← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

الذي لا يعرف كيف يتصرف؛ وهذا قول كثير من المتأخرين؛ وقالوا: إن يوم القيامة هنا ليس له ذكر؛ ولكن الله شبَّه حالهم حين طلبهم الربا بحال المصروع من سوء التصرف؛ وكلما كان الإنسان أشد فقراً كانوا له أشد ظلماً؛ فيكثرون عليه الظلم لفقره؛ بينما حاله تقتضي الرأفة، والتخفيف؛ لكن هؤلاء ظلمة ليس همهم إلا أكل أموال الناس. فاختلف المفسرون في معنى «القيام»، ومتى يكون؛ لكنهم لم يختلفوا في قوله تعالى: ﴿يتخبطه الشيطان من المس﴾؛ يعني متفقين على أن الشيطان يتخبط الإنسان؛ و ﴿من المس﴾ أي بالمس بالجنون؛ وهذا أمر مشاهد: أن الشيطان يصرع بني آدم؛ وربما يقتله - نسأل الله العافية -؛ يصرعه، ويبدأ يتخبط، ويتكلم، والإنسان نفسه لا يتكلم - يتكلم الشيطان الذي صرعه. قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾: المشار إليه قيامهم كقيام المصروع؛ ﴿بأنهم قالوا ... ﴾ إلخ: الباء للسببية؛ يعني أنهم عُمّي عليهم الفرق بين البيع، والربا؛ أو أنهم كابروا فألحقوا الربا بالبيع؛ ولذلك عكسوا التشبيه، فقالوا: إنما البيع مثل الربا، ولم يقولوا: «إنما الربا مثل البيع»، كما هو مقتضى الحال. قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ أي أباح البيع، ومنع الربا؛ وهذا رد لقولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾؛ فأبطل الله هذه الشبهة بما ذكر. قوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ أي من بلغه حكم الربا بعد أن تعامل به ﴿فانتهى﴾ أي كف عن الربا بالتوبة منه

стр. 1262

﴿فله ما سلف﴾، أي ما أخذه من الربا قبل العلم بالحكم. قوله تعالى: ﴿وأمره إلى الله﴾ أي شأنه إلى الله ﵎ في الآخرة؛ ﴿ومن عاد﴾ أي ومن رجع إلى الربا بعد أن أتته الموعظة ﴿فأولئك﴾: أتى باسم الإشارة الدال على البعد؛ وذلك لسفوله - أي هوى بعيداً؛ ﴿أصحاب النار﴾ أي أهلها الملازمون لها؛ وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: التحذير من الربا، حيث شبه آكله بمن يتخبطه الشيطان من المس. ٢ - ومنها: أن من تعامل بالربا فإنه يصاب بالنهمة العظيمة في طلبه. ٣ - ومنها: أن الشيطان يتخبط بني آدم فيصرعه؛ ولا عبرة بقول من أنكر ذلك من المعتزلة، وغيرهم؛ وقد جاءت السنة بإثبات ذلك؛ والواقع شاهد به؛ وقد قسم ابن القيم ﵀ في زاد المعاد الصرع إلى قسمين: صرع بتشنج الأعصاب؛ وهذا يدركه الأطباء، ويقرونه، ويعالجونه بما عندهم من الأدوية، والثاني: صرع من الشيطان؛ وذلك لا علم للأطباء به؛ ولا يعالج إلا بالأدوية الشرعية كقراءة القرآن، والأدعية النبوية الواردة في ذلك. ٤ - ومن فوائد الآية: بيان علة قيام المرابين كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ وهي: ﴿أنهم قالوا إنما البيع مثل الربا﴾ يعني: فإذا كان مثله فلا حرج علينا في طلبه. ٥ - ومنها: مبالغة أهل الباطل في ترويج باطلهم؛ لأنهم

стр. 1263

جعلوا المقيس هو المقيس عليه؛ لقولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾؛ وكان مقتضى الحال أن يقولوا: إنما الربا مثل البيع. ٦ - ومنها: أن الحكم لله ﵎ وحده؛ فما أحله فهو حلال؛ وما حرمه فهو حرام سواء علمنا الحكمة في ذلك، أم لم نعلم؛ لأنه تعالى رد قولهم: ﴿إنما البيع مثل الربا﴾ بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾؛ فكأنه قال: ليس الأمر إليكم؛ وإنما هو إلى الله. ٧ - ومنها: أن بين الربا والبيع فرقاً أوجب اختلافهما في الحكم؛ فإنا نعلم أن الله تعالى لا يفرق بين شيئين في الحكم إلا وبينهما فرق في العلة، والسبب المقتضي لاختلافهما؛ لقوله تعالى: ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ [التين: ٨]، وقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾ [المائدة: ٥٠]. ٨ - ومنها: أن ما أخذه الإنسان من الربا قبل العلم فهو حلال له بشرط أن يتوب، وينتهي؛ لقوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾. ٩ - ومنها: أنه لو تاب من الربا قبل أن يقبضه فإنه يجب إسقاطه؛ لقوله تعالى: ﴿فانتهى﴾؛ ومن أخذه بعد العلم فإنه لم ينته؛ ولهذا قال النبي ﷺ في عرفة في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع؛ وأول رباً أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله» (١)؛ فبين ﷺ أن ما لم يؤخذ من الربا فإنه موضوع.

стр. 1264

١٠ - ومنها: رأفة الله تعالى بمن شاء من عباده؛ لقوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى﴾؛ وهذه ربوبية خاصة تستلزم توفيق العبد للتوبة حتى ينتهي عما حرم الله عليه. ١١ - ومنها: التحذير من الرجوع إلى الربا بعد الموعظة؛ لقوله تعالى: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. ١٢ - ومنها: التخويف من التفاؤل البعيد لمن تاب من الربا؛ لأنه تعالى قال: ﴿فله ما سلف وأمره إلى الله﴾؛ يعني أن الإنسان يتفاءل، ويؤمل؛ لأن الأمر قد لا يكون على حسب تفاؤله. ١٣ - ومنها: بيان عظم الربا؛ لقوله تعالى: ﴿ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾. القرآن (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة: ٢٧٦) التفسير: ﴿٢٧٦﴾ قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾؛ «المحق» بمعنى الإزالة؛ أي يزيل الربا؛ والإزالة يحتمل أن تكون إزالة حسية، أو إزالة معنوية، فالإزالة الحسية: أن يسلط الله على مال المرابي ما يتلفه؛ والمعنوية: أن يَنزع منه البركة. قوله تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ أي يزيدها: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. قوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾؛ إذا نفى الله

стр. 1265

تعالى المحبة فالمراد إثبات ضدها - وهي الكراهة؛ و «الكَفّار» كثير الكفر، أو عظيم الكفر؛ و «الأثيم» بمعنى الآثم، كالسميع بمعنى السامع، والبصير بمعنى الباصر، وما أشبه ذلك. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: محق الربا: إما حساً، وإما معنًى، كما سبق. ٢ - ومنها: التحذير من الربا، وسد أبواب الطمع أمام المرابين. ٣ - ومنها: أن الله يرْبي الصدقات - أي يزيدها؛ والزيادة إما أن تكون حسية؛ وإما أن تكون معنوية؛ فإن كانت حسية فبالكمية، مثل أن ينفق عشرة، فيخلف الله عليه عشرين؛ وأما المعنوية فأن يُنْزل الله البركة في ماله. ٤ - ومنها: مقابلة الضد بالضد؛ فكما أن الربا يُمحَق، ويزال؛ فالصدقة تزيد المال، وتنميه؛ لأن الربا ظلم، والصدقة إحسان. ٥ - ومنها: إثبات المحبة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾؛ ووجه الدلالة أن نفي المحبة عن الموصوف بالكفر، والإثم يدل على إثباتها لمن لم يتصف بذلك - أي لمن كان مؤمناً مطيعاً؛ ولولا ذلك لكان نفي المحبة عن «الكفار الأثيم» لغواً من القول لا فائدة منه؛ ولهذا استدل الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطففين: ١٥] على أن الأبرار يرون الله ؛ لأنه لما حجب الفجار عن رؤيته في حال الغضب دل على ثبوتها

стр. 1266

للأبرار في حال الرضا؛ وهذا استدلال خفي جيد؛ والمحبة الثابتة لله هي محبة حقيقية تليق بجلاله، وعظمته؛ وليست - كما قال أهل التعطيل - إرادة الثواب، أو الثواب؛ لأن إرادة الثواب ناشئة عن المحبة؛ وليست هي المحبة؛ وهذه القاعدة - أعني إجراء النصوص على ظاهرها في باب صفات الله - اتفق عليها علماء السلف، وأهل السنة والجماعة؛ لأن ما يتحدث الله به عن نفسه أمور غيبية يجب علينا الاقتصار فيها على ما ورد. القرآن (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: ٢٧٧) التفسير: ﴿٢٧٧﴾ قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به؛ ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات؛ وهي المبنية على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ ؛ ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أي أتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وعطْفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام؛ لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونُص عليها لأهميتها؛ ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي أعطوا الزكاة مستحقها؛ وعلى هذا فتكون ﴿الزكاة﴾ مفعولاً أولاً بـ ﴿آتوا﴾؛ والمفعول الثاني محذوف - أي آتوا الزكاة مستحقها؛ و «الزكاة» هي النصيب الذي أوجبه الله في الأموال الزكوية؛ وهو معروف في كتب الفقه.

стр. 1267

قوله تعالى: ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾ أي لهم ثوابهم عند الله؛ والجملة هذه خبر ﴿إن﴾ في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ... ﴾. قوله تعالى: ﴿ولا خوف عليهم﴾ أي فيما يستقبل من أمرهم؛ ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي فيما مضى من أمرهم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الحث على الإيمان، والعمل الصالح؛ لأن ذكر الثواب يستلزم التشجيع، والحث، والإغراء. ٢ - ومنها: أنه لابد مع الإيمان من العمل الصالح؛ فمجرد الإيمان لا ينفع العبد حتى يقوم بواجبه - أي واجب الإيمان: وهو العمل الصالح. ٣ - ومنها: أن العمل لا يفيد حتى يكون صالحاً؛ والصلاح أن ينبني العمل على أمرين: الإخلاص لله وضده الشرك؛ والمتابعة - وضدها البدعة؛ فمن أخلص لله في شيء، ولكنه أتى بعمل مبتدع لم يقبل منه؛ ومن أتى بعمل مشروع لكن خلطه بالشرك لم يقبل منه؛ وأدلة هذا معروفة. ٤ - ومنها: بيان أهمية إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. ٥ - ومنها: أن هذين الركنين - أعني إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة - أعلى أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ للنص عليهما من بين سائر الأعمال الصالحة. ٦ - ومنها: أن الله ضمن الأجر لمن آمن، وعمل صالحاً، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿لهم أجرهم عند ربهم﴾.

стр. 1268

٧ - ومنها: الإشارة إلى عظمة هذا الثواب؛ لأنه أضافه إلى نفسه ﵎ والمضاف إلى العظيم يكون عظيماً. ٨ - ومنها: أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع - الإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة - ليس عليهم خوف من مستقبل أمرهم؛ ولا حزن فيما مضى من أمرهم؛ لأنهم فعلوا ما به الأمن التام، كما قال الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: ٨٢]. القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٢٧٨) التفسير: ﴿٢٧٨﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾: الجملة ندائية؛ فائدتها: تنبيه المخاطب. قوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾ أي اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه. قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ أي اتركوا ما بقي من الربا. قوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾: هذا من باب الإغراء، والحث على الامتثال؛ يعني: إن كنتم مؤمنين حقاً فدعوا ما بقي من

стр. 1269

الربا؛ وهذه الجملة يقصد بها الإغراء، والإثارة - أعني إثارة الهمة. فإن قلت: كيف يوجِّه الخطاب للمؤمنين، ويقول: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ أفلا يكون في هذا تناقض؟ فالجواب: ليس هنا تناقض؛ لأن معنى الثانية التحدي؛ أي إن كنتم صادقين في إيمانكم فاتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بلوغ القرآن أكمل البلاغة؛ لأن الكلام في القرآن يأتي دائماً مطابقاً لمقتضى الحال؛ فإذا كان الشيء مهماً أحاطه بالكلمات التي تجعل النفوس قابلة له؛ وهذا أكمل ما يكون من البلاغة. ٢ - ومنها: أنه إذا كان الشيء هاماً فإنه ينبغي أن يصَدَّر بما يفيد التنبيه من نداء، أو غيره. ٣ - ومنها: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾؛ و «التقوى» وصية الله لعباده الأولين، والآخرين؛ قال الله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء: ١٣١]. ٤ - ومنها: وجوب ترك الربا - وإن كان قد تم العقد عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾؛ وهذا في عقد استوفي بعضه، وبقي بعضه. ٥ - ومنها: أنه لا يجوز تنفيذ العقود المحرمة في الإسلام - وإن عقدت في حال الشرك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾، ولقول النبي ﷺ في خطبته في عرفة عام حجة الوداع: «وربا الجاهلية موضوع؛ وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن

стр. 1270

عبد المطلب فإنه موضوع كله» (١)؛ ولكن يجب أن نعلم أن العقود التي مضت في الكفر على وجه باطل، وزال سبب البطلان قبل الإسلام فإنها تبقى على ما كانت عليه؛ مثال ذلك: لو تبايع رجلان حال كفرهما بيعاً محرماً في الإسلام، ثم أسلما فالعقد يبقى بحاله؛ ومثال آخر: لو تزوج الكافر امرأة في عدتها، ثم أسلما بعد انقضاء عدتها فالنكاح باق؛ ولهذا أمثلة كثيرة. ٦ - ومن فوائد الآية: تحريم أخذ ما يسمى بالفوائد من البنوك؛ لقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾؛ وزعم بعض الناس أن الفوائد من البنوك تؤخذ لئلا يستعين بها على الربا؛ وإذا كان البنك بنك كفار فلئلا يستعين بها على الكفر؛ فنقول: أأنتم أعلم أم الله!!! وقد قال الله تعالى: ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾؛ والاستحسان في مقابلة النص باطل. فإن قال قائل: إذا كان البنك بنكاً غير إسلامي، ولو تركناه لهم صرفوه إلى الكنائس، وإلى السلاح الذي يقاتَل به المسلمون، أو أبقوه عندهم، ونما به رباهم؛ فنقول: إننا مخاطبون بشيء، فالواجب علينا أن نقوم بما خوطبنا به؛ والنتائج ليست إلينا؛ ثم إننا نقول: هذه الفائدة التي يسمونها فائدة هل هي قد دخلت في أموالنا حتى نقول: إننا أخرجنا من أموالنا ما يستعين به أعداؤنا على كفرهم، أو قتالنا؟ والجواب: أن الأمر ليس كذلك؛ فإن هذه الزيادة التي يسمونها فائدة ليست نماءَ أموالنا؛ فلم تدخل في ملكنا؛ ثم إننا نقول له: إذا أخذته فأين تصرفه؟ قال: أصرفه في صدقة؛ في

стр. 1271

إصلاح طرق؛ في بناء مساجد تخلصاً منه، أو تقرباً به؛ نقول له: إن فعلت ذلك تقرباً لم يقبل منك، ولم تسلم من إثمه؛ لأنك صرفته في هذه الحال على أنه ملكك؛ وإذا صرفته على أنه ملكك لم يقبل منك؛ لأنه صدقة من مال خبيث؛ ومن اكتسب مالاً خبيثاً فتصدق به لم يقبل منه؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً» (١)؛ وإن أخرجته تخلصاً منه فأي فائدة من أن تلطخ مالك بالخبيث، ثم تحاول التخلص منه؛ ثم نقول أيضاً: هل كل إنسان يضمن من نفسه أن يخرج هذا تخلصاً منه؟! فربما إذا رأى الزيادة الكبيرة تغلبه نفسه، ولا يخرجها؛ أيضاً إذا أخذت الربا، وقال الناس: إن فلاناً أخذ هذه الأموال التي يسمونها الفائدة؛ أفلا تخشى أن يقتدي الناس بك؟! لأنه ليس كل إنسان يعلم أنك سوف تخرج هذا المال، وتتخلص منه. ولهذا أرى أنه لا يجوز أخذ شيء من الربا مطلقاً؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾؛ ولم يوجه العباد إلى شيء آخر. ٨ - ومن فوائد الآية: أن ممارسة الربا تنافي الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ ولكن هل يُخرج الإنسانَ من الإيمان إلى الكفر؟ مذهب الخوارج أنه يخرجه من الإيمان إلى الكفر؛ فهو عند الخوارج كافر، كفرعون، وهامان، وقارون؛ لأنه فعل كبيرة من كبائر الذنوب؛ ومذهب أهل السنة والجماعة أنه مؤمن ناقص الإيمان؛ لكنه يُخشى عليه من الكفر لا سيما آكل الربا؛ لأنه غذي بحرام؛ وقد قال النبي ﷺ حين ذكر الرجل يطيل السفر

стр. 1272

أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام: «فأنى يستجاب لذلك» (١) - نسأل الله العافية. ٩ - ومن فوائد الآية: رحمة الله بعباده، حيث حرم عليهم ما يتضمن الظلم؛ وأكد هذا التحريم، وأنزل القرآن فيه بلفظ يحمل على ترك هذا المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وقوله تعالى: ﴿اتقوا الله﴾، وقوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾؛ والحكم: ﴿ذروا ما بقي من الربا﴾. القرآن (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٧٩) التفسير: ﴿٢٧٩﴾ قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾ يعني: فإن لم تتركوا ما بقي من ربا؛ ﴿فأذنوا﴾ بالقصر وفتح الذال، بمعنى أعلنوا؛ وفي قراءة ﴿فآذنوا﴾ بالمد، وكسر الذال؛ والمعنى: أن من لم ينته عن الربا فقد أعلن الحرب على الله ورسوله. قوله تعالى: ﴿وإن تبتم﴾ أي رجعتم إلى الله من معصيته إلى طاعته؛ وذلك هنا بترك الربا؛ والتوبة من الربا، كالتوبة من غيره - لابد فيها من توافر الشروط الخمسة المعروفة.

стр. 1273

قوله تعالى: ﴿فلكم رؤوس أموالكم﴾؛ ﴿رؤوس﴾ جمع رأس؛ و «الرأس» هنا بمعنى الأصل؛ أي لكم أصول الأموال؛ وأما الربا فليس لكم، ثم علل الله هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿لا تظلمون﴾؛ لأنكم لم تأخذوا الزيادة؛ ﴿ولا تُظلمون﴾؛ لأنها لم تنقص رؤوس أموالكم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا﴾؛ لأن الجبرية يقولون: إن الإنسان لا يستطيع الفعل، ولا الترك؛ لأنه مجبر؛ وحقيقة قولهم تعطيل الأمر والنهي؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ما أمر به، ولا ترك ما نهي عنه. ٢ - ومنها: أن المصِرّ على الربا معلن الحرب على الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾. ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا كان معلناً الحرب على الله، ورسوله فهو معلن الحرب على أولياء الله، ورسوله - وهم المؤمنون؛ وذلك بدلالة الالتزام؛ لأن كل مؤمن يجب أن ينتصر لله، ورسوله؛ فالمؤمنون هم حزب الله ورسوله. ٣ - ومن فوائد الآية: عظم الربا لعظم عقوبته؛ وإنما كان بهذه المثابة ردعاً لمتعاطيه عن الاستمرار فيه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه جاء في الوعيد على الربا ما لم يأت على ذنب دون الشرك؛ ولهذا جاء في الحديث الذي طرقه متعددة: «إن الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن يأتي الرجل أمه» (١)؛ وهذا كلٌّ

стр. 1274

يستبشعه؛ فالربا ليس بالأمر الهين؛ والمؤمن ترتعد فرائصه إذا سمع مثل هذه الآية. ٤ - ومنها: أنه يجب على كل من تاب إلى الله من الربا ألا يأخذ شيئاً مما استفاده من الربا؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم﴾. ٥ - ومنها: أنه لا يجوز أخذ ما زاد على رأس المال من الربا لأيّ غرض كان؛ سواء أخذه ليتصدق به، أو ليصرفه في وجوه البر تخلصاً منه، أو لغير ذلك؛ لأن الله أمر بتركه؛ ولو كان هنا طريق يمكن صرفه فيه لبينه الله . ٦ - ومنها: الإشارة إلى الحكمة من تحريم الربا - وهي الظلم؛ لقوله تعالى: ﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾. فإن قال قائل: إن بعض صور الربا ليس فيه ظلم، مثل أن يشتري صاعاً من البر الجيد بصاعين من الرديء يساويانه في القيمة؛ فإنه لا ظلم في هذه الصورة؛ قلنا: إن العلة إذا كانت منتشرة لا يمكن ضبطها فإن الحكم لا ينتقض بفقدها؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه أتي إليه بتمر جيد فسأل: «من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديّ فبعت منه صاعين بصاع، فقال النبي ﷺ : أوَّه أوَّه! عين الربا عين الربا لا تفعل» (١)؛ ثم أرشدهم إلى أن

стр. 1275

يبيعوا التمر الرديء بالدراهم؛ ويشتروا بالدراهم تمراً جيداً؛ فدل هذا على أن تخلف الظلم في بعض صور الربا لا يخرجه عن الحكم العام للربا؛ لأن هذه العلة منتشرة لا يمكن ضبطها؛ ولهذا أمثلة كثيرة؛ ودائماً نجد في كلام أهل العلم أن العلة إذا كانت منتشرة غير منضبطة فإن الحكم يعم، ولا ينظر للعلة. ٧ - ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿ورسوله﴾. ٨ - ومنها: رحمة الله بالعباد، حيث أرسل إليهم الرسل؛ لأن العقول لا يمكن أن تستقل بمعرفة ما ينفعها، ويضرها على وجه التفصيل لقصورها؛ إنما تعرفه على سبيل الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل؛ فكان في هذا رحمة عظيمة للخلق. ٩ - ومنها: مراعاة العدل في معاملة الناس بعضهم مع بعض؛ لقوله تعالى: ﴿فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾. القرآن (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢٨٠)

стр. 1276

التفسير: ﴿٢٨٠﴾ قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ ﴿كان﴾ تامة تكتفي بمرفوعها؛ و ﴿ذو﴾ فاعل رفعت بالواو؛ لأنها من الأسماء الستة؛ والجملة شرطية؛ والجواب: جملة: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾. قوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ جملة شرطية نقول في إعرابها ما سبق في قوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾. أما القراءات في هذه الآية: قوله تعالى: ﴿ميسرة﴾ فيها قراءتان: ﴿ميسَرة﴾ بفتح السين؛ و ﴿ميسُرة﴾ بضمها؛ و ﴿تصدقوا﴾ فيها قراءتان: ﴿تصَدَّقوا﴾ بتخفيف الصاد؛ و ﴿تَصَّدَّقوا﴾ بتشديدها؛ أي تتصدقوا؛ لكن أدغمت التاء في الصاد. قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ أي إن وجِد ذو عسرة؛ أي صاحب إعسار لا يستطيع الوفاء؛ والجملة شرطية؛ وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾؛ ويجوز في «نظرة» في إعرابها وجهان؛ أحدهما: أن تكون مبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير: فعليكم نظرة؛ أو فله نظرة؛ وأما أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالواجب عليه نظرة؛ أي إنظار إلى ميسرة؛ أي: إيسار. قوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾ أي تُبرءوا المعسر في دينه؛ و ﴿أن﴾ وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿خير لكم﴾ أي من إنظاره. قوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ هذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث على العلم؛ «مستقلة» أي أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنًى فاسداً: أوهم أن التصدق

стр. 1277

خير لنا إن كنا نعلم؛ فإن لم نكن نعلم فليس خيراً لنا؛ ولا شك أن هذا معنًى فاسد لا يراد بالآية؛ لكن المعنى: إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا - أي تصدقوا. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: ثبوت رحمة الله ؛ وجه ذلك أنه أوجب على الدائن إنظار المدين؛ وهذا رحمة بالمعسر. ٢ - ومنها: حكمة الله بانقسام الناس إلى موسر، ومعسر؛ الموسر في الآية: الدائن؛ والمعسر: المدين؛ وحكمة الله هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها، ولذلك بدأ الشيوعيون - الذين يريدون أن يساووا بين الناس - يتراجعون الآن؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الخلاف؛ قال : ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ ولولا هذا الاختلاف لم يمكن أن يسخر لنا أحد ليعمل ما نريد؛ لأن كل واحد ندّ للآخر؛ فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله ، وشرعه من التفاوت بينهم: فهذا موسر؛ وهذا فقير؛ حتى يتبين بذلك حكمة الله ، وتقوم أحوال العباد. ٣ - ومن فوائد الآية: وجوب إنظار المعسر - أي إمهاله حتى يوسر؛ لقوله تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾؛ فلا تجوز مطالبته بالدَّين؛ ولا طلب الدَّين منه. ٤ - ومنها: أن الحكم يدور مع علته وجوداً، وعدماً؛ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمراً إلى

стр. 1278

أن تزول العلة - وهي العسرة - حتى تجوز مطالبته. ولو أن الناس مشوا على تقوى الله في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل؛ لكن نجد الغني يماطل: يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي؛ فيقول: غداً؛ ويأتيه غداً فيقول: بعد غد؛ وهكذا؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «مطل الغني ظلم» (١)؛ ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا يُنظرون المعسر، ولا يرحمونه؛ يقول له: أعطني؛ وإلا فالحبس؛ ويحبس فعلاً - وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، ولا مطالبته، ولا طلب الدين؛ بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر؛ لأن طلبه مع الإعسار معصية؛ والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حدّ فيها، ولا كفارة. ٥ - ومن فوائد الآية: فضيلة الإبراء من الدَّين، وأنه صدقة؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ والإبراء سنة؛ والإنظار واجب؛ وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ ووجه ذلك أن الواجب ينتظم في السنة؛ لأن إبراء المعسر من الدَّين إنظار، وزيادة؛ وعلى هذا فيبطل إلغاز من ألغز بهذه المسألة، وقال: «لنا سنة أفضل من الواجب»، ومثل ذلك قول بعضهم في الوضوء ثلاثاً: «إنه أفضل من الوضوء واحدة مع أن الواحدة واجب، والثلاث سنة»؛ فيُلغِز

стр. 1279

بذلك، ويقول: «هنا سنة أفضل من واجب»؛ فيقال له: هذا إلغاز باطل؛ لأن هذه السنة مشتملة على الواجب؛ فهي واجب، وزيادة؛ وصدق الله، حيث قال في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه» (١)؛ وهذا الحديث يبطل مثل هذه الألغاز التافهة. ٦ - ومن فوائد الآية: تفاضل الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾؛ وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض؛ وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية أن العمال يختلفون، كما قال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾ [النساء: ٩٥]، وكما قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى﴾ [الحديد: ١٠]. ويتفرع على تفاضل العمال بتفاضل الأعمال: تفاضل الإيمان، لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة، والجماعة؛ فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص. ٧ - ومن فوائد الآية: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾. ٨ - وهل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئ من الزكاة: فلو أن إنساناً أبرأ فقيراً، ثم قال: أبرأته عن زكاتي؛

стр. 1280

لأن الله سمى الزكاة صدقة؛ فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين ... ﴾؟ فالصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ؛ لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ وجعْل الدَّين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب؛ والمراد بالخبيث هنا الرديء - وليس الحرام؛ لأن العين مُلك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء؛ والدَّين الذي على معسر مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار؛ وحينئذٍ يكون هذا الدَّين بمنزلة المال التالف؛ فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: إن إبراء الغريم المعسر لا يجزئ من الزكاة بلا نزاع؛ ولو قلنا: يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأتكم ونويتها من الزكاة؛ فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة؛ وهذا لا يجوز؛ ولهذا لو خيرت شخصاً، وقلت له: أنا أعطيك عشرة ريالات نقداً، أو أحولك على إنسان فقير معسر عنده العشرة فإنه يختار العشرة نقداً؛ ولا يتردد؛ بل لو خيرته بين عشرة نقداً، وعشرين في ذمة معسر لاختار العشرة؛ فصارت العشرة المنقودة بالنسبة للدَّين من باب الطيب؛ وذاك من باب الرديء؛ وبهذا يتبين أنه لا يجزئ إبراء المدين المعسر عن زكاة مال بيد مالكه؛ لأنه من باب تيمم الخبيث؛ إذاً نقول: لا يجوز إبراء الفقير، واحتساب ذلك من الزكاة؛ نعم لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن الدَّين الذي في ذمة

стр. 1281

المعسر - إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدَّين - لكان ذلك مجزئاً؛ لأن هذا صار من جنس المال الذي أديت الزكاة عنه. الخلاصة: تبين مما ذكر من الآيتين أن المعاملة بالدَّين ثلاثة أقسام: الأول: أن يأخذ به رباً؛ وهذا محرم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨]. الثاني: أن يكون المدين معسراً؛ فلا تجوز مطالبته، ولا طلب الدّين منه حتى يوسر؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾. الثالث: أن يبرئ المعسر من دينه؛ وهذا أعلى الأقسام؛ لقوله تعالى: ﴿وأن تصدقوا خير لكم﴾. تتمة: في هذه الآية وجوب الإنظار إلى ميسرة؛ ومن المعلوم أن حصول الميسرة مجهول؛ وهذا لا يضر؛ لأنه ليس من باب المعاوضة؛ ولكن لو اشترى فقير من شخص، وجعل الوفاء مقيداً بالميسرة فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان؛ فأكثر العلماء على عدم الجواز لأن الأجل مجهول؛ فيكون من باب الغرر المنهي عنه؛ والقول الثاني: أن ذلك جائز لحديث عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : «قدم لفلان اليهودي بزّ من الشأم لو أرسلت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة؛ فأرسل إليه فامتنع» (١)؛ ولأن هذا

стр. 1282

مقتضى العقد إذا علم البائع بإعسار المشتري؛ إذ لا يحلّ له حينئذٍ أن يطلب منه الثمن حتى يوسر؛ وهذا القول هو الراجح. القرآن (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٨١) التفسير: ﴿٢٨١﴾ قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً﴾ أي اتقوا عذاب يوم؛ أي احذروه؛ والمراد به يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ترجعون فيه إلى الله﴾؛ وعلى هذا تكون ﴿يوماً﴾ منصوبة على المفعولية؛ لأن الفعل وقع عليها - لا فيها. قوله تعالى: ﴿ترجعون﴾ صفة لـ ﴿يوماً﴾؛ لأنه نكرة؛ والجمل بعد النكرات صفات؛ وهي بضم التاء، وفتح الجيم على أنه مبني لما لم يسم فاعله؛ وفي قراءة بفتح التاء، وكسر الجيم على أنه مبني للفاعل. قوله تعالى: ﴿ثم توفى كل نفس﴾ أي تعطى؛ والتوفية بمعنى الاستيفاء؛ وهو أخذ الحق ممن هو عليه؛ فـ ﴿توفى كل

стр. 1283

نفس﴾ أي تعطى ثوابها، وأجرها المكتوب لها - إن كان عملها صالحاً؛ أو تعطى العقاب على عملها - إن كان عملها سيئاً. قوله تعالى: ﴿ما كسبت﴾ أي ما حصلت عليه من ثواب الحسنات، وعقوبة السيئات. قوله تعالى: ﴿وهم لا يظلمون﴾ جملة استئنافية؛ ويحتمل أن تكون جملة حالية؛ لكن الأول أظهر؛ والمعنى: لا ينقصون شيئاً من ثواب الحسنات، ولا يزاد عليهم شيئاً من عقوبة السيئات. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب اتقاء هذا اليوم الذي هو يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾؛ واتقاؤه يكون بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه. ٢ - ومنها: أن التقوى قد تضاف لغير الله - لكن إذا لم تكن على وجه العبادة؛ فيقال: اتق فلاناً، أو: اتق كذا؛ وهذا في القرآن والسنة كثير؛ قال الله : ﴿واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣٠، ١٣١]؛ لكن فرق بين التقويين؛ التقوى الأولى تقوى عبادة، وتذلل، وخضوع؛ والثانية تقوى وقاية فقط: يأخذ ما يتقي به عذاب هذا اليوم، أو عذاب النار؛ وفي السنة قال النبي ﷺ : «اتق دعوة المظلوم» (١)؛ فأضاف «التقوى» هنا إلى «دعوة المظلوم»؛ واشتهر بين الناس: اتق شر من أحسنت إليه؛ لكن هذه التقوى المضافة إلى المخلوق ليست تقوى العبادة الخاصة بالله ؛ بل هي بمعنى الحذر.

стр. 1284

٣ - ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله تعالى: ﴿ترجعون فيه إلى الله﴾. ٤ - ومنها: أن مرجع الخلائق كلها إلى الله حكماً، وتقديراً، وجزاءً؛ فالمرجع كله إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ [النجم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿إن إلى ربك الرجعى﴾ [العلق: ٨]، أي في كل شيء. ٥ - ومنها: إثبات قدرة الله ؛ وذلك بالبعث؛ فإن الله يبعث الخلائق بعد أن كانوا رميماً، وتراباً. ٦ - ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً﴾؛ لأن توجيه الأمر إلى العبد إذا كان مجبراً من تكليف ما لا يطاق. ٧ - ومنها: أن الإنسان لا يوفى يوم القيامة إلا عمله؛ لقوله تعالى: ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت﴾؛ واستدل بعض العلماء على أنه لا يجوز إهداء القرب من الإنسان إلى غيره؛ أي أنك لو عملت عملاً صالحاً لشخص معين؛ فإن ذلك لا ينفعه، ولا يستفيد منه؛ لأن الله قال: ﴿توفى كل نفس ما كسبت﴾؛ لا ما كسب غيرها؛ فما كسبه غيره فهو له؛ واستثني من ذلك ما دلت السنة على الانتفاع به من الغير كالصوم؛ لقول النبي ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (١)؛ والحج؛ لقول النبي ﷺ للمرأة التي استفتته أن تحج عن أبيها وكان شيخاً كبيراً

стр. 1285

لا يثبت على الراحلة قالت: أفأحج عنه قال: «نعم» (١)؛ وكذلك المرأة التي استفتته أن تحج عن أمها التي نذرت أن تحج، ولم تحج حتى ماتت قالت: أفأحج عنها قال ﷺ : «نعم» (٢)؛ وكذلك الصدقة؛ لقول النبي ﷺ لمن استفتاه أن يتصدق عن أمه: «نعم» (٣)؛ وأذن لسعد بن عبادة أن يتصدق بمخرافه عن أمه (٤)؛ وأما الدعاء للغير إذا كان المدعو له مسلماً فإنه ينتفع به بالنص، والإجماع؛ أما النص ففي الكتاب، والسنة؛ أما الكتاب ففي قوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠]؛ وأما السنة ففي قوله ﷺ : «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه» (٥)، وكان ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: «استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل» (٦)؛ وأما الإجماع: فإن المسلمين كلهم

стр. 1286

يصلون على الأموات، ويقولون في الصلاة: «اللهم اغفر له، وارحمه»؛ فهم مجمعون على أنه ينتفع بذلك. والخلاف في انتفاع الميت بالعمل الصالح من غيره فيما عدا ما جاءت به السنة معروف؛ وقد ذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أن أيّ قربة فعلها، وجعل ثوابها لميت مسلم قريب، أو بعيد نفعه ذلك؛ ومع هذا فالدعاء للميت أفضل من إهداء القرب إليه؛ لأنه الذي أرشد إليه النبي ﷺ في قوله: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (١)؛ ولم يذكر العمل مع أن الحديث في سياق العمل. وأما ما استدل به المانعون من إهداء القرب من مثل قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣] فإنه لا يدل على المنع؛ بل على أن سعي الإنسان ثابت له؛ وليس له من سعي غيره شيء إلا أن يجعل ذلك له؛ ونظير هذا أن تقول: «ليس لك إلا مالك»، فإنه لا يمنع أن يقبل ما تبرع به غيره من المال.

стр. 1287

وأما الاقتصار على ما ورد فيقال: إن ما وردت قضايا أعيان؛ لو كانت أقوالاً من الرسول ﷺ قلنا: نعم، نتقيد بها؛ لكنها قضايا أعيان: جاءوا يسألون قالوا: فعلت كذا، قال: نعم، يجزئ؛ وهذا مما يدل على أن العمل الصالح من الغير يصل إلى من أُهدي له؛ لأننا لا ندري لو جاء رجل وقال: يا رسول الله، صليت ركعتين لأمي، أو لأبي، أو لأخي أفيجزئ ذلك عنه، أو يصل إليه ثوابه لا ندري ماذا يكون الجواب؛ ونتوقع أن يكون الجواب: «نعم»؛ أما لو كانت هذه أقوال بأن قال: «من تصدق لأمه أو لأبيه فإنه ينفعه»، أو ما أشبه ذلك لقلنا: إن هذا قول، ونقتصر عليه. ٨ - ومن فوائد الآية: أن الصغير يكتب له الثواب؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ثم توفى كل نفس﴾. فإن قال قائل: وهل يعاقب على السيئات. فالجواب: «لا»؛ لقول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة ... »، وذكر منها: «الصغير حتى يحتلم» (١)؛ ولأنه ليس له

стр. 1288

قصد تام لعدم رشده؛ فيشبه البالغ إذا أخطأ، أو نسي. القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٨٢) التفسير: هذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله؛ وهي في المعاملات بين الخلق؛ وأقصر آية في كتاب الله قوله تعالى: ﴿ثم

стр. 1289

نظر﴾ [المدثر: ٢١]؛ لأنها خمسة أحرف؛ وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط؛ إحداهما: قوله تعالى: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية؛ والثانية قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه ... ﴾ [الفتح: ٢٩] الآية؛ فقد اشتملت كل واحدة منهما على جميع الحروف الهجائية. ﴿٢٨٢﴾ قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾؛ سبق الكلام على مثل هذه العبارة. قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين﴾ أي إذا داين بعضكم بعضاً؛ و «الدين» كل ما ثبت في الذمة من ثمن بيع، أو أجرة، أو صداق، أو قرض، أو غير ذلك. قوله تعالى: ﴿إلى أجل مسمى﴾ أي إلى مدة محدودة ﴿فاكتبوه﴾ أي اكتبوا الدين المؤجل إلى أجله؛ والفاء هنا رابطة لجواب الشرط في ﴿إذا﴾. قوله تعالى: ﴿وليكتب﴾ أللام للأمر؛ وسكنت لوقوعها بعد الواو؛ وهي تسكن إذا وقعت بعد الواو، كما هنا؛ وبعد «ثم». والفاء، كما في قوله تعالى: ﴿ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: ١٥] بخلاف لام التعليل؛ فإنها مكسورة بكل حال؛ و ﴿بينكم﴾ أي في قضيتكم؛ و ﴿كاتب﴾ نكرة يشمل أيّ كاتب؛ ﴿بالعدل﴾ أي بالاستقامة - وهو ضد الجور؛ والمراد به ما طابق الشرع؛ وهو متعلق بقوله تعالى: ﴿ليكتب﴾. قوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب﴾، أي لا يمتنع كاتب الكتابة إذا طلب منه ذلك.

стр. 1290

قوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾ يحتمل أن تكون الكاف للتشبيه؛ فالمعنى حينئذ: أن يكتب كتابة حسب علمه بحيث تكون مستوفية لما ينبغي أن تكون عليه؛ ويحتمل أن تكون الكاف للتعليل؛ فالمعنى: أنه لما علمه الله فليشكر نعمته عليه، ولا يمتنع من الكتابة. قوله تعالى: ﴿فليكتب﴾؛ الفاء للتفريع: واللام لام الأمر؛ ولكنها سكنت؛ لأنها وقعت بعد الفاء؛ وموضع: ﴿فليكتب﴾ مما قبلها في المعنى قال بعض العلماء: إنها من التوكيد؛ لأن النهي عن إباء الكتابة يستلزم الأمر بالكتابة؛ فهي توكيد معنوي؛ وقيل: بل هي تأسيس تفيد الأمر بالمبادرة إلى الكتابة، أو هي تأسيس توطئة لما بعدها؛ والقاعدة: أنه إذا احتمل أن يكون الكلام توكيداً، أو تأسيساً، حمل على التأسيس؛ لأنه فيه زيادة معنى؛ وبناءً على هذه القاعدة يكون القول بأنها تأسيس أرجح. قوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ أي يملي؛ وهما لغتان فصيحتان؛ فـ «الإملال» و «الإملاء» بمعنًى واحد؛ فتقول: «أمليت عليه»؛ و «أمللت عليه» لغة عربية فصحى - وهي في القرآن. قوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾؛ لما أمر الله بأن الذي يملي هو الذي عليه الحق دون غيره وجه إليه أمراً، ونهياً؛ الأمر: ﴿وليتق الله ربه﴾ يعني يتخذ وقاية من عذاب الله، فيقول الصدق؛ والنهي: ﴿ولا يبخس منه شيئاً﴾ أي لا ينقص لا في كميته، ولا كيفيته، ولا نوعه. قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً﴾، أي لا

стр. 1291

يحسن التصرف؛ ﴿أو ضعيفاً﴾؛ الضعف هنا ضعف الجسم، وضعف العقل؛ وضعف الجسم لصغره؛ وضعف العقل لجنونه؛ كأن يكون الذي عليه الحق صغيراً لم يبلغ؛ أو كان كبيراً لكنه مجنون، أو معتوه؛ فهذا لا يملل؛ وإنما يملل وليه؛ ﴿أو لا يستطيع أن يمل هو﴾ أي لا يقدر أن يملي لخرس، أو غيره؛ وقوله تعالى: ﴿أن يمل﴾ مؤولة بمصدر على أنه مفعول به؛ والضمير: ﴿هو﴾ للتوكيد؛ وليست هي الفاعل؛ بل الفاعل مستتر في ﴿يمل﴾. قوله تعالى: ﴿فليملل﴾: اللام هنا لام الأمر؛ وسكنت لوقوعها بعد الفاء؛ ﴿وليه﴾ أي الذي يتولى شؤونه من أب، أو جد، أو أخ، أو أم، أو غيرهم. قوله تعالى: ﴿بالعدل﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿فليملل﴾ يعني إملاءً بالعدل بحيث لا يجور على من له الحق لمحاباة قريبه، ولا يجور على قريبه خوفاً من صاحب الحق؛ بل يجب أن يكون إملاؤه بالعدل؛ و «العدل» هنا هو الصدق المطابق للواقع؛ فلا يزيد، ولا ينقص. قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، أي اطلبوا شهيدين من رجالكم. وقوله تعالى: ﴿من رجالكم﴾ الخطاب للمؤمنين. قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، أي إن لم يكن الشاهدان رجلين فرجل وامرأتان؛ وهذا يدل على التخيير مع ترجيح الرجلين على الرجل والمرأتين. وقوله تعالى: ﴿فرجل وامرأتان﴾: الجملة جواب الشرط في

стр. 1292

قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا ... ﴾؛ والفاء هنا رابطة للجواب؛ و «رجل» خبر مبتدأ محذوف؛ والتقدير: فالشاهد رجل، وامرأتان. وقوله تعالى: ﴿فرجل﴾ أي فذَكَر بالغ؛ و ﴿امرأتان﴾ أي أنثيان بالغتان؛ لأن الرجل والمرأة إنما يطلقان على البالغ. قوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾: الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة؛ أي رجل وامرأتان كائنون ممن ترضون من الشهداء؛ والخطاب في قوله تعالى: ﴿ترضون﴾ موجه للأمة؛ يعني بحيث يكون الرجل والمرأتان مرضيين عند الناس؛ لأنه قد يُرضى شخص عند شخص ولا يُرضى عند آخر؛ فلا بد أن يكون هذان الشاهدان؛ أو هؤلاء الشهود - أي الرجل والمرأتان - ممن عرف عند الناس أنهم مرضيون؛ قال ابن عباس ﵄: «شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس وبعد العصر حتى تغرب» (١)؛ إذاً العبرة بالرضى عند عموم الناس؛ لا برضى المشهود له؛ لأنه قد يرضى بمن ليس بمرضي. وقوله تعالى: ﴿من الشهداء﴾: بيان لـ «مَنْ» الموصولة؛ لأن الاسم الموصول من المبهمات؛ فيحتاج إلى بيان؛ فإذا قلت: «يعجبني من كان ذكياً» فهذا مبهم؛ فإذا قلت: «يعجبني من كان ذكياً من الطلاب» صار مبيناً. قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ فيها قراءات؛ القراءة الأولى بفتح همزة ﴿أنْ﴾؛ وعلى هذا يجوز

стр. 1293

قراءتان في قوله تعالى: ﴿فتذكر﴾: تخفيف الكاف: ﴿فتذْكِرَ﴾، وتشديدها: ﴿فتذَكِّرَ﴾؛ مع فتح الراء فيهما؛ والقراءة الثالثة: بكسر همزة ﴿إن﴾ مع ضم الراء في قوله تعالى: ﴿فتذكِّرُ﴾، وتشديد الكاف. وقوله تعالى: ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾ من التذكير؛ وهو تنبيه الإنسان الناسي على ما نسي؛ ومن غرائب التفسير أن بعضهم قال: ﴿فتذكر﴾ معناه تجعلها بمنزلة الذَّكَر - لا سيما على قراءة التخفيف؛ أي تكون المرأتان كالذَّكَر؛ وهذا غريب؛ لأنه لا يستقيم مع قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما﴾ فالذي يقابل الضلال بمعنى النسيان: التذكير - أي تنبيه الإنسان على نسيانه. وفي قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ من البلاغة: إظهار في موضع الإضمار؛ لأنه لم يقل: فتذكرها الآخرى؛ لأن النسيان قد يكون متفاوتاً، فتنسى هذه جملة، وتنسى الأخرى جملة؛ فهذه تذكر هذه بما نسيت؛ وهذه تذكر هذه بما نسيت؛ فلهذا قال تعالى: ﴿فتذكر إحداهما الأخرى﴾: لئلا يكون المعنى قاصراً على واحدة هي الناسية، والأخرى تذكرها. قوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ أي لا يمتنع الشهداء إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، أو أدائها؛ و ﴿ما﴾ هذه زائدة لوقوعها بعد ﴿إذا﴾؛ وفيها بيت مشهور يقول فيه: (يا طالباً خذ فائدة ما بعد إذا زائدة) واستعمالات «ما» عشر؛ هي كما جاءت في بيت من الشعر:

стр. 1294

(محامل «ما» عشر إذا رمت عدّها فحافظ على بيت سليم من الشعر) (ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها بكفّ ونفي زيد تعظيم مصدر) ولكن يجب أن نعلم أنه ليس في القرآن شيء زائد بمعنى أنه لا معنى له؛ بل زائد إعراباً فقط؛ أما في المعنى فليس بزائد. قوله تعالى: ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله﴾، أي لا تمَلّوا أن تكتبوا الدَّين صغيراً كان أو كبيراً إلى أجله المسمى. قوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ المشار إليه كل ما سبق من الأحكام؛ ﴿أقسط عند الله﴾ أي أقوم، وأعدل؛ ﴿وأقوم للشهادة﴾ أي أقرب إلى إقامتها؛ ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾ أي أقرب إلى انتفاء الريبة عندكم. قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم﴾: فيها قراءتان؛ إحداهما بنصب ﴿تجارةً﴾، و ﴿حاضرةً﴾؛ والثانية برفعهما؛ على الأول اسم ﴿تكون﴾ مستتر؛ والتقدير: إلا أن تكون الصفقة تجارة حاضرة؛ وجملة: ﴿تديرونها﴾ صفة ثانية لـ ﴿تجارة﴾؛ أما على قراءة الرفع فإن ﴿تجارة﴾ اسم ﴿تكون﴾؛ و ﴿حاضرة﴾ صفة؛ وجملة: ﴿تديرونها﴾ خبر ﴿تكون﴾. والتجارة هي كل صفقة يراد بها الربح؛ فتشمل البيع، والشراء، وعقود الإجارات؛ ولهذا سمى الله الإيمان، والجهاد في سبيله تجارة، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ [الصف: ١٠]. وأما قوله تعالى: ﴿حاضرة﴾ فهي ضد قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين﴾؛ فالحاضر ما سوى الدَّين.

стр. 1295

وقوله تعالى: ﴿تديرونها﴾ أي تتعاطونها بينكم بحيث يأخذ هذا سلعته، والآخر يأخذ الثمن، وهكذا. قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح﴾: الفاء عاطفة، أو للتفريع؛ يعني ففي هذه الحال ليس عليكم إثم في عدم كتابتها؛ والضمير في قوله تعالى: ﴿تكتبوه﴾ يعود على التجارة؛ فهذه التجارة المتداولة بين الناس ليس على الإنسان جناح إذا لم يكتبها؛ لأن الخطأ فيها، والنسيان بعيد؛ إذ إنها حاضرة تدار، ويتعاطاها الناس بخلاف المؤجلة. قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ أي باع بعضكم على بعض. قوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾؛ مأخوذة من: الإضرار؛ يحتمل أن تكون مبنية للفاعل؛ فيكون أصلها «يضارِر» بكسر الراء الأولى؛ أو للمفعول؛ فيكون أصلها «يضارَر» بفتحها؛ ويختلف إعراب ﴿كاتب﴾، و ﴿شهيد﴾ بحسب بناء الفعل؛ فإن كانت مبنية للفاعل فـ ﴿كاتب﴾ فاعل؛ وإن كانت للمفعول فـ ﴿كاتب﴾ نائب فاعل؛ وهذا من بلاغة القرآن تأتي الكلمة صالحة لوجهين لا ينافي أحدهما الآخر. قوله تعالى: ﴿وإن تفعلوا﴾ أي يضار الكاتب، أو الشهيد - على الوجهين ﴿فإنه﴾ أي الفعل - وهو المضارة؛ ﴿فسوق بكم﴾ أي خروج بكم عن طاعة الله إلى معصيته؛ وأصل «الفسق» في اللغة الخروج؛ ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي اتخذوا وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

стр. 1296

قوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ الواو هنا للاستئناف؛ ولا يصح أن تكون معطوفة على ﴿اتقوا الله﴾؛ لأن تعليم الله لنا حاصل مع التقوى، وعدمها - وإن كان العلم يزداد بتقوى الله، لكن هذا يؤخذ من أدلة أخرى. قوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ يشمل كل ما في السماء، والأرض. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها. ٢ - ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سبباً لقبوله ذلك الحكمَ. ٣ - ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لإيمانكم افعلوا كذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص؛ لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصاً كلياً، أو نقصاً جزئياً. ٤ - ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات - التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين. ٥ - ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله ، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها؛ وأما المعاملات فيجب أن تكون

стр. 1297

خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل. فإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة؛ وهو أن الرسول ﷺ حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال: «لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصاً - أي فاسداً -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم» (١)؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة». فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء!!! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه. ٦ - ومن فوائد الآية: جواز الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿تداينتم بدين﴾ سواء كان هذا الدَّين ثمن مبيع، أو قرضاً، أو أجرة، أو صداقاً، أو عوض خلع، أو أي دين يكون؛ المهم أن في الآية إثبات الدَّين شرعاً. ٧ - ومنها: أن الدَّين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مؤجل بأجل مسمى؛ ومؤجل بأجل مجهول؛ وغير مؤجل؛ لقوله تعالى:

стр. 1298

﴿بدين إلى أجل مسمى﴾؛ والدَّين إلى غير أجل جائز مثل أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دَين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد؛ وأما الدَّين إلى أجل غير مسمى فلا يصح؛ وأُخذ هذا القسم من قوله تعالى: ﴿مسمى﴾ - مثل أن أقول لك: «اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد» - وقدومه مجهول؛ لأن فيه غرراً؛ وقد قال النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١)؛ والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدَّين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية. ٨ - ومن فوائد الآية: جواز السلم - وهو تعجيل الثمن، وتأخير المثمن، مثل أن أشتري مائة صاع من البر إلى سنة، وأعطيك الدراهم؛ فيسمى هذا سلماً؛ لأن المشتري أسلم الثمن، وقدمه. ٩ - ومنها: وجوب كتابة الدَّين المؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾؛ وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الكتابة - أعني كتابة الدين المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفاً لغيره، كوليّ

стр. 1299

اليتيم فإنه يجب عليه أن يكتب الدَّين الذي له لئلا يضيع حقه. ١٠ - ومنها: حضور كل من الدائن، والمدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿بينكم﴾؛ ولا تتحقق البينية إلا بحضورهما. ١١ - ومنها: أنه لابد أن يكون الكاتب محسناً للكتابة في أسلوبه، وحروفه؛ لقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب﴾. ١٢ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و «العدل» هو ما طابق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. ويتفرع على ذلك أن يكون الكاتب ذا علم بالحكم الشرعي فيما يكتب. ١٣ - ومنها: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أيّ كاتب يتصف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابته ماضية نافذة؛ لقوله تعالى: ﴿كاتب بالعدل﴾؛ وهي نكرة لا تفيد التعيين. ١٤ - ومنها: تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى ﴿فليكتب﴾ - هذا ظاهر الآية - ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها. ١٥ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب على حسب علمه من الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾.

стр. 1300

١٦ - ومنها: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن مِن شُكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ وهذا مبني على أن الكاف هنا للتعليل. فإن قيل: «إنها للتشبيه» صار المعنى: أنه مأمور أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من إحسان الخط، وتحرير الكتابة. ١٧ - ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله . ١٨ - ومنها: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة؛ لقوله تعالى: ﴿فليكتب﴾. ١٩ - ومنها: أن الرجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيته؛ بل في كل ما يتعلق به إلى المدين الذي عليه الحق - لا إلى الدائن؛ لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾؛ لأنه لو أملل الذي له الحق فربما يزيد. لكن إذا قال قائل: وإذا أملى الذي عليه الحق فربما ينقص؟! فالجواب: أن الله حذره من ذلك في قوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾. ٢٠ - ومنها: أن من عليه الحق لا يكتب؛ وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأن الذي عليه الحق وظيفته الإملال؛ ولكن لو كتب صحت كتابته؛ إلا أن ذلك لا يؤخذ من هذه الآية؛ يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا
следующие страницы →