قوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ الواو هنا للاستئناف؛ ولا يصح أن تكون معطوفة على ﴿اتقوا الله﴾؛ لأن تعليم الله لنا حاصل مع التقوى، وعدمها - وإن كان العلم يزداد بتقوى الله، لكن هذا يؤخذ من أدلة أخرى.
قوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ يشمل كل ما في السماء، والأرض.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: العناية بما ذُكر من الأحكام؛ وذلك لتصدير الحكم بالنداء، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين؛ لأنه هذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها.
٢ - ومنها: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يوجه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سبباً لقبوله ذلك الحكمَ.
٣ - ومنها: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ لإيمانكم افعلوا كذا؛ فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص؛ لأن كل من يدَّعي الإيمان، ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصاً كلياً، أو نقصاً جزئياً.
٤ - ومنها: بيان أن الدين الإسلامي كما يعتني بالعبادات - التي هي معاملة الخالق - فإنه يعتني بالمعاملات الدائرة بين المخلوقين.
٥ - ومنها: دحر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله ، وبالأحوال الشخصية، كالمواريث، وما أشبهها؛ وأما المعاملات فيجب أن تكون
стр. 1297
خاضعة للعصر، والحال؛ وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع، والإجارات وغيرها، إلى الأحكام الوضعية المبنية على الظلم، والجهل.
فإن قال قائل: لهم في ذلك شبهة؛ وهو أن الرسول ﷺ حين قدم المدينة، ورآهم يلقحون الثمار قال: «لو لم تفعلوا لصلح» فخرج شيصاً - أي فاسداً -؛ فمر بهم فقال: «ما لنخلكم؛ قالوا: قلت كذا، وكذا؛ قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم» (١)؛ قالوا: «والمعاملات من أمور الدنيا، وليست من أمور الآخرة».
فالجواب: أنه لا دليل في هذا الحديث لما ذهبوا إليه؛ لأن الحادثة المذكورة من أمور الصنائع التي من يمارسها فهو أدرى بها، وتدرك بالتجارِب؛ وإلا لكان علينا أن نقول: لا بد أن يعلمنا الإسلام كيف نصنع السيارات والمسجلات، والطوب، وكل شيء!!! أما الأحكام - الحلال، والحرام - فهذا مرجعه إلى الشرع؛ وقد وفى بكل ما يحتاج الإنسان إليه.
٦ - ومن فوائد الآية: جواز الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿تداينتم بدين﴾ سواء كان هذا الدَّين ثمن مبيع، أو قرضاً، أو أجرة، أو صداقاً، أو عوض خلع، أو أي دين يكون؛ المهم أن في الآية إثبات الدَّين شرعاً.
٧ - ومنها: أن الدَّين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مؤجل بأجل مسمى؛ ومؤجل بأجل مجهول؛ وغير مؤجل؛ لقوله تعالى:
стр. 1298
﴿بدين إلى أجل مسمى﴾؛ والدَّين إلى غير أجل جائز مثل أن أشتري منك هذه السلعة، ولا أعطيك ثمنها، ولا أعينه لك؛ فهذا دَين غير مؤجل؛ وفي هذه الحال لك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد؛ وأما الدَّين إلى أجل غير مسمى فلا يصح؛ وأُخذ هذا القسم من قوله تعالى: ﴿مسمى﴾ - مثل أن أقول لك: «اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد» - وقدومه مجهول؛ لأن فيه غرراً؛ وقد قال النبي ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» (١)؛ والدين إلى أجل غير مسمى لا يكتب؛ لأنه عقد فاسد، والدَّين إلى أجل مسمى جائز بنص الآية.
٨ - ومن فوائد الآية: جواز السلم - وهو تعجيل الثمن، وتأخير المثمن، مثل أن أشتري مائة صاع من البر إلى سنة، وأعطيك الدراهم؛ فيسمى هذا سلماً؛ لأن المشتري أسلم الثمن، وقدمه.
٩ - ومنها: وجوب كتابة الدَّين المؤجل؛ لقوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾؛ ويؤيد ذلك قوله تعالى في آخر الآية: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾؛ وذهب الجمهور إلى عدم وجوب الكتابة - أعني كتابة الدين المؤجل؛ لقوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ وينبغي على هذا القول أن يستثنى من ذلك ما إذا كان الدائن متصرفاً لغيره، كوليّ
стр. 1299
اليتيم فإنه يجب عليه أن يكتب الدَّين الذي له لئلا يضيع حقه.
١٠ - ومنها: حضور كل من الدائن، والمدين عند كتابة الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿بينكم﴾؛ ولا تتحقق البينية إلا بحضورهما.
١١ - ومنها: أنه لابد أن يكون الكاتب محسناً للكتابة في أسلوبه، وحروفه؛ لقوله تعالى: ﴿وليكتب بينكم كاتب﴾.
١٢ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل بحيث لا يجحف مع الدائن، ولا مع المدين؛ و «العدل» هو ما طابق الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
ويتفرع على ذلك أن يكون الكاتب ذا علم بالحكم الشرعي فيما يكتب.
١٣ - ومنها: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أيّ كاتب يتصف بإحسان الكتابة والعدل، فكتابته ماضية نافذة؛ لقوله تعالى: ﴿كاتب بالعدل﴾؛ وهي نكرة لا تفيد التعيين.
١٤ - ومنها: تحريم امتناع الكاتب أن يكتب كما علمه الله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾؛ ولهذا أكد هذا النهي بالأمر بالكتابة في قوله تعالى ﴿فليكتب﴾ - هذا ظاهر الآية - ويحتمل أن يقال: إنْ توقف ثبوت الحق على الكتابة كانت الكتابة واجبة على من طلبت منه؛ وإلا لم تجب، كما قلنا بوجوب تحمل الشهادة إذا توقف ثبوت الحق عليها.
١٥ - ومنها: أنه يجب على الكاتب أن يكتب على حسب علمه من الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾.
стр. 1300
١٦ - ومنها: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن مِن شُكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ وهذا مبني على أن الكاف هنا للتعليل.
فإن قيل: «إنها للتشبيه» صار المعنى: أنه مأمور أن يكتب على الوجه الذي علمه الله من إحسان الخط، وتحرير الكتابة.
١٧ - ومنها: أن الإنسان لا يستقل بالعلم؛ لقوله تعالى: ﴿كما علمه الله﴾؛ حتى في الأمور الحسية التي تدرك عن طريق النظر، أو السمع، أو الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله .
١٨ - ومنها: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة؛ لقوله تعالى: ﴿فليكتب﴾.
١٩ - ومنها: أن الرجوع في مقدار الدَّين، أو نوعه، أو كيفيته؛ بل في كل ما يتعلق به إلى المدين الذي عليه الحق - لا إلى الدائن؛ لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾؛ لأنه لو أملل الذي له الحق فربما يزيد.
لكن إذا قال قائل: وإذا أملى الذي عليه الحق فربما ينقص؟!
فالجواب: أن الله حذره من ذلك في قوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾.
٢٠ - ومنها: أن من عليه الحق لا يكتب؛ وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأن الذي عليه الحق وظيفته الإملال؛ ولكن لو كتب صحت كتابته؛ إلا أن ذلك لا يؤخذ من هذه الآية؛ يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا
стр. 1301
قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]؛ وكتابة الإنسان على نفسه إقرار؛ وإقرار الإنسان على نفسه مقبول.
٢١ - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله على من عليه الحق، وأن يتحرى العدل؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾.
٢٢ - ومنها: أنه ينبغي في مقام التحذير أن يُذْكَر كلُّ ما يكون به التحذير؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً﴾؛ ففي مقام الألوهية يتخذ التقوى عبادة؛ لأن الألوهية هي توحيد العبادة؛ وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهده الربوبية؛ لأن الرب خالق مالك مدبر.
٢٣ - ومنها: أنه يحرم على من عليه الدَّين أن يبخس منه شيئاً لا كمية، ولا نوعاً، ولا صفة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يبخس منه شيئاً﴾.
٢٤ - ومنها: أن الوليّ يقوم مقام المولَّى عليه في الإملال؛ لقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل﴾.
٢٥ - ومنها: أن أسباب القصور ثلاثة: السفه؛ والضعف؛ وعدم الاستطاعة؛ السفه: ألا يحسن التصرف؛ والضعيف يشمل الصغير، والمجنون؛ ومن لا يستطيع يشمل من لا يقدر على الإملال لخرس، أو عييّ، أو نحو ذلك.
٢٦ - ومنها: قبول قول الوليّ فيما يقر به على مولّاه؛ لقوله تعالى: ﴿فليملل وليه﴾.
٢٧ - ومنها: وجوب مراعاة العدل على الوليّ؛ لقوله
стр. 1302
تعالى: ﴿بالعدل﴾؛ فلا يبخس من له الحق؛ ولا يبخس من عليه الحق ممن هو مولى عليه.
٢٨ - ومنها: طلب الإشهاد على الحق.
٢٩ - ومنها: أن البينة إما رجلان؛ وإما رجل، وامرأتان؛ وجاءت السنة بزيادة بينة ثالثة - وهي الرجل، ويمين المدّعي؛ وأنواع طرق الإثبات مبسوطة في كتب الفقهاء.
٣٠ - ومنها: أنه لابد في الشاهدين من كونهما مرضيين عند المشهود له، والمشهود عليه.
٣١ - ومنها: قصر حفظ المرأة وإدراكها عن حفظ الرجل، وهذا باعتبار الجنس؛ فلا يرد على ذلك من نبوغ بعض النساء، وغفلة بعض الرجال.
٣٢ - ومنها: جواز شهادة الإنسان فيما نسيه إذا ذُكِّر به، فذكر؛ لقوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾؛ فإن ذُكِّر ولم يذكر لم يشهد.
٣٣ - ومنها: تحريم امتناع الشاهد إذا دُعي للشهادة؛ وهذا تحته أمران:
الأمر الأول: أن يُدعى لتحمل الشهادة؛ وقد قال العلماء في هذا: إنه فرض كفاية؛ وظاهر الآية الكريمة أنه فرض عين على من طلبت منه الشهادة بعينه؛ وهو الحق؛ لأنه قد لا يتسنى لطالب الشهادة أن يشهد له من تُرضى شهادته.
الأمر الثاني: أن يُدعى لأداء الشهادة؛ فيجب عليه الاستجابة؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣].
стр. 1303
٣٤ - ومن فوائد الآية: النهي عن السأَم في كتابة الدَّين سواء كان صغيراً، أو كبيراً؛ والظاهر أن النهي هنا للكراهة.
٣٥ - ومنها: أنه إذا كان الدَّين مؤجلاً فإنه يبيَّن الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى أجله﴾.
٣٦ - ومنها: أن ما ذُكر من التوجيهات الإلهية في هذه الآية فيه ثلاثة فوائد:
الأولى: أنه أقسط عند الله - أي أعدل عنده لما فيه من حفظ الحق لمن هو له، أو عليه.
الثانية: أنه أقوم للشهادة؛ لأنه إذا كتب لم يحصل النسيان.
الثالثة: أنه أقرب لعدم الارتياب.
٣٧ - ومن فوائد الآية: العمل بالكتابة، واعتمادها حجةً شرعية إذا كانت من ثقة معروف خطه؛ ويؤيد هذا قوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١).
٣٨ - ومنها: أن الشهادات تتفاوت؛ فمنها الأقوم؛ ومنها القيم؛ ومنها ما ليس بقيم؛ فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه شروط القبول؛ والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكمل من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وأقوم للشهادة﴾. فإذا قيل: ما مثال القيم؟ فنقول: مثل شاهد، ويمين؛ لكن أقوم منه الشاهدان؛ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد
стр. 1304
الواحد؛ ولأن الشاهدين لا يحتاج معهما إلى يمين المدعي؛ فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة.
٣٩ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يكون له فيه ارتياب، وشك؛ لقوله تعالى: ﴿وأدنى ألا ترتابوا﴾.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن دين الإسلام يريد من معتنقيه أن يكونوا دائماً على اطمئنان، وسكون.
ويتفرع أيضاً منها: أن دين الإسلام يحارب ما يكون فيه القلق الفكري، أو النفسي؛ لأن الارتياب يوجب قلق الإنسان، واضطرابه.
ويتفرع عليه أيضاً: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محلّ قد يستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك؛ وربما يؤيد هذا الأثرُ المشهور: «رحم الله امرئ كفّ الغيبة عن نفسه» (١)؛ لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن يرتابوا في أمري؛ لا تقل هكذا؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ فربما لا يزال يوسوس في صدور الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء.
٤٠ - ومن فوائد الآية: جواز الاتجار؛ لقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة حاضرة﴾؛ ولكن هذا الإطلاق مقيد بالشروط التي دلت عليها النصوص؛ فلو اتجر الإنسان بأمر محرم فهذا لا يجوز من نصوص أخرى؛ ولو رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا حرام من نصوص أخرى؛ إذاً هذا المطلق الذي هو التجارة
стр. 1305
مقيد بالنصوص الدالة على أن التجارة لا بد فيها من شروط.
٤١ - ومنها: أن التجارة نوعان: تجارة حاضرة، وتجارة غير حاضرة؛ فأما الحاضرة فهي التي تدار بين الناس بدون أجل؛ وأما غير الحاضرة فهي التي تكون بأجل، أو على مسمى موصوف غير حاضر.
٤٢ - ومنها: أن الأصل في التجارة الدوران؛ لقوله تعالى: ﴿تديرونها بينكم﴾؛ فأما الشيء الراكد الذي لا يدار فهل يسمى تجارة؟ يرى بعض العلماء أنه ليس تجارة؛ ولذلك يقولون: ليس فيه زكاة، وأن الزكاة إنما هي في المال الذي يدار - يعني يتداول؛ ويرى آخرون أنها تجارة؛ ولكنها تجارة راكدة؛ وهذا يقع كثيراً فيما إذا فسدت التجارة، وكسد البيع؛ فربما تبقى السلع عند أصحابها مدة طويلة لا يحركونها؛ لكن هي في حكم المدارة؛ لأن أصحابها ينتظرون أيّ إنسان يأتي، فيبيعون عليه.
٤٣ - ومن فوائد الآية: أنه لا يجب كتابة التجارة الحاضرة المدارة - ولو كان ثمنها غير منقود؛ بخلاف ما إذا تداين بدين إلى أجل مسمى؛ فإنه تجب كتابة الدَّين على ما سبق من الخلاف في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح ألا تكتبوها﴾.
٤٤ - ومنها: الأمر بالإشهاد عند التبايع؛ وهل الأمر للوجوب؛ أو للاستحباب؛ أو للإرشاد؟ فيه خلاف؛ والراجح أنه ليس للوجوب؛ لأن النبي ﷺ اشترى، ولم يُشهِد (١)؛
стр. 1306
والأصل عدم الخصوصية؛ ولأن إيجابه فيه شيء من الحرج، والمشقة؛ لكثرة تداول التجارة؛ اللهم إلا أن يكون التصرف للغير، كالوكيل، والوليّ؛ فربما يقال بوجوب الإشهاد في المبايعات الخطيرة.
٤٥ - ومن فوائد الآية: أن الإشهاد ينبغي أن يكون حين التبايع؛ بمعنى أنه لا يتقدم، ولا يتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿إذا تبايعتم﴾؛ لأن العقد لم يتم إذا كان الإشهاد قبله؛ وإذا كان بعده فربما يكون المبيع قد تغير.
٤٦ - ومنها: تحريم مضارة الكاتب، أو الشهيد: سواء وقع الإضرار منهما، أو عليهما.
٤٧ - ومنها: أن المضارة سواء وقعت من الكاتب، أو الشاهد، أو عليهما، فسوق؛ والفسق يترتب عليه زوال الولايات العامة والخاصة إلا ما استثني؛ والفاسق يُهجر إما جوازاً؛ أو استحباباً، أو وجوباً - على حسب الحال - إن كان في الهجر إصلاح له.
فإن قال قائل: أفلا يشكل هذا على القاعدة المعروفة أن الفسق لا يتصف به الفاعل إلا إذا تكرر منه، أو كان كبيرة؟.
فالجواب: أن الله حكم على المضارة بأنها فسوق؛ والقرآن يَحكم، ولا يُحكَم عليه.
стр. 1307
٤٨ - ومن فوائد الآية: أن هذا الفعل فسوق لا يخرج من الإيمان؛ لأنه لم يصف الفاعل بالكفر؛ بل قال تعالى: ﴿فإنه فسوق بكم﴾؛ ومجرد الفسق لا يخرج من الإيمان؛ ولكن الفسق المطلق يخرج من الإيمان؛ لأن الخروج عن الطاعة خروجاً عاماً يخرج من الإيمان، ويوجب الخلود في النار، كما قال الله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
٤٩ - ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله ؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾.
٥٠ - ومنها: امتنان الله على عباده بالتعليم، حيث قال تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾.
٥١ - ومنها: أن الدِّين الإسلامي شامل للأحكام المتعلقة بعبادة الله ، والمتعلقة بمعاملة عباد الله؛ لأنه بعد أن ذكر الله هذه التوجيهات قال تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ فيكون في ذلك إبطال لزعم من زعم أن الدين الاسلامي في إصلاح ما بين العبد وبين ربه؛ ولا علاقة له بالمعاملة بين الناس.
٥٢ - ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ قال الله : ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ [النحل: ٧٨].
стр. 1308
٥٣ - ومنها: ثبوت صفة العلم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾؛ لأن المعلم عالم.
٥٤ - ومنها: أن العلم من منة الله على عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ويعلمكم الله﴾، وكما قال تعالى: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذا بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ [آل عمران: ١٦٤]؛ ولا شك أن العلم من أكبر النعم، حيث قال الله : ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: ١١]؛ والعلماء كذلك ورثة الأنبياء؛ فالعلم أفضل من المال - ولا مقارنة؛ وهو كالجهاد في سبيل الله؛ لأن الدِّين الإسلامي لم ينتشر إلا بالعلم، والسلاح؛ فالسلاح يذلل العدو؛ والعلم ينير له الطريق؛ ولهذا إذا ذلّ العدو للإسلام، وخضع لأحكامه، وبذل الجزية وجب الكف عنه، ولا يقاتَل؛ لكن العلم جهاد يجب أن يكون لكل أحد؛ ثم الجهاد بالسلاح لا يكون إلا للكافر المعلن كفره، ولا يكون للمنافق؛ والجهاد بالعلم يكون لهذا، ولهذا - للمنافق، وللكافر المعلن بكفره؛ والعلم أفضل بكثير من المال؛ والعلم جهاد في سبيل الله - ولا سيما في وقتنا الحاضر؛ فإن الناس قد انفتح بعضهم على بعض، واختلط بعضهم ببعض، وصاروا يأخذون الثقافات من يمين ويسار، واحتاج الناس الآن للعلم الراسخ المبني على الكتاب والسنة حتى لا يقع الناس في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لذلك تجد رجلاً يمر به حديث، أو حديثان، ثم يقال: أنا ابن جلا، وطلاع الثنايا! من ينال مرتبتي! أنا الذي أفتي بعشرة مذاهب! ثم مع ذلك يندد بمن خالفه - ولو كان من كبار العلماء؛ وربما يضخم الخطأ
стр. 1309
الذي يقع منه - ولو كان ممن يشار إليه بالفضل، والعلم، والدِّين؛ وهذه خطيرة جداً؛ لأن العامي وإن كان وثق بشخص لا يهمه هذا الكلام؛ لكن كلما كرر الضرب على الحديد لابد أن يتأثر؛ لذلك نرى أن طلب العلم من أهم الأمور خصوصاً في هذا الوقت.
٥٥ - ومن فوائد الآية: إثبات هذا الاسم من أسماء الله - وهو ﴿عليم﴾؛ وإثبات ما دلّ عليه من الصفة - وهي العلم.
٥٦ - ومنها: إثبات عموم علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾.
٥٧ - ومنها: الرد على القدرية سواء الغلاة منهم، أو غيرهم؛ فإن غلاتهم يقولون: إن الله لا يعلم شيئاً من أفعال العباد حتى يقع؛ يقول شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: إن هؤلاء قليل - وهذا في عهده؛ ولا ندري الآن هل زادوا، أم نقصوا؛ لكن في الآية ردّ حتى على غير الغالية منهم - وهم الذين يقولون: إن الله يعلم؛ لكنه لم يُرد أفعال الإنسان، وأن الإنسان مستقل بإرادته، وفعله؛ وجه ذلك ما قاله الشافعي ﵀: «ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا»؛ وعلى هذا نقول: في هذه الآية الكريمة دليل على أن أفعال العباد مرادة لله ؛ لأنها إن لم تكن مرادة فهي إما أن تقع على وفق علمه، أو على خلافه؛ فإن كان على خلافه فهو إنكار لعلمه؛ وإن كان على وفقه فلا بد أن تكون مرادة له؛ لأنه أراد أن تقع على حسب علمه.
стр. 1310
القرآن
(وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٨٣)
التفسير:
﴿٢٨٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر﴾ أي مسافرين؛ وذلك كقوله تعالى في آية الصيام: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ وأتى بكلمة: ﴿على﴾ لتحقق هذا الأمر - وهو السفر؛ لأن ﴿على﴾ تدل على الاستعلاء؛ فكأنه متمكن من السفر، كالراكب على الراحلة؛ و «السفر» مفارقة الوطن؛ وبعضهم قال: مفارقة محل الإقامة؛ لأن الإنسان قد لا يستوطن؛ ولكن يقيم دائماً؛ والمفارقة قد تكون طويلة - ويسمى سفراً طويلاً؛ وقد تكون قصيرة - ويسمى سفراً قصيراً.
قوله تعالى: ﴿ولم تجدوا كاتباً﴾ أي يكتب بينكم؛ وهذا كما سبق يحتاج إليه فيما إذا تداينا بدين إلى أجل مسمى؛ فيكون المعنى: إن كنتم على سفر، وتداينتم بدَين إلى أجل مسمى ولم تجدوا كاتباً ﴿فرهان مقبوضة﴾.
قوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فيها قراءاتان؛ القراءة الأولى: ﴿فرِهان﴾ بكسر الراء، ومدّ الهاء؛ والثانية: ﴿فرُهُن﴾ بضم الراء، والهاء بدون مدّ؛ ولهذا تكتب بالألف في خط المصحف لكي تصلح للقراءتين؛ ومعنى ﴿فرهان﴾ أي فعليكم رهن؛ أو فالوثيقة رهن - أو رهان؛ وعلى هذا فتكون إما مبتدأ خبره محذوف؛ وإما خبر مبتدأ محذوف؛ والجملة في محل
стр. 1311
جزم على أنها جواب الشرط؛ وقرنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية؛ وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية فإنه يقترن بالفاء وجوباً؛ ولا تحذف إلا شذوذاً، أو اضطراراً؛ ومن حذفها قول الشاعر:
(من يفعل الحسنات الله يشكرها) ........ ولم يقل: فالله يشكرها؛ ولكن هذا على سبيل الضرورة، أو الندرة، والشذوذ.
و «الرهان» جمع رهْن؛ و «الرهن» في اللغة الحبس؛ ومنه قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨] أي محبوسة بما عملت؛ ولكنه في اصطلاح الفقهاء: توثقة دَين بعين يمكن استيفاؤه، أو بعضِهِ منها، أو من بعضها، مثل ذلك: زيد مدين لعمرو بعشرة آلاف ريال، فأرهنه سيارة تساوي عشرين ألف ريال؛ هنا يمكن استيفاء الدَّين من بعضه؛ لأن الرهن أكثر من الدَّين؛ مثال آخر: زيد مدين لعمرو بعشرين ألف ريال؛ فأرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال؛ فهنا يمكن استيفاء بعضه منها؛ لأن الدَّين أكثر من الرهن؛ فإذا كان الدَّين مساوياً للرهن، كما لو كان دينه عشرة آلاف ريال؛ فأرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال؛ فهنا يمكن استيفاء الدَّين كله من كل الرهن.
وقوله تعالى: ﴿مقبوضة﴾ أي يقبضها من يتوثق بها - وهو الطالب - من المطلوب الذي هو الراهن؛ والطالب الذي قبض الرهن يسمى مرتهناً؛ فهنا راهن، ومرتهن، ورهن، ومرهون به؛ فالرهن: العين؛ والراهن: معطي الرهن؛ والمرتهن؛ آخذ الرهن؛ والمرهون به: الدين؛ فأركان الرهن أربعة.
стр. 1312
ولم يبين كيف القبض؛ فيرجع في ذلك إلى العرف؛ ومعناه: أن يكون الشيء في قبضة الإنسان، وتحت سيطرته.
قوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً﴾ أي اتخذه أميناً؛ بمعنى أنه وثق منه أن لا ينكر، ولا يبخس، ولا يغير؛ والجملة شرطية جوابها قوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ والفاء في ﴿فليؤد﴾ رابطة لجواب الشرط؛ وهو قوله تعالى: ﴿إن أمن ... ﴾؛ وجاءت الفاء رابطة مع أن جواب الشرط فعل مضارع؛ لأنه مقترن بلام الأمر الدالة على الطلب؛ ومتى كانت الجملة الجزائية طلبية وجب اقترانها بالفاء؛ واللام هنا جاءت ساكنة لوقوعها بعد الفاء؛ ولام الأمر تقع ساكنة إذا وقعت بعد الفاء، أو الواو، أو «ثم»؛ بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة على كل حال؛ و ﴿اؤتمن﴾ فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله؛ و ﴿أمانته﴾ أي ما ائتمن عليه.
قوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾؛ «يتق» مجزومة بحذف حرف العلة - وهو الياء؛ والكسرة دليل عليها - وهنا أردف الاسم الأعظم: ﴿الله﴾ بقوله تعالى: ﴿ربه﴾ تحذيراً من المخالفة؛ لأن «الرب» هو الخالق المالك المدبر؛ فاخشَ هذا الرب الذي هو إلهك أن تخالف تقواه.
قوله تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾؛ ﴿لا﴾ ناهية؛ و «الكتمان» الإخفاء؛ و «الشهادة» ما شهد به الإنسان؛ أي لا تخفوا ما شهدتم به لا في أصله، ولا في وصفه؛ في أصله بأن ينكر الشهادة رأساً؛ وفي وصفه بأن يزيد فيها، أو ينقص.
стр. 1313
قوله تعالى: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ أي من يخفيها أصلاً، أو وصفاً، فقد وقع قلبه في الإثم؛ وإنما أضاف الإثم إلى القلب؛ لأن الشهادة أمر خفيّ؛ فالإنسان قد يكتمها، ولا يُعْلَم بها؛ فالأمر هنا راجع إلى القلب؛ ولأن القلب عليه مدار الصلاح، كما قال النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله؛ وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (١).
قوله تعالى: ﴿والله بما تعملون عليم﴾؛ «ما» هذه موصولة تفيد العموم، وتشمل كل ما يعمله الإنسان من خير أو شر في القلب، أو في الجوارح؛ وقَدّم ﴿بما تعملون﴾ على متعلّقها لقوة التحذير، وشدته؛ فكأنه حصر علمه فيما نعمل؛ فيكون هذا أشد في بيان إحاطته بما نعمل؛ فيتضمن قوة التحذير؛ وليس مقتضاه حصر العلم على ما نعمل فقط.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أنه إذا لم يجد كاتباً في السفر فإنه يوثق الحق بالرهن المقبوض.
٢ - ومنها: عناية الله بحفظ أموال عباده؛ يعني أنه ذكر حتى هذه الصورة: أن الإنسان إذا داين غيره، ولم يجد كاتباً فإنه يرتهن رهناً حفظاً لماله، وخوفاً من النزاع، والشقاق في المستقبل.
٣ - ومنها: جواز الرهن؛ لقوله تعالى: ﴿فرهان﴾؛ ولكن
стр. 1314
ذلك مشروط - حسبما في الآية - بالسفر سواء كان قصيراً، أو طويلا؛ وبألا نجد كاتباً؛ فهل هذا الشرط معتبر؟ الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره: فقد اشترى النبي ﷺ ثلاثين صاعاً من الشعير لأهله، ورهن درعه عند يهودي حتى مات (١)؛ وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب.
فإذا قال قائل: إذا كان الأمر هكذا فما الجواب عن الآية؟ فالجواب عن الآية أن الله ذكر صورة إذا تعذر فيها الكاتب فإن صاحب الحق يتوثق لحقه بالرهن المقبوض؛ فذكر هذه الصورة لا على أنها شرط للحكم؛ يعني كأنه قال: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه؛ وإن كنتم في السفر، وليس عندكم كاتب فرهان مقبوضة.
٤ - ومن فوائد الآية: أن بعض العلماء استدل بهذه الآية على لزوم القبض في الرهن؛ وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن قبض الرهن شرط لصحته؛ لأن الله جعل القبض وصفاً في الرهن؛ والوصف لازم للموصوف.
والقول الثاني: أن القبض شرط للزوم الرهن - لا لصحته؛ وعلى هذا القول يكون الرهن صحيحاً - وإن لم يُقبَض - لكنه ليس بلازم؛ فللراهن أن يتصرف فيه بما شاء.
والقول الثالث: أن القبض - أعني قبض الرهن - ليس بشرط لا للصحة، ولا للزوم؛ وإنما ذكر الله القبض في هذه الحال؛ لأن التوثق التام لا يحصل إلا به لكون المتعاقدين في سفر؛
стр. 1315
وليس ثمة كاتب، فلا يحصل تمام التوثقة بالرهن إلا بقبضه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وعليه فالرهن لازم صحيح بمجرد عقده - وإن لم يقبض؛ لقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ وعلى هذا القول عمل الناس: فترى الرجل يكون راهناً بيته وهو ساكن فيه، أو راهناً سيارته وهو يستعملها؛ ولا تستقيم حال الناس إلا بذلك.
٥ - ومن فوائد الآية: أنه إذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن، ولا إشهاد، ولا كتابة؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ ولهذ قال كثير من العلماء: إن هذه ناسخة لما سبق في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾؛ والصحيح أنها ليست ناسخة؛ بل مخصِّصة لما سبق.
٦ - ومنها: وجوب أداء الأمانة على من اؤتمن؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ فإذا وجب أداء الأمانة حرمت الخيانة.
٧ - ومنها: أنه لو تلفت العين بيد الأمين فإنه لا ضمان عليه ما لم يتعد، أو يفرط؛ لقوله تعالى: ﴿فليؤد الذي اؤتمن أمانته﴾؛ فسماها الله أمانة؛ والأمين يده غير متعدية؛ فلا يضمن إلا إذا حصل تعدٍّ، أو تفريط؛ ومن التعدي إذا أعطي الإنسانُ أمانة للحفظ تصرف فيها - كما يفعل بعض الناس - ببيع،
стр. 1316
أو شراء، أو نحو ذلك؛ وهذا حرام لا يجوز؛ وإذا أردت أن تفعل فاستأذِن من صاحبها؛ فإن أذن لك صارت عندك قرضاً.
٨ - ومن فوائد الآية: أنه يجب على هذا الذي اؤتمن ألا يغتر بثقة الناس به، فيفرط فيما يجب عليه من أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿وليتق الله ربه﴾؛ فأمره الله بأن يتقي الله: قال تعالى: ﴿وليتق الله﴾، وأردفها بقوله تعالى: ﴿ربه﴾؛ ففيه فائدة - وهي أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية؛ فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبداً لله ، وتقرباً له؛ وبنظره إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق، والملك، والتدبير؛ فلا بد أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية، ومقام الربوبية.
٩ - ومن فوائد الآية: إثبات ما دلّ عليه هذان الاسمان؛ وهما «الله»، و «الرب»؛ فالأول فيه إثبات الألوهية؛ والثاني فيه إثبات الربوبية؛ لأن المعبود لابد أن يكون أهلاً للعبادة؛ والرب لابد أن يكون أهلاً للربوبية؛ ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؛ والتوحيدان يستلزمان كمال الأسماء، والصفات؛ ولهذا قال إبراهيم ﷺ لأبيه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً﴾ [مريم: ٤٢].
١٠ - ومن فوائد الآية تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها سواء كان كتمان أصلها، أو وصفها؛ وسواء كان الحامل لها القرابة، والغنى؛ أو البعد، والفقر؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين
стр. 1317
والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ... ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية.
١١ - ومنها: أن كتْم الشهادة من الكبائر؛ لوجود العقوبة الخاصة بها - وهي قوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه﴾.
١٢ - ومنها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب؛ وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي ﷺ : «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (١)؛ وقوله ﷺ : «التقوى هاهنا» (٢) وأشار إلى صدره؛ فالتقوى في القلب، وليست في اللسان، ولا في الأفعال، ولا في الأحوال؛ فقد يكون الإنسان متقياً بفعله متقياً بقوله غير متقٍ بقلبه: تجده بفعله يتزيّ بزي المسلم الخالص - من إعفاء اللحية، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص: «أستغفر الله»، «اللهم اغفر لي»، ويذكر الله، ويكبر؛ هذه لا شك تقوى في الظاهر؛ والغالب أنها دليل على تقوى الباطن.
١٣ - ومن فوائد الآية: عموم علم الله بكل ما نعمل؛ لقوله تعالى: ﴿بما تعملون عليم﴾؛ فإن ﴿ما﴾ اسم موصول؛ والاسم الموصول يفيد العموم، فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلب، وأعمال الجوارح.
إذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا - إن قيل: لمراعاة الفواصل قلنا: فالنون تأتي في الفواصل كثيراً، مثل قوله تعالى: ﴿إنه خبير بما تفعلون﴾ [النمل: ٨٨]؛ وإن قيل: للحصر قلنا: لا
стр. 1318
يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء؛ لا يختص علمه بما نعمل فقط؛ فلا وجه للحصر؛ إذاً ما الفائدة؟.
فالجواب: الفائدة شدة التحذير، والتنبيه، كأنه يقول: لو لم يعلم شيئاً - وحاشاه من ذلك - لكان عالماً بعملنا؛ فمن قوة التحذير والإنذار جاء الكلام على وجه الحصر الإضافي.
١٤ - إذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن من أسماء الله «العليم»؟ قلنا: ربما نقول ذلك؛ وقد لا نقوله؛ قد نقول: إن الاسم إذا قيد بمتعلِّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون «عليم بكذا» ليس كقوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]؛ لأن هذا قُيد: «عليم بـ ... »، فكان وصفاً، وليس اسماً؛ أما لو قال تعالى: ﴿وهو العليم الحكيم﴾ [الزخرف: ٨٤] لكان هذا اسماً بلا شك.
١٥ - ومن فوائد الآية: التحذير من المخالفة بكون الله عالماً بما نعمل؛ وجه التحذير: تقديم المعمول.
١٦ - ومنها: الرد على غلاة القدرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم بأفعال العباد إلا إذا وقعت؛ فإن قوله تعالى: ﴿بما تعملون عليم﴾ يتضمن ما قد عملناه بالفعل، وما سنعمله.
القرآن
(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٨٤)
стр. 1319
التفسير:
﴿٢٨٤﴾ قوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾ جملة خبرية قُدِّم فيها الخبر لإفادة الحصر؛ يعني: أن كل شيء في السموات أو في الأرض فهو لله خلقاً، وملكاً، وتدبيراً؛ وليس لأحد غيره فيه ملك.
قوله تعالى: ﴿وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه﴾؛ جملة شرطية جوابها: ﴿يحاسبكم به الله﴾.
وقوله تعالى: ﴿وإن تبدوا﴾ أي وإن تظهروا؛ ﴿ما في أنفسكم﴾ أي ما في قلوبكم؛ ﴿أو تخفوه﴾ يعني تسرُّوه، فلا يطلع عليه أحد.
قوله تعالى: ﴿يحاسبكم به الله﴾ أي يُطْلِعكم عليه على وجه المحاسبة؛ ولا يلزم من المحاسبة العقوبة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾.
قوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ فيها قراءتان؛ قراءة بالسكون؛ وقراءة بالرفع؛ وجه قراءة السكون أنه معطوف على ﴿يحاسبكم﴾ الذي هو جواب الشرط؛ والمعطوف على المجزوم مجزوم؛ ووجه قراءة الرفع أنه على سبيل الاستئناف؛ فالفاء استئنافية تفيد قطع الجملة التي بعدها عما قبلها؛ و «المغفرة» ستر الذنب مع التجاوز عنه؛ لأن مادة «غفر» مأخوذة من المغفر - وهو ما يلبسه المقاتل على رأسه ليتقي بها السهام؛ وهو جامع بين ستر الرأس، والوقاية؛ و ﴿يعذب من يشاء﴾ أي يعاقب.
قوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ أي يوجد المعدوم، ويعدم الموجود بدون عجز؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله
стр. 1320
ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً﴾ [فاطر: ٤٤].
ولما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؛ قال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا! بل قولوا: ﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير؛ فلما اقترأها القوم ذَلَّت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله : ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ قال تعالى: «نعم»؛ ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾ قال تعالى: «نعم»؛ ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ قال تعالى: «نعم»؛ ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾ قال تعالى: «نعم» (١).
стр. 1321
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾؛ وليس معلوماً لنا سوى السموات والأرض؛ ويدخل في السموات الكرسي، والعرش، والملائكة، وأرواح بني آدم التي تكون في السماء، كأرواح المؤمنين في الجنة؛ لأن المراد بذلك كل ما علا؛ بل ويشمل ما بين السماء والأرض من الأفلاك، والنجوم، وغير ذلك؛ لأنها داخلة في السموات؛ لأنها في جهتها؛ ويدخل في الأرض العاقل، وغير العاقل؛ فيشمل بني آدم، والجن، ويشمل الحيوانات الأخرى، ويشمل الأشجار، والبحار، والأنهار، وغير ذلك.
٢ - ومن فوائد الآية: أن الله هو القائم على هذه السموات والأرض يدبرها كما يشاء؛ لأنها ملكه.
٣ - ومنها: أن الله لا شريك له في ذلك الملك؛ يستفاد ذلك من تقديم الخبر الذي حقه التأخير؛ وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ و «الحصر» إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما سواه.
٤ - ومنها: وجوب إفراد الله بالألوهية؛ لأن الإقرار بالربوبية يستلزم الإقرار بالألوهية - ولابد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم﴾ [البقرة: ٢١]؛ فجعل الربوبية موجباً لعبادته؛ وفي سورة النمل قال تعالى: ﴿أمن خلق السموات والأرض ... ﴾ [النمل: ٦٠] إلى آخر الآيات التي فيها تختم كل آية بقوله تعالى: ﴿أإله مع الله﴾ [النمل: ٦٠] يعني:
стр. 1322
فإذا كان هو المنفرد بما ذُكِر فإنه المنفرد بالألوهية.
٥ - ومن فوائد الآية: إثبات صفات الكمال لله ؛ لأننا إذا تأملنا في هذا الملك الواسع العظيم، وأنه يدبَّر بانتظام لا مثيل له علمنا بأن الذي يدبره كامل الصفات؛ فيؤخذ منه كل صفة كمال لله، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والعزة، والحكمة، وغير ذلك من صفاته ؛ لأنه لا يمكن أن يقوم بملك هذه الأشياء العظيمة إلا من هو متصف بصفات الكمال.
٦ - ومنها: إثبات أن السموات أكثر من واحدة؛ وهي سبع بنص القرآن، والسنة، والإجماع؛ أما القرآن فمثل قوله تعالى: ﴿قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ وأما السنة فمثل قوله ﷺ : «اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين ... » (١) الحديث؛ وأما الأرض فإنها جاءت بلفظ الإفراد في القرآن، وجاءت في السنة بلفظ الجمع؛ وعددها سبع: جاء ذلك في صريح السنة، وفي ظاهر القرآن؛ ففي ظاهر القرآن: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن﴾ [الطلاق: ١٢]؛ لأن المماثلة في الوصف
стр. 1323
متعذرة؛ فلم يبق إلا العدد؛ وأما في السنة فمثل قوله ﷺ : «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» (١).
٧ - ومن فوائد الآية: عموم علم الله وسعته؛ لقوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾؛ ولا محاسبة إلا من بعد علم.
٨ - ومنها: تحذير العبد من أن يخفي في قلبه ما لا يرضاه الله ؛ لأن الإنسان إذا علم بأن الله عالم بما يبدي وبما يخفي فسوف يراقب الله خوفاً من أن يحاسَب على ما أخفاه كما يحاسَب على ما أبداه.
٩ - ومنها: إثبات أن العبد يحاسب على ما في نفسه؛ وظاهره العموم؛ لقوله تعالى: ﴿ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾؛ ولكن جاءت النصوص الأخرى بالتفصيل في ذلك على النحو التالي:
الأول: أن يكون ما يطرأ على النفس وساوس لا قرار لها، ولا ركون إليها؛ فهذه لا تضر؛ بل هي دليل على كمال الإيمان؛ لأن الشيطان إذا رأى من قلب الإنسان إيماناً ويقيناً حاول أن يفسد ذلك عليه؛ ولهذا لما شكا الصحابة إلى رسول الله ﷺ ما يجدونه في أنفسهم من هذا قال ﷺ : «وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم؛ قال: ذاك صريح الإيمان» (٢)؛ وفي حديث آخر: «الحمد لله الذي
стр. 1324
رد كيده إلى الوسوسة» (١).
الثاني: أن يهمّ بالشيء المحرم، أو يعزم عليه، ثم يتركه؛ وهذا أنواع:
النوع الأول: أن يتركه لله؛ فيثاب على ذلك، كما جاءت به السنة فيمن همّ بسيئة فلم يعملها أنها تكتب حسنةً كاملة؛ قال الله تعالى: «لأنه تركها من جرّائي» (٢)، أي من أجلي.
النوع الثاني: أن يهمّ بها، ثم يتركها عزوفاً عنها؛ فهذا لا له، ولا عليه؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات؛ وإنما لكل امرئ ما نوى» (٣).
النوع الثالث: أن يتمناها، ويحرص عليها؛ ولكن لا يعمل الأسباب التي يحصِّلها بها؛ فهذا يعاقب على نيته دون العقاب الكامل، كما جاء في الحديث في فقير تمنى أن يكون له مثل مال غني كان ينفقه في غير مرضاة الله؛ فقال النبي ﷺ : «فهو بنيته؛ فهما في الوزر سواء» (٤).
стр. 1325
النوع الرابع: أن يعزم على فعل المعصية، ويعمل الأسباب التي توصل إليها؛ ولكن يعجز عنها؛ فعليه إثم فاعلها؛ لقول النبي ﷺ : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» (١).
١٠ - ومن فوائد الآية: إثبات محاسبة العبد؛ لقوله تعالى: ﴿يحاسبكم به الله﴾؛ ولهذا يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» (٢)؛ فينبغي للإنسان أن يكون كيساً يحاسب نفسه قبل أن يحاسَب؛ وإني لأعجب أن كثيراً من الناس إذا كان له تجارة دنيوية فإنه لا ينام حتى ينظر في الدفاتر: ما الذي خرج؟ وما الذي دخل؟ وما الذي بقي في ذمم الناس؟ وما الذي بيع؟ وما الذي اشتري؟ إما بنفسه؛ وإما بمن يجعلهم على هذا؛ ولكننا في أعمالنا الأخروية عندنا تفريط - يعني يندر يوماً من الأيام أن تقول: ماذا عملت اليوم؟ وتستغفر
стр. 1326
مما أسأت فيه، أو فرطت؛ وتحمد الله على ما قمت به من طاعته.
١١ - ومن فوائد الآية: أن الله لم يصرح بالمعاقبة؛ ولا يلزم من المحاسبة المؤاخذة؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ويؤيده ما ثبت في الصحيح أن الله يخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، ويقول: «عملت كذا في يوم كذا» حتى يقر؛ فإذا رأى أنه قد هلك يقول الله : «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (١).
١٢ - ومنها: سعة علم الله ، وكان من أسمائه: «الواسع» أي ذو السعة في جميع صفاته.
١٣ - ومنها: إثبات المشيئة لله ؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ومشيئته تعالى مقرونة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ كل شيء أضافه الله إلى مشيئته فاعلم أنه مقرون بحكمة؛ لا يشاء شيئاً إلا لحكمة - أياً كان هذا الشيء.
١٤ - ومنها: أنه بعد المحاسبة إما أن يغفر للإنسان؛ وإما أن يعذبه؛ لقوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ فإن كان كافراً عذب؛ وإن كان مسلماً كان تحت المشيئة، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
١٥ - ومنها: إثبات القدرة لله، وعمومها في كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾؛ فلا أحد يقدر على كل
стр. 1327
شيء إلا الله ؛ وأما المخلوق فقدرته محدودة.
فإن قيل: لماذا ختم الآية بالقدرة من بعد قوله تعالى: ﴿فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾؛ ولم يختمها بالرحمة، ولا بالعقوبة؟
فالجواب: أن المحاسبة تكون بعد البعث؛ والبعث يدل على القدرة؛ كما قال تعالى: ﴿أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير﴾ [فصلت: ٣٩].
وجه آخر: لو ختمت الآية بما يقتضي الرحمة وفيها التعذيب لم يكن هناك تناسب؛ ولو ختمت بما يقتضي التعذيب وفيها مغفرة لم يكن هناك تناسب؛ والقدرة تناسب الأمرين: تناسب المغفرة، وتناسب التعذيب؛ لأن المغفرة، والتعذيب كلٌّ لا يكون إلا بقدرة الله .
القرآن
(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥)
التفسير:
﴿٢٨٥﴾ قوله تعالى: ﴿آمن﴾؛ سبق مراراً، وتكراراً بأنه الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان - لقبول الخبر، والإذعان للحكم، أو لما يقتضيه؛ أما مجرد التصديق، والإقرار فلا ينفع؛
стр. 1328
ولهذا كان أبو طالب مقراً ببعثة الرسول ﷺ ، وأنه على حق؛ لكن لما لم يكن منه قبول وإذعان لم ينفعه هذا الإقرار؛ فالإيمان شرعاً هو الإقرار المستلزم للقبول، والإذعان.
قوله تعالى: ﴿الرسول﴾؛ «أل» هنا للعهد؛ والمراد به محمد ﷺ ؛ ﴿الرسول﴾ بمعنى مرسَل؛ و «الرسول» - كما قال العلماء - هو من أوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه؛ هذا الذي عليه أكثر أهل العلم؛ و «النبي» هو الذي لم يؤمر بتبليغه ما لم يدل الدليل على أن المراد به الرسول؛ ففي القرآن الكريم كل من وصف بالنبوة فهو رسول؛ لقوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ... ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قوله تعالى: ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥]؛ ولقوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله﴾ [غافر: ٧٨].
قوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾ أي بالذي أنزل إليه من ربه؛ والذي أنزل إلى الرسول ﷺ بيَّنه الله في قوله: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ [النساء: ١١٣]- فهو القرآن، والسنة؛ والرسول ﷺ كيف آمن بهما؟ الرسول آمن بأن القرآن من عند الله أنزله إليه ليبلغه إلى الناس، وآمن بأن ما أوحي إليه من السنة هو من الله ؛ أوحي به ليبلغه إلى الناس؛ ثم هو أيضاً آمن بما يقتضيه هذا المنزل من قبول، وإذعان؛ ولهذا كان الرسول ﷺ أشد الناس تصديقاً بما أنزل إليه، وأقواهم إيماناً بلا شك، وكان أيضاً أعظمهم تعبداً لله حتى إنه كان يقوم في الليل حتى تتورم قدماه مع أنه قد غُفر له ما تقدم من
стр. 1329
ذنبه، وما تأخر (١)؛ وقام معه ابن مسعود ﵁ ذات ليلة يقول: فقام فأطال حتى هممت بأمر سوء؛ قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: «هممت أن أجلس، وأدعه» (٢)؛ لأن الرسول كان يقوم قياماً طويلاً - صلوات الله وسلامه عليه؛ إذاً فهو أقوى الناس إيماناً، وأشدهم رغبة في الخير، وأكثرهم عبادة.
وقوله تعالى: ﴿من ربه﴾ يراد بها الربوبية أخص الخاصة؛ لأن ربوبية الله عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة؛ فالعامة الشاملة لكل الخلق، مثل: ﴿رب العالمين﴾ [الفاتحة: ١]؛ والخاصة للمؤمنين؛ وخاصة الخاصة للرسل - عليهم الصلاة والسلام -؛ فالذين يقولون: ﴿ربنا إننا آمنا فاغفر لنا﴾ [آل عمران: ١٦] هذه ربوبية خاصة لكل المؤمنين؛ ومثل: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ هذه أخص الخاصة، ومثلها: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]؛ يقابل ذلك «العبودية»: عبودية عامة؛ وخاصة؛ وأخص الخاصة؛ العامة مثل قوله تعالى: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾ [مريم: ٩٣]؛ والخاصة مثل قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً﴾
стр. 1330
[الفرقان: ٦٣]؛ وخاصة الخاصة مثل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان: ١]، وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]؛ ولا شك أن الربوبية الخاصة تقتضي تربية خاصة لا يماثلها تربية أحد من العالمين.
قوله تعالى: ﴿والمؤمنون﴾ بالرفع عطفاً على ﴿الرسول﴾ يعني: المؤمنون كذلك آمنوا بما أنزل إلى النبي ﷺ من الله؛ فيؤمنون بثلاثة أشياء: بالمرسِل - وهو الله ؛ والمرسَل - وهو الرسول ﷺ ؛ والمرسَل به - وهو الوحي: الكتاب، والسنة.
فإن قال قائل: كيف قال تعالى: ﴿والمؤمنون﴾: فوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون؟ فنقول: هذا من باب التحقيق؛ يعني: أن المؤمنين حققوا الإيمان، وليس إيمانهم إيماناً ظاهراً فقط - كما يكون من المنافق الذي يُظهر الإيمان، ولكنه مبطن للكفر.
قوله تعالى: ﴿كل﴾ يعني: من الرسول، والمؤمنين؛ ﴿آمن بالله﴾: أي بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته - كما تقدم ذلك مبسوطاً.
قوله تعالى: ﴿وملائكته﴾ معطوف على الاسم الكريم: «الله»؛ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله من نور، وأعطاهم قوة، وقدرة على تنفيذ ما يريد منهم؛ قال الله تعالى في ملائكة النار: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [التحريم: ٦].
قوله تعالى: ﴿وكتبه﴾؛ وفي قراءة: «وكتابه»؛ ولا منافاة؛ لأن المفرد المضاف يعم؛ والكتب المنزلة على الأنبياء الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أنها بعدد الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان﴾
стр. 1331
[الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ ولكن مع ذلك فنحن لا نعرف على التعيين إلا عدداً قليلاً منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى - إن كانت غير التوراة؛ وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر؛ نعرف هذه الكتب، ونؤمن بها على أعيانها؛ والباقي نؤمن بها على سبيل الإجمال؛ ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن هو الإيمان بأنه كلام الله منزل على محمد ﷺ بلسان عربي مبين؛ ونصدق بكل أخباره؛ ونلتزم بكل أحكامه؛ وأما الإيمان بالكتب السابقة فهو أن نؤمن بأن الله أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وآتى داود الزبور، وأنزل صحفاً على إبراهيم، وموسى؛ وأن كل ما جاء فيها من خبر فهو حق صدق؛ وأما الأحكام فما جاءت شريعتنا بخلافه فالعمل على ما جاءت به شريعتنا؛ لأنه منسوخ؛ وأما ما لا يخالف شريعتنا فاختلف العلماء في العمل به؛ والصحيح أنه يعمل به؛ وبسط ذلك في أصول الفقه؛ وليعلم أن التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، والإنجيل الذي بأيدي النصارى لا يوثق بهما؛ لأنهم حَرَّفوا،
وبدلوا، وكتموا الحق.
قوله تعالى: ﴿ورسله﴾ جمع رسول.
قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾؛ هنا التفات من الغيبة إلى التكلم؛ ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: «لا يفرقون بين أحد من رسله»؛ ولكنه تعالى قال: ﴿لا نفرق﴾؛ وفائدة الالتفات هي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه، وربما يغيب فكره؛ وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع
стр. 1332
الذهن يقول: انتبه! فالالتفات هنا من الغيبة إلى التكلم له فائدة زائدة على التنبيه - وهي أن يقول هؤلاء المؤمنون: ﴿لا نفرق﴾ بقلوبنا، وألسنتنا ﴿بين أحد من رسله﴾؛ فالكل عندنا حق؛ فمحمد ﷺ صادق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم ﷺ صادق، وموسى ﷺ صادق، وصالح ﷺ صادق، ولوط ﷺ صادق، وإبراهيم ﷺ صادق ... وهكذا؛ لا نفرق بينهم في هذا الأمر - أي في صدق رسالتهم، والإيمان بهم؛ ولكن نفرق بينهم فيما كلفنا به: فنعمل بشريعة محمد ﷺ ؛ وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
قوله تعالى: ﴿سمعنا وأطعنا﴾ أي سمعنا ما أمرتنا به، أو نهيتنا عنه؛ وأطعنا فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور.
قوله تعالى: ﴿غفرانك﴾ مفعول لفعل محذوف؛ والتقدير: نسألك غفرانك؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه.
قوله تعالى: ﴿ربنا﴾ أي يا ربنا؛ وحذفت «يا» النداء للبداءة باسم الله.
قوله تعالى: ﴿وإليك المصير﴾ أي المرجع في أمور الدنيا، والآخرة؛ ومن المصير إليه: يوم القيامة؛ وقدم الخبر لإفادة الحصر.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن محمداً ﷺ مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ ولهذا قال ﷺ : «أشهد أني رسول الله» (١)، في قصة دين جابر ﵁ كما في صحيح البخاري.
стр. 1333
٢ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾؛ والمنزل هو الوحي؛ والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم؛ لا يمكن أن يقوم بنفسه؛ وعلى هذا يكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله - الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ .
٣ - ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه﴾.
٤ - ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿الرسول﴾، وقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.
٥ - ومنها: عظم ربوبية الله، وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول ﷺ ، حيث قال تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.
ويتفرع على ذلك أن الله سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك - لا سيما وأنه سوف يبلِّغ ما أنزل إليه من ربه.
٦ - ومن فوائد الآية: أن المؤمنين تبع للرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾؛ وجه التبعية أنه ذكر ما آمن به قبل أن يذكر التابع - يعني ما قال: «آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه»، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول ﷺ لا يستقلون بشريعة دونه.
٧ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول ﷺ كان أشد اتباعاً له؛ وجهه أنه تعالى قال: ﴿بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ يعني: والمؤمنون آمنوا بما أنزل على محمد ﷺ من ربه؛ وعليه فكل من كان أقوى إيماناً كان أشد اتباعاً.
٨ - ومنها: أن إيمان الرسول ﷺ والمؤمنين شامل لكل
стр. 1334
أصول الدين؛ لقوله تعالى: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾؛ ويبقى عندنا إشكال؛ وهو أنه ليس في الآية ذكر الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر؟ والجواب من أحد وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.
والوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالكتب، والرسل متضمن للإيمان باليوم الآخر، والقدر.
٩ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.
١٠ - ومنها: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق؛ لا تقول مثلاً: نؤمن بمحمد ﷺ ، ولا نؤمن بعيسى لأن عيسى من بني إسرائيل؛ نحن لا نفرق بين الرسل؛ وقد سبق لنا معنى قوله تعالى: ﴿لا نفرق﴾.
١١ - ومن فوائد الآية: أن من صفات المؤمنين السمع، والطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور: ٥١، ٥٢]، وكقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من لا يسمع، ولا يطيع؛ بل هو معرض؛ لم يرفع لأمر الله، ورسوله رأساً.
القسم الثاني: من يسمع، ولا يطيع؛ بل هو مستكبر؛ اتخذ آيات الله هزواً، كقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً
стр. 1335
كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم﴾ [لقمان: ٧]، وكقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وعصينا﴾ [البقرة: ٩٣]؛ وهذا أعظم جرماً من الأول.
القسم الثالث: من يسمع، ويطيع؛ وهؤلاء هم المؤمنون الذين قالوا سمعنا وأطعنا، وقال الله فيهم: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧١].
١٢ - ومن فوائد الآية: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله تعالى: ﴿غفرانك﴾؛ فكل إنسان محتاج إلى مغفرة - حتى النبي ﷺ محتاج إلى مغفرة؛ ولهذا لما قال ﷺ : «لن يُدخل الجنة أحداً عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» (١)؛ وقال الله : ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]؛ واعلم أن الإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاماً منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئاً للحال التي كان عليها، وماشياً على ما هو عليه معتقداً أنه كامل، وأن ليس عليه ذنوب؛ فإذا أذنب، وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه، فيزداد إيماناً، ويزداد مقاماً - يرتفع مقامه عند الله ؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم: ﴿وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]- فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية - ﴿فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢]؛