يجزيه الحسنة بعشر أمثالها؛ وفي الحديث القدسي: "إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً؛ وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعاً؛ وَإِذَا أَتَانِي مَشْياً أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (١) ..
. ٥ ومن فوائد الآية: أن من نكث بعهد الله فإنه يعاقب بحرمانه ما رتب الله تعالى على الوفاء بالعهد؛ وذلك؛ لأن المنطوق في الآية أن من وفى لله وفى الله له؛ فيكون المفهوم أن من لم يفِ فإنه يعاقب، ولا يعطى ما وُعِد به؛ وهذا مقتضى عدل الله ..
. ٦ ومنها: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن الناذر معاهد لله، كما قال تعالى: ﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين﴾ [التوبة: ٧٥] ..
. ٧ ومنها: وجوب إخلاص الرهبة لله ؛ لقوله تعالى: () وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (البقرة: الآية ٤٠)
. ٨ ومنها: أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وأمر بإخلاصها ..
فإن قال قائل: هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع، أو من عدو؟
فالجواب: لا ينافي هذا التوحيد؛ ولهذا وقع من الرسل: إبراهيم. ﵊. لما جاءه الضيوف، ولم يأكلوا
стр. 212
أوجس منهم خيفة؛ وموسى. ﵊. لما ألقى السحرة حبالهم، وعصيهم أوجس في نفسه خيفة؛ ولأن الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة؛ ولو قلنا لإنسان: "إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفاً طبيعياً لكنت مشركاً"، لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان مما يخاف منه خوفٌ طبيعي غريزي لا يمكنه دفعه؛ كل إنسان يخاف مما يُخشى منه الضرر ..
فإن قال قائل: لو منعه الخوف من واجب عليه هل يُنهى عنه، أو لا؟
فالجواب: نعم، يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به؛ إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف؛ قال الله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ لكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس؛ ولهذا لو كان إنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة، وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو؛ فله أن يصلي قاعداً؛ وهذا لأن الله تعالى عفا عنه: قال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]؛ ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين فلا يلزمهم أن يصابروهم، ويجوز أن يفروا ..
القرآن
(وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (البقرة: ٤١)
стр. 213
التفسير:
. ﴿٤١﴾ قوله تعالى: ﴿وآمنوا﴾ معطوف على قوله تعالى: (اذكروا).
﴿بما أنزلت﴾: هو القرآن أنزله الله على محمد ﷺ ﴿مصدقاً لما معكم﴾ أي مصدقاً لما ذُكر في التوراة، والإنجيل من أوصاف محمد ﷺ ومن أوصاف القرآن الذي يأتي ﷺ به؛ وكذلك أيضاً هو مصدق لما معهم: شاهد للتوراة، والإنجيل بالصدق؛ فصار تصديق القرآن لما معهم من وجهين؛ الوجه الأول: أنه وقع مطابقاً لما أخبرت التوراة، والإنجيل به؛ والوجه الثاني: أنه قد شهد لهما بالصدق؛ فالقرآن يدل دلالة واضحة على أن الله أنزل التوراة، وأنزل الإنجيل. وهذه شهادة لهما بأنهما صدق.؛ وكذلك التوراة، والإنجيل قد ذُكر فيهما من أوصاف القرآن، ومن أوصاف محمد ﷺ حتى صاروا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ فإذا وقع الأمر كما ذُكر فيهما صار ذلك تصديقاً لهما؛ ولهذا لو حدثتك بحديث، فقلت أنت: "صدقتَ"، ثم وقع ما حدثتك به مشهوداً تشاهده بعينك؛ صار الوقوع هذا تصديقاً أيضاً ..
قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾ يعني لا يليق بكم وأنتم تعلمون أنه حق أن تكونوا أول كافر به؛ ولا يعني ذلك كونوا ثاني كافر؛ والضمير في قوله تعالى: ﴿تكونوا﴾ ضمير جمع، و ﴿كافر﴾ مفرد، فكيف يصح أن تخبر بالمفرد عن الجماعة؟
والجواب: قال المفسرون: إن تقدير الكلام: أول فريق كافر به؛ لأن الخطاب لبني إسرائيل عموماً. وهم جماعة ...
стр. 214
قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا﴾ أي لا تأخذوا؛ ﴿بآياتي ثمناً قليلاً﴾ أي الجاه، والرئاسة، وما أشبه ذلك؛ لأن بني إسرائيل إنما كفروا يريدون الدنيا؛ ولو أنهم اتبعوا محمداً ﷺ لكانوا في القمة، ولأوتوا أجرهم مرتين؛ لكن حسداً، وابتغاء بقاء الجاه، والشرف، وأنهم هم أهل كتاب حسدوا النبي ﷺ (، فلم يؤمنوا به ..
قوله تعالى: ﴿وإياي فاتقون﴾ أي لا تتقوا إلا إياي؛ و "التقوى" اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ ففي الآية الأولى: ﴿وإياي فارهبون﴾ أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها عصياناً؛ وفي هذه الآية: ﴿وإياي فاتقون﴾ أمر بالتزام الشريعة، وألا يخالفوها لا في الأمر، ولا في النهي ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء به محمد ﷺ ؛ لقوله تعالى: (وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم)
. ٢ ومنها: أن الكافر مخاطب بالإسلام؛ وهذا مجمع عليه، لكن هل يخاطب بفروع الإسلام؟
الجواب: فيه تفصيل؛ إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا؛ لأنه لا بد أن يُسلم أولاً، ثم يفعلها ثانياً؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: "فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (١) ..
стр. 215
إذاً هم لا يخاطبون بالفعل. يعني لا يقال: افعلوا.؛ فلا نقول للكافر: تعال صلِّ؛ بل نأمره أولاً بالإسلام؛ وإن أردت بالمخاطبة أنهم يعاقبون عليها إذا ماتوا على الكفر فهذا صحيح؛ ولهذا يقال للمجرمين: ﴿ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ [المدثر: ٤٢. ٤٧] يعني هذا دأبهم حتى ماتوا؛ ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا مخاطبين بالفروع لكان قولهم: ﴿لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٣. ٤٤] عبثاً لا فائدة منه، ولا تأثير له ...
٣ ومن فوائد الآية: أن من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ففيه شبه من اليهود؛ فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه باليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ : "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة" (١) يعنى ريحها؛ وحينئذ يشكل على كثير من
стр. 216
الطلبة من يدخل الجامعات لنيل الشهادة: هل يكون ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؟
والجواب: أن ذلك حسب النية؛ إذا كان الإنسان لا يريد الشهادة إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وأما إذا كان يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكاناً ينفع به المسلمين فهذا لم يشتر بآيات الله ثمناً قليلاً؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزن بما معه من بطاقة الشهادة ...
٤ ومن فوائد الآية: أن جميع ما في الدنيا قليل، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا﴾ [النساء: ٧٧] ..
. ٥ ومنها: أن شرائع الله من آياته لما تضمنته من العدل، والإصلاح. بخلاف ما يسنُّه البشر من الأنظمة والقوانين فإنه ناقص:.
أولاً: لنقص علم البشر، وعدم إحاطتهم بما يُصلح الخلق ..
ثانياً: لخفاء المصالح عليهم: فقد يظن ما ليس بمصلحة مصلحة؛ وبالعكس ..
ثالثاً: أننا لو قدرنا أن هذا الرجل الذي سن النظام، أو القانون من أذكى الناس، وأعلم الناس بأحوال الناس فإن علمه
стр. 217
هذا محدود في زمانه، وفي مكانه؛ أما في زمانه فظاهر؛ لأن الأمور تتغير: قد يكون المصلحة للبشر في هذا الزمن كذا، وكذا؛ وفي زمن آخر خلافه؛ وفي المكان أيضاً قد يكون هذا التشريع الذي سنه البشر مناسباً لأحوال هؤلاء الأمة في مكانهم؛ ولكن في أمة أخرى لا يصلح؛ ولهذا ضل كثير من المسلمين مع الأسف الشديد في أخذ القوانين الغربية، أو الشرقية، وتطبيقها على مجتمع إسلامي؛ لأن الواجب تحكيم الكتاب، والسنة؛ والعجب أن بعض الناس. نسأل الله العافية. تجدهم قد مشوا على قوانين شرعت من عشرات السنين، أو مئاتها، وأهلها الذين شرعوها قد عدلوا عنها، فصار هؤلاء كالذين يمشمشون العظام بعد أن ترمى في الزبالة؛ وهذا شيء واضح: هناك قوانين شرعت لقوم كفار، ثم تغيرت الحال، فغيروها، ثم جاء بعض المسلمين إلى هذه القوانين القشور الملفوظة، وصاروا يتمشمشونها ..
. ٦. ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله ، وإفراده بالتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وإياي فاتقون﴾ ..
فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي أشياء أخرى، كقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقوله تعالى: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]؟
فالجواب: بلى، ولكن اتقاء هذه الأمور من تقوى الله . فلا منافاة ...
стр. 218
القرآن
(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٤٢)
التفسير:
. ﴿٤٢﴾ قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ أي لا تمزجوا بينهما حتى يشتبه الحق بالباطل؛ فهم كانوا يأتون بشبهات تُشَبِّه على الناس؛ فيقولون مثلاً: محمد حق، لكنه رسول الأميين لا جميع الناس ..
قوله تعالى: ﴿وتكتموا الحق﴾: هنا الواو تحتمل أنها عاطفة، وتحتمل أنها واو المعية؛ والمعنى على الأول: لا تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا الحق؛ فتكون الجملتان منفرداً بعضهما عن بعض؛ ويحتمل أن تكون الواو للمعية، فيكون النهي عن الجمع بينهما؛ والمعنى: ولا تلبسوا الحق بالباطل مع كتمان الحق؛ لكن على هذا التقدير يبقى إشكال: وهو أن قوله تعالى: ﴿لا تلبسوا الحق بالباطل﴾ يقتضي أنهم يذكرون الحق، والباطل؛ فيقال: نعم، هم وإن ذكروا الحق والباطل فقد كتموا الحق في الحقيقة؛ لأنهم لبسوه بالباطل، فيبقى خفياً ..
قوله تعالى: ﴿وأنتم تعلمون﴾: الجملة في موضع نصب على الحال. أي والحال أنكم تعلمون صنيعكم ...
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: وجوب بيان الحق، وتمييزه عن الباطل؛ فيقال: هذا حق، وهذا باطل؛ لقوله تعالى:
﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾؛ ومن لبْس الحق بالباطل: أولئك القوم الذين يوردون الشبهات إما على القرآن، أو على أحكام القرآن، ثم
стр. 219
يزيلون الإشكال. مع أن إيراد الشبه إذا لم تكن قريبة لا ينبغي. ولو أزيلت هذه الشبهة؛ فإن الشيطان إذا أوقع الشبهة في القلب فقد تستقر فيه. وإن ذكِر ما يزيلها ...
. ٢ ومن فوائد الآية: أنه ليس هناك إلا حق، وباطل؛ وإذا تأملت القرآن والسنة وجدت الأمر كذلك؛ قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾ [الحج: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدًى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال النبي ﷺ "القرآن حجة لك أو عليك" (١) ..
فإن قال قائل: أليس هناك مرتبة بين الواجب، والمحرم؛ وبين المكروه، والمندوب. وهو المباح.؟ قلنا: بلى، لا شك في هذا؛ لكن المباح نفسه لا بد أن يكون وسيلة إلى شيء؛ فإن لم يكن وسيلة إلى شيء صار من قسم الباطل كما جاء في الحديث: "كل لهو يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا لعبه في رمحه، ومع أهله، وفي فرسه" (٢)؛ وهذه الأشياء الثلاثة إنما
стр. 220
استثنيت؛ لأنها مصلحة. كلها تعود إلى مصلحة ...
. ٣ ومن فوائد الآية: تحريم كتمان الحق؛ لقوله تعالى: ﴿وتكتموا﴾؛ ولكن هل يقال: إن الكتمان لا يكون إلا بعد طلب؟
الجواب: نعم، لكن الطلب نوعان: طلب بلسان المقال؛ وطلب بلسان الحال؛ فإذا جاءك شخص يقول: ما تقول في كذا، وكذا: فهذا طلب بلسان المقال؛ وإذا رأيت الناس قد انغمسوا في محرم: فبيانه مطلوب بلسان الحال؛ وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يبين المنكر، ولا ينتظر حتى يُسأل؛ وإذا سئل ولم يُجب لكونه لا يعلم فلا إثم عليه؛ بل هذا هو الواجب؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٢٣]. هذه واحدة ..
ثانياً: إذا رأى من المصلحة ألا يبين فلا بأس أن يكتم كما جاء في حديث علي بن أبي طالب: "حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! " (١)؛ وقال ابن مسعود: "إنك لن تحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (٢)؛ فإذا رأيت من المصلحة ألا تبين فلا تبين ولا لوم عليك ..
ثالثاً: إذا كان قصد السائل الامتحان، أو قصده تتبع الرخص، أو ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض. وأنت تعلم
стр. 221
هذا.: فلك أن تمتنع؛ الامتحان أن يأتي إليك، وتعرف أن الرجل يعرف المسألة، لكن سألك لأجل أن يمتحنك: هل أنت تعرفها، أو لا؛ أو يريد أن يأخذ منك كلاماً ليشي به إلى أحد، وينقله إلى أحد: فلك أن تمتنع؛ كذلك إذا علمت أن الرجل يتتبع الرخص، فيأتي يسألك يقول: سألت فلاناً، وقال: هذا حرام. وأنت تعرف أن المسؤول رجل عالم ليس جاهلاً: فحينئذٍ لك أن تمتنع عن إفتائه؛ أما إذا كان المسؤول رجلاً تعرف أنه ليس عنده علم. إما من عامة الناس، أو من طلبة العلم الذين لم يبلغوا أن يكونوا من أهل الفتوى: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأنه لا حرمة لفتوى من أفتاه؛ أما لو قال لك: أنا سألت فلاناً، ولكني كنت أطلبك، ولم أجدك، وللضرورة سألت فلاناً؛ لكن لما جاء الله بك الآن أفتني: فحينئذ يجب عليك أن تفتيه؛ لأن حال هذا الرجل كأنه يقول: أنا لا أطمئن إلا لفتواك؛ وخلاصة القول أنه لا يجب عليك الإفتاء إلا إذا كان المستفتي مسترشداً؛ لأن كتمان الحق لا يتحقق إلا بعد الطلب بلسان الحال، أو بلسان المقال ..
القرآن
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (البقرة: ٤٣)
التفسير:.
﴿٤٣﴾ قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي ائتوا بها مستقيمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وهذا كما أمر الله تعالى به بني إسرائيل أمر به هذه الأمة؛ و ﴿الصلاة﴾ هنا تشمل الفريضة، والنافلة ..
стр. 222
قوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي أعطوا الزكاة؛ و "آت" التي بمعنى "أعطِ" تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا الزكاة؛ والمفعول الثاني محذوف؛ والتقدير: أهلَها؛ و ﴿الزكاة﴾ هي المال المدفوع امتثالاً لأمر الله إلى أهله من أموال مخصوصة معروفة؛ وسمي بذل المال زكاة؛ لأنه يزكي النفس، ويطهرها، كما قال الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣] ..
قوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ أي صلوا مع المصلين؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأنه لا يُتعبد لله بركوع مجرد
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن الصلاة واجبة على الأمم السابقة، وأن فيها ركوعاً كما أن في الصلاة التي في شريعتنا ركوعاً؛ وقد دلّ على ذلك أيضاً قول الله تعالى لمريم: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]؛ فعلى الأمم السابقة صلاة فيها ركوع، وسجود ..
. ٢ ومنها: أن الأمم السابقة عليهم زكاة؛ لأنه لابد من الامتحان بالزكاة؛ فإن من الناس من يكون بخيلاً. بذل الدرهم عليه أشد من شيء كثير.؛ فيُمتحَن العباد بإيتاء الزكاة، وبذلِ شيء من أموالهم حتى يُعلم بذلك حقيقة إيمانهم؛ ولهذا سميت الزكاة صدقة؛ لأنها تدل على صدق إيمان صاحبها ..
. ٣ ومنها: الإجمال في موضع، وتبيينه في موضع آخر؛ لقوله تعالى: (وآتوا الزكاة) ولم يبين مقدار الواجب، ولا من يدفع إليه، ولا الأموال التي فيها الزكاة؛ لكن هذه الأشياء مبينة
стр. 223
في موضع آخر؛ إذ لا يتم الامتثال إلا ببيانها ...
٤ ومنها: جواز التعبير عن الكل بالبعض إذا كان هذا البعض من مباني الكل التي لا يتم إلا بها؛ لقوله تعالى: (واركعوا مع الراكعين)
. ٥ ومنها: وجوب صلاة الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾؛ هكذا استدل بها بعض العلماء؛ ولكن في هذا الاستدلال شيء؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل؛ ولهذا قيل لمريم: ﴿اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾: والنساء ليس عليهن جماعة؛ إذاً لا نسلم أن هذه الآية تدل على وجوب صلاة الجماعة؛ ولكن. الحمد لله. وجوب صلاة الجماعة ثابت بأدلة أخرى ظاهرة من الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة ﵃ ..
القرآن
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة: ٤٤)
التفسير:.
﴿٤٤﴾ قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر ... ﴾: الاستفهام هنا للإنكار؛ والمراد إنكار أمر الناس بالبر مع نسيان النفس؛ إذ النفس أولى أن يبدأ بها؛ و "البر" هو الخير؛ قال أهل التفسير: إن الواحد منهم يأمر أقاربه باتباع الرسول ﷺ ، ويقول: إنه حق؛ لكن تمنعه رئاسته، وجاهه أن يؤمن به؛ ومن أمثلة ذلك أن
стр. 224
النبي ﷺ عاد غلاماً من اليهود كان مريضاً، فحضر أجله والنبي ﷺ عنده؛ فدعاه النبي ﷺ إلى الرشد، فنظر إلى أبيه كأنه يستشيره، فقال له أبوه: "أطع أبا القاسم". وأبوه يهودي.، فتشهد الغلام شهادة الحق، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار" (١) أي بدعوتي؛ إذاً هؤلاء اليهود من أحبارهم من يأمر الناس بالبر. وهو اتباع الرسول ﷺ . ولكنه ينسى نفسه، ولا يؤمن؛ فقال الله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ أي تقرؤون التوراة؛ والجملة هنا حالية. أي والحال أنكم تتلون الكتاب.؛ فلم تأمروا بالبر إلا عن علم؛ ولكن مع ذلك ﴿تنسون أنفسكم﴾ أي تتركونها، فلا تأمرونها بالبر ..
قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾: الاستفهام هنا للتوبيخ. يعني أفلا يكون لكم عقول تدركون بها خطأكم، وضلالكم.؟! و "العقل" هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك الذي يناط به التكليف؛ لأن العقل نوعان: عقل هو مناط التكليف. وهو إدراك الأشياء، وفهمها.؛ وهو الذي يتكلم عليه الفقهاء في العبادات، والمعاملات، وغيرها؛ وعقل الرشد. وهو أن يحسن الإنسان التصرف.؛ وسمي إحسان التصرف عقلاً؛ لأن الإنسان عَقَل تصرفه فيما ينفعه ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يأمرون بالبر، وينسون أنفسهم؛ لأن ذلك منافٍ للعقل؛ وقد ورد الوعيد الشديد على من كان هذا دأبه؛ فقد أخبر النبي ﷺ "أنه يؤتى بالرجل
стр. 225
فيلقى في النار فتندلق أقتابه". و"الأقتاب" هي الأمعاء. "فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، أليس كنت تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" (١)؛ فهو من أشد الناس عذاباً. والعياذ بالله ...
فإن قال قائل: بناءً على أنه مخالف للعقل، وبناءً على شدة عقوبته أنقول لمن لا يفعل ما أَمَر به، ومن لا يترك ما نهى عنه: "لا تأمر، ولا تنهَ"؟
فالجواب: نقول: لا، بل مُرْ، وافعل ما تأمر به؛ لأنه لو ترك الأمر مع تركه فِعلَه ارتكب جنايتين: الأولى: ترك الأمر بالمعروف؛ والثانية: عدم قيامه بما أمر به؛ وكذلك لو أنه ارتكب ما ينهى عنه، ولم يَنْهَ عنه فقد ارتكب مفسدتين: الأولى: ترك النهي عن المنكر؛ والثانية: ارتكابه للمنكر ..
ثم نقول: أينا الذي لم يسلم من المنكر! لو قلنا: لا ينهى عن المنكر إلا من لم يأت منكراً لم يَنهَ أحد عن منكر؛ ولو قلنا: لا يأمر أحد بمعروف إلا من أتى المعروف لم يأمر أحد بمعروف؛ ولهذا نقول: مُرْ بالمعروف، وجاهد نفسك على فعله، وانْهَ عن المنكر، وجاهد نفسك على تركه ...
٢ ومن فوائد الآية: توبيخ العالم المخالف لما يأمر به،
стр. 226
أو لما ينهى عنه؛ وأن العالم إذا خالف فهو أسوأ حالاً من الجاهل؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾؛ وهذا أمر فُطر الناس عليه. أن العالم إذا خالف صار أشد لوماً من الجاهل.؛ حتى العامة تجدهم إذا فعل العالم منكراً قالوا: كيف تفعل هذا وأنت رجل عالم؟! أو إذا ترك واجباً قالوا: كيف تترك هذا وأنت عالم؟!.
. ٣ ومن فوائد الآية: توبيخ بني إسرائيل، وأنهم أمة جهلة حمقى ذوو غيٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾ ..
. ٤ ومنها: أن من أمر بمعروف، ولم يفعله؛ أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه باليهود؛ لأن هذا دأبهم. والعياذ بالله ...
القرآن
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَاّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) (البقرة: ٤٥)
التفسير:
. ﴿٤٥﴾ قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ أي استعينوا على أموركم بالصبر، والصلاة؛ و "الاستعانة" هي طلب العون؛ و "الاستعانة بالصبر" أن يصبر الإنسان على ما أصابه من البلاء، أو حُمِّل إياه من الشريعة؛ و ﴿الصلاة﴾ هي العبادة المعروفة؛ وتعم الفرض، والنفل ..
قوله تعالى: ﴿وإنها﴾: قيل: إن الضمير يعود على ﴿الصلاة﴾؛ لأنها أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن
стр. 227
الضمير يعود إلى أقرب مذكور ما لم يمنع منه مانع؛ وقيل إن الضمير يعود على الاستعانة المفهومة من قوله تعالى: ﴿واستعينوا﴾؛ لأن الفعل ﴿استعينوا﴾ يدل على زمن، ومصدر؛ فيجوز أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]، أي العدل المفهوم من قوله تعالى: ﴿اعدلوا﴾ أقرب للتقوى؛ لكن المعنى الأول أوضح ..
قوله تعالى: ﴿لكبيرة﴾ أي لشاقة ﴿إلا على الخاشعين﴾ أي الذليلين لأمر الله ..
الفوائد:.
١ من فوائد الآية: إرشاد الله ﵎ عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة ..
. ٢ ومنها: جواز الاستعانة بغير الله؛ لكن فيما يثبت أن به العون؛ فمثلاً إذا استعنت إنساناً يحمل معك المتاع إلى البيت كان جائزاً؛ قال النبي ﷺ "وتعين الرجل في دابته، فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة (١) " ..
أما الاستعانة بما لا عون فيه فهي سفه في العقل، وضلال في الدين، وقد تكون شركاً: كأن يستعين بميت، أو بغائب لا يستطيع أن يعينه لبعده عنه، وعدم تمكنه من الوصول إليه ...
٣ ومن فوائد الآية: فضيلة الصبر، وأن به العون على مكابدة الأمور؛ قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع؛ وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء؛ الأول: الصبر على طاعة الله؛ والثاني:
стр. 228
الصبر عن معصية الله؛ والثالث: الصبر على أقدار الله؛ فالصبر على الطاعة هو أشقها، وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلاً وكفاً اختيارياً: فعل الطاعة؛ وكفّ النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته؛ فهو إيجادي إيجابي؛ والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كف فقط؛ لكنه أحياناً يكون شديداً على النفس؛ ولهذا جعل النبي ﷺ الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب، وجمال، فقال: "إني أخاف الله" (١) في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وإن كان الإمام العادل أفضل.؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خالياً بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قال: "إني أخاف الله"؛ ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية؛ والصبر عن المعصية أفضل من الصبر على أقدار الله؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين؛ قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه، أو ابنه، أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي؛ والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل؛ لأن ما وقع
стр. 229
لابد أن يقع.
صبرت، أم لم تصبر.: هل إذا جزعت، وندمت، واشتد حزنك يرتفع المقدور؟!.
الجواب: لا؛ إذاً كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام؛ وإما أن تسلو سُلوّ البهائم ..
. ٤ ومن فوائد الآية: الحث على الصبر بأن يحبس الإنسان نفسه، ويُحمِّلها المشقة حتى يحصل المطلوب؛ وهذا مجرب. أن الإنسان إذا صبر أدرك مناله؛ وإذا ملّ كسل، وفاته خير كثير.؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز" (١)؛ وكثير من الناس يرى أن بداءته بهذا العمل مفيدة له، فيبدأ، ثم لا يحصل له مقصوده بسرعة، فيعجز، ويكِلّ، ويترك؛ إذاً ضاع عليه وقته الأول، وربما يكون زمناً كثيراً؛ ولا يأمن أنه إذا عدل عن الأول، ثم شرع في ثانٍ أن يصيبه مثل ما أصابه أولاً، ويتركه؛ ثم تمضي عليه حياته بلا فائدة؛ لكن إذا صبر مع كونه يعرف أنه ليس بينه وبين مراده إلا امتداد الأيام فقط، وليس هناك موجب لقطعه؛ فليصبر: لنفرض أن إنساناً من طلبة العلم همّ أن يحفظ: "بلوغ المرام"، وشرع فيه، واستمر حتى حفظ نصفه؛ لكن لحقه الملل، فعجز، وترك: فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط؛ لكن لو استمر، وأكمل حصل المقصود؛ وعلى هذا فقس ...
٥ ومن فوائد الآية: فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿والصلاة﴾؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي
стр. 230
عن النبي ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر صلى (١)؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله في العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر (٢).
فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان؟
فالجواب: تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل. وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي ﷺ "جعلت قرة عيني في الصلاة" (٣)؛ أما الإنسان
стр. 231
الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر. هو على ما هو عليه.؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة ..
. ٦ ومن فوائد الآية: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة ..
. ٧ ومنها: أن الأعمال الصالحة شاقة على غير الخاشعين. ولا سيما الصلاة ...
. ٨ ومنها: أن تحقيق العبادة لله بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع؛ لأن الخشوع خشوع القلب؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته ..
القرآن
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: ٤٦)
التفسير:
. ﴿٤٦﴾ قوله تعالى: ﴿الذين يظنون﴾ أي يتيقنون؛ و "الظن"
стр. 232
يستعمل في اللغة العربية بمعنى اليقين، وله أمثلة كثيرة؛ منها قول الله. ﵎.: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨]، وقوله تعالى: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً﴾ [الكهف: ٥٣] ..
قوله تعالى: ﴿أنهم ملاقو ربهم﴾ أي أنهم سيلاقون الله ؛ وذلك يوم القيامة ..
قوله تعالى: ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ أي في جميع أمورهم، كما قال تعالى: ﴿وإليه يرجع الأمر كله﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ (البقرة: ٢١٠)
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: إثبات ملاقاة الله ؛ لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا اللقاء ..
. ٢ ومنها: إثبات رؤية الله ، كما ذهب إليه كثير من العلماء؛ لأن اللقاء لا يكون إلا مع المقابلة، وهذا يعني ثبوت الرؤية؛ فإن استقام الاستدلال بهذه الآية على رؤية الله فهذا مطلوب؛ وإن لم يستقم الاستدلال فَثَمّ أدلة أخرى كثيرة تدل على ثبوت رؤية الله يوم القيامة ..
. ٣ ومنها: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم؛ وهذا يستلزم أموراً:.
أولاً: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله، فسوف تخاف منه ..
ثانياً: مراقبة الله . المراقبة في الجوارح.؛
стр. 233
والخوف في القلب؛ يعني أنهم إذا علموا أنهم سيرجعون إلى الله، فسوف يخشونه في السرّ، والعلانية ..
ثالثاً: الحياء منه؛ فلا يفقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك ..
القرآن
(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: ٤٧)
التفسير:
. ﴿٤٧﴾ قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي﴾ أي بألسنتكم، وقلوبكم؛ والمراد بـ "النعمة". وإن كانت مفردة. جميع النعم، كما قال الله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ (إبراهيم: ٣٤)
قوله تعالى: ﴿التي أنعمت عليكم﴾: وهي نعم كثيرة؛ منها ما ذكَّرَهم بها نبيهم موسى. ﵊.، حيث قال: ﴿اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين﴾ [المائدة: ٢٠]: وهي نعم عظيمة دينية، ودنيوية؛ فالدينية في قوله: ﴿إذ جعل فيكم أنبياء﴾؛ والدنيوية في قوله: ﴿وجعلكم ملوكاً﴾؛ و ﴿آتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين﴾: من النعمتين ..
قوله تعالى: ﴿وفضلتكم على العالمين﴾ أي جعلتكم أفضل من غيركم؛ والمراد عالَم زمانهم؛ وأصل "عالمين" كل من
стр. 234
سوى الله، كما قال تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ [الفاتحة]؛ فليس ثم إلا رب، ومربوب؛ العالَم: مربوب؛ والله: رب؛ فالعالَم من سوى الله؛ وسمي عالماً؛ لأنه عَلَم على خالقه؛ فإن العالم من آيات الله الدالة على كمال علمه، وقدرته، وسلطانه، وحكمته، وغير ذلك من معاني ربوبيته ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم، فيقوموا بشكرها؛ ومن شكرها أن يتبعوا محمداً ﷺ
. ٢ ومنها: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم، ولا بكدِّهم، ولا بإرث عن آبائهم؛ وإنما هي بنعمة الله عليهم؛ لقوله تعالى: (أنعمت عليكم).
٣ ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة، فقيل لهم: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ [المائدة: ٢١]؛ و "الأرض المقدسة" هي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون؛ والله يقول: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال موسى لقومه: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده﴾ [الأعراف: ١٢٨]، ثم قال: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ إذاً المتقون هم الوارثون للأرض؛ لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله
стр. 235
الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي ﷺ صار أحق الناس بهذه الأرض المسلمون. لا العرب.؛ ففلسطين ليس العرب بوصفهم عرباً هم أهلها؛ بل إن أهلها المسلمون بوصفهم مسلمين. لا غير وبوصفهم عباداً لله صالحين؛ ولذلك لن ينجح العرب فيما أعتقد. والعلم عند الله. في استرداد أرض فلسطين باسم العروبة أبداً؛ ولا يمكن أن يستردوها إلا باسم الإسلام على ما كان عليه النبي ﷺ ، وأصحابه، كما قال تعالى: ﴿إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف: ١٢٨]؛ ومهما حاول العرب، ومهما ملؤوا الدنيا من الأقوال والاحتجاجات، فإنهم لن يفلحوا أبداً حتى ينادوا بإخراج اليهود منها باسم دين الإسلام. بعد أن يطبقوه في أنفسهم.؛
فإن هم فعلوا ذلك فسوف يتحقق لهم ما أخبر به النبي ﷺ "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ، وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ" (١)؛ فالشجر، والحجر يدل المسلمين على اليهود يقول: "يا عبد الله". باسم العبودية لله.، ويقول: "يا مسلم". باسم الإسلام.؛ والرسول ﷺ يقول: "يقاتل المسلمون اليهود"، ولم يقل: "العرب" ..
стр. 236
ولهذا أقول: إننا لن نقضي على اليهود باسم العروبة أبداً؛ لن نقضي عليهم إلا باسم الإسلام؛ ومن شاء فليقرأ قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥]: فجعل الميراث لعباده الصالحين؛ وما عُلِّق بوصف فإنه يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه؛ فإذا كنا عبادَ الله الصالحين ورثناها بكل يسر وسهولة، وبدون هذه المشقات، والمتاعب، والمصاعب، والكلامِ الطويل العريض الذي لا ينتهي أبداً!! نستحلها بنصر الله ، وبكتابة الله لنا ذلك. وما أيسره على الله.! ونحن نعلم أن المسلمين ما ملكوا فلسطين في عهد الإسلام الزاهر إلا بإسلامهم؛ ولا استولوا على المدائن عاصمة الفرس، ولا على عاصمة الروم، ولا على عاصمة القبط إلا بالإسلام؛ ولذلك ليت شبابنا يعون وعياً صحيحاً بأنه لا يمكن الانتصار المطلق إلا بالإسلام الحقيقي. لا إسلام الهوية بالبطاقة الشخصية.! ولعل بعضنا سمع قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ حينما كسرت الفُرس الجسور على نهر دجلة، وأغرقت السفن لئلا يعبر المسلمون إليهم؛ فسخَّر الله لهم البحر؛ فصاروا يمشون على ظهر الماء بخيلهم، ورجلهم، وإبلهم؛ يمشون على الماء كما يمشون على الأرض لا يغطي الماء خفاف الإبل؛ وإذا تعب فرس أحدهم قيض الله له صخرة تربو حتى يستريح عليها؛ وهذا من آيات الله. ولا شك.؛ والله تعالى على كل شيء قدير؛ فالذي فلق البحر لموسى. ﵊. ولقومه، وصار يبساً في لحظة، ومشوا عليه آمنين؛ قادر على ما هو أعظم من ذلك ..
فالحاصل أن بني إسرائيل لا شك أفضل العالمين حينما كانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة،
стр. 237
والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [الحشر: ١٤] ..
ويدل لذلك. أي أن المراد بقوله تعالى.: ﴿فضلتكم على العالمين﴾ أي في وقتكم، أو فيمن سبقكم: قوله تعالى في هذه الأمة أمة محمد ﷺ : ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ فقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ صريح في تفضيلهم على الناس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم﴾؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ أننا نوفي سبعين أمة نحن أكرمها، وأفضلها عند الله (١) ّ. وهذا أمر لا شك فيه.، ولله الحمد ..
. ٤ ومن فوائد الآية: أن الله تعالى إذا فضل أحداً بعلم، أو مال، أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾: خصها بالذكر لأهميتها ...
٥ ومنها: تفاضل الناس، وأن الناس درجات؛ وهذا أمر
стр. 238
معلوم. حتى الرسل يفضل بعضهم بعضاً.، كما قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥] ..
القرآن
(وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) (البقرة: ٤٨)
التفسير:
. ﴿٤٨﴾ قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً﴾ أي اتخذوا وقاية من هذا اليوم بالاستعداد له بطاعة الله ..
قوله تعالى: ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئاً﴾ أي لا تغني؛ و ﴿نفس﴾ نكرة في سياق النفي، فيكون عاماً؛ فلا تجزي، ولا تغني نفس عن نفس أبداً. حتى الرسول ﷺ لا يغني شيئاً عن أبيه، ولا أمه.؛ وقد نادى ﷺ عشيرته الأقربين؛ فجعل ينادي كل واحد باسمه، ويقول: "يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً؛ يا فاطمة بنت رسول الله، لا أغني عنك شيئاً ... " (١). مع أن العادة أن الإنسان يدافع عن حريمه، وعن نسائه.؛ لكن في يوم القيامة ليست هناك مدافعة؛ بل قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ
стр. 239
في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]: تزول الأنساب، وينسى الإنسان كل شيء، ولا يسأل أين ولدي، ولا أين ذهب أبي، ولا أين ذهب أخي، ولا أين ذهبت أمي: ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ [عبس: ٣٧] ..
قوله تعالى: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ أي لا يقبل من نفس عن نفس شفاعة؛ و "الشفاعة" هي التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة (١): من جلب المنفعة؛ وشفاعته فيمن استحق النار ألا يدخلها (٢)، وفيمن دخلها أن يخرج منها (٣): من دفع المضرة؛ فيومَ القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل من نفس عن نفس شفاعة أبداً ..
стр. 240
قوله تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها﴾ أي من النفس؛ ﴿عدل﴾ أي بديل يعدل به عن الجزاء؛ و "العدل" بمعنى المعادِل المكافئ؛ ففي الدنيا قد تجب العقوبة على شخص، ويفتدي نفسه ببدل؛ لكن في الآخرة لا يمكن ..
قوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي لا أحد ينصرهم. أي يمنعهم من عذاب الله.؛ لأن الذي يخفف العذاب واحد من هذه الأمور الثلاثة: إما شفاعة؛ وإما معادلة؛ وإما نصر ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: التحذير من يوم القيامة؛ وهذا يقع في القرآن كثيراً؛ لقوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله﴾، وقوله تعالى: ﴿يوماً يجعل الولدان شيباً﴾ [المزمل: ١٧] ..
. ٢ ومنها: أنه في يوم القيامة لا تجزي نفس عن نفس شيئاً. بخلاف الدنيا.: فإنه قد يجزي أحد عن أحد؛ لكن يوم القيامة: لا ..
. ٣ ومنها: أن الشفاعة لا تنفع يوم القيامة؛ والمراد لا تنفع من لا يستحق أن يشفع له؛ وأما من يستحق فقد دلت النصوص المتواترة على ثبوت الشفاعة. وهي معروفة في مظانها من كتب الحديث، والعقائد ...
. ٤ ومنها: أن يوم القيامة ليس فيه فداء؛ لا يمكن أن يقدم الإنسان فداءً يعدل به؛ لقوله تعالى: (ولا عدل)
. ٥ ومنها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون﴾ [الصافات: ٢٥، ٢٦]؛ فلا أحد ينصر أحداً يوم القيامة. لا الآلهة، ولا الأسياد، ولا الأشراف، ولا غيرهم ...
стр. 241
القرآن
(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) (البقرة: ٤٩)
التفسير:.
﴿٤٩﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون﴾ أي واذكروا إذ أنقذناكم من آل فرعون؛ والمراد بـ ﴿آل فرعون﴾ جماعة فرعون، ويدخل فيهم فرعون بالأولوية؛ لأنه هو المسلِّط لهم على بني إسرائيل ..
وكان بنو إسرائيل مستضعفين في مصر، وسُلِّط عليهم الفراعنة حتى كانوا كما قال الله تعالى: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾؛ ومعنى "السوم" في الأصل: الرعي؛ ومنه السائمة. أي الراعية. والمعنى: أنهم لا يرعونكم إلا بهذا البلاء العظيم و ﴿سوء العذاب﴾ أي سيئه وقبيحه ..
قوله تعالى: ﴿يذبحون أبنائكم﴾: الفعل مضَعَّف. أي مشدد. للمبالغة؛ لكثرة من يذْبحون، وعظم ذبحهم؛ هذا وقد جاء في سورة الأعراف: ﴿يقتلون﴾ وهو بمعنى ﴿يذبحون﴾؛ ويحتمل أن يكون مغايراً له؛ فيُحمل على أنهم يقتلون بعضاً بغير الذبح، ويذبحون بعضاً؛ وعلى كلٍّ فالجملة بيان لقوله تعالى: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾؛ هذا وجاء في سورة إبراهيم: ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم﴾ بالواو عطفاً على قوله تعالى: ﴿يسومونكم﴾؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ فيكون المعنى أنهم جمعوا بين سوم العذاب. وهو التنكيل، والتعذيب. وبين الذبح ..
стр. 242
قوله تعالى: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ أي يستبقون نساءكم؛ لأنه إذا ذهب الرجال، وبقيت النساء ذلّ الشعب، وانكسرت شوكته؛ لأن النساء ليس عندهن من يدافع، ويبقين خدماً لآل فرعون؛ وهذا. والعياذ بالله. من أعظم ما يكون من الإذلال؛ ومع هذا أنجاهم الله تعالى من آل فرعون، وأورثهم ديار آل فرعون، كما قال تعالى: ﴿فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٧. ٥٩] وقال تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين﴾ [الدخان: ٢٥. ٢٨]. وهم بنو إسرائيل ...
قوله تعالى: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ أي وفي إنجائكم من آل فرعون ابتلاء من الله عظيم. أي اختبار عظيم.؛ ليعلم من يشكر منكم، ومن لا يشكر ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: تذكير الله تعالى لبني إسرائيل نعمته عليهم بإنجائهم من آل فرعون ..
. ٢ ومنها: أن الإنجاء من العدو نعمة كبيرة ينعم الله بها على العبد؛ ولهذا ذكرهم الله بها في قوله تعالى:
(نجيناكم)
. ٣ ومنها: بيان حنق آل فرعون على بني إسرائيل؛ وقيل: إن هذا التقتيل كان بعد بعثة موسى؛ لأن فرعون لما جاءه موسى بالبينات قال: ﴿اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم﴾ [غافر: ٢٥]، وقال في سورة الأعراف: ﴿سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون﴾ (الأعراف: ١٢٧)
стр. 243
وذكر بعض المؤرخين أن هذا التقتيل كان قبل بعثة موسى، أو قبل ولادته؛ لأن الكهنة ذكروا لفرعون أنه سيولد لبني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يده؛ فجعل يقتلهم؛ وعضدوا هذا القول بما أوحى الله تعالى إلى أم موسى: ﴿أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني﴾ [القصص: ٧]؛ لكن هذه الآية ليست صريحة فيما ذكروا؛ لأنها قد تخاف عليه إما من هذا الفعل العام الذي يقتَّل به الأبناء، أو بسبب آخر، وآية الأعراف: ﴿قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] لا دليل فيها صراحة على أن التقتيل كان قبل ولادة موسى ﵇؛ لأن الإيذاء لا يدل على القتل، ولأن فرعون لم يقل: سنقتل أبناءهم، ونستحيي نساءهم إلا بعد أن أُرسل إليه موسى ﵇، ولهذا قال موسى ﵇ لقومه بعد ذلك: ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده﴾ (الأعراف: ١٢٨)
. ٤ ومنها: أن الرب له مطلق التصرف في عباده بما يسوؤهم، أو يسرهم؛ لقوله تعالى:
﴿من ربكم﴾ يعني هذا العذاب الذي سامكم إياه آل فرعون، والإنقاذ منه؛ كله من الله ؛ فهو الذي بيده الخير، ومنه كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء ..
القرآن
(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة: ٥٠)
التفسير:
. ﴿٥٠﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ﴾: متعلقة بمحذوف؛ والتقدير: واذكروا. يعني بني إسرائيل. إذ؛ ﴿فرقنا بكم البحر﴾ أي فلقناه
стр. 244
لكم، وفصلنا بعضه عن بعض حتى عبرتم إلى الشاطئ ..
قوله تعالى ﴿فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون﴾: وذلك أن موسى، وقومه لما تكاملوا خارجين من هذا الذي فلقه الله من البحر دخل فرعون، وقومه؛ فلما تكاملوا داخلين أمر الله تعالى البحر، فانطبق عليهم، فغرقوا جميعاً ..
قوله تعالى: ﴿وأنتم تنظرون﴾: الجملة هذه حالية. أي أن هذا وقع والحال أنكم تنظرون؛ ولهذا قال الله. ﵎. لفرعون: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾ [يونس: ٩٢] ينظرون إليك أنك قد هلكت ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: مناسبة قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ لما قبله ظاهرة جداً، وذلك أنه لما ذكر الله تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين؛ وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ (الشعراء: ٥٩).
. ٢ ومنها: تذكير الله بني إسرائيل بنعمه؛ وقد تضمن هذا التذكير حصول المطلوب، وزوال المكروه؛ حصول المطلوب: بنجاتهم؛ وزوال المكروه: بإهلاك عدوهم ...
٣ ومنها: بيان قدرة الله تعالى على كل شيء؛ فهذا الماء السيال أمره الله. ﵎. أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض؛ فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. أي كالجبل العظيم؛ وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت
стр. 245
يبساً في الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله والماء من فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبساً، كما قال تعالى: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]؛ وقد ذكر بعض المفسرين أنه كانت في هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض. حتى لا ينْزعجوا، ويقولوا: أين أصحابنا؟! وهذا ليس ببعيد على الله ..
وقد وقع مثل ذلك لهذه الأمة؛ فقد ذكر ابن كثير. ﵀ في "البداية والنهاية" أنه ما من آية سبقت لرسول إلا لرسولنا ﷺ مثلها: إما له ﷺ هو بنفسه، أو لأمته؛ ومعلوم أن الكرامات التي تقع لمتبع الرسول هي في الحقيقة آيات له؛ لأنها تصديق لطريق هذا الولي المتبع للرسول؛ فتكون آية على صدق الرسول، وصحة الشريعة؛ ولهذا من القواعد المعروفة أن كل كرامة لولي فهي آية لذلك النبي المتبع؛ وذكر ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" على ذلك أمثلة؛ ومنها أن من الصحابة من مشَوا على الماء؛ وهو أبلغ من فلق البحر لبني إسرائيل، ومشيهم على الأرض اليابسة ..
. ٤ من فوائد الآية: أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم؛ فقد قال تعالى: ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾؛ وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾ [يونس: ٩٠] الآيتين ...
٥ ومنها: أن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه؛ فإغراقه، أو إهلاكه نعمة؛ وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى؛ لأنه يشفي صدره؛ وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى:
стр. 246
﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله ؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله ، كما قال تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩] ..
. ٦ ومن فوائد الآية: عتوّ بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغياناً، وتكذيباً للرسل، واستكباراً عن عبادة الله ..
. ٧ ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى. ﵊؛ وقد كان فرعون يقول: ﴿يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥١. ٥٢]؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين ..
القرآن
(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة: ٥١)) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: ٥٢)
التفسير:
. ﴿٥١﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى﴾ أي واذكروا إذ واعدنا موسى؛ ﴿أربعين ليلة﴾: وعده الله تعالى لميقاته ثلاثين
стр. 247
ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ وفي قوله تعالى: ﴿واعدنا﴾ قراءتان سبعيتان: بألف بعد الواو؛ وبدونها ..
قوله تعالى: ﴿ثم اتخذتم العجل﴾ أي صيرتم العجل؛ و ﴿العجل﴾ مفعول أول؛ والثاني: محذوف؛ والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً؛ و "العجل" تمثال من ذهب صنعه السامري، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم، وإله موسى فنسي ..
قوله تعالى: ﴿من بعده﴾ أي من بعد موسى حين ذهب لميقات الله ..
قوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾: هذه الجملة حال من التاء في قوله تعالى: ﴿اتخذتم﴾؛ والفائدة من ذكر هذه الحال زيادة التوبيخ، وأنهم غير معذورين ..
. ﴿٥٢﴾ قوله تعالى: ﴿ثم عفونا عنكم﴾ أي تجاوزنا عن عقوبتكم؛ ﴿من بعد ذلك﴾: أتى بها؛ لأن العفو إنما حصل حين تابوا إلى الله، وقتلوا أنفسهم ..
قوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾، "لعل" هنا للتعليل؛ و ﴿تشكرون﴾ أي تشكرون الله على نعمه؛ والشكر يكون بالقلب: وهو إيمان القلب بأن النعمة من الله ، وأن له المنة في ذلك؛ ويكون باللسان: وهو التحدث بنعمة الله اعترافاً. لا افتخاراً؛ ويكون بالجوارح: وهو القيام بطاعة المنعِم؛ وفي ذلك يقول الشاعر:.
أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: حكمة الله. ﵎. في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة. مع
стр. 248
أنه قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة. لا نعلم ما هي. وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولاً، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ...
٢ ومنها: بيان جهل بني إسرائيل الجهل التام؛ وجه ذلك أن هذا الحلي الذي جعلوه إلهاً هم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حلياً من آل فرعون، وصنعوه على صورة الثور عجلاً جسداً. لا روح فيه؛ ثم قال السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ [طه: ٨٨]؛ وزعموا أن موسى ضلّ، ولم يهتد إلى ربه، وهذا ربه! والعياذ بالله؛ فكيف يكون المصنوع رباً لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وهذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى. ﵊. حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] قال لهم نبيهم موسى: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وصدق ﵊ ..
. ٣ ومن فوائد الآيتين: أن اتخاذهم العجل كان عن ظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾. وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم ..
. ٤ ومنها: سعة حلم الله ، وأنه مهما بارز الإنسان ربه بالذنوب فإن حلم الله تعالى قد يشمله، فيوفق للتوبة؛ وهؤلاء وفِّقوا لها ..
. ٥ ومنها: أن العفو موجب للشكر؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ وإذا كان العفو. وهو زوال النقم. موجباً للشكر فحدوث النعم أيضاً موجب للشكر من باب أولى ..
стр. 249
القرآن
(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (البقرة: ٥٣)
التفسير:
. ﴿٥٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب﴾ أي واذكروا إذ أعطينا موسى؛ ﴿الكتاب﴾ أي التوراة ..
قوله تعالى: ﴿والفرقان﴾ إما صفة مشبهة، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ لأن المراد بـ ﴿الفرقان﴾ الفارق؛ والمراد به هنا الفارق بين الحق والباطل؛ وعطفه هنا من باب عطف الصفة على الموصوف؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكون المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكون المغايرة بين صفتين؛ وقد تكون بين ذات وصفة؛ فمثلاً: قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١]: المغايرة بين ذاتين؛ وقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١. ٤]: المغايرة بين صفتين؛ وقوله تعالى هنا: ﴿الكتاب والفرقان﴾: المغايرة بين ذات وصفة؛ فـ ﴿الكتاب﴾ نفس التوراة؛ و ﴿الفرقان﴾ صفته؛ فالعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف ..
قوله تعالى: ﴿لعلكم تهتدون﴾: "لعل" للتعليل؛ أي لعلكم تهتدون بهذا الكتاب الذي هو الفرقان؛ لأن الفرقان هدى يهتدي به المرء من الضلالة؛ و ﴿تهتدون﴾ أي هداية العلم، والتوفيق؛ فهو نازل للهداية؛ ولكن من الناس من يهتدي، ومنهم من لا يهتدي ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآية: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من
стр. 250
نعمه، وآلائه؛ بل هو من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق؛ بل ولا حق المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتب تبياناً للناس ..
. ٢ ومنها: أن موسى ﷺ نبي رسول، لأن الله تعالى آتاه الكتاب ...
٣ ومنها: فضيلة التوراة؛ لأنه أُطلق عليها اسم ﴿الكتاب﴾؛ و "أل" هذه للعهد الذهني؛ فدل هذا على أنها معروفة لدى بني إسرائيل، وأنه إذا أُطلق الكتاب عندهم فهو التوراة؛ أيضاً سماها الله تعالى الفرقان، كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين أعظم الكتب، وأهداهما؛ لقوله تعالى: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ [القصص: ٤٩]. يعني التوراة، والإنجيل. ﴿أتبعه إن كنتم صادقين﴾ [القصص: ٤٩]؛ ودل هذا على أن التوراة مشاركة للقرآن في كونها فرقاناً؛ ولهذا كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ [المائدة: ٤٤] ..
. ٤ ومن فوائد الآية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقاناً، ثم هم يكفرون هذا الكفر دلّ على زيادة عتوهم، وطغيانهم؛ إذ من نُزِّل عليه كتاب يكون فرقاناً كان يجب عليه بمقتضى ذلك أن يكون مؤمناً مذعناً ..
. ٥ ومنها: أن الله. ﵎. يُنزل الكتب، ويجعلها فرقاناً لغاية حميدة حقاً. وهي الهداية؛ لقوله تعالى: (لعلكم تهتدون)
. ٦ ومنها: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة