من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (١).
ومثاله بحسب الكيفية؛ بمعنى أن كيفية العبادة تكون أفضل من كيفية أخرى، كالخشوع في الصلاة قال تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
مثاله بحسب المتابعة: قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فكلما كان الإنسان للرسول أتبع كان عمله أفضل؛ لأن القاعدة أن الحكم المعلَّق بوصف يقوى بحسب ذلك الوصف.
ومثاله بحسب الإخلاص أنه كلما كان العامل أشد إخلاصاً لله كان أكمل ممن خالط عمله شيء من الشرك؛ ومثاله بحسب الحال: العبادة بين أهل الغفلة، والإعراض أفضل من العبادة بين أهل الطاعة، والإقبال؛ ولهذا كان العامل في أيام الصبر له أجر خمسين من الصحابة لكثرة الإعراض عن الله ، وعن دينه؛ فلا يجد أحداً يساعده، ويعينه؛ بل ربما لا يجد إلا من يتهكم به، ويسخر به؛ ومن تفاضلها باعتبار الحال أن العفة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ؛ لأن شهوة الشاب أقوى من شهوة الشيخ؛ فالداعي إلى عدم العفة في حقه أقوى من الداعي بالنسبة للشيخ؛ ولهذا كانت عقوبة الشيخ الزاني أشد من عقوبة الشاب؛ لقوله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أشيمط زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعة
стр. 1157
لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» (١).
٧ - ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله - هما «السميع العليم»، وما تضمناه من صفة.
القرآن
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢٥٧)
التفسير:
﴿٢٥٧﴾ قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ أي متوليهم؛ والمراد بذلك الولاية الخاصة؛ ومن ثمراتها قوله تعالى: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾؛ وأفرد ﴿النور﴾؛ لأنه طريق واحد؛ وجمع ﴿الظلمات﴾ باعتبار أنواعها؛ لأنها إما ظلمة جهل؛ وإما ظلمة كفر؛ وإما ظلمة فسق؛ أما ظلمة الجهل فظاهرة: فإن الجاهل بمنزلة الأعمى حيران لا يدري أين يذهب كما قال تعالى: ﴿أَوَمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ [الأنعام: ١٢٢] وهذا صاحب العلم؛ ﴿كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢]: وهذا صاحب الجهل؛ وأما ظلمة الكفر فلأن الإيمان نور يهتدي به الإنسان، ويستنير به قلبه، ووجهه؛ فيكون ضده - وهو
стр. 1158
الكفر - على العكس من ذلك؛ أما ظلمة الفسق فهي ظلمة جزئية تكبر، وتصغر بحسب ما معه من المعاصي؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ أخبر أن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء (١) - والسواد ظلمة، وتزول هذه النكتة بالتوبة، وتزيد بالإصرار على الذنب؛ فالظلمات ثلاث: ظلمة الجهل، والكفر، والمعاصي؛ يقابلها نور العلم، ونور الإيمان، ونور الاستقامة.
قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ إذا تأملت هذه الجملة، والتي قبلها تجد فرقاً بين التعبيرين في الترتيب: ففي الجملة الأولى قال تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ لأمور ثلاثة؛ أحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولاً استبشر به؛ ثانياً: التبرك بتقديم ذكر اسم الله ؛ ثالثاً: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله هو الذي امتن عليهم أولاً، فأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ أما الجملة الثانية: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ ولو كانت الجملة على سياق الأولى لقال: «والطاغوت أولياء الذين كفروا»؛ ومن الحكمة في ذلك: أولاً: ألّا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله؛ ثانياً: أن الطاغوت أهون، وأحقر من أن يُبدأ به، ويُقدّم؛ ثالثاً: أن البداءة بقوله تعالى: ﴿الذين كفروا﴾ أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره.
وقوله تعالى: ﴿والذين كفروا﴾ أي كفروا بكل ما يجب الإيمان به سواءً كان كفرهم بالله، أو برسوله، أو بملائكته، أو باليوم الآخر، أو بالقدر، أو غيرها مما يجب الإيمان به.
стр. 1159
وقوله تعالى: ﴿أولياؤهم﴾ جمع «وليّ»؛ وجمعت لكثرة أنواع الشرك، والكفر؛ بخلاف سبيل الحق؛ فإنها واحدة؛ وهذه كقوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣].
قوله تعالى: ﴿يخرجونهم﴾: أتى بضمير الجمع؛ لأن المراد بالطاغوت اسم الجنس؛ فيعم جميع أنواعه.
وقوله تعالى: ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾: استُشكل؛ لأن ظاهره: الذين آمنوا أولاً، فدخلوا في النور، ثم كفروا، فخرجوا منه؛ مع أنه يشمل الكافر الأصلي؛ فالجواب: إما أن يراد بهذا من كانوا على الإيمان أولاً، ثم أُخرجوا كما هو ظاهر اللفظ؛ أو يقال: هذا باعتبار الفطرة؛ فإن كل مولود يولد على الفطرة؛ فكانوا على الفطرة السليمة، والإيمان، ثم أخرجوهم، كقوله ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (١)؛ و ﴿من النور إلى الظلمات﴾ سبق الكلام عليها (٢).
قوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها﴾؛ المشار إليه الذين كفروا، ودعاتهم؛ و ﴿أصحاب﴾ جمع صحب؛ و «الصاحب» هو الملازم لغيره؛ فلا يسمى صاحباً إلا الملازم إلا صاحباً واحداً - وهم أصحاب النبي ﷺ ؛ فإن صحبة النبي ﷺ تطلق على من اجتمع به - ولو لحظة، ومات على ذلك؛ وهذا من خصائص
стр. 1160
النبي ﷺ ؛ فأصحاب النار هم أهلها الملازمون لها؛ وقُدم الجار والمجرور لإفادة الحصر، ولمراعاة الفواصل.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: فضيلة الإيمان، وأنه تحصل به ولاية الله ؛ لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾.
٢ - ومنها: إثبات الولاية لله ؛ أي أنه يتولى عباده؛ وولايته نوعان؛ الأول: الولاية العامة؛ بمعنى أن يتولى شؤون عباده؛ وهذه لا تختص بالمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠] يعني الكافرين؛ والنوع الثاني: ولاية خاصة بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد: ١١]، وكما في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾؛ ومقتضى النوع الأول أن لله تعالى كمال السلطان، والتدبير في جميع خلقه؛ ومقتضى النوع الثاني: الرأفة، والرحمة، والتوفيق.
٣ - ومن فوائد الآية: أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾.
٤ - ومنها: أن الكافرين أولياؤهم الطواغيت سواء كانوا متبوعين، أو معبودين، أو مطاعين.
٥ - ومنها: براءة الله من الذين كفروا؛ يؤخذ من المنطوق، والمفهوم؛ فالمفهوم في قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ فمفهومه: لا الذين كفروا؛ المنطوق من قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾؛ وهذا مقابل لقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾.
стр. 1161
٦ - ومنها: سوء ثمرات الكفر، وأنه يهدي إلى الضلال - والعياذ بالله؛ لقوله تعالى: ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾؛ وهذا الإخراج يشمل ما كان إخراجاً بعد الوقوع في الظلمات، وما كان صدًّا عن النور؛ وعلى الثاني يكون المراد بإخراجهم من الظلمات: استمرارهم على الظلمات.
٧ - ومنها: أن الكفر مقابل الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ولي الذين آمنوا والذين كفروا ... ﴾ إلخ؛ ولكن هل معنى ذلك أنه لا يجتمع معه؟ الجواب أنه قد يجتمع معه على القول الراجح الذي هو مذهب أهل السنة، والجماعة؛ لقول النبي ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» (١)؛ وهذا الكفر لا يرفع الإيمان لقول الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ﴾ [الحجرات: ٩] إلى قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠]؛ فأثبت الأخوة الإيمانية مع الاقتتال الذي قال عنه النبي ﷺ : إنه كفر؛ وانظر إلى الإنسان يكون فيه كذب - وهو من خصال المنافقين؛ ويكون فيه حسد - وهو من خصال اليهود؛ ويكون فيه صدق - وهو من خصال المؤمنين؛ ويكون فيه إيثار - وهو من صفات المؤمنين أيضاً؛ لكن الكفر المطلق - وهو الذي يخرج من الإسلام - لا يمكن أن يجامع الإيمان.
стр. 1162
٨ - ومن فوائد الآية: إثبات النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار﴾؛ والنار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]؛ فقال تعالى: ﴿أعدت﴾ بلفظ الماضي؛ والإعداد هو التهيئة؛ وثبت عن النبي ﷺ في غير حديث أنه رآها: ففي صلاة الكسوف عرضت عليه النار، ورأى فيها عمرو بن لُحيّ يجر قصبه في النار (١)؛ ورأى المرأة التي تعذب في هرة؛ ورأى صاحب المحجن يعذب (٢)؛ المهم أن النار موجودة أبدية؛ وليست أزلية؛ لأنها مخلوقة بعد أن لم تكن؛ ولكنها أبدية لا تفنى: قال تعالى: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ [فاطر: ٣٦]؛ وذكر تأبيد أهلها في ثلاثة مواضع من القرآن؛ وبهذا يعرف بطلان قول من يقول: «إنها تفنى»؛ وأنه قول باطل مخالف للأدلة الشرعية.
٩ - ومنها: أن الكافرين مخلدون في النار؛ لقوله تعالى: ﴿أولئك أصحاب النار﴾؛ والصاحب للشيء: الملازم له.
١٠ - ومنها: أن الخلود خاص بالكافرين؛ وأن من يدخل النار من المؤمنين لا يخلّد؛ لقوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾؛ يعني: دون غيرهم.
стр. 1163
القرآن
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: ٢٥٨)
التفسير:
﴿٢٥٨﴾ قوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ الهمزة للاستفهام؛ والمراد به هنا التقرير، والتعجيب؛ «التقرير» يعني تقرير هذا الأمر، وأنه حاصل؛ و «التعجيب» معناه: دعوة المخاطَب إلى التعجب من هذا الأمر العجيب الغريب الذي فيه المحاجة لله ؛ ﴿تر﴾ أي تنظر نظر قلب؛ لأنه لم يدرك زمنه حتى يراه بعينه؛ والخطاب في قوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ إما للنبي ﷺ ؛ وإما لكل من يتأتى خطابه ممن نزل عليهم القرآن؛ وهذا أعم؛ وقد ذكرنا قبل ذلك أن ما جاء بلفظ الخطاب في القرآن فله ثلاث حالات؛ إما أن يدل الدليل على أنه للرسول ﷺ ، وللأمة؛ أو يدل الدليل على أنه خاص بالرسول ﷺ ؛ أو لا يكون هذا، ولا هذا: والحكم فيه أنه عام للرسول ﷺ ، ولغيره؛ ولكن هل هذا الخطاب المعين يراد به الأمة، وخوطب إمامها لأنهم تبع له؛ أو يراد به النبي ﷺ ، وغيره يفعله على سبيل الأسوة؟ قولان لأهل العلم؛ ومؤداهما واحد؛ فمن أمثلة ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك﴾ [الشرح: ١، ٢]؛ ومن الأمثلة التي دل الدليل على أنه للرسول، ولغيره قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق:]؛ فوجه الخطاب إلى
стр. 1164
النبي ﷺ ، ثم قال تعالى: ﴿إذا طلقتم﴾ وهو عام؛ فدل على أن المراد به العموم؛ ومما يحتمل، مثل قوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥]؛ فهذا يحتمل أنه للرسول ﷺ وحده؛ ولكن أمته تبع له؛ وهو ظاهر اللفظ - وإن كان هذا الشرك لا يقع منه؛ لأن «إنْ» قد يراد بها فرض الشيء دون وقوعه - وهنا ﴿ألم تر﴾ يحتمل الأمرين؛ يعني: ألم تنظر يا محمد، أو: ألم تنظر
أيها المخاطب.
قوله تعالى: ﴿إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾؛ ذكر «إبراهيم» في الآية ثلاث مرات؛ وفيها قراءتان: ﴿إبراهيم﴾، و ﴿إبراهام﴾؛ وهما سبعيتان؛ و ﴿حاج﴾: هذه صيغة مفاعلة؛ وصيغة المفاعلة لا تكون غالباً إلا بين اثنين، كـ «قاتل»، و «ناظر»، و «دافع» - أقول: غالباً؛ لئلا يرد علينا مثل: «سافر»؛ فإنها من واحد؛ ومعنى «حاجه» أي ناظره، وأدلى كل واحد بحجته؛ و «الحجة» هي الدليل، والبرهان؛ و ﴿في ربه﴾ أي في وجوده، وفي ألوهيته؛ فإبراهيم يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ وهذا ينكر الله رأساً - كما أنكره من بعده فرعون - وقال: أين الدليل على وجود ربك؟
قوله تعالى: ﴿أن آتاه الله الملك﴾: ﴿أن﴾ مصدرية دخلت على الفعل الماضي؛ وإذا دخلت على الفعل الماضي لا تنصبه؛ لكنها لا تمنع أن يسبك بمصدر؛ والتقدير هنا: أنه حاج إبراهيم لكونه أُعطي مُلكاً؛ و «أل» في قوله تعالى: ﴿الملك﴾ الظاهر أنها لاستغراق الكمال - أي ملكاً تاماً لا ينازعه أحد في مملكته؛ لأن الله لم يعطه ملك السموات، والأرض؛ بل ولا ملك جميع الأرض؛ وبهذا نعرف أن فيما ذُكر عن بعض التابعين من أنه ملك
стр. 1165
الأرض أربعة - اثنان مؤمنان؛ واثنان كافران - نظراً؛ ولم يُمَلِّك الله جميع الأرض لأيّ واحد من البشر؛ ولكن يُمَلِّك بعضاً لبعض؛ والله يقول: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ [البقرة: ٢٥١]؛ أما أن يَملِك واحد من البشر جميع الأرض فهذا مستحيل في سنة الله فيما نعلم.
فهذا رجل ملك - ولا يعنينا أن نعرف اسمه: أهو «نُمروذ بن كنعان»، أم غيره؛ المهم هو القصة - لما آتاه الله ملكاً دام مدة طويلة، وملك أراضي واسعة ملكاً تاماً لا ينازعه أحد - وكما قال تعالى: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ... ﴾ [يونس: ٢٤] الآية - استطال والعياذ بالله، واستكبر، وعلا، وأنكر وجود العلي الأعلى، فكان يحاج إبراهيم لطغيانه بأن آتاه الله الملك؛ وقد قال الله : ﴿كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦، ٧]؛ إذا رأى الإنسان نفسه استغنى فقد يطغى، ويزيد عتوه، وعناده.
قوله تعالى: ﴿إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت﴾: هذا بيان المحاجة؛ وهذه لا شك - كما يُعلم من سياق اللفظ - أنها جواب لسؤال؛ كأنه قال: ما ربك؟ أو: من هو؟ أو: ما شأنه؟ أو: ما فعله؟ فقال: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ كما قال فرعون لموسى: ﴿وما رب العالمين * قال رب السموات والأرض ... ﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤]، ومعنى «الرب» الخالق المالك المدبر؛ وهذه الأوصاف لا تثبت على الكمال، والشمول إلا لله ؛ و ﴿يحيي ويميت﴾ أي يجعل الجماد حياً؛ ويميت ما كان حياً، فبينما نرى الإنسان ليس شيئاً مذكوراً إذا به يكون شيئاً
стр. 1166
مذكوراً، كما قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ [الإنسان: ١]؛ ثم يبقى في الأرض؛ ثم يُعدَم ويَفنى، فإذا هو خبر من الأخبار:
(كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامرُ - بينا يرى الإنسان فيها مخبراً حتى يرى خبراً من الأخبار) قال إبراهيم هذا الكلام؛ كأنه يقول له: هو الذي يوجِد، ويعدِم؛ ثم أتى بمثال - وهو الإحياء والإماتة التي لا يقدر عليها أحد؛ لكن هذا المعاند المكابر قال: ﴿أنا أحيي وأميت﴾؛ قالها إما تلبيساً؛ وإما مكابرة؛ إما تلبيساً كما قاله أكثر المفسرين؛ وقالوا: إنه أتى باثنين، فقتل أحدهما، وأبقى الآخر، فقال: «أمتّ الأول، وأحييت الثاني»؛ هذا هو المشهور عند كثير من المفسرين؛ وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أنا أحيي وأميت﴾ تلبيساً؛ والحقيقة أنه ما أحيا، ولا أمات هنا؛ وإنما فعل ما يكون به الموت في دعوى الإماتة؛ واستبقى ما كان حياً في دعواه الإحياء؛ فلم يوجِد حياة من عنده؛ وقال بعضهم: بل قال ذلك مكابرة؛ يعني: هو يعلم أنه لا يحيي، ولا يميت؛ كأنه يقول لإبراهيم: إذا كان ربك يحيي ويميت فأنا أحيي، وأميت؛ ثم إن إبراهيم ﵇ انتقل إلى أمر لا يمكن الجدال فيه، فقال: ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب﴾.
قوله تعالى؛ ﴿فبهت الذي كفر﴾ أي تحير، واندهش، ولم يحرِ جواباً؛ فغلب إبراهيم الذي كفر؛ لأن وقوف الخصم في المناظرة عجز.
стр. 1167
قوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي لا يوفقهم للهداية.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن الكريم في عرض الأمور العجيبة معرض التقرير، والاستفهام؛ لأن «التقرير» يحمل المخاطَب على الإقرار؛ و «الاستفهام» يثير اهتمام الإنسان؛ فجمع بين الاستفهام، والتقرير.
٢ - ومنها: بيان كيف تصل الحال بالإنسان إلى هذا المبلغ الذي بلغه هذا الطاغية؛ وهو إنكار الحق لمن هو مختص به، وادعاؤه المشاركة؛ لقوله: ﴿أنا أحيي وأميت﴾.
٣ - ومنها: أن المحاجة لإبطال الباطل، ولإحقاق الحق من مقامات الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾.
٤ - ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة، والمحاجة؛ لأنها سُلَّم، ووسيلة لإحقاق الحق، وإبطال الباطل؛ ومن طالع كتب شيخ الإسلام ونحوها تعلَّم المناظرة - ولو لم يدرسها فناً.
٥ - ومنها: أن النعم قد تكون سبباً للطغيان؛ لأن هذا الرجل ما طغى وأنكر الخالق إلا لأن الله آتاه الملك؛ ولهذا أحياناً تكون الأمراض نعمة من الله على العبد؛ والفقر والمصائب تكون نعمة على العبد؛ لأن الإنسان إذا دام في نعمة، وفي رغد، وفي عيش هنيء فإنه ربما يطغى، وينسى الله .
стр. 1168
٦ - ومنها: صحة إضافة الملكية لغير الله؛ لقوله تعالى: ﴿أن آتاه الله الملك﴾.
٧ - ومنها: أن ملك الإنسان ليس ملكاً ذاتياً من عند نفسه؛ ولكنه معطى إياه؛ لقوله تعالى: ﴿أن آتاه الله الملك﴾؛ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦].
٨ - ومنها: فضيلة إبراهيم ﷺ ، حيث قال مفتخراً، ومعتزاً أمام هذا الطاغية: ﴿ربي﴾؛ فأضافه إلى نفسه، كأنه يفتخر بأن الله ربه.
٩ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله ؛ لقوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾؛ وهذه المسألة أنكرها كثير من علماء الكلام؛ وعللوا ذلك بعلل عليلة؛ بل ميتة لا أصل لها؛ لأنهم قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ وإن الحوادث إن كانت كمالاً كان فقدها نقصاً؛ وإن كانت نقصاً فكيف يتصف الله بها! إذاً هي ممتنعة؛ لأنها نقص على كل تقدير؛ وحينئذٍ يجب أن ننزه الله عنها، وأن تكون ممتنعة عليه؛ والجواب عن ذلك أن قولكم: «الحوادث لا تقوم إلا بحادث» مجرد دعوى؛ ونحن نعلم أن الحوادث تحدث منا، ولكنها ليست سابقة بسبقنا؛ ولا يعد ذلك فينا نقصاً؛ فالحوادث تحدث بعد مَن أحدثها؛ ولا مانع من ذلك؛ فمن الممكن أن يكون المتصف بها قديماً وهي حادثة؛ وأما قولكم: «إنها إن كانت كمالاً كان فقدها نقصاً؛ وإن كانت نقصاً فكيف يوصف بها»؟ فنقول: هي كمال حال وجودها؛ فإذا اقتضت الحكمة وجودها كان وجودها هو الكمال؛ وإذا اقتضت الحكمة عدمها كان عدمها هو الكمال.
стр. 1169
١٠ - ومن فوائد الآية: أن الإحياء والإماتة بيد الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾؛ إذاً فاعتمد على الله ، ولا تخف، ولا تقدر أسباباً وهمية؛ مثلاً دعيت إلى أيّ عمل صالح فقلت: أخشى إن عملت هذا العمل أن أموت؛ نقول: هذا إذا كان مجرد وهم فإن هذه الخشية لا ينبغي أن يبني عليها حكماً، بحيث تمنعه من أمر فيه مصلحته، وخيره.
١١ - ومنها: أن الإنسان المجادل قد يكابر فيدعي ما يعلم يقيناً أنه لا يملكه؛ لقول الرجل الطاغية: ﴿أنا أحيي وأميت﴾؛ ومعلوم أن هذا إنما قاله في مضايقة المحاجة؛ والإنسان في مضايقة المحاجة ربما يلتزم أشياء هو نفسه لو رجع إلى نفسه لعلم أنها غير صحيحة؛ لكن ضيق المناظرة أوجب له أن يقول هذا إنكاراً، أو إثباتاً.
١٢ - ومنها: حكمة إبراهيم ﷺ ، وجودته في المناظرة سواء قلنا: إن هذا من باب الانتقال من حجة إلى أوضح منها، أو قلنا: إنه من باب تفريع حجة على حجة.
١٣ - ومنها: الرد على علماء الهيئة الذين يقولون: إن إتيان الشمس ليس إتياناً لها بذاتها؛ ولكن الأرض تدور حتى تأتي هي على الشمس؛ ووجه الرد أن إبراهيم قال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق﴾؛ إذاً الله أتى بها من المشرق؛ وهم يقولون: إن الله لم يأت بها من المشرق؛ ولكن الأرض بدورتها اطلعت عليها؛ ونحن نقول: إن الله لم يقل: إن الله يدير الأرض حتى تُرى الشمس من المشرق؛ فأدرها حتى تُرى من المغرب! ويجب علينا أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد
стр. 1170
مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ هذا من جهة؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق: قال الله تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]؛ فإذا كان يقول في كلامه إن الشمس: «تأتي»، و «تطلع»، و «تغرب»، و «تزول»، و «تتوارى»؛ كل هذه الأفعال يضيفها إلى الشمس؛ لماذا نحن نجعلها على العكس من ذلك، ونضيفها إلى الأرض!!! ويوم القيامة سيقول الله لنا: ﴿ماذا أجبتم المرسلين﴾ [القصص: ٦٥]؛ لا يقول: ماذا أجبتم العالم الفلكي الفلاني؛ على أن علماء الفلك قديماً، وحديثاً مختلفون في هذا؛ لم يتفقوا على أن الأرض هي التي بدورانها يكون الليل، والنهار؛ وما دام الأمر موضع خلاف بين الفلكيين أنفسهم؛ فإننا نقول كما نقول لعلماء الشرع إذا اختلفوا: «إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول»؛ بل نقول: لو جاء علماء الفلك بأجمعهم ما عدلنا عن ظاهر القرآن حتى يتبين لنا أمر محسوس؛ وحينئذ نقول لربنا إذا لاقيناه: إنك قلت - وقولك الحق: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾، وقلت:
﴿اتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]؛ ونحن ما وسعنا إلا أن نقول: إن قولك: ﴿وترى الشمس إذا طلعت﴾ [الكهف: ١٧] أي إذا طلعت رأي العين؛ لا في حقيقة الواقع؛ لأننا علمنا بحسنا، وبصرنا بأن الذي يكون به تعاقب الليل، والنهار هو دوران الأرض؛ أما والحس لم يدل على هذا؛ ولكنه مجرد أقيسة ونظريات، فإنني أرى أنه لا يجوز لأحد أن يعدل عن كلام ربه الذي خلق، والذي أنزل القرآن تبياناً لكل شيء لمجرد قول هؤلاء.
стр. 1171
١٤ - ومن فوائد الآية: أن الحق لا تمكن المجادلة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾.
١٥ - ومنها: إثبات أن من جحد الله فهو كافر؛ لقوله تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾؛ وهذه هي النكتة في الإظهار مقام الإضمار؛ لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر.
١٦ - ومنها: الإشارة إلى أن محاجة هذا الرجل محاجة بباطل؛ لقوله تعالى: ﴿الذي كفر﴾؛ لأن الذين كفروا هم الذين يحاجون حجة باطلة؛ قال الله تعالى: ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [الكهف: ٥].
١٧ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان حرّ: يهتدي بنفسه، ويضل بنفسه؛ وهذه الآية واضحة في أن الهداية بيد الله.
١٨ - ومنها: التحذير من الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ ومن الظلم أن يتبين لك الحق فتجادل لنصرة قولك؛ لأن العدل أن تنصاع للحق، وألا تكابر عند وضوحه؛ ولهذا ضل من ضل من أهل الكلام؛ لأنه تبين لهم الحق؛ ولكن جادلوا؛ فبقوا على ما هم عليه من ضلال.
١٩ - ومنها: أن الله لا يمنع فضله عن أحد إلا إذا كان هذا الممنوع هو السبب؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ فلظلمهم لم يهدهم الله؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥].
٢٠ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أظلم كان عن الهداية
стр. 1172
أبعد؛ لأن الله علق نفي الهداية بالظلم؛ وتعليق الحكم بالظلم يدل على عليته؛ وكلما قويت العلة قوي الحكم المعلق عليه.
٢١ - ومنها: أن من أخذ بالعدل كان حرياً بالهداية؛ لمفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾؛ فإذا كان الظالم لا يهديه الله، فصاحب العدل حري بأن يهديه الله ؛ فإن الإنسان الذي يريد الحق ويتبع الحق - والحق هو العدل - غالباً يُهدى، ويوفّق للهداية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية عبارة من أحسن العبارات؛ قال: «من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق»؛ وهذه كلمة مأخوذة من القرآن منطوقاً، ومفهوماً.
القرآن
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٥٩)
التفسير:
﴿٢٥٩﴾ قوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية﴾؛ ﴿أو﴾: حرف عطف؛ والكاف: قيل إنها زائدة للتوكيد؛ وقيل: إنها اسم بمعنى «مثل»؛ وعلى كلا القولين فهي معطوفة على ﴿الذي﴾ في
стр. 1173
قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ يعني: أو ألم تر إلى مثل الذي مر - إذا جعلنا الكاف بمعنى «مثل»؛ فإن جعلنا الكاف زائدة، فالتقدير: أو ألم تر إلى الذي مر على قرية ... إلخ.
وفي قوله تعالى: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾ تقديم المفعول على الفاعل؛ لأن ﴿هذه﴾ مفعول مقدم؛ ولفظ الجلالة فاعل مؤخر.
قوله تعالى: ﴿مائة﴾ منصوبة على أنها نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه؛ والظرف هي كلمة ﴿عام﴾؛ وهي متعلقة بـ ﴿أماته﴾؛ وقيل: متعلقة بفعل محذوف؛ والتقدير: فأبقاه مائة عام؛ قالوا: لأن الموت لا يتأجل؛ الموت موت؛ ولكن الذي تأجل هو بقاؤه ميتاً مائة عام.
قوله تعالى: ﴿كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يوم قال بل لبثتَ﴾: اختلفت الحركة في التاء باعتبار من ترجع إليه؛ و ﴿كم﴾ مفعول مقدم لـ ﴿لبثت﴾؛ يعني: كم مدة لبثت.
قوله تعالى: ﴿لم يتسنه﴾ فيها قراءتان: ﴿لم يتسنَّه﴾ بالهاء الساكنة؛ و ﴿لم يتسنَّ﴾ بحذفها عند الوصل؛ فالقراءتان تختلفان في حال الوصل؛ لا في حال الوقف؛ في حال الوقف: بالهاء الساكنة على القراءتين: ﴿لم يتسنَّه﴾؛ وفي حال الوصل: بحذف الهاء في قراءة سبعية: ﴿لم يتسنَّ وانظر﴾.
قوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾؛ الواو حرف عطف؛ والمعطوف عليه محذوف دل عليه السياق؛ والتقدير؛ لتعلم قدرة الله، ولنجعلك آية للناس.
стр. 1174
قوله تعالى: ﴿أعلم﴾ بفتح الهمزة على أنه فعل مضارع؛ فالجملة خبرية؛ والقراءة الثانية «اعْلمْ» بهمزة الوصل على أنه فعل أمر؛ وعلى هاتين القراءتين يختلف عود الضمير في ﴿قال﴾؛ فعلى القراءة الأولى مرجعه ﴿الذي مر على قرية﴾؛ وعلى الثانية يرجع إلى الله.
وقد اختلف المفسرون في تعيين القرية، والذي مر بها؛ وهو اختلاف لا طائل تحته؛ إذ لم يثبت فيه شيء عن معصوم؛ والمقصود العبرة بما في هذه القصة - لا تعيين الرجل، ولا القرية - ومثل هذا الذي يأتي مبهماً، ولم يعين عن معصوم، طريقنا فيه أن نبهمه كما أبهمه الله .
قوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية﴾: «القرية» مأخوذة من القَرْي؛ وهي الجمع؛ وتطلق على الناس المجتمعين في البلد؛ وتطلق على البلد نفسها - حسب السياق - فمثلاً في قوله تعالى: ﴿قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية﴾ [العنكبوت: ٣١] المراد بـ «القرية» هنا المساكن؛ لأنه تعالى قال: ﴿أهل هذه القرية﴾؛ وأما في قوله تعالى: ﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة﴾ فالمراد بـ «القرية» هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: ﴿أهلكناها﴾، وقوله تعالى: ﴿وهي ظالمة﴾: وهذا لا يوصف به البلد.
فتبين أن القرية يراد بها أحياناً البلد التي هي محل مجتمع الناس؛ ويراد بها القوم المجتمعون - على حسب السياق؛ وكما قال أولاد يعقوب لأبيهم: ﴿واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها﴾ [يوسف: ٨٢]: فالمراد بـ «القرية» هنا أهلها؛ والدليل قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾؛ لأن السؤال لا يمكن أن يوجه إلى
стр. 1175
القرية التي هي البناء؛ وإذا كانت «القرية» تطلق على أهل القرية بنص القرآن فلا حاجة إلى أن نقول: هذا مجاز أصله: واسأل أهل القرية؛ لأنا رأينا في القرآن الكريم أن «القرية» يراد بها الساكنون.
قوله تعالى: ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ جملة حالية في محل نصب؛ ومعناها أنه ساقط بعضها على بعض ليس فيها ساكن.
قوله تعالى: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؛ ﴿أنى﴾ اسم استفهام للاستبعاد؛ وسياق الآية يرجحه؛ أي أنه استبعد حسب تصوره أن الله يعيد إلى هذه القرية ما كان سابقاً، وقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها؛ وقال بعضهم: إنه للاستعجال، والتمني؛ كأنه يقول: متى يحيي الله هذه القرية بعد موتها وقد كانت بالأمس قرية مزدهرة بالسكان، والتجارة، وغير ذلك؛ فمتى يعود عليها ما كان قبل.
قوله تعالى: ﴿فأماته الله﴾ أي قبض روحه.
قوله تعالى: ﴿مائة﴾ فيها ألف بين الميم، والهمزة؛ والميم مكسورة، والألف عليها دائرة إشارة إلى أن الألف هذه تكتب، ولا ينطق بها؛ وبهذا نعرف خطأ من ينطقون بها: «مَائة» بميم مفتوحة؛ ومن قرأ بها في القرآن فقد لحن لحناً يجب عليه أن يعدله؛ وبعض الكتاب المعاصرين يكتبها بدون ألف كـ «فِئة» يعني: ميم، وهمزة، وتاء؛ وهذا أحسن إلا في رسم المصحف؛ فيتبع الرسم العثماني؛ وإلا إذا أضيف إليها عدد كـ «ثلاثمائة» و «أربعمائة»؛ فتكتب الألف، ولا ينطق بها.
стр. 1176
قوله تعالى: ﴿عام﴾ مشتقة من العوم؛ وهو السباحة؛ لأن الشمس تسبح فيه على الفصول الأربعة؛ وهي الربيع؛ الصيف؛ الخريف؛ الشتاء؛ كل واحد من هذه الفصول له ثلاثة من البروج المذكورة في قوله:
(حملٌ فثور فجوزاء فسرطان فأسد سنبلة ميزان فعقرب قوس فجدي فكذا دلو وذي آخرها الحيتان) هذه اثنا عشر برجاً للفصول الأربعة؛ كل واحد من الفصول له ثلاثة؛ وقيل: إن كلمة ﴿عام﴾ غير مشتقة؛ فهي مثل كلمة «باب» و «ساج» و «سنة»؛ وما أشبه ذلك من الكلمات التي ليس لها اشتقاق؛ وأياً كان فالمعنى معروف.
قوله تعالى: ﴿ثم بعثه﴾ أي أحياه؛ ولعل قائلاً يقول: إن المتوقع أن يقول: «ثم أحياه» ليقابل ﴿أماته﴾؛ لكن «البعث» أبلغ؛ لأن «البعث» فيه سرعة؛ ولهذا نقول: انبعث الغبار بالريح، وما أشبه ذلك من الكلمات الدالة على أن الشيء يأتي بسرعة، واندفاع؛ فهذا الرجل بعثه الله بكلمة واحدة؛ قال مثلاً: «كن حياً»، فكان حياً.
قوله تعالى: ﴿قال كم لبثت﴾؛ القائل هو الله ؛ يعني كم لبثت من مدة؛ والمدة مائة عام.
قوله تعالى: ﴿قال لبثت يوماً أو بعض يوم﴾؛ ﴿أو﴾ للشك؛ قال العلماء: وإنما قال ذلك؛ لأن الله أماته في أول النهار، وأحياه في آخر النهار؛ فقال: لبثت يوماً إن كان هذا هو اليوم الثاني من موته؛ أو بعض يوم إن كان هو اليوم الذي مات فيه.
قوله تعالى: ﴿بل لبثت مائة عام﴾؛ ﴿بل﴾ هذه للإضراب
стр. 1177
الإبطالي؛ يعني لم تلبث يوماً، أو بعض يوم؛ بل لبثت مائة عام.
قوله تعالى: ﴿فانظر﴾ أي بعينك ﴿إلى طعامك﴾: أبهمه الله فلم يبين من أي نوع هو؛ و «الطعام» كل ما له طعم من مأكول، ومشروب؛ لكنه إذا قرن بالشراب صار المراد به المأكول.
قوله تعالى: ﴿وشرابك﴾: لم يبين نوع الشراب؛ ﴿لم يتسنه﴾ أي لم يتغير.
قوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾ أي انظر إليه بعينك؛ فنظر إلى حماره تلوح عظامه ليس فيه لحم، ولا عصب، ولا جلد.
قوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾ أي لنصيِّرك علامة للناس على قدرتنا.
قوله تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها﴾؛ وفي قراءة: «ننشرها» بالراء؛ ﴿ننشزها﴾ بالزاي يعني: نركب بعضها على بعض؛ من النشَز؛ وهو الارتفاع، كقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً﴾ [النساء: ١٢٨]؛ فـ ﴿ننشزها﴾ يعني: نعلي بعضها على بعض؛ فنظر إلى العظام يأتي العظم، ويركب على العظم الثاني في مكانه حتى صار الحمار عظاماً؛ كل عظم منها راكب على الآخر في مكانه، ثم بعد ذلك كسا الله العظام لحماً بعد أن أنشز بعضها ببعض بالعصب؛ أما قراءة «ننشرها» بالراء فمعناها: نحييها؛ لأن العظام قد يبست، وصارت كالرميم ليس فيها أيّ مادة للحياة، ثم أحييت بحيث صارت قابلة لأن يركب بعضها على بعض.
стр. 1178
قوله تعالى: ﴿ثم نكسوها لحماً﴾ أي نسترها باللحم؛ فشاهد ذلك بعينه، فاجتمع عنده آيتان من آيات الله؛ إبقاء ما يتغير على حاله - وهو طعامه، وشرابه؛ وإحياء ما كان ميتاً - وهو حماره.
قوله تعالى: ﴿فلما تبين له﴾ أي تبين لهذا الرجل - الذي مر على القرية، واستبعد أن يحييها الله بعد موتها؛ أو استبطأ أن الله يحييها بعد موتها، وحصل ما حصل من آيات الله بالنسبة له، ولحماره، ولطعامه، وشرابه - تبين له الأمر الذي تحقق به قدرة الله .
قوله تعالى: ﴿قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾؛ وفي قراءة: ﴿اعلم أن الله على كل شيء قدير﴾؛ والفائدة من القراءتين: كأنه أُمر أن يعلم، فعلم، وأقر؛ و «العلم» - كما سبق - هو إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً لما هو عليه؛ وعدم الإدراك هو الجهل البسيط؛ وإدراك الشيء على غير ما هو عليه: هو الجهل المركب؛ وعدم الجزم: شك؛ أو ظن؛ أو وهم؛ فإن تساوى الأمران فهو شك؛ وإن ترجح أحدهما فالراجح ظن؛ والمرجوح وهم.
و «القدرة» صفة تقوم بالقادر بحيث يفعل الفعل بلا عجز؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤]: لما نفى أن يعجزه شيء قال تعالى: ﴿إنه كان عليماً قديراً﴾ فلما نفى العجز، ذكر القدرة، والعلم مقابلها.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: بلاغة القرآن، حيث ينوع الأدلة،
стр. 1179
والبراهين على الأمور العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية﴾؛ فهذه الآية وما قبلها، وما بعدها كلها في سياق قدرة الله على إحياء الموتى.
٢ - ومنها: الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يهتم الإنسان بأعيان أصحاب القصة؛ إذ لو كان هذا من الأمور المهمة لكان الله يبين ذلك: يقول: فلان؛ ويبين القرية.
٣ - ومنها: أن العبرة بالمعاني والمقاصد دون الأشخاص.
٤ - ومنها: إطلاق القرية على المساكن؛ لقوله تعالى: ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ مع أنه يحتمل أن يراد بهذه الآية المساكن، والساكن؛ لأن كونها خاوية على عروشها يدل على أن أهلها أيضاً مفقودون، وأنهم هالكون.
٥ - ومنها: قصور نظر الإنسان، وأنه ينظر إلى الأمور بمعيار المشاهَد المنظور لديه؛ لقول هذا الرجل: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾؛ فكونك ترى أشياء متغيرة لا تستبعد أن الله يزيل هذا التغيير؛ وكم من أشياء قدَّر الناس فيها أنها لن تزول، ثم تزول؛ كم من أناس أمَّلوا دوام الغنى، ودوام الأمن، ودوام السرور، ثم أعقبه ضد ذلك؛ وكم من أناس كانوا على شدة من العيش، والخوف، والهموم، والغموم، ثم أبدلهم الله بضد ذلك.
٦ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا استبعد وقوع الشيء - ولكنه لم يشك في قدرة الله - لا يكفر بهذا.
٧ - ومنها: بيان قدرة الله في إماتة هذا الرجل
стр. 1180
لمدة معينة، ثم إحيائه؛ لقوله تعالى: ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾.
٨ - ومنها: إثبات الكلام لله ، والقول، وأنه بحرف، وصوت مسموع؛ لقوله تعالى: ﴿قال كم لبثت﴾؛ والأولى الأخذ بظاهر القرآن، وأن القائل هو الله .
٩ - ومنها: جواز امتحان العبد في معلوماته؛ لقوله تعالى: ﴿كم لبثت﴾.
١٠ - ومنها: الرد على الأشاعرة الذين قالوا: «إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأن هذه الأصوات التي سمعها موسى، ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - وغيرهما ممن كلمه الله هي أصوات خلقها الله لتعبر عما في نفسه»؛ وأن هذا القول مقتضاه إنكار القول من الله .
١١ - ومنها: بيان حكمة الله، حيث أمات هذا الرجل، ثم بعثه ليتبين له قدرة الله .
١٢ - ومنها: جواز إخبار الإنسان بما يغلب على ظنه، وأنه إذا خالف الواقع لا يعد مخطئاً؛ لقوله تعالى: ﴿قال لبثت يوماً أو بعض يوم﴾ مع أنه لبث مائة عام.
١٣ - ومنها: أن الله قد يمنّ على عبده بأن يريه من آياته ما يزداد به يقينه؛ لقوله تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك ... ﴾ إلخ.
١٤ - ومنها: أن قدرة الله فوق ما هو معتاد من طبيعة الأمور، حيث بقي هذا الطعام والشراب مائة سنة لم يتغير.
١٥ - ومنها: الرد على أهل الطبيعة الذين يقولون: إن السنن الكونية لا تتغير؛ لقوله تعالى: ﴿لم يتسنه﴾: لكون هذا الطعام،
стр. 1181
والشراب لم يتغير لمدة مائة سنة، والرياح تمر به، والشمس، والحر.
١٦ - ومنها: جواز الانتفاع بالحُمُرِ؛ لقوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾.
١٧ - ومنها: ثبوت الملكية فيها: لأن الله أضاف الحمار إلى صاحبه؛ فقال تعالى: ﴿حمارك﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول النبي ﷺ : «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» (١)؛ وإثبات الملكية يقتضي حل الثمن؟
فالجواب: أنها إذا بيعت للأكل فهو حرام؛ لأنه هو المحرم؛ وأما إذا بيعت للانتفاع فهذا حلال؛ لأن الانتفاع بها حلال؛ إذاً فهذا لا يعارض الحديث؛ فإذا اشترى الحمار للأكل فالثمن حرام؛ وإن اشتراه للمنفعة فالمنفعة حلال، وثمنها حلال.
١٨ - ومن فوائد الآية: أن الله يحدث للعبد ما يكون عبرة لغيره؛ لقوله تعالى: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾؛ ومثل ذلك قوله تعالى في عيسى بن مريم، وأمه: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين﴾ [الأنبياء: ٩١].
١٩ - ومنها: أنه ينبغي التفكر فيما خلقه الله ، وأحدثه في الكون؛ لأن ذلك يزيد الإيمان، حيث إن هذا الشيء آية من آيات الله.
стр. 1182
٢٠ - ومنها: أنه ينبغي النظر إلى الآيات على وجه الإجمال، والتفصيل؛ لقوله تعالى: ﴿وانظر إلى حمارك﴾: مطلق؛ ثم قال تعالى: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ... ﴾ إلخ؛ فيقتضي أن نتأمل أولاً في الكون من حيث العموم، ثم من حيث التفصيل؛ فإن ذلك أيضاً يزيدنا في الإيمان.
٢١ - ومنها: أن الله جعل اللحم على العظام كالكسوة؛ بل هو كسوة في الواقع؛ لقوله تعالى: ﴿ثم نكسوها لحماً﴾، وقال تعالى: ﴿فكسونا العظام لحماً﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ ولهذا تجد اللحم يقي العظام من الكسر والضرر؛ لأن الضرر في العظام أشد من الضرر في اللحم.
٢٢ - ومنها: أن الإنسان بالتدبر، والتأمل، والنظر يتبين له من آيات الله ما لا يتبين لو غفل؛ لقوله تعالى: ﴿فلما تبين له ... ﴾ إلخ.
٢٣ - ومنها: بيان عموم قدرة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿على كل شيء قدير﴾.
٢٤ - ومنها: الرد على القدرية؛ لقوله تعالى: ﴿على كل شيء قدير﴾؛ لأن من الأشياء فعل العبد؛ والله قادر على فعل العبد؛ وعند القدرية المعتزلة أن الله ليس بقادر على أفعال العبد؛ لأن العبد عندهم مستقل خالق لفعله، وأن الله لم يخلق أفعاله.
٢٥ - ومنها: الرد على منكري قيام الأفعال الاختيارية بالله ؛ لقوله تعالى: ﴿فأماته الله ... ثم بعثه﴾؛ وهذه أفعال متعلقة بمشيئته، واختياره: متى شاء فعل، ومتى شاء لم يفعل؛
стр. 1183
متى شاء خلق، ومتى شاء أمات؛ ومتى شاء أذل، متى شاء أعز.
٢٦ - ومنها: أن كلام الله بحروف، وأصوات مسموعة؛ لقوله تعالى: ﴿كم لبثت﴾، وقوله تعالى: ﴿بل لبثت مائة عام﴾؛ فإن مقول القول حروف بصوت سمعه المخاطَب، وأجاب عليه بقوله: ﴿لبثت يوماً أو بعض يوم﴾؛ ولكن الصوت المسموع من كلام الله ليس كصوت المخلوقين؛ الحروف هي الحروف التي يعبر بها الناس؛ لكن الصوت: لا؛ لأن الصوت صفة الرب ؛ والله يقول: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
٢٧ - ومنها: أنه يلزم من النظر في الآيات العلم، واليقين؛ لقوله تعالى: ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾.
٢٨ - ومنها: أنه يمكن الرد على الجبرية على قراءة: «اعلم»؛ لأنه لو كان الإنسان مجبوراً لكان توجه الخطاب إليه بالأمر والتكليف، لغواً وعبثاً.
٢٩ - ومنها: ثبوت كرامات الأولياء؛ وهي كل أمر خارق للعادة يجريه الله على يد أحد أوليائه تكريماً له، وشهادةً بصدق الشريعة التي كان عليها؛ ولهذا قيل: كل كرامة لوليّ فهي آية للنبي الذي اتبعه؛ و «الولي» كل مؤمن تقي؛ لقوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
٣٠ - ومنها: وجوب العلم بأن الله على كل شيء قدير.
стр. 1184
القرآن
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة: ٢٦٠)
التفسير:
في ﴿إبراهيم﴾ قراءتان؛ ﴿إبراهيم﴾ بكسر الهاء، وياء بعدها؛ و ﴿إبراهام﴾ بفتح الهاء، وألف بعدها؛ وكذلك في ﴿أرني﴾ قراءتان: ﴿أرِني﴾ بكسر الراء؛ و ﴿أرْني﴾ بسكونها؛ وفي ﴿فصرهن﴾ قراءتان أيضاً: ﴿فصُرهن﴾ بضم الصاد؛ و ﴿فصِرهن﴾ بكسرها؛ وفي ﴿جزءاً﴾ قراءتان أيضاً: ﴿جزْءاً﴾ بسكون الزاي؛ و ﴿جزُءاً﴾ بضمها؛ وكل هذه القراءات سبعية.
﴿٢٦٠﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني﴾ ﴿إذ﴾: مفعول فعل محذوف؛ والتقدير: اذكر إذ قال؛ و ﴿أرني﴾: الرؤية هنا بصرية، فتنصب مفعولاً واحد؛ لكن لما دخلت عليها همزة التعدية صارت تنصب مفعولين؛ الأول: الياء؛ والثاني: جملة: ﴿كيف تحيي الموتى﴾.
قوله تعالى: ﴿أو لم تؤمن﴾ فيها إعرابان مشهوران؛ أحدهما: أن الهمزة دخلت على مقدر عُطف عليها قوله تعالى: ﴿ولم تؤمن﴾؛ وهذا المقدر يكون بحسب السياق؛ وعلى هذا فالهمزة في محلها؛ الثاني: أن الواو حرف عطف على ما سبق؛ والهمزة للاستفهام؛ وأصل محلها بعد الواو؛ والتقدير: «وألم تؤمن»؛ والثاني أسهل، وأسلم؛ لأن الإنسان ربما يقدر فعلاً ليس
стр. 1185
هو المراد؛ وأسهل؛ لئلا يُتعب الإنسان نفسه في طلب فعل يكون مناسباً.
قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم﴾؛ إبراهيم ﷺ هو الأب الثالث للأنبياء؛ فالأول: آدم؛ والثاني: نوح؛ والثالث: إبراهيم، كما قال الله : ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى في نوح: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات: ٧٧]؛ وآدم معلوم أنه أبو البشر: قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ [الأعراف: ٢٦].
قوله تعالى: ﴿رب﴾: منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة؛ وحرف النداء محذوف للعلم به.
قوله تعالى: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾ أي اجعلني أنظر، وأرى بعيني؛ والسؤال هنا عن الكيفية لا عن الإمكان؛ لأن إبراهيم لم يشك في القدرة؛ ولا عن معنى الإحياء؛ لأن معنى الإحياء عنده معلوم؛ لكن أراد أن يعلم الكيفية: كيف يحيي الله الموتى بعد أن أماتهم، وصاروا تراباً وعظاماً.
وقوله تعالى: ﴿الموتى﴾: هل مراد إبراهيم ﷺ أيّ موتى يكونون؛ أو أن المراد به الموتى من بني آدم، فضرب الله له مثلاً بالطيور الأربعة؟ إذا نظرنا إلى لفظ ﴿الموتى﴾ وجدناه عاماً؛ يعني أيّ شيء يحييه الله أمامه فقد أراه؛ فيترجح الاحتمال الأول.
قوله تعالى: ﴿قال أو لم تؤمن﴾: هذا الاستفهام للتقرير؛ وليس للإنكار، ولا للنفي؛ فهو كقوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ [الشرح: ١]؛ يعني: قد شرحنا لك؛ فمعنى ﴿أو لم
стр. 1186
تؤمن﴾: ألست قد آمنت؛ لتقرير إيمان إبراهيم ﷺ .
وقد فسر كثير من الناس الإيمان في اللغة بـ «التصديق»؛ وهذا التفسير ليس بدقيق؛ لكنه تفسير بما يقارب؛ كتفسيرهم «الريب» بالشك؛ وتفسيرهم «الرهن» بالحبس؛ وتفسير قوله تعالى: ﴿أن تبسل نفس﴾ [الأنعام: ٧٠] أي تحبس؛ وما أشبه ذلك مما يفسرونه بالمعنى المقارِب الذي يَقرُب للفهم؛ وإلا فإن بين الإيمان، والتصديق فرقاً؛ وقد سبق بيان ذلك.
قوله تعالى: ﴿بلى﴾ حرف يجاب بها النفي المقرون بالاستفهام لإثباته؛ فإذا قلت: ألست حاضراً معنا في الدرس؟ فالجواب: «بلى» - إن كنت حاضراً؛ و «نعم» - إن لم تكن حاضراً.
قوله تعالى: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ أي ليزداد طمأنينة؛ وإلا فقد كان مطمئناً؛ و «الطمأنينة» هي الاستقرار، كما قال النبي ﷺ : «اركع حتى تطمئن راكعاً ... اسجد حتى تطمئن ساجداً» (١)، أي تستقر؛ فأراه الله الآية: قال تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً﴾.
قوله تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير﴾: لم يعينها الله ؛ ولهذا تعتبر محاولة تعيينهن لا فائدة منها؛ لأنه لا يهمنا أكانت هذه الطيور إوَزًّا، أم حماماً، أم غرباناً، أم أيَّ نوع من
стр. 1187
أنواع الطيور؛ لأن الله لم يبينها لنا؛ ولو كان في تبيينها فائدة لبيَّنها الله .
قوله تعالى: ﴿فصرهن إليك﴾ بكسر الصاد من صار يصير؛ وبضمها من صار يصور؛ أي أملهن إليك؛ و «الصُّور» الميل؛ ومنه الرجل الأصور - التي مالت عينه إلى جانب من جفنه؛ ويسمى «الأحول»؛ فمعنى ﴿صرهن﴾ أي أملهن، واضممهن إليك.
قوله تعالى: ﴿ثم اجعل على كل جبل﴾، أي من الجبال التي حولك ﴿منهن جزءاً﴾ أي من مجموعهن؛ والله أعلم بالحكمة من تعيين العدد، والجبال.
قوله تعالى: ﴿ثم ادعهن﴾؛ ففعل ﵊ فجمع الأربعة، وذبحهن، وقطعهن أجزاءً، وجعل على كل جبل جزءاً؛ ثم دعاهن فأقبلن.
قوله تعالى: ﴿يأتينك سعياً﴾ قيل: إنها جواب لفعل الأمر في قوله تعالى: ﴿ادعهن﴾؛ وقيل: إنها جواب لفعل شرط مقدر؛ والتقدير: «إن تدعهن يأتينك»؛ فعلى القول الأول يكون جواباً لقوله: ﴿ادعهن﴾؛ لأن من لازم أمر الله إياه بدعائهن أن يدعوَهن؛ فكأن الشرط معلوم من الأمر؛ وعلى القول الثاني لا إشكال إذا جعلت ﴿يأتينك﴾ جواباً لفعل شرط محذوف - يعني: إن تدعهن يأتينك؛ و ﴿يأتينك﴾ مبنية على السكون في محل جزم؛ وإنما بنيت على السكون لاتصالها بنون النسوة.
وقوله تعالى: ﴿سعياً﴾ مصدر؛ لكن هل هو مصدر عامله محذوف، والتقدير: يسعَين سعياً؛ أو هو مصدر في موضع الحال، فيكون بمعنى: ساعيات؟ يحتمل هذا، وهذا؛ والثاني
стр. 1188
أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير؛ والقاعدة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام محذوفاً منه، أو غير محذوف فهو غير محذوف منه.
وقوله تعالى: ﴿سعياً﴾؛ هل نفسر السعي في كل موضع بحسبه؛ أو نقول: سعياً على الأرجل؟ في هذا قولان للمفسرين؛ أحدهما أن السعي هنا بمعنى الطيران؛ فالمعنى: يأتينك طيراناً لا نقص فيهن؛ لأن سعي كل شيء بحسبه؛ وسعي الطيور هو الطيران؛ الثاني: أن المراد بالسعي المشي بسرعة على الأرجل؛ ولكن الأولى - فيما يظهر لنا - هو الطيران؛ لأن كونهن يمشين على الأرجل لا يدل على كمالهن؛ إذ إن الطائر إذا كُسر جناحه صار يمشي؛ لكن كونهن يطرن أبلغ؛ لأنه كأنهن أتين على أكمل الحياة، والوجوه.
قوله تعالى: ﴿واعلم أن الله عزيز حكيم﴾: الخطاب لإبراهيم ﷺ ؛ فإذا علمت ذلك علمت كمالَ قدرته لكمال عزته، وكمالَ حكمته؛ لأنه حكيم؛ والله يقرن كثيراً بين هذين الاسمين: «العزيز» و «الحكيم»؛ لأن العزيز من المخلوقين قد تفوته الحكمة لعزته: يرى نفسه عزيزاً غالباً، فيتهور في تصرفاته، ويتصرف بدون حكمة؛ والحكيم من المخلوقين قد لا يكون عزيزاً؛ فإذا اقترنت حكمته بعزة صار له سلطان وقوة، ولم تفته الأمور؛ فجمع الله لنفسه بين العزة، والحكمة؛ وسبق الكلام عليهما مفصلاً.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن التوسل إلى الله بربوبيته من آداب
стр. 1189
الدعاء التي يتوسل بها الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿رب﴾؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية؛ إذ إنه فعل؛ وكل ما يتعلق بأفعال الرب فهو من مقتضيات الربوبية؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ حين ذكر الرجل يطيل السفر يمد يديه إلى السماء: «يقول: يا رب! يا رب!» (١)؛ ولو تأملت أكثر أدعية القرآن لوجدتها مصدرة بـ «الرب»؛ لأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية.
٢ - ومنها: أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه، لقوله تعالى: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾؛ لأنه إذا رأى بعينه ازداد يقينه.
٣ - ومنها: أن عين اليقين أقوى من خبر اليقين؛ لقوله تعالى: ﴿أرني كيف تحيي الموتى﴾؛ لأن إبراهيم ﵇ عنده خبر اليقين بأن الله قادر؛ لكن يريد عين اليقين؛ ولهذا جاء في الحديث: «ليس الخبر كالمعاينة» (٢)؛ وقد ذكر العلماء أن اليقين ثلاث درجات: علم؛ وعين؛ وحق؛ كلها موجودة في القرآن؛ مثال «علم اليقين» قوله تعالى: ﴿كلا لو تعلمون علم
стр. 1190
اليقين﴾ [التكاثر: ٥]؛ ومثال «عين اليقين» قوله تعالى: ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾ [التكاثر: ٧]؛ ومثال «حق اليقين» قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ [الواقعة: ٥٦]؛ نضرب مثالاً يوضح الأمر: قلت: إن معي تفاحة حلوة - وأنا عندك ثقة؛ فهذا علم اليقين: فإنك علمت الآن أن معي تفاحة حلوة؛ فأخرجتُها من جيبي، وقلت: هذه التفاحة؛ فهذا عين اليقين؛ ثم أعطيتك إياها، وأكلتَها وإذا هي حلوة؛ هذا حق اليقين.
٤ - ومن فوائد الآية: إثبات أفعال الله الاختيارية؛ بمعنى أن الله له أفعال تتعلق بمشيئته؛ لقوله تعالى: ﴿تحيي الموتى﴾.
٥ - ومنها: تمام قدرة الله بإحياء الموتى؛ وقد قرر الله ذلك في آيات كثيرة.
٦ - ومنها: إثبات الكلام لله ؛ لقوله تعالى: ﴿قال أو لم تؤمن﴾، وقوله تعالى: ﴿قال فخذ أربعة﴾؛ والله ؛ يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء؛ بما شاء: من القول؛ متى شاء: في الزمن؛ كيف شاء: في الكيفية.
٧ - ومنها: أن كلام الله بحروف، وأصوات مسموعة؛ لوقوع التحاور بين الله ، وإبراهيم ﷺ .
٨ - ومنها: إثبات أن إبراهيم مؤمن بقدرة الله على إحياء الموتى؛ لقوله تعالى: ﴿قال أو لم تؤمن قال بلى﴾؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (١)؛ فأثبت شكاً
стр. 1191
فينا، وفي إبراهيم، وأننا أحق بالشك من إبراهيم؟ فالجواب أن الحديث لا يراد به هذا المعنى؛ لأن هذا معنًى يخالف الواقع؛ فليس عند الرسول ﷺ شك في إحياء الموتى؛ وإنما المعنى أن إبراهيم لم يشك؛ فلو قدر أنه يشك فنحن أحق بالشك منه؛ وما دام الشك منتفياً في حقنا فهو في حقه أشد انتفاءً؛ فإذا عُلم أننا الآن نؤمن بأنه تعالى هو القادر، فإبراهيم أولى منا بالإيمان بذلك؛ هذا هو معنى الحديث، ولا يحتمل غيره؛ فإن قلت: لا زال هنا إشكال؛ وهو: هل إبراهيم أكمل إيماناً من محمد ﷺ ؟ فالجواب: لا؛ ولكن قاله ﷺ على سبيل التواضع؛ ولهذا قرن بينه وبين قوله ﷺ : «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» (١)؛
فيوسف بقي في السجن بضع سنين، وجاءه رسول الملك يدعوه؛ فقال له: لا أخرج، ﴿ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن﴾ [يوسف: ٥٠]؛ مع أن غيره لو حبس سبع سنين، وقالوا له: «اخرج»، فإنه يخرج؛ هذا مقتضى الطبيعة؛ لكن يوسف ﵊ كان حليماً حازماً؛ قال: لا أخرج حتى تظهر براءتي كاملة؛ فتبين من هذا أنه لا يلزم من قول الرسول ﷺ هذا أن يكون إبراهيم أقوى إيماناً.
٩ - ومن فوائد الآية: إثبات زيادة الإيمان في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾؛ ففيه رد على من قال: إن
стр. 1192
الإيمان لا يزيد، ولا ينقص؛ ولا ريب أن هذا القول ضعيف؛ لأن الواقع يكذبه؛ والنصوص تكذبه أيضاً: ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ [الفتح: ٤]، وقال تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون﴾ [التوبة: ١٢٤]؛ وفي السنة: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» (١)؛ فالإيمان يزيد كمية، وكيفية؛ فمثال زيادة الكمية: أن الذي يسبح عشراً أزيد إيماناً من الذي يسبح خمساً؛ والذي يصلي عشر ركعات أزيد إيماناً من الذي يصلي ستاً؛ وأما زيادة الكيفية فمثالها: رجل صلى ركعتين بطمأنينة، وخشوع، وتأمل فإيمانه أزيد ممن صلاهما بسرعة؛ كذلك يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب: كلما كثرت الآيات لدى الإنسان فلا شك أن إيمانه يزداد قوة، ورسوخاً؛ اقرأ قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] أي على طرَف ﴿فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج: ١١]: هذا إيمانه ضعيف مهزوز: إن لم تأته فتنة فهو مستقر؛ وإن أتته فتنة - شبهة، أو شهوة - انقلب على وجهه؛ فمثلاً نحن الآن في المملكة العربية السعودية ليس عندنا - ولله الحمد - أحد يعارضنا في العقيدة؛ فليس عندنا معتزلة، ولا جهمية، ولا جبرية ... ،
فنحن ثابتون على الفطرة؛ ولكن لو يبتلى الإنسان، فيأتيه واحد من عفاريت الإنس جيد في المجادلة، والمحاجة من المعتزلة لأوشك أن يؤثر عليه، وينقله إذا لم يكن لديه رسوخ في العلم، والإيمان؛ كذلك لو أن إنساناً عنده إيمان لكن تعرضت له امرأة ذات منصب، وجمال، وأغرته حتى وقع في الفاحشة؛ وإنسان آخر تعرضت له
стр. 1193
هذه المرأة فقال: «إني أخاف الله» تجد الفرق بينهما؛ فالمهم أن القول الراجح الذي لا شك فيه، والذي تدل عليه الأدلة السمعية، والواقعية أن الإيمان يزيد، وينقص.
١٠ - ومن فوائد الآية: جواز الاقتصار في الجواب على الحرف الدال عليه؛ لقوله تعالى: ﴿بلى﴾؛ وعليه فلو قيل للرجل: ألم تطلق زوجتك؟ فقال: «بلى»: طلقت؛ ولو قيل للرجل عند عقد النكاح: أقبلت النكاح، وقال: «نعم» انعقد النكاح؛ لأن حرف الجواب يغني عن ذكر الجملة.
١١ - ومنها: امتنان الله على العبد بما يزداد به إيمانه، لقوله تعالى: ﴿فخذ أربعة من الطير ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يأتينك سعياً﴾.
١٢ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «العزيز» و «الحكيم»؛ وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي العزة، والحكمة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا عكس؛ يعني: ليس كل صفة يؤخذ منها اسم؛ لكن كل اسم يؤخذ منه صفة؛ لأن أسماء الله أعلام، وأوصاف؛ فكل اسم من أسمائه متضمن للصفة التي دل عليها اشتقاقه، أو لوازمها.
القرآن
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٦١)
стр. 1194
التفسير:
﴿٢٦١﴾ قوله تعالى: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾؛ يطلق المثل على الشبه؛ ويطلق على الصفة؛ فإن ذكر مماثل، فالمراد به الشبه؛ وإلا فالمراد به الصفة؛ ففي قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن ... ﴾ [محمد: ١٥] المراد بالمثل الصفة؛ لأنه لم يذكر المماثل؛ أما إذا قيل: «مثَل هذا كمثَل هذا» فهذا يعني الشبه، كقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ... ﴾ [البقرة: ١٧]، وكما في هذه الآية: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة﴾ فهذا المراد به الشبه؛ يعني شبه هؤلاء كشبه هذا الشيء؛ والذي يظهر من الآية أنه لا يوجد فيها مطابقة بين الممثل، والممثل به؛ لأن «الممثل» هو العامل؛ و «الممثل به» هو العمل؛ فالحبة ليست بإزاء المنفِق؛ لكنها بإزاء المنفَق؛ والذي يكون بإزاء المنفِق زارعَ الحبة؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الآية فيها تقدير: إما في المبتدأ؛ وإما في الخبر: فإما أن يقدر: مثل عمل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة؛ أو يقدر: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل زارع حبة أنبتت سبع سنابل؛ والحكمة من هذا الطيّ أن يكون المثل صالحاً للتمثيل بالعامل، والتمثيل بالعمل؛ وهذا من بلاغة القرآن؛ و «الإنفاق» معناه البذل؛ و «أموال» جمع مال؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من أعيان، أو منافع؛ الأعيان كالدراهم، والدنانير، والسيارات، والدور، وما أشبه ذلك؛ والمنافع كمنافع العين المستأجرة؛ فإن المستأجر مالك للمنفعة.
وقوله تعالى: ﴿في سبيل الله﴾؛ «سبيل» بمعنى طريق؛ وسبيل الله هو شرعه؛ لأنه يهدي إليه، ويوصل
стр. 1195
إليه؛ قال الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ وأضيف إلى الله لسببين؛ السبب الأول: أنه هو الذي وضعه لعباده، وشرعه لهم؛ والسبب الثاني: أنه موصل إليه؛ ويضاف «السبيل» أحياناً إلى سالك السبيل؛ فيقال: سبيل المؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١١٥]؛ ولا تناقض بينهما؛ لأنه يضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم هم الذين سلكوه؛ وإلى الله باعتبار أنه الذي شرعه، وأنه موصل إليه.
قوله تعالى: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾؛ حبة بذرها إنسان، فأنبتت سبع سنابل ﴿في كل سنبلة مائة حبة﴾؛ فتكون الجميع سبعمائة؛ فالحسنة إذاً في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبعمائة؛ وهذا ليس حدّاً.
قوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ أي يزيد ثواباً لمن يشاء حسب ما تقتضيه حكمته.
قوله تعالى: ﴿والله واسع﴾ أي ذو سعة في جميع صفاته؛ فهو واسع العلم، والقدرة، والرحمة، والمغفرة، وغير ذلك من صفاته؛ فإنها صفات واسعة عظيمة عليا؛ و ﴿عليم﴾ أي ذو علم - وهو واسع فيه - وعلمه شامل لكل شيء جملة، وتفصيلاً؛ حاضراً، ومستقبلاً، وماضياً.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: ضرب الأمثال؛ وهو تشبيه المعقول بالمحسوس؛ لأن ذلك أقرب إلى الفهم.