← Тафсир

Тафсир · id 544

تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة

ابن عثيمين

Полный текст (1 347 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب غيظ قلوبهم﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]؛ نعم، عند عجز الناس لا يبقى إلا فعل الله ؛ ولهذا في غزوة الأحزاب نُصروا بالريح التي أرسلها الله ، كما قال تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾ [الأحزاب: ٩] .. . ٦ ومن فوائد الآية: عتوّ بني إسرائيل؛ فإن بني إسرائيل مع هذه النعم العظيمة كانوا من أشد الناس طغياناً، وتكذيباً للرسل، واستكباراً عن عبادة الله .. . ٧ ومنها: أن الله تعالى سخِر من فرعون، حيث أهلكه بجنس ما كان يفتخر به، وأورث أرضه موسى. ﵊؛ وقد كان فرعون يقول: ﴿يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون * أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥١. ٥٢]؛ فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين .. القرآن (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة: ٥١)) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: ٥٢) التفسير: . ﴿٥١﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى﴾ أي واذكروا إذ واعدنا موسى؛ ﴿أربعين ليلة﴾: وعده الله تعالى لميقاته ثلاثين

стр. 247

ليلة، ثم أتمها بعشر، فصارت أربعين ليلة؛ وفي قوله تعالى: ﴿واعدنا﴾ قراءتان سبعيتان: بألف بعد الواو؛ وبدونها .. قوله تعالى: ﴿ثم اتخذتم العجل﴾ أي صيرتم العجل؛ و ﴿العجل﴾ مفعول أول؛ والثاني: محذوف؛ والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً؛ و "العجل" تمثال من ذهب صنعه السامري، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم، وإله موسى فنسي .. قوله تعالى: ﴿من بعده﴾ أي من بعد موسى حين ذهب لميقات الله .. قوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾: هذه الجملة حال من التاء في قوله تعالى: ﴿اتخذتم﴾؛ والفائدة من ذكر هذه الحال زيادة التوبيخ، وأنهم غير معذورين .. . ﴿٥٢﴾ قوله تعالى: ﴿ثم عفونا عنكم﴾ أي تجاوزنا عن عقوبتكم؛ ﴿من بعد ذلك﴾: أتى بها؛ لأن العفو إنما حصل حين تابوا إلى الله، وقتلوا أنفسهم .. قوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾، "لعل" هنا للتعليل؛ و ﴿تشكرون﴾ أي تشكرون الله على نعمه؛ والشكر يكون بالقلب: وهو إيمان القلب بأن النعمة من الله ، وأن له المنة في ذلك؛ ويكون باللسان: وهو التحدث بنعمة الله اعترافاً. لا افتخاراً؛ ويكون بالجوارح: وهو القيام بطاعة المنعِم؛ وفي ذلك يقول الشاعر:. أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا الفوائد: . ١ من فوائد الآيتين: حكمة الله. ﵎. في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة. مع

стр. 248

أنه قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة؛ ولكن لحكمة. لا نعلم ما هي. وعده الله تعالى ثلاثين ليلة أولاً، ثم أتمها بعشر؛ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ... ٢ ومنها: بيان جهل بني إسرائيل الجهل التام؛ وجه ذلك أن هذا الحلي الذي جعلوه إلهاً هم الذين صنعوه بأنفسهم؛ فقد استعاروا حلياً من آل فرعون، وصنعوه على صورة الثور عجلاً جسداً. لا روح فيه؛ ثم قال السامري: ﴿هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ [طه: ٨٨]؛ وزعموا أن موسى ضلّ، ولم يهتد إلى ربه، وهذا ربه! والعياذ بالله؛ فكيف يكون المصنوع رباً لكم، ولموسى وأنتم الذين صنعتموه! وهذا دليل على جهلهم، وغباوتهم إلى أبعد الحدود؛ وقد قالوا لموسى. ﵊. حينما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨] قال لهم نبيهم موسى: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وصدق ﵊ .. . ٣ ومن فوائد الآيتين: أن اتخاذهم العجل كان عن ظلم؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾. وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم .. . ٤ ومنها: سعة حلم الله ، وأنه مهما بارز الإنسان ربه بالذنوب فإن حلم الله تعالى قد يشمله، فيوفق للتوبة؛ وهؤلاء وفِّقوا لها .. . ٥ ومنها: أن العفو موجب للشكر؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ وإذا كان العفو. وهو زوال النقم. موجباً للشكر فحدوث النعم أيضاً موجب للشكر من باب أولى ..

стр. 249

القرآن (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (البقرة: ٥٣) التفسير: . ﴿٥٣﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب﴾ أي واذكروا إذ أعطينا موسى؛ ﴿الكتاب﴾ أي التوراة .. قوله تعالى: ﴿والفرقان﴾ إما صفة مشبهة، أو مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ لأن المراد بـ ﴿الفرقان﴾ الفارق؛ والمراد به هنا الفارق بين الحق والباطل؛ وعطفه هنا من باب عطف الصفة على الموصوف؛ والعطف يقتضي المغايرة؛ والمغايرة يكتفى فيها بأدنى شيء؛ قد تكون المغايرة بين ذاتين؛ وقد تكون المغايرة بين صفتين؛ وقد تكون بين ذات وصفة؛ فمثلاً: قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١]: المغايرة بين ذاتين؛ وقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١. ٤]: المغايرة بين صفتين؛ وقوله تعالى هنا: ﴿الكتاب والفرقان﴾: المغايرة بين ذات وصفة؛ فـ ﴿الكتاب﴾ نفس التوراة؛ و ﴿الفرقان﴾ صفته؛ فالعطف هنا من باب عطف الصفة على الموصوف .. قوله تعالى: ﴿لعلكم تهتدون﴾: "لعل" للتعليل؛ أي لعلكم تهتدون بهذا الكتاب الذي هو الفرقان؛ لأن الفرقان هدى يهتدي به المرء من الضلالة؛ و ﴿تهتدون﴾ أي هداية العلم، والتوفيق؛ فهو نازل للهداية؛ ولكن من الناس من يهتدي، ومنهم من لا يهتدي .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: أن إنزال الله تعالى الكتب للناس من

стр. 250

نعمه، وآلائه؛ بل هو من أكبر النعم؛ لأن الناس لا يمكن أن يستقلوا بمعرفة حق الخالق؛ بل ولا حق المخلوق؛ ولذلك نزلت الكتب تبياناً للناس .. . ٢ ومنها: أن موسى ﷺ نبي رسول، لأن الله تعالى آتاه الكتاب ... ٣ ومنها: فضيلة التوراة؛ لأنه أُطلق عليها اسم ﴿الكتاب﴾؛ و "أل" هذه للعهد الذهني؛ فدل هذا على أنها معروفة لدى بني إسرائيل، وأنه إذا أُطلق الكتاب عندهم فهو التوراة؛ أيضاً سماها الله تعالى الفرقان، كما سمى القرآن الفرقان؛ لأن كلا الكتابين أعظم الكتب، وأهداهما؛ لقوله تعالى: ﴿قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ [القصص: ٤٩]. يعني التوراة، والإنجيل. ﴿أتبعه إن كنتم صادقين﴾ [القصص: ٤٩]؛ ودل هذا على أن التوراة مشاركة للقرآن في كونها فرقاناً؛ ولهذا كانت عمدة الأنبياء من بني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدًى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾ [المائدة: ٤٤] .. . ٤ ومن فوائد الآية: بيان عتوّ بني إسرائيل، وطغيانهم؛ لأنه إذا كانت التوراة التي نزلت عليهم فرقاناً، ثم هم يكفرون هذا الكفر دلّ على زيادة عتوهم، وطغيانهم؛ إذ من نُزِّل عليه كتاب يكون فرقاناً كان يجب عليه بمقتضى ذلك أن يكون مؤمناً مذعناً .. . ٥ ومنها: أن الله. ﵎. يُنزل الكتب، ويجعلها فرقاناً لغاية حميدة حقاً. وهي الهداية؛ لقوله تعالى: (لعلكم تهتدون) . ٦ ومنها: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة

стр. 251

من السماء. لا يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وجعجعة المتكلمين، والفلاسفة، وما أشبه ذلك؛ بل من الكتب المنَزلة من السماء .. فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد، والعباد، ونحوهم نقول لكاتبيها، وقارئيها: خير لكم أن تبدو للناس كتاب الله ، وما صح عن رسوله ﷺ وتبسطوا ذلك، وتشرحوه، وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعاً للخلق؛ لأنه لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله .. . ٧ ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ وبسط ذلك مذكور في كتب العقائد .. . ٨ ومنها: أن الإيتاء المضاف إلى الله يكون كونياً، ويكون شرعياً؛ مثال الكوني قوله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة﴾ [القصص: ٧٦]؛ ومثال الشرعي قوله تعالى: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾ (الإسراء: ٢) القرآن (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: ٥٤) التفسير: . ﴿٥٤﴾ ثم ذكر الله تعالى نعمة أخرى أيضاً فقال: ﴿وإذ قال

стр. 252

موسى لقومه﴾ أي واذكروا إذ قال موسى لقومه؛ ﴿يا قوم﴾ أي يا أصحابي؛ وناداهم بوصف القومية تحبباً، وتودداً، وإظهاراً بأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه بمقتضى العادة .. قوله تعالى: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم﴾: أكد الجملة لبيان حقيقة ما هم عليه؛ و ﴿ظلمتم﴾ بمعنى نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن "الظلم" في الأصل بمعنى النقص، كما قال الله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً﴾ [الكهف: ٣٣] أي لم تنقص .. قوله تعالى: ﴿باتخاذكم العجل﴾: الباء هنا للسببية. أي بسبب اتخاذكم العجل؛ و "اتخاذ" مصدر فِعْله: اتخذ؛ وهو مضاف إلى فاعله: الكاف؛ و ﴿العجل﴾ مفعول أول؛ والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلهاً؛ والمعنى: ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهاً تعبدونه من دون الله؛ وهذا العجل سبق أنه عجل من ذهب، وأن الذي فتن الناس به رجل يقال له: السامري .. قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ أي ارجعوا إليه من معصيته إلى طاعته؛ و "البارئ": الخالق المعتني بخلقه؛ فكأنه يقول: كيف تتخذون العجل إلهاً وتَدَعون خالقكم الذي يعتني بكم؛ وهذا كقول إلياس ﵇ لقومه: ﴿أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ [الصافات: ١٢٥، ١٢٦] .. قوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾: الفاء هنا تفسيرية؛ لأن قوله تعالى: ﴿فاقتلوا﴾ تفسير للمجمل في قوله تعالى: ﴿توبوا﴾؛ وعلى هذا فالفاء للتفسير؛ أي: فتوبوا بهذا الفعل. وهو أن تقتلوا

стр. 253

أنفسكم؛ أي ليقتل بعضكم بعضاً؛ وليس المعنى أن كل رجل يقتل نفسه. بالإجماع؛ فلم يقل أحد من المفسرين: إن معنى قوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ أي يقتل كل رجل نفسه؛ وإنما المعنى: ليقتل بعضكم بعضاً: يقتل الإنسان ولده، أو والده، أو أخاه؛ المهم أنكم تستعدون، وتتخذون سلاحاً. خناجر، وسكاكين، وسيوفاً. وكل واحد منكم يهجم على الآخر، ويقتله .. واختلف المفسرون: هل هذا القتل وقع في ظلمة، أو وقع جهاراً بدون ظلمة؟ فقيل: إنهم لما أمروا بذلك قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضاً وهو ينظر إليه: ينظر الإنسان إلى ابنه، فيقتله، وإلى أبيه، وإلى صديقه! هذا شيء لا يطاق؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة، وصار يقتل بعضهم بعضاً، ولا يدري مَن قتل .. وقيل: بل إنهم قتلوا أنفسهم جهراً بدون ظلمة، وأن هذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، وأنه لما رأى موسى ﷺ أنهم سينتهون. لأنه إذا قتل بعضهم بعضاً لن يبقى إلا واحد. ابتهل إلى الله أن يرفع عنهم الإصر؛ فأمروا بالكف؛ وقيل: بل سقطت أسلحتهم من أيديهم. والله أعلم .. وظاهر القرآن أنه لم تكن هناك ظلمة، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً عِياناً، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم، ورجوعهم إلى الله .. وذهب بعضهم إلى أن المراد: أن يقتل البريء منكم المجرم. يعني الذين دعوا إلى عبادة العجل، وعكفوا عليه يُقتَلون؛ والذين تبرؤوا منه يَقتلون. والله أعلم .. ولكن الظاهر الأول؛ لأن قتل البريء للمجرم ليس فيه دلالة

стр. 254

على صدق التوبة من المجرمين؛ لأن الإنسان قد يُقتل وهو مصرّ على الذنب؛ ولا يدل ذلك على توبته .. قوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ المشار إليه قتل أنفسهم؛ ﴿خير لكم عند بارئكم﴾ أي من عدم التوبة؛ أو من عدم القتل؛ وهذا من التفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ والتفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء وارد في اللغة العربية؛ لكن بعضهم يقول: إنه لا يكون بمعنى التفضيل؛ بل المراد به وجود الخير في هذا الأمر بدون وجود مفضَّل عليه .. قوله تعالى: ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾: هذه الجملة تعليل لما قبلها؛ و ﴿هو﴾ ضمير فصل؛ وسبق بيان فوائده؛ و ﴿التواب﴾ أي كثير التوبة: لكثرة توبته على العبد الواحد، وكثرة توبته على التائبين الذين لا يحصيهم إلا الله، فهو يتوب في المرات المتعددة على عبده، ويتوب على الأشخاص الكثيرين الذين تكثر توبتهم؛ و ﴿الرحيم﴾ أي ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء .. الفوائد:. ١ من فوائد الآية: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿يا قوم﴾؛ فإن هذا لا شك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر .. . ٢ ومنها: أن اتخاذ الأصنام مع الله ظلم؛ لقوله: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ .. . ٣ ومنها: أن المعاصي ظلم للنفوس؛ وجه ذلك: أن النفس أمانة عندك؛ فيجب عليك أن ترعاها بأحسن رعاية، وأن

стр. 255

تجنبها سوء الرعاية؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن لنفسك عليك حقا (١) ً" .. . ٤ ومنها: أنه ينبغي التعبير بما يناسب المقام؛ لقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾؛ لأن ذكر "البارئ" هنا كإقامة الحجة عليهم في أن العجل لا يكون إلهاً؛ فإن الذي يستحق أن يكون إلهاً هو البارئ. أي الخالق .. . ٥ ومنها: وجوب التوبة؛ لقوله: (فتوبوا إلى بارئكم) . ٦ ومنها: أن التوبة على الفور؛ لقوله: ﴿فتوبوا﴾؛ لأن الفاء للترتيب، والتعقيب .. . ٧ ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبباتها؛ لقوله ﴿باتخاذكم﴾: فإن الباء هنا للسببية .. . ٨ ومنها: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يبين الأسباب فيما يحكم به؛ لقوله: (إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) . ٩ ومنها: سفاهة بني إسرائيل، حيث عبدوا ما صنعوا وهم يعلمون أنه لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً، ولا نفعاً .. . ١٠ ومنها: ما وضع الله تعالى على بني إسرائيل من الأغلال، والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضاً؛ لقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ ... ١١ ومنها: أن الأمة كنفس واحدة؛ وذلك لقوله: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾؛ لأنهم ما أُمروا أن يقتل كل واحد منهم نفسه؛ بل يقتل

стр. 256

بعضهم بعضاً؛ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: ١١] أي لا يلمز بعضكم بعضاً؛ وعبر عن ذلك بـ "النفس"؛ لأن الأمة شيء واحد؛ فمن لمز أخاه فكمن لمز نفسه . ١٢ ومنها: تفاضل الأعمال؛ لقوله: (ذلكم خير لكم عند بارئكم) . ١٣ ومنها: أن الله يتوب على التائبين مهما عظم ذنبهم؛ لقوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾ .. . ١٤ ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله. وهما ﴿التواب﴾، و ﴿الرحيم﴾؛ وإثبات ما تضمناه من صفة. وهي: التوبة، والرحمة؛ وإثبات ما تضمناه من صفة باقترانهما. لا تكون عند انفراد أحدهما؛ لأنه لما اقترنا حصل من اجتماعهما صفة ثالثة. وهي: الجمع بين التوبة التي بها زوال المكروه، والرحمة التي بها حصول المطلوب .. . ١٥ ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعرض لما يقتضيه هذان الاسمان من أسماء الله؛ فيتعرض لتوبة الله، ورحمته؛ فيتوب إلى ربه ، ويرجو الرحمة؛ وهذا هو أحد المعاني التي قال عنها رسول الله ﷺ : "من أحصاها". أي أسماء الله التسعة والتسعين. "دخل الجنة" (١)؛ فإن من إحصائها أن يتعبد الإنسان بمقتضاها ..

стр. 257

القرآن (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة: ٥٥) (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة: ٥٦) التفسير: . ﴿٥٥﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى﴾ أي: واذكروا أيضاً يا بني إسرائيل إذ قلتم ... ؛ والخطاب لمن كان في عهد الرسول ﷺ ، لكن إنعامه على أول الأمة إنعام على آخرها؛ فصح توجيه الخطاب إلى المتأخرين مع أن هذه النعمة على من سبقهم .. قوله تعالى: ﴿لن نؤمن لك﴾ أي لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به .. قوله تعالى: ﴿حتى نرى الله جهرة﴾: ﴿نرى﴾ بمعنى نبصر؛ ولهذا لم تنصب إلا مفعولاً واحداً؛ لأنها رؤية بصرية؛ واختلف العلماء متى كان هذا، على قولين:. القول الأول: أن موسى ﷺ اختار من قومه سبعين رجلاً لميقات الله، وذهب بهم؛ ولما صار يكلم الله، ويكلمه الله قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾؛ فعلى هذا القول يكون صعقهم حينما كان موسى خارجاً لميقات الله .. القول الثاني: أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل الله عليه التوراة، وجاء بها قالوا: "ليست من الله؛ ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ " .. والسياق يؤيد الثاني؛ لأنه تعالى قال: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان﴾، ثم ذكر قصة العجل، وهذه كانت بعد مجيء

стр. 258

موسى بالتوراة، ثم بعد ذلك ذكر: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ .. وأما قوله تعالى: ﴿فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾ [الأعراف: ١٥٥] فقد أيد بعضهم القول الأول بهذه الآية؛ ولكن الحقيقة ليس فيه تأييد لهم؛ لأنه تعالى قال: ﴿فلما أخذتهم الرجفة﴾ [الأعراف: ١٥٥]. رُجِفَ بهم؛ والأخرى: أخذتهم الصاعقة. صعقوا، وماتوا .. فالظاهر لي أن القول الأول لا يترجح بهذه الآية لاختلاف العقوبتين؛ هذه الآية كانت العقوبة بالصاعقة؛ وتلك كانت بالرجفة. والله أعلم .. قوله تعالى: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ يعني الموت الذي صعقوا به؛ ﴿وأنتم تنظرون﴾ أي ينظر بعضكم إلى بعض حين تتساقطون؛ والجملة في قوله تعالى: ﴿وأنتم تنظرون﴾ حال من الكاف في قوله تعالى: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ يعني: والحال أنكم تنظرون .. . ﴿٥٦﴾ قوله تعالى: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾: أصل "البعث" في اللغة الإخراج؛ ويطلق على الإحياء، كما هذه الآية؛ ويدل على أن المراد به الإحياء هنا قوله تعالى: ﴿من بعد موتكم﴾؛ وهو موت حقيقي، وليس نوماً، لأن النوم يسمى وفاة؛ ولا يسمى موتاً، كما في قوله تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ [الزمر: ٤٢]

стр. 259

وقوله تعالى: ﴿بعثناكم من بعد موتكم﴾: هذه نعمة كبيرة عليهم أن الله تعالى أخذهم بهذه العقوبة، ثم بعثهم ليرتدعوا؛ ويكون كفارة لهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي تشكرون الله ؛ و "لعل" هنا للتعليل .. وهذه إحدى الآيات الخمس التي في سورة البقرة التي فيها إحياء الله تعالى الموتى؛ والثانية: في قصة صاحب البقرة؛ والثالثة: في الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال الله لهم: ﴿موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣]؛ والرابعة: في قصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فقال: ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ والخامسة في قصة إبراهيم: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ... ﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآية؛ والله تعالى على كل شيء قدير، ولا ينافي هذا ما ذكر الله في قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون﴾ [المؤمنون: ١٥، ١٦]؛ لأن هذه القصص الخمس، وغيرها. كإخراج عيسى الموتى من قبورهم. تعتبر أمراً عارضاً يؤتى به لآية من آيات الله ؛ أما البعث العام فإنه لا يكون إلا يوم القيامة؛ ولهذا نقول في شبهة الذين أنكروا البعث من المشركين، ويقولون: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [الأنبياء: ٣٨]، ويقولون: ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ [الدخان: ٣٦] نقول: إن هؤلاء مموهون؛ فالرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن؛ بل يوم القيامة؛ ولينتظروا، فسيكون هذا بلا ريب ..

стр. 260

الفوائد: . ١ من فوائد الآيتين: تذكير الله تعالى بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم. ٢. ومنها: سفاهة بني إسرائيل؛ وما أكثر ما يدل على سفاهتهم؛ فهم يؤمنون بموسى، ومع ذلك قالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾. ٣. ومنها: أن من سأل ما لا يمكن فهو حري بالعقوبة؛ لقوله تعالى: ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾؛ لأن الفاء تدل على السببية. ولا سيما في مثل حال هؤلاء الذين قالوا هذا عن تشكك؛ وفرْق بين قول موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبين قول هؤلاء: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾؛ فموسى قال ذلك شوقاً إلى الله ، وليتلذذ بالرؤية إليه؛ أما هؤلاء فقالوه تشككاً. يعني: لسنا بمؤمنين إلا إذا رأيناه جهرة؛ ففرق بين الطلبين. ٤. ومن فوائد الآيتين: أن ألم العقوبة، ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها أشد؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم تنظرون﴾؛ فإن الإنسان إذا رأى الناس يتساقطون في العقوبة يكون ذلك أشد وقعاً عليه. ٥. ومنها: بيان قدرة الله ، حيث أحياهم بعد الموت؛ لقوله تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾. ٦. ومنها: وجوب الشكر على من أنعم الله عليه بنعمة؛ لقوله تعالى: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ والشكر هو القيام بطاعة المنعم إقراراً بالقلب، واعترافاً باللسان، وعملاً بالأركان؛ فيعترف بقلبه

стр. 261

أنها من الله، ولا يقول: إنما أوتيته على علم عندي؛ كذلك أيضاً يتحدث بها بلسانه اعترافاً. لا افتخاراً؛ وكذلك أيضاً يقوم بطاعة الله بجوارحه؛ وبهذه الأركان الثلاثة يكون الشكر؛ وعليه قول الشاعر: (أفادتكم النعماء مني ثلاثةً يدي ولساني والضمير المحجبا) ٧. ومن فوائد الآيتين: إثبات الحكمة لله تعالى: لقوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾؛ فإن "لعل" هنا للتعليل المفيد للحكمة .. القرآن (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (البقرة: ٥٧) التفسير:. ﴿٥٧﴾ قوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ أي جعلناه ظلاً عليكم؛ وكان ذلك في التيه حين تاهوا؛ وقد بقوا في التيه بين مصر والشام أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ وما كان عندهم ماء، ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلل عليه الغمام؛ و ﴿الغمام﴾ هو السحاب الرقيق الأبيض؛ وقيل: السحاب مطلقاً؛ وقيل: السحاب البارد الذي يكون به الجو بارداً، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو. وهذا هو الظاهر .. قوله تعالى: ﴿وأنزلنا عليكم المن﴾: يقولون: ﴿المن﴾ شيء يشبه العسل؛ ينْزل عليهم بين طلوع الفجر، وطلوع الشمس؛ فإذا قاموا أكلوا منه؛ ﴿والسلوى﴾: طائر ناعم يسمى "السُّمَانَى"،

стр. 262

أو هو شبيه به؛ وهو من أحسن ما يكون من الطيور، وألذه لحماً .. قوله تعالى: ﴿كلوا﴾ الأمر هنا للإباحة؛ يعني أننا أبحنا لكم هذا الذي أنزلنا عليكم من المن، والسلوى؛ ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾: ﴿مِنْ﴾ هنا لبيان الجنس؛ وليست للتبعيض؛ لأنهم أبيح لهم أن يأكلوا جميع الطيبات .. قوله تعالى: ﴿وما ظلمونا﴾ أي ما نقصونا شيئاً؛ لأن الله لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين .. قوله تعالى: ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾: ﴿أنفسهم﴾ مفعول مقدم لـ ﴿يظلمون﴾؛ وقُدِّم لإفادة الحصر. أي لا يظلمون بهذا إلا أنفسهم؛ أما الله. ﵎. فإنهم لا يظلمونه؛ لأنه سبحانه وبحمده لا يتضرر بمعصيتهم، كما لا ينتفع بطاعتهم .. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: نعمة الله ﵎ بما هيأه لعباده من الظلِّ؛ فإن الظلّ عن الحرّ من نعم الله على العباد؛ ولهذا ذكره الله هنا ممتناً به على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾، وقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم مما خلق ظلالًا﴾ [النحل: ٨١] .. . ٢ ومنها: أن الغمام يسير بأمر الله ، حيث جعل الغمام ظلاً على هؤلاء ... ٣. ومنها: بيان نعمة الله على بني إسرائيل بما أنزل عليهم من المن، والسلوى. يأتيهم بدون تعب، ولا مشقة؛ ولهذا وصف بـ "المن" ..

стр. 263

٤ ومنها: أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله تعالى هيأ لهم لحوم الطير. وهو أيضاً لحوم أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾ (الواقعة: ٢١) . ٥ ومنها: أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٥٧]؛ فإن الإنسان لا ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام. ﵀: "من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم"؛ وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباح الله له وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة؛ فالإنسان لا ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بدينه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بغيره؛ فقد يمتنع الإنسان عن اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله، فيكون تركه له من باب الحمية؛ وقد يترك الإنسان اللحم، لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يُذهب طيباته في حياته الدنيا؛ وقد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر ﵁ في عام الرمادة. عام الجدب المشهور. أنه كان لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع (١)؛ فيكون تركه لذلك مراعاة لغيره؛ إذاً من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموم .. . ٦ ومنها: أن المباح من الزرق هو الطيب؛ لقوله تعالى: (كلوا من طيبات) ..

стр. 264

٧ ومنها: تحريم أكل الخبيث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته؛ وخبيث لكسبه؛ فالخبيث لذاته كالميتة، والخنْزير، والخمر، وما أشبهها، كما قال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنْزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي نجس خبيث؛ وهذا محرم لذاته؛ محرم على جميع الناس؛ وأما الخبيث لكسبه فمثل المأخوذ عن طريق الغش، أو عن طريق الربا، أو عن طريق الكذب، وما أشبه ذلك؛ وهذا محرم على مكتسبه، وليس محرماً على غيره إذا اكتسبه منه بطريق مباح؛ ويدل لذلك أن النبي ﷺ كان يعامل اليهود مع أنهم كانوا يأكلون السحت، ويأخذون الربا، فدلّ ذلك على أنه لا يحرم على غير الكاسب .. . ٨ ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله تعالى: (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) . ٩ ومنها: أن العاصي لا يضر الله شيئاً؛ وإنما يظلم نفسه .. القرآن (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: ٥٨)) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (البقرة: ٥٩) التفسير: . ﴿٥٨﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾ أي

стр. 265

واذكروا يا بني إسرائيل إذ قلنا ادخلوا هذه القرية؛ و ﴿ادخلوا﴾ أمر كوني، وشرعي؛ لأنهم أُمروا بأن يدخلوها سجداً وهذا أمر شرعي؛ ثم فُتحت، فدخلوها بالأمر الكوني .. واختلف المفسرون في تعيين هذه القرية؛ والصواب أن المراد بها: بيت المقدس؛ لأن موسى قال لهم: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ [المائدة: ٢١]؛ و ﴿القرية﴾ هي البلد المسكون؛ مأخوذة من القرْي. وهو التجمع؛ وسميت البلاد المسكونة قرية لتجمع الناس بها؛ ومفهوم القرية في اللغة العربية غير مفهومها في العرف؛ لأن مفهوم القرية في العرف: البلد الصغير؛ وأما الكبير فيسمى مدينة؛ ولكنه في اللغة العربية. وهي لغة القرآن. لا فرق بين الصغير، والكبير؛ فقد سمى الله مكة قرية، كما في قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم﴾ [محمد: ١٣]: المراد بقريته التي أخرجته: مكة، وقال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ [الشورى: ٧]: فسمى مكة أم القرى وهو شامل للبلاد الصغيرة، والكبيرة .. قوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾: الأمر للإباحة أي فأبحنا لكم أن تأكلوا منها؛ ﴿حيث شئتم﴾ أي في أي مكان كنتم من البلد في وسطها، أو أطرافها تأكلون ما تشاءون؛ ﴿رغداً﴾ أي طمأنينة، وهنيئاً لا أحد يعارضكم في ذلك، ولا يمانعكم .. قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب﴾ أي باب القرية؛ لأن القرى يجعل لها أبواب تحميها من الداخل، والخارج؛ ﴿سجداً﴾ منصوب على أنه حال من الواو في قوله تعالى: ﴿ادخلوا﴾ أي

стр. 266

ساجدين؛ والمعنى: إذا دخلتم فاسجدوا شكراً لله؛ وعلى هذا فالحال ليست مقارنة لعاملها؛ بل هي متأخرة عنه .. قوله تعالى: ﴿وقولوا حطة﴾ أي قولوا هذه الكلمة: ﴿حطة﴾ أي احطط عنا ذنوبنا، وأوزارنا؛ فهي بمعنى قولوا: ربنا اغفر لنا؛ والمراد: اطلبوا المغفرة من الله إذا دخلتم، وسجدتم؛ و ﴿حطة﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ والتقدير: سؤالنا حطة، أو حاجتنا حطة. أي أن تحط عنا ذنوبنا؛ والجملة من المبتدأ، والخبر في محل نصب مقول القول .. قوله تعالى: ﴿نغفر لكم﴾ بنون مفتوحة، وفاء مكسورة؛ وفي قراءة: ﴿تُغفَر لكم﴾ بتاء مضمومة، وفاء مفتوحة؛ وفي قراءة ثالثة: ﴿يُغفَر﴾ بياء مضمومة وفاء مفتوحة؛ وكلها قراءات صحيحة؛ بأيها قرأت أجزأك .. وقوله تعالى: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾: "المغفرة" هي ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ ومعناه أن الله ستر ذنبك، ويتجاوز عنك، فلا يعاقبك؛ لأن "المغفرة" مأخوذة من المغفر. وهو ما يوقى به الرأس في الحرب؛ لأنه يستر، ويقي؛ ومن فسر "المغفرة" بمجرد الستر فقد قصَّر؛ لأن الله تعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة، وقرره بذنوبه قال: "قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (١) أي اليوم أسترها أيضاً، ثم أتجاوز عنها؛ و ﴿خطاياكم﴾

стр. 267

جمع خَطِيَّة، كـ"مطايا" جمع مطية؛ و "الخطية" ما يرتكبه الإنسان من المعاصي عن عمد؛ وأما ما يرتكبه عن غير عمد فيسمى "أخطاء"؛ ولهذا يفرق بين "مخطئ"، و"خاطئ"؛ الخاطئ ملوم؛ والمخطئ معذور، كما قال الله تعالى: ﴿لنسفعاً بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة﴾ [العلق: ١٥، ١٦]، وقال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ (البقرة: ٢٨٦) قوله تعالى: ﴿وسنزيد﴾ أي سنعطي زيادة على مغفرة الذنوب ﴿المحسنين﴾ أي الذين يقومون بالإحسان، و "الإحسان" نوعان:. الأول: إحسان في عبادة الله؛ وقد فسره رسول الله ﷺ بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك (١) " .. والنوع الثاني: إحسان في معاملة الخلق وهو بذل المعروف، وكفُّ الأذى .. . ﴿٥٩﴾ قوله تعالى: ﴿فبدل الذين ظلموا﴾ أي فاختار الذين ظلموا منهم على وجه التبديل، والمخالفة ﴿قولاً غير الذي قيل لهم﴾: وذلك أنهم قالوا: "حنطة في شعيرة" بدلاً عن قولهم: "حطة" .. وفي قوله تعالى: ﴿فبدَّل الذين ظلموا﴾ إظهار في موضع الإضمار؛ ومقتضى السياق أن يكون بلفظ: فبدلوا قولاً .. إلخ، وللإظهار في موضع الإضمار فوائد من أهمها:.

стр. 268

أولاً: تحقيق اتصاف محل المضمر بهذا الوصف؛ معنى ذلك: الحكم على هؤلاء بالظلم .. ثانياً: أن هذا مقياس لغيرهم أيضاً؛ فكل من بدل القول الذي قيل له فهو ظالم؛ فيؤخذ منه تعميم الحكم بعموم علة الوصف .. ثالثاً: التنبيه أعني تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا جاء الكلام على خلاف السياق انتبه المخاطب .. قوله تعالى: ﴿فأنزلنا﴾ الفاء للسببية؛ والمعنى: فبسبب ما حصل منهم من التبديل أنزلنا ﴿على الذين ظلموا﴾ أي عليهم؛ ﴿رجزاً﴾ أي عذاباً؛ لقوله تعالى: ﴿لئن كشفت عنا الرجز﴾ [الأعراف: ١٣٤]. أي العذاب. ﴿لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل﴾ [الأعراف: ١٣٤]، والعذاب غير الرجس؛ لأن الرجس النجس القذر؛ والرجز: العذاب، ﴿من السماء﴾ أي من فوقهم، كالحجارة، والصواعق، والبَرَد، والريح، وغيرها؛ والمراد بـ ﴿السماء﴾ هنا العلوّ، ولا يلزم أن يكون المراد بها السماء المحفوظة؛ لأن كل ما علا فهو سماء ما لم يوجد قرينة كما في قوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون﴾ [الأنبياء: ٣] قوله تعالى: ﴿بما كانوا يفسقون﴾: الباء هنا للسببية. أي بسبب؛ و "ما" مصدرية. أي بكونهم فسقوا؛ وإذا كانت مصدرية فإنه يحول ما بعدها من الفعل، أو الجملة إلى مصدر؛ و ﴿كانوا﴾: هل المراد فيما مضى؛ أم المراد تحقيق اتصافهم بذلك؟ الجواب: الثاني؛ وهذا يأتي في القرآن كثيراً؛ و ﴿يفسقون﴾ أي يخرجون عن طاعة الله ..

стр. 269

الفوائد: . ١ من فوائد الآيتين: إثبات القول لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذ قلنا ادخلوا﴾؛ وهو قول حقيقي بصوت، وبحرف؛ لكن صوته لا يشبهه صوت من أصوات المخلوقين؛ ولا يمكن للإنسان أن يدرك هذا الصوت؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه: ١١٠]؛ وهكذا جميع صفات الله لا يمكن إدراك حقائقها .. . ٢ ومنها: وعد الله لهم بدخولها؛ ويؤخذ هذا الوعد من الأمر بالدخول؛ فكأنه يقول: فتحنا لكم الأبواب فادخلوا ... ٣ ومنها: جواز أكل بني إسرائيل من هذه القرية التي فتحوها؛ فإن قال قائل: أليس حِلّ الغنائم من خصائص هذه الأمة. أي أمة محمد ﷺ ؟ فالجواب: بلى، والإذن لبني إسرائيل أن يأكلوا من القرية التي دخلوها ليس على سبيل التمليك؛ بل هو على سبيل الإباحة؛ وأما حِلّ الغنائم لهذه الأمة فهو على سبيل التمليك .. . ٤ ومنها: أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة﴾؛ ولهذا لما فتح النبي ﷺ مكة دخلها مطأطئاً رأسه (١) يقرأ قول الله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١] .. . ٥ ومنها: لؤم بني إسرائيل، ومضادَتُهم لله، ورسله؛ لأنهم

стр. 270

لم يدخلوا الباب سجداً؛ بل دخلوا يزحفون على أستاههم على الوراء استكباراً واستهزاءً .. . ٦ ومنها: بيان قبح التحريف سواء كان لفظياً، أو معنوياً؛ لأنه يغير المعنى المراد بالنصوص .. . ٧ ومنها: أن الجهاد مع الخضوع لله ، والاستغفار سبب للمغفرة؛ لقوله تعالى: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾، وسبب للاستزادة أيضاً من الفضل؛ لقوله تعالى: ﴿وسنزيد المحسنين﴾ ... ٨ ومنها: أن الإحسان سبب للزيادة سواء كان إحساناً في عبادة الله، أو إحساناً إلى عباد الله؛ فإن الإحسان سبب للزيادة؛ وقد ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: "الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١)؛ وقال: "ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته (٢) " .. . ٩ ومنها: تحريم التبديل لكلمات الله وهو تحريفها؛ وأنه من الظلم، لقوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولًا) . ١٠ ومنها: بيان عقوبة هؤلاء الظالمين، وأن الله أنزل عليهم الرجز من السماء .. . ١١ ومنها: الإشارة إلى عدل الله ، وأنه لا يظلم أحداً، وأن الإنسان هو الظالم لنفسه ..

стр. 271

١٢ ومنها: إثبات فسوق هؤلاء بخروجهم عن طاعة الله؛ والفسق نوعان: فسق أكبر مخرج عن الملة، وضده "الإيمان"، كما في قوله تعالى: ﴿وأمَّا الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ [السجدة: ٢٠]؛ وفسق أصغر لا يخرج عن الملة، وضده "العدالة"، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (الحجرات: ٦) . ١٣ ومنها: إثبات الأسباب، وتأثيرها في مسبَّباتها؛ لقوله تعالى: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ ... ١٤ ومنها: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الله مجبر العبد على عمله؛ ووجه الرد أن الله أضاف الفسق إليهم؛ والفسق هو الخروج عن الطاعة؛ والوجه الثاني: أنهم لو كانوا مجبرين على أعمالهم لكان تعذيبهم ظلماً، والله. ﵎. يقول: ﴿ولا يظلم ربك أحداً﴾ [الكهف: ٤٩]. . ١٥ ومنها: أن الفسوق سبب لنُزول العذاب .. القرآن (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (البقرة: ٦٠) التفسير: . ﴿٦٠﴾ قوله تعالى: ﴿وإذا استسقى موسى لقومه﴾ أي:

стр. 272

واذكر إذ استسقى موسى لقومه. أي طلب السقيا لهم؛ وهذا يعم كونهم في التيه، وغيره .. قوله تعالى: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر﴾: "العصا" معروفة؛ و ﴿الحجر﴾: المراد به الجنس؛ فيشمل أيّ حجر يكون؛ وهذا أبلغ من القول بأنه حجر معين؛ وهذه "العصا" كان فيها أربع آيات عظيمة:. أولاً: أنه يلقيها، فتكون حية تسعى، ثم يأخذها، فتعود عصا .. ثانياً: أنه يضرب بها الحجر، فينفجر عيوناً .. ثالثاً: أنه ضرب بها البحر، فانفلق؛ فكان كل فرق كالطود العظيم .. رابعاً: أنه ألقاها حين اجتمع إليه السحرة، وألقوا حبالهم، وعصيهم، فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون .. قوله تعالى: ﴿فانفجرت منه﴾؛ "الانفجار": الانفتاح، والانشقاق؛ ومنه سمي "الفجر"؛ لأنه ينشق به الأفق؛ فمعنى ﴿انفجرت﴾ أي تشققت منه هذه العيون .. قوله تعالى: ﴿اثنتا عشرة عيناً﴾؛ ﴿عيناً﴾: تمييز؛ وكانت العيون اثنتي عشرة؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثنتي عشرة أسباطاً؛ لكل سبط واحدة .. قوله تعالى: ﴿قد علم كل أناس﴾ أي من الأسباط ﴿مشربهم﴾ أي مكان شربهم، وزمانه حتى لا يختلط بعضهم ببعض، ويضايق بعضهم بعضاً .. وهذه من نعمة الله على بني إسرائيل؛ وهي من نعمة الله

стр. 273

على موسى؛ أما كونها نعمة على موسى فلأنها آية دالة على رسالته؛ وأما كونها نعمة على بني إسرائيل فلأنها مزيلة لعطشهم، ولظمئهم .. قوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا﴾ الأمر هنا للإباحة فيما يظهر؛ ﴿من رزق الله﴾ أي من عطائه، حيث أخرج لكم من الثمار، ورزقكم من المياه .. قوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ أي لا تسيروا مفسدين؛ فنهاهم عن الإفساد في الأرض؛ فـ"العُثو"، و"العِثي" معناه الإسراع في الإفساد؛ والإفساد في الأرض يكون بالمعاصي، كما قال الله تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾ [الروم: ٤١]. الفوائد: . ١ من فوائد الآية: مشروعية الاستسقاء عند الحاجة إلى الماء؛ لأن موسى استسقى لقومه؛ وشرع من قبلنا شرع لنا إن لم يرد شرعنا بخلافه؛ فكيف وقد أتى بوفاقه؟! فقد كان النبي ﷺ يستسقي في خطبة الجمعة (١)، ويستسقي في الصحراء على وجه معلوم (٢) ..

стр. 274

٢ ومنها: أن السقيا كما تكون بالمطر النازل من السماء تكون في النابع من الأرض ... ٣ ومنها: أن الله هو الملجأ للخلق؛ فهم إذا مسهم الضر يلجؤون إلى الله .. . ٤ ومنها: أن الرسل. عليهم الصلاة والسلام. كغيرهم في الافتقار إلى الله ؛ فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء .. . ٥ ومنها: رأفة موسى بقومه؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا استسقى موسى لقومه﴾ .. . ٦ ومنها: أن الله قادر جواد؛ ولهذا أجاب الله تعالى دعاء موسى؛ لأن العاجز لا يسقي؛ والبخيل لا يعطي .. . ٧ ومنها: إثبات سمع الله ، لقوله تعالى: ﴿فقلنا﴾؛ لأن الفاء هنا للسببية؛ يعني: فلما استسقى موسى قلنا؛ فدل على أن الله سمع استسقاء موسى، فأجابه .. . ٨. ومنها: كمال قدرة الله ، حيث إن موسى ﷺ يضرب الحجر اليابس بالعصا، فيتفجر عيوناً؛ وهذا شيء لم تجر العادة بمثله؛ فهو دليل على قدرة الله ، وأنه ليس كما يزعم الطبائعيون بأنه طبيعة؛ إذ لو كانت الأمور بالطبيعة ما تغيرت، وبقيت على ما هي عليه .. . ٩ ومنها: الآية العظيمة في عصا موسى، حيث يضرب به الحجر، فيتفجر عيوناً مع أن الحجر صلب، ويابس؛ وقد وقع لرسول الله ﷺ ما هو أعظم، حيث أُتي إليه بإناء فيه ماء، فوضع

стр. 275

يده فيه، فصار يفور من بين أصابعه كالعيون (١)؛ ووجه كونه أعظم: أنه ليس من عادة الإناء أن يتفجر عيوناً بخلاف الحجارة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ [البقرة: ٧٤]؛ ووجه آخر: أن الإناء منفصل عن الأرض لا صلة له بها بخلاف الحجارة .. . ١٠ ومنها: حكمة الله بجعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عيناً؛ لفائدتين:. الفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عيناً واحدة لحصلت مشقة الزحام .. الفائدة الثانية: الابتعاد عن العداوة، والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطاً؛ فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق، والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد؛ وربما يؤدي إلى القتال؛ فهذا من رحمة الله. ﵎. ببني إسرائيل، حيث فجره اثنتي عشرة عيناً، ولهذا أشار الله إلى هذه النعمة بقوله: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾: كل أناس من بني إسرائيل .. . ١١ من فوائد الآية: أن الله يذكِّر بني إسرائيل بهذه النعم العظيمة لأجل أن يقوموا بالشكر؛ ولهذا قال تعالى: (كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) . ١٢ ومنها: أن ما خلق الله تعالى من المأكول، والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة، والحل؛ لأن الأمر

стр. 276

للإباحة؛ فما أخرج الله تعالى لنا من الأرض، أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحل؛ فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل؛ فالعبادات الأصل فيها الحظر؛ وأما المعاملات، والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل، والإباحة .. . ١٣ ومنها: تحريم الإفساد في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾؛ والأصل في النهي التحريم .. القرآن (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) (البقرة: ٦١) التفسير: . ﴿٦١﴾ قوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد﴾؛ المن، والسلوى من أحسن الأطعمة، وأنفعها للبدن، وألذّها مذاقاً، ومن أحسن ما يكون؛ لكن بني إسرائيل لدناءتهم لم يصبروا على هذا؛ قالوا: ﴿لن نصبر على طعام واحد﴾: لا نريد المن، والسلوى فقط؛ نريد أطعمة متعددة؛ ولكنها أطعمة بالنسبة للتي رُزِقوها أدنى. يعني ليست مثلها؛ بل إنها تعتبر رديئة جداً بالنسبة لهذا ..

стр. 277

فإن قال قائل: كيف يقولون: طعام واحد وهما طعامان: المن، والسلوى؟ فالجواب: أن المن في الغالب يستعمل في الشرب؛ فهو ينبذ في الماء، ويشرب؛ أو يقال: المراد بالطعام هنا الجنس؛ يعني: لا نصبر على هذا الجنس فقط. ليس عندنا إلا منّ وسلوى .. قوله تعالى: ﴿فادع لنا ربك﴾: هذا توسل منهم بموسى ليدعو الله لهم؛ وكلمة: ﴿فادع لنا ربك﴾ تدل على جفاء عظيم منهم؛ فهم لم يقولوا: "ادع لنا ربنا"، أو "ادع الله"؛ بل قالوا: "ادع لنا ربك"، كأنهم بريئون منه. والعياذ بالله؛ وهذا من سفههم، وغطرستهم، وكبريائهم .. قوله تعالى: ﴿يخرج لنا﴾؛ ﴿يخرج﴾ فعل مضارع مجزوم على أنه جواب الطلب: "ادع"؛ أو جواب لشرط محذوف؛ والتقدير: إن تدعه يخرج لنا .. قوله تعالى: ﴿مما تنبت الأرض﴾ أي مما تخرجه .. قوله تعالى: ﴿من بقلها﴾؛ ﴿من﴾ بيانية؛ بينت الاسم الموصول: ﴿ما﴾؛ لأن الاسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان؛ و ﴿بقلها﴾: هو النبات الذي ليس له ساق، مثل الكراث؛ ﴿وقثائها﴾: هي صغار البطيخ؛ ﴿وفومها﴾ هو الثُّوم؛ يقال: "ثوم" بالمثلثة؛ ويقال: "فوم" بالفاء الموحدة، ﴿وعدسها﴾؛ "العدس" معروف؛ ﴿وبصلها﴾: أيضاً معروف .. وكل هذه بالنسبة للمن، والسلوى ليست بشيء؛ ولهذا أنكر عليهم موسى ﷺ ، فقال: ﴿أتستبدلون الذي هو

стр. 278

أدنى بالذي هو خير﴾، أي أتأخذون الذي هو أدنى بدلاً عن الذي هو خير .. قوله تعالى: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾ يعني أن هذا ليس بصعب يحتاج إلى دعاء الله؛ لأن الله تعالى أوجده في كل مصر؛ وكأن موسى ﷺ أنكر عليهم هذا؛ وبين لهم أنه لا يليق به أن يسأل الله لهم ما هو أدنى وموجود في كل مصر؛ وأما قول من قال من المفسرين: "إنه دعا، وقيل له: قل لهم: يهبطون مصراً فإن لهم ما سألوا" فهذا ليس بصحيح؛ لأنه كيف ينكر عليهم أن يطلبوا ذلك منه، ثم هو يذهب، ويدعو الله به!!! فالصواب أن موسى وبَّخهم على ما سألوا، وأنكر عليهم، وقال لهم: إن هذا الأمر الذي طلبتم موجود في كل مصر؛ ولهذا قال: ﴿اهبطوا مصراً﴾؛ و ﴿مصراً﴾ ليست البلد المعروف الآن، ولكن المقصود أيّ مصر كانت؛ ولهذا نُكِّرت؛ و"مصر" البلد لا تنكَّر، ولا تنصرف؛ واقرأ قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً﴾ [يونس: ٨٧]؛ فالمعنى: اهبطوا أيّ مصر من الأمصار تجدون ما سألتم .. قوله تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾؛ وفي قوله تعالى: ﴿عليهم﴾ ثلاث قراءات: كسر الهاء وضم الميم؛ وكسرها جميعاً؛ وضمهما جميعاً .. قوله تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾: جملة مستأنفة إخبار من الله بما حصل عليهم؛ و ﴿الذلة﴾: الهوان؛ فهم أذلة لا يقابلون عدواً، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر﴾ [الحشر: ١٤] و ﴿المسكنة﴾: الفقر؛ فليس عندهم شجاعة، ولا غنًى؛ لا

стр. 279

كرم بالمال، ولا كرم بالنفس؛ فـ"الشجاعة" كرم بالنفس: بأن يجود الإنسان بنفسه لإدراك مقصوده؛ و"الكرم" جود بالمال؛ فلم يحصل لهم هذا، ولا هذا؛ فلا توجد أمة أفقر قلوباً، ولا أبخل من اليهود، فالأموال كثيرة، لكن قلوبهم فقيرة، وأيديهم مغلولة .. قوله تعالى: ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ أي رجعوا؛ والباء للمصاحبة؛ و ﴿من﴾ للابتداء؛ يعني الغضب من الله. أي أن الله غضب عليهم، كما قال تعالى: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت﴾ [المائدة: ٦٠] .. قوله تعالى: ﴿ذلك﴾: الظاهر أن المشار إليه كل ما سبق، وليس فقط قوله تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة ... ﴾؛ فكل ما سبق مشار إليه حتى سؤالهم الذي هو أدنى عن الذي هو خير؛ ﴿بأنهم﴾: الباء للسببية؛ ﴿كانوا يكفرون بآيات الله﴾ أي يكذبون بها؛ والمراد الآيات الكونية، والشرعية؛ فالشرعية تتعلق بالعبادة؛ والكونية تتعلق بالربوبية، فهم يكفرون بهذا، وبهذا .. قوله تعالى: ﴿ويقتلون النبيين﴾ أي يعتدون عليهم بالقتل؛ وفي قوله تعالى: ﴿النبيين﴾ قراءتان؛ الأولى: بتشديد الياء بدون همز: ﴿النبيِّين﴾؛ والثانية: بتخفيف الياء، والهمز: ﴿النبيئين﴾؛ فعلى القراءة الأولى قيل: إنه مشتق من النَّبْوَة. وهو الارتفاع؛ لارتفاع منْزلة الأنبياء؛ وقيل: من النبأ، وأبدلت الهمزة ياءً تخفيفاً؛ وعلى القراءة الثانية فإنه مشتق من النبأ، لأن الأنبياء مخبرون عن الله .. قوله تعالى ﴿بغير الحق﴾ أي بالباطل المحض؛ وهذا القيد

стр. 280

لبيان الواقع، وللتشنيع عليهم بفعلهم؛ لأنه لا يمكن قتل نبي بحق أبداً .. قوله تعالى: ﴿ذلك﴾: المشار إليه ما سبق من كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق؛ ﴿بما عصوا﴾: الباء للسببية؛ و "المعصية" الخروج عن الطاعة إما بترك المأمور؛ وإما بفعل المحظور؛ ﴿وكانوا يعتدون﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿بما عصوا﴾؛ و "الاعتداء" مجاوزة الحد إما بالامتناع عما يجب للغير؛ أو بالتعدي عليه .. والفرق بين "المعصية"، و "العدوان" إذا ذكرا جميعاً: أن "المعصية" فعل ما نهي عنه؛ و "الاعتداء" تجاوز ما أُمِر به، مثل أن يصلي الإنسان الظهر مثلاً خمس ركعات؛ وقيل: إن "المعصية" ترك المأمور؛ و "العدوان" فعل المحظور .. وسواء أكان هذا أم هذا فالمهم أن هؤلاء اعتدوا، وعصوا؛ فلم يقوموا بالواجب، ولا تركوا المحرم؛ ولذلك تدرجت بهم الأمور حتى كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه؛ وفي ذلك دليل لما ذهب إليه بعض أهل العلم أن المعاصي بريد الكفر؛ فالإنسان إذا فعل معصية استهان بها، ثم يستهين بالثانية، والثالثة ... وهكذا حتى يصل إلى الكفر؛ فإذا تراكمت الذنوب على القلوب حالت بينها، وبين الهدى، والنور، كما قال تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ (المطففين: ١٤]) الفوائد:. ١ من فوائد الآية: لؤم بني إسرائيل، وسفههم؛ حيث إنهم طلبوا أن يغير لهم الله هذا الرزق الذي لا يوجد له نظير بقولهم:

стр. 281

(لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يُخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها) . ٢ ومنها: غطرسة بني إسرائيل، وجفاؤهم؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك﴾؛ ولم يقولوا: "ادع لنا ربنا"، أو: "ادع لنا الله"؛ كأن عندهم. والعياذ بالله. أنفة؛ مع أنهم كانوا مؤمنين بموسى ومع ذلك يقولون: ﴿ادع لنا ربك﴾. كما قالوا: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤] .. . ٣ ومنها: أن من اختار الأدنى على الأعلى ففيه شبه من اليهود؛ ومن ذلك هؤلاء الذين يختارون الشيء المحرم على الشيء الحلال .. . ٤ ومنها: أن من علوّ همة المرء أن ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور .. . ٥ ومنها: أن التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراف فلا ذم فيه؛ ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أصحابه حين أتوه بتمر جيد بدلاً عن الرديء (١)؛ لكن لو ترك التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعله عمر ﵁ عام الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموم؛ لأن الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه (٢).

стр. 282

٦ ومن فوائد الآية: حِلّ البقول، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل؛ لقولهم: ﴿ادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض ... ﴾ إلى قوله: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾ أي من الأصناف المذكورة .. وهذه الأصناف مباحة في شريعة موسى؛ وكذلك في شريعتنا؛ فإنه لما قُدِّم للرسول ﷺ قدر فيه بقول فكره أكلها؛ فلما رآه بعض أصحابه كره أكلها، قال الرسول ﷺ "كل؛ فإني أناجي من لا تناجي" (١)؛ فأباحها لهم؛ وكذلك في خيبر لما وقع الناس في البصل، وعلموا كراهة النبي ﷺ لها قالوا: حُرّمت؛ قال ﷺ "إنه ليس بي تحريم ما أحل الله" (٢)؛ فبين أنه حلال .. . ٧ ومن فوائد الآية: جواز إسناد الشيء إلى مكانه لا إلى الفاعل الأول؛ لقولهم ﴿مما تنبت الأرض﴾؛ والذي ينبت حقيقة هو الله ... ٨ ومنها: جواز إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي الذي ثبت أنه سبب شرعاً، أو حساً؛ مثال ذلك: لو أطعمت جائعاً يكاد يموت من الجوع فإنه يجوز أن تقول: "لولا أني أطعمته لهلك"؛ لأن الإطعام سبب لزوال الجوع؛ والهلاك معلوم بالحس؛ ومثال الشرعي: القراءة على المريض، فيبرأ، فتقول: "لولا القراءة عليه

стр. 283

لم يبرأ"؛ أما المحظور فهو أن تثبت سبباً غير ثابت شرعاً، ولا حساً، أو تقرن مشيئة الله بالسبب بحرف يقتضي التسوية مع الله ؛ مثال الأول: أولئك الذين يعلقون التمائم البدعية، أو يلبسون حلقاً، أو خيوطاً لدفع البلاء، أو رفعه. كما زعموا؛ ومثال الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال له رجل: "ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي ﷺ "أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده" (١)، لأنك إذا قلت: "ما شاء الله وشئت" جعلت المخاطَب ندًّا لله في المشيئة .. فإذا قال قائل: أليس الله قد ذم قارون حينما قال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: ٧٨]؛ فنسب حصول هذا المال إلى العلم؛ وهذا قد يكون صحيحاً؟ فالجواب أن هذا الرجل أنكر أن يكون من الله ابتداءً؛ ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه دون أن يعتقد أن الله هو المسبِّب فهو مشرك؛ وأيضاً فإن قارون أراد بقوله هذا أن يدفع وجوب الإنفاق عليه مبتغياً بذلك الدار الآخرة .. والخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور:. الصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده ..

стр. 284

الثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقروناً بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: "لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت" .. الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي ﷺ في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار (١) " .. الرابعة: أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب المعلوم بـ"ثم"، كقوله: "لولا الله ثم فلان"؛ "وهذه الأربع كلها جائزة" .. الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالفاء، مثل: "لولا الله ففلان"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع .. الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعاً، ولا حساً، فهذا شرك. كما سبق .. . ٩ ومن فوائد الآية: توبيخ موسى ﵇ لبني إسرائيل، وأن الذي يستبدل الأدنى بالذي هو خير يستحق التوبيخ؛ لأن موسى وبخهم، حيث قال: (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) . ١٠ ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم

стр. 285

يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: ﴿اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم﴾؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض ... ١١ ومنها: ضرب الذلة على بني إسرائيل؛ وقد ذكر الله تعالى أنهم ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله. وهو الإسلام؛ أو بحبل من الناس وهو المساعدات الخارجية؛ والمشاهد الآن أن اليهود أعزاء بما يساعدهم إخوانهم من النصارى .. . ١٢ ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالاً؛ ويشمل أيضاً فقر المال وهو قلته .. . ١٣ ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: ﴿لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر﴾ [الحشر: ١٤]؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين:. الأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيراً من الذين يقاتلون اليهود. أو أكثرهم. لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود .. والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن
следующие страницы →