[الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ ولكن مع ذلك فنحن لا نعرف على التعيين إلا عدداً قليلاً منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى - إن كانت غير التوراة؛ وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر؛ نعرف هذه الكتب، ونؤمن بها على أعيانها؛ والباقي نؤمن بها على سبيل الإجمال؛ ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن هو الإيمان بأنه كلام الله منزل على محمد ﷺ بلسان عربي مبين؛ ونصدق بكل أخباره؛ ونلتزم بكل أحكامه؛ وأما الإيمان بالكتب السابقة فهو أن نؤمن بأن الله أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وآتى داود الزبور، وأنزل صحفاً على إبراهيم، وموسى؛ وأن كل ما جاء فيها من خبر فهو حق صدق؛ وأما الأحكام فما جاءت شريعتنا بخلافه فالعمل على ما جاءت به شريعتنا؛ لأنه منسوخ؛ وأما ما لا يخالف شريعتنا فاختلف العلماء في العمل به؛ والصحيح أنه يعمل به؛ وبسط ذلك في أصول الفقه؛ وليعلم أن التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، والإنجيل الذي بأيدي النصارى لا يوثق بهما؛ لأنهم حَرَّفوا،
وبدلوا، وكتموا الحق.
قوله تعالى: ﴿ورسله﴾ جمع رسول.
قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾؛ هنا التفات من الغيبة إلى التكلم؛ ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: «لا يفرقون بين أحد من رسله»؛ ولكنه تعالى قال: ﴿لا نفرق﴾؛ وفائدة الالتفات هي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد فإن الإنسان ينسجم معه، وربما يغيب فكره؛ وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع
стр. 1332
الذهن يقول: انتبه! فالالتفات هنا من الغيبة إلى التكلم له فائدة زائدة على التنبيه - وهي أن يقول هؤلاء المؤمنون: ﴿لا نفرق﴾ بقلوبنا، وألسنتنا ﴿بين أحد من رسله﴾؛ فالكل عندنا حق؛ فمحمد ﷺ صادق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم ﷺ صادق، وموسى ﷺ صادق، وصالح ﷺ صادق، ولوط ﷺ صادق، وإبراهيم ﷺ صادق ... وهكذا؛ لا نفرق بينهم في هذا الأمر - أي في صدق رسالتهم، والإيمان بهم؛ ولكن نفرق بينهم فيما كلفنا به: فنعمل بشريعة محمد ﷺ ؛ وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
قوله تعالى: ﴿سمعنا وأطعنا﴾ أي سمعنا ما أمرتنا به، أو نهيتنا عنه؛ وأطعنا فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور.
قوله تعالى: ﴿غفرانك﴾ مفعول لفعل محذوف؛ والتقدير: نسألك غفرانك؛ والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه.
قوله تعالى: ﴿ربنا﴾ أي يا ربنا؛ وحذفت «يا» النداء للبداءة باسم الله.
قوله تعالى: ﴿وإليك المصير﴾ أي المرجع في أمور الدنيا، والآخرة؛ ومن المصير إليه: يوم القيامة؛ وقدم الخبر لإفادة الحصر.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن محمداً ﷺ مكلف بالإيمان بما أنزل إليه؛ ولهذا قال ﷺ : «أشهد أني رسول الله» (١)، في قصة دين جابر ﵁ كما في صحيح البخاري.
стр. 1333
٢ - ومنها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾؛ والمنزل هو الوحي؛ والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم؛ لا يمكن أن يقوم بنفسه؛ وعلى هذا يكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله - الوحي الذي أنزل على محمد ﷺ .
٣ - ومنها: إثبات علوّ الله ؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى؛ لقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه﴾.
٤ - ومنها: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿الرسول﴾، وقوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.
٥ - ومنها: عظم ربوبية الله، وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول ﷺ ، حيث قال تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.
ويتفرع على ذلك أن الله سينصره؛ لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك - لا سيما وأنه سوف يبلِّغ ما أنزل إليه من ربه.
٦ - ومن فوائد الآية: أن المؤمنين تبع للرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾؛ وجه التبعية أنه ذكر ما آمن به قبل أن يذكر التابع - يعني ما قال: «آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه»، وهذا يدل على أنهم أتباع للرسول ﷺ لا يستقلون بشريعة دونه.
٧ - ومنها: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيماناً بالرسول ﷺ كان أشد اتباعاً له؛ وجهه أنه تعالى قال: ﴿بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ يعني: والمؤمنون آمنوا بما أنزل على محمد ﷺ من ربه؛ وعليه فكل من كان أقوى إيماناً كان أشد اتباعاً.
٨ - ومنها: أن إيمان الرسول ﷺ والمؤمنين شامل لكل
стр. 1334
أصول الدين؛ لقوله تعالى: ﴿كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾؛ ويبقى عندنا إشكال؛ وهو أنه ليس في الآية ذكر الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر؟ والجواب من أحد وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن هذا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿بما أنزل إليه من ربه﴾.
والوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالكتب، والرسل متضمن للإيمان باليوم الآخر، والقدر.
٩ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.
١٠ - ومنها: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق؛ لا تقول مثلاً: نؤمن بمحمد ﷺ ، ولا نؤمن بعيسى لأن عيسى من بني إسرائيل؛ نحن لا نفرق بين الرسل؛ وقد سبق لنا معنى قوله تعالى: ﴿لا نفرق﴾.
١١ - ومن فوائد الآية: أن من صفات المؤمنين السمع، والطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور: ٥١، ٥٢]، وكقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من لا يسمع، ولا يطيع؛ بل هو معرض؛ لم يرفع لأمر الله، ورسوله رأساً.
القسم الثاني: من يسمع، ولا يطيع؛ بل هو مستكبر؛ اتخذ آيات الله هزواً، كقوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً
стр. 1335
كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشره بعذاب أليم﴾ [لقمان: ٧]، وكقوله تعالى: ﴿وقالوا سمعنا وعصينا﴾ [البقرة: ٩٣]؛ وهذا أعظم جرماً من الأول.
القسم الثالث: من يسمع، ويطيع؛ وهؤلاء هم المؤمنون الذين قالوا سمعنا وأطعنا، وقال الله فيهم: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ [الأحزاب: ٧١].
١٢ - ومن فوائد الآية: أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله تعالى: ﴿غفرانك﴾؛ فكل إنسان محتاج إلى مغفرة - حتى النبي ﷺ محتاج إلى مغفرة؛ ولهذا لما قال ﷺ : «لن يُدخل الجنة أحداً عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة» (١)؛ وقال الله : ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ١، ٢]، وقال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [محمد: ١٩]؛ واعلم أن الإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاماً منه قبل الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئاً للحال التي كان عليها، وماشياً على ما هو عليه معتقداً أنه كامل، وأن ليس عليه ذنوب؛ فإذا أذنب، وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب إليه، وأخبت إليه، فيزداد إيماناً، ويزداد مقاماً - يرتفع مقامه عند الله ؛ ولهذا قال الله تعالى في آدم: ﴿وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه﴾ [طه: ١٢١، ١٢٢]- فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية - ﴿فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢]؛
стр. 1336
وهذا كثيراً ما يقع: إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه، وأنه محتاج إلى الله، ورجع إلى الله، وأحس بالخطيئة، وأكثر من الاستغفار، وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب.
١٣ - ومن فوائد الآية: تواضع المؤمنين، حيث قالوا: ﴿سمعنا وأطعنا﴾، ثم سألوا المغفرة خشية التقصير.
١٤ - ومنها: إثبات أن المصير إلى الله في كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وإليك المصير﴾؛ وقد سبق في التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة، والمصير إلى الله في الدنيا أيضاً؛ فهو الذي يحكم بين الناس في الدنيا والآخرة - كما قال تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠]: هذا في الدنيا؛ والآخرة: كما قال تعالى: ﴿لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم﴾ [الممتحنة: ٣]، وقال تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ [النساء: ١٤١].
القرآن
(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة: ٢٨٦)
التفسير:
هذه الآية، والتي قبلها وردت فيها نصوص تدل على الفضل العظيم؛ منها:
стр. 1337
١ - أنها من كنز تحت العرش (١).
٢ - أنها فتحت لها أبواب السماء عند نزولها (٢).
٣ - أنها لم يعطها أحد من الأنبياء قبل رسول الله ﷺ (٣).
٤ - أن من قرأهما في ليلة كفتاه (٤).
﴿٢٨٦﴾ قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله﴾؛ «التكليف» الإلزام بما فيه مشقة؛ يعني لا يلزم الله؛ ﴿نفساً إلا وسعها﴾ أي إلا طاقتها؛ فلا يلزمها أكثر من الطاقة.
قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت﴾ أي ما عملت من خير لا
стр. 1338
ينقص منه شيء؛ ﴿وعليها ما اكتسبت﴾ أي ما اقترفت من إثم لا يحمله عنها أحد؛ و «الكسب»، و «الاكتساب» بمعنًى واحد؛ وقيل بينهما فرق؛ وهو أن «الكسب» في الخير، وطرقه أكثر؛ و «الاكتساب» في الشر، وطرقه أضيق - والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾: هذه الجملة مقول لقول محذوف - أي «قولوا ربنا»؛ أو: «قالوا ربنا» عوداً على ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون﴾ - أي: و ﴿قالوا سمعنا وأطعنا﴾، وقالوا: ﴿ربنا لا تؤاخذنا .. ﴾؛ و ﴿ربنا﴾ منادى حذفت منه «يا» النداء اختصاراً، وتيمناً بالبداءة باسم الله ؛ و ﴿لا تؤاخذنا﴾ أي لا تعاقبنا بما أخطأنا فيه.
قوله تعالى: ﴿إن نسينا أو أخطأنا﴾: «النسيان» هو ذهول القلب عن معلوم؛ يكون الإنسان يعلم الشيء، ثم يغيب عنه؛ ويسمى هذا نسياناً، كما لو سألتك: ماذا صنعت بالأمس؟ تقول: «نسيت»؛ فأنت فاعل؛ ولكن غاب عنك فعله؛ و «الخطأ»: المخالفة بلا قصد للمخالفة؛ فيشمل ذلك الجهل؛ فإن الجاهل إذا ارتكب ما نهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة بغير قصد للمخالفة.
قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً﴾: أتى بالواو ليفيد أن هذه الجملة معطوفة على التي قبلها؛ وكرر النداء تبركاً بهذا الاسم الكريم، وتعطفاً على الله ؛ لأن هذا من أسباب إجابة الدعاء؛ و «الإصر» هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان من التكاليف، أو العقوبات.
قوله تعالى: ﴿كما حملته على الذين من قبلنا﴾ أي اليهود، والنصارى، وغيرهم.
стр. 1339
قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ أي لا قدرة لنا على تحمله من الأمور الشرعية، والكونية.
قوله تعالى: ﴿واعف عنا﴾ أي تجاوز عما قصرنا فيه من الواجبات؛ ﴿واغفر لنا﴾ أي تجاوز عما اقترفناه من السيئات؛ ﴿وارحمنا﴾ أي تفضل علينا بالرحمة حتى لا نقع في فعل محظور، أو في تهاون في مأمور.
قوله تعالى: ﴿أنت مولانا﴾: الجملة هنا خبرية مكونة من مبتدأ، وخبر كلاهما معرفة؛ وقد قال علماء البلاغة: إن الجملة المكونة من مبتدأ، وخبر كلاهما معرفة تفيد الحصر؛ والمراد: متولي أمورنا.
قوله تعالى: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ الفاء هنا للتفريع؛ يعني فبولايتك الخاصة انصرنا على القوم الكافرين - أي اجعل لنا النصر عليهم؛ وهو عام في كل كافر.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: بيان رحمة الله بعباده، حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه؛ ولو شاء أن يكلفهم ما لم يستطيعوا لفعل.
فإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون؟ وما الفائدة بأن يأمرهم بشيء لا يستطيعونه؟
فالجواب: أن الفائدة أنه لو كلفهم بما لا يستطيعون، وعجزوا عاقبهم على ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة؛ ولها نظائر في القرآن، وكذلك في السنة.
٢ - ومن فوائد الآية: إثبات القاعدة المشهورة عند أهل
стр. 1340
العلم؛ وهي: لا واجب مع العجز؛ ولا محرم مع الضرورة؛ لكن إن كان الواجب المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله؛ فإن لم يكن له بدل سقط؛ وإن عجز عن بدله سقط؛ مثال ذلك: إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب التطهر بالماء؛ لكن ينتقل إلى التيمم؛ فإن عجز سقط التيمم أيضاً - مثال ذلك: شخص محبوس مكبل لا يستطيع أن يتوضأ، ولا أن يتيمم: فإنه يصلي بلا وضوء، ولا تيمم؛ مثال آخر: رجل قتل نفساً معصومة خطأً: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه أن يصوم شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع سقطت الكفارة؛ مثال ثالث: رجل جامع زوجته في نهار رمضان: فعليه أن يعتق رقبة؛ فإن لم يجد فعليه صيام شهرين؛ فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً؛ فإن لم يجد فلا شيء عليه.
ومثال سقوط التحريم مع الضرورة: رجل اضطر إلى أكل الميتة بحيث لا يجد ما يسد رمقه سوى هذه الميتة: فإنه يحل له أكلها؛ وهل له أن يشبع؛ أو يقتصر على ما تبْقى به حياته؟
والجواب: إن كان يرجو أن يجد حلالاً عن قرب فيجب أن يقتصر على ما يسد رمقه؛ وإن كان لا يرجو ذلك فله أن يشبع، وأن يتزود منها - وأن يحمل معه منها - خشية أن لا يجد حلالاً عن قرب.
ومعنى الضرورة أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم؛ وأن ضرورته تندفع به - فإن لم تندفع فلا فائدة؛ مثال ذلك: رجل ظن أنه في ضرورة إلى التداوي بمحرم؛ فأراد أن يتناوله: فإنه لا يحل له ذلك لوجوه:
الأول: أن الله حرمه؛ ولا يمكن أن يكون ما حرمه شافياً لعباده، ولا نافعاً لهم.
стр. 1341
الثاني: أنه ليس به ضرورة إلى هذا الدواء المحرم؛ لأنه قد يكون الشفاء في غيره، أو يشفى بلا دواء.
الثالث: أننا لا نعلم أن يحصل الشفاء في تناوله؛ فكم من دواء حلال تداوى به المريض ولم ينتفع به؛ ولهذا قال النبي ﷺ في الحبة السوداء: «إنها شفاء من كل داء إلا السام - يعني الموت» (١)؛ فهذه مع كونها شفاءً لا تمنع الموت؛ ولذلك لو اضطر إلى شرب خمر لدفع لقمة غص بها جاز له ذلك، لأن الضرورة محققة، واندفاعها بهذا الشرب محقق.
الخلاصة الآن: أخذنا من هذه الآية الكريمة: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ قاعدتين متفقاً عليهما؛ وهما:
أ - لا واجب مع العجز.
ب - ولا محرم مع الضرورة.
٣ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وعليها ما اكتسبت﴾.
إذا قال قائل: ما تقولون في قول النبي ﷺ : «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢)؟
فالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولاً اقتدى الناس به؛ فكان اقتداؤهم به من آثار فعله؛ ولما كان هو
стр. 1342
المتسبِّب، وهو الدال على هذا الفعل كان مكتسباً له.
٤ - ومنها: يسر الدين الإسلامي؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسها إلا وسعها﴾.
ويتفرع على هذا أن يختلف الناس فيما يلزمون به؛ فالقادر على القيام في الفريضة يلزمه القيام؛ والعاجز عن القيام يصلي قاعداً؛ والعاجز عن القعود يصلي على جنب؛ وكذلك القادر على الجهاد ببدنه يلزمه الجهاد ببدنه إذا كان الجهاد فرضاً؛ والعاجز لا يلزمه؛ وكذلك القادر على الحج ببدنه وماله يلزمه أداء الحج ببدنه، والعاجز عنه ببدنه عجزاً لا يرجى زواله القادر بماله يلزمه أن ينيب من يحج عنه؛ والعاجز بماله وبدنه لا يلزمه الحج.
٥ - ومن فوائد الآية: أن للإنسان طاقة محدودة؛ لقوله تعالى: ﴿إلا وسعها﴾؛ فالإنسان له طاقة محدودة في كل شيء: في العلم، والفهم، والحفظ، فيكلف بحسب طاقته.
٦ - ومنها: أن للإنسان ما كسب دون أن ينقص منه شيء، كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً﴾ [طه: ١١٢].
٧ - ومنها: أن الأعمال الصالحة كسب؛ وأن الأعمال السيئة غُرْم؛ وذلك مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لها﴾، ومن قوله تعالى: ﴿عليها﴾؛ فإن «على» ظاهرة في أنها غُرم؛ واللام ظاهرة في أنها كسب.
٨ - ومنها: رحمة الله بالخلق، حيث علمهم دعاءً يدعونه به، واستجاب لهم إياه في قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾.
стр. 1343
٩ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف المناسب، مثل الربوبية - التي بها الخلق، والتدبير؛ ولهذا كان أكثر الأدعية في القرآن مصدرة بوصف الربوبية، مثل: «ربنا»، ومثل: «ربِّ».
١٠ - ومنها: رفع المؤاخذة بالنسيان، والجهل؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (١)؛ ولا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب؛ فمن ترك الواجب نسياناً، أو جهلاً، وجب عليه قضاؤه، ولم يسقط الطلب به؛ ولهذا قال النبي - صلوات الله وسلامه عليه: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» (٢)؛ ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته قال له: «ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ» (٣)؛ ولم يعذره بالجهل مع أنه لا يحسن غير هذا؛ إذاً فعدم المؤاخذة بالنسيان، والجهل لا يسقط الطلب؛ وهذا في المأمورات ظاهر؛ أما المنهيات فإن من فعلها جاهلاً، أو ناسياً فلا إثم عليه، ولا كفارة؛ مثال ذلك: لو أكل وهو صائم ناسياً فلا إثم عليه؛ لقول النبي ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل، أو شرب، فليتم صومه» (٤)؛ وكذلك لو
стр. 1344
أكل وهو صائم جاهلاً فإن صومه صحيح سواء كان جاهلاً بالحكم، أو بالوقت؛ لأن أسماء بنت أبي بكر قالت: «أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ يومَ غيم، ثم طلعت الشمس» (١)؛
ولم يؤمروا بالقضاء؛ ولكن لو فعل المحرم عالماً بتحريمه جاهلاً بما يترتب عليه لم يسقط عنه الإثم، ولا ما يترتب على فعله؛ مثل أن يجامع الصائم في نهار رمضان وهو يجب عليه الصوم عالماً بالتحريم - لكن لا يعلم أن عليه الكفارة: فإنه آثم، وتجب عليه الكفارة؛ لما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، هلكت قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم» (٢)؛ فألزمه النبي ﷺ بالكفارة (٢)؛ لأنه كان عالماً بالحكم بدليل قوله: «هلكت».
فإن قال قائل: «قد ذكرتم أن المأمور لا يسقط بالجهل والنسيان»، فما الفائدة من عذره الجهل؟
فالجواب: أن الفائدة عدم المؤاخذة؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه محرم يعلم به لكان آثماً؛ لأنه كالمستهزئ بالله وآياته، حيث يعلم أن هذا محرم، فيتقرب به إلى الله.
١١ - ومن فوائد الآية: أن فعل الإنسان واقع باختياره؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾؛ فيكون فيها رد على الجبرية الذين يقولون: «إنه لا اختيار للعبد فيما فعل»؛ وبيان
стр. 1345
مذهبهم، والرد عليهم بالتفصيل مذكور في كتب العقائد.
١٢ - ومنها: أن النسيان وارد على البشر؛ والخطأ وارد على البشر؛ وجهه: قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (١)؛ وهذا إقرار من الله على وقوع النسيان، والخطأ من البشر.
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله يجعل البشر ينسى، ويخطئ؟
فالجواب: ليتبين للإنسان ضعفه، وقصوره: ضعفه في الإدراك، وضعفه في الإبقاء، وفي كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم، والذاكرة، وما أشبه ذلك؛ وليعرف الإنسان افتقاره إلى الله في دعائه في رفع النسيان، والجهل عنه؛ فيلجأ إلى الله ، فيقول: «رب علمني ما جهلت، وذكرني ما نسيت»، وما أشبه ذلك.
١٣ - ومن فوائد الآية: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها مَنْ قبلنا؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾، فقال الله تعالى: «قد فعلت» (٢).
١٤ - ومنها: أن من كان قبلنا مكلفون بأعظم مما كلفنا به؛ لقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا﴾؛ مثال ذلك: قيل لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل: لن تقبل توبتكم حتى تقتلوا أنفسكم - أي يقتل بعضكم بعضاً؛ قيل: أنهم أمروا أن يكونوا في ظلمة، وأن يأخذ كل واحد منهم
стр. 1346
سكيناً، أو خنجراً، وأن يطعن من أمامه سواء كان ابنه، أو أباه، أو عمه، أو أخاه، أو غيرهم؛ وهذا لا شك تكليف عظيم، وعبء ثقيل؛ أما نحن فقيل لنا - حتى في الشرك: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً * إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
١٥ - ومن فوائد الآية: أن ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية، فلا يُحَمِّلُه ما لا طاقة له به؛ ففيه رد على الصوفية الذين قالوا: نحن لا نسأل الله تعالى أن يقينا ما يشق علينا؛ لأننا عبيده؛ وإذا حصل لنا ما يشق فإننا نصبر عليه لنكسب أجراً.
١٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير في المأمورات؛ فيسأل الله العفو عن تقصيره؛ لقوله تعالى: ﴿واعف عنا﴾؛ وسؤالُ الله المغفرة من ذنوبه التي فعلها؛ لقوله تعالى: ﴿واغفر لنا﴾؛ لأن الإنسان إن لم يُغفر له تراكمت عليه الذنوب، ورانت على قلبه، وربما توبقه، وتهلكه.
١٧ - ومن فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله أن يرحمه في مستقبل أمره؛ فيعفو عما مضى، ويغفر؛ ويرحم في المستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿وارحمنا﴾؛ وبه نعرف اختلاف هذه الكلمات الثلاث: طلب العفو عن التفريط في الطاعات؛ والاستغفار عن فعل المحرمات؛ والرحمة فيما يستقبله الإنسان من زمنه - أن الله يرحمه، ويوفقه لما فيه مصلحته.
١٨ - ومنها: أن المؤمن لا وليّ له إلا ربه؛ لقوله تعالى:
стр. 1347
﴿أنت مولانا﴾؛ وولاية الله نوعان: خاصة، وعامة؛ فالولاية الخاصة ولاية الله للمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله تعالى: ﴿والله ولي المؤمنين﴾، وقوله تعالى: ﴿إن وليّ الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾ [الأعراف: ١٩٦]؛ والعامة: ولايته لكل أحد؛ فالله ولي لكل أحد بمعنى أنه يتولى جميع أمور الخلق؛ مثاله قوله تعالى: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [يونس: ٣٠].
١٩ - ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بما يقتضي الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿أنت مولانا﴾ بعد أن ذكر الدعاء في قوله تعالى: ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا﴾.
٢٠ - ومنها: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله في النصرة على القوم الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾؛ والنصر على الكافرين يكون بأمرين: بالحجة، والبيان؛ وكذلك بالسيف، والسلاح؛ وأما السيف، والسلاح فظاهر؛ وأما الحجة، والبيان فقد يجتمع كافر، ومسلم، ويتناظران في أمر من أمور العقيدة فإن لم ينصر الله المسلم خُذل، وكان في ذلك خُذلان له، وللدين الذي هو عليه؛ وهذا النوع من النصر يتعين في المنافقين؛ لأن المنافق لا يجاهَد بالسيف، والسلاح؛ لأنه يُظهر أنه معك؛ ولهذا لما استؤذن الرسول ﷺ في قتل المنافقين قال: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه» (١).
* * *