع، والعقل - كما هو مقرر في كتب العقيدة -. ١٢ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿مما رزقناكم﴾؛ لأننا نعلم أن رزق الله يأتي بالكسب؛ ويأتي بسبب لا كسب للإنسان فيه؛ فإذا أمطرت السماء وأنت عطشان، وشربت

стр. 1135

فهذا رزق لا كسب لك فيه، ولا اختيار، لكن إذا بعت، واشتريت، واكتسبت المال فهذا لك فيه كسب؛ والله هو الذي أعطاك إياه؛ لو شاء الله لسلبك القدرة؛ ولو شاء لسلبك الإرادة؛ ولو شاء ما جلب لك الرزق. ١٣ - ومنها: أن إنفاق جميع المال لا بأس به؛ وهذا على تقدير ﴿من﴾ بيانية؛ بشرط أن يكون الإنسان واثقاً من نفسه بالتكسب، وصِدق التوكل على الله. مسألة: ظاهر الآية الكريمة أن الإنفاق مطلق في أي وجه من وجوه الخير؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد في آيات أُخر، مثل قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ [البقرة: ٢٦١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ وعلى هذا فيكون إطلاق الآية هنا مقيداً بالآيات الأُخر التي تدل على أن الإنفاق المأمور به ما كان في سبيل الله - أي في شرعه -. مسألة ثانية: ظاهر الآية نفي الشفاعة مطلقاً؛ وحينئذ نحتاج إلى الجمع بين هذه الآية وبين النصوص الأخرى الدالة على إثبات الشفاعة في ذلك اليوم؛ فيقال: الجمع أن يحمل مطلق هذه الآية على المقيد بالنصوص الأخرى، ويقال؛ إن النصوص الأخرى دلت على أن هناك شفاعة؛ لكن لها ثلاثة شروط: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ وإذنه في الشفاعة.

стр. 1136

القرآن (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: ٢٥٥) التفسير: هذه الآية أعظم آية في كتاب الله كما سأل النبي ﷺ أبيّ بن كعب، وقال: «أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي؛ فضرب على صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر» (١)؛ ولهذا من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ وهي مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جداً. ﴿٢٥٥﴾ قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو﴾: الاسم الكريم مبتدأ؛ وجملة: ﴿لا إله إلا هو﴾ خبر؛ وما بعده: إما أخبار ثانية؛ وإما معطوفة؛ و ﴿إله﴾ بمعنى مألوه؛ و «المألوه» بمعنى المعبود حباً، وتعظيماً؛ ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا الله ؛ والآلهة المعبودة في الأرض، أو المعبودة وهي في السماء - كالملائكة - كلها لا تستحق العبادة؛ وهي تسمى آلهة؛ لكنها لا تستحق ذلك؛ الذي يستحقه رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]،

стр. 1137

وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]. و ﴿إله﴾ اسم لا؛ و ﴿لا﴾ هنا نافية للجنس؛ ولا النافية للجنس تدل على النفي المطلق العام لجميع أفراده؛ وهي نص في العموم؛ فـ ﴿لا إله﴾ نفي عام محض شامل لجميع أفراده؛ وقوله تعالى: ﴿إلا هو﴾ بدل من خبر ﴿لا﴾ المحذوف؛ لأن التقدير: لا إله حق إلا هو؛ والبدل في الحقيقة هو المقصود بالحكم، كما قال ابن مالك: (التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلاً) وهذه الجملة العظيمة تدل على نفي الألوهية الحق نفياً عاماً قاطعاً إلا لله تعالى وحده. وقوله تعالى: ﴿الحي القيوم﴾ هذان اسمان من أسمائه تعالى؛ وهما جامعان لكمال الأوصاف، والأفعال؛ فكمال الأوصاف في ﴿الحي﴾؛ وكمال الأفعال في ﴿القيوم﴾؛ لأن معنى ﴿الحي﴾ ذو الحياة الكاملة؛ ويدل على ذلك «أل» المفيدة للاستغراق؛ وكمال حياته تعالى: من حيث الوجود، والعدم؛ ومن حيث الكمال، والنقص؛ فحياته من حيث الوجود، والعدم؛ أزلية أبدية - لم يزل، ولا يزال حياً؛ ومن حيث الكمال، والنقص: كاملة من جميع أوصاف الكمال - فعلمه كامل؛ وقدرته كاملة؛ وسمعه، وبصره، وسائر صفاته كاملة؛ و ﴿القيوم﴾: أصلها من القيام؛ ووزن «قيوم» فيعول؛ وهي صيغة مبالغة؛ فهو القائم على نفسه فلا يحتاج إلى أحد من خلقه؛ والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.

стр. 1138

قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ أي لا يعتريه نعاس، ولا نوم؛ فالنوم معروف؛ والنعاس مقدمته. قوله تعالى في الجملة الثالثة: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ أي له وحده؛ ففي الجملة حصر لتقديم الخبر على المبتدأ؛ و ﴿السموات﴾ جمعت؛ و ﴿الأرض﴾ أفردت؛ لكنها بمعنى الجمع؛ لأن المراد بها الجنس. قوله تعالى في الجملة الرابعة: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾؛ ﴿من﴾ اسم استفهام مبتدأ؛ و ﴿ذا﴾ ملغاة إعراباً؛ ويأتي بها العرب في مثل هذا لتحسين اللفظ؛ و ﴿الذي﴾ اسم موصول خبر ﴿من﴾؛ والمراد بالاستفهام هنا النفي بدليل الإثبات بعده، حيث قال تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾. و «الشفاعة» في اللغة: جعل الوتر شفعاً؛ وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي ﷺ في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم بعدما يلحقهم من الهمّ، والغمّ ما لا يطيقون (١): شفاعة لدفع مضرة؛ وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة (٢): شفاعة في جلب منفعة. وقوله تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾ أي الكوني؛ يعني: إلا إذا أذن في هذه الشفاعة - حتى أعظم الناس جاهاً عند الله لا يشفع إلا بإذن الله؛ فالنبي ﷺ يوم القيامة - وهو أعظم الناس جاهاً عند الله؛ ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله لكمال سلطانه جلّ وعلا، وهيبته؛ وكلما كمل السلطان صار أهيب للملِك، وأعظم؛ حتى إن الناس

стр. 1139

لا يتكلمون في مجلسه إلا إذا تكلم؛ وانظر وصف رسولِ قريشٍ النبي ﷺ مع أصحابه، حيث وصفهم بأنه إذا تكلم سكتوا؛ كل ذلك من باب التعظيم. قوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾؛ هذه هي الجملة السادسة؛ و «العلم» عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك؛ والإدراك على وجه جازم غير مطابق: جهل مركب؛ فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «لا أدري» فهذا جهل؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «إما في الثانية؛ أو في الثالثة» فهذا شك؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «في السنة الخامسة» فهذا جهل مركب؛ والله يعلم الأشياء علماً تاماً شاملاً لها جملة، وتفصيلاً؛ وعلمه ليس كعلم العباد؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ أي المستقبل؛ ﴿وما خلفهم﴾ أي الماضي؛ وقد قيل بعكس هذا القول؛ ولكنه بعيد؛ فاللفظ لا يساعد عليه؛ و ﴿ما﴾ من صيغ العموم؛ فهي شاملة لكل شيء سواء كان دقيقاً أم جليلاً؛ وسواء كان من أفعال الله أم من أفعال العباد. قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي لا يعلمون عن الله من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه؛ المعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء من معلومه - أي مما يعلمه في السموات، والأرض - إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه؛ وقوله تعالى: ﴿إلا بما شاء﴾ استثناء بدل من قوله تعالى: ﴿شيء﴾؛ لكنه بإعادة العامل؛ وهي

стр. 1140

الباء؛ و «ما» يحتمل أن تكون مصدرية؛ أي: إلا بمشيئته؛ ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: إلا بالذي شاء؛ وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفاً؛ والتقدير: إلا بما شاءه. قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾؛ أي شمل، وأحاط، كما يقول القائل: وسعني المكان؛ أي شملني، وأحاط بي؛ و «الكرسي» هو موضع قدمي الله ؛ وهو بين يدي العرش كالمقدمة له؛ وقد صح ذلك عن ابن عباس موقوفاً (١)، ومثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه؛ وما قيل من أن ابن عباس ﵄ يأخذ عن بني إسرائيل فلا صحة له؛ بل الذي صح عنه في البخاري (٢) أنه كان ينهى عن الأخذ عن بني إسرائيل؛ فأهل السنّة والجماعة عامتهم على أن الكرسي موضع قدمي الله ؛ وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وأئمة التحقيق؛ وقد قيل: إن «الكرسي» هو العرش؛ ولكن ليس بصحيح؛ فإن «العرش» أعظم، وأوسع، وأبلغ إحاطة من الكرسي؛ وروي عن ابن عباس أن ﴿كرسيه﴾: علمه؛ ولكن هذه الرواية أظنها لا تصح عن ابن عباس (٣)؛ لأنه لا يعرف هذا

стр. 1141

المعنى لهذه الكلمة في اللغة العربية، ولا في الحقيقة الشرعية؛ فهو بعيد جداً من أن يصح عن ابن عباس ﵄؛ فالكرسي موضع القدمين؛ وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «ما السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» (١)؛ وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا من عالم الغيب؛ ولهذا يقول الله : ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ [ق~: ٦]؛ ولم يقل: أفلم ينظروا إلى الكرسي؛ أو إلى العرش؛ لأن ذلك

стр. 1142

ليس مرئياً لنا؛ ولولا أن الله أخبرنا به ما علمنا به. قوله تعالى: ﴿ولا يؤوده﴾؛ أي لا يثقله، ويشق عليه ﴿حفظهما﴾؛ أي حفظ السموات، والأرض؛ وهذه الصفة صفة منفية. قوله تعالى: ﴿وهو العلي العظيم﴾: مثل هذه الجملة التي طرفاها معرفتان تفيد الحصر؛ فهو وحده العلي؛ أي ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شيء؛ و ﴿العظيم﴾ أي ذو العظمة في ذاته، وسلطانه، وصفاته. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إثبات هذه الأسماء الخمسة؛ وهي ﴿الله﴾؛ ﴿الحي﴾؛ ﴿القيوم﴾؛ ﴿العلي﴾؛ ﴿العظيم﴾؛ وما تضمنته من الصفات. ٢ - ومنها: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾. ٣ - ومنها: إبطال طريق المشركين الذين أشركوا بالله، وجعلوا معه آلهة. ٤ - ومنها: إثبات صفة الحياة لله ؛ وهي حياة كاملة: لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، كما قال تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾ [الحديد: ٣]، وقال تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧]. ٥ - ومنها: إثبات القيومية لله ؛ لقوله تعالى:

стр. 1143

﴿القيوم﴾؛ وهذا الوصف لا يكون لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره: فنحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى النساء، والنساء محتاجة إلينا؛ ونحن محتاجون إلى الأولاد، والأولاد يحتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى المال، والمال محتاج إلينا من جهة حفظه، وتنميته؛ والكل محتاج إلى الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥]؛ وما من أحد يكون قائماً على غيره في جميع الأحوال؛ بل في دائرة ضيقة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣]؛ يعني الله؛ فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت. ٦ - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى غني عما سواه؛ وأن كل شيء مفتقر إليه تعالى؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم﴾ [محمد: ٧]، وقوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ [الحج: ٤٠]؛ فأثبت أنه يُنصر؟ فالجواب: أن المراد بنصره تعالى نصر دينه. ٧ - ومنها: تضمن الآية لاسم الله الأعظم الثابت في قوله تعالى: ﴿الحي القيوم﴾؛ وقد ذكر هذان الاسمان الكريمان في ثلاثة مواضع من القرآن: في «البقرة»؛ و «آل عمران»؛ و «طه»؛ في «البقرة»: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ وفي «آل عمران»: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾؛ وفي «طه»: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ [طه: ١١١]؛ قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع

стр. 1144

الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في ﴿الحي﴾؛ وصفة الإحسان، والسلطان في ﴿القيوم﴾. ٨ - ومن فوائد الآية: امتناع السِّنَة والنوم لله ؛ وذلك لكمال حياته، وقيوميته، بحيث لا يعتريهما أدنى نقص؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾؛ وهذه من الصفات المنفية؛ والإيمان بالصفات المنفية يتضمن شيئين؛ أحدهما: الإيمان بانتفاء الصفة المذكورة؛ والثاني: إثبات كمال ضدها؛ لأن الكمال قد يطلق باعتبار الأغلب الأكثر، وإن كان يرد عليه النقص من بعض الوجوه؛ لكن إذا نفي النقص فمعناه أن الكمال كمال مطلق لا يرد عليه نقصٌ أبداً بوجه من الوجوه؛ مثال ذلك: إذا قيل: «فلان كريم» فقد يراد به أنه كريم في الأغلب الأكثر؛ فإذا قيل: «فلان كريم لا يبخل» عُلم أن المراد كمال كرمه، بحيث لا يحصل منه بخل؛ وهنا النفي حصل بقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾؛ فدل على كمال حياته، وقيوميته. ٩ - ومن فوائد الآية: إثبات الصفات المنفية؛ لقوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾، وقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ و «الصفات المنفية» ما نفاه الله عن نفسه؛ وهي متضمنة لثبوت كمال ضدها. ١٠ - ومنها: عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾. ويتفرع على كون الملك لله ألا نتصرف في ملكه إلا بما يرضاه.

стр. 1145

١١ - ومنها: أن الحكم الشرعي بين الناس، والفصل بينهم يجب أن يكون مستنداً على حكم الله؛ وأن اعتماد الإنسان على حكم المخلوقين، والقوانين الوضعية نوع من الإشراك بالله ؛ لأن الملك لله . ١٢ - ومنها: تسلية الإنسان على المصائب، ورضاه بقضاء الله ، وقدره؛ لأنه متى علم أن الملك لله وحده رضي بقضائه، وسلّم؛ ولهذا كان في تعزية النبي ﷺ لابنته أنه قال: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى» (١). ١٣ - ومنها: عدم إعجاب الإنسان بما حصل بفعله؛ لأن هذا من الله؛ والملك له. ١٤ - ومنها: اختصاص الله تعالى بهذا الملك؛ يؤخذ من تقديم الخبر: ﴿له ما في السموات﴾؛ لأن الخبر حقه التأخير؛ فإذا قُدِّم أفاد الحصر. ١٥ - ومنها: إثبات أن السموات عدد؛ لقوله تعالى: ﴿السموات﴾؛ وأما كونها سبعاً، أو أقل، أو أكثر، فمن دليل آخر. ١٦ - ومنها: كمال سلطان الله لقوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾؛ وهذا غير عموم الملك؛ لكن إذا انضمت

стр. 1146

قوة السلطان إلى عموم الملك صار ذلك أكمل، وأعلى. ١٧ - ومنها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾؛ وإلا لما صح الاستثناء. ١٨ - ومنها: إثبات الإذن - وهو الأمر -؛ لقوله تعالى: ﴿إلا بإذنه﴾؛ وشروط إذن الله في الشفاعة: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ لقوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ١٩ - ومنها: إثبات علم الله، وأنه عام في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾. ٢٠ - ومنها: الرد على القدرية الغلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾؛ فإثبات عموم العلم يرد عليهم؛ لأن القدرية الغلاة أنكروا علم الله بأفعال خلقه إلا إذا وقعت. ٢١ - ومنها: الرد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج، والمعتزلة ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأن مذهبهما أن فاعل الكبيرة مخلد في النار لا تنفع فيه الشفاعة. ٢٢ - ومنها: أن الله لا يحاط به علماً كما لا يحاط به سمعاً، ولا بصراً؛ قال تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠].

стр. 1147

٢٣ - ومنها: أننا لا نعلم شيئاً عن معلوماته إلا ما أعلمنا به؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ على أحد الوجهين في تفسيرها. ٢٤ - ومنها: تحريم تكييف صفات الله؛ لأن الله ما أعلمنا بكيفية صفاته؛ فإذا ادعينا علمه فقد قلنا على الله بلا علم. ٢٥ - ومنها: الرد على الممثلة؛ لأن ذلك قول على الله بلا علم؛ بل بما يعلم خلافه؛ لقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. ٢٦ - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿إلا بما شاء﴾. ٢٧ - ومنها: عظم الكرسي؛ لقوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾. ٢٨ - ومنها: عظمة خالق الكرسي؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظمة الخالق. ٢٩ - ومنها: كفر من أنكر السموات، والأرض؛ لأنه يستلزم تكذيب خبر الله؛ أما الأرض فلا أظن أحداً ينكرها؛ لكن السماء أنكرها من أنكرها، وقالوا: ما فوقنا فضاء لا نهاية له، ولا حدود؛ وإنما هي سدوم، ونجوم، وما أشبه ذلك؛ وهذا لا شك أنه كفر بالله العظيم سواء اعتقده الإنسان بنفسه، ووهمه؛ أو صدَّق من قال به ممن يعظمهم إذا كان عالماً بما دل عليه الكتاب والسنّة. ٣٠ - ومنها: إثبات قوة الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾. ٣١ - ومنها: أنه لا يثقل عليه حفظ

стр. 1148

السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ وهذه من الصفات المنفية؛ فهي كقوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق~: ٣٨]. ٣٢ - ومنها: إثبات ما تتضمنه هذه الجملة: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ وهي العلم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحكمة، والقوة. ٣٣ - ومنها: أن السموات، والأرض تحتاج إلى حفظ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾؛ ولولا حفظ الله لفسدتا؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً﴾ [فاطر: ٤١]. ٣٤ - ومنها: إثبات علو الله أزلاً، وأبداً؛ لقوله تعالى: ﴿وهو العلي﴾؛ و ﴿العلي﴾ صفة مشبهة تدل على الثبوت، والاستمرار؛ وعلوّ الله عند أهل السنة، والجماعة ينقسم إلى قسمين؛ الأول: علو الذات؛ بمعنى أنه سبحانه نفسه فوق كل شيء؛ وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ وتفصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ وخالفهم في ذلك طائفتان؛ الأولى: من قالوا: إنه نفسه في كل مكان في السماء، والأرض؛ وهؤلاء حلولية الجهمية، ومن وافقهم؛ وقولهم باطل بالكتاب، والسنّة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ الطائفة الثانية: قالوا: إنه لا يوصف بعلوّ، ولا غيره؛ فهو ليس فوق العالم، ولا تحته، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا متصل، ولا منفصل؛ وهذا قول يكفي تصوره في رده؛ لأنه يَؤول إلى القول بالعدم المحض؛ إذ ما من موجود إلا وهو فوق،

стр. 1149

أو تحت، أو عن يمين، أو شمال، أو متصل، أو منفصل؛ فالحمد لله الذي هدانا للحق؛ ونسأل الله أن يثبتنا عليه؛ والقسم الثاني: علو الصفة: وهو أنه كامل الصفات من كل وجه لا يساميه أحد في ذلك؛ وهذا متفق عليه بين فرق الأمة، وإن اختلفوا في تفسير الكمال. ٣٥ - ومن فوائد الآية: الرد على الحلولية، وعلى المعطلة النفاة؛ فالحلولية قالوا: إنه ليس بعالٍ؛ بل هو في كل مكان؛ والمعطلة النفاة قالوا: لا يوصف بعلو، ولا سفل، ولا يمين، ولا شمال، ولا اتصال، ولا انفصال. ٣٦ - ومنها: التحذير من الطغيان على الغير؛ لقوله تعالى: ﴿وهو العلي العظيم﴾؛ ولهذا قال الله في سورة النساء: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً﴾ [النساء: ٣٤]؛ فإذا كنت متعالياً في نفسك فاذكر علو الله ؛ وإذا كنت عظيماً في نفسك فاذكر عظمة الله؛ وإذا كنت كبيراً في نفسك فاذكر كبرياء الله. ٣٧ - ومنها: إثبات العظمة لله؛ لقوله تعالى: ﴿العظيم﴾. ٣٨ - ومنها: إثبات صفة كمال حصلت باجتماع الوصفين؛ وهما العلوّ، والعظمة. القرآن (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٥٦)

стр. 1150

التفسير: ﴿٢٥٦﴾ قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾؛ هذه الجملة نفي؛ لكن هل هي بمعنى النهي؛ أي لا تكرهوا أحداً على الدين؛ أو بمعنى النفي؛ أي أنه لن يدخل أحد دين الإسلام مكرَهاً؛ بل عن اختيار؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾؟ الجواب: تحتمل وجهين؛ و «الإكراه» الإرغام على الشيء. وقوله تعالى: ﴿في الدين﴾؛ «الدين» يطلق على العمل؛ ويطلق على الجزاء؛ أما إطلاقه على العمل ففي مثل قوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]؛ وأمّا إطلاقه على الجزاء فمثل قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] أي يوم الجزاء؛ وقد قيل: «كما تدين تدان»؛ أي كما تعمل تجازى؛ والمراد بـ «الدين» هنا العمل؛ والمراد به دين الإسلام بلا شك؛ فـ «أل» هنا للعهد الذهني؛ يعني الدين المفهوم عندكم أيها المؤمنون؛ وهو دين الإسلام. قوله تعالى: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾؛ ﴿تبين﴾ هنا ضمنت معنى «تميَّز»؛ وكلما جاءت «مِن» بعد «تبين» فإنها مضمنة معنى التميز؛ أي تميز هذا من هذا. وقوله تعالى: ﴿الرشد من الغي﴾: هناك رشد، وغيّ؛ وهدى، وضلال؛ فـ؛ «الرشد» معناه حسن المسلك، وحسن التصرف: بأن يتصرف الإنسان تصرفاً يحمد عليه؛ وذلك بأن يسلك الطريق الذي به النجاة؛ ويقابل بـ «الغي» كما هنا؛ والمراد

стр. 1151

بـ ﴿الرشد﴾ هنا الإسلام؛ وأما «الغي» فهو سوء المسلك: بأن يسلك الإنسان ما لا يحمد عليه لا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ والمراد به هنا الكفر. وتَبَيُّن الرشد من الغي بعدة طرق: أولاً: بالكتاب؛ فإن الله فرَّق في هذا الكتاب العظيم بين الحق، والباطل؛ والصلاح، والفساد؛ والرشد، والغي، كما قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ [النحل: ٨٩]؛ فهذا من أقوى طرق البيان. ثانياً: بسنة النبي ﷺ ؛ فإنها بينت القرآن، ووضحته؛ ففسرت ألفاظه التي تشكل، ولا تعرف إلا بنص؛ وكذلك وضحت مجملاته، ومبهماته؛ وكذلك بينت ما فيه من تكميلات يكون القرآن أشار إليها، وتكملها السنة، كما قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. الطريق الثالث: هدي النبي ﷺ ، وسلوكه في عبادته، ومعاملته، ودعوته؛ فإنه بهذه الطريقة العظيمة تبين للكفار، وغير الكفار حسن الإسلام؛ وتبين الرشد من الغيّ. الطريق الرابع: سلوك الخلفاء الراشدين؛ وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ؛ فإن بطريقتهم بان الإسلام، واتضح؛ وكذلك من كان في عصرهم من الصحابة على سبيل الجملة لا التفصيل؛ فإنه قد تبين بسلوكهم الرشد من الغي. هذه الطرق الأربع تبين فيها الرشد من الغي؛ فمن دخل في

стр. 1152

الدين في ذلك الوقت فقد دخل من هذا الباب؛ ولم يصب من قال: إن الدين انتشر بالسيف، والرمح. قوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾؛ «الكفر» في اللغة مأخوذ من الستر؛ ومنه سمي «الكُفُرَّى» لوعاء طلع النخل؛ لأن الإنسان الكافر ستر نعمة الله عليه، وستر ما تقتضيه الفطرة من توحيد الله ؛ ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ أي من ينكره، ويتبرأ منه؛ و «الطاغوت» فسره ابن القيم بأنه كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع؛ مشتق من «الطغيان»؛ وهو تجاوز الحد: قال تعالى: ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ [الحاقة: ١١]؛ لأن الماء الذي أغرق الله به الكفار بنوح تجاوز الحد حتى وصل إلى ما فوق قمم الجبال؛ فالمعبود كالأصنام طاغوت؛ لأن الإنسان تجاوز بها حده في العبادة؛ والمتبوع كالأحبار، والرهبان الضالين طاغوت؛ لأن الإنسان تجاوز بهم الحد في تحليل ما حرم الله ، أو تحريم ما أحل الله ؛ والمطاع كالأمراء ذوي الجور والضلال الذين يأمرون بسلطتهم التنفيذية - لا التشريعية - طاغوت؛ إذاً ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾ من كفر بالأصنام؛ ومن كفر بأحبار، ورهبان السوء؛ ومن كفر بأمراء السوء الذين يأمرون بمعصية الله، ويلزمون بخلاف شرع الله . ولا يكفي الكفر بالطاغوت؛ لأن الكفر تخلٍّ، وعدم؛ ولا بد من إيجاد؛ الإيجاد: قوله تعالى: ﴿ويؤمن بالله﴾ بالجزم عطفاً على ﴿يكفر﴾؛ والإيمان بالله متضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده؛ والإيمان بربوبيته؛ والإيمان بألوهيته؛ والإيمان بأسمائه، وصفاته

стр. 1153

إيماناً يستلزم القبول، والإذعان - القبول للخبر، والإذعان للطلب سواء كان أمراً، أو نهياً؛ فصار الإيمان بالله مركباً من أربعة أمور مستلزمة لأمرين؛ ثم اعلم أن معنى قولنا: الإيمان بوجود الله، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته المراد الإيمان بانفراده بهذه الأشياء: بالألوهية؛ والربوبية؛ والأسماء، والصفات؛ وبالوجود الواجب - فهو منفرد بهذا بأنه واجب الوجود. قوله تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ جواب ﴿من﴾ الشرطية؛ ﴿استمسك﴾ أي تمسك تمسكاً بالغاً ﴿بالعروة الوثقى﴾ أي المقبض القوي الذي ينجو به؛ والمراد به هنا الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لأن به النجاة من النار. قوله تعالى: ﴿لا انفصام لها﴾ أي لا انقطاع، ولا انفكاك لها؛ لأنها محكمة قوية. قوله تعالى: ﴿والله سميع عليم﴾: سبق الكلام عليها مفصلاً. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا يكره أحد على الدين لوضوح الرشد من الغي؛ لقوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾؛ هذا على القول بأنها خبرية؛ أما على القول بأنها إنشائية فإنه يستفاد منها أنه لا يجوز أن يكره أحد على الدين؛ وبينت السنة كيف نعامل الكفار؛ وذلك بأن ندعوهم إلى الإسلام؛ فإن أبوا فإلى بذل الجزية؛ فإن أبوا قاتلناهم. ٢ - ومنها: أنه ليس هناك إلا رشد، أو غي؛ لأنه لو كان هناك ثالث لذُكر؛ لأن المقام مقام حصر؛ ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤].

стр. 1154

٣ - ومنها: أنه لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك؛ لقوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾؛ فمن آمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت فليس بمؤمن. ٤ - ومنها: أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت؛ لقوله تعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله﴾؛ وجه هذا أنه جعل الكفر بالطاغوت قسيماً للإيمان بالله؛ وقسيم الشيء غير الشيء؛ بل هو منفصل عنه. ٥ - ومنها: أنه لا نجاة إلا بالكفر بالطاغوت، والإيمان بالله؛ لقوله تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾. ٦ - ومنها: أن الأعمال تتفاضل؛ يؤخذ ذلك من اسم التفضيل: ﴿الوثقى﴾؛ لأن التفضيل يقتضي مفضلاً، ومفضلاً عليه؛ ولا شك أن الأعمال تتفاضل بنص القرآن، والسنة؛ قال تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾؛ [الملك: ٢] و ﴿أحسن﴾ اسم تفضيل؛ وهذا دليل على أن الأعمال تتفاضل بالحُسن؛ وسئل النبي ﷺ : «أي العمل أحب إلى الله قال: الصلاة على وقتها» (١) وقال في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» (٢)؛ ويلزم من تفاضل الأعمال تفاضل العامل: كلما كان العمل أفضل كان العامل أفضل؛

стр. 1155

وتفاضل الأعمال يكون بعدة أمور: بحسب العامل؛ بحسب العمل جنسه، أو نوعه؛ بحسب الزمان؛ بحسب المكان؛ بحسب الكيفية، والمتابعة؛ بحسب الإخلاص لله؛ بحسب الحال. مثاله بحسب العامل: قول النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه» (١). ومثاله بحسب العمل: جنسه، ونوعه؛ فالصلاة مثلاً أفضل من الزكاة؛ والزكاة أفضل من الصيام؛ هذا باعتبار الجنس؛ ومثاله باعتبار النوع: الفريضة من كل جنس أفضل من النافلة؛ فصلاة الفجر مثلاً أفضل من راتبة الفجر. ومثاله بحسب الزمان: قوله ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» (٢)، وقوله ﷺ : «من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً» (٣). ومثاله بحسب المكان قوله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير

стр. 1156

من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (١). ومثاله بحسب الكيفية؛ بمعنى أن كيفية العبادة تكون أفضل من كيفية أخرى، كالخشوع في الصلاة قال تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١، ٢]. مثاله بحسب المتابعة: قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل؛ لأن القاعدة أن الحكم المعلَّق بوصف يقوى بحسب ذلك الوصف. ومثاله بحسب الإخلاص أنه كلما كان العامل أشد إخلاصاً لله كان أكمل ممن خالط عمله شيء من الشرك؛ ومثاله بحسب الحال: العبادة بين أهل الغفلة، والإعراض أفضل من العبادة بين أهل الطاعة، والإقبال؛ ولهذا كان العامل في أيام الصبر له أجر خمسين من الصحابة لكثرة الإعراض عن الله ، وعن دينه؛ فلا يجد أحداً يساعده، ويعينه؛ بل ربما لا يجد إلا من يتهكم به، ويسخر به؛ ومن تفاضلها باعتبار الحال أن العفة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ؛ لأن شهوة الشاب أقوى من شهوة الشيخ؛ فالداعي إلى عدم العفة في حقه أقوى من الداعي بالنسبة للشيخ؛ ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني أشد من عقوبة الشاب؛ لقوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعة

стр. 1157

لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» (١). ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله - هما «السميع العليم»، وما تضمناه من صفة. القرآن (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢٥٧) التفسير: ﴿٢٥٧﴾ قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ أي متوليهم؛ والمراد بذلك الولاية الخاصة؛ ومن ثمراتها قوله تعالى: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾؛ وأفرد ﴿النور﴾؛ لأنه طريق واحد؛ وجمع ﴿الظلمات﴾ باعتبار أنواعها؛ لأنها إما ظلمة جهل؛ وإما ظلمة كفر؛ وإما ظلمة فسق؛ أما ظلمة الجهل فظاهرة: فإن الجاهل بمنزلة الأعمى حيران لا يدري أين يذهب كما قال تعالى: ﴿أَوَمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ [الأنعام: ١٢٢] وهذا صاحب العلم؛ ﴿كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]: وهذا صاحب الجهل؛ وأما ظلمة الكفر فلأن الإيمان نور يهتدي به الإنسان، ويستنير به قلبه، ووجهه؛ فيكون ضده - وهو

стр. 1158

الكفر - على العكس من ذلك؛ أما ظلمة الفسق فهي ظلمة جزئية تكبر، وتصغر بحسب ما معه من المعاصي؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ أخبر أن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء (١) - والسواد ظلمة، وتزول هذه النكتة بالتوبة، وتزيد بالإصرار على الذنب؛ فالظلمات ثلاث: ظلمة الجهل، والكفر، والمعاصي؛ يقابلها نور العلم، ونور الإيمان، ونور الاستقامة. قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ إذا تأملت هذه الجملة، والتي قبلها تجد فرقاً بين التعبيرين في الترتيب: ففي الجملة الأولى قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ لأمور ثلاثة؛ أحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولاً استبشر به؛ ثانياً: التبرك بتقديم ذكر اسم الله ؛ ثالثاً: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله هو الذي امتن عليهم أولاً، فأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ أما الجملة الثانية: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ ولو كانت الجملة على سياق الأولى لقال: «والطاغوت أولياء الذين كفروا»؛ ومن الحكمة في ذلك: أولاً: ألّا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله؛ ثانياً: أن الطاغوت أهون، وأحقر من أن يُبدأ به، ويُقدّم؛ ثالثاً: أن البداءة بقوله تعالى: ﴿الذين كفروا﴾ أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره. وقوله تعالى: ﴿والذين كفروا﴾ أي كفروا بكل ما يجب الإيمان به سواءً كان كفرهم بالله، أو برسوله، أو بملائكته، أو باليوم الآخر، أو بالقدر، أو غيرها مما يجب الإيمان به.

стр. 1159

وقوله تعالى: ﴿أولياؤهم﴾ جمع «وليّ»؛ وجمعت لكثرة أنواع الشرك، والكفر؛ بخلاف سبيل الحق؛ فإنها واحدة؛ وهذه كقوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣]. قوله تعالى: ﴿يخرجونهم﴾: أتى بضمير الجمع؛ لأن المراد بالطاغوت اسم الجنس؛ فيعم جميع أنواعه. وقوله تعالى: ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾: استُشكل؛ لأن ظاهره: الذين آمنوا أولاً، فدخلوا في النور، ثم كفروا، فخرجوا منه؛ مع أنه يشمل الكافر الأصلي؛ فالجواب: إما أن يراد بهذا من كانوا على الإيمان أولاً، ثم أُخرجوا كما هو ظاهر اللفظ؛ أو يقال: هذا باعتبار الفطرة؛ فإن كل مولود يولد على الفطرة؛ فكانوا على الفطرة السليمة، والإيمان، ثم أخرجوهم، كقوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١)؛ و ﴿من النور إلى الظلمات﴾ سبق الكلام عليها (٢). قوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها﴾؛ المشار إليه الذين كفروا، ودعاتهم؛ و ﴿أصحاب﴾ جمع صحب؛ و «الصاحب» هو الملازم لغيره؛ فلا يسمى صاحباً إلا الملازم إلا صاحباً واحداً - وهم أصحاب النبي ﷺ ؛ فإن صحبة النبي ﷺ تطلق على من اجتمع به - ولو لحظة، ومات على ذلك؛ وهذا من خصائص

стр. 1160

النبي ﷺ ؛ فأصحاب النار هم أهلها الملازمون لها؛ وقُدم الجار والمجرور لإفادة الحصر، ولمراعاة الفواصل. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه تحصل به ولاية الله ؛ لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾. ٢ - ومنها: إثبات الولاية لله ؛ أي أنه يتولى عباده؛ وولايته نوعان؛ الأول: الولاية العامة؛ بمعنى أن يتولى شؤون عباده؛ وهذه لا تختص بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠] يعني الكافرين؛ والنوع الثاني: ولاية خاصة بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]، وكما في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾؛ ومقتضى النوع الأول أن لله تعالى كمال السلطان، والتدبير في جميع خلقه؛ ومقتضى النوع الثاني: الرأفة، والرحمة، والتوفيق. ٣ - ومن فوائد الآية: أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾. ٤ - ومنها: أن الكافرين أولياؤهم الطواغيت سواء كانوا متبوعين، أو معبودين، أو مطاعين. ٥ - ومنها: براءة الله من الذين كفروا؛ يؤخذ من المنطوق، والمفهوم؛ فالمفهوم في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ فمفهومه: لا الذين كفروا؛ المنطوق من قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ وهذا مقابل لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾.
следующие страницы →