← Тараджим

Тараджим · id 5455

الروضة الفيحاء في أعلام النساء

ياسين الخطيب

Полный текст (117 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الروضة الفيحاء في أعلام النساء

стр. 2

المقالة الأولى في ذكر النساء الصالحات [١] حواء أم البشر سميت حواء لأنها لقت ن شيء حي، ولما خلقها الله تعالى: كان في الطالع السرطان، وذكر في "المعالم" قوله تعالى: ( ... يا آدمُ اسكنْ أنتَ وزوجكَ الجنَّةَ ... (الآية، وذلك أن آدم ﵇ لم يكن له في الجنة من يؤنسه ويجالسه، فنام، فخلق الله حواء زوجته فصيرها من شقه الأيسر، خلقها الله من غير أن أحس بها آدم ﵇ ولا وجد ألما، ولو وجد ألماً لما عطف الرجل على امرأة، فلما استيقظ رآها جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله، فقال لها: من أنت؟ قالت: زوجتك، خلقني الله لك؛ لكي تسكن إلي وأسكن إليك. قيل: إن آدم ﵇ لما واقعها قالت: يا آدم زدنا منه، ما أطيبه. وذكر صاحب: "البستان" أن كل شهوة يعطيها الرجل نفسه، فإنها تسقي قلبه إلا الجماع، فإنه يصفي القلب، ولهذا كان يفعله الأنبياء ﵈ وفي الجماع منافع وضرر، فأما منافعه: فإن الرجل إن كان به هم فإنه [بالجماع] يقل [عنه] ذلك، ولو كان قلبه متعلقاً بحرام يزول عنه، ويزول الوسواس، ويسكن الغضب، وينفع من بعض القروح في النفس إذا كانت طبيعته الحرارة. وقال في "الفؤاد": منافع الجماع المعتدل: خفة البدن، والنوم وانتعاش الحرارة الغريزية، ويزيل الفكر الردي، وينفع أكثر الأمراض السوداوية والبلغمية، وربما يقع تارك الجماع في الأمراض مثل: الدوار، وظلمة البصر وثقل البدن، وإذا عاد إليه المرء برئ، وأما مضرته، فإنه يضعف البدن والبصر، ويحدث ويحدث منه وجع الساقين والرأس والظهر، والاستقلال منه انفع. وقال في "في المعالم": لما أراد إبليس لعنه الله ليوسوس لآدم وحواء، عزم على الدخول إلى الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى إلى الحية، وكان لها أربع قوائم، وهي من خزان الجنة، فسألها ان تدخله الجنة، فأدخلته في فمها، فلما دخل وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعرفانه إبليس، فبكى وناح، فأحزنهما، فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان هذه النعمة، فاغتما ومضى إبليس، ثم أتاهما، فقال قوله تعالى: ( ... يا آدمُ هلْ أدلُّك على شجرةِ الخلدِ وملكٍ لا يبلى (فدله على أكل شجرة الحنطة، فأبى آدم، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة، ثم ناولت آدم، فأكل منها، قوله تعالى: ( ... فبدت لهما سوءاتهما ... (. وقيل: إن حواء سقته الخمر أولاً، حتى أكل آدم. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵃: إن الله تعالى قال: يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حواء. قال: فإني أعقبتها أن [لا] تحمل إلا كرهاً [ولا تضع إلا كرهاً] وأدميتها في الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنة، وعلى بناتك، واهبطا إلى الأرض، فأهبط [آدم] بسرنديب من أرض الهند، وأهبطت حواء بجدة، وأهبط إبليس بالأبلة والحية بأصفهان، فبكى آدم وحواء على ما فاتهما مائتي سنة، ولم يأكلا ويشربا أربعين يوماً، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة. قيل: إن هبوطها تاسع ساعة من يوم الجمعة، واجتمع آدم بحواء بعد انقضاء مائة سنة، اجتمعا في عرفة، وإنما سمي جبل عرفة، لأن آدم عرف به حواء. ولما هبطا إلى الأرض كان لهما ولدان: هابيل وقابيل وتوءماتهما، وسلب آدم وحواء كل ما كانا فيه من النعمة والكرامة، وكانت توءمة قابيل، أجمل من توءمة هابيل، فأراد آدم أن يزوج هابيل بتوءمة قابيل، وتوءمة هابيل بقابيل، فلم يطب ذلك لقابيل، فأخذ توءمته وقتل أخاه هابيل وهرب قابيل، وقصتهما مشهورة، فحزن آدم وحواء على هابيل وبكيا عليه أربعين يوماً، فأوحى الله إلى آدم أن اكفف عن بكائك، فإني قد وهبت لكما غلاماً مثله، يكون أبا الأنبياء، فاجتمع آدم بحواء، فحملت بشيث ﵇ وحده م غير توءم، فلما ولدته كان كأنه هابيل، وذلك سنة مائة وثلاثين من هبوطهما.

стр. 3

وتوفي آدم سنة تسعمائة وثلاثين من هبوطه، وعاشت حواء بعده سنة وماتت سنة تسعمائة وإحدى وثلاثين ودفنت مع آدم في مشارق الفردوس عند قرية هناك، وهي أول قرية بنيت على وجه الأرض، ولم تمت حواء حتى بلغت أولادها وأولاد أولادها أربعين ألفاً، وقيل: ألفي ألف ولد، وقيل: هذا العدد كان حين وفاة آدم ﵇، وحواء عاشت بعده سنة، ولا بد أن أولادها ولد لهم غير هذا كثير، وقيل: إن حواء حملت من آدم أربعين ولداً بعشرين بطناً، وقيل: ثمانين، وقيل: مائة والله أعلم. [٢] سارة بنت هارون ابن ناخور، وهو عم إبراهيم ﵇ وهي زوجة إبراهيم ﵇ آمنت به بعدما ألقي في النار، فهاجر بها إبراهيم إلى حران، ثم سار بها إلى مصر، وصاحبها فرعون، وقيل: سنان بن علوان، وقيل: وليس، فبلغه جمال سارة وحسنها، فأمر فرعون بإحضارها، فأحضروها ومعها إبراهيم ﵇ فسأله فرعون، فقال إبراهيم ﵇: هي أختي، يعني في الإسلام فهم فرعون بها، فأيبس الله بدنه ورجليه، فتوسل بإبراهيم، وحلف أن لا يقربها بسوء، فأطلقه الله بدعوة إبراهيم ﵇ ثم هم فرعون بها مرة ثانية، فجرى له مثل الأول فعاهد إبراهيم مرة أخرى فأطلق، وقال فرعون لهذه أن تخدم نفسها، فوهب لها هاجر جارية، فجاءت بها إلى إبراهيم ﵇ ثم سار بهما إبراهيم من مصر إلى الشام، وأقام بهما بين الرملة وإيلياء. وكانت سارة لا تلد، فوهبت هاجر لإبراهيم ﵇ فولدت له إسماعيل ﵇ لمضي ست وثمانين من عمر إبراهيم ﵇ فحزنت سارة لذلك، فوهبها الله اسحق ﵇ وعمرها إذا ذاك تسعون سنة، وسرت سارة بهاجر وابنها ثم بعد ذلك أوحي إلى إبراهيم ﵇ إن يأخذ هاجر وابنها إلى الحجاز، فسافر بهما إلى مكة، وماتت سارة في حياة إبراهيم قبل بثمانية وخمسين سنة، وعمرها مائة وسبع وعشرين سنة، ودفنت بمزرعة بحبزون، ودفن قريباً منها إبراهيم ﵇ وكانت وفاتها سنة ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعين من هبوط آدم ﵇. وكانت قد ولدت إسحاق ﵇ بعد إسماعيل ﵇ باثنين وعشرين سنة. وبنى إبراهيم ﵇ الكعبة في السنة التي ولد إسحاق ﵇ وتزوج إبراهيم ﵇ بعد سارة بامرأة من الكنعانيين، فولدت له ستة أولاد، فجملة أولاد إبراهيم ﵇ ثمانية، إسحاق من سارة، وإسماعيل من هاجر، وستة أولاد من الكنعانية ولما صار لإبراهيم ﵇ من العمر مائة سنة، ولد له إسحاق ﵇ ولما صار لإسحاق ﵇ ستون سنة ولد له يعقوب. [٣] هاجر زوجة إبراهيم ﵇

стр. 4

وهي جارية سارة التي وهبها لها ملك مصر فرعون، فوهبتها سارة لإبراهيم ﵇ فحملت بإسماعيل ﵇ وولدته سنة ثلاثة آلاف وأربعمائة من هبوط آدم في عر فريدون، وكانت بين الرملة وإيلياء، وسرن سارة بها وأوحي إلى إبراهيم بالسفر بها مع إسماعيل إلى الحجاز، فهاجر بها إبراهيم إلى مكة، وذكر في "المعالم": قال ابن عباس ﵄: أول من اتخذ المناطق من النساء هاجر أم إسماعيل، اتخذت منطقاً عند سفرها إلى الحجاز، ثم هاجر بها إبراهيم ﵇ إلى مكة ومعها إسماعيل ﵇ ترضعه، فوضعها عند البيت وليس في مكة أحد ولا ماء، وترك عندهم جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء. ثم عاد إبراهيم ﵇ منطلقاً فتبعته هاجر وقالت: أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فلم يجبها. وقالت ذلك مراراً وهو لا يلتفت إليها. فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. ثم رجعت وجعلت ترضع إسماعيل ﵇ وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش إسماعيل ﵇ فانطلقت إلى الصفا تنظر هل ترى من أحد، فلم تر، فعادت إلى الوادي، ثم سارت إلى المروة. وفعلت ذلك سبع مرات، ولما أشرفت على المروة، سمعت صوتاً، فقالت: صه: ثم سمعت صوتاً فقالت: قد سمعت إن كان عندك غواث، فعادت، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت هاجر تحوضه. قال ﷺ : "يرحمُ اللهُ أمّ إسماعيل لوْ تركتْ زمزم". وقال ﷺ : "لوْ لمْ تغرفْ منَ الماءِ لكانتْ زمزمُ عيناً معيناً فشربتْ وأرضعتْ إسماعيل". فقال لها الملك: لا تخافا الضيعة، فإن هاهنا بيتاً يبنيه هذا الغلام وأبوه. فأقامت إلى أن قدمت عرب جرهم ونزلوا عندها، وكبر إسماعيل ﵇ وتزوج امرأة من جرهم، وتعلم العربية، وماتت أمه هاجر. وذكر في "المصابيح"، حديث إبراهيم ﵇ وسارة لما وهبها هاجر. فقال أبو هريرة ﵁ في حق هاجر: تلك أمكم يا بني ماء السماء. وأراد بماء السماء، يعني العرب. وذكر في كتاب "كشف الأسرار" قوله ﷺ : "لولا تحويطُ هاجر وتحريصها على زمزم حين اتَّبعها جبرائيلُ، وعندَ نزولِ جرهم لكانتْ زمزمُ عينا معيناً". وذكر بعضهم قوله ﷺ : "ماءُ زمزمٍ لما شربَ لهُ، فمنْ شربهُ على نيَّةِ قضاءِ حاجةٍ أو شفاءٍ منْ مرضٍ، أعطاه الله تعالى". وكان الذبح في حياة هاجر وقصته مشهورة: والذبيح إسماعيل ﵇ لقوله ﷺ : "أنا ابنُ الذَّبيحين". وهذا هو الأصح ومعنى قوله ﷺ : "أنا ابنُ الذَّبيحين". أراد به إسماعيل ﵇ ووالده عبد الله، فإن جده عبد المطلب نذر لله تعالى إن [بلغ] ولده عشرة بنين ليذبحن أحدهم قرباناً لله، وأبو طالب، وحجل، والزبير والحارث وأبو لهب، والمقدم، والفيداق، فملا تكاملوا عزم على ذبح أحدهم، فسار إلى الكاهن وأخبره بما نذر، فأمره أن يلقي عليهم قرعة ففعل، ووقعت القرعة على عبد الله والد النبي ﷺ فوضع عشرة جمال، وألقى القرعة، فوقعت أيضاً على عبد الله، فما زال يزيد الجمال حتى بلغت مائة جمل، فوقعت القرعة على الجمال، فنحرها عبد المطلب فداءً لولده عبد الله، وتركها في البر طعاماً للخلائق والطيور، ولهذا أشار ﷺ بقوله: "أنا ابنُ الذَّبيحين". وهذا بخلاف من قال: الذبيح إسحاق ﵇ وتوفيت هاجر في حياة إسماعيل ﵇. [٤] يوحانذ بنت لاوي بن يعقوب ﵇

стр. 5

زوجة عمران أم موسى ﵇ وكان عمران من وزراء فرعون واسمه الوليد بن مصعب، وكان قد أخبره المنجمون أن زوال ملكه على يد فتى من بني إسرائيل، فجعل فرعون يقتل الأطفال، حتى قتل سبعين طفلاً، وكان يعذب الحوامل حتى يسقطن حملهن، ولما حملت أم موسى ﵇ به، أخبر المنجمون فرعون بحمله، فشدد فرعون على نساء بني إسرائيل، فأمر القوابل أن يطفن على نساء بني إسرائيل ففعلن، ولم يدخلن بيت عمران لقربه من الملك ولما تم حملها، وجاءها الطلق ليلاً، فولدت موسى ﵇ وفرحت به فرحاً عظيماً، وأخفت أمرها مخافة من فرعون، فكانت ترضع موسى ﵇ وتضعه في تنور ولم تعلم له أخته كلثم، واستمرت على ذلك أياماً، فاتفق يوماً، خرجت لبعض شأنها، وجاءت كلثم أخت موسى ﵇ وسجرت التنور لتخبز فيه، ولم تعلم أن موسى ﵇ فيه، وقد بلغ فرعون ولادة موسى ﵇ من بعض القوابل، فبعث فرعون هامان والرايات معه فدخل دار عمران، ودور جميع الدار فلم ير لموسى ﵇ أثراً، والتنور يسجر، ثم خرج من دار عمران، وأقبلت أم موسى عليه ورأت أعوان فرعون قد خرجوا من بيتها، فخافت على نفسها وعلى موسى ﵇ وكادت أن تموت من الغم، فدخلت في سرعة، وأقبلت إلى التنور، فرأته يشتعل بالنار، فلطمت وجهها وقالت: ما نفعني الحذر! والتمست موسى ﵇ فوجدته سالماً، فأخرجته من التنور وأرضعته، وتمرض أبوه عمران ومات، وقد صار لموسى عليه السلم من العمر أربعون يوماً، فخافت على موسى من فرعون، فأوحى الله إليها، وذلك قوله تعالى: (وأوحينا إلى أمِّ موسى أنْ أرضعيهِ فإذا خفتِ عليهِ فألقيهِ في اليمِّ ولا تخافي ولا تحزني إنَّا رآدُّوه إلي وجاعلوهُ منَ المرسلينَ (. وقيل: ألقى الله في قلبها، فوضعته في صندوق وأحكمنه لئلا يدخل إليه ماء فيغرق، فألقته في النيل ليلاً، ولم يعلم بها أحد، فسار الصندوق على وجه الماء، ودخل إلى دار فرعون، فرأته آسية بنت عم موسى ﵇ وهي زوجة فرعون، فأمرت بإخراجه، فجملوه إليها، ففتحت الصندوق، ووجدت فيه موسى ﵇ فحملته إلى فرعون وأخبرته بالخبر، فهم فرعون بقتله، فقالت له آسية قوله تعالى: ( ... قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ... (، ولم يكن لفرعون ولد من آسية، ولم تزل به آسية حتى تركه وسموه موسى ومعنى مو: الماء، ومعنى سا: الشجر، وعرضت آسية القوابل على موسى ﵇ فأبى إرضاعه، وكانت أخت موسى كلثم قد تبعت الصندوق حتى إلى دار فرعون ودخلت مع المراضع وذلك قوله تعالى: (وقالتْ لأختهِ قصِّيهِ فبصرتْ بهِ عنْ جنبٍ وهمْ لا يشعرونَ (وحرَّمنا عليهِ المراضعَ منْ قبلُ فقالتْ هلْ أدلُّكمْ على أهلِ بيتٍ يكفلونهُ لكمْ وهمْ لهُ ناصحونَ (فقالت آسية: نعم، فرجعت كلثم وأخبرت أمها، فقدمت ودخلت على آسية، فوضعت موسى ﵇ في حجرها وأعطته ثديها، فرضع، وأقامت ترضعه إلى أن كبر وفطمته من الرضاع وماتت أم موسى ﵇. وذكر في كتاب "خواص القرآن": قوله تعالى: (وأوحينا إلى أمِّ موسى أنْ أرضعيهِ (إلى قوله: (منَ المرسلينَ (إذا كتبت في ورقة وعلقت على امرأة قد قل حليبها، در ثديها وكثر حليبها. وقيل: إذا تليت هذه الآية سبع مرات على سبع من الزبيب الأسود على واحدة سبع مرات، وأطعمت لمن قل حليبها أكثر بإذن الله تعالى ببركة هذه الآية الشريفة. وذكر في كتاب "كشف الأسرار": ما الحكمة في إلقاء موسى ﵇ في اليم؟ قيل: لان المنجمين إذا ألقي شيء في الماء يخفى عليهم أمره، فأراد الله أن يخفى على المنجمين حال موسى حتى لا يخبروا به فرعون، وأراد أيضاً أن يبين لأمه حفظه، فقال: ألقيه في التلف لأنجيه بالتلف من التلف. وقال أيضاً: سلميه إليَّ صبياً أسلمه لك نبياً، وأيضاً: فكما مجاه في البحر في الابتداء، كذلك أنجاه في الانتهاء، وأغرق فرعون في البحر. وعن ابن عباس ﵁: إنما سمِّيَ موسى لأنَّهُ ألقي بينَ شجرٍ وماءٍ، فالماءُ بالقبطيَّةِ "مو"، والشجرُ "سا". وقال الثعلبي: عاش موسى ﵇ مائة وعشرين سنة.

стр. 6

وذكر في التفسير قوله تعالى: ( ... اقذفيهِ ... (ألقيه في التابوت، ( ... فاقذفيهِ في اليمِّ ... (في النيل ( ... فليلقهِ اليمُّ بالسَّاحلِ ... (الجانب ( ... يأخذهُ عدوٌّ لي وعدوٌّ لهُ ... (يعني فرعون. وروي: أنها جعلت في التابوت قطناً محلوجاً فوضعته فيه وقيرته، ثم ألقته في اليم وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر الكبير، فبينما هو جالس على بركة مع آسية، إذ [هم] بالتابوت، فأمر به، فأخرج ففتح، فإذا صبي به أصبح الناس وجها، ً فهم فرعون بالأمر بقتله لولا موافقته لطلب ءاسية، ولم يعلم أنه قاتله إذا كبر. وقال في كتاب "تفسير مدارك" قوله تعالى (يذبِّحُ أبناءهمْ ... (إلى آخرها وسبب الذبح أن كاهناً قال لفرعون: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يديه. فقيل: إنه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد. وروي: أنها حين ضربها الطلق، كانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها. فعالجتها حتى ولدت، فلما وقع إلى الأرض، هالها نور بين عينيه، ودخل حبه قلبها فقالت القابلة: ما جئتك إلا لأقتل مولودك، وأخبر به فرعون ليقتله، ولكني وجدت حباً ما وجدت مثله، فاحفظيه، فلما خرجت القابلة جاءت عيون فرعون فلفته في خرقة، ووضعته في تنور مسجور، ولم تعلم ما تصنع، لأنه طاش عقلها، فطلبوا، فلم يلقوا شيئاً، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت من التنور صوته، فانطلقت وأخرجته، وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً. وذكر بعضهم قوله تعالى: (وأصبحَ فؤادُ أم موسى فارغاً (الآية، إذا تلاها إنسان وهو على مائدة وأكل لم يشبع، وإن أكل المائدة كلها ... وذكر لي بعضهم أن اسم أم موسى إذا تلي على قفل مقفول سقط من غير مفتاح، وقد جربته، فما وجدت له أصلاً، والله أعلم. [٥] صفورة بنت نبي الله شعيب ﵇ وهي زوجة موسى ﵇ ولما كان من أمر موسى ﵇ ما كان، [ولما كبر وبلغ أشده دخل المدينة على حين غفلة من أهلها] قوله تعالى: (فوجدَ فيها رجلينِ يقتتلانِ هذا من شيعتهِ وهذا منْ عدوِّهِ ((فوكزهُ موسى فقضى عليهِ (ومات القبطي من ساعته فخاف موسى من فرعون. [و] قوله تعالى: ( ... يا موسى إنَّ الملأَ يأتمرونَ بكَ ليقتلوكَ فاخرجْ إنِّي لكَ منَ النَّاصحين (فخرجَ منها خائفاً يترقبُ ... (وسار قاصداً من مصر إلى مدين. قال في "المعالم" قوله تعالى (ولمَّا وردَ ماءَ مدينَ وجدَ عليهِ أمَّةً منَ النَّاسِ يسقونَ ووجدَ منْ دونهمُ امرأتينِ تذودانِ ... (إلى قوله: (فسقى لهما ... (فتقدم موسى ﵇ وزاحم القوم وسقى غنم المرأتين ثم جلس تحت ظل شجرة من شدة الحر، وهو جائع، وذلك قوله تعالى: (ربِّ إنِّي لما أنزلتَ إليَّ منْ خيرٍ فقيرٌ (وكان يعلم أنه من الأنبياء، فرجعت المرأتان. وهما ابنتا شعيب ﵇ بالأغنام إلى أبيهما سريعاً، فقال لهما: ما أعجلكما، وكانا إذا سقوا أغنامهم يبطئون، ولا يسقون إلا بعد قومهم، ويبطئون على أبيهم قالتا: وجدنا رجلاً رحمنا، فسقر لنا أغنامنا فقالت له إحداهما قوله تعالى: ... (يا أبتِ استأجرهُ إنَّ خيرَ منِ استأجرتَ القويُّ الأمينُ (فقال شعيب ﵇ لإحداهما: اذهبي فادعيه، فذهبت وذلك قوله تعالى: ... (إنَّ أبي يدعوكَ ليجزيكَ أجرَ ما سقيتَ لنا ... (فدعته، وتبعها يمشي خلفها فوجد الريح تلعب بأثوابها فوقف وقال لها، امشي لامن خلفي ودليني على الطريق، [فإنا أهل بيت لا ننظر في أعقاب النساء] ففعلت، وسار موسى وهي تدله على الطريق إلى أن دخل موسى على شعيب، فقال له: اجلس يا شاب وتعش. فقال موسى ﵇ أعوذ بالله. فقال له شعيب ﵇: ولم ذلك، ألست جائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون عوضاً لما سقيت لهما، فقال له: [لا] والله [يا شاب] ولكنها عادتي [وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام] فجلس موسى ﵇ وأكل. قال في "المعالم" فعند ذلك قالت له إحدى ابنتيه ( ... يا أبتِ استأجرهُ (إلى آخرها فقال له شعيب قوله تعالى ( ... إنِّي أريدُ أنْ أنكحكَ إحدى ابنتيَّ هاتينِ على أنْ تأجرني ثماني حججٍ فإنْ أتممتَ عشراً فمنْ عندكَ ... (قال: وشرط عليه أن يرعى أغنامه ثماني سنين، وإن أتممها عامين أخريين فذاك من عنده.

стр. 7

ولما تعاقدا قال شعيب ﵇ لابنته، وأمرها أن تعطي موسى عصاً فأعطته. وأقام يرعى الأغنام إلى أن تم الأجل، وسلم شعيب ﵇ ابنته صفورة إلى موسى ﵇ فقال لها موسى يوماً: اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم، فطلبت من أبيها، فقال شعيب ﵇ لها: لكما كل ما ولدت هذا العام كل أبلق وبلقاء. فأوحى الله إلى موسى ﵇ في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستسقى الأغنام، ففعل موسى ثم سقى الأغنام فوضعت كلها ما بين أبلق وبلقاء، فوفى لهم شعيب ﵇ بشرطه، وأقام موسى ﵇ بعد ذلك الأجل عشر حجج أخر ثم استأذن شعيب ﵇ بالمسير إلى مصر، فأذن له. فخرج موسى من مدين بأهله قاصداً إلى مصر، فلما انتهى إلى قريب من جبل الطور أتى امرأته الطلق، وذلك قوله تعالى: ( ... آنسَ من جانبِ الطُّورِ ناراً قالَ لأهلهِ امكثوا إنِّي آنستُ ناراً لعلِّي آتيكم منها بخبرٍ ... ) وذكر في كتاب "المدارك" في التفسير: روي أن شعيب ﵇ كان عنده عصي الأنبياء ﵈ فقال لموسى ﵇ بالليل: ادخل ذلك البيت، فخذ عصا من تلك العصي. فدخل موسى وأخذ عصاً هبط بها آدم من الجنة، ولم تزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب ﵇ فمسها شعيب، وكان مكفوف البصر، فرماها بالبيت [وضن بها] وقال لموسى: خذ غيرها، فدخل موسى فما وقع في يده غيرها سبع مرات فعلم شعيب أن له شأناً، فقال له: خذها. ولما أصبح الصباح قال له شعيب: إذا بلغت مفرق الطرق، فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها كثيراً، إلا أن فيها تنيناً أخشى عليك وعلى الغنم منه. فسار موسى بالغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر موسى على كفها، فمشى على إثرها، فإذا عشب ومرعى لم ير مثله، فنام موسى ﵇ والأغنام ترعى. فأقبل التنين فحاربته العصا حتى قتلته، وعادت إلى جنب موسى دامية، فانتبه موسى ﵇ وأبصرها دامية، والتنين مقتولاً فارتاح لذلك، ولما رجع لمس شعيب ﵇ الأغنام فوجدها ملأى البطون، غزيرة اللبن، فأخبره موسى ﵇ بخبر العصا والتنين، ففرح شعيب ﵇ وحمد الله تعالى وعلم أن لموسى والعصا شأناً، وقال له: إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودرعاء، فأوحى الله إلى موسى في المنام، أن اضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل، ثم سقى الأغنام، فوضعت كلهن أدرعاً ودرعاء، فوفى له بشرطه. وذلك قوله تعالى: (فلمَّا قضى موسى الأجلَ ... ) قال ﷺ "قضى أوفاهما، وتزوَّجَ صغراهما". قيل: ولما عاد موسى ﵇ من الطور وجد امرأته صفورة قد ولدت ابناً، فحملها إلى مصر وأقام بمصر يدعو فرعون إلى الإيمان وماتت صفورة في حياة موسى ﵇. [٦] آسية ﵍ بنت مزاحم بن فاحث بن لاوي بن يعقوب ﵇ بن إسحاق ﵇ بن إبراهيم الخليل ﵇ وهي ابنة عم موسى ﵇ وزوجة فرعون واسمه الوليد بن مصعب، وكان أبوه يرعى البقر، وبلغ من العمر مائة وسبعين سنة ولم يرزق ولداً، فرأى بقرة يوماً ولدت عجلة فتأوه وتألم، فنادته النقرة: يا مصعب لا تحزن فسيولد لك ولد مشؤوم يكون من أهل جهنم. ورجع مصعب فواقع زوجته، فحملت بفرعون، ومات مصعب قبل وضعه وولدته أمه وربته، وتنقلت به الأحوال حتى ملك مصر، وطغى وتجبر، وادعى الربوبية، فبلغه حسن آسية وجمالها: فأرسل إلى أبيها مزاحم أخي عمران يخطبها، وحمل إليه أموالاً وتزوجها. وقيل: إن الله عصمها منه فكان إذا واقعها تتشبه بها جنية فيواقع الجنية. وقيل: إن السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇ كانوا مائتي ألف وأربعين ألف ومائتين واثنين وخمسين رجلاً وهم من رؤساء السحرة وكان غرق فرعون سنة ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانية وعشرين من هبوط آدم ﵇ ووفاة آسية قبل غرق فرعون بأعوام قليلة، نحو عامين أو أكثر، والله سبحانه أعلم. وذكر في كتاب "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة": وقد قيل بنبوة نسوة دخلن مصر: مريم بنت عمران، وسارة امرأة الخليل، وأم موسى ﵇ وآسية امرأة فرعون. وممن آمن مع آسية ماشطة بنت فرعون.

стр. 8

أخرج الحاكم في "المستدرك" وصححه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لمْ يتكلَّمْ في المهدِ إلا عيسى، وشاهدُ يوسف، وصاحبْ جريح، وابن ماشطة ابنة فرعون". وروي عن ابن عباس ﵁ قال ﷺ "لما كانت ليلة أسري بي أتيت على رائحة طيبة، فقلت: يا جبرائيل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، قلت: وما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط ابنة فرعون، ذات يوم، إذ وقع المدرى من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أوَ لكِ ربٌّ غيرُ أبي؟ قالت: لا، لكن ربي ورب أبيك الله تعالى. قال: فأخبرت أباها بذلك، فدعاها وقال لها: يا فلانة أو أن لك رباً غيري!؟ قالت: نعم ربي وربك الله. فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر أن تلقى بها هي وأولادها. فألقوا بين يديها واحداً واحداً إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها رضيع، فجيء به فتقاعست من أجله، فانطقه الله تعالى وقال: يا أمَّاه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت فما تجده هو من رائحتها". وذكر الرازي في تفسيره قال وهب: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى وهذا غير صحيح إذ كان بين دخول يوسف ﵇ مصر وموسى أكثر من أربعمائة سنة. وقال محمد بن إسحاق: هو غير فرعون يوسف، فإن فرعون يوسف اسمه الريان بن الوليد. وذكر في كتاب "حسن المحاضرة": أن فرعون موسى أقام بالملك خمسمائة سنة حتى أغرقه الله،. وطان قبطياً واسمه طلما، وقيل: كان من العمالقة وكان يكنى بأبي مرة. وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: كان فرعون موسى أثرم. وقيل: مكث فرعون أربعمائة سنة الشباب يغدو عليه ويروح، وقيل: مكث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس، وكان يملك ما بين مصر إلى إفريقية، وعن ابن عباس ﵄ كان يقعد على كراسي فرعون مائتان عليهم الديباج وأساور الذهب. وذكر فخر الدين الرازي في تفسيره: لما أراد الله غرق فرعون والقبط أمر موسى ﵇ بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ليخرجوا خلفهم بطلب المال، ولتبقى أموالهم في أيدي بني إسرائيل، ثم نزل جبرائيل بالعشي فقال لموسى: أخرج قزمك ليلاً، وكانوا ستمائة ألف نفس. فلما خرج بهم، بلغ فرعون ذلك، فقال فرعون: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك، وما صاح ليلته ديك. فلما أصبحوا، قال قتادة: اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس من القبط، كل واحد على فرس حصان. فتبعوهم نهاراً، وذلك قوله تعالى: (فأتبعوهمْ مُّشرقينَ) أي بعد طلوع الشمس (فلمَّا ترآءى الجمعانِ قالَ أصحابُ موسى إنَّا لمدركونَ، قال كلاَّ إنَّ معي ربِّي سيهدينِ) ، فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع ﵇ أين أمرك ربك؟ فقال له: إلى أمامك، وأشار إلى البحر، فاقتحم يوشع البحر بنفسه فسبح به الفرس، ثم رجع وقال له: يا موسى أين أمرك ربك؟ فقال: البحر. ففعل ثلاث مرات فأوحى الله إلى موسى: ( ... أنِ اضرب بعصاكَ البحرَ فانفلقَ ... ) الآية، فانشق البحر اثني عشر جبلاً في كل واحد الطريق، فقال له: ادخل. وهبت الصبا فجف البحر وصار كل طريق يابساً، وأخذ كل سبط منهم طريقاً، فقال لموسى: إن بعضنا لا يرى صاحبه، فضرب البحر بعصاه فصار بين الطرق منافذ وكوى يرى بعضهم بعضاً، ثم أتبعهم فرعون فرأى إبليس واقفاً ونهاه عن الدخول فهم بالرجوع فجاء جبرائيل على مهرة أمام فرعون، وكان فرعون على فحل فتبعه، ودخل فرعون البحر فصاح ميكائيل ﵇ بهم: ألحقوا، آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر كلهم أمر الله البحر فنزل عليهم الماء، فذاك قوله تعالى: ( ... وأغرقنا آل فرعونَ وانتمْ تنظرون) ذلك يوم عاشوراء فصام موسى شكراً لله تعالى.

стр. 9

وذكر في "الكشاف" قوله تعالى (فأرسلَ فرعونُ في المدآئنِ حاشرينَ) قيل: إنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه، وروي أن الله أوحى لموسى، أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت ثم يذبحوا جديا، واضربوا بدمها على أبوابكم فغني سآمر الملائكة أن لا يدخلوا بيتاً على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار القبط، واخبزوا خبزاً فطيراً؛ فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي وقيل: إن بني إسرائيل لما خرجوا من البحر قالوا لموسى ﵇ وذلك قوله تعالى: ( ... اجعلْ لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ ... ) وقصتهم مشهورة، ومن الجد المفحم قيل: إن رجلاً من اليهود قال يوماً لعلي بن أبي طالب ﵁: ما دفنتم نبيكم حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: انتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر حتى قلتك لموسى (اجعلَ لنا إلهاَ كما لهمْ آلهةٌ) ، انتهى والله أعلم. [٧] زليخا زوجة يوسف ﵇ كان اسمها راعيل، وكان اسم زوجها الأول قطفير، وكان على خزانة الريان ابن الوليد صاحب مصر، وهو الذي اشترى يوسف ﵇ من القافلة التي أخرجته من الجب، وجعله قطفير مثل ولده، ولم يكن له ولد، فأحبته زوجته. ومما قيل في كتاب "معالم التنزيل" للإمام البغوي رحمه الله تعالى أ. هـ?، في تفسير قوله تعالى: (ولقد هممت به وهم بها ... ) . وقال ابن زيد: كان لملك مصر خزائن كثيرة، فسلمها ليوسف ﵇ ومات قطفير ثم تزوج يوسف زليخا، ولما دخل عليها قال لها: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت له: أيها الصديق لا تلمني، فغني كنت امرأة حسناء وناعمة كما ترى في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي، ولما دخل عليها يوسف ﵇ وجدها عذراء فأصابها، فولدت له غلامين في بطنين أحدهما إفرائيم والآخر ميشا. وذكر في كتاب "كشف الأسرار" ما معنى قوله تعالى: (ولقد همَّتْ بهِ وهمَّ بها) قيل: همت به حراماً وهم بها حلالاً، وهمت به سفاحاً وهم بها نكاحاً، وقيل: همت به بالمضاجعة وهم بها بالمدافعة، وفيل: همت به شهوة وهم بها موعظة. وذكر في "شرح الجوهرة": الفرق بين الهم والعزم، ويعرف أنه لا مؤاخذة على يوسف لأنه لم يقع منه إلا الأول لا الثاني. كذا قيل. والتحقيق أنه لم يقع منه ﵇ ولا غيرها. والآية عند أبي حاتم وغيره محمولة على الحذف والتقديم والتأخير والتقدير: ( ... لولا أن رأى برهان ربه ... ) أي لولا رؤية البرهان لهم بها، ولكنه لم يهم لأنه رآه. وذكر في "تأريخ ابن الوردي": أن مالك بن دعر اشترى يوسف ﵇ من إخوته بثمن بخس، قيل: عشرون درهماً، وقيل: أربعون، وذكروا: أنه عبدهم وقد أبق فخافهم يوسف ﵇ ولم يذكر خاله لهم فسار به مالك إلى مصر وباعه إلى العزيز على خزائن الريان، فأحضره إلى زوجته زليخة ولم يكن لهما ولد فقال لزليخا: ( ... أكرمي مثواهُ ... ) الآية. فهوته زليخا وكتمت حبه ثم أظهرته وراودته عن نفسه فامتنع وهرب فلحقته وقبضته من قميصه فانقد، وألفيا سيدها لدى الباب. فلما رأته زليخا لطمت على وجهها وقالت: إن هذا يوسف قد راودني عن نفسي فأنكر يوسف، فهم العزيز بقتله وكان عنده طفل ابن شهرين، وهو ابن داية زليخا، فقال للعزيز لا تعجل ( ... إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) . فنظر العزيز فإذا القميص قد من دبر، فظهرت براءة يوسف. وبلغ زليخا أن نسوة من نساء الأكابر قد عبنها على فعلها، فأرسلت إليهن، وأحضرتهن وأعطت كل واحدة منهن سكيناً وأترجةً، وزينت يوسف وأخرجته عليهن، فلما رأينه دهشن به وهن يقطعن الأترج، فقطعن أيديهن، وتلوثت بالدماء ولم يشعرن، فقالت زليخا لهن ( ... فذلكنَّ الذي لمتنني فيهِ ... ) وقيل: إن النساء خلون في يوسف ليعذلنه في زليخا فراودته كل واحدة منهن عن نفسها، فأبى ثم انصرفن، وما زالت زليخا تشكو يوسف إلى زوجها وتقول: إنه يقول للناس إني راودته عن نفسي، وقد فضحني بين الناس. فحبسه العزيز.

стр. 10

ثم إن فرعون مصر الريان غضب على الساقي والخباز فحبسهما عند يوسف. فرأى كل منهما رؤيا وقصها على يوسف، وقد اقترحاهما ليختبرا يوسف، فعبر لهما يوسف كما قال الله تعالى في القرآن: (ودخلَ معهُ السِّجنَ فتيانِ قالض أحدهما إنِّي أراني ... ) فلما عبرهما لهما، فقالا له: عجباً منك تعبر لنا رؤيتين كاذبتين! فقال يوسف قوله تعالى: ( ... قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) وبعد ثلاثة أيام رضي فرعون عن الساقي وأعاده، وصلب الخباز، ولبث يوسف في السجن بضع سنين، يعني سبع سنين، وقيل اثني عشر سنة بعدد الحروف التي قالها الساقي وهي قوله تعالى: ( ... اذكرني عند ربك ... ٩ ثم إن الريان رأى الرؤيا فتذكر الساقي يوسف فوصفه للريان فأرسل إليه فعبرها له، ثم أحضره وأعجبه حسنه فاصطفاه لنفسه. ومات العزيز فجعل الريان يوسف مكانه، فأحسن يوسف ﵇ السياسة، وجمع الأقوات في تلك السبع سنين، فلما جاءت أيام القحط إلى أرض كنعان، وباعت زليخا جميع ضياعها وصرفت جميع مالها وافتقرت، فجاءت تستطعم يوسف فعرفها، فردها إلى نزلها ورد عليها ضياعها وأموالها وأملاكها وأرسل إليها طعاماً كثيراً، ثم استأذن ربه في زواجها فأذن له فتزوجها يوسف ورد الله عليها حسنها وجمالها، ودخل عليها فوجدها عذراء، وولد منها ولدين، إفرائيم وميشا. وذكر الرازي في تفسيره: قال وهب: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى، وهذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف مصر وموسى أكثر من أربعمائة، وقال محمد بن إسحاق: هو غير فرعون موسى ﵇ فإن فرعون يوسف اسمه الريان بن الوليد. وذكر في كتاب "تاريخ الأنبياء والدول": قال ابن عبد الحكيم: اشتد الجوع بمصر فاشترى يوسف من أهل مصر الفضة والذهب بالطعام، ثم اشتروا بأغنامهم ومواشيهم حتى لم يبق لهم شيء في سنتين، وفي السنة الثالثة اشترى أرضهم كلها لفرعون. وعن ابن عباس ﵄ قال: فوض الريان إلى يوسف تدبير الملك وهو ابن ثلاثين سنة، وقيل: أوحى الله إلى يوسف في الصغر كما أوحى إلى يحيى ﵇ وألقي في الجب، وعمره سبع عشرة سنة، واجتمع مع أبيه وأمه وأخوته بعد انقضاء خمس عشرة سنة، وذلك سنة ثلاثة آلاف وستمائة وثلاث عشرة سنة من هبوط آدم ﵇ وتوفيت زليخا في حياة يوسف ﵇ ودفنت في مصر، ثم توفي يوسف ودفن في مصر نحو ثلاثمائة سنة، ثم حمل إلى بيت المقدس، وعاش مائة وعشرين سنة. وقيل: إن يوسف ﵇ لما ألقي في الحب دعا بهذا الدعاء وهو قوله: يا عدتي في شدتي، ويا مؤنسي في وحشتي، ويا راحم عبرتي، ويا كاشف كربتي، ويا مجيب دعوتي، ويا إلهي ويا إله آبائي: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم صغر سني وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام. وذكر في "كشف الأسرار" قوله: لم قطعن أيديهن ولم تقطع زليخا يديها؟ قيل: لأن يوسف كان في منزلها، ولم تخف الفراق، وهن قطعن أيديهن للفراق، وقيل: لأنهن كن يغبن زليخا، وللبغي مصرع ويقال قطعن أيديهن لدهشتهن، والمدهوش لا يدرك وما يعقل. وقال الكرماني في "العجائب" في قوله تعالى: (نحنُ نقصُّ عليكَ أحسنَ القصصِ) قيل: هي قصة يوسف لاشتمالها على حاسد ومحسود، ومالك ومملوك، وشاهد ومشهود، وعاشق ومعشوق، وحبس وإطلاق، وسجن وخلاص، وخصب وجدب وغيرها. وقال في "خلاصة الإتقان": وقد صحح الحاكم النهي عن التعليم سورة يوسف للنساء، وعن الحسن: أن يوسف ﵇ ألقي في الجب وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ولقي أباه بعد الثمانين، وتوفي وله مائة وعشرون سنة، والله أعلم. [٨] رحمة بنت أفرائيم بن يوسف ﵇ بن يعقوب ﵇ بن إبراهيم الخليل ﵇ وهي زوجة أيوب ﵇ بن موهب بن تاريخ بن روم بن العيص بن إسحاق ﵇ بن إبراهيم الخليل ﵇ وأم أيوب ﵇ بنت لوط ﵇. وتزوج أيوب ﵇ رحمة وله حشمة وأموال وبغل وبقر وغنم وخيل وبغال وحمير، وله خمسمائة فدان يتبعها خمسمائة عبد لكل عبد امرأة ولد. وبعثه الله رسولاً لما بلغ من العمر أربعين سنة إلى أهل البثنية من الجولان من بلاد دمشق والجابية.

стр. 11

وذكر في "الجامع" قوله تعالى: (وأيُّوبَ إذْ نادى ربَّهُ أنِّي مسَّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ) وكان نبياً مرسلاً صاحب أنعام وحرث وأولاد، فابتلاه الله بذهاب كلها، وهلاكها، ثم ابتلاه بجسده فلم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما ربه ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من اجله، وقوله تعالى: (فاستجبنا لهُ فكشفنا ما بهِ منْ ضرٍّ وآتيناهُ أهلهُ ومثلهمْ معهمْ) بإحياء من مات من أولاده، أو أعطاه مثلهم من أولاده، قيل: إنه قيل له: إن أهلك في الجنة إن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك فيها، وعوضناك مثلهم في الدنيا، فاختار الثانية. وذكر في كتاب "كشف الأسرار": لما قصدت رحمة زوجة أيوب أن تقطع ذوائبها فعرف أيوب ذلك، حلف غضباً لله تعالى لان امرأته كانت محرمة وطلبت قطع ذوائبها، فأبى وحلف، ولذلك لما عوفي قا [ل] له تعالى: (وخذْ بيدكَ ضغثاً فاضربْ بهِ ولاَ تحنثْ ... ) ثم أمطر الله عليه جراراَ من ذهب، وذلك عوضاً عن البلاء الذي أصاب جسمه، ولم يسلم سوى لسانه وقلبه. وذكر في "المدارك" في تفسير قوله تعالى: ( ... وآتيناه أهله ومثلهم معهم ... ) وروي، أن أيوب ﵇ وكان له من البنين سبعون، ومن البنات سبعة، وله ثلاث آلاف بعير، وسبعة آلاف شاة، وخمسمائة عبد لكل عبد امرأة وولد، فابتلاه الله بذهاب أولاده وماله، وتمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، أو ثلاث عشرة سنة، أو ثلاث سنين، فقالت له امرأته رحمة يوماً: لو دعوت الله فقال لها: كم كانت مدة الرخاء؟ فقالت: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي من الله أن أدعوه، وما بلغت من بلائي مدة رخائي، فلما كشف الله عنه أحيا أولاده ورزقه مثلهم معهم. وذكر في "الإتقان": قال ابن أبي حيثمة: كان أيوب ﵇ بعد سليمان ﵇ وابتلي وهو ابن سبعين سنة ومدة بلائه سبع سنين، وروى الطبري، أن مدة عمر أيوب ثلاث وتسعون سنة. وذكر في "كشف الأسرار": اختلف في مدة بلائه. [و] روى ابن شهاب عن انس ﵁ يرفعه: "أنَّ أيُّوبَ لبثَ في بلائهِ ثماني عشرة سنة" وقال وهب: ثلاث سنين لم يزد يوماً، وقال كعب: سبع سنين، وقيل: سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام. وذكر في كتاب "البستان" أن أيوب ﵇ تزوج ليا بنت يعقوب ﵇ وقيل: رحمة بنت ابن يوسف، وهو الأصح. وقيل: إن رحمة بنت ميشا ابن يوسف ﵇ وذكر في "تاريخ ابن الوردي" ناقلاً عن "الكامل لابن الأثير: أن أيوب ﵇ بن موص بن رازج بن عيص بت إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ وكان صاحب أموال عظيمة، وكانت له البثنية من أعمال دمشق ملكاً، وكانت زوجته رحمة، فابتلاه الله في جسده وكانت وتقوم بنفسها وبه، ولأنها قطعت ضفائرها، وحلف لئن عافاه الله ليضربنها مائة سوط، ولما أراد الله كشف البلاء عنه عجزت رحمة. في ذلك اليوم عن القوت فباعت ضفيرتها من امرأة برغيفين من الخبز، وأتت إلى أيوب وأخبرته فقال عند ذلك: ( ... أنِّي مسَّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمينَ) قال تعالى: (فاستجبنا لهث فكشفنا ما بهِ منْ ضرٍّ ... ) فأرجل جبرائيل فبشره وأخذه بيده وأقامه، وأنبه الله له عيناً من تحت قدميه، فشرب منها، فشفي من جميع ما في بدنه من العلل، ثم اغتسل فيها فخرج كأحسن ما كان، ورد الله عليه ضعف ما فقد له من الأموال، ورد إليه أهله وأولاده، ورد إلى زوجته رحمة حسنها وجمالها، وولدا لأيوب ستة وعشرين ولداً ذكراً. ومنهم: بشر وهود والكفل ﵇. ولما عوفي أيوب أمره الله أن يأخذ عرجوناً من النخل فيه مائة شمراخ فيضرب به زوجته ضربة واحدة ليبر في يمينه ففعل كذلك وكان أيوب ﵇ نبياً في عهد يعقوب ﵇ في قول بعضهم. وذكر في "التحفة" لابن حجر: أن الرسول من البشر ذكر حر، أكمل معاصريه غير الأنبياء عقلاً وفطنةً، وقوة رأي، وخلق معصوماً، ولو من الصغيرة سهواً، ولو قبل النبوة على الأصح. سليم من دناءة أب، وخنا أم وإن عليا، ومن منفر كعمى وبرص وجذام. وذكر في "المصابيح" قال ﷺ : "بينا أيُّوُب يغتسلُ عرياناً فخرَّ عليهِ جرادٌ من ذهبٍ، فجعلَ أيُّوبُ يحتثي في ثوبهِ، فناداهُ ربُّهُ: يا أيوبُ، ألمْ أكنْ أغنيتكَ عمّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن ركبتك".

стр. 12

وماتت رحمة في حياة أيوب ﵇ وقيل: عشت بعده قليلاً، وماتت ودفنت بأرض الشام. والله أعلم. [٩] حنة بنت فاقوذا وهي زوجة عمران، وأخت زوجة زكريا ﵇ وأم مريم ﵍ تزوجها عمران، ولم تحمل منه وأسنت، ولم يكن لها ولد فأبصرت يوماً طائراً يطعم أفراخه، فتحركت لذلك نفسها، واشتاقت للولد، وتمنت أن يكون لها ولد حتى تحن عليه مثل هذا الطائر، فهنالك دعت إلى الله تعالى أن يهب لها ولداً، وقالت: اللهم لك علي بأن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس. فواقعها زوجها عمران، فحملت مريم ولفتها في خرقة من يومها، وحملتها إلى المسجد الأقصى، ووضعتها عند الأحبار، من أبناء هارون ﵇ وقالت لهم: دونكم وهذه النذيرة. وذلك قوله تعالى: (فلمَّا وضعتها قالتْ ربِّ إنِّي وضعتها أنثى..) الآي، فتنافس فيها الأحبار، وكان عمران قد مات قبل الولادة، فطلبها زكريا ليأخذها وقال: أنا أحق بها لأن خالتها عندي. فتقارعوا عليها فوقعت القرعة لزكريا ﵇ قيل: إنها لم تلقم ثديا منذ ولدت، وقيل: إن أمها كانت ترضعها. وذكر في كتاب "تأريخ ابن الوردي": أن حنة أم مريم ﵍، وهي أخت إيشاع زوجة زكريا ﵇ وذكر مثل ما سبق ذكره من دعاء حنة، وطلبها الولد بعد ما كبرت، وقيل: إن عمرها لما ولدت مريم كان ستين سنة، وقيل: إنها توفيت وقد بلغت مريم من العمر عشر سنين. والله أعلم. [١٠] مريم ﵍ بنت عمران بن آذن بن ماثين بن فيلقوس بن آسابن ياهوثا بن إينا بن رجعيم ابن سليمان ﵇ بن داود ﵇ بن اثيا بن سلمون بن عدن بن جابر ابن عسوار بن عمران بن دارم بن عمر قاص بن يهوذا بن يعقوب ﵇ ابن اسحاق ﵇ بن إبراهيم الخليل ﵇. وأمها حنة، وقد سبق الذكر في كيفية حملها، في ترجمة أمها. ومات أبوها عمران وأمها حامل بها، ولما وضعتها، و ( ... قالتْ ربِّ إنِّي وضعتها أنثى ... ) لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد وسمتها مريم. قال في "المعالم": ومعنى مريم: العابدة والخادمة بلغتهم، وكانت مريم من أجمل النساء في وقتها، قال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما منْ بني آدمَ [من] مولودٍ لا يمسُّه الشَّيطانُ حين يولدُ فيستهلُّ [الصبي] صارخاً منْ مسِّ الشيطانِ غيرِ مريم وابنها". ولما دخلت بها على الأحبار من أولاد هارون قالت: لهم دونكم وهذه المندورة. فتنافس فيها الأحبار، لأنها كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم وقد مات قبل ولادتها، فقال لهم زكريا ﵇: أنا أحق بها لان عندي خالتها. فلم ترض الأحبار. فتقارعوا عليها، فوقعت لزكريا، فتكلفها وذلك قوله تعالى: ( ... وكفَّلها زكريَّا ... ) وضمها إلى خالتها حتى إذا بلعت مبلغ النساء بنى لها زكريا محراباً في المسجد وجعل بابها في الوسط [لا] يرقى إليها [إلا] بسلم، وكان لا يدخل عليها غيره، يأتيها بشرابها وطعامها ودهنها كل يوم، وإذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب. قال [أبو] الحسن: منذ ولدت مريم لم تلقم ثدياً قط، بل كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول لها زكريا ( ... أنَّى لكِ هذا) معناه من أين لك هذا؟ قالت: ( ... هوَ منْ عندِ اللهِ ... ) تكلمت وهي صغيرة. وذكر في "المصابيح" عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "كملَ منَ الرِّجالِ كثيرٌ، ولمْ يكملْ منَ النِّساءِ إلا مريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ امرأةُ فرعونَ وفضلُ عائشةُ على النساءِ كفضلِ الثَّريدِ على [سائرِ] الطَّعامِ". وذكر في كتاب "كشف الأسرار": إنما سميت مريم من قولهم رمت غي طلبت ويقال: مرت في الطاعة كمرور الحوت في اليم، وسماها الله مريم باسمها سبع مرات في القرآن العظيم ولم يسم من النساء غيرها. وخاطبها فقال: (يا مريمُ ... ) ، كما خاطب الأنبياءَ، وقال: (واذكرْ في الكتابِ مريمَ ... ) كما قال لإبراهيم وغيره من الأنبياء. وقال: ( ... يا مريمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطهَّركِ ... ) .

стр. 13

ومن كراماتها: رزقها بغير حساب، كما أعطى سليمان، وقال: (هذا عطاؤنا فامننْ أو أمسكْ بغيرِ حسابٍ) ، وتكليم الملائكة لها، وإرسال جبرائيل إليها، وولادتها من غير مس، وبراءتها بلسان صبي، وضمها مع نبي في آية واحدة فقال تعالى: (وجعلنا ابنَ مريمَ وأمَّهُ آيةً ... ) وبهذا ذهب بعضهم إلى أنها نبية. وذكر في "حلية الأبرار" قوله مريم ﵍ ولقمان هل هما نبيان أم لا؟ فأجاب الشيخ محي الدين النووي: إن الجماهير على أنهما ليسا نبيين، وقد شذ من قال في نبوتها، ولا التفات إليه، ولا تعريج عليه. وذكر في كتاب "شرح اللآلي"لعلي القادري قوله: ظاهر الأدلة يشير إلى نفي النبوة عن الأنثى، وعن ذي القرنين ولقمان ونحوهما كتبع، فإنه ﷺ قال: "ولا ادري أنّّهُ نبيٌ أمْ ملك"، وكالخضر ﵇ فإنه قيل: نبي، وقيل: ولي، وقيل: رسول على ما في "التمهيد" فلا ينبغي لأحد أن يقطع بنفي أو وذكر في "شرح الجوهرة": أن النبي الذي تظهر المعجزة على يده فذلك يحكم بنبوته وعلى هذا [ال] قول قد ذكر صاحب "كشف الأسرار" ما ظهر على مريم من المعجزات وعد منها: كان يأتيها رزقها، وتكليم الملائكة لها، وحملها بعيسى من غير رجل. فعلى قول صاحب "كشف الأسرار" أنها نبية والله أعلم. وذكر في "شرح الجوهرة": قيل بنبوة مريم بنت عمران كما اختاره القرطبي في "شرح مسلم" وآسية امرأة فرعون، وقيل: بعدم نبوتهما كما هو الصحيح وعليه الأكثر، فإن قلت: فقد صح الحديث عن أبي هريرة ﵁ من طرق عدة "خير نساء العالمين أربع: مريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ بنتُ مزاحم امرأةُ فرعون، وخديجةُ، وفاطمةُ". وصح أيضاً حديث ابن عباس ﵁: "أفضلُ نساءِ الجنَّةِ خديجةُ وفاطمةُ ومريمُ وآسية" فهذا يقتضي التسوية بينهن، فيعارضه قوله تعالى ( ... إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطهَّركِ واصطفاكِ على نساءِ العالمين) وقد تحمل على نساء العالمين في زمانها، وفضل مريم من حيث الاختلاف في نبوتها وذكرها في القرآن مع الأنبياء ﵈. وقد اختلف بنبوتها، ممن قال بنبوتها فقد احتج بقوله تعالى: (وجعلنا ابنَ مريمَ وأمَّهُ آيةً ... ) وغيرها من الآيات الدالة على نبوتها، ومن قال أنها ليست بنبية احتج بقوله: (وجعلنا ... ) أي شانها آية، وقيل: معناه جعلنا كل واحد آية. واختلف العلماء في كيفية الإيمان بالأنبياء المتقدمين الذين نسخت شرائعهم، وحقيقة الخلاف أن شرعه لما صار منسوخاً فهل تصير نبوته منسوخة؟ قال: إن نسخ الشريعة لا يقتضي، نسخ النبوة قالوا: نؤمن بأنهم أنبياء ورسل في الحال، وقد تنبه لهذا بعض الفضلاء، وقد ذكر في "الفقه الأكبر" قوله ﷺ : "كملَ منَ الرِّجالِ كثير، ولمْ يكملْ منَ النِّساءِ إلا ثلاثةَ: مريمُ وآسيةُ وخديجةُ". وذكر في "المعلم" في تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتابِ مريمَ إذِ انتبذتْ منْ أهلها مكاناً شرقياً) أي تنحت واعتزلت من قومها مكاناً في الدار مما يلي الشرق، وكان يوماً شاتياً شديد البرد، فجلست في مشرفة تفلي رأسها وقيل: إنها طهرت من الحيض فذهبت للغسل فضربت ستراً وتجردت للغسل من الحيض إذ عرض لها جبرائيل في صورة شاب أمرد، فلما رأته يقص نحوها نادته من بعيد، قوله تعالى: (إنِّي أعوذُ بالرَّحمنِ منكَ إنْ كنتَ تقياً) فقال لها جبرائيل: (إنَّما أنا رسولُ ربِّكِ لأهبَ لكِ غلاماً زكيّاً) فقالت له مريم: ( ... أنَّى يكونُ لي غلامٌ ولمْ يمسسني بشرٌ ولمْ أكُ بغيّاً) فقال لها جبرائيل: ( ... كذلكَ قالَ ربُّكِ هوَ عليَّ هيِّن ... ) ثم رفع جبرائيل درعها فنفخ في جيبها فحملت حين لبست درعها، وقيل نفخ في كم قميصها، وقيل: في فيها، وقيل: نفخ من بعيد فوصل إليها الريح إليها فحملت وتنحت بالحمل وانفردت بعيداً من أهلها.

стр. 14

قال ابن عباس ﵄: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة، وقيل: في تسعة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقال مقاتل: حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، وعمرها إذ ذاك عشر سنين، ولما ولدته حملته في الحال إلى قومها فأنكروا عليها. وذلك قوله تعال: (يا أختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امرأ سوءٍ وما كانت أمُّكِ بغيَّاً) فلما سمعت إنكارهم وقولهم (فأشارتْ إليهِ) أي كلموه (قالوا كيفَ نكلِّمُ من كان في المهد صبياً) فقال له زكريا ﵇: أنطق بحجتك إن كنت أمرت بها. وقيل لماسمع عيسى عليه اليلام كلامهم وإنكارهم اتكأ على يساره، وترك الرضاع وأقبل عليهم يشير بيمينه (قال إنِّي عبدُ اللهِ آتانيَ الكتابَ وجعلني نبيّاً، وجعلني مباركاً أينَ ما كنتُ وأوصاني بالصلواتِ والزَّكوة ما دمتُ حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقياً، والسَّلام عليَّ يومَ ولدتُ ويوم أموتُ ويومَ أبعثُ حيَّا) فلما كلمهم صدقوا وعلموا براءة مريم، ﵍. ثم سكت عيسى بعد ذلك فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان. وذكر في كتاب "كشف الأسرار": أن أسماء عيسى ﵇ أربعة: عيسى، وكلمة، ومسيح، وروح، فعيسى هو: الأبيض في اللغة، ويقال: غير هذا الاشتقاق له. وروح لأنه من ريح جبرائيل، ويقال: لا بل خرج من الماء من تربة أمه إلى رحمها بنفخة جبرائيل، وهو من الماء لا من الريح، ويقال: ولد من ساعته، ويقال: لثمانية أشهر، ويقال: للمدة الكاملة، وأما تسميته كلمة فلأنه صار بكلمة مخلوقاً وسماه مسيحاً لأنه كان يسيح في الأرض، ويقال: ولد ممسوحاً بالدهن، ويقال: لأنه كان يمسح الضر عن الأعمى والأكمه والأبرص ويقال: المسيح الذي لا يكون لقدميه أخمص. وفيه أيضاً: لما أمرها بهز جذع النخلة بقوله تعالى: (وهزِّيَ إليكِ بجذعِ النَّخلةِ تساقطْ عليكِ رطباً جنيّاً) قيل: لأنها من ولد بغير أب فقال لها ذلك، فهزت بجذع يابسة بلا فحل ولا طلح طلع، لها أربع عجائب: الرطب من نخل يابس بلا فحل كيلا تعجب من ولد بغير أب ولا مس. وفيه أيضاً، لم أجري النهر بغير سعيها ولم يعطها الرطب إلا بسعيها؟ قيل: لان الرطب غذاء وشهوة. والماء سبب للطهارة والخدمة، ويقال: لما كانت وحيدة بعث إليها طعاماً من الجنة بلا سبب، فلما ولدت جاءت الواسطة فأمرها بهز النخلة. وذكر في "تاريخ ابن الوردي" ناقلاً من "الكامل" لابن الأثير قال: ولدت مريم عيسى في بيت لحم سنة أربع وثلاثمائة لغلبة الاسكندر، ولهبوط آدم ﵇ خمسة آلاف وخمسمائة وأربع وثمانون، ولطوفان نوح ﵇ ثلاث آلاف وثلاثمائة واثنتان وأربعون سنة، ولمولد إبراهيم ﵇ ألفان ومائتان وإحدى وستون، ولوفاة موسى ﵇ ألف وسبعمائة وست عشرة سنة، ولابتداء ملك بخت نصر سبعمائة وثمان وثلاثون سنة، وقبل الهجرة بستمائة وإحدى وثلاثين سنة، ولما ولدته أتت به قومها تحمله فأخذوا الحجارة ليرموها ويرجموها فتكلم عيسى وهو في المهد معلقاً في منكبها (قال إني عبد الله..) الآية، فلما سمعوا كلام عيسى تركوها، فأخذته مريم وسارت به إلى مصر مع ابن عمها يوسف النجار ابن يعقوب، وزعم بعضهم أن يوسف تزوج مريم، ولم يقربها، ويوسف هذا هو أول من أنكر حملها ثم تحقق براءتها وسار معها، فأقاما في مصر اثنتي عشرة سنة، ثم عاد عيسى وأمه إلى الشام ونزلا الناصرة وبها سميت النصارى، وأقام بها حتى أرسل وقد صار له من العمر ثلاثون سنة، وابتدأ بالدعوة لستة أيام خلت من كانون الثاني، وأظهر المعجزات، وأحيا عازر بعد موته بثلاثة أيام، ولبس الصوف والشعر، وأكل من نبات الأرض، وبما تقوت من غزل أمه، وجعل من الطين طيراً، وأبرأ الأكمه والأبرص، ومشى على الماء. والحواريون الذين اتبعوه اثنا عشر، وهم: شمعون الصفا، وشمعون القناني، ويعقوب بن زيدي، ويعقوب بن خلفي، وقولوس، ومارقوس، واندراوس، وتمريللا، ويوحنا، ولوقا، وتوما، ومتى.

стр. 15

ولما رفعه الله إلى السماء وقال اليهود ما قالوا، أنزله الله من السماء إلى أمه مرين وهي تبكي عليه، فقال لها: إن الله رفعني إليه، ولم يصبني إلا الخير وأمرها فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض رسلاً عن الله. ثم رفعه الله تعالى وتفرق الحواريون. وكان رفعه لمضي ثلاثمائة وست وثلاثين من غلبة الاسكندر، وكان بين رفع عيسى ومولد النبي ﷺ خمسمائة وخمس وأربعون سنة تقريباً. وعاشت مريم ﵍ ثلاثاً وخمسين سنة، وحملت بالمسيح ولها ثلاث عشرة سنة، وحاضت قبل حملها حيضتين، وعاشت مجتمعه معه ثلاثاً وثلاثين سنة، وبقيت بعد رفعه ست سنين. وكان ملك اليهود الذي هم بقتل عيبس اسمه هردوس. قال ابن سعيد: وكانت اليهود قد جدت في طلبه فحضر بعض الحواريين إلى هردوس ملك اليهود، وقال له ولجماعة اليهود، ما تجعلون لي إذا دللتكم على المسيح. فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه فرفع الله المسيح إليه وألقى شبهه على الذي دلهم عليه، فقبضه اليهود وربطوه بحبل وقادوه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتي، أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل ويبصقون في وجهه، ويلقون عليه الشوك وهو يستغيث بهم ويقول لهم: أنا فلان وهم لا يصدقونه وصلبوه على الخشبة ست ساعات ثم استوهبه يوسف النجار من هردوس ودفنه في قبر كان يوسف قد أعده لنفسه ثم ظهر لهم أنه هو الحواري الذي دل على عيسى، وأنزل الله عيسى على أمه وهي تبكي واجتمع بالحواريين وبعثهم رسلاً إلى البلاد. وبزعمهم قال متى في إنجيله: إن المسيح قال: إني أرسلتكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم، فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب والابن والروح القدس. قلت: تعالى الله عن ذلك علواً كثيراً، إنما هذا من كلامهم، فإن كلام الله قوله تعالى: (لا تدع مع الله إلهاً آخر) (إنما هو إله واحد) وقال تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) والظاهر أن قول عيسى ﵇ لهم: "الحق ليكفرن لبين أحدكم" يحتمل أنه أراد به متى، وقوله: ليبيعني.. ذلك الذي دل اليهود عليه،، اخذ ثلاثين درهماً ثم صلب [بعد] ذلك. ومن فضائح النصارى، ذكر في كتاب "تخجيل من حرف الأناجيل": أن للنصارى كنيسة يحجون إليها، ويزعمون أن يد الله تخرج إليهم من وراء الستر فتصافحهم في يوم من السنة، فبلغ ذلك بعض ملوكهم، فمضى إلى الكنيسة في ذلك اليوم، فلما ظهرت اليد قربها الأقساء إليه ليقبلها فقبضها، فصاح به الأقسة قالوا: الساعة تخسف بنا الأرض فقال: دعوا عنكم، لا أضعها حتى أرى صاحبها. فقالوا له: رجعت عن دينك فقال: لا، ولكني أردت معرفة ذلك فقالوا: إنها يد أسقف من أصحابنا فلا تفضحنا. ومن فضائحهم: كان في الروم كنيسة يحجون إليها في يوم من السنة فيرون صنماً بها، إذا قرئ الإنجيل بين يديه در ثدياه، وخرج منهما اللبن، فبحث ملكهم عن ذلك فوجد القيم قد نقب من وراء الجدار طاقة وهندمها حتى أوصلها ثدي الصنم وجعل فيها أنبوبة من نحاس. وأخفاها فإذا كان يوم العيد فتحها وصب فيها لبناً فيخرج من ثدي الصنم ويقطر قطة قطرة، فلا يشك من حضر أنها آية، فلما علم ملكهم ضرب عنق القيم وحلف أن لا يبقي في الكنائس صوراً، وكفر بعضهم [ب] بعضٍ. وزعم النصارى: أن المسيح علم هذه الأقوال إلى الحواريين، ويقولون: إنها سورة ويسمونها فاتحة الأناجيل وهي: أبانا الذي في السموات، قدوس اسمك، يأتي ملكوتك، كما في السماء كذلك يكون على وجه الأرض. آتنا خبزنا قوتاً في اليوم، واغفر لنا ما وجب علينا، كما نحب أن تغفر لمن أخطأ إلينا، ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير، لك المجد والقوة والملك إلى الأبد. آمين فانظر رحمك الله إلى هذه الألفاظ وانظر إلى فاتحة الكتاب، فبين الفاتحة وبين هذه الكلمات كما بين الأرض والعرش لا السحاب.

стр. 16

ومما يقرءونه في الساعة الأولى من صلاتهم: المسيح الإله الصالح، الطويل الروح، الكثير الرحمة، الداعي الكل إلى الإخلاص، قلت: إذا كان المسيح هو الإله فلم لا خلص نفسه من الصلب كما يزعمون، إنما هو كلمة الله وروح منه. (وما صلبوه ولكن شبه لهم..) ويقرءون في صلاة السحر: تعالوا بنا نسجد للمسيح إلهنا. وقاله تعالى (يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحث إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم..) . فتعساً لهم ما أظلمهم وأعمى أبصارهم. ولهم من هذه الخرافات والكفريات أشياء كثيرة، فمنها أنهم يقرءون في الساعة الثالثة من صلاتهم: يا والدة الله يا مريم العذراء افتحي لنا أبواب الرحمة. وغير ذلك مما تنفر عنه الطباع. ومن فضائحهم: أنه ظهر لهم في الموصل دين جديد سنة ألف ومائة وثلاث وتسعين أتت به البواتر من بلاد الفرنج، ويسمونه المسيحي، وهو أراجيف من الأول، وصارت غالب نصارى الموصل على ذلك الاعتقاد، وجعلوا يلعنون من مات قبلهم من آبائهم وأمهاتهم، ويشهدون عليهم بالكفر، فلعنهم الله وأخزاهم، ولي فيهم قصيدة ذكرت فيها فضائحهم، وقد ذكرتها في كتابي "الدر المنتشر في أدباء القرن الثالث عشر". وذكر ابن الأثير، أنه اجتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة في مدينة القسطنطينية بمحضر من ملكهم قسطنطين، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً واتفقوا على هذه الكلمات اعتقاداً ودعوة، وهي قولهم: نؤمن بالله الواحد الأب، مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الوحيد إيسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها، وليس بمصنوع. غله حق من إله حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكل شيء، الذي من أجلنا وأجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد في روح القدس، وولد من مريم البتول، وصلب ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء، وجلس على يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه وبمعمودية واحدة، ولغفران الخطايا، وبالجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية وبقيام أبداننا، وبالحياة الدائمة أبد الآبدين. فانظر وفقك الله بين هذا المعتقد السخيف، والإيمان الصادق الطاهر العفيف [في] قولنا: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى. وذكر في "النقاية" أن العالم حادث، وصانعه الله واحد قديم لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء لذاته، وذاته مخالف لسائر الذوات، وصفاته: الحياة والإرادة والعلم والقدرة والسمع والبصر، والكلام القائم بذاته المعبر عنه بالقرآن المحفوظ بألفاظه المقروءة [ال] القديم، منزه عن التجسم واللون والطعم والعرض والحلول، ليس كمثله شيء، وما ورد في الكتاب والسنة نؤمن به، والقدر خيره وشره منه. أرسل رسله بالمعجزات الباهرات وختم بهم محمداً ﷺ ونعتقد أن عذاب القبر حق، وسؤال الملكين حق، وأن الحشر والمعاد حق، وأن رؤية المؤمنين له تعالى حق، وأن المعراج بجسد المصطفى ﷺ حق يقظة، وأن نزول عيسى بن مريم قرب الساعة وقتله الدجال حق، وأن رفع القرآن حق، وأن الجنة والنار حق مخلوقتان اليوم، وأن الجنة في السماء، والنار تحت الأرض السابعة، ونعتقد أن الموت بالأجل فإذا [قال] الإنسان هذه الأشياء واعتقدها فقد حظي بالإيمان الكامل. وفي سنة ألف مائتين وواحد قرأت ما ذكره ابن الأثير من معتقد النصارى على قس للنصارى فقال: هذا هوالإيمان الكامل؟ فسحقاً له من إيمان كامل، إنما هو ناقص وكفر محض، وكلام أساقفة وشمامسة لعنهم الله ما أظلمهم وأعمى أبصارهم.

стр. 17

ومن فضائح اليهود: ذكر في كتاب "تخجيل من حرف الأناجيل": أن قدماء اليهود عبدة الكواكب والزهرة، منهم عبدوا العجل الذي صنعه السامري ومنهم طائفة تعتقد أن لله مضاد من خلقه وهو فاعل الشر، وطائفة تزعم أن عيسى ﵇ ومحمد ﷺ نبيان مرسلان لقومهما خاصة، وطائفة تقر بنبوة موسى وهارون ويوشع، وتجحد بنبوة ما عداهم من النبيين، وطائفة تعترف بنبوة [ال] كل ما عدا عيسى ﵇ ونبينا محمد ﷺ وتزعم أن المسيح لم يبعث بعد وسيأتي. ومن فضائحهم: زعمهم أن الله حين أكمل خلق العالم قال تعالى حتى نخلق بشراً مثلنا، فخلق آدم. ولذلك اعتقد اليهود أن الله في صورة شيخ كبير، وأنه جالس على كرسي والملائكة قيام بين يديه تعالى الله عن ذلك. ومن فضائحهم: زعمهم أن الله لما خلق آدم ورأى معاصي نبيه كثرت قال: لقد ندمت إذ خلقت آدم فأرسل الطوفان، فأباد به من على وجه الأرض، ثم ندم وقال: لا أعود أفعل ذلك! وهل يخفى على علام الغيوب ما كان وما سيكون؟ قاتلهم الله إنى يؤفكون ما أعماهم عن الهدى! وغلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله ﵁ وأرضاه فقال: فاسألوهم أكان في مسخهم نسخ ... لآياتِ اللهِ أمْ إنشاءُ وبداء في قولهم ندمُ الله ... على خلق آدم أم خطَّاءُ [١١] إيشاع بنت فاقوذا هي زوجة زكريا ﵇ وأخت حنة أم مريم ﵍ بنت عمران، تزوجها زكريا ﵇ ولم تحمل منه وكانت عاقراً، وبلغت من العمر كثيراً حتى انقطع حيضها، وكانت أكبر من أختها حنة، وقيل أصغر منها. ذكر في "المعالم" في تفسير سورة "كهيعص" قوله تعالى: (قال ربِّ إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقيا) أي قال زكريا: عودتني الإجابة فيما مضى، وقوله تعالى: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً) أي: ابناً، وقوله تعالى: (يرثني ويرث آل يعقوب..) قال الحسن: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة والحبورة لأن زكريا ﵇ كان نبياً مرسلاً، ورأس الأحبار. وقوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى..) وعن ابن عباس ﵄: أنه لم تلد العواقر مثله. وقوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية..) أي دلالة على حمل امرأتي، لأنها عاقر وقد كبرت وأسنت قال تعالى: (آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) أي: صحيحاً سليماً من غير بأس ولا خرس، وكان الناس ينتظرون خروجه من وراء المحراب، فخرج عليهم متغيراً لونه، فأنكروه وقالوا له: ما لك؟ فكتب لهم في الأرض (.. أن سبحوا بكرة وعشيا ... ) لأنه كان يخرج عليهم بكرة وعشياً، فلما كان وقت حمل امرأته إنشاع ومنع من الكلام خرج إليهم وأمرهم بالصلاة [إشارة] ، ولماتم حملها ولدت يحيى ﵇ ولما صار له من العمر ثلاث سنين أتاه الله الحكم صبياً، قرأ التوراة وهو صغير وذكر في "تاريخ ابن الوردي": أن إيشاع ولدت يحيى ﵇ قبل ما ولدت مرين ﵍ عيسى بستة اشهر، فكان مولد يحيى سنة أربع وثلاثمائة لغلبة الاسكندر، ولهبوط آدم ﵇ خمسة آلاف، وخمسمائة وأربع وثمانين. وكان لهردوس حاكم اليهود بنت أخ، فأراد أن يتزوجها حسبما هو جائز في دين اليهود، فنهاه يحيى ﵇ عن ذلك، فطلبت أم البنت من هردوس قتل يحيى فامتنع، فعاودته هي والبنت وألحت عليه، فأمر بذبح يحيى ﵇ فذبح لديهما قبل رفع المسيح بمدة يسيرة. وذكر في "تاريخ الدول": ولد يحيى قبل عيسى بستة اشهر، ونبئ وهو صغير، وكان لليهود ملكاً اسمه آجب، وقيل: هردوس، وكان يكرم يحيى، وكان يحب بنت أخيه. وقيل: بنت زوجته، فشاور يحيى بأن يتزوجها، فمنعه، فبلغ [منعه] أم البنت، فعمدت حين جلس هردوس للشرب وزينت بنتها وأرسلتها إلى هردوس لتسقيه الخمر، فإذا راودها تأبى حتى يعطيها رأس يحيى في طشت، ففعلت، ولما راودها أبت وطلبنا منه ذلك، فبعث الملعون إلى يحيى، وهو يصلي في محراب داود ﵇ فذبحوه وحملوا رأسه في طشت، وأدخلوه على هردوس، والراس يتكلم ويقول: لا تحل لك، ووضعوه قدام تلك العاهرة، ثم أمر هردوس بدفنه، والدم يغلي منه ويفور، فوضعوه في حفرة، في دار هردوس.

стр. 18

ثم خسف الله بهردوس وزوجته وبنتها العاهرة، وذلك سنة خمسة آلاف وستمائة وأربع عشرة. وذلك الذبح قبل رفع عيسى ﵇ إلى السماء، واستمر الدم يغلي ويفور ثلاثة وأربعين سنة، حتى سلط الله على اليهود طيطرس، وقيل: بخت نصر، وقتل اليهود وخرب بيت المقدس، وقد قتل من اليهود نحو سبعين ألفاً فعند ذلك أهبط الدم الذي كان يفور من رأس يحيى، وماتت أمه إيشاع قبل ذبحه بسنين، ودفنت في بيت المقدس، وقد أسنت، والله أعلم. وذكر في "الإتقان" يحيى أول من سمي بنص القرآن، ولد قبل عيسى بستة أشهر، ونبئ صغيراً، وقتل ظلماً، وسلط الله على قاتله، بخت نصر وجيوشه، وإنما سمي يحيى لأنه أحياه الله بالإيمان وقيل: أنه أحيا به رحم أمه، وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء، وقيل: معناه يموت، كقولهم المفازة للمهلكة، والسليم للديغ. وذكر في "كشف الأسرار" قوله: لم أعطاه الحكم صبياً؟ قال: لأن أباه قال: (واجعله رب رضياً) فأكرمه في أول الحال بالحكمة ليكون مرضياً من أول عمره إلى آخره، وأكرمه بالحكمة في صباه ليعتاد الصلاح، لأن النفس ما عودتها به تتعود [عليه] ، لأنه كان فيه ثلاثة أشياء وهي: قوله تعالى: (.. وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين..) وأما تلك الحكمة: فإن الله أكرم أربعة من الصبيان بأربعة أشياء: يوسف بالوحي في الجب، وعيسى بالنطق في المهد، وسليمان بالفهم، ويحيى بالكلمة. فإن قيل: لم ابتلاه الله بالقتل؟ قيل: لأنه ليس في الدنيا درجة بعد النبوة أبلغ من الشهادة، فأكرمه الله بها. انتهى والله أعلم. [١٢] سارة زوجة داود ﵇ وقيل: اسمها آسية، وقيل: كليثمة، وهي من بني إسرائيل، وكانت حسنة في الغاية بديعة الجمال. وذكر في "المعالم" في تفسير قوله تعالى: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة..) وذكر في فتاوى ابن حجر المكي [أنه] سئل عمن لها أزواج في الدنيا؟ [فأجاب] : هي فقي الجنة لآخر أزواجها أو لأحسنهم خلقاً في الدنيا. وفي "شرح الروض في الخصائص": ولأن المرأة لآخر أزواجها كما قاله ابن القشيري في "مجموع الأحباب" نقلاً لأبي الفرج، وروي عن أبي الدرداء وحذيفة: "إن المرأة لآخر أزواجها في الدنيا"، وجاء أنها تكون لأحسنهم خلقاً. وفي "حاشية الأشباه" للحموي روى الطبراني في "الكبير والأوسط": عن أم سلمة ﵂، ولفظه قلت يا رسول الله، المرأة تتزوج الزوجين والثلاثة والربعة في الدنيا، ثم تموت فتدخل الجنة، ويدخلون معها، من يكون زوجها منهم؟ قال: يا أم سلمة: "إنها تتخير فتختار أحسنهم خلقاً، فتقول: أي رب، إن هذا كان أحسنهم معي خلقاً فزوجنيه" [قالت] أم سلمة: ذهب حسن الخلق بخيري في الدنيا والآخرة. وذكر في كتاب "كشف الأسرار" قوله: سؤال: لم سمي داود ﵇ داود؟ قال ابن عباس ﵁ هو بلسان العبراني، من لا عمر له، فلذلك وهب له آدم من عمره ستين سنة، وقيل: أنه حصل له الداء بالذنب الصغير، والود من الله بالتوبة، وقلت في لغز داود. أي اسم قد تسامى ... عند رومٍ وعرب أول الاسم سقم ... آخر الاسم خشب وذكر في "تاريخ ابن الوردي" نقلاً عن الكامل: لما صار لداود ﵇ من العمر خمس وخمسون سنة، وهي السنة الثامنة والعشرون من لكه، كانت قصته مع الخصمين، وتزوج داود زوجته، ولما صار له سبعون سنة توفي، وذلك سنة خمس وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇ ومن وفاة موسى ﵇ إلى هبوط آدم ﵇، ثلاثة آلاف وثمانمائة، وثمان وستون سنة، وتوفيت زوجته في حياته قبل مماته بثلاث سنين، وقيل: بسنتين، والله أعلم. [١٣] ?بلقيس

стр. 19

بنت الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن غالب بن المنتاب بن زيد بن يعفر بن السكسك بن وائل بن حمير بن عبد شمي بن تشخب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشذ بن سام بن نوح علايه السلام وهي زوجة سليمان ﵇ ملكت اليمن بعد أبيها سنة أربعة آلاف وأربعمائة وثماني عشرة سنة من هبوط آدم ﵇ وذكر في "المعالم" أن بلقيس كانت أمها من الجن، [و] كان أبوها ملكاً في اليمن، وقد ملك قبله أربعون ملكاً، وهو آخرهم، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفواً لي أن أتزوج منكم. فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن فولدت له بلقيس ولم يكن له ولد غيرها. قال العلماء ما ثبت إنجاب أولاد من جني أو جنية وقيل أن أحد أبوي بلقيس كان جنياً، فلما مات أبوها طمعت بلقيس في الملك فأطاعها قوم، وعصاها آخرون وملكوا عليهم رجلا، وافترقت مملكة اليمن فرقتين، ثم إن الرجل أساء السيرة في مملكته وجعل يمد يده إلى حرم رعيته، ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما بلغ ذلك بلقيس أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه فأجابها الملك، فأرسلت إليه أن اجمع رجال قومي واخطبني، فجمعهم وخطبها، فجاءوا إليها وأخبروها فرضيت وقالت: أجبت الولد فزوجوها منه، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثيرين فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر، ثم جزت رأسه، وانصرفت من الليل إلى منزلها، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلا، ورأسه منصوب على باب دارها، فاجتمعوا إليها، وقالوا: أنت بهذا الملك أحق من غيرك، فملكوها عليهم، فملكت اليمن بأسره.

стр. 20

قال ابن عباس ﵁: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعاً في ثلاثين ذراع، وطوله في السماء ثلاثون ذراعاً. وقال مقاتل: طوله ثمانون ذراعا في ثمانين، وطوله في السماء ثمانون، وقيل: طوله ثمانون ذراعاً وعرضه أربعون ذراعا وارتفاعه ثلاثون وقيل: كان سريراً ضخما مضربا من الذهب، مكللا بالدر والياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبيات، على كل بيت باب مغلق وكان في ملكها في أيام سليمان ﵇ فاتفق أن سليمان ﵇ سار في الجهاد، وكانت الطيور تظله من الشمس، والهدهد دليله إلى الماء، يعرف الماء تحت الأرض، ويراه كما يرى في الزجاج، ويعرف قريبه وبعيده، فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين فيخرجون الماء. فنزل سليمان منزلا فاحتاج إلى الماء فتفقد الهدهد فلم يجده، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ وكان سليمان قد وافى نحو صنعاء ورأى أرضا حسنة تزهر خضرتها، فنزل هناك، وقال الهدهد في نفسه: إن سليمان قد اشتغل بالنزل، فأرتفع نحو السماء وأنظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل، ورأى بستان بلقيس فنزل إليه فوجد هناك أيضاً هدهدا مثله واسمه عنفير، واسم هدهد سليمان يعفور فقال عنفير ليعفور: من أين أقبلت، وإلى أين تريد؟ قال: من الشام مع سليمان بن داود، فقال عنفير: من سليمان؟ قال يعفور: ملك الجن والشياطين والإنس والطير والوحش والهوام والرياح، فمن أنت؟ قال عنفير: أنا من هذه البلاد. فقال له: ومن يملكها؟ قال بلقيس، وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل لك أنت تنطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ فانطلق معه، ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى عند سليمان وقت العصر، وكان سليمان قد سأل النسر عن الهدهد، فقال: ما أدري أين هو؟ فغضب سليمان وقال: لأعذبنه أو لأذبحنه، ثم دعا بالعقاب سيد الطيور فقال: علي بالهدهد. فرفع العقاب نفسه بالهواء فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض عليه، فناشده الله وقال له: ارحمني فولى عنه العقاب فقال له: إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم توجها فلما وصلا العسكر لقبه النسر والطير فقالوا له أين كنت فلقد توعدك سليمان. وأخبروه. فقال الهدهد: وما استثنى قالوا: بلى، قال أو ليأتيني بسلطان مبين. قال: نجوت إذاً، ثم أتيا سليمان، فقال العقاب أتيتك به، فلما قرب الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض. فلما دنا منه أخذ برأسه، وقال له: أين كنت؟ لأعذبنك عذابا شديداً، فقال الهدهد: جئتك بسلطان مبين، فعفا عنه، وسأله ما: الذي أبطأك عني؟ فقال قوله تعالى: (أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين، إني وجدت امرأة تملكهم) الآية. قال سليمان للهدهد قوله تعالى: (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) فدلهم الهدهد على الماء فشربوا ورووا الدواب، ثم كتب كتابا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، ألا تعلوا علي، وأتوني مسلمين، ولما تم الكتاب طبعه بالمسك. وختمه بخاتمه، قال للهدهد: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تول عنهم وتنح وكن قريباً منهم فانظر، ماذا يرجعون؟ فأخذ الهدهد الكتاب وسار به إلى اليمن، وأتى بلقيس فكانت بأرض يقال لها مأرب تبعد عن صنعاء ثلاثة أيام، فوافها في قصرها وقد غلقت الأبواب، لأنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب، ووضعت المفاتيح تحت رأسها فأتاها الهدهد وهي نائمة على قفاها، فألقى الكتاب على نحرها، هكذا رواه قتادة، وقال مقاتل: حمل الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس بلقيس، وحولها القادة والجنود فرفرف، ورفعت رأسها بلقيس تنظر إليه، فألقى الكتاب في حجرها، وقال ابن منبه: كان لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع فإذا رأتها سجدت لها: فجاء الهدهد وسد الكوة بجناحيه، فارتفعت الشمس ولم تعلم بلقيس فقامت تنظر إليها، فرمى الهدهد الكتاب إليها، فأخذته بلقيس وقرأه، فلما رأت الخاتم ارتعدت وعلمت أن الذي أرسله أعظم ملكاً منها فخرجت وجلست على سريرها وجمعت قومها وهم اثنا عشر قائداً مع كل قائد مائة ألف مقاتل. وعن ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل مع كل قيل مائة ألف، والقيل ملك دون الملك الأعظم. وقال مقاتل: أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، كل واحد منهم على عشرة آلاف، فقالت لهم بلقيس (إني ألقي إلي كتاب كريم، إنه من

стр. 21

سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين، قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون، قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين) قوله تعالى: (فانظري ماذا تأمرين) (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) الآية. وأرسلت له هدية. قال ابن عباس: وصفاء ووصائف وألبستهم لباساً واحداً كي لا يعرف الذكر من الأنثى. وقال مجاهد: ألبست الغلمان لباس الجواري، وألبست الجواري لباس الغلمان. قيل: مائة وصيف ومائة وصيفة، وقيل: مائتي غلام ومائتي جارية، وأرسلت له لبنة من ذهب في حرير. وقال ثابت: صفائح من ذهب في أوعية ديباج، وقيل أربع لبنات من ذهب، وقال وهب: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، وألبست الجواري لباس الغلمان، وألبست الغلمان لباس الجواري بالأساور والأطواق والأقراط، وخمسمائة لبنة من ذهب، وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، ومسكاً وعنبراً وعوداً، وحقة فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة معوجة الثقب ودعت رجلاً من أشراف قومها اسمه المنذر بن عمرو وضمت إليه رجالاً، وكتبت معه كتاباً بنسخة الهدية وفيه: إن كنت نبياً فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبرني بما في الحقة، وأثقب الدرة ثقباً مستويا، وأدخل خيطاً بالخرزة المثقوبة. وأمرت الغلمان أن يكلموا سليمان بكلام تأنيث وتخنيث مثل كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام غليظ فيه حدة يشبه كلام الرجال، ثم قالت بلقيس للمنذر: إذا دخلت عليه فانظر إن نظر إليك نظر الغضب فاعلم أنه ملك ولا يهولنك فإني أعز منه، وإن رأيته هشاً بشاً لطيفا فاعلم أنه نبي، فافهم ورد الجواب. فانطلق المنذر بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعاً إلى سليمان ﵇ وأخبره بالخبر كله، فأمر سليمان الإنس والجن أن يضربوا لبنات الذهب والفضة، وأمرهم أن يبسطوا من مكانه إلى تسع فراسخ ميدانا واحداً بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا على طول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة ففعلوا. وأمرهم فأتوه بدواب البحر وشدوها على يمين الميدان ويساره ولهم أجنحة، وألقوا لهم علفهم، وأحضر أولاد الجن وأقامهم على يمين الميدان ويساره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفاً فراسخ، وكذا الإنس فراسخ، وكذا الوحوش والسباع والهوام والطير عن يمينه ويساره. فلما دنا القوم من الميدان ورأوا دواب البحر تروث على لبن الذهب والفضة رموا ما معهم من الهدايا من اللبن، وقيل: إن سليمان ترك مكاناً خالياً من اللبن على عدد ما معهم، فلما دخلوا وضعوا ذلك اللبن في ذلك المكان خوف أن يتهموا بذلك، ولما رأوا الشياطين فزعوا فنادوهم: جوزوا، لا بأس عليكم فمروا على كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان ﵇، فنظر إليهم، بوجه طلق، وسألهم فأخبره رئيس القوم بما أتى معه، وأعطاه كتاب بلقيس فقرأه. فقال أين الحقة؟ فأتى بها، فجاء جبرائيل وأخبره بما فيها: درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب. فقال الرسول: صدقت، فاثقب الدرة وأدخل الخيط في الجزعة، فجاءت الأرضة وثقبت الدرة، فجعل سليمان رزقها في الشجر. ثم جاءت دودة بيضاء ودخلت ثقب الجزعة المعوجة، وفي فمها خيط وخرجت من الجانب الآخر، فجعل رزقها في الفواكه، ثم ميز سليمان بين الجواري والغلمان، ثم رد سليمان الهدية كما قال تعالى: (أتمدونن بمال) الآية. قال وهب: لما رجع رسل بلقيس أخبروها، قالت: عرفت والله أنه ليس بملك. فبعثت إلى سليمان أني قادمة إليك بقومي، وجعلت عرشها في بيت، وأغلقت عليه سبعة أبواب، ووكلت به حراساً يحفظونه وسارت في إثنا عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يد كل قيل ألوف. فلما دنت فرسخا من سليمان، رآها سليمان: فقال: ما هذه العساكر؟ قالوا: بلقيس. فقال سليمان للجن قوله تعالى: (أيكم يأتيني بعرشها) الآية. (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) فقال سليمان: أريد أسرع من هذا. (قال الذي عنده علم من الكتاب) قيل: جبرائيل، وقيل آصف بن برخيا، وكان يعرف الاسم الأعظم، قيل: خر آصف بن برخيا ساجداً، ودعا باسم الله الأعظم، فغار عرشها تحت الأرض، ونبع عند كرسي سليمان، فقال سليمان قوله تعالى (نكروا لها عرشها) أي غيروا لها سريرها فجعلوا مكان الجوهر الأحمر أخضر وبالعكس، وقال

стр. 22

المحققون من العلماء لما جاءت بلقيس ودخلت الصرح حسبته لجة من الماء فكشفت عن ساقيها لتخوضه إلى سليمان فناداها كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: (إنه صرح ممرد من قوارير) فتقدمت إليه فدعاها إلى الإسلام فأجابت وآمنت وأسلمت مع سليمان وأما ما ادعاه متبعو الإسرائيليات من المفسرين بأن سليمان ﵇ قال له الشياطين إن رجليها كحافر حمار وأنها شعراء الساقين فاتخذ هذه الحيلة حتى تكشف عن ساقيها فينظر إليها فهذا ما لا يليق بنبي كريم على الله ولا يصح القول بمثله ثم لما تزوجها سليمان أحبها وأقرها على ملكها، فكان يزورها سليمان في كل شهر مرة، بعد أن ردها إلى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له ولداً ذكراً. وعن وهب قال: زعموا أنها لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري رجلاً من قومك أزوجك. فقالت: إن كان ولابد فزوجني من تبع ملك همدان فزوجه إياها ثم ردها إلى اليمن. وذكر في "المدارك" في تفسير قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) أي بقبولها أم بردها، ولأنها عرفت عادة الملوك فإن كان ملكاً قبلها وانصرف، وإن كان نبياً ردها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه، فبعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن، وأركبتهن خيلاً مغشاة بالديباج، محلاة اللجم والسروج بالذهب المرصع بالجواهر، وخمسمائة جارية عل رماك في زي الغلمان وألف لبنة من ذهب وفضة. وتاجاً مكللاً بالدر والياقوت، وحقة فيها درة عذراء، وجزعة معوجة الثقب، وبعثت رسلاً وأمرت عليهم المنذر بن عمرو، وكتبت كتاباً فيه نسخة الهدايا، وقالت: إن كنت نبياً فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبرنا بما في الحقة، وأثقب الدرة، واسلك في الخرزة خيطاً، ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك نظرة غضب فهو ملك، وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبي. فعاد الهدهد وأخبر سليمان، فأمر الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة وفرشوها في ميدان طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطاً شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن دواب البحر والبر أن تربط على يمين الميدان ويساره على اللبنات، وأمر أولاد الجن أن يقوموا على اليمين واليسار ثم جلس على سريره، والكراسي من جانبيه، ثم اصطفت الشياطين صفوفاً فراسخ، والإنس صفوفاً فراسخ، والوحش والسباع والهوام والطيور كذلك. فلما دنا القوم ورأوا الدواب تروث على اللبن رموا بما معهم من الهدايا، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم سليمان بوجه طلق، فأعطوه كتاب بلقيس، فنظر فيه وقال: أين الحقة؟ فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت بالدرة، وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها بثقب الخرزة المعوجة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيده فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام يأخذه بيده ويضرب به وجهه فميز بينهم. ثم رد الهدية، وقال للمنذر (ارجع إليهم) الآية. فقدمت إلى عند سليمان وأسلمت وتزوجها. وفيه أيضاً، في تفسير قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب) أي ملك، أرسله الله عند قول العفريت (أنا أتيك به قبل أن تقوم من مقامك) الآية. أو جبرائيل أو الخضر، أو آصف بن برخيا كاتب سليمان. وهو الأصح وعليه الجمهور، وكان عنده الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وهو: يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، وقيل: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت. وذكر في كتاب "الأزهية في أحكام الأدعية" إنه: يا ذا الجلال والإكرام. وقيل: هو في سورة الإخلاص، وقيل آية الكرسي. وذكر في "المصابيح": عن بريدة: أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال ﷺ : "دعا باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب". وعن أسماء بنت يزيد، أن النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) وفاتحة آل عمران (آلم، الله لا إله إلا هو الحي القيوم) . وعن أنس ﵁ قال كنت جالساً مع النبي ﷺ في المسجد ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم أسألك ...

стр. 23

فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى". وعن عائشة ﵂، قالت: قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "يا عائشة قد علمت أن الله قد دلني على الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب؟ فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فعلمنيه! قال: إنه لا ينبغي لك يا عائشة، فتنحيت وجلست ساعة ثم قمت فقبلت رأسه، ثم قلت: يا رسول الله علمنيه، قال: إنه لا ينبغي أن تسألي به شيئاً للدنيا. قالت: فقمت وتوضأت وصليت ركعتين وقلت: اللهم إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك البر الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم أن تغفر لي وترحمني. فاستضحك رسول الله ﷺ ثم قال: إنه لفي الأسماء التي دعوت إليها" رواه ابن ماجة. وذكر في كتاب "حصن الحصين": أن الاسم الأعظم (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) . وفي "تحفة البركات" قال اليافعي: قال لي بعض العارفين: ألا أعلمك الإسم الأعظم؟ قلت: بلى قال: اقرأ الفاتحة والإخلاص وآية الكرسي وسورة القدر. ثم استقبل القبلة وادع بما أحببت فإنه يجيبك. وذكر في "كتاب الأزهية" أن المعتمد هو الله. وذكر الشيخ علي القارئ في "العقائد" أنه ملك شرقاً وغرباً مؤمنان، سليمان ﵇ وذو القرنين ﵇ وكافران: بخت نصر والنمرود بن كنعان، وقال جماعة: اختلف في نبوة ذي القرنين اسكندر فقيل ليس بنبي بل ملك مؤمن عادل وهو الحق. وقال مقاتل: هو نبي ويؤيده ما في سورة الكهف بحسب الظاهر ووافقه الضحاك، وأما سليمان ﵇ فنبي مرسل وملك، وقال أهل التاريخ: ملك سليمان وهو ابن ثلاثة عشرة سنة، وابتدأ الملك ببناء المقدس بعد ملكه بأربع سنين، ومات وله من العمر ثلاث وخمسون سنة. وذكر في كتاب "كشف الأسرار": لم وضع ملكه في فص خاتم؟ قيل: أراه ملك الجنة، فقال: حجر من الجنة له هذه الهيئة، وأيضاً أراه أنه تعالى يعز من يشاء كما أعز الحجر الأسود والذهب والفضة، فإن قيل: لم جعل رسوله طيراً؟ قيل: أراد أن يبين لهم أحوال الجنة وطاعة الطيور له. وذكر في "المدارك" في تفسير قوله تعالى: (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) الآية. قيل: إنها نملة عرجاء تسمى طاخية أو منذرة. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة فقال: سلوا عما شئتم، فسأله أبو حنيفة ﵁ وهو شاب عن نملة سليمان، أكانت ذكراً أم أنثى؟ فأفحم. فقال أبو حنيفة ﵁: كانت أنثى، فقيل له: بم عرفت؟ لقوله تعالى: (قالت نملة) ولو كانت ذكراً لقال: قال نملة، وذلك أن النملة مثل الحمامة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة نحو قولهم: حمامة ذكر، حمامة أنثى، وهو [و] هي. وذكر في "كشف الأسرار": قوله: سؤال: لم لم يأت بعرشها بدعائه؟ قيل: أراه الله عجزه في ملكه، وأراه أنه لا يعطي الكل إلى أحد، فإنه لو أعطى الكل إلى أحد، لكان ذلك الواحد كاملاً، وليس الكمال إلا لله تعالى. وقيل: إن رجلاً وامرأته اختلفا في ولد لهما أسود، فقالت المرأة: هو ابنك، وأنكر الرجل، فقال سليمان ﵇ للرجل: هل جامعتها في الحيض، قال: نعم قال: هو ولدك إنما سود الله وجهه عقوبة لكما. وهو المراد بقوله تعالى (ففهمناها سليمان) وذكر في "المدارك" في تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان) قيل: إن الغنم رعت الحرث وأفسدته بلا راع ليلاً، فتحاكما إلى داود ﵇ فحكم بالغنم لأهل الحرث وقد استوت قيمتاهما، فقال سليمان: وهو ابن إحدى عشرة سنة ارفق بالفريقين، فعزم عليه ليحكمن، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وصوفها، والحرث إلى رب الغنم حتى يصلح الحرث، ويعود إلى هيئته يوم أفسد ثم يترادان. فقال داود ﵇: القضاء ما قضيت. وقال مجاهد: كان هذا صلحا، وما فعله داود ﵇ حكما، والصلح خير، وأما في شريعتنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه ليلاً كان أم نهاراً، إلا أن يكون مع البهيمة سائق أو قائد، وعند الشافعي يجب الضمان بالليل.

стр. 24

وفيه أيضاً في تفسير قوله تعالى (وحشر سليمان جنوده) الآية. روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ، خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة، وسبعمائة سرية وقد نسجت له الجن بساطاً من ذهب وإبريسم فرسخاً في فرسخ. فيوضع منبره في وسطه، وهو من ذهب وفضة، فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظلله الطيور بأجنحتها حتى لا يقع عليه حر الشمس، وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر. فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت في ملكك، أن لا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى: أنه قد مر بحراث فقال: لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فألقته الريح في أذن سليمان، فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال له: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. وذكر في "تاريخ ابن الوردي" أن سليمان ﵇ لما ملك كان عمره اثنتي عشرة سنة، وفي السنة الرابعة من ملكه في أيار سنة تسع وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇ ابتدأ بعمارة بيت المقدس، وأقام في عمارته سبع سنين وفرغ منه في الحادي عشر من ملكه، أواخر سنة ست وأربعين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇ وارتفاعه ثلاثون ذراعاً، وطوله ستون في عرض عشرين ذراعاً. وخارج البيت سور محيط به امتداده خمسمائة في خمسمائة ثم شرع في بناء دار ملكه بالقدس، وتمم عمارته في ثلاث عشرة سنة، وانتهت في الرابعة والعشرين من ملكه، وفي الخامسة والعشرين من ملكه جاءته بلقيس ملكة اليمن، وأطاعه ملوك الأرض، وتوفي وعمره اثنتان وخمسون سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة لوفاة موسى ﵇ وماتت بلقيس قبل وفاة سليمان ﵇ وقيل: بعد وفاته، وهو الأصح، وملك اليمن بعدها عمها ناشر النعم، واسمه مالك، والله بذلك أعلم. [١٤] آمنة، أم رسول الله ﷺ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، بن كلاب، وهي أم رسول الله ﷺ تزوجها عبد الله بن عبد المطلب وعمره خمس وعشرون سنة، وقيل ثلاثون سنة، وكانت آمنة في حجر عمها أهيب لأن أباها قد مات فأتى عبد المطلب إلى أهيب، وخطب ابنته هالة لنفسه، فزوجه إياها، وخطب آمنة بنت وهب لولده عبد الله، فزوجها له في مجلس واحد. وذكر في "شرح ذات الشفا" قال أهل السير: خرج عبد المطلب ومعه ولده عبد الله، وكان أحسن رجل في قريش خلقاً وخلقاً، وكان نور النبوة ظاهراً في وجهه، فخرج مع أبيه ليزوجه، فمر بامرأة منه بني أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل، وكانت قد سمعت من أخيها بقرب ظهور النبي الأمي العربي وأن علامة أبيه نور في غرته، فلما رأت عبد الله وقع في قلبها أنه هو، فقالت له: يا عبد الله لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الآن، فأبى عبد الله، وأنشد: أما الحرامُ فالمماتُ دونه ... والحلُّ لا حلَّ فأستبينه فكيفَ بالأمرِ الذي تبغينه ... يحمي الكريمُ عرضهُ ودينه

стр. 25

وكان اسم هذه المرأة رقية، وقيل: فاطمة بنت مر الخثعمية، وكانت من أجمل النساء وأعفهن فدعته إلى نكاحها فظن أنها تريد الحرام، فأنشد بما قال، وأما قولها: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وذلك أن عبد المطلب لم يكن له ولد إلا الحارث، فجرت بينه وبين عمه عدي مخاصمة ومجاورة فعيره بقلة العدد فغضب عبد المطلب وقال: لله علي لئن رزقني الله تعالى عشرة ذكور أن أجعل أحدهم نذراً نحيرة. ثم افترقوا فلما مضت من الدهر أعوام، ولد لعبد المطلب عشرة أولاد ذكور سوى الحارث، وست بنات، فلما بلغ الذكور عشرة قال: لابد من الوفاء فجمعهم، وأقبل إلى الكعبة فأحال عليهم القداح فخرجت القدح على عبد الله، وكان يحبه، فأخذ بيده، وجاء به إلى إساف ونائلة فأضجعه وربطه، فبلغ ذلك أخواله بني مخزم فجاءوه في جماعة من قريش، فقالوا: ما هذا الذي تفعل، والله ما أحسنت عشرة أمه ثم تريد نحر ولدها، فارتحل نحو الحجاز فإن من أهله عرافة عالمة، ولها تابع من الجن، ففعل عبد المطلب، ورحل معهم فأتوها وأعطوها رشوتها، وأخبروها، فقالت: انصرفوا وأحضروا إبلاً وصاحبكم واستقسموا على عشرة من الإبل وعليه حتى تبلغوا رضى ربكم. فعادوا راجعين إلى مكة، فأوقفوا عشرة من الإبل وعبد الله، ودعوا صاحب الأزلام فاستقسم على عبد الله والإبل فخرجت على عبد الله، فزادوا عشرة فوقعت على عبد الله، فلم يزل يزيد عشرة عشرة حتى بلغت الإبل مائة، فخرج القدح على الإبل، وفعل ذلك ثلاث مرات، وهي تقع على الإبل، فخلى عن عبد الله، ونحرت الإبل لا يدفع عنها طائر ولا سبع ولا إنس، ولذلك أشار بقوله ﷺ : "أنا ابن الذبيحين" يعني بهما إسماعيل ﵇ وأباه عبد الله. ولما أتى عبد المطلب أهيب عمها، وقيل أبوها وهب، وخطب منه آمنة لعبد الله فزوجه إياها، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً فدخل بها عبد الله، فحملت برسول الله ﷺ وانتقل ذلك النور إليها، وكان ذلك يوم الإثنين، في شعب أبي طالب، عند الجمرة الوسطى، وقيل: إن عبد الله بعد ما دخل على آمنة أتى المرأة التي عرضت نفسها عليه، فقال لها: مالك لا تعرضي علي ما عرضت بالأمس؟ فقالت له: فارقك النور الذي كان معك، فما لي بك حاجة. وقال الكلبي ﵁ ثبت عندي للنبي ﷺ خمسمائة أم من قبل أمه وأبيه فما وجدت فيهن سفاحاً. وعن أنس ﵁ أنه قرأ ﷺ (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) بفتح الفاء، وقال: "أنا أنفسكم نفساً وصهراً وحسباً، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلها نكاح".

стр. 26

وعن العباس ﵁ قال: قال والدي عبد المطلب قدمنا اليمن فنزلنا على حبر من اليهود، فقال: ممن الرجال؟ فقلت من قريش. قال من أيهم؟ قلت من بني هاشم. قال: أتأذن لي أن أنظر بعضك؟ قلت: نعم، قال ففتح إحدى منخري، فنظر فيه ثم نظر في الأخرى، فقال: أشهد أن في إحدى منخريك ملكاً وفي الأخرى نبوة، وإنما نجد ذلك في بني زهرة، فكيف ذلك؟ قلت: لا أدري. قال: هل من شاعة؟ يعني زوجاً منهم لأنها تشايع زوجها وتناصره، قلت: أما اليوم فلا، لي زوجة منهم، فقال: إذا تزوجت فتزوج منهم، فلما رجع عبد المطلب تزوج هالة بنت وهب، وزوج عبد الله آمنة بنت وهب، فولدت هالة الحمزة ﵁، وولدت آمنة رسول الله ﷺ وقيل: إن الحبر قال لعبد المطلب: أرى ملكاً ونبوة، وأراهما في المنافين عبد مناف بن قصي، وعبد مناف بن زهرة، واختلف في وقت حمل آمنة به ﷺ فقيل: إنها حملت به يوم الاثنين من رجب، وقيل أيام منى، والأول منطبق على القول بأن ميلاده ﷺ في ربيع الأول، والقول الثاني موافق لما ذهب أن ميلاده ﷺ كان في رمضان، وكانت آمنة تقول: ما شعرت أني حملت به، ولا وجدت له ثقلاً كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي، وربما كانت ترفع عني وتعود، وقالت آمنة: أتاني آت وأنا بين النائمة والياقظة فقال: هل شعرت أنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها؟ وأمهلني حتى دنت ولادتي فأتاني فقال: قولي إذا ولدته، أعيذه بالواحد الصمد من شر كل حاسد، يأخذ بالمراصد، ثم سميه محمداً، فإن اسمه في التوراة والإنجيل أحمد يحمده أهل السماء والأرض، وفي القرآن محمد وفي رواية أخرى: اسمه أحمد، وقالت آمنة: أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام. وقال لي: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين. فإذا ولدته فسميه محمداً، واكتمي شأنك، وقال ابن عباس ﵁: كان من دلالة حمل آمنة أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوساً، وعن كعب الأحبار: أن صبيحة تلك الليلة أصبحت أصنام الدنيا منكوسة. وقال أهل السير: وكانت السنة مجدبة والناس في ضيق، وشدة فاخضرت الأرض، وحملت الأشجار، وأتاهم الرفد من كل جانب فسميت سنة الفتح والابتهاج، وفي الحديث: "أن الله تعالى قد أذن تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكوراً" كرامة لرسول الله ﷺ . وذكر الحافظ النيسابوري: أن نور النبي ﷺ لما صار إلى عبد الله كان يضيء في غرته وتفوح من فمه رائحة المسك الأذفر، وكانو يستسقون به فيسقون. ونام في الحجر فانتبه مكحولاً مدهونا قد كسي حلل المهابة، والجمال، فتحير ولم يدر من فعل به ذلك، فانطلق به أبوه إلى كهنة قريش، فقالوا: إن إله السموات قد أذن لهذا الغلام أن يتزوج، ونام مرة أخرى في الحجر فرأى رؤيا فقصها على الكاهن، فقالوا: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به أهل السموات والأرض، وليكونن للناس علماً مبينا، هذا الذي ذكره شارح الهمزية. وقال أيضاً: ولما حملت به آمنة ظهرت عليها الأنوار، وكسيت أثواب البهاء والجمال، وهتفت بها الهواتف بالبشارات، وقيل: إن راهباً كان بمر الظهران وهو مكان بمكة، كان يقول: يوشك أن يولد منكم يا أهل مكة مولود اسمه محمد تدين له العرب، ويملك العجم، وهذا زمانه، فكان لا يولد مولود إلا سئل عنه حتى ولد ﷺ وأخبر الراهب جده بولادته فقال: سميه محمداً وقد طلع نجمه البارحة، وعن عائشة ﵂، أنه كان بمكة يهودي فصاح ليلة ولادته: يا أهل مكة هل ولد فيكم الليلة مولود؟ فقالوا: لا نعلم. فقال: ولد الليلة نبي الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، فأدخلوه على أمه آمنة لما ولد ﷺ وكشف له عن ظهره فرأى تلك العلامة فخر مغشياً عليه ثم أفاق، فقال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل. ومن آيات حمله ﷺ ما كانت تراه أمه وأبوه وجده من الرؤيا الصادقة، ولما حملت به أخبرت الكاهن بقرب ظهوره، وطلوع كوكب نوره، ومنها ما سمعته قريش من الهواتف على الحجون شعراً: فأقسمُ ما أنثى منَ النَّاسِ أنجبت ... ولا ولدت أنثى من النَّاسِ واحدة

стр. 27

كما ولدت زهريّة ذاتَ مفخرٍ ... مجنَّبةً لؤمَ القبائلِ ماجدة ومنها أنه كان يسمع كل شهر من شهور حمله: أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم مباركاً ميموناً. ومنها أن نودي في الملكوت، أن النور المكنون قد انتقل إلى بطن أمه آمنة ذات العقل الباهر والفضل الظاهر، ولما صار لآمنة شهران من حملها برسول الله ﷺ أمر عبد المطلب ولده عبد الله أن يسافر إلى غزة من أرض الشام، ليأخذ لهم ما يحتاجون من لباس وطعام وغير ذلك، فسار مع التجار، واشترى لهم طعاماً وثياباً وغير ذلك، ولما عاد التجار عاد معهم عبد الله، فتمرض بالطريق، ولما وصلوا إلى المدينة ثقل بعبد الله المرض فتخلف بها عند أخواله بني عدي بن النجار، ولبث في المدينة أياماً ومات ودفن هناك وله من العمر ثلاثون سنة، ولما بلغ خبر وفاته إلى عبد المطلب وجد عليه وجداً شديدا، وحزن عليه وبكى، وكان رسول الله ﷺ حملاً في بطن أمه، وذلك بعد شهرين، فعلى رواية أنه تزوج عبد الله بآمنة في رجب وولد ﷺ في ربيع الأول، فتكون وفاة عبد الله في أوائل رمضان، وخلف عبد الله جاريته أم أيمن وخمسة جمال، وقطعة غنم، فورث ذلك رسول الله ﷺ . وقد نقل الإمام أبو حيان في تفسيره: أن جعفر الصادق قيل له: لم يتم ﷺ من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق المخلوقين، وقال ابن العماد في "كشف الأسرار" إنما رباه يتيماً لينظر ﷺ إذا وصل إلى مدارج عزه وإلى أوائل أمره فيعلم أن العزيز من أعزه الله، وأن قوته ليست من الآباء والأمهات، ولا المال، بل قوته من الله تعالى وأيضاً ليرحم الأيتام والفقراء. واختلف في مدة حمله ﷺ فقيل: تسعة أشهر وقيل عشرة أشهر، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: ستة أشهر وذكر في "السيرة الحلبية" كان حمله ووضعه في ساعة واحدة، وقيل في ثلاث ساعات، كما قيل في ولادة عيسى ﵇ وهذا غير صحيح، واختلف في شهر ولادته ﷺ فالجمهور على أنه ولد في شهر ربيع الأول، قال ابن كثير والحافظ ابن حجر، وهذا هو الصحيح، وأنه ولد يوم الاثنين لاثنتي عشر ليلة من ربيع الأول وبه جزم ابن إسحاق وتبعه ابن سيد الناس، ورواه ابن أبي شيبة عن جابر وابن عباس ﵄ هكذا ذكره في "التبيين في أنساب القرشيين" وقيل: ولد في ثاني ربيع الأول، وقيل: في ثامنه، وبهذا قال ابن حجر: أنه مقتضى أكثر الأخبار: وقيل: في عاشره، رواه الدمياطي عن جعفر الصادق وصححه، وقيل: لسبع عشرة منه، وهذا الذي رواه ابن أبي شيبة وهو حديث معلول، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول، وقيل في صفر، وقيل في ربيع الآخر، وقيل في رجب، وقيل في رمضان، وقيل في يوم عاشوراء كعيسى ﵇ وقيل: لخمس بقين من محرم، وعن ابن عباس ﵄، أنه ولد ﷺ يوم الاثنين من ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين من ربيع الأول، وهاجر يوم الاثنين من ربيع الأول، وأنزلت عليه سورة البقرة يوم الاثنين من ربيع الأول، وتوفي يوم الاثنين من ربيع الأول. وقال بعضهم: هذا غريب جداً، وقيل: إنه ﷺ ولد ليلاً، ويؤيده ما رواه عثمان بن عفان بن أبي العاصي عن أمه أنها شهدت ولادة النبي، ﷺ ليلاً، قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورا أو أني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى أني لأقول علي، وقال ابن دحية: هذا حديث مقطوع. وفي الحديث الصحيح أنه سئل ﷺ عن صوم يوم الاثنين فقال: "فيه ولدت". وهذا ما رواه ابن عباس وقال أصحاب الإشارة: قوله تعالى: (والضحى والليل إذا سجى) إشارة إلى ليلة مولده ﷺ أو ليلة معراجه وروى الحافظ ابن عساكر أن ولادته كانت حين طلوع الفجر، ويؤيد ذلك قول عبد المطلب: ولد لي الليلة مع الصبح مولود. وعن سعيد ابن المسيب أنه ولد ﷺ عند إبهار النهار، وذلك في وسطه، وقال ابن سعيد ﵁: قال رسول الله ﷺ : "رأت أمي حين وضعت سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى"، وكان مولده، ﷺ في فصل الربيع في شهر نيسان لعشرين ليلة خلت منه، وقيل: في برج الحمل: وفي بعض الأقاويل:

стр. 28

يقولُ لنا لسانُ الحالِ منهُ ... وقولُ الحقِّ يعذبُ للسّميعِ فوجهي والزَّمانُ وشهرُ وضعي ... ربيعٌ في ربيعٍ في ربيعِ وذكر في كتاب "التبيين" كان وضعه ﷺ في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج، وكانت قبل داراً لعقيل ابن أبي طالب، ولم تزل بيد أولاده إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف بمائة ألف دينار. وقيل: إن الأصح كان مولده بمكة، وهم يزورونه في كل عام، وقيل في شعب بني هاشم وفي كلام ابن دحية، أن الدار التي ولد فيها ﷺ لما حجت الخيرانة أم الرشيد أخرجتها من دار محمد بن يوسف، وبنتها مسجداً، وقيل: إن تلك الدار عند الصفا بنتها زبيدة زوجة الرشيد أم الأمين مسجداً لما حجت، وقيل: ولد في الردم، أي ردم بني جمح، ويعرف الآن بالمدعى لأنه يؤتى فيه الدعاء الذي يقال عند رؤية الكعبة، وقيل: في شعب أبي طالب، ومما نص عليه بعض الفقهاء، أنه يجب على الولي أن يعلم ولده إذا ميز أنه ﷺ ولد بمكة ومات بالمدينة، واختلف في عام ولادته ﷺ فقيل في عام الفيل. وقيل: في يومه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: ولد ﷺ يوم الفيل، وعن قيس بن مخرامة: ولدت أنا ورسول الله ﷺ يوم الفيل ضحى، وفي "تاريخ ابن حبان": ولد ﷺ عام الفيل في اليوم الذي بعث الله الطير الأبابيل على أصحاب الفيل. وذكر في "تاريخ المؤيد" أنه ولد يوم العاشر من ربيع الأول عام الفيل، وذلك بعد الفيل بخمسين يوماً، لأن الفيل كان في منتصف المحرم، وهذا هو المشهور، وقيل: ولد بعد الفيل بخمسة وخمسين يوماً، وقال بأربعين، وقال بشهر، وقيل بعشر سنين، وقال بثلاث وعشرين سنة، وقيل: بثلاثين سنة، وقيل بأربعين سنة، وقيل: بسبعين سنة. وذكر الحافظ الدمياطي: أنه بعد الفيل بخمسة وخمسين يوماً، وهو الأصح وقال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري، لا يشك فيه أحد من العلماء، وعليه الإجماع، وقيل: أنه ولد ﷺ قبل عام الفيل خمسة عشر عاماً، وهذا غريب منكر ضعيف وقال الحافظ النيسابوري: كان نور النبوة في وجه عبد المطلب يضيء كالغرة، وكانت قريش إذا أصابهم جذب أخذوا بيد عبد المطلب وصعدوا به إلى جبل ثبير يستسقون فيه فيسقون ببركة ذلك النور. وقصة أصحاب الفيل أن أبرهة الأشرم ملك الحبشة بنى له كنيسة في اليمن، وأمر الناس بالحج إليها كالكعبة، وزخرفها وجعل فيها صلبان الذهب والفضة، ومنابر العاج، والأبنوس، ثم إن بعض العرب من كنانة دخل الكنيسة، وتغوط فيها ولوث جدرانها بالعذرة، ولطخ قبلتها فحلف أبرهة ليهدمن من الكعبة فسار بعسكره إلى الكعبة ومعه أفيال، وأعظمها فيه المسمى المحمود، فقاتل العرب وأسرهم، وتقدم ونزل قريباً من الطائف، وأرسل خيله ونهبت إبل قريش، وفيها لعبد المطلب أربعمائة ناقة: وتحصنت قريش بجبال مكة، فجاء رسول أبرهة إلى عبد المطلب، وأخبره إنما جاء الملك لهدم البيت، فقال عبد المطلب: للبيت رب سوف يحميه، وسار عبد المطلب مع الرسول إلى أبرهة فأكرمه وأجلسه معه على السرير، فقال لترجمانه: قل له، فيا أتيت؟ فقال بطلب الجمال والخيل، فقال له: الجمال والخيل وتركت هدم البيت؟ فقال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وأما البيت فله رب إن شاء منعه. فقال أبرهة: ما كان ليمنعه مني ثم انصرف عبد المطلب بجماله وخيله وصعد على الجبل، وأحاطت عساكر أبرهة بالحرم، فأقبل عبد المطلب وأخذ بأذن الفيل محمود، وقال له: أبرك محموداً فهذا بيت الله وحرمه فبرك محمود عند وادي محسر فصاروا يضربونه فلا يقوم فوجهوه إلى اليمن فهرول، وكذا إلى الشام، وسقوه الخمر ليذهب تمييزه فلم يفد ذلك، وكان عبد المطلب قد دخل البيت فأخذ بحلقة الباب، ومعه نفر من قريش فقال: لاهمَّ إنَّ المرءَ يمنعُ رحلهُ ... فامنع رحالك وانصر على آلِ الصليبِ ... وعابديه اليومَ آلك لا يغلبنَّ صليبهم ... ومحالهم أبداً محالك

стр. 29

ثم صعد بهم إلى رؤوس الجبال، ولم تزل الحبشة تضرب رأس الفيل محمود ومراقه لينهض نحو البيت، وهو لا يفعل حتى أرسل الله عليهم الطير الأبابيل مع كل طير ثلاثة أحجار في منقاره ورجليه، كل حجرة بقدر العدسة يلقيها على رأس أحدهم فتخرج من دبره، ويتساقط لحمه، ولما أحس أبرهة بالشر ركب في نفر من أصحابه وسار على وجه، والطيور على رؤوسهم مثل الخطاطيف، فجعلت ترمي واحداً واحدا وهم يتساقطون في الطرق، ورمت أبرهة فجعل يتساقط جسده شيئاً فشيئا حتى هلك، ولم ينج منهم سوى واحد دخل على النجاشي فأخبره بالخبر والطير على رأسه، فلما فرغ ألقى عليه الحجر، فخرقت البناء ونزلت على رأسه فألحقته بهم. وعظمت قريش، وتمزقت الحبشة، وبقيت كنيسة أبرهة خربة حولها الوحوش والحيات. وذكر في "حياة الحيوان" أن الأبابيل تعشش وتفرخ بين السماء والأرض. وذكر في "المعالم" أن عبد المطلب لما دخل البيت، أخذ بحلقة الباب وجعل يقول: يا ربَّ لا أرجو لهم سواكا ... يا ربِّ فامنع منهم حماكا إنَّ عدوَّ البيتِ من عاداكا ... امنعهم أن يخرّبوا قراكا وذكر فيه أيضاً: أن النجاشي ملك الحبشة بعث إلى أرض اليمن رجلاً اسمه أرياط فملك اليمن ثم ظهر أبرهة، وقتل أرياط واستولى على اليمن من قبل النجاشي، فكان منه ما كان وبعث الله إلى أبرهة داء في جسده فجعلت تتساقط أنامله، كلما سقطت أنملة تبعها دم وقيح حتى وصل إلى صنعاء، وعجل الله بروحه إلى النار. وقال مقاتل: كان معهم فيل واحد، وقال الضحاك: ثمانية، وقيل: إثنا عشر سوى الفيل الأعظم. وعن ابن عباس ﵁ قال: كانت طير أبابيل لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب، وقال عكرمة: لها رؤوس كرؤوس السباع، وقال الربيع: لها أنياب كأنياب السباع، وقال سعيد بن جبير: طير خضر لها مناقير صفر، وقال قتادة: طير سود جاءت من قبل البحر فوجاً فوجا مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه وحجر في منقاره، لا يصيب شيئاً إلا هشمه، وقالت عائشة، ﵂: أدركت قائد الفيل وسائقه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس. وفي "تاريخ ابن الوردي" أن بين هبوط آدم ﵇ ومولده ﷺ ستة آلاف وثلاثاً وستين سنة. وفي "أخبار الدول" عن الشيخ محيي الدين يروي عن ابن عباس: أنه كان من آدم ﵇ إلى نبينا ﷺ خمسة آلاف وخمسمائة وخمس وسبعون سنة. وذكر محمد بن جرير الطبري: أن من آدم إلى انقضاء الخلق سبعة آلاف سنة، ويؤيده ما روي في الحديث "أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة وأن في آخرها ألفاً" وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أن جبرائيل قال: "مضى من الدنيا ستة آلاف وسبعمائة" وعن أبي هريرة ﵁، سئل رسول الله ﷺ منذ كم خلق الدنيا فقال: "أخبرني ربي أنه خلقها منذ سبعمائة ألف سنة إلى اليوم الذي بعثني فيه رسولاً إلى الناس" وذكره البلخي وقال: يدل على ذلك ما جاء في الخبر، أن إبليس عبد الله تعالى قبل أن يخلق آدم بخمسة وثمانين ألف سنة، وأنه خلق بعدما خلقت السماوات والأرض من المدد ما شاء الله تعالى وجاء في الحديث "أن كل شيء خلقه الله تعالى كان قبل آدم، وأن آدم بعد إيجاد الخلق لأن خلق آخر الأيام، التي خلق فيها الخلق" وزعم بعضهم أنه كان قبل آدم في الأرض خلق لهم لحم ودم، قيل: إنهم كانوا خلقاً، فبعث إليهم نبياً اسمه يوسف فقتلوه، وكان إبليس منهم فأسره الملائكة فعاش فيهم وصار يتخلق بأخلاقهم إلى أن كان من أمره ما كان، وعاد إلى فطرته.

стр. 30

وذكر في "تاريخ ابن الوردي" أن بين مولد النبي ﷺ وبين رفع عيسى ﵇ خمسمائة وخمساً وأربعين سنة، وفيه أيضاً أن في سنة أربع وعشرين من ملك كسرى ولد عبد الله أبو النبي ﷺ وولد ﷺ في سنة اثنتين وأربعين من ملك كسرى وعلى هذا يكون سن عبد الله حين تزوج بآمنة ثماني عشرة سنة، وهو مخالف لما ذكر، أنه ولد ﷺ عام الفيل، وولد أبوه قبل الفيل بخمس وعشرين سنة. وذكر في "شرح ذات الشفاء" روى أبو النعيم أنه أتى إلى آمنة آت بعد ستة أشهر من حملها وقال: يا آمنة إنك حملت بخير العالمين، فإذا وضعته فسميه محمداً، واكتمي شأنك، ولما أخذها الطلق وكانت وحدها رأت كأن طائراً أبيض مسح فؤادها، فذهب رعبها، وأتيت بشربة بيضاء فتناولتها وغشيتها الأنوار، ورأت نسوة طوالا أحدقن بها فقلن لها: نحن، آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وهؤلاء الحور العين، ورأت ديباجاً أبيض مد بين السماء والأرض، ورجالاً بأيديهم أباريق فضة، وقطعة من الطير أقبلت حتى غطت حجرتها، مناقيرها من الزمرد، وأجنحتها من الياقوت ورأت مشارق الأرض ومغاربها، وعلماً بالمشرق وعلماً بالمغرب، وعلماً على ظهر الكعبة فأخذها النعاس فوضعته ﷺ ساجداً، رافعاً إصبعيه إلى السماء كالمتضرع، ورأت سحابة بيضاء غشيته، ﷺ ثم ذهب عنها، وسمعت منادياً يقول: طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها، وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه، ونعته وصورته، ويعلموا أنه ماحي الشرك، ثم تجلت عنه وقد قبض ﷺ على حريرة بيضاء مطوية طياً شديداً ينبع منها الماء، وسمعت قائلا يقول: بخ بخٍ قبض محمد على الدنيا كلها، فلم يبق أحد ورأت ثلاثة نفر بيد أحدهم، أبريق فضة، والثاني: طشت من زبرجد خالص، والثالث: حريرة بيضاء، أخرج منها خاتما يحار به الناظرون، فغسله سبع مرات ثم ختم به بين كتفيه ثم احتمله فأدخله بين أجنحته، ثم رده إلى أمه، كذا ذكره في "شرح الهمزية". وروي عن آمنة أنها قالت: لما أخذني ما يأخذ النساء وإني لوحيدة في المنزل، رأيت نسوة كالنخل طولا، كأنهن من بنات عبد مناف، وفي رواية من بنات عبد المطلب. ما رأيت أضوأ منهن وجوهاً وكأن واحدة منهن تقدمت فاستندت إليها، وأخذني المخاض، واشتد علي الطلق، وكأن واحدة منهن تقدمت إلي وناولتني شربة من الماء فشربت، وقالت الثالثة: ازدادي. فازددت ثم مسحت بيدها على بطني، وقالت: بسم الله اخرج بإذن الله، وقلن لي: نحن آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وهؤلاء من الحور العين. وعن ابن عباس ﵄: أن آمنة سمعت منادياً ينادي طوفو به مشارق الأرض ومغاربها، وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، وفي رواية: أنها رأت سحابة عظيمة لها نور، سمعت فيها صهيل الخيل، وخفقان الأجنحة، وكلام الرجال أقبلت فغشيته ﷺ وغيب عنها فسمعت منادياً ينادي: طوفوا بمحمد مشارق الأرض ومغاربها واعرضوه على كل روحاني من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش. وعن عبد المطلب قال: كنت في الكعبة فرأيت الأصنام سقطت وخرت سجداً، وسمعت صوتاً من جدار الكعبة يقول: ولد المصطفى المختار الذي تهلك بيده الكفار ويطهر من عبادة الأصنام، ويأمر بعبادة الملك السلام. وأخرج أبو نعيم حديث الشفاء، أم عبد الرحمن، قالت: لما ولد ﷺ وقع على يديه، فاستهل فسمعت قائلاً يقول: رحمك الله ورحم بك، فقالت: فأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى بعض قصور الروم، ثم أضجعته، فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة، ثم أسفر عن يميني، وسمعت قائلاً يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المغرب، وأسفر ذلك عني، ثم عاودني عن يساري فسمعت قائلاً يقول: أين ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، قالت: فلم يزل الحديث مني على بال حتى ابتعثه الله، فكنت في أول الناس إسلاماً. وروي عن آمنة أنها قالت: رأيت كأن شهاباً خرج مني.

стр. 31

وروى الطبراني أنه ﷺ لما وقع على الأرض وقع مقبوضة أصابع يده مشيراً كالمسبح بها، وفي رواية عن ابن سعد: وقع على يده رافعاً رأسه إلى السماء وقبض قبضة من تراب فبلغ ذلك بعض العرب فقال: لئن صدق الفال ليغلبن هذا المولود أهل الأرض، وفي رواية: أنه ﷺ وقع على كفيه وركبتيه شاخصاً بصره إلى السماء. وروى ابن الجوزي عن ابن البراء قال: قالت آمنة: وجدته جاثياً على ركبتيه ينظر إلى السماء ثم قبض قبضة من الأرض وأهوى ساجداً. وفي "شرح البخاري" أنه ﷺ تكلم أول ما ولد. وذكر صاحب "الخصائص": أن مهده ﷺ كان يتحرك بتحريك الملائكة، وأن أول كلامه قوله: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً. وذكر في السير: ورأت آمنة عند ولادته نورا خرج منها أضاءت له قصور الشام، وفي رواية: حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى. وإلى ذلك أشار عمه العباس بقوله من أبيات: وأنتَ لمّا ولدتَ أشرقتِ ال ... أرضُ وضاءت بنورك الأفقُ فنحنُ في ذلكَ الضّياءِ وفي ... النُّورِ سبيلَ الرّشادِ نخترقُ وذكر أهل السير: أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها ﷺ ارتج إيوان كسرى وانشق وانصدع وسقط منه أربع عشرة شرفة، وكان له شرفات كثيرة، فلما أصبح كسرى أجزعه ما رأى فجمع وزراءه يتحدثون في شأن الإيوان فجاءهم الخبر بخمود النيران ولم تكن تخمد من ألف عام، فازدادوا غماً، ودخل عليهم المؤبذان عالم الفرس وخادم النيران، وقص عليهم رؤيا رآها وهي كأن إبلاً صعاباً تقود خيلاً عرابا قد عبرت دجلة وانتشرت في بلادهم، ثم ورد على كسرى كتاب صاحب طبرية يخبره أن الماء لم يجر في بحريتها ثم ورد كتاب صاحب الشام يخبره بإفاضة وادي سماوة، فلما رأى ذلك كسرى داخله الفزع والجزع فأرسل إلى النعمان يأمره أن يرسل رجلاً من علمائهم، فأرسل له بعد المسيح الغساني وعمره مائة وخمسون سنة، فلما دخل على كسرى حدثه بما رآى وما سمع، فدله على خاله سطيح وهو بالشام، وكان عمره إذ ذاك ثلاثمائة سنة، وقيل: سبعمائة، وكان جسداً بلا جوارح وكان وجهه في صدره، وليس له رأس ولا عنق، وهو مثل الضرف تطوى رجلاه ويداه، وإذا أريدت أخباره يحرك فينفتح ويمتلئ ويعلوه النفس، ويجلس إذا غضب، فيخبر عما يسأل وهو أول كاهن في العرب، فأمر كسرى عبد المسيح بالمسير إلى سطيح، فسار ولما دخل على سطيح، ناداه سطيح: يا عبد المسيح أقبل على جمل مشيح إلى سطيح، وقد وافى على الضريح، بعثك ملك ساسان لاتجاج الإيوان وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلاً صعابا، تقود خيلاً عرابا، وقد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها، يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهرواة، وغاضت بحيرة سماوة وخمدت نار فارس، فليست بابل للفرس مقاما ولا الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آتٍ آت. ثم مات سطيح من ساعته، فنهض عبد المسيح بعد موت سطيح إلى راحلته، وجعل ينشد ويقول شعراً: شمّر فإنَّكَ ماضي العزمِ شمّيرُ ... ولا يغرّنّكَ تفريقٌ وتغييرُ والنّاسُ أولادُ علاّتٍ فمن علموا ... أن قد أقلَّ فمحقورٌ ومهجورُ وهم بنوا ألامّ إمّا أن رأوا نشباً ... فذاك بالغيبِ محفوظٌ ومنظور والخيرُ والشّرُ مقرونانِ في قرنِ ... فالخيرُ متّبعٌ والشّرُّ محذورُ وسار فلما دخل على كسرى أخبره بما قال له سطيح، فقال كسرى: إلى أن يملك أربعة عشر ملكاً كانت أمور وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى خلافة عثمان ﵁ وقول سطيح، ملكات، المراد بها: بوران وأختها أرزمي بخت بنتا برويز كسرى.

стр. 32

ومن آيات مولده ﷺ ما رواه ابن عباس ﵄ أنه ولد مسروراً أي مقطوع السرة وعن أنس ﵁ عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "من كرامتي على ربي أن ولدت مختوناً، ولم ير أحد سوأتي" وعن عكرمة ﵁ أن إبليس لعنه الله، لما ولد ﷺ ورأى تساقط النجوم، قال: لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا، ثم أمر أولاده أن يأتوه بتربة، من كل أرض وهو يشمها فلما شم تربة تهامة: قال: من ههنا دهينا. وذكر في تفسير "ابن مخلد" رن إبليس أربع رنات، أي صوّت صوت كآبة وحزن، رنة حين لعن، ورنة حين أهبط، ورنة حين ولد النبي ﷺ ، ورنة حين نزلت الفاتحة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وعن حسان بن ثابت ﵁ أن يهودياً صاح في تلك الليلة على أطمة أي مكان عالٍ يا معشر اليهود، فأقبلوا عليه فقالوا: ما بالك؟ فقال طلع نجم أحمد الذي ولد هذه الليلة، وقيل: لما ولد ﷺ لم يرضع لليلتين، قيل: أن عفريتاً من الجن وضع يده على فمه ﷺ ولما رآه ذلك اليهودي خر مغشياً عليه، وقال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل، أما والله ليسطون عليكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب، وتزلزلت الكعبة ثلاثة أيام بلياليها، ولم تسكن حتى ولد ﷺ وكان ﷺ يناغي القمر في مهده ويحدثه. ويروى عن العباس رضي الله تعالى عنه قال: دعاني إلى الدخول في دينك رأيتك تناغي القمر فتشير إليه، بإصبعك فحيثما أشرت إليه مال، قال ﷺ : "كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته، أي سقطته، حين يسجد تحت العرش" وروى البيهقي: أنه لما كان يوم السابع من ولادته، ﷺ ذبح له جده، ودعا قريشاً فلما أكلوا قالوا: ما سميته؟ قال: محمدا. قالوا: لم رغبت عن أسماء أهل بيته؟ قال أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض. وعن محمد الباقر ﵁ قال: أمرت آمنة في المنام، وهي حامل برسول الله ﷺ أن تسميه أحمد. قال ﷺ : "من ولد له مولود فسماه محمداً حباً لي وتبركاً باسمي كان هو ومولده في الجنة". وعن ابن عباس ﵄: من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمداً فقد جهل. وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه لما ولد ﷺ سارت ثويبة مولاة أبي لهب فبشرته بولادة النبي المنتخب فأعتقها، ومما لا يجوز القول به لمخالفته القرآن الكريم قول من قال إنه يخفف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين أو ليلته وأما الرؤيا التي ذكرت عن العباس أنه رأى فيها أبا لهب بالمنام فسأله عن حاله فقال له يخفف عني العذاب كل ليلة اثنين وأمص من بين أصابعي ماء مثل هذا وأشار إلى نقرة إبهامه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة حين بشرتني بولادة محمد ابن أخي وبإرضاعها له فهذا لا يرد ما جاء في قوله تعالى عن الكفار في النار (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) سورة البقرة. ولما ولد ﷺ أرضعته أمه آمنة سبعة أيام، ثم أرضعته ثويبة الأسلمية مولاة أبي لهب وقيل: أرضعته أمه سبعة أشهر وأرضعته ثلاث أبكار من سليم يسمين العواتك، وضعت أثداءهن في فمه فدرت له قال ﷺ : "أنا ابن العواتك من سليم" قيل: العاتكة: الملطخة بالطيب أو الطاهرة، ثم أرضعته أم فروة، ثم أرضعته أم أيمن بركة مولاة أبيه، ثم أرضعته خولة بنت المنذر، ثم أرضعته حليمة السعدية، وذكر في "الخصائص" لم ترضعه مرضعة إلا أسلمت، ولما بلغ من العمر ﷺ ثمانية أشهر كان يتكلم بحيث يسمع كلامه، وفي تسعة أشهر تكلم بالكلام الفصيح، وفي عشرة كان يرمي مع الصبيان، وكانت أخته الشيماء ترقصه ﷺ وتقول شعراً: هذا أخي لم تلدهُ أمّي ... وليسَ من نسلِ أبي وعمّي فديتهُ من مخولِ معمِّ والشيماء أخته من الرضاع، وهي بنت حليمة السعدية سبيت يوم هوازن، فقالت لمن سباها أنا أخت صاحبكم، فحملوها إليه، فقالت يا رسول الله أنا أختك، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة منك في ظهري. فعرفها، فقام ﷺ وبسط رداءه وأجلسها عليه، ودمعت لها عيناه وإلى هذا أشار صاحب الهمزية، بقوله شعراً:

стр. 33

أتى السبيُّ فيه أختُ رضاعِ ... وضعَ الكفرُ قدرها والسّباءُ بسط المصطفى له من رداءٍ ... أي فضلٍ حواهُ ذاكَ الرداءُ فحباها بّراً توهّمت النّاسُ ... به، إنّما النساءُ هداءُ وتوفيت آمنة أمه ﷺ وعمره أربع أو ست سنين، وقيل: سبع سنين وقيل: ثمان سنين، وقيل تسع سنين، وقيل اثنتي عشر سنة وشهراً وعشرة أيام، والأول أرجح ثم الثاني. وروى أبو نعيم عن أسماء بنت أبي رهم، عن أمها قالت: شهدت آمنة في علتها ومحمد ﷺ غلام يقع عند رأسها، له خمس سنين، فنظرت إلى وجهه ﷺ ثم قالت شعراً: باركَ فيكَ الله من غلامٍ ... يا ابنَ الذي من حومةِ الحمامِ نجا بعونِ الملكِ المنعام ... فدى غداةَ القرعِ بالسّهامِ بمائةٍ من إبلٍ سوامٍ ... إن صحَّ ما أبصرتُ في المنامِ فأنتَ مبعوثٌ إلى الأنامِ ... من عند ذي الجلالِ والإكرامِ تبعثُ في الحلِّ وفي الحرامِ ... تبعثُ بالتخفيف والإسلامِ دينُ أبيكَ البرِ إبراهام ... فالله أنهاكَ عن الأصنامِ أن لا تواليها مع الأقوامِ ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بالٍ. وأنا ميتة وذكري باق. وقد تركت خيرا، وولدت طهرا. ثم ماتت فكنا نسمع نواح الجن عليها، وكان موتها بالأبواء موضع قريب إلى المدينة، وكان موتها وهي راجعة به ﷺ من المدينة من زيارة أخواله، فمكث عندهم شهراً، ومرضت في الطريق ومعها أم أيمن بركة، فماتت ودفنت بالأبواء وقيل: بالحجون في شعب أبي ذر، وفي "القاموس" دار رابعة بمكة مدفن آمنة، وتوفيت آمنة ولها من العمر نحو عشرين سنة. وعن عائشة ﵂ قالت: حج بنا رسول الله ﷺ حجة الوداع فمر على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم طفق يقول: "يا حمراء استمسكي فاستندت إلى جانب البعير، فمكث عني طويلاً ثم عاد وهو فرح مبتسم، فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي وأنت باك حزين ثم عدت إلي وأنت فرح مبتسم فمم ذاك؟ قال "ذهبت لقبر أمي فسألت الله أن يحييها فأحياها فآمنت فردها الله تعالى وفي "الأشباه والنظائر"لابن نجيم، من مات على الكفر أبيح لعنه إلا والدي رسول الله ﷺ لثبوت أن الله أحياهما له حتى آمنا به. كذا في "مناقب الكردري" وما أحسن ما قاله الشيخ شمس الدين، محمد بن ناصر الدين الدمشقي شعراً: حبُّ النّبيّ مزيدُ فضلٍ ... على فضلٍ وكان به رؤوفا فأحيا أمّهُ وكذا أباهُ ... لإيمانٍ به فضلاً مسيّفا فسلّم فالقديمُ بذا قديرٌ ... وإن كانَ الحديثُ به ضعيفا

стр. 34

وعلى كل حال، فالحذر الحذر بذكرهما بما فيه نقص فإن ذلك قد يؤذي النبي ﷺ وقد قال ﷺ : "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات" ولا ريب أن أذاه كفر يقتل فاعله إن لم يتب منه خصوصاً وهما ناجيان من التعذيب في الدار الآخرة لأنهما من أهل الفطرة، وقد دلت القواطع على أنه لا تعذيب حتى تقوم الحجة لقوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وذكر في "شرح الجوهرة": قال الجلال السيوطي في "مسالك الحنفاء في والدي المصطفى": نقلت من مجموع بخط الشيخ كمال الدين والد شيخنا تقي الدين ما نصه: سئل القاضي أبو بكر بن العربي عن: من قال: إن أبا النبي ﷺ في النار؟ فأجاب: بأنه ملعون، لأن الله تعالى قال: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) قال: ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه أنه في النار. ولما توفيت آمنة قدمت أم أيمن بالنبي ﷺ إلى عند عبد المطلب بعد خمسة أيام فضمه إليه، ورق عليه رقة لم يرقها على أحد من ولده فكان إذا أتى بطعام أجلسه إلى جنبه وربما أقعده على فخذه وكان يقول: إن لابني هذا شأنا، ولما صار له ﷺ من العمر سبع سنين أصابه رمد شديد فعولج بمكة فلم يغن عنه، فأخذه عبد المطلب وسار إلى عكاظ، وكان دير قريب منها وفيه راهب يحسن معالجة الرمد، فدنا منه عبد المطلب، وكان الدير مغلقاً فنادى الراهب فلم يجبه، فتزلزل الدير فخاف الراهب سقوطه فخرج مبادرا، فقال: يا عبد المطلب، إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج لخر علي ديري، فارجع به واحفظه، ثم عالجه وعاد به عبد المطلب إلى مكة ومات عبد المطلب ورسول الله ﷺ ابن ثمان سنين وشهرين، وعاش عبد المطلب خمساً وتسعين سنة، وقيل: مائة وأربعين. وذكر الدمياطي: أنه اثنتان وثمانون سنة، وعن أم أيمن: أنه كان ﷺ يبكي خلف سرير عبد المطلب، وهو ابن ثمان سنين ودفن بالحجون عند قصي. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "يبعث جدي عبد المطلب في زي الملوك" ولما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى به ﷺ إلى عمه شقيق أبيه أبي طالب واسمه عبد مناف فكفله، وقيل: الزبير ﵁ وقيل: كفلاه معاً، ومات الزبير ولرسول الله من العمر أربع عشرة سنة، وقيل: نيف وعشرون سنة، ومات أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بسنة وعمره سبع وثمانون سنة، وكان مصدقاً بنبوته ﷺ ومصدقاً بالوحدانية، وإنما منعته الأنفة والحمية الجاهلية. ومن شفقته على النبي ﷺ أنه فقده يومين فشق عليه ذلك، وظن أنهم اغتالوه، فالتمسه فلم يجده، فدعا أهله وأقاربه، وأعطى كل واحد سكيناً وقال لهم: ليجلس كل واحد منكم إلى جنب رجل من قريش، وأنا أصعد هذا الجبل أدور على محمد فإن وجدته فلا يحدث أحد منكم شيئا، وإن نعيته لكم فليضرب كل منكم من بجانبه، ونثيرها حربا، ثم صعد فوجده فقال: يا ابن أخي ظننت أنك قتلت وكدت أفتك في قومك، فأعلمني إذا خرجت إلى أي مكان تريد، فقال له: يا عم ألا أريك معجزة، فإني أحب أن يسعدك الله مما بعثت به؟ ثم دعا ﷺ شجرة هناك فجاءت إليه، فقال: يا عم خذ من غصونها، ثم قال لها: عودي، فعادت، فقال: يا ابن أخي لهذا يقول لك قومك إنك ساحر. ثم أخذ بيده، وأقبل به ينادي إلى نادي قريش، فظنوا أنه يريد أن يسلمهم إياه. ثم قال لهم: قد كنت أراكم قتلتموه، ورب هذا البيت لئن كنتم فعلتم لقتل كل واحد من هؤلاء جليسه، أخرجوا شفاركم فأخرجوها، فلما رأت قريش ذلك يئسوا من رسول الله ﷺ ومن شعر أبيات أبي طالب فيه قوله: ألا بلّغنا عنّي على ذاتِ بيننا ... لوياً وخصّا، من لؤيٍّ بني كعبِ بأنّا وجدنا في الكتابِ محمّداً ... نبيّاً كموسى خطَّ في أوّلِ الكتبِ

стр. 35

ولكن أبا طالب خشي أن يعير بإسلامه، ولعل تلك المواقف تنفعه، والصحيح أنه مات كافراً، وجاء في الحديث عنه ﷺ سينفع بشفاعته ﷺ فيوضع في نار قليلة، ثم بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام توفيت خديجة، ﵂، زوجة النبي ﷺ وظهر الضعف على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه، فنالت منهم الكفار ما لم تكن قبل ذلك تصل إليه، قال علي ﵁: لقد رأيت رسول الله ﷺ أخذت قريش تتجاذبه وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر ﵁ فصار يضرب هذا ويدفع هذا، ويقول: أتقتلون رجلاً يقول ربي الله؟ ولما أسلم عمر ﵁ قال المشركون: لقد انتصف القوم منا. رواه ابن عباس ﵄ وعنه أيضاً: لما أسلم عمر نزل جبرائيل على النبي ﷺ فقال: يا محمد استبشر أهل السماء بإسلام عمر ﵁، وعن ابن مسعود، ﵁ ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب. وعن صهيب: لما أسلم عمر ﵁ جلسنا حول البيت حلقا، وقيل: لما أسلم عمر ﵁ وثب عليه عتبة بن ربيعة فألقاه عمر ﵁ على الأرض وبرك عليه، وجعل يضربه وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، وصار لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشرا سيفه، وهي أطراف أضلاعه، وما زال الإسلام يعلو وينمو، وهاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة. وذكر في "كشف الأسرار" قوله: لم رباه ﷺ يتيما؟ قيل: لأن الأساس كل كبير صغير، وعقبى كل حقير خطير، وأيضاً لينظر ﷺ إذا وصل إلى مدارج عزه إلى أوائل أمره ليعلم أن العزيز من أعزه الله تعالى وأن قوته ليست من الآباء والأمهات، ولا من المال، بل قوته من الله تعالى وأيضاً ليرحم الفقراء والأيتام، ودل على ذلك قوله تعالى: (ألم يجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى) وفي الكتب القديمة: إن من علامات نبوته ﷺ موت أبيه وهو حمل، وموت أمه وكفالة جده وعمه، وما أحسن قول الجمال بن نباتة شعراً: ودعاهُ في الذّكرِ اليتيمِ وإنّما ... أسنى الجواهرَ ما يقالُ يتيمُ وذكر في "المصابيح" قال رسول الله ﷺ : "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه" وذكر في "شرح ذات الشفاء" أن الشيعة تقول: اسم أبي طالب عمران ليكون قوله تعالى: (وآل عمران) أي فيه نزلت، وعموا عن قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) قاتلهم الله أنى يؤفكون. فوا أسفا عليه، لم يكن فيه خصلة مذمومة غير الشرك فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ومن شعر أبي طالب فيه ﷺ يخاطب النجاشي فيه: تعلّم خيارَ الناسِ أن محمّداً ... نبيٌّ كموسى والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا بهِ ... فكلُّ بأمرِ الله يهدي ويعصم وإنّكم تلونه في كتابكم ... بصدقِ حديثٍ لا حديثَ المترجم فلا تجعلوا الله ندّاً وأسلموا ... فإن طريقَ الحقِّ ليس بمظلمِ وهذا يدل على تصديقه بنبوته ﷺ وإقراره بوحدانية الله تعالى. [١٥] أم أيمن بركة الحبشية

стр. 36

جارية عبد الله والد النبي ﷺ كانت زوجة عبيد الحبشي، وولدت منه أيمن، أسلمت هي وولدها أيمن قديماً، وزوّجها النبي بعد ممات زوجها عبيد، بعد النبوة زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وإنما رغب فيها زيد لقوله ﷺ : "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج بأم أيمن" فجاءت منه بأسامة، فكان يقول له الحب بن الحب. وقيل: إنه ﷺ أعتقها حين تزوج بخديجة، وزوجها عبيد الحبشي، وقيل: بل تزوجها قبل ذلك، وقيل: أعتقها عبد الله بعد موته، وورث معها خمسة جمال وقطعة غنم وهي من سبي الحبشة أصحاب الفيل، ولما تمرضت في الطريق آمنة أم رسول الله ﷺ وهي راجعة من المدينة كانت معها أم أيمن بركة فلما توفيت آمنة تولت حضانته ﷺ أم أيمن وجاءت إلى جده عبد المطلب بعد خمسة أيام. وذكر في "شرح ذات الشفاء": أن أم أيمن كانت بمكة فبلغها موت آمنة بالأبواء، فقدمت إلى الأبواء فاحتملته ﷺ والمشهور الأول، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" ولما كبر النبي ﷺ أعتقها، وهذا على خلاف ما تقدم من أن أباه عبد المطلب أعتقها، وزوجها ﷺ بمولاه زيد بن حارثة الطائي، وكان مولى لخديجة، ﵂، فوهبته لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، وكان أول الموالي إسلاماً. وذكر في "السيرة الحلبية": ثم بعد إسلام علي، ﵁ أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ولما ظهر الإسلام وهاجر إلى المدينة، وأقام في المدينة، ﷺ أرسل زيداً في سرية ومعه مائة راكب، وكان قد بلغه ﷺ أن أبا سفيان وصفوان معهم عير كثيرة، فبعثه ﷺ لحربهم فأصاب عيرهم، وعاد زيد بالعير والغنيمة إلى النبي ﷺ فكان خمسها عشرين ألف درهم، وكانت على رأس ثمانية وعشرين شهراً من الهجرة، فأرسله أيضاً، النبي ﷺ في سرية أخرى في مائة وسبعين راكباً وقد بلغه أن عيراً لقريش أقبلت من الشام وفيها أبو العاص ابن الربيع فسار إليهم زيد، وملك العير وعاد إلى المدينة، وذلك سنة ثمان من الهجرة ثم أرسله ﷺ في سرية إلى جذام في خمسمائة راكب، فغنم وعاد إلى النبي ﷺ بالغنائم، وذكر في "شرح ذات الشفاء" أن أم أيمن كانت سوداء لأنها من سبي الحبشة فزوجها ﷺ زيداً، وكان زيد أبيض فولدت له أسامة ﵁، فطعن المنافقون في نسب أسامة، وكان ﷺ يتشوش لذلك ودخل مجزر القايف على النبي ﷺ وزيد وأسامة تحت قطيفة وأرجلهم خارجة منها، فقال مجزر: هذه الأقدام بعضها من بعض. فانسر لذلك رسول الله ﷺ .

стр. 37

وعن أم أيمن قالت: كنت أحضن النبي ﷺ فغفلت عنه يوماً فلم أدر إلا بعبد المطلب قائماً على رأسي يقول: يا بركة، قلت لبيك، قال أتدرين أني وجدت النبي؟ قالت: لا أدري! قال: وجدته مع غلمان قريباً من السدرة، لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم، وقالت أم أيمن: ما رأيته ﷺ يشكو جوعاً ولا عطشا لا في صغره ولا في كبره، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغذاء فقال: أنا شبعان. وقيل: إن أم أيمن هاجرت في يوم حر شديد فأصابها عطش شديد، فتدلى لها دلو من السماء برشاء أبيض فشربت منه حتى رويت، قالت: فما أصابني عطش بعدها، ولو تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر. وكان في لسانها عسرة فكانت إذا دخلت على قوم قالت: سلام لا عليكم بدل سلام الله عليكم. فرخص لها ﷺ أن تقول: سلام عليكم. وقيل: إن أم أيمن هاجرت مع رقية بنت النبي ﷺ وهي زوجة عثمان ﵁ وذكر في "السيرة الحلبية" أن أم أيمن هاجرت الهجرتين. وكان ﷺ يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" وكان ﷺ يزورها في بيتها، وكذلك كان يفعل الصديق ﵁ وعمر ﵁ بعده ﷺ يزورانها في بيتها تعظيماً لها، ولما مات زوجها عبيد زوجها النبي ﷺ زيد بن حارثة. قيل: إن أناساً من كليب قدموا إلى الحج، فرآهم زيد وعرفوه، فقال لهم: أبلغوا أهلي هذه الأبيات: أحنُّ إلى قومٍ، وإن كنتُ نائياً ... فإنّي قعيدُ البيت عندَ المشاعرِ فكفّوا عن الوجدِ الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرضِ نصَّ الأباعرِ فإنّي بحمد الله في خير أسرةٍ ... كرامِ ومعدٍ كابراً عن أكابرِ فأعلموه أباه فقدم مع عمه إلى النبي ﷺ فسألاه فيه فقال ﷺ نخيره فإن اختاركم علي فهو لكم فخيره فاختار النبي ﷺ فقال له أبوه: ويحك يا زيد تختار العبودية على الحرية؟ فخرج ﷺ وجعل يدور به مجالس قريش ويقول: اشهدوا أن زيداً ابني وارثاً وموروثاً، فطابت نفس أبيه ودعي زيد من حينئذ ابن محمد، إلى أن جاء الإسلام، وأنزل قوله تعالى: (أدعوهم لآبائهم) فقيل: زيد بن حارثة. ويقال أنه أول من أسلم وشهد بدراً. وكان ﷺ يقول: "أحب الناس إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه" يعني بذلك زيداً، أنعم الله عليه بالإيمان، وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق، وقتل زيد ﵁ بأرض الشام. وقتل معه جعفر ﵁ فقال ﷺ : "أخواي ومؤنساي ومحدثاي" وعاشت أم أيمن بركة إلى خلافة عمر ﵁ سنة ثلاثة عشرة، وتوفيت أم أيمن بعد خلافة عمر ﵁ بعشرين يوماً، ودفنت بالمدينة المنورة، وتوفيت أم أيمن ﵂، على ما ذكر المؤرخون في خلافة الصديق ﵁ وذلك بعد وفاة فاطمة الزهراء ﵂. وذكر بعضهم أن أم أيمن كانت حاضنة النبي ﷺ لا مرضعته، لأنه لا يعرف لها ولد إلا أيمن وأسامة، إلا أن يقال أن لبنها در له صلى الله تعالى عليه وسلم، ويروى أن أم أيمن شربت بوله ﷺ ولم تشعر به لأنه لم يكن كالمعهود، ولما أخبرته ضحك ولم ينكر عليها. وقال لها: "أما والله لا تجعن بطنك أبدا" ويروى أن أم أيمن لما كانت غزوة أحد، وهي في المدينة، فلما هرب المسلمون ودخل المدينة طائفة منهم تلقتهم أم أيمن، وجعلت تحثو التراب في وجوههم، وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به، وهلم سيفك، ويروى أن أم أيمن كانت في الجيش تسقي الجرحى فرماها الحبان بن عرفة بسهم فأصابها، فشق ذلك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدفع إلى سعد سهماً لا نصل له وقال: ارم به فوقع السهم في نحر حبان، فوقع مستلقياً حتى بدت نواجذه ثم قال: "استقاد لها سعد أجاب الله دعوته". [١٦] الشّفّاء ﵂

стр. 38

أم عبد الرحمن بن عوف، وهي أول الناس إسلاماً بعد الصديق ﵂، فخديجة وعلي، ﵁ ومما يدل على ذلك حديثها أخرج أبو نعيم حديث الشفاء، قالت: لما ولد ﷺ وقع على يديه فاستهل فسمعت قائلاً يقول: رحمك الله ورحم بك. قالت الشفاء: وكنت جالسة عند آمنة، وأسمع كلام الهاتف، فأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى بعض قصور الروم، ثم أضجعته ﷺ فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة عن يميني، وسمعت قائلاً يقول: أين ذهبت به؟ قلت إلى المغرب: وأسفر ذلك عني، ثم عاودني عن يساري فسمعت قائلاً يقول أين ذهبت به؟ قلت إلى المشرق، قالت الشفاء ﵂: فلم يزل الحديث مني على بال حتى ابتعثه الله رسولاً فكنت في أول الناس إسلاماً. هكذا ذكر في "السيرة الحلبية" الشفاء بالفتح والتشديد، والكسر للفاء مخففاً، وروي في "شرح ذات الشفاء" في رواية: كانت عندها الشفاء أم عبد الرحمن ﵂، قالت: فوقع ﷺ لما ولد على يدي فاستهل، فسمعت قائلاً يقول: يرحمك الله أو يرحمك ربك، وفي رواية: أنه ﷺ عطس حين سقط فشمتته الملائكة. وقيل: إنه صلى الله تعالى عليه وسلم حمد الله بعد العطاس، وقال العلامة والحبر الفهامة السيوطي: لم أقف على حديث يدل على أنه عطس عند الولادة. وأما ما ذكرت آمنة من قولها: كنت وحدي حين أتاني الطلق فقد يجوز الجمع بين هذا وبين قول الشفاء، فإن كانت آمنة أول الطلق وحدها، ثم دخلت عليها الشفاء حين الوضع فرأت من كرامته صلى الله تعالى عليه وسلم ما رأت. الشفاء هي أم عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات المسلمين" توفي في سنة اثنين وثلاثين ولم أقف على عام وفاة أمه الشفاء والله أعلم. [١٧] ثويبة الإسلمية مولاة أبي لهب. قال ابن سيد الناس: أسلمت ثويبة ولم تهاجر ومن الناس من ينكر إسلامها، وقد ألف في إسلامها علاء الدين مغلطاي جزءاً ثم ذكر في سيرته: أن ابن حبان صحح حديثاً دل على إسلامها، وقد أثبت ابن منده إسلامها. وذكر في "الخصائص" أنه لم ترضعه ﷺ مرضعة إلا أسلمت، وكان إرضاعها له ﷺ بلبن ابن لها اسمه مسروح وقال جماعة بإسلامه، وقيل مات على الكفر، وقيل: قبل النبوة، وكانت أرضعت قبل النبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي ﷺ وكان أبو سفيان يألف النبي ﷺ قبل النبوة وعاداه بعدها وهجره وهجاه، ثم أسلم وعاد إلى مودته، ووقف مع النبي ﷺ المواقف العظيمة، ولما عاد أبو سفيان منهزماً يوم بدر لقيه عمه أبو لهب وقال له: ما وراءك؟ قال: البلايا والرزايا، ما هو إلا أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا يأسرون ويقتلون كما شاءوا ولما أسلم أبو سفيان قربه النبي ﷺ وأدناه لأنه ابن عمه، ولما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، رثاه أبو سفيان ابن الحرث فقال: أرقتُ فباتَ ليلي لا يزولُ ... وليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ وأسعدني البكاءُ وذاكَ فيما ... أصيبَ المسلمونَ بهِ قليلُ لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيلَ قد قبضَ الرسولُ وأضحت أرضنا ما عراها ... تكادُ بنا جوانبها تميلُ فقدنا الوحي والتنزيلَ فينا ... يروحُ به ويغدو جبرائيلُ وذاكَ أحقُّ ما سالت عليهِ ... نفوسُ النّاسِ أو كادت تسيلُ نبيٌّ كانَ يجلو الشّكَّ عنّا ... بما يوحى إليه وما يقولُ ويهدينا فلا يخشى علينا ... ضلالاً، والرسولُ لنا دليلُ أفاطمُ إن جزعتِ فذاكَ عذرٌ ... وإن لم تجزعي ذاك السّبيلُ فقبرُ أبيكِ سيّدُ كلِّ قبرٍ ... وفيه سيّدُ النّاسِ الرسولُ وتوفي أبو سفيان ﵁ سنة عشرين وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاع، وكان أولا صديقاً لرسول الله ثم عاداه، وهجاه، فأجابه حسان ﵁، بقوله: ألا بلّغ أبا سفيانَ عنّي ... مغلغلةً فقد برحَ الجفاءُ

стр. 39

هجوتَ محمداً فأجبت عنهُ ... وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ وكان قد قدم أبو سفيان ومعه ولده جعفر وعبد الله ابن عمته وهو أخو أم سلمة ﵂، في غزوة الفتح إلى عند النبي ﷺ فأعرض عنهم فقالت أم سلمة، ﵂: يا رسول الله لا يكون ابن عمك وأخو ابن عمك أشقى الناس بك، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أما ابن عمي فهو الذي هجاني، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال يعني قوله تعالى (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) ثم قدما مسلمين فقبل إسلامهما ورضي عنهما، وشهدا معه الفتح وحنين والطائف، ويروى أن أبا سفيان ما رفع رأسه إلى النبي حياء منه. ويروى عنه ﷺ أنه قال: "أبو سفيان من شباب أهل الجنة أو سيد فتيان الجنة" ويروى أن أبا سفيان حفر قبر نفسه قبل موته بثلاثة أيام وسبب موته أنه حج فلما حلق قطع الحلاق ثألولاً كان في رأسه، وتمرض ومات وصلى عليه عمر ودفن في دار عقيل، وكان ﷺ يقول فيه: "إني لأرجو أن يكون خلفاً من حمزة" وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أبو سفيان خير أهلي، أو من خير أهلي" ويروى أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: "هلمي فانظري إلى ابن عمتي الذي كان يهجو أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه" وكانت ثويبة أرضعت قبل النبي ﷺ أبا سفيان والحمزة ﵁ عم النبي ﷺ وكان أسن من النبي بسنتين أو بأربعة. ولما ولد سارت ثويبة إلى مولاها أبي لهب، وبشرته بولادة النبي المنتخب فأعتقها، وقد ذكرنا سابقا أن مما لا يجوز القول به لمخالفته القرآن من قال إنه يخفف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين أو ليلته وأما الرؤيا التي ذكرت عن العباس أنه رأى فيها أبا لهب بالمنام فسأله عن حاله فقال له يخفف عني العذاب كل ليلة اثنين وأمص من بين أصابعي ماء مثل هذا وأشار إلى نقرة إبهامه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة حين بشرتني بولادة محمد ﷺ ابن أخي وبإرضاعها له فهذا لا يقبل ومردود عليه لمخالفته ما جاء في قوله تعالى عن الكفار في النار (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) سورة البقرة. وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه إنما أعتقها لما هاجر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة، وكانت خديجة تكرمها، وطلبت من أبي لهب ابتياعها فأبى، فلما هاجر ﷺ أعتقها وكان ﷺ يبعث لها بصلة وكسوة، وهي بمكة. وجاء خبر موتها مرجعه من خيبر، سنة سبع من الهجرة، والله أعلم. [١٨] حليمة السعدية ﵂ بنت أبي ذؤيب السعدية، وزوجها الحارث وهي من بني سعد بن بكر ابن هوازن أدركت الإسلام وأسلمت هي وزوجها الحارث وبنوها: عبد الله والشيماء وأنيسة، قيل كان ﷺ جالساً على ثوب فأقبل أبوه من الرضاعة وهو الحارث فوضع له شق ثوبه، فقعد عليه، ثم: أقبلت أمه حليمة فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاع فقام وأجلسه مكانه، وقعد قبالته، وقيل: إن الحارث أسلم بعد وفاة رسول الله ﷺ وهذا غير صحيح، لأنه لما قدم مكة قبل الهجرة فأخبرته قريش بما يقوله النبي ﷺ فدخل عليه، فقال: أي بني إن قومك يشكونك ويزعمون أنك قلت: إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة أو نار فقال ﷺ : "نعم أنا أقول ذلك ولو كان ذلك اليوم فلآخذن بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم" فأسلم الحارث وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة.

стр. 40

ووفدت حليمة ﵂ على رسول ﷺ في أيام خديجة فأعطتها خديجة ﵂ عشرين رأساً من الغنم، وبكرات من الإبل، وفي رواية: أربعين شاة وبعيراً. ثم وفدت على رسول الله ﷺ يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه. قال القاضي عياض: وزارت أبا بكر، ﵁ ففعل كذلك وزارت عمر ﵁ وفعل مثل ذلك، والظاهر أنها توفيت قبل خلافة الصديق، ﵁ ولما سبيت أخته ﷺ من الرضاعة الشيماء يوم هوازن، فقالت لمن سباها: أنا أخت صاحبكم. فحملوها إليه ﷺ فقالت: يا رسول الله، أنا أختك. فقال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة منك في ظهري. فعرفها ﷺ فقام لها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت لها عيناه وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله: وأتى السبيُّ فيه أختُ رضاعِ ... وضعَ الكفرُ قدرها والسّباءُ بسطَ المصطفى لها من رداءٍ ... أي فضلٍ حواهُ ذاك الرداءُ وذكر الأموي في مغازيه عن حليمة، قالت: خرجت مع نسوة إلى مكة نريد الرضاع ومعي أتان ضعيف وشارف لنا لا ترض علينا بقطرة، وصبي لا ينام الليل من بكائه، فلما قدمنا مكة عرض علينا ﷺ فما منا امرأة قبلته، وكان أبوه قد مات، فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئاً، وقد أخذت صواحباتي، فقلت لزوجي: لأرجعن إلى ذلك اليتيم فآخذه، قال قد أصبت، عسى أن يجعل الله فيه خيراً. قالت حليمة: فانطلقت وأخذته في حجري، فدر ثديي عليه فشرب وشرب أخوه حتى رويا ثم ناما وقام زوجي من الليل إلى شارفنا فإذا قد حفلت قالت: فشرب وسقاني وقال: إني أرجو أن تكوني قد أصبت نسمة مباركة، قالت حليمة: ثم خرجنا فذهبت الأتان أمام الركب فقالوا: يا حليمة أليست الأتان التي نعرف؟ قلت بلى. فقدمنا بلادنا وهي مجدبة، فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فترجع أغنامهم جياعاً وترجع غنمنا شباعاً، فما كان في أرضنا من يشرب اللبن غيرنا، وذكر في بعض السير، قالت حليمة: لما بلغ ﷺ سنتين قدمنا به إلى أمه فلما نزل بها حتى قالت: ارجعا به. وذكر أن عبد المطلب خرج يلتمس له مرضعة فعثر بحليمة فدفعه إليها. وقيل: إن أتانها كانت تنطق وتقول إن شأناً ثم شأناً، وتسبق الركب وكان ﷺ حين بلغ ثمانية أشهر يتكلم بحيث يسمع كلامه، وفي تسعة أشهر تكلم بالكلام الفصيح، وفي عشرة أشهر، كان يرمي مع الصبيان، وعن ابن عباس ﵁ أن أول كلام تكلم به ﷺ حين فطمته حليمة: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وفي رواية: أنه تكلم ﷺ في بعض الليالي، وهو عند حليمة بقوله: لا إله إلا الله قدوساً نامت العيون، والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي رواية: أنه كان لا يمس شيئاً إلا قال: بسم الله. قالت حليمة: كان ينزل عليه كل يوم نور كنور الشمس ثم ينجلي عنه. وكان يشم من منازل سعد نسيم المسك، حين حصل فيهم وأخصبت أراضيهم، وكانت حليمة ترقصه بقولها: يا رب إذا أعطيتهُ فأبقهِ ... وأعلهِ إلى العلى ورقّهِ وادحض أباطيلَ العدا بحقّهِ وكانت أخته الشيماء ترقصه بقولها: هذا أخي ولم تلدهُ أمي ... وليس من أبي ونسل عميّ فديته من مخوّل معمِّ
следующие страницы →