← Тараджим

Тараджим · id 5455

الروضة الفيحاء في أعلام النساء

ياسين الخطيب

Полный текст (117 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جارية عبد الله والد النبي ﷺ كانت زوجة عبيد الحبشي، وولدت منه أيمن، أسلمت هي وولدها أيمن قديماً، وزوّجها النبي بعد ممات زوجها عبيد، بعد النبوة زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وإنما رغب فيها زيد لقوله ﷺ : "من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج بأم أيمن" فجاءت منه بأسامة، فكان يقول له الحب بن الحب. وقيل: إنه ﷺ أعتقها حين تزوج بخديجة، وزوجها عبيد الحبشي، وقيل: بل تزوجها قبل ذلك، وقيل: أعتقها عبد الله بعد موته، وورث معها خمسة جمال وقطعة غنم وهي من سبي الحبشة أصحاب الفيل، ولما تمرضت في الطريق آمنة أم رسول الله ﷺ وهي راجعة من المدينة كانت معها أم أيمن بركة فلما توفيت آمنة تولت حضانته ﷺ أم أيمن وجاءت إلى جده عبد المطلب بعد خمسة أيام. وذكر في "شرح ذات الشفاء": أن أم أيمن كانت بمكة فبلغها موت آمنة بالأبواء، فقدمت إلى الأبواء فاحتملته ﷺ والمشهور الأول، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" ولما كبر النبي ﷺ أعتقها، وهذا على خلاف ما تقدم من أن أباه عبد المطلب أعتقها، وزوجها ﷺ بمولاه زيد بن حارثة الطائي، وكان مولى لخديجة، ﵂، فوهبته لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبناه، وكان أول الموالي إسلاماً. وذكر في "السيرة الحلبية": ثم بعد إسلام علي، ﵁ أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ولما ظهر الإسلام وهاجر إلى المدينة، وأقام في المدينة، ﷺ أرسل زيداً في سرية ومعه مائة راكب، وكان قد بلغه ﷺ أن أبا سفيان وصفوان معهم عير كثيرة، فبعثه ﷺ لحربهم فأصاب عيرهم، وعاد زيد بالعير والغنيمة إلى النبي ﷺ فكان خمسها عشرين ألف درهم، وكانت على رأس ثمانية وعشرين شهراً من الهجرة، فأرسله أيضاً، النبي ﷺ في سرية أخرى في مائة وسبعين راكباً وقد بلغه أن عيراً لقريش أقبلت من الشام وفيها أبو العاص ابن الربيع فسار إليهم زيد، وملك العير وعاد إلى المدينة، وذلك سنة ثمان من الهجرة ثم أرسله ﷺ في سرية إلى جذام في خمسمائة راكب، فغنم وعاد إلى النبي ﷺ بالغنائم، وذكر في "شرح ذات الشفاء" أن أم أيمن كانت سوداء لأنها من سبي الحبشة فزوجها ﷺ زيداً، وكان زيد أبيض فولدت له أسامة ﵁، فطعن المنافقون في نسب أسامة، وكان ﷺ يتشوش لذلك ودخل مجزر القايف على النبي ﷺ وزيد وأسامة تحت قطيفة وأرجلهم خارجة منها، فقال مجزر: هذه الأقدام بعضها من بعض. فانسر لذلك رسول الله ﷺ .

стр. 37

وعن أم أيمن قالت: كنت أحضن النبي ﷺ فغفلت عنه يوماً فلم أدر إلا بعبد المطلب قائماً على رأسي يقول: يا بركة، قلت لبيك، قال أتدرين أني وجدت النبي؟ قالت: لا أدري! قال: وجدته مع غلمان قريباً من السدرة، لا تغفلي عن ابني، فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة، وأنا لا آمن عليه منهم، وقالت أم أيمن: ما رأيته ﷺ يشكو جوعاً ولا عطشا لا في صغره ولا في كبره، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغذاء فقال: أنا شبعان. وقيل: إن أم أيمن هاجرت في يوم حر شديد فأصابها عطش شديد، فتدلى لها دلو من السماء برشاء أبيض فشربت منه حتى رويت، قالت: فما أصابني عطش بعدها، ولو تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر. وكان في لسانها عسرة فكانت إذا دخلت على قوم قالت: سلام لا عليكم بدل سلام الله عليكم. فرخص لها ﷺ أن تقول: سلام عليكم. وقيل: إن أم أيمن هاجرت مع رقية بنت النبي ﷺ وهي زوجة عثمان ﵁ وذكر في "السيرة الحلبية" أن أم أيمن هاجرت الهجرتين. وكان ﷺ يقول: "أم أيمن أمي بعد أمي" وكان ﷺ يزورها في بيتها، وكذلك كان يفعل الصديق ﵁ وعمر ﵁ بعده ﷺ يزورانها في بيتها تعظيماً لها، ولما مات زوجها عبيد زوجها النبي ﷺ زيد بن حارثة. قيل: إن أناساً من كليب قدموا إلى الحج، فرآهم زيد وعرفوه، فقال لهم: أبلغوا أهلي هذه الأبيات: أحنُّ إلى قومٍ، وإن كنتُ نائياً ... فإنّي قعيدُ البيت عندَ المشاعرِ فكفّوا عن الوجدِ الذي قد شجاكم ... ولا تعملوا في الأرضِ نصَّ الأباعرِ فإنّي بحمد الله في خير أسرةٍ ... كرامِ ومعدٍ كابراً عن أكابرِ فأعلموه أباه فقدم مع عمه إلى النبي ﷺ فسألاه فيه فقال ﷺ نخيره فإن اختاركم علي فهو لكم فخيره فاختار النبي ﷺ فقال له أبوه: ويحك يا زيد تختار العبودية على الحرية؟ فخرج ﷺ وجعل يدور به مجالس قريش ويقول: اشهدوا أن زيداً ابني وارثاً وموروثاً، فطابت نفس أبيه ودعي زيد من حينئذ ابن محمد، إلى أن جاء الإسلام، وأنزل قوله تعالى: (أدعوهم لآبائهم) فقيل: زيد بن حارثة. ويقال أنه أول من أسلم وشهد بدراً. وكان ﷺ يقول: "أحب الناس إلي من أنعم الله عليه وأنعمت عليه" يعني بذلك زيداً، أنعم الله عليه بالإيمان، وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق، وقتل زيد ﵁ بأرض الشام. وقتل معه جعفر ﵁ فقال ﷺ : "أخواي ومؤنساي ومحدثاي" وعاشت أم أيمن بركة إلى خلافة عمر ﵁ سنة ثلاثة عشرة، وتوفيت أم أيمن بعد خلافة عمر ﵁ بعشرين يوماً، ودفنت بالمدينة المنورة، وتوفيت أم أيمن ﵂، على ما ذكر المؤرخون في خلافة الصديق ﵁ وذلك بعد وفاة فاطمة الزهراء ﵂. وذكر بعضهم أن أم أيمن كانت حاضنة النبي ﷺ لا مرضعته، لأنه لا يعرف لها ولد إلا أيمن وأسامة، إلا أن يقال أن لبنها در له صلى الله تعالى عليه وسلم، ويروى أن أم أيمن شربت بوله ﷺ ولم تشعر به لأنه لم يكن كالمعهود، ولما أخبرته ضحك ولم ينكر عليها. وقال لها: "أما والله لا تجعن بطنك أبدا" ويروى أن أم أيمن لما كانت غزوة أحد، وهي في المدينة، فلما هرب المسلمون ودخل المدينة طائفة منهم تلقتهم أم أيمن، وجعلت تحثو التراب في وجوههم، وتقول لبعضهم: هاك المغزل فاغزل به، وهلم سيفك، ويروى أن أم أيمن كانت في الجيش تسقي الجرحى فرماها الحبان بن عرفة بسهم فأصابها، فشق ذلك على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدفع إلى سعد سهماً لا نصل له وقال: ارم به فوقع السهم في نحر حبان، فوقع مستلقياً حتى بدت نواجذه ثم قال: "استقاد لها سعد أجاب الله دعوته". [١٦] الشّفّاء ﵂

стр. 38

أم عبد الرحمن بن عوف، وهي أول الناس إسلاماً بعد الصديق ﵂، فخديجة وعلي، ﵁ ومما يدل على ذلك حديثها أخرج أبو نعيم حديث الشفاء، قالت: لما ولد ﷺ وقع على يديه فاستهل فسمعت قائلاً يقول: رحمك الله ورحم بك. قالت الشفاء: وكنت جالسة عند آمنة، وأسمع كلام الهاتف، فأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى بعض قصور الروم، ثم أضجعته ﷺ فلم أنشب أن غشيتني ظلمة ورعب وقشعريرة عن يميني، وسمعت قائلاً يقول: أين ذهبت به؟ قلت إلى المغرب: وأسفر ذلك عني، ثم عاودني عن يساري فسمعت قائلاً يقول أين ذهبت به؟ قلت إلى المشرق، قالت الشفاء ﵂: فلم يزل الحديث مني على بال حتى ابتعثه الله رسولاً فكنت في أول الناس إسلاماً. هكذا ذكر في "السيرة الحلبية" الشفاء بالفتح والتشديد، والكسر للفاء مخففاً، وروي في "شرح ذات الشفاء" في رواية: كانت عندها الشفاء أم عبد الرحمن ﵂، قالت: فوقع ﷺ لما ولد على يدي فاستهل، فسمعت قائلاً يقول: يرحمك الله أو يرحمك ربك، وفي رواية: أنه ﷺ عطس حين سقط فشمتته الملائكة. وقيل: إنه صلى الله تعالى عليه وسلم حمد الله بعد العطاس، وقال العلامة والحبر الفهامة السيوطي: لم أقف على حديث يدل على أنه عطس عند الولادة. وأما ما ذكرت آمنة من قولها: كنت وحدي حين أتاني الطلق فقد يجوز الجمع بين هذا وبين قول الشفاء، فإن كانت آمنة أول الطلق وحدها، ثم دخلت عليها الشفاء حين الوضع فرأت من كرامته صلى الله تعالى عليه وسلم ما رأت. الشفاء هي أم عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عبد الرحمن بن عوف سيد من سادات المسلمين" توفي في سنة اثنين وثلاثين ولم أقف على عام وفاة أمه الشفاء والله أعلم. [١٧] ثويبة الإسلمية مولاة أبي لهب. قال ابن سيد الناس: أسلمت ثويبة ولم تهاجر ومن الناس من ينكر إسلامها، وقد ألف في إسلامها علاء الدين مغلطاي جزءاً ثم ذكر في سيرته: أن ابن حبان صحح حديثاً دل على إسلامها، وقد أثبت ابن منده إسلامها. وذكر في "الخصائص" أنه لم ترضعه ﷺ مرضعة إلا أسلمت، وكان إرضاعها له ﷺ بلبن ابن لها اسمه مسروح وقال جماعة بإسلامه، وقيل مات على الكفر، وقيل: قبل النبوة، وكانت أرضعت قبل النبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهو ابن عم النبي ﷺ وكان أبو سفيان يألف النبي ﷺ قبل النبوة وعاداه بعدها وهجره وهجاه، ثم أسلم وعاد إلى مودته، ووقف مع النبي ﷺ المواقف العظيمة، ولما عاد أبو سفيان منهزماً يوم بدر لقيه عمه أبو لهب وقال له: ما وراءك؟ قال: البلايا والرزايا، ما هو إلا أن لقينا القوم حتى منحناهم أكتافنا يأسرون ويقتلون كما شاءوا ولما أسلم أبو سفيان قربه النبي ﷺ وأدناه لأنه ابن عمه، ولما توفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، رثاه أبو سفيان ابن الحرث فقال: أرقتُ فباتَ ليلي لا يزولُ ... وليلُ أخي المصيبةِ فيه طولُ وأسعدني البكاءُ وذاكَ فيما ... أصيبَ المسلمونَ بهِ قليلُ لقد عظمت مصيبتنا وجلّت ... عشيّة قيلَ قد قبضَ الرسولُ وأضحت أرضنا ما عراها ... تكادُ بنا جوانبها تميلُ فقدنا الوحي والتنزيلَ فينا ... يروحُ به ويغدو جبرائيلُ وذاكَ أحقُّ ما سالت عليهِ ... نفوسُ النّاسِ أو كادت تسيلُ نبيٌّ كانَ يجلو الشّكَّ عنّا ... بما يوحى إليه وما يقولُ ويهدينا فلا يخشى علينا ... ضلالاً، والرسولُ لنا دليلُ أفاطمُ إن جزعتِ فذاكَ عذرٌ ... وإن لم تجزعي ذاك السّبيلُ فقبرُ أبيكِ سيّدُ كلِّ قبرٍ ... وفيه سيّدُ النّاسِ الرسولُ وتوفي أبو سفيان ﵁ سنة عشرين وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاع، وكان أولا صديقاً لرسول الله ثم عاداه، وهجاه، فأجابه حسان ﵁، بقوله: ألا بلّغ أبا سفيانَ عنّي ... مغلغلةً فقد برحَ الجفاءُ

стр. 39

هجوتَ محمداً فأجبت عنهُ ... وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ وكان قد قدم أبو سفيان ومعه ولده جعفر وعبد الله ابن عمته وهو أخو أم سلمة ﵂، في غزوة الفتح إلى عند النبي ﷺ فأعرض عنهم فقالت أم سلمة، ﵂: يا رسول الله لا يكون ابن عمك وأخو ابن عمك أشقى الناس بك، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أما ابن عمي فهو الذي هجاني، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال يعني قوله تعالى (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا) ثم قدما مسلمين فقبل إسلامهما ورضي عنهما، وشهدا معه الفتح وحنين والطائف، ويروى أن أبا سفيان ما رفع رأسه إلى النبي حياء منه. ويروى عنه ﷺ أنه قال: "أبو سفيان من شباب أهل الجنة أو سيد فتيان الجنة" ويروى أن أبا سفيان حفر قبر نفسه قبل موته بثلاثة أيام وسبب موته أنه حج فلما حلق قطع الحلاق ثألولاً كان في رأسه، وتمرض ومات وصلى عليه عمر ودفن في دار عقيل، وكان ﷺ يقول فيه: "إني لأرجو أن يكون خلفاً من حمزة" وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أبو سفيان خير أهلي، أو من خير أهلي" ويروى أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: "هلمي فانظري إلى ابن عمتي الذي كان يهجو أول من يدخل المسجد وآخر من يخرج منه" وكانت ثويبة أرضعت قبل النبي ﷺ أبا سفيان والحمزة ﵁ عم النبي ﷺ وكان أسن من النبي بسنتين أو بأربعة. ولما ولد سارت ثويبة إلى مولاها أبي لهب، وبشرته بولادة النبي المنتخب فأعتقها، وقد ذكرنا سابقا أن مما لا يجوز القول به لمخالفته القرآن من قال إنه يخفف العذاب عن أبي لهب كل يوم اثنين أو ليلته وأما الرؤيا التي ذكرت عن العباس أنه رأى فيها أبا لهب بالمنام فسأله عن حاله فقال له يخفف عني العذاب كل ليلة اثنين وأمص من بين أصابعي ماء مثل هذا وأشار إلى نقرة إبهامه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة حين بشرتني بولادة محمد ﷺ ابن أخي وبإرضاعها له فهذا لا يقبل ومردود عليه لمخالفته ما جاء في قوله تعالى عن الكفار في النار (فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) سورة البقرة. وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه إنما أعتقها لما هاجر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى المدينة، وكانت خديجة تكرمها، وطلبت من أبي لهب ابتياعها فأبى، فلما هاجر ﷺ أعتقها وكان ﷺ يبعث لها بصلة وكسوة، وهي بمكة. وجاء خبر موتها مرجعه من خيبر، سنة سبع من الهجرة، والله أعلم. [١٨] حليمة السعدية ﵂ بنت أبي ذؤيب السعدية، وزوجها الحارث وهي من بني سعد بن بكر ابن هوازن أدركت الإسلام وأسلمت هي وزوجها الحارث وبنوها: عبد الله والشيماء وأنيسة، قيل كان ﷺ جالساً على ثوب فأقبل أبوه من الرضاعة وهو الحارث فوضع له شق ثوبه، فقعد عليه، ثم: أقبلت أمه حليمة فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاع فقام وأجلسه مكانه، وقعد قبالته، وقيل: إن الحارث أسلم بعد وفاة رسول الله ﷺ وهذا غير صحيح، لأنه لما قدم مكة قبل الهجرة فأخبرته قريش بما يقوله النبي ﷺ فدخل عليه، فقال: أي بني إن قومك يشكونك ويزعمون أنك قلت: إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة أو نار فقال ﷺ : "نعم أنا أقول ذلك ولو كان ذلك اليوم فلآخذن بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم" فأسلم الحارث وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة.

стр. 40

ووفدت حليمة ﵂ على رسول ﷺ في أيام خديجة فأعطتها خديجة ﵂ عشرين رأساً من الغنم، وبكرات من الإبل، وفي رواية: أربعين شاة وبعيراً. ثم وفدت على رسول الله ﷺ يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه. قال القاضي عياض: وزارت أبا بكر، ﵁ ففعل كذلك وزارت عمر ﵁ وفعل مثل ذلك، والظاهر أنها توفيت قبل خلافة الصديق، ﵁ ولما سبيت أخته ﷺ من الرضاعة الشيماء يوم هوازن، فقالت لمن سباها: أنا أخت صاحبكم. فحملوها إليه ﷺ فقالت: يا رسول الله، أنا أختك. فقال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة منك في ظهري. فعرفها ﷺ فقام لها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت لها عيناه وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله: وأتى السبيُّ فيه أختُ رضاعِ ... وضعَ الكفرُ قدرها والسّباءُ بسطَ المصطفى لها من رداءٍ ... أي فضلٍ حواهُ ذاك الرداءُ وذكر الأموي في مغازيه عن حليمة، قالت: خرجت مع نسوة إلى مكة نريد الرضاع ومعي أتان ضعيف وشارف لنا لا ترض علينا بقطرة، وصبي لا ينام الليل من بكائه، فلما قدمنا مكة عرض علينا ﷺ فما منا امرأة قبلته، وكان أبوه قد مات، فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئاً، وقد أخذت صواحباتي، فقلت لزوجي: لأرجعن إلى ذلك اليتيم فآخذه، قال قد أصبت، عسى أن يجعل الله فيه خيراً. قالت حليمة: فانطلقت وأخذته في حجري، فدر ثديي عليه فشرب وشرب أخوه حتى رويا ثم ناما وقام زوجي من الليل إلى شارفنا فإذا قد حفلت قالت: فشرب وسقاني وقال: إني أرجو أن تكوني قد أصبت نسمة مباركة، قالت حليمة: ثم خرجنا فذهبت الأتان أمام الركب فقالوا: يا حليمة أليست الأتان التي نعرف؟ قلت بلى. فقدمنا بلادنا وهي مجدبة، فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فترجع أغنامهم جياعاً وترجع غنمنا شباعاً، فما كان في أرضنا من يشرب اللبن غيرنا، وذكر في بعض السير، قالت حليمة: لما بلغ ﷺ سنتين قدمنا به إلى أمه فلما نزل بها حتى قالت: ارجعا به. وذكر أن عبد المطلب خرج يلتمس له مرضعة فعثر بحليمة فدفعه إليها. وقيل: إن أتانها كانت تنطق وتقول إن شأناً ثم شأناً، وتسبق الركب وكان ﷺ حين بلغ ثمانية أشهر يتكلم بحيث يسمع كلامه، وفي تسعة أشهر تكلم بالكلام الفصيح، وفي عشرة أشهر، كان يرمي مع الصبيان، وعن ابن عباس ﵁ أن أول كلام تكلم به ﷺ حين فطمته حليمة: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وفي رواية: أنه تكلم ﷺ في بعض الليالي، وهو عند حليمة بقوله: لا إله إلا الله قدوساً نامت العيون، والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي رواية: أنه كان لا يمس شيئاً إلا قال: بسم الله. قالت حليمة: كان ينزل عليه كل يوم نور كنور الشمس ثم ينجلي عنه. وكان يشم من منازل سعد نسيم المسك، حين حصل فيهم وأخصبت أراضيهم، وكانت حليمة ترقصه بقولها: يا رب إذا أعطيتهُ فأبقهِ ... وأعلهِ إلى العلى ورقّهِ وادحض أباطيلَ العدا بحقّهِ وكانت أخته الشيماء ترقصه بقولها: هذا أخي ولم تلدهُ أمي ... وليس من أبي ونسل عميّ فديته من مخوّل معمِّ

стр. 41

وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه ﷺ لما بلغ سنتين خرج مع أخيه من الرضاع عبد الله بن حليمة إلى المرعى، وقيل: يلعبان خلف البيت، وذلك بعد ما ذهبت به حليمة إلى أمه آمنة وعادت به خوفاً عليه من وباء مكة ووخمها، فرجعت به حليمة إلى منازلها، فبينما هو يلعب مع أخيه إذ جاء أخوه يشتد فقال: أدركا أخي فقد جاء رجلان فأضجعاه فشقا بطنه، قالت حليمة: فخرجنا حتى انتهينا فوجدناه قائماً، فقلنا ما لك؟ فقال ﷺ : جاءني رجلان فشقا بطني واستخرجا قلبي قالت حليمة: فقال لي زوجي: أرى الغلام قد عرض فلو رددناه قبل أن يظهر به إلى أمه، قالت حليمة: فرددناه إلى أمه، فقالت ما بالكما، قد كنتما ضنين به وإن لكما شأناً، فأخبرناها فقالت: أتخوفتما عليه؟ والله إن لابني هذا شأناً، وأخبرتهما ببعض ما رأت من، وقال أنس ﵁: كنت أرى الخيط في صدره ﷺ وقال ابن عباس ﵄ رجع ﷺ إلى أمه وهو ابن خمس سنين وقال غيره: وهو ابن أربع سنين. وقال الواقدي ست سنين، وفي رواية: أن نفراً من الحبشة رأوه ﷺ مع حليمة، وكان لهم علم من الكتاب فأرادوا حمله إلى ملكهم، فما زالت بهم حتى تكفوا عنه. وذكر في "شرح ذات الشفاء" أن شق صدره ﷺ تكرر ثلاث مرات: إحداهما عند حليمة، والثانية عند مجيء جبرائيل له بالوحي في غار حراء، والثالثة ليلة الإسراء غسل بماء زمزم، وقيل: تكرر أربع مرات، وقيل: خمس مرات. وأعلم أنه يجب الإيمان بشق صدره ﷺ وإخراج القلب وطرح العلقة منه، وإن كان خارقاً للعادة والقدرة صالحة لذلك والأحاديث فيه مشهورة. وذكر في "المصابيح" عن قتادة عن أنس ابن مالك، ﵁، أن رسول الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: "بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضجعاً إذ أتاني آت، فشق ما بين هذه إلى هذه يعني: من ثغرة نحره إلى شعرته فاستخرج قلبه، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيماناً، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد وفي رواية: ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ إيماناً وحكمة" الحديث وقد سبق الكلام عن وفاة حليمة، والله أعلم. [١٩] عاتكة عمة النبي ﷺ بنت عبد المطلب، هي عمة رسول الله ﷺ شقيقة أبيه عبد الله وعمه أبي طالب، والزبير، وعبد الكعبة، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائد بنت عمران بنت مخزوم، وتزوج عاتكة أبو أمية بن المغيرة، فولدت له عبد الله وزهيرا واختلف في إسلامها، وأشعارها تدل على إسلامها وتصديقها برسالة ابن أخيها ﷺ ومن قولها: فهلاَّ صبرتم للنبيِّ محمّدٍ ... ببدر، ومن يغشى الوغى حق صابرِ ولم ترجعوا عن مرهفاتٍ، كأنّها ... حريقٌ بأيدي المؤمنين بواترِ ووليّتم نفراً وما البطلُ الذي ... يقاتلُ من وقعِ السيوفِ بنافرِ أتاكم بما جاءَ النّبيونَ قبلهُ ... وما ابن أخي البرّ الصّدوق بشاعرِ ومن قولها: وقلتم، ولم أكذب، كذبتِ، وإنّما ... يكذبني بالصدقِ وهو كاذبُ فما بالُ قتلى في القليب ومثلهم ... لدى ابن أخي أسرى له ما تضاربُ أكانوا نساءً أم أتى بنفوسهم ... من الله حين ساقَ والحينُ جالبُ فكيف رأى عندَ اللّقاءِ محمّداً ... بنو عمّهِ والحربُ فيها التجاربُ ألم يغشهم ضرباً يحارُ لوقعهِ ... الجبانُ وتبدو بالنّهارِ الكواكبُ

стр. 42

وعاتكة هي التي رأت الرؤيا قبل وقعة بدر الكبرى، وأخبرت بها العباس ﵁ وذلك أنها رأت راكبا أقبل على بعير له فوقف بالأبطح فنادى: انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث، صرخ بها ثلاث مرات، فاجتمع الناس إليه. ثم مثل لها على هيئة أبي قبيس راكباً بعيره فصرخ مثل الأولى ورمى بصخرة فتكسرت، فما بقي بيت ولا دار إلا ودخلتها منها فلقة، فسمعت قريش بمنام عاتكة فقال أبو جهل: ما رضوا بكذب الدجال، جاءونا بكذب النساء، فأنكر العباس المنام. فلما كان اليوم الثالث دخل ضمضم وهو ينادي: الغوث، الغوث، وأخبرهم بخر العير فخرجت أشراف قريش، وتخلف أبو لهب خوفاً من رؤيا عاتكة، وأرسل مكانه العاص بن هشام استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه ديناً، وقيل: إنها كانت ربا، وقيل: قماراً، فصدق الله تعالى رؤيا عاتكة، وذلك في وقعة بدر. [٢٠] البيضاء بنت عبد المطلب هي البيضاء بيت عبد المطلب عمة النبي ﷺ وهي توأمة عبد الله والد النبي ﷺ وكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، فولدت له عامراً وبناتا، ولما توفي أخوها أبو طالب رثته فقالت: يا عينُ جودي لأبي طالبٍ ... منكِ بدمعٍ دائمٍ ساكبِ وابكي أخا الجودِ ومأوى الندى ... ومنتهى السائلِ والراغبِ والفارسِ المقدامِ عندَ الوغى ... في الجحفل المستهلك الحاربِ وهي طويلة جداً، ولم أطلع على عام وفاتها والله تعالى بذلك أعلم. [٢١] أروى بنت عبد المطلب، عمه النبي ﷺ هي شقيقة الأولين وقيل، شقيقة الحارث، أمها صفية بنت جندب، واختلف في إسلامها، وذكرها بعضهم في الصحابة، وأبى ذلك غيرهم وأما الذي صرح في إسلامها، أبو جعفر العقيلي، وكانت أروى تحت عمير بن وهب بن عبد مناف بن قصي، فولدت له طليباً ﵁ ولما كبر طليب أسلم في دار الأرقم، ثم دخل على أمه وأخبرها بإسلامه، فقالت: إن الحق ما ازورت وعاضدت ابن خالك، ولو قدرنا على ما تقدر عليه الرجال لذببنا عنه ومنعناه، فقال طليب ﵁: فما لك لا تسلمين وقد أسلم أخوك حمزة؟ فقالت: أنظر ما تصنع أخواتي فأكون إحداهن! فقال لها: أسألك بالله إلا أسلمت وشهدت برسالته فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. وكانت بعد ذلك تحضن ابنها على نضرة رسول الله ﷺ وحسن إسلامها ثم مات عمير بن وهب عنها قبل ما أسلمت، وتزوجها كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي. [٢٢] برة بنت عبد المطلب، شقيقة عبد الله والد النبي ﷺ لم يسمع لها ذكر في الإسلام، كانت تحت أبي رهم بن عبد العزي، فمات وتزوجها عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقيل: إنه كان قبل أبي رهم فمات وتزوجها أبو رهم، والله أعلم. [٢٣] أميمة بنت عبد المطلب، شقيقة عبد الله والد النبي ﷺ وكانت تحت جحش بن رئاب الأسدي، فولدت له عبد الله، وعبيد الله وزينب ﵂ أم المؤمنين، وكانت عند زيد، وهي التي ذكرها الله في القرآن العظيم (فلما قضى زيداً منها وطراً زوجناكها) فتزوجها، ﷺ ومن أولاد أميمة، أبو أحمد، وحمنة، وأم حبيبة، وكلهم هاجر وأسلم إلا عبيد الله غضب الله عليه وارتد، نعوذ بالله ومات كافراً ( ... ) . [٢٤] صفية ﵂

стр. 43

بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ وهي شقيقة حمزة، ﵁ أمها هالة بنت وهيب عم آمنة أم النبي ﷺ أسلمت صفية ﵂ ولا خلاف في إسلامها، وكانت في الجاهلية عند الحارث بن حرب بن أمية فهلك عنها فتزوجها العوام بن خويلد فولدت له السائب وعبد الكعبة والزبير ﵁ ثم أسلمت وهاجرت، وكانت حازمة ذات قوة وشجاعة، وكانت مع النساء في وقعة الأحزاب في أطم ومعهن حسان بن ثابت ﵁ فإذا بيهودي يطوف بالأطم فقالت لحسان: انزل فاقتله، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، ما لي بهذا من حاجة، فأخذت صفية ﵂ عموداً ونزلت إليه وقتلته ثم قالت لحسان: انزل وخذ سلبه فما منعني من سلبه إلا أنه رجل فقال: لا حاجة لي بسلبه، وكان حسان شجاعاً فيما تقدم ثم أصابته ضربة على رأسه أضرت دماغه، وتولد له من تلك الضربة نوع من الجبن، وعاشت صفية إلى خلافة عمر ﵁ وتوفيت سنة عشرين ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة، ودفنت بالبقيع، ومن شعرها ترثي النبي ﷺ . ألا يا رسولَ اللهِ كنتَ رجاءنا ... وكنتَ بنا براً ولمْ تكُ جافيا وكنتَ رحيماً هادياً ومعلِّماً ... لبيكِ عليكَ اليوم منْ كانَ باكيا كأنَّ على قلبي لذكر محمَّدٍ ... وما خفتُ من بعدِ النبيِّ المكاويا لعمركَ ما أبكي النبيَّ لفقده ... ولكنْ لما أخشى من الهرج آتيا أفاطمَ صلّى الله ربُّ محمَّدٍ ... على جدثٍ أمسى بيثربَ ثاويا فدىً لرسول الله أمَّي وخالتي ... وعمِّي وآبائي ونفسي وماليا صدقتَ وبلغتَ الرسالةَ صادقاً ... ومتَّ صليبَ العودِ أبلجَ صافيا فلو أنَّ ربَّ الناسِ أبقى محمَّداً ... سعدنا، لكنَّ أمره كان ماضياً عليكَ منَ اللهِ السلامُ تحيَّةً ... وأدخلت جنَّاتٍ من العدنِ راضياً أرى حسناً أيتمته وتركته ... يبكي ويدعو جدّه اليوم نائيا [٢٥] خديجة الكبرى ﵂ أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى [بن] قصي، وأمها: فاطمة بنت زائدة بن الأصم، كانت تدعى بالجاهلية الطاهرة، تزوجها ﷺ وهي أم أولاده كلهم إلا ابراهيم، وكانت خديجة ﵂ قبل [رسول الله ﷺ ] عند أبي هالة بن زرارة بن نباش التميمي، ثم خلف عليها عتيق بن عابد بن عمرو بن مخزوم، وكانت خديجة ﵂ أول الخلق على الإطلاق إسلاماً بعد البعثة، وذكر في "الجامع الصغير" عنه صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه قال: "أجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوصتين"، وقيل: إن أبا طالب قال لخديجة: هل لك أن تستأجري محمداً، وقد استأجرت فلاناً ببكرتين ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات؟ فقالت": لو سألت لبعيد بغيض فكيف وقد سألت لحبيب قريب؟ فرضيت خديجة واستأجرته ﷺ وأرسلته مع عبدها ميسرة إلى سوق حباشة، وهو بأرض اليمن على ست ليال من مكة، فابتاع منه بزاً، ورجعا فربحا ربحاً حسناً، وأرسلته في الثانية إلى إسلام مع مسيرة، فابتاعا وربحا وعادا، فقال مسيرة للنبي ﷺ : هل لك أن تسبقني إلى خديجة فتخبرها بالذي جرى فلعلها تزيدك بكرة إلى بكراتك، فركب ﷺ وتقدم ودخل معه في الظهيرة، وخديجة في غرفتها مع نساء، فرأته حين دخل وملكان يظلانه، فأرته نساءها فعجبت من ذلك، فأخبرها بما ربحوا فسرت، وقالت: عجل إلى ميسرة ليعجل وصعدت إلى الغرفة فرأته، ﷺ على الحالة الأولى، فلما دخل ميسرة أخبرته خديجة بما رأت، فقال لها ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بقول نسطور لما رآه نزل تحت [شجرة مخصوصة] فقال: هذا آخر الأنبياء. وقال النيسابوري: لما رأى الراهب الغمامة تظله دنا إلى النبي وقبل رأسه وقدمه، وقال: آمنت بك، فلما سمعت خديجة ذلك حدثت ابن عمها ورقة بن نوفل بذلك، فقال لها: إن كان حقاً ما ذكرت فمحمد نبي هذه الأمة المنتظر.

стр. 44

وذكر في "شرح ذات الشفاء": أن خديجة كانت من أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً وأكثرهن مالاً وأحسنهن جمالاً، فخطبوها فأبت، وأرسلت إلى النبي ﷺ دسيسة امرأة تقول: ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال والجمال والشرف ألا تجيب؟ قال: ومن هي؟ قالت: خديجة. قال: ومن لي بذلك؟ فقالت: المرأة: بلى، أنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، وذكر ذلك النبي ﷺ لأعمامه، فخرج معه حمزة ﵁ حتى دخل على أبيها فخطبها فأجاب. وأصدقها عشرين بكرة، وحضر أبو بكر ﵁ ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس، ثم عن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به، فإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من مالي كذا، وهو والله بعد هذا له بناء عظيم، وخطر جليل. وقيل: أصدقها اثنتي عشرة أوقية ذهباً، ونصف أوقية، وكانت أقل أوقية إذ ذاك أربعين درهماً. وقيل: إن والمزوج لها عمها عمرو بن أسد، وإنه قال لما خطبها عمه: هذا الفحل لا يقرع أنفه، أي لا يضرب أنفه؛ لأن الفحل الخسيس يضرب على أنفه ليرتدع عنة الناقة الكريمة، وقيل: إن المزوج لها أخوها عمرو، وقيل: إن أباها كان يرغب عنه فلما سكر خطبت منه فزوجها، ثم صحا فأنكر ذلك، ثم رضيه وأمضاه، وقيل: إن أختها عرضتها عليه ﷺ وعمره خمس وعشرون سنة، وقيل: ست وعشرون، وقيل: إحدى وعشرون، وقيل: ثلاثون سنة، وكانت خديجة ﵂ بنت أربعين سنة، وقيل: خمس وأربعين، وقيل: ثلاثين، وقيل ثمان وعشرين، وقيل: خمس وثلاثون، وقيل: خمس وعشرين، وكان تزوجه بها، ﷺ في صفر، بعد رجوعه بشهرين وخمسة وعشرين عاماً. ولما بعث ﷺ جاءه جبرائيل بقوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) قيل: أتاه جبرائيل ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له برسالة يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان فجاءه جبرائيل في حراء، وإليه أشار الصرصري بقوله: وأنتَ عليهِ أربعونَ فأشرقتْ ... شمسُ الرِّسالةِ منهُ في رمضانِ وذكر في كتاب "التبيين": أنه ﷺ أخبر خديجة فقالت: أبشر يا محمد، وقيل: يا ابن عم فإني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما رأى وما سمع، فقال: قدوس قدوس، والذي نفسي بيده لئن صدقت ياخديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت. فأخبرته بما أخبرها ورقة فسري عنه ﷺ بعض ما هو فيه من الهم، ثم لقيه بالطوق، فاستخبره فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء لموسى، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصراً تعلمه، ثم أدنى رأسه فقبل يأفوخه فانصرف رسول الله ﷺ وقيل في رواية: إن خديجة ﵂ قالت: أبشر يا رسول الله، فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. وفي رواية: إنها ذهبت إلى عداس، وكان نصرانياً من أهل نينوى، قالت: يا عداس، أذكرك الله إلا ما أخبرتني، هل عندكم علم من جبرائيل؟ فقال عداس: قدوس قدوس، هو أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى، وفي رواية: أنها كتبت إلى بحيري تسأله عن ذلك وعن جبرائيل فقال: قدوس قدوس يا سيدة قريش أنى لك بهذا الاسم؟ إنه السفير بين الله وبين أنبيائه وروي عنه ﷺ أنه قال: "لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين لأنه آمن بي وصدقني". وجزم ابن كثير بإسلامه. وقال البلقيني: إنه أول من آمن من الرجال. وكذا قال الحافظ العراقي. ونقل الثعلبي المفسر اتفاق العلماء على أن خديجة أول من أسلم. قال النووي: إنه الصواب وتبعه ابن الأثير.

стр. 45

وتوفيت خديجة ﵂ بعدما أقامت مع رسول الله ﷺ أربعاً وعشرين سنة ولم يتزوج حتى توفيت، وكانت وفاتها في رمضان، وهي بقنت خمس وستين سنة، ودفنت بالحجون، ونزل ﷺ في حفرتها. وزعم ابن إسحاق أنها توفيت بعد الإسراء بعد أن صلت الفريضة مع رسول الله ﷺ ودفنت بالحجون، ولم تكن صلاة الجنازة. وبعد ستة أشهر مات أبو طالب، مات كافراً، وصرح بهذه العبارة أبو حنيفة ﵁ في "الفقه الأكبر" وسبق حديث: "أنه سينتفع شفاعتي فيوضع في نار قليلة". وقيل: إن خديجة ﵂، توفيت بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة، وقيل: قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يوماً. قال ﷺ : "خير النساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد". وعن عائشة، ﵂، قالت: كان لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها، فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً، فقد بدلك الله خيراً منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: "لا والله ما أبدلاني خيراً منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبوني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً غذ حرمني أولاد النساء" فقلت في نفسي: لا اذكرها بسبة، وكان ﷺ يكرم صويحباتها بعدها، فيقول: "هذه كانت تأتينا أيام خديجة، وهذه كانت من صواحبها". وروي أن جبرائيل ﵇ قال لرسول الله ﷺ : أقرئ خديجة عن الله وعني السلام. قال الجاحظ بن حجر: أفضل أمهات المؤمنين: خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة، وقال ﷺ : "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: مريم وآسية وخديجة، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وقال الإمام الأعظم: إن عائشة بعد خديجة الكبرى أفضل نساء العالمين. وذكر في "شرح الجوهرة" عن أبي هريرة ﵁: "خير نساء العالمين أربع: "ريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، امرأة فرعون، وخديجة وفاطمة". وصح من حديث ابن عباس: "أفضل نساء الجنة: خديجة وفاطمة ومريم وآسية". وذكر الكرماني في أول شرحه البخاري: أن خديجة وعائشة سواء: وذكر في "كشف الأسرار" قال ﷺ : "شارطت ربي أن لا أتزوج إلا من تكون معي في الجنة" ولأجل ذلك حرمت نساؤه علينا، فلأنهن لو تزوجن لكان في ذلك إيذاء للنبي، ﷺ وتركاً لمراعاة حقه وحرمته قال تعالى: (لستن كأحد من النساء) وقال النيسابوري: إنما سمى نساءه أمهاتنا ولم يسمه أباً لأنه لو سماه أبا لكان يحرم عليه نكاح أولاده. [٢٦] سودة ﵂ بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك، وأمها من بني النجار، وهي أم المؤمنين، أسلمت قديماً وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها السكران بن عمرو، ثم قدمت معه مكة فمات زوجها، فخلف عليها رسول الله ﷺ وكبرت عنده فهم بطلاقها، فقالت: دعني في أزواجك وأنت في حل من شأني، وقد وهبت يومي لعائشة فكان ﷺ يقسم لعائشة يومين: وكان، ﷺ قد تزوجها قريباً من تزوجه بعائشة ﵂ وقيل: إن في سودة ﵂ نزلت هذه الآية: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً) ولما تزوجها ﷺ كان أخوها عبد الله في الحج، فلما قدم جعل يحثو على رأسه التراب، فلما أسلم كان يقول: لعمرك إني لسفيه، كيف أحثو التراب على رأسي؟ ولما توفيت خديجة ﵂ جاءت خولة بنت حكيم زوجة عثمان بن مظعون إليه ﷺ فقالت: ألا تتزوج؟ قال: "بمن؟ " قال: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً قال: "من البكر ومن الثيب؟ " فقالت: أما البكر فعائشة ﵂ وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك، قال: "فاذهبي فاخطبيها". فدخلت خولة على سودة وخطبتها بعد أن خطبت عائشة ﵂ وتزوج ﷺ بسودة قريباً من تزوجه بعائشة. وذكر في "البستان": أنه ﷺ تزوج بسودة بمكة قبل عائشة ﵂.

стр. 46

وقال في "شرح الجوهرة": زوجاته ﷺ أفضل النساء، وهذا هو الصحيح. وتوفيت أم المؤمنين سودة في آخر خلافة عمر ﵁ والله أعلم. [٢٧] عائشة ﵂ أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق ﵁ ذكرنا حديث خولة لما قالت له ﷺ : ألا تتزوج؟ فقال: "بمن؟ " فذكرت عائشة وسودة، فقال: "اذهبي فاخطبيهما". فدخلت خولة على أم رومان زوجة الصديق. فقالت: أبشرى بالخير والكرامة. فأخبرتها الخبر. فشاورت الصديق: فقال: هي بنت أخيه فإن تصلح له زوجتها منه. فقال ﷺ : "هو أخي وأنا أخوه، وابنته تصلح لي فزوجه إياها". وذكر في "مختصر ابن الوردي": أنه ﷺ تزوج بعائشة ﵂ قبل الهجرة بعد وفاة خديجة ودخل بها الهجرة بثمانية أشهر، وهي بنت تسع سنين، وتوفي النبي ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة، وذكر أنه تزوج بها بمكة.

стр. 47

وفي كتاب "الدر المكنون": أنه ﷺ دخل بعائشة ﵂ في شوال في السنة الثانية بعد وقعة بدر الكبرى، فإن غزوة بدر كانت في رمضان، ودخل بها ﷺ وهي بنت تسع سنوات وروى البخاري عنى عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال لها: "أريتك في النوم مرتين أرى ملكاً يحملك في سرقة أي: شقة حرير فيقول: هذه امرأتك، فأكشف فأراك، فأقول: إن كان [هذا] من عند الله فيمضه". ولم يتزوج رسول الله بكراً غيرها، وبعد أن نبي بها ﷺ بأربعة أشهر ونصف، دخل علي رضي الله [عنه] بفاطمة، ﵂، وذكر في "شرح ذات الشفاء": أنه ﷺ تزوجها قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث بعد موت خديجة ﵂ قبل سودة، وقيل: بعدها وهي بنت ست سنين أو سبع، وبنى عليها بالمدينة، وهي بنت تسع سنين وأصدقها أربعمائة درهم، وكان ﷺ قد رأى صورتها في المنام في حريرة، ومكثت عنده تسع سنين، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة، ولم يتزوج بكراً غيرها، وكانت أحب الناس إليه، قال عمرو بن العاص: قلت: يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: "عائشة". قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها". قال عروة رضي الله [عنه] : ما رأيت أعلم بفقه ولا شعر ولا طب من عائشة ﵂. وكانت تكنى بأم عبد الله، وهو عبد الله بن أسماء أختها، وكان رسول الله ﷺ قد كناها بأم عبد الله في حجة الوداع. ويقال: إنها أتت منه ﷺ بسقط وسمي عبد الله. وقال الدمياطي: لم يثبت هذا. وفي "المعالم": قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد السفر أقرع بين أزواجه أيتهن خرج سهمها خرج بها، ولما كانت غزوة بني المصطلق [في ال] سنة السادسة أقرع بيننا فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ فكنت أحمل في هودج حتى إذا فرغ من غزوته وقفل، [و] دنونا من المدينة فقمت حين رحلوا وجاوزت الجيش فلما قضيت حاجتي عدت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع قد انقطع، فعدت ورأيته، وكان الرهط الذين يرحلونني احتملوا هودجي على بعيري ورحلوا يحسبون أني فيه، ولما وجدت عقدي عدت فلم أر أحداً فجلست ونمت وكان صفوان بن معطل قد عرس من وراء الجيش فأدلج، وأصبح عند منزلي. فعرفني فخمرت وجهي، والله ما كلمني بكلمة ولا سمعت غير استرجاعه، وأناخ ناقته فركبتها، وانطلق يقود زمامها حتى أتينا الجيش في الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي [ابن] سلول. قالت: فقدمنا المدينة فاشتكيت شهراً والناس يفيضون بقول أصحاب الإفك ولا أعرف منه شيئاً، حتى نقهت فخرجت مع أم مسطح لقضاء حاجتي، وعدنا فعثرت أم مسطح [في مرطها] ، فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: تسببن من شهد بدراً؟ فقالت: أو ما سمعت ما قال؟ وأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي، ودخلت بيتي، ودخل علي ﷺ فقلت له: أتأذن لي أن آتى أبوي؟ فأذن، فسرت إلى أمي، وقلت لها: ماذا يتحدث الناس؟ قالت: هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها [و] لها ضرائر إلا كثرن عليها، فقلت: أوقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة وأصبحت لا يرقأ لي دمع، فدعا ﷺ علياً وأسامة يستشيرهما في فراقي، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وقال علي: ﵁: لم يضيق الله عليك، والنساء كثيرة فأسأل الجارية تصدقك. فدعا النبي ﷺ بريرة فقال: أي بريرة! هل رأيت من شيء يربيك؟ قالت: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام ﷺ وصعد المنبر وقال: "يا معشر المسلمين من [يعذرني من] رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا الخير". فقام سعد بن معاذ فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس أضرب عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقال له سيد الخزرج سعد بن عبادة: كذبت! لا تقتله ولا تقدر على قتله! فقام أسيد بن حضير وقال لسعد بن عبادة: كذبت أنت، لنقتلنه، وإنك منافق تجادل عنى المنافقين! فثارت الأوس والخزرج وهموا بالقتال ورسول الله على المنبر، ثم أسكتهم، فبكيت

стр. 48

يومي كله فكان يوماً وليلتين، فقدمت علي امرأة من الأنصار وجلست تبكي معي، فدخل علي ﷺ وجلس ولم يكن عندي منذ قيل ما قيل، ولبث الوحي شهراً، فتشهد ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري [الله] وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف [بذنبه] ، ثم تاب، تناب الله عليه" فقلت لأبي أجب رسول الله، فقال: إني والله لا أدري ما أقول. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله فيما قال، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله، فقلت: إني جارية حديثة السن لا أقرأ القرآن كثيراً. إني والله، لقد علمت أنكم قد سمعتم هذا الحديث، واستق في أنفسكم، وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئة منه لا تصدقوني لئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: (فصبر جميل) ثم تحولت ونمت على فراشي، فوالله ما رام رسول الله مجلسه ولا خرج أحد حتى أنزل الله عليه الوحي، فسري عن رسول الله ونهو يضحك، وقال: "يا عائشة أما والله فقد براك الله" فقالت أمي: قومي إليه! فقلت: والله لا أقوم إليه. ولا أحمد إلا الله، وأنزل الله: (أظن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) وهي عشر آيات. وذكر في "المدارك في تفسير القرآن" في براءة عائشة ﵂ قوله: ولم يغلظ الله في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة، فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وما ذاك إلا لأمر. قال ابن عباس ﵁: من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة ﵂ وهذا منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك، ولقد برأ الله أربعة بأربعة، برأ يوسف ﵇ بشاهد من أهلها، وبرأ موسى ﵇ من قول اليهودي فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها عيسى قال: (إني عبد الله) وبرأ عائشة ﵂ بالآي العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين [تبرئة] أولئك، وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ . وذكر في "شرح الجوهرة": قد أجمع المسلمون على حرمة سب آل بيته ﷺ وأزواجه وأصحابه وتنقيصهم، وذكر في "المدارك" في تفسير سورة النور قوله: وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح، وامرأة لوط، ولم يجز أن تكون فاجرة لأن النبي المبعوث ليدعو إلى الإيمان فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه، والكفر غير منفر عندهم، وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات، وفي "شرح الجوهرة" هل حد النبي ﷺ أهل الإفك؟ نعم، بعد نزول البراءة حد رجلين: حسان ومسطح، وامرأة هي حمنة أخت زينب بنت جحش، وقيل: حد ابن سلول، والأصح أنه لم يحده لأنه ليس أهلاً الكفارة، [و] لأنه من المنافقين. وذكر "أهل السير": لما دخلت [ال?] سنة الحادية عشرة ليلة الأربعاء، وبدأ المرض به ﷺ قالت عائشة ﵂ وكان ﷺ في البقيع وعاد [ف] وجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وارأسي. فقال: ﷺ "بل وارأساه، وما يضرك لو مت قبلي، قمت عليك، وكفنتك وصليت عليك ودفنتك"، قالت عائشة: فقلت: واثكلاه والله إنك لتحب موتي، فلو كان ذلك لظللت يومك معرساً ببعض أزواجك! فتبسم، ﷺ فقال: "بل وأنا وارأساه" وتمرض رسول الله ﷺ وصار يدور على نسائه فاشتد به المرض عند ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي فأذن له، وصار يقول وزهو عند ميمونة: "أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ " يريد يوم عائشة ﵂ وتوفي ﷺ وهو في بيت عائشة ﵂. وذكر أصحاب التاريخ والسير: أنه ﷺ قال يوماً لزوجاته: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها، وعن شمالها قتلى كثيرة وتنجو بعدما كادت". وقال ﷺ لعلي، ﵁: "سيكون بينك وبين عائشة أمر قال: فأنا أشقاهما يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فازددها إلى مأمنها".

стр. 49

ولما كانت سنة ست وثلاثين كانت وقعة الجمل وسببها، لما بويع علي ﵁ بالخلافة ندم طلحة ﵁ والزبير ﵁ على خذلان عثمان ﵁ فاجتمعوا واتفقوا مع عائشة ﵂، واشتروا لها جملاً، وحملوها وساروا إلى البصرة فنزلوا على بعض المياه فنبحت الكلاب، فقالت عائشة: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوأب، فتذكرت الحديث السابق، قالت: ما أظنني إلا راجعة، ثم ساروا بها، فلما تلاقى العسكران واقتتلوا وقتل طلحة ﵁ وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفاً وعقروا جمل عائشة ﵂ واحتملها محمد إلى عند علي ﵁ فلم يعنفها، وتذكر الحديث فأرجعها إلى مأمنها_ انتهى. وفي سنة سبع وخمسين توفيت أم المؤمنين عائشة ﵂ تزوجها ﷺ بكراً، وكانت أحب الناس إليه، وكانت من أعلم الناس، ودفنت بالبقيع والله أعلم. [٢٨] حفصة ﵂ أم المؤمنين بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهي شقيقة عبد الله، أمها زينب بنت مظعون، تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث على راس ثلاثين شهراً من الهجرة، وقيل: سنة لاثنتين، وكانت قبله عند خميس بن حذافة ﵁ فمات بجراحات أصابته في بدر، وكانت ولادة حفصة قبل النبوة بخمس سنين، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: لما تأيمت حفصة من خنيس لقيت عثمان ﵁ بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في ذلك، فليثبت ليالي، فلقيني فقال: ما أريد أن أتزوج يومي هذا، قال عمر ﵁ فلقيت أبا بكر له فقلت له ما قلت لعثمان، فلم يرجع علي شيئاً، فكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي فخطبها ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين لم أرجع عليك شيئاً؟ فقلت: نعم. قال: ذاك لأني سمعت رسول الله [صلى الله] عليه وسلم، يذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، فلو تركها لنكحتها، أخرجه البخاري، كذا في كتاب "شرح ذات الشفا" وذكر في "المعالم". قالت عائشة ﵂: كان ﷺ يحب الحلواء ويحب العسل، وكان ذا صلى العصر دخل على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسلاً، فسقت رسول الله ﷺ [منها] شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة وقلت: إذا دخل عليك رسول الله فقولي له: أكلت مغافير؟ فإن قال لا، فقولي له: ما هذه الريح. ثم قلت لصفية كذلك، فلما دخل ﷺ على سودة قالت له: أكلت مغافير؟ قال: لا. قالت. فما بال هذه الريح؟ قال ﷺ : سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جرست نحلة العرفط فلما دخل علي ﷺ قلت له مثل ذلك، فلما دخل علي صفية قالت له مثل ذلك. فلما دخل على حفصة قالت له: ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي به.

стр. 50

مغافير: صمغ العوسج، له رائحة كريهة، وحرم [على نفسه] ﷺ العسل، فأنزل الله تعالى عليه: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك) وذكر في "شرح ذات الشفا" أنه ﷺ شرب عسلاً عند زينب بنت جحش، فغارت حفصة وعائشة، وقالتا له: أكلت مغافير؟ وفي "المعالم": كان ﷺ يقسط بين نسائه. فلما كان يوم حفصة ﵂ استأذنت في زيارة أبيها فأذن لها. فلما خرجت دعا ﷺ جاريته مارية وأدخلها بيت حفصة وواقعها، فعادت حفصة ووجدت الباب مغلقاً فجلست تبكي، فخرج ﷺ فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: إنما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي ثم واقعتها في يومي على فراشي! فقال لها: "اسكتي فهي علي حرام فلا تخبري بهذا امرأة منهن" فلما خرج ﷺ أخبرت حفصة عائشة ﵂ أنه ﷺ حرم على نفسه مارية، وذلك قوله تعالى: (وغذ اسر النبي إلى بعض أزواجه) إلى قوله تعالى: (.. أظهره الله) فعند ذلك طلق حفصة ﵂ فلما بلغ عمر ﵁ قال: لو كان خيراً في آل الخطاب ما طلقك رسول الله ﷺ فجاءه جبرائيل وأمره بمراجعتها، وذكر في "شرح ذات الشفاء": أن حفصة ﵂ لما عادت من عند أبيها أبصرت مارية في بيتها مع النبي ﷺ فلم تدخل حتى خرجت مارية ثم دخلت وقالت له: إني رأيت من كان معك في البيت، وغضبت وبكت وقالت: يا رسول الله في يومي وفي بيتي وعلى فراشي جئت إلي بشيء ما جئت به إلى أحد من أزواجك؟ ورأى الغيرة في وجهها، فقال: اسكتي فهي علي حرام، ابتغي بذلك رضاك، ثم أخبرها بخلافة أبيها بعد أبى بكر ﵁ واستكتمها ذلك، فأخبرت به عائشة ﵂ فقالت: أراحنا الله من مارية، وقصت عليها القصة. فغضب حين أطلعه الله على ذلك، ونزلت: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) وطلقها طلقة رجعية جبرائيل وأمره بمراجعتها، وقال: إنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة. وقيل: إن سبب نزول الآية ما ذكره في "المعالم": حين حرم على نفسه العسل. وفي رواية: أن عمر، ﵁، لما سمع غضب النبي على حفصة وطلاقها حثا على رأسه التراب، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، فجاء جبرائيل من الغد، فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر، وقيل: إنه لم يطلقها ولكنه هم بطلاقها. وتوفيت حفصة، ﵂ في شعبان سنة خمس وأربعين بالمدينة، وعمرها ثلاث وستون سنة. وصلى عليها مروان بن الحكم، أمير المدينة يومئذ، وحمل سريرها، وحمله أبو هريرة، ودفنت بالمدينة، وقيل: توفيت سنة إحدى وأربعين لما بويع معاوية بالخلافة، والله أعلم. [٢٩] أم حبيبة ﵂

стр. 51

بنت [صخري أبي سفيان بن حرب تزوجها رسول الله، ﷺ سنة سبع، وأسلمت قديماً وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الهجرة الثانية فولدت له حبيبة، وبها كانت تكنى وهي ربيبة رسول الله ﷺ ، كانت في حجره، وتنصر عبيد الله وتثبتت على الإسلام، وبانت منه وهلك بأرض الحبشة فتزوجها ﷺ وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار. وذكر في كتب التواريخ: أنه ﷺ تزوجها سنة ست وبنى بها سنة سبع، وذكر في "شرح ذات الشفاء: أنه لما ارتد عبيد الله وبانت منه أم حبيبة، أرسل النبي ﷺ إلى الحبشة يخطبها وأرسل كتاباً إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم، على يد جعفر بعد أن سأل عنه القسوس والرهبان، فقالوا: إنا نجده في التوراة والإنجيل وهو الذي بشر به المسيح، واسلم النجاشي أصحمة، وهو ملك الحبشة ثم كتب له ﷺ أن يزوجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مع المهاجرين عنده فزوجه بها وأعطاها الصداق عنه ﷺ وكان الذي أرسله ﷺ إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري افتتاح سنة سبع ليزوجه بأم حبيبة، فأرسل النجاشي إليها جاريته تخطبها فقالت: بشرك الله بالحير، فوكلت [خالد] بن سعيد، وأعطت الجارية سوارين وخلخالين وخواتم فضة، وخطب النجاشي على أصحاب رسول الله خطبةً بليغةً حين العقد، وقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله هو، وأن محمداً رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم ﵇، أما بعد: فإن رسول الله كتب إلى أن زوجة أم حبيبة، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله، وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فقال خالد بن سعيد وكيلهما: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا لله، وأن محمداً عبده ورسوله وأرسله بالهدي ودين الحق ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة فبارك الله له فيها وقيض خالد الدنانير وأحضر النجاشي الطعام فأكلوا وقيل إنه ولي تزويجها من رسول الله عثمان بن عفان، وبعث رسول الله شرحبيل بن حسنة فجاءه بها، وأرسلت نساء النجاشي إلى أم حبيبة ﵂، العطر والطيب، وأعادت الجارية عليها ما أعطتاه إياه أم حبيبة رضي لله عنها بأمر النجاشي، وقالت: سلمي لي عليه ففعلت أم حبيبة، ﵂ وذلك ورد، ﷺ ﵍، وقدم جعفر، رضي اله عنه من الحبشة ومعه أصحاب رسول الله ﷺ وأم حبيبة ﵂ وصحبته الأشعريون والدوسيون، وسمعوا أنه ﷺ في خيبر فوافوه هناك، ولما أقبل جعفر ﵁ قام له النبي ﷺ وقبل بين عينيه واعتنقه، ولما رآه جعفر حجل إليه، وأي مشى على رجلٍ واحدة إعظاماً له، لأن الحبشة يفعلون ذلك التعظيم، وقال النبي، ﷺ والله ما أدري بأيهما أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر، وكان معه اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام أصحاب رهبنة وصوامع فقرأ عليهم (سورة يس) فبكوا واسلموا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، ﵇ وكان ﷺ يخدمهم بنفسه لإكرامهم أصحابه، وكان أبو هريرة ﵁ وقومه في جملة القادمين، وهم ثمانون بيتاً، وقدمت معهم أم حبيبة ﵂ ومكان أبو سفيان مشركاً فأخبر بذلك فقال: ذاك الفحل لا يقرع أنه، وأصل هذا المثل أن الفحل من الإبل إذا أراد ضرب الناقة الكريمة إن كان كرماً لا يقرع أنفه، وإن كان لئيماً قرع أنفه بالعصا ورد عنها، وأم حبيبة ﵂ عمة عثمان بن عفان ﵄ وقيل: وإن أبا سفيان دخل يوماً على أم حبيبة، ﵂، وهو مشرك وعمد ليجلس على فراش رسول الله فقامت أم حبيبة ورفعت الفراش حتى لا يجلس عليه فقال لها أبو سفيان: لم رفعت الفراش، علمت أني لا أجلس عليه؟ فقالت: ورب محمد ما رفعته إلا مخافة ينجس لأنك مشرك بالله، فيكف أمكنك أن تجلس على فراش جلس عليه رسول الله ﷺ ولكن اجلس على الأرض فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ففرح بذلك وأحبها، وذكر في السيرة، قالت عائشة ﵂: دعتني أم

стр. 52

حبيبة ﵂ عند موتها فقالت: قد كاد يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، وتوفيت سنة أربع وأربعين ف خلافة معاوية ﵁ وروي عن علي بن الحسين بن علي ﵃ قال: حفرت ناحيةً من منزلي في دار جدي علي بن أبي طالب فأخرجنا منه حجراً، فإذا فيه مكتوب، هذا قبر رملة أم المؤمنين بنت صخر، فأعدناه مكانه، وكذا في كتب التواريخ والسير والله تعالى بذلك أعلم توفيت سنة ٤٣. [٣٠] أم سلمة هند ﵂ أم المؤمنين بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقيل: اسمها رملة وأبوها أبو أمية أحد أجواد العرب، وكان يسمى زاد الراكب لأنه كان يغني رفيقه في السفر عن الزاد، وكانت أم سلمة عند أبي سلمة بن عبد الأسد، وهما أو لن هاجر إلى الحبشة، وثم قدما إلى المدينة المنورة وتوفي أبو سلمة سنة ثلاث، وترك من الأولاد سلمة وعمرو وزينب ودرة وأم كلثوم، ولما خطبها، ﷺ قالت: إني امرأة غيراء ولي صبية، وقد دخلت في السن وليس أحد من، ليائي حاضراً، فقال ﷺ : أما الصبية فلهم الله ورسوله، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما السن فأنا أسن منك، وأما أولياؤك فليس فيهم من يكره ذلك. فتزوجها ﷺ فكانت من أفضل نسائه، تزوجها النبي ﷺ سنة أربع قيل: إن زوجها أبا سلمة لما مات قال: اللهم اخلفني في أهلي بخير، فخلفه رسول الله ﷺ وذكر في "حاشية الأشباه للحموي" روى الطبراني "في الكبير" و"الأوسط" عن أم سلمة ﵂ ولفظه: قلت: يا رسول الله، المرأة تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة، في الدنيا ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها منهم؟ قال: "يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقاً فتقول: أي رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقاً فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة"، وذكر في السيرة لما تزوجها النبي ﷺ أسكنها بيت زوجته أم المساكين، وكانت قد توفيت قال أم سلمة ﵂ فوجدت جرة من شعيرٍ، ورحى، وبرمة، وقدراً، وكعباً أي ضرفاً من أديم، فطحنت الِعير ثم عصدته في البرمة وأدمته من الكعب فكان ذلك طعام رسول الله وطعام ليلة عرسه، وتوفيت أم سلمة رضي اله عنها سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين، وقيل: سنة إحدى وستين، وقيل: اثنتين وستين، وعمرها أربع وثمانون سنة، وصلى عليا أبو هريرة ﵁ وقيل: سعيد بن زيد، ودخل قبرها ابناها وعبد الله بن ونهب بن زمعة وهي آخر من مات من نسائه ﷺ ودفنت بالبقيع ﵂. [٣١] أم المؤمنين زينب ﵂ بنت جحش بن رئاب بن يعمر، أمها أميمة بنت عبد الطلب عمة رسول الله ﷺ كانت من المهاجرات، وكانت امرأة قصيرة، وكانت تكنى أم الحكم، ولما خطبها رسول الله ﷺ لمولاه زيد بن حارثة رأى منها ومن أهلها كراهة، ثم رضوا لرضا لله ورسوله بذلك، وذكر في "شرح ذات الشفاء": إن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى من آل قضاعة، وأمه قد ذهبت إلى زيارة أخواله فمر به ناسٌ من العرب فسبوه وباعوه في سوق عكاظ فاشتراه حكيم بن حزام لعتمته خديجة ﵂ فوهبته لرسول الله ﷺ وكان أكبر منه بعشر سنين، ولما فقده حارثة قال يرثيه شعراً: بكيتُ على زيدٍ ولم أدرِ ما فعلْ ... أحيٌ يرجى أمْ أتى دونه الأجلُ فواللهِ ما أدري، وإنْ كنتُ سائلاً ... أغالكَ سهلُ الأرضِ أم غالك الجبلُ تذكرنيه الشَّمسُ عند طلوعها ... وتعرضُ ذكراهُ إذا قاربَ الطفلُ إذا هبتِ الأرواحُ هيجنَ ذكرهَ ... فيا طولَ ما حزني عليهِ ويا وجل

стр. 53

وتبناه رسول الله ﷺ وكان يقال له، حبُّ رسول لله لقوله ﷺ "أحب الناسِ إليَّ من أنعمَ اله عليهِ وأنعمتُ عليه" يعني زيداً، وزوجه أولاً رسول الله ﷺ أمته أم أيمن فولدت أسامة، ولما توفيت أم أيمن زوجه ﷺ بزينب بنت عمته، وروى أنس: أن رسول الله ﷺ قال لزيد: اذكرها علي، قال: فذهب إليها فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله [أرسل] يذكرك، فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن "فلمّا قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها". وفي "المعالم": أن النبي ﷺ كان قد اشترى زيداً وأعتقه وتبناه، ولما خطب له زينب ظنت أنه خطبها لنفسه، فلما علمت [أنه يخطبها] لزيد أبت، وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول اله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة، فيها حدة وكبرة، وكذلك [كره] أخوها عبد الله، فأنزل الله تعالى قوله: (وما كان مؤمنٍ) يعني عبد الله بن جحش، (ولا مؤمنةٍ) يعني زينب، (إذا قضى الله ورسوله أمراً) وهو نكاح زيدٌ، (أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فلما سمعا ذلك رضيا، وجعلت أمرها بيد رسول الله فأنكحها زيداً، وساق رسول الله مهرها عشرة دنانير وستين درهماً، وخماراً، ودرعاً، وإزاراً، وملحفةً، وخمسين مداً من طعام، وثلاثين صاعاً من تمر، ودخل عليها منها شيء، قال: لا والله يا رسول الله، وما رأت منها إلا خيراً، ولكنها تتعظم علي لشرفها، وتؤذيني بلسانها، فقال له رسول الله، أمسك عليك زوجك، واتق الله، ثم طلقها زيدٌ فنزل جبرائيل بقوله تعالى: (وإذْ تقولُ للذي أنعم اللهُ عليهِ) بالإسلام، و (أنعمتَ عليهِ) بالعتق (أمسكْ عليك زوجكَ واتقِ الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه) إلى (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكهما) فتزوجها ﷺ سنة خمس وأولم عليها بشاةٍ، وقال انس ﵁ كانت زينب تفخر على زوجات النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبعه سماوتٍ، وقال أيضاً: ما أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، أطعمهم خبزاً ولحماً حتى تركوه، وقالت عائشة ﵂: كانت زينب هي التي تساميني من أزواج النبي، فعصمها الله بالورع ولم أر امرأة أكثر خيراً، وصدقة، وأوصل رحماً، وأبذل نفساً، في كل شي تتقرب إلى اله تعالى، من زينب ويروي: أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁ "إن زينب أواهةٌ" فقال رجلٌ: ما الأواه يا رسول الله؟ فقال: "الخاشع المتضرع" وقالت عائشة رذي الله عنها: قال ﷺ يوماً لنسائه: "أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً" قالت: فكنا نتطاول بعده في الحائط، حتى توفيت زينب ﵂، ولم تكن أطول يداً، فعرفنا أنه أراد بطول اليد الصدفة وكانت تعمل بيدها، أي الدبغ، وتتصدق، وعن برزة بنت رافع قالت: لما جاء العطاء بعث عمر، ﵁ إلى زينب بالذي لها، قالت: غفر الله لعمر غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، قالوا: هذا كله لك؟ قالت: سبحان الله، واستمرت دونه بثوبٍ، وقالت: صبوه واطرحوه عليه ثوباً ففعلوا فقالت: ادخلي يدك واقبضي قبضة لآل فلان فقسمته حتى بقيت منه بقية، فقلت: غفر الله لك، ولقد كان لنا حظٌ في هذا المال، قالت: فلكم ما تحت الثوب فعرفناه فوجدناه خمس وثمانين درهماً ثم رفعت يدها فقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت في عامها، ولما تزوج ﷺ بزينب، قال المنافقون: تزوج محمد زوجة ابنه، فأنزل الله قوله تعالى: (ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم) وقيل: قوله تعالى: (ادعوهمْ لآبائهم..) فكان يقولون زيد بن حارقة، كذا في السيرة وقال النووي: أجع أهل السير على أن زينب أول من مات من نسائه، ﷺ وقيل: إن سودة ماتت قبلها وذكر في الكتاب "الدر المكنون": كانت تفخر على نساء النبي ﷺ تقول: أنا خيرهن منكحاً، وأكرمهن سفيراً، زوجني الله من فوق سبع سماوات وكان السفير بذلك جبرائيل، وأنا ابنة عمة النبي ﷺ وليس من نسائه قريبة غيري، وذكر الفقيه أبو الليث في كتابه "البستان" إن زينب بنت جحش كانت امرأة [زيد] ابن حارثة ويقال لها: أم المساكين لسخاوتها، وهي أول

стр. 54

من مات من نسائه ﷺ بعده، وتوفيت زينب رضي لله عنها سنة عشرين عام فتحت مصر، وقيل: سنة إحدى وعشرين ولها من العمر ثلاث وخمسون سنة، وقيل: إنها غير أم المساكين كما مر، والله أعلم. [٣٢] أم المؤمنين صفية ﵂ بنت حيي بن أخطب سيد بن النضير، قتله النبي ﷺ مع بني قريظة، وسبى صفية يوم خيبر، وكانت عند إسلام بن مشكم، وكان شاعراً ثم خلف عليها كنانة بن [الربيع بن] أبي الحقيق، وكان أيضاً شاعراً، وكان، اسمها زينب فلما تزوجها ﷺ سماها صفية، ولما توجه النبي ﷺ إلى فتح خيبر فابتدأ بحصون النطاة، وفتح منها حصن ناعم ثم حصن الصعب، وثم حصن قلة ثم حصن القموص ومنه سبيت صفية ثم حصن الوطيح، وثم حصن السالم، ولما جمع السبي جاء دحية الله عنه فقال: أعطني جارية من السبي: فقال له ﷺ "اذهب فخذ جارية" فذهب وأخذ صفية، فقيل: يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير فما تصلح إلا لك! فقال ﷺ خذ غيرها، واصطفاها ﷺ لنفسه، ثم أعتقها، وجعل عتقها صداقها، وحجبا وألم عليها بتمر وسويق وقسم لها وصارت إحدى أمهات المؤمنين، وذلك في سنة سبع وذكر في "شرح ذات الشفاء" أنه ﷺ دخل يوماً على صفية وهي تبكي فقال: مالك؟ قالت: عائشة وحفصة تنالان منين وتقولان: نحن خير منك، نحن بنات عم رسول الله وأزواجه، فقال لها: "ألا قلت لهما كيف تكن خيراً مني وأبي هارون وعمي موسى ووجي محمد" وكانت ﵂ عاقلة، فاضلة، حليمة، وذكر في المصابيح قال أنس رضي الله قد بلغ صفية أن حفصة، ﵂ قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ ، وهي تبكي فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي ﷺ "إنك لابنة نبي أي إسحاق ﵇ وإن عملك لنبي يعني إسماعيل ﵇ وإنك لتحت نبي فبم تفخر عليك" ثم قال: اتقي الله يا حفصة. ومن كمال فضلها ما ذكره أهل السير، أن جارية لها جاءت لعمر، ﵁، فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث إليها عمر ﵂ فسألها، فقالت: أما السبت فإني لا أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً فأنا أصلها، ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت، قالت: الشيطان، قالت: اذهبي فأنت حرة، وعن جابر ﵁: أن النبي ﷺ أتى بصفية يوم خيبر وقد قتل أبوها وزوجها، فقال لبلال: خذ بيد صفية فأخذ بيدها بين القتلى، فكره ذلك رسول الله ﷺ حتى رؤى في وجهه، ثم قام فدخل عليها فنزعت شيئاً تحتها فألقته لرسول الله ﷺ اصطفاها ﷺ لنفسه فأسلمت وأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وذكر في "شرح ذات الشفاء" ن صفية ﵂ كان اسمها زينب، فلما صارت من صفي رسول اله سميت صفية، والصفي ما كان يصطفيه لنفسه ﷺ من الغنيمة قبل أن تقسم ويروى أنه ﷺ رأى في وجهها أثراً فسألها عنه، فقالت: رأيت أن القمر دفع في حجري، فذكرت لأبي أو لزوجي كنانة، فضرب وجهي ضربة أثرت فيه ذلك الأثر، وقال: لتمدن عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب. وتوفيت صفية ﵂ في شهر رمضان سنة خمس وخمسين، أو اثنتين وخمسين في خلافة معاوية ﵁ ودفنت بالبقيع، وتركت مالاً قيمته ألف درهم من أرض وعرض، وأوصت لابن أختها، وقيل: ابن أخيها، وكان يهودياً، بثلاثين ألفاً أو بثلث ما تركت. [٣٣] أم المؤمنين جويرية ﵂

стр. 55

اسمها برة بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقي، تزوجها ﷺ سنة ست وقيل: سنة خمس، وكانت قبله عند مسافع بن صفوان المصطلقي، فسباها ﷺ في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبته على نفسها، فأدى ﷺ كتابتها وتزوجها وذكر في كتاب "الدر المكنون" أن غزوة بني المصطلق كانت سنة ست، وممن سبي منهم: برة بنت الحارث فوقعت في سهم ثابت، فطلب منها الفدية تسع أواقٍ من الذهب، فجاءت برة إلى النبي ﷺ وقالت: إني أسلمت، وإن برة بنت الحارث سيد قومه، وكاتبني ثابت على ما لا أطيقه، وإني رجوتك فأعني، فقال لها: أو خير من ذلك؟ قالت: ما هو؟ قال: أودي عنك كابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت فأرسل النبي ﷺ إلى ثابت فطلبها منه، فقال: وهي لك يا رسول الله، فأدى رسول الله ﷺ ما كان كاتبها عليه وتزوجها ﷺ وهي بنت عشرين، وسماها جويرية وذكر في "شرح ذات الشقاء" قالت عائشة ﵂: كانت جويرية عليها ملاحة وحلاوة ولا يكاد يراها أحد إلا أحبها ووقعت فينفسه، فأتت رسول الله تسعينه فيكاتبها، فوالله ما هو إلا أن رايتها على باب الحجرة فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت. فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه، وقد أصابني من الأمر ما لم يخف عليك، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي وجئتك أستعينك! فقال لها: "فهل لك في خير من ذلك" قالت: وما هو يا رسول الله، قال: "أقضي كنابك وأتزوجك" قالت: نعم، قال: "قد فعلت" وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ توج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: صهراء رسول الله يسترقون؟ فأعتقوا ما بأيديهم من سبايا بني المصطلق فلا يعلم امرأة كانت أعظم بركة منها على قومها، وروي عنها أنها قالت: دخل على رسول الله ﷺ وأتنا اسبح ثم انطلق لحاجته ورجع قريباً من نصف النهار فقال: "ما زلت على الحالة التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم، فقال: ألا أعلمك كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه، وسبحان الله وبحمده رضا نفسه، سبحان الله وبحمده زنة عرشه، وسبحان الله وبحمده مداد كلماته، ثلاث مرات" أخرجه مسلم، وتوفيت جويرية ﵂ سنة خمسين، وهي بنت ست وستين سنة، وقيل: ماتت سنة ست وخمسين، وقد بلغت سبعين، وقيل: خمس وستين، وروي: أنه اشتراها من ثابت وأعتقها وتزوجها، وأصدقها أربعمائة درهم. [٣٤] أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث بن حزن من بني هلال، وذكر في "شرح ذات لشفاء": قال أبو عبيدة ري الله عنه: لما فرغ ﷺ من خيبر توجه إلى مكة معتمراً سنة سبع، وقدم عليه م الحبشة جعفر ﵁ فبعثه إلى ميمونة فخطبها فجعلت أمرها إلى العباس ﵁ فزوجها برسول الله ﷺ ونى بها بسرف وقيل: إنها بلغها خطبة النبي ﷺ لها وهي على بعير فقالت: البعير وما عليه لله ورسوله، فأنزل الله (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي وقيل: إن التي وهبت تنفسها للنبي أم شريك غزية بنت دودان، والصحيح أنه لم يدخلا بها. وذكر في "المعالم" في تفسير قوله تعالى: (وامرأة مؤمنةً إن وهبت نفسها للنبي) قال الشعبي: هي أم المساكين زينب بنت خزيمة الهلالية، وقال قتادة: وهي ميمونة بنت الحارث، وقال الضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد، وقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم. وتوفيت ميمونة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس ﵄ ابن أختهما لبابة الكبرى أم الفضل، والله أعلم. [٣٥] أم المؤمنين زينب ﵂

стр. 56

أم المساكين بنت خزيمة القيسية الهلالية تزوجها ﷺ على رأس واحد وثلاثين شهراً من الهجرة قبل غزو أحد بشهر، وكانت تحت الطفيل بن الحارث، فطلقها فتزوجها أخوه عبيدة، فقتل يوم بدر شهيداً، فخطبها رسول الله ﷺ فجعلت أمرها إليه فتزوجها ﷺ وأصدها اثنتي عشرة أوقية، وقيل في رواية: إنها كانت تحت عبد الله بن جحش، فقتل عنها يوم أحد فتزوجها ﷺ هكذا في ذكر المواهب وهو الأصح، وكذا في السيرة الحلبية وهي أخت ميمونة ﵂ لأمها مكثت عنده ﷺ ثمانية اشهر وقيل شهرين: [وتوفيت] وقيل: ثلاثة، وذكر في "الحلبية" إنها سميت أم المساكين لأنها كانت تلاحظهم وتعط عليهم الإحسان والصدقة. وذك في المعالم في تفسير قوله تعالى: (وامرأةً مؤمنةً إنْ وهبتْ نفسها للنبي) قال الشعبي: هي أم المساكين زينب بنت خزيمة الهلالية وتوفيت ﵂ في السنة الثالثة من الهجرة، وصلى عليها رسول الله ﷺ ودفنها بالبقيع وقد بلغت ن العمر ثلاثين سنة والله أعلم. وذكر في "شرح ذات الشفاء" إن هؤلاء الإحدى عشرة بن خديجة ﵂ إلى أم المساكين اللائي دخل بهن ﷺ اتفاقاً. قال الحلبي: الحاصل أن جملة من خطبهن من النساء ثلاثون امرأة، منهن من لم يعقد عليها، ومنهن من عقد عليها، ومنهن من دخل بها، ومنهن من لم يدخل بها واللائي دخل بهن اثنتي عشرة بخلاف ما تقدم، قال ﷺ "ما تزوجت شيئاً من نسائي ولا زوجت شيئاً من بناتي إلا جاءني [به] جبرائيل ربي ". وممن تزوج بهن: ليلى بنت الخطيم، الأنصارية فضربت ظهره، فقال لها: "أكلك الأسود" ثم قالت: أقلني فأقالها: فأكلها الذئب. وخطب ﷺ أم هانئ بنت أبي طالب فاعتذرت بأن لها أولاداً صغاراً يشغلونها عنه فعذرها. وخطب امرأة من بني مرة فقال أبوها: إن بها برصاً، فلما رجع أبوها إلى البيت صارت برصاء. وخطب أخرى فقال أبوها يصفها بصحة المزاج: إنه لم تمرض، فقال: لها عند الله من خير، وأمسك عنها، وقيل: تزوجها ثم طلقها لما وصفها أبوها. وممن اختلف فيهن، أمية بنت النعمان: علمها نساؤه ﷺ أن تقول إذا دنا منها: أعوذ بالله منك، ففعلت فألحقها بأهلها، وقتيلة بنت قيس الكندي: زوجها إياه أخوها وحملها إلى حضرموت فمات قبل قدومها عليه، وأوصى بأن تخير فإن شاءت ضرب علها الحجاب، وكانت من أمهات المؤمنين، وإن شاءت الفراق فتنكح من شاءت، فاختارت الفراق فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت، فبلغ ذلك أبا بكر، فقال: هممت أن أحرق عليها بيتها، فقال عمر ﵁: ما هي من أمهات المؤمنين، ودا دخل عليها رسول الله ولا ضرب عليها الحجاب. مليكة بنت كعب الليثية: قيل: دخل بها ﷺ ، وماتت عنده، وقيل: هي المتعوذة وقيل: هي التي قال لها: هبي لي نفسك، فقالت ما قالت. وعمرة بنت يزيد: تزوجها فلما دخل عليها رأى بها بياضاً، فقال: (دلستم علي، وردها إلى أهلها) . والعالية بنت ظبيان مكثت عنده ثم طقها. وإساف بنت خليفة: أخت دحية الكلبي، ماتت من الفرح لما علمت أنه تزوجها. وأسماء بنت الصلت: أيضاً ماتت من الفرح لما علمت أنه تزوجها. وأسماء بنت النعمان: دعاها النبي ﷺ فقالت: ائت أنت، وأبت المجيء، وقيل إنه قال لها: هيئي لي نفسك، فقالت: تهيئ الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده إليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: (عذت بمعاذٍ) فألحقها بأهلها. وخولة أم شريك بنت الهذيل، وقيل: بنت حكيم التي قيل فيها إنها وهبت نفسها للنبي، قال في (المعالم) قال عروة بن الزبير: وهبت نفسها للنبي خولة بنت حكيم وفاطمة بنت الضحاك الكلابي: تزوجها ﷺ بعد وفاة بنته زينب وخيرها لما نزلت آية التخيير فخسرت واختارت الدنيا على الآخرة ففارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول: أنا الشقية اخترت الدنيا على الآخرة.

стр. 57

وريحانه بنت عمرو: وهو شمعون مولى رسول الله ﷺ ، وهي من المدخول بهن، وكانت قبله عند رجل من قريظة، وهي نضرية، وقيل: قريظة اصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه وأعتقها وتزوجها ﷺ فاختارت أن تكون رقيقة له، فكانت مع السراري، والصحيح الأول فتكون [تمام] الاثنتي عشرة التي دخل بهن، ﷺ وماتت مرجعه من حجة الوداع في السنة العاشرة، وهكذا وجدنا في كتب السير، والله أعلم. [٣٦] مارية القبطية ﵂ بنت شمعون أهدها المقوقس وملك القبط إلى النبي ﷺ مع أختها سيرين، وأرسل معها البغلة التي كان يركبها، وسماها دلدل، وغلاماً اسمه مأبور، وعسلاً، وذلك لفي سنة سبع، فوهب سيرين لحسان بن ثابت، وهي أم عبد الرحمن، واصطفى لنفسه مارية ودخل بها، وأقامت عنده فولدت له إبراهيم ﵇ في السنة الثامنة، وكان مولد إبراهيم ﵇ في العالية وعق عنه النبي بكبشين يوم سابعه، وسماه، وتصدق شعره ورقاً على المساكين بعد حلقه، ثم دفن شعره في الأرض، قد دفعه إلى امرأة يقال لها أم سيف زوجها قين بالمدينة يسمى أبو يف، وذكر في "شرح ذات الشفاء": قال أنس: ري الله عنه: قال رسول لله ﷺ ولد الليلة لي غلام فسمته باسم أبي إبراهيم، قال أنس: ذلك حين بلغه أن إبراهيم ﵇ مريض، فانطلق رسول الله، وانطلقت معه فصادفنا أبا سيف ينفخ [في] كير، وقد امتلأ البيت دخاناً، فأسرعت في المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت له: يا أبا سيف أمسك، جاء رسول [ ﷺ فأمسك] فدعا رسول الله بالصبي فضمه إليه وقال: "ما شاء الله، إن يقول قال" قال: فلقد رايته يكيد بنفسه فدمعت عينا النبي ﷺ فقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزنون". وتوفي إبراهيم ﵇ يوم الثلاثاء لعشر خلت من ربيع الأول سنة عشر، وعمره ثمانية عشر شهراً، وذكر أهل التاريخ: أن الشمس كسفت يوم موت إبراهيم، فقيل: كفت الشمس لموت إبراهيم، فقال النبي ﷺ لا تكسف لموت أحدٍ، إنما هي آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وأراد بهما خسوف القمر وكسوف الشمس وقال ابن السكيت: مارية بن رقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة من آل مزيقياء وابنة الحارث الأعرج المعني بقول حسان بن ثابت ﵁ شعراً: أولادُ جفنةَ حول قبرِ أبيهم ... قبرَ ابن مارية الكريمِ المفضلِ وذكر في "شرح ذات الشفاء" عن سيرين قالت: لما نزل بإبراهيم الموت صرت كلما صحت أنا وأختي مارية، ينهاني رسول الله ﷺ عن الصياح، وقيل: إنه لما بكى النبي، ﷺ قال له أبو بكر وعمر: أنت أحق من عم الله حقه. فقال: "تدمع العين ويحزن القلب" الحديث، وقال له: عبد الرحمن بن عوف: أو لم نهيت عن البكاء؟ قال: (لا ولكني نهيت عن صوتين أحمقين: صوت عند مصيبة، وصوت عند نغمة لهوٍ، وهذه نغمة من لا يرحم، ولا يرحم) . ويرى أن أسامة صرخ فنهان رسول الله ﷺ فقال: رايتك تبكي، فقال رسول الله ﷺ : "البكاء من الرحمة، والصراخ من الشيطان" وقيل: لما مات إبراهيم كان ﷺ مستقبلاً للجبل، فقال: "يا جبل لو كان بك مثل ما بي [لهدك] ولكن إنا لله إنا إليه راجعون".

стр. 58

وذكر في (السيرة) : لما مات إبراهيم غسله الفضل بن العباس، ونزل على قبره هو وأسامة، وجلس ﷺ على شفير القبر، ورش على قبره ماء، وعلم على قبره بعلامة وخبر لم يصل عليه منكر بنص الإمام أحمد، والصحيح انه صلى عليه وكسفت الشمس يوم موته فقال قائل: كسفت له، فقال ﷺ : "ولا تكسف لموت أحد ولا لحياته" وقال ﷺ عند دفنه: الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون، وروي أنه، قال: لو عاش إبراهيم لوضعت عنه ف أن يضع الجزية عن أهل بلدة مارية، وهي مدينة حفنة، من قرى الصعيد، فعل معاوية رعاية لحرمتهم، وذكر في (شرح ذات الشفاء) : أنه كان ﷺ معجباً بمارية لأنها كانت بيضاء جميلة، وغارت نساؤه، ومنها لما جاءت بإبراهيم ﵇، وكان معها ابن عمها يقال له مأبور كان محبوباً وكان يأتي إليها فاتهمها به المنافقون، فأمر ﷺ عليا ﵁ بقتل مأبور، وأمر مر ﵁ وبعثه ليقتله، فكشف مأبور نفسه فإذا هو محبوب. ونزل جبرائيل ﵇ ببراءتها ونزاهتها، وبشره بإبراهيم، وأمره عن ربه تعالى بتسميته بإبراهيم، ومأبور مات نصراناً وقيل: أسلم. وتوفيت مارية في خلافة عمر سنة ست عشرة، وشهد عمر جنازتها وصلى عليها، ودفنت بالبقع. [٣٧] زينب ﵂ بنت النبي محمد ﷺ وأمها خديجة الكبرى، وهي ثاني أولاده ﷺ ولدت بعد القاسم ﵇ مولدها سنة ثلاثين من مولده ﷺ زوجها قبل البعثة لأبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس فلما بعث ﷺ كلفه قومه فراقها فأبى، وكان يحبها ويحسن إليها، وقد أثنى عليه النبي، صلى لله تعالى عليه وسلم فقال: "إن أبا العاص حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي" وولت له زينب ﵂، علياً وأمامة وهي التي كان يحملها صلى الله تعالى عليه وسلم، في صلاته ثم خرجت زينب من مكة مهاجرة إلى المدينة لما امتنع زوجها من المهاجرة، وأرسل معها ابن عمه كنانة بن عدي إلى المدينة، فعرض لهم رجال من قريش وهي راكبة على ناقتها، فخوفوها ودفعوها على صخرة، فوقعت زينب رضي الله تعالى عنها واهراقت الدماء، وتمرضت وقدمت إلى المدينة ولم يزل بها مرضها إلى أن ماتت وثم قدم زوجها ابن العاص وأسلم فردها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بالنكاح السابق في أصح الروايات، وقيل: بنكاح جيد، وكان صلى اله تعالى عليه وسلم يردف ولدها علياً خلفه يوم الفتح، وتزوج علي رضي الله تعالى عنه بنتها أمامة بعد خالتها فاطمة رضي الله تعالى عنها، وقتل عنها فتزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وذكر العلامة سعدي جلبي، أنه أجمع أهل السير على أن أولاده: القاسم، ثم زينب، ثم رقية، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم ولد في الإسلام عبد الله فسمي الطيب الطاهر وكلهم من خديجة، رضي الله تعالى عنها، ثم ولد إبراهيم من مارية وقد نظموه: فأولَّ ولدِ المصطفى القاسمُ الرضا ... بهِ كنبةُ فافهمْ وحصلا وزينب تتلوهُ، ورقيةُ بعدها ... وفاطمةُ الزهراءُ جاءتْ على الولاَ كذا أمُّ كلثومٍ تعددَ بعدها ... في الإسلامِ عبدُ اللهِ جاءَ مكملاً هو الطَّيبُ الميمون والطاهرُ الرضي ... وقد جاء إبراهيم في طيبةَ تلا من المرأةِ الحسناءِ مارية فقلْ ... عليهم سلامُ الله مسكاً ومندلاً وتوفيت زينب رضي الله تعالى عنها، في المدينة سنة ثمان ودفنت بالبقيع. [٣٨] رقية رضي الله تعالى عنها

стр. 59

بنت النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولدت سنة ثلاثة وثلاثين من مولده صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك بعد زينب، رضي الله تعالى عنها، بثلاث سني، وزوجها صلى الله تعالى ليه وسلم عتبة بن أبي لهب، وأقامت عنده إلى أن نزلت: (تبتْ بدا أبي لهبٍ) فقال أبو لهب لوالده عتبة: يهجوني محمد وابنته عندك؟ رأسي من رأسك حرامٌ إن لم تفارق ابنة محمد، ففارقها فزوجها صلى الله تعالى عليه وسلم لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فهاجر بها إلى الحبشة وكانت بارعة الجمال، قيل: إن فتياناً من الحبشة تعرضوا لها لينظروا إليها، ويبصروا جمالها، فأذاها ذلك، فدعت عليهم، فهلكوا جميعاً من يومهم، ولدت رقية لعثمان، رضي الله تعالى نه عبد الله وبه كنى، وعاش عبد اله ستة أعوام، ثم نقر ديك عينة فتورمت ومات في جمادى الأولى، سنة أربع بعد موت أمه بعامين، وصلى عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولما عاد عثمان رضي الله تعالى عنه من الحبشة ومعه زوجته رقية قدم إلى مكة، ثم هاجر بها إلى المدينة ولما خرج صلى الله تعالى عليه وسلم لغزوة بدرٍ سنة اثنتين كانت رقية قد تمرضت بالحصبة، فتخلف عثمان ﵁ عن الجهاد بأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليمرضها، فماتت قبل مجيء زيد بن حارثة تبشيراً بقتلى بدر فهم في دفنها ووصل زي بالبشارة في السنة الثانية من الهجرة في رمضان، وذكر في البستان أن رقية ماتت بعد ما خرج صلى الله تعالى عليه وسلم إلى بدر، ولما عاد صلى الله تعالى عليه وسلم، وجدها ميتة فزوج عثمان أختها أم كلثوم رضي الله تعالى عنها. [٣٩] فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها بنت النبي محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولدت سنة إحدى وأربعين من مولده صلى الله تعالى عليه وسلم وصحح ابن عبد البر، وصاحب التبيين كونها اصغر من أم كلثوم، وكون أم كلثوم أصغر من رقية، وهي أفضل بناته وسيدة نساء العالمين، زوجها صلى الله تعالى عليه وسلم علياً رضي الله تعالى عنه بعد وقعة أحدٍ، وقيل: بعد أن ابتنى بعائشة رضي الله تعالى عنها بأربعة أشهر ونصف، وكان عمرها خمس عشرة سنة وخمسة اشهر ونصف، وسن علي ورضي الله عنه إحدى وعشرين سنة وخمس اشهر، وأصدقها درعه، وقيل: أربعمائة وثمانين درهماً، فأمره [ ﷺ ] أن يجعل ثلثها في الطيب، فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب، ولم يتزوج غيرها علي، ﵁ حتى ماتت. وذكر في بعض الكتب، يقال لفاطمة الزهراء: بتولة، أي منقطعة عن حب الدنيا، وقيل: عن الحيض أصلاً، كذا نقله كردي وذكر في شرح الجوهرة: صح من حديث ابن عباس ﵄: أفضل نساء الجنة: خديجة وفاطمة ومريم وآسية، وفي المعالم عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون". وذكر في سيرة العراقي، قال الحافظ السيوطي في الخصائص: ذكر الإمام علم الدين العراقي، أن فاطمة رضي الله تعالى عنها وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة باتفاق، ونقل عن مالك، أنه قال: لا أفضل على بضعة رسول الله ﷺ ويعارض ما ذكره في شرح الجوهرة: أفضل الناس بعد الأنبياء أبو بكر ﵁ فهو الأفضل من فاطمة وأمها لا من حيث البضيعة، فيكون أفضل من مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم لأن فاطمة رضي الله تعالى عنها أفضل منهما ومن الخضر وإسكندر على القول بولايتهما لا على القول بنبؤتهما وهو الحق. وذكر في شرح ذات الشفاء عن الشعبي عن مسروق عن عائشة ﵂ عن فاطمة ﵂ قالت: أسر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: "إن جبرائيل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه العام عارضني مرتين ولا أدري إلا أنه قد حضر جلي وأنك أول هل بيتي لحوقاً بي، ونعم السلف أنا لك"، قالت: فبكيت، فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء العالمين، فضحكت. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رأيت أحداً كان أشبه برسول الله كلاماً وحديثاً من فاطمة رضي الله تعالى عنها وكانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبلها، ورحب بها كما كانت تصنع هي به.

стр. 60

وذكر في المصابيح روى عن أم سلمة، ﵂، أن رسول الله ﷺ دعا فاطمة عام الفتح فناجاها فبكت ثم حدثها فضحكت، فلما توفي ﷺ سألتها عن بكائها وضحكها؟ قالت: أخبرني رسول الله ﷺ أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بت عمرنا فضحكت. ولما توفي صلى الله تعالى عليه وسلم وبويع بالخلافة أبو بكر ﵁ في السنة الحادية عشرة، جاءت فاطمة ﵂ إلى أبي بكر تطلب إرثها مما أعطاها الأنصار له صلى الله تعالى عليه وسلم من أرضهم وما أوصى به إليه صلى الله تعالى عليه وسلم وهو وصية مخيريق عند إسلامه، وهو سبعة حوائط بني النضير، وهو أول من وقف في الإسلام، ومما أفاء الله على رسوله من أرض بني النضير وفدك، ونصيبه من خيبر وما حصن الوطيح، وحصن السلالم، فقال لها أبو بكر: لست بالذي أقسم من ذلك شيئاً، ولست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به فيها إلا عمته، وأخشى إن تركت أمره أو شيئاً من أمره أن أزيغ، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا نورث ما تركنا صدقة" ولكن أعول من كان رسول الله يعوله، وأنفق على من كان ينفق عليه، وكذلك منه أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم لما جئن يطلبن ثمنهن. وذكر في (شرح ذات الشفاء) قال: وإنما قال لفاطمة ﵂ الزهراء لطهارتها ووضاءتها، والبتول لانقطاعها إلى الله، أو لانقطاعها بالفضل عن الناس، أو لأنها لم تحض قط. وتوفيت فاطمة، ﵂، بعد أبيها، ﷺ بستة اشهر، وقال ابن شهاب: بثلاثة اشهر، وقال عمرو بن دينار: بثمانية اشهر، وقال ابن بريدة: بسبعين يوماً، وقيل: بخمس وسبعين ليلةً وقيل: بستة أشهر إلا يومين، وقيل: بمائة يوم، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلت من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وغسلها علي ﵁ وأسماء بنت عميس وصلى عليها علي ﵂ وقيل: العباس، ودخل قبرها العباس وعلي والفضيل. وذكر في التبيين: أنها ولدت ثالثاً غير الحسن والحسين فسماه النبي ﷺ محسناً. ولما احتضرت قالت لأسماء بنت عميس: إني أستقبح ما يصنع بالنساء يوضع عليها الثوب فيصفها، فأرتها أسماء نعشاً من جرائد كالهودج تصنعه الحبشة فاستحسنته، وأمرت أن تحمل به، وأرادت عائشة ﵂، أن تدخل عليها وهي تغسلها مع علي رضي لله عنه فقالت لها أسماء: لا تدخلي، فششتها إلى أبيها الصديق ﵁ فاعتذرت إليه بأنها أوصت أن لا يدخل عليها أحد. وكان عمرها ثلاثين سنة، وقال الكلبي: خمساً وثلاثين فأنكره عبد اله بن الحسن رضي الله تعالى عنه. [٤٠] أم كلثوم رضي اله عنها بنت النبي محمد ﷺ كانت عند عتيبة بن أبي لهب، فلما نزلت (تبت يدا أبي لهب..) قال أبوه: رأسي من رأسك حرام إن لم تفارق بنت محمد، فطلقها اصغر من فاطمة ﵂، وقال مصعب: هي أكبر من رقية، وخالفه أهل الأنساب، تزوجها عثمان بن عفان بعد وفاة رقية سنة ثلاثة من الهجرة، وكان ذلك بعد ما عرض عمر ﵁ حفصة على عثمان وسكت لأنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ألا أدل عثمان على من هي خير من حفصة، وأدلها على من هو خير من عثمان" ثم زوج أم كلثوم ﵂ من عثمان وتزوج ﷺ حفصة، كذا ذكره في الاستيعاب وعقد عثمان، ﵁ على أم كلثوم في سنة الثالثة في ربيع الأول، وبنى بها في جمادى الآخرة.

стр. 61

وتوفيت أم كلثوم سنة تسع من الهجرة في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم، وصلى عليها رسول الله ونزل [في] حفرتها علي ﵁ وأسامة بن زيد ﵁، وذكر في شرح ذات الشفاء: أنا أبا طلحة الأنصاري استأذن قال لأصحابه: "هل منكم أحد لم يقارف ذنباً؟ " فقال أبو طلحة: أنا فأمره فنزل لحفرتها، وغسلتها أسماء بنت عميس، وصفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وشهدت أم عطية وحكت قوله ﷺ : "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن " قالت ليلى الثقفية: كنت فيمن غسلنها، فأول ما أعطانا النبي من كفنها الحقو، أي الإزار، ثم الدرع، ثم الخمار ثم الملحة، ثم أدرجت في الثوب الأكبر، ورسول الله ﷺ خلف الباب يناولنا. وذكر في التبيين: أن رسول الله ﷺ دعا على عتيبة بن أبي لهب فقال: "سلط الله عليك كلباً من كلابه" فخرج في تجارة إلى الشام، فلما كان في أرض مسبعة تذكر دعاءه، ﷺ فنضد الحمول ودخل وسطها فإذا بأسد مقبل، فلم يقدر الركب دفعه، ووثب عليه، فافترسه. وذكر في كتاب البستان: لما زوج ﷺ رقية لعثمان وأقامت عنده إلى أن ماتت فزوجه أم كلثوم، ولهذا سمي ذو النورين. [٤١] أم معبد عاتكة بنت خالد الخزاعية كانت من الأجواد.. وكانت تطعم وتسقي من يمر بها، ولما هاجر ﷺ من مكة إلى المدينة، وكانت سنة جدبة وكان معه الصديق وعامر بن فهيرة، فمروا في طريقهم بقديد على أم معبد، فطلبوا منها لبناً، ولحماً يشترونه فلم يجدوه، فنظر إلى شاةٍ خلفها الجهد عن الغنم فسألها ﷺ "هل بها من لبنٍ؟ " فقالت: هي أجهد من ذلك، فاستأذنها في حلبها، فقالت: نعم فدعا ومسح ضرعها وسمى بالله تعالى، فدرت وسقى القوم حتى رووا ثم شرب ﷺ ثم حلب ثانياً عللاً بعد نهل، وتركوها، وذهبوا فجاء زوج أم معبد واسمه أكثم، وقيل: خنيس، وقيل: عبد الله فأخبرته الخير فقال: هذا صاحب قريش لو رايته لأتبعته، وذكر "في شرح ذات الشفاء": روى أو نعيم وغيره أن الشاة بقيت عندهم يحلبونها ليلاً ونهاراً إلى زمان عمر ﵁ وأسلمت أم معبد ﵂ وأخوها حبيش بن الأشعر، واستشهد يوم الفتح: وقيل: إن زوج أم معبد لحق برسول الله ﷺ وبايعه ورجع إلى بيته ولقيهما الزبير رضي الله نه عائداً إلى مكة فكساها ثياباً بيضاء.. توفيت أم معبد في خلافة الفاروق، وفي كلام ابن الجوزي إنها أسلمت وهاجرت وكذا زوجها. [٤٢] هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان وهي أم معاوية ﵂ وكانت تعرف بآكلة الأكباد لأنها كانت مع الكفار في وقعة أحد فاجتمعن مع نساء قريش لما التحم القتال فقامت هند في النسوة اللاتي معها، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويقلن: ويهاً [بني] عبدَ الدارِ ... ويهاً حماةِ الأدبارِ ضرباً بكل بتَّارِ وكان ﷺ إذا سمع ذلك يقول: اللهم بك أحول، وبك أصول، وفيك أقاتل حسبي الله ونعم الوكيل، ولما تل حمزة رضي اله عنه وكسرت رباعيته وشج وجهه، مثلت هند وصاحبها بقتلى المسلمين، فجذعن آنافهم وآذانهم، واتخذن منها قلائد، وبقرت هند بن حمزة، ﵁، وأخرجت كبده فمضغته ولفظته، وقيل: إنها شوته وأكلته وكان يقال لها: آكلة الأكباد، ثم أسلمت بعد ذلك، وما كان الله ليعذبا بعد أ، تابت من كفرها، وإن كان ما فعلته عند الله ورسوله عظيم، وأشرفت هند على الجيل، وأنشدت أبياتاً، وكذلك فعل زوجها سفيان أشرف على الجبل ونادى: أنعمت فعال، إن الحرب سجال مرة لنا ومرة علينا، يم أحد ليوم بدر، ثم نادى أبو سفيان: أعل هبل أي اظهر دينك، فقال: صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر: قم فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل لا سواء، قتلاناً في الجنة في النار، فقال أبو سفيان: إنكم تزعمون ذلك لقد خبنا إذا وخسرنا، ثم قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم فقال: ﷺ "الله مولانا ولا مولى لكم".

стр. 62

ولما سار ﷺ إلى فتح مكة وقبض على أبي سفيان وآمنه قال: "من دخل دار سفيان فهو آمن، ومن أغلق داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آن، ومن دخل دار حكيم بن حزم فهو آمن". فركض أبو سفيان إلى مكة وهو يصرخ بأعلى صوت يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فأخذت محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فأخذت زوجته هند بلحيته ونادت، يا آل غالب، اقتلوا الشيخ الأحمق، هلا قاتلتم ودافعتم عن أنفسكم؟ فقال لها: ويحك اسكتي، وادخلي بيتك، ودخل ﷺ إلى مكة وطاف وكسر الأصنام، وجلس عل الصفا يبايع الناس فجاءه الكبار والصغار، والرجال والنساء فبايعوه مسلمين أفواجاً أفواجاً، (إذا جاءَ نصرُ اللهِ والفتحُ، ورأتَ الناسَ يدخلون في دينِ الله أفواجاً) . وذكر في جامع البيان في تفسير القرآن، عن الإمام أحمد ﵁ قال: قال ﷺ لما نزلت (إذا جاءَ نصرُ الله والفتحُ) نعيت إلى نفسي كأني مقبوض في تلك السنة. وفي مسلم والطبراني والنسائي، أنها آخر سورة نزلت من القرآن، وعن البيهقي أنها نزلت في أيام التشريق بمنى في حجة الوداع، فيكون نزولها بعد فتح مكة بسنتين. وبايع ﷺ النساء من غي مصافحة، وفيهن هند متنقبة متنكرة، فلما [قال] لهن: "ولا تقتلن أولادكن"، قال هند: ربيناهم صغاراً فقتلتهم كباراً فضحك عمر رضي لله عنه حتى استلقى، وتبسم النبي ﷺ أو ضحك، ولما أسلمت هند عمدت إلى صنم كان في بيتها وجعلت تضربه بالقدوم وتقول: كنا منك في غرور. وماتت هند في خلافة عمر ﵁ في أواخرها وقيل: في خلافة عثمان ﵁ والله أعلم بذلك. [٤٣] أم حرام ﵂ بنت ملحان بن خالد من بني النجار، وهي خالة أنس بن مالك، وهي زوجة عبادة بن الصامت، وكانت من الصالحات، وكان ﷺ يزورها ويقيل في بيتها، ونام عندها يوماً، فاستيقظ (وهو) يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله قال: (عرض علي ناس من أمتي يركبون البحر ملوكاً) قالت: فادع الله لي أن أكون منهم؟ فدعا لها، ثم نام ثانياً، واستيقظ (وهو يضحك) وقال ثانياً ما قال أولاً، فسألته أيضاً، أم حرامٍ أن يدعو لها بأن تكون منهم، فقال لها: (أنت من الأولين) ولما ولي الخلافة عثمان بن عفان ﵁ جهز جيشاً مع معاوية ﵁ إلى فتح جزيرة قبرص فخرجت أم حرام مع زوجها عبادة غازية فلما وصلوا إلى جزيرة قبرص وخرجوا إلى البر، وخرجت أم حرام من البحر فقدموا إليها دابة لتركبها فركبت، ولم تستقر حتى صرعتها ووقعت إلى الأرض وماتت ودفنت في جزيرة قبرص رحمة الله تعالى عليها. [٤٤] أم عمارة ﵂

стр. 63

بنت كعب، كانت تحت وهب الأسلمي، فولدت له حبيب، ومات وهب فتزوجها زيد بن عاصم فولدت له عبد الله وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب. في رواية قالت أم عمارة: كان والداي حبيب وعبد الله مع عمرو بن العاص في عمان، فلما عاد بعد وفاة رسول الله اعترضهم مسيلمة فنجا عمرو وقبض عل ولدي حبيب وعبد الله، فقال مسيلمة لحبيب: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا اسمع، فحسب عنده، ثم قال لعبد الله كذلك، وحبسه، ثم قال لحبيب: أتشهد أن محمداً رسول الله ﷺ فقال نعم، فأمر به فقطعت أعضاؤه، وأحرق بالنار، ولما جهز الصديق ﵁ خالد بن الوليد بالعساكر لحرب مسيلمة الكذاب خرجت معه أم عمارة، قالت: فلما انتهينا إلى الحديقة بعد قتال شديد، وجهد عظيم، واقتحمنا الحديقة فضاربناهم ساعة وجعلت قصد عدو الله مسيلمة لأن أراه وخرس القوم فلا صوت إلا صوت السيوف حتى بصرت بعدو لله، فشددت عليه، وعرض لي رجل منهم فقطع يدي، فوالله ما عرجت عليها حتى انتهيت إلى الخبيث وه صريع، وأجد ابني عبد الله قد قتله، وفي رواية ابني عبد الله يمسح سيفه بثيابه، فقلت: اقتله؟ قال: نعم يا أماه، فسجدت لله شكراً، وقطع دابر الكافرين، فلما انقضت الحرب، جعت إلى مكاني فجاءني خالد بن الوليد بطيبٍ من العرب فداواني بالزيت المغلي، وكان والله، أشد علي من القطع وكان خالد كثير التعاهد لي، حسن الصحبة، ويعرف حقنا، ويحفظ فينا وصية نبينا ﷺ . وعن محمد بن يحيى بن حيان قال: جرحت أم عمارة، يومئذٍ اثني عشر جرحاً بين ضربة بسيف أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وقطعت يدها، وكان أبو بكر رضي الله (عنه) يأتيها يسأل عنها. وتوفيت في خلافة عمر ﵁ وقيل: إن قاتل مسيلمة هو وحشي لأنه كان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، يعني حمزة ﵁ وشر الناس في الإسلام، يعني مسيلمة، وقيل: قتلهما بحربة واحدة، وقيل: بل قتله معاوية ﵁ وقيل: أبو دجانة ﵁. قال في البخاري قال وحشي: خرجت مع الناس فإذا رجل قائم في ثلمة جدار جملاً أورق سافر الرأس فرميته في حربتي، فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، ووثب إلى رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، فقالت جارية على ظهر بيت: واَ أمير المؤمنين قتله العبد الأسود، وفي المنتقى: أشك أن الأنصاري أبو دجانة ﵁. وكان مسيلمة الكذاب صاحب نيرنجات وكان يدعي النبوة، ويظهر أنه أنزل عليه مثل القرآن ومن خلطه: يا ضفدعُ نقي كمْ تنقينَ ... أعلاكِ في الماءِ وأسفلكِ في الطينِ لا الشربَ تمنعينَ ولا الماءَ تدرينَ ومن آراجيزه، لعنة الله: أخرج لكم حنطة وزوانا، ورطباً وتمراً.. [٤٥] أسماء رضي الله تعالى عنها بنت أبي بكر الصديق ﵁ وهي شقيقة عبد الله بن الصديق، تزوجها الزبير ﵁ فولدت له عبد الله، وكان يقال لها: ذات النطاقين. لقبها بذلك رسول الله ﷺ ثم ولدت عروة، ﵁ بن الزبير ﵁ أحد الفقهاء السبعة، قيل: أن أسماء الفقهاء "السبعة" إذا كتبت أسماؤهم، ووضعت في الحبوب منع السوس ببركتهم، وهم: عروة ﵁ وعبيد الله ﵁ وقاسم ﵁ وسعيد ﵁ وأبو بكر ﵁، وسليمان ﵁ وخارجة ﵁. وعاشت أسماء ﵂ إلى أن قتل ولدها عبد الله بن الزبير ﵁ وكان كثير العبادة، مكث أربعين سنة لم ينزع الثوب عن ظهره، قتله الخيث الحجاج سنة ثلاث وسبعين، ثم صلب جثته عل عود وبقي أياماً معلقاً، فدخلت أمه أسماء على اللعين الحجاج، فقالت له: أما آن لهذا الركب أن يترجل؟ وقيل: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: دعوها وجيفتها!. ولما رأته معلقاً حاضت ودر ثديها، فقالت: حنت إليه مراتعه ومراضعه. كانت تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثة عبد الله، فلما أنزلوه من الخشبة غسلته بماء زمزم، وكفنته ودفنته وماتت بعده بأيام يسيرة. وكانت قد أسلمت قديماً وتزوجها الزبير، رضي الله تعالى عنه، وهاجر بها إلى المدينة، وهي حامل بعبد الله، فوضعته بقبا، وكف بصرها في آخر عمرها، وكانت مدة عمرها مائة سنة، واله أعلم.

стр. 64

[٤٦] أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁ أمها حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري، وهي أصغر بنات الصديق رضي الله عن توفي أبو بكر وأمها حما بها، فلما كبرت خطبها عمر ﵁ من عائشة رضي الله تعالى عنها فأنعمت له بها، فكرهت أم كلثوم ذلك لخشونة عيشة عمر ﵁ وقالت: أريد فتىً واسع العيش، فتزوجها طلحة ﵁ بعد أن احتالت عائشة ﵂ حتى أمسك عنها عمر ﵁ ثم علم بالحال، فلم يعاتب عائشة، ولم أطلع على عام وفاتها. [٤٧] رقية ﵂ بنت عمر بن الخطاب، أمها أم كلثوم بنت علي رضي الله تعالى عنه، تزوجها إبراهيم بن نعيم بن عبد الله بن النحام، فلم تلد منه، وماتت عنده، ولم تطل مدتها وكانت حسنة في الغاية، ولها خلق حسن، وتوفيت في خلافة أبيها، وقد قاربت العشرين سنة، والله أعلم. [٤٨] زينب الصغرى ﵂ بنت عقيل بن بي طالب، كانت من أهل الفصاحة، ولما قتل الحسين ﵁ قتل معه من آل عقيل تسعة فخرجت زينب رضي الله تعالى عنها تبكي قتلاها، وتنشد وتقول: شعراً ماذا تقولونَ إنْ قالَ النبيَّ لكمْ ... ماذا فعلتمْ وكنتمْ أخيرَ الأمم بأهلِ بيتي وأنصاري وذريتي ... منهمْ أسارى وقتلى ضرَّجوا بدمِ ما كانَ هذا جزائي إذْ نصحتُ لكمْ ... أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمِ [٤٩] أم كلثوم ﵂ بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة الزهراء، ولدت على عهد رسول الله ﷺ تزوجها عمر ﵁ ثم تزوجها بعده محمد بن جعفر بن أبي طلب، ومات، وتزوجها أخوه عون بن جعفر، فقتل ثم تزوجها عبد الله بن جعفر ري الله عنه فماتت عنده، وتوفيت هي وولها زيد بن عمر ﵁ في يوم واحد، ولم يعلم أيهما مات أولاً، وصلى عليهما عبد الله بن عمر ﵁ قدمه الحسن رضي الله تعالى عنه فكان بهما سنتان لم يورث أحدهما من الآخر، ويروى أن عمر ﵁ لما خطبها من علي ﵁ قال: إنها صغيرة فقال عمر ﵁: زوجنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد، فقال علي ﵁: أنا أبعثها إليك فإن أرضيتها فقد زوجتكها، فبعثها إليه بردٍ وقال لها: قولي له: هذا البردُ الذي قلت لك، فقالت لك لعمر ﵁ فقال لها عمر ﵁: قولي له، قد رضيت رضي الله عنك يده على ساقها وكشفها فقالت: أتفعل هذا؟ لولا أنك أمير المؤمنين، لكسرت أنفك، ثم خرجت وجاءت إلى أبيها وأخبرته، وقالت: بعثتني إلى شيخ سوءٍ: قال: يا بنية إنه زوجك ثم جاء عمر ﵁ إلى مجلس المهاجرين فقال: زفوني قالوا: بماذا؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي ﵁ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل سببٍ ونسبٍ وصهرٍ منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري" فكان لي به ﷺ [السبب] ولنسب وأردت أن أجمع إليه الصهر، فزفوه. وروى أبو نعيم، قال: دخل عمر ﵁ إلى أم كلثوم يوماً، فقال لها: ألا تخرجين فتسلمين على ضيفك، فقالت: وهل تركتنا نستطيع أن نبرز لأحد ن العري؟ فقال: وما يكفيك أن تقول الناس امرأة أمير المؤمنين. [٥٠] أم هانئ بنت أبي طالب، أخت علي ﵇ لأبويه، كانت تحت هبيرة، فولدت له: هانئ وعمرو ويوسف وجعدة، أسلمت عام الفتح، وهرب زوجها إلى نجران، وأتت هي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني قد أجرت حموين لي فزعم ابني أنه قاتلهما، فقال ﷺ : "وقد أجرنا من أجرت، وآمنا من أمنت". وهي التي روت أنه ﷺ صلى الضحى ثماني ركعات في ذلك اليوم، وقيل: هند ولما هرب زوجها هبيرة أنشد: وشاقكَ هندٌ أمْ نآك سؤالها ... كذاكَ النوى أسبابها وانفتالُها وقدْ أرقتُ في رأسِ حصنٍ ممردٍ ... بنجران يسرى بعدَ يومِ خيالُها فإنْ كنتِ قد تابعت دين محمد ... وقطعتِ الأرحام مني حبالُها فكوني على أعلى سحيقٍ بهضبةٍ ... ممنعةٍ لا يستطاعُ قلالُها وإنَّ كلام المرءِ في غير كنيةٍ ... لكالنبلِ تهوي ليس فيها نصالها

стр. 65

[٥١] جمانة بت أبي طالب أسلمت وأعطاها ﷺ يوم خيبر ثلاثين وسقاً، وأمها فاطمة بنت أسد. [٥٢] ضباعة بنت الزبير ﵂ بن عبد المطلب، تزوجها المقداد، فولدت له عبد لله وكريمة، وقتل عبد الله [وكان] مع عائشة يوم الجمل، ودخل عليها ﷺ وهي شاكية فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، وأجدني شاكية، فقال: "حجي واشرطي، إن محلي حيث حسبتني". [٥٣] أم حكيم بنت الزبير ابن عبد المطلب، تزوجها ابن عمها ربيعة بن الحارث روت عنه ﷺ أنه دخل على ضباعة ونهش عندها كتفها، ثم صلى وما توضأ، وهي أخته ﷺ من الرضاع. [٥٤] درة بنت أبي لهب تزوجها [ابن] بن عمها الحرث بن نوفل بن عبد المطلب، فولدت له: عقبة والوليد وأبا مسلم، روت عنه ﷺ قالت: قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل، قال: "أتقاهم [لله] وأمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم". روت عنه ﷺ : "لا يؤذي حيٍّ بميتٍ". [٥٥] أمامة بنت حمزة ﵂ قيل: اسمها أمة الله، أمها سلمى بنت عميس، ولما دخل ﷺ مكة على عهد [بنيه] وبين أهل مكة، فلما خرج قعدت أمامة على الطريق، فمر ﷺ فقالت: يا رسول الله إلى من تدعني؟ فمضى ولم يلتفت، ومر الناس فنادتهم فلم يلتفتوا إليها، فمر علي ﵁ فقالت: يا علي إلى من تدعني؟ فمال إليها، فقال: ناوليني يدك فحملها فلما استقر بهم المنزل [اختلف] فيها علي ﵁ وجعفر ﵁ وزيد رضي اله عنه فقال جعفر: أنا أحق وقال علي ﵁: أنا أحق، وقال زيد: ابنة أخي وأنا أحق بها، فقال ﷺ : "يا علي أنت مني وأنا منك، ويا جعفر أشبهت خلْقي وخلُقي، وأما أنت يا زيد فمولاي ومولاها، وخالتها أحق بها"، وكانت خالتها عند جعفر رضي الله [عنه] وهي أسماء بنت عميس، وزوجها ﷺ سلمة بن أبي سلمة، وهلك قبل اجتماعهما. [٥٦] أم الفضل بنت حمزة روى عنها عبد الله بن شداد قال: قالت توفي مولى لنا وترك ابنةً وأختاً فأتيا يا رسول الله ﷺ فأعطى البنت النصف، وأعطى للأخت النصف. وعنه قال: هلك مولى لبنت حمزة ﵁ وترك بنتاً ومولاته، فأعطى ﷺ ابنته النصف وأعطى الباقي لبنت حمزة ﵁. [٥٧] فاطمة بنت حمزة ﵂ عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ بعث إليه بحلة مشيرة، وقال: "شققها حمراً بين الفواطم" قال: فشققت منها ثلاثة أخمرة، خماراً لفاطمة بنت أسد أمه، وخمار لفاطمة بنت النبي ﷺ وخماراً لفاطمة بنت حمزة ﵁. [٥٨] أم حبيبة بنت العباس ﵂ أمها أم الفضل، روت أم الفضل: أن رسول الله ﷺ قال: ""لو بلغت أم حبيبة بنت العباس وأنا حي لتزوجتها وتزوجها الأسود بن سفيان. [٥٩] عائشة بنت معاوية ابن المغيرة بن أبي العاص، وهي أم عبد لملك بن مروان، وأبوها معاوية جدع أنف حمزة، ﵁ وقتله ﷺ بعد أحد بثلاثة أيام، وذلك أنه ضل ن الطريق، فوجده بعض أصحاب النبي ﷺ فأتى به إلى النبي فقتله علي ﵁. [٦٠] عاتكة بنت أسيد ابن أبي العيص، هي أخت عتاب، لها صحبة أرسل عمر ﵁ إلى الشفاء بنت عبد الله العدوية أن تمر عليه، قالت: فغدوت فوجدت عاتكة ببابه، فدخلنا وتحدثنا، فدعا بمط فأعطاها إياه، ودعا بنمط دونه فأعطانيه، قالت: فقلت: تربت يداك يا عمر، أنا قبلها إسلاماً، وأنا بنت عمك، وأرسلت إلي، وجاءتك من قبل نفسها، فقال: ما كنت رفعت ذاك إلا لك فلما اجتمعتا ذكرت أنها أقرب إلى النبي ﷺ منك. [٦١] أم الحكم بنت أبي سفيان هي أم عبد الرحمن كانت من مسلمات الفتح، وكانت حين نزول قومه تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) تحت عياض بن غنم الفهري، ففارقها وتزوجها عبد الله بن عثمان الثقفي.

стр. 66

[٦٢] عزة بنت أبي سفيان روى عن أم حبيبة ﵂ أم المؤمنين أنها قالت: يا رسول الله هل لك في أختي؟ قال: [ما] أصنع بها، قالت: تنكحها، قال: "أتحبين ذلك" قالت: نعم لست بمخلية لك، وأحب من شركتني في خير أختي. [٦٣] أم كلثوم بنت عقبة بن بي معيط، كانت من المهاجرات المبايعات، أسلمت بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة، ثم هاجرت وبايعت ومشت من مكة إلى المدينة، وأنزل الله في شأنها قوله تعالى: (يا أيها الذينَ آمنوا إذا جاءكمْ المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحونهنَّ) وذلك أن هجرتها كانت سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله والمشركين، وكانوا قد صالحوا النبي ﷺ على أن يرد من جاء مؤمناً، فلحقها أخواها الوليد وعمارة ليرداها فمنعها الله، ونزلت الآية فمنع الله رد النساء، وأذن في نكاحهن فتزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها يوم حضر موته فتزوجها الزبير ﵁ فولدت له زينب ثم طلقها، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميداً ومحمداً وإسماعيل، ومات عنها، فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهراً وماتت. وروى عنها ولدها حميد أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الكذَّابَ الذي يقولُ خيراً، وينمى خيراً ليصلح بين النَّاسِ". [٦٤] هند بنت عتبة أم معاوية ﵁ أسلمت يوم الفتح، وبايعت بعد إسلام زوجها أبي سفيان، فأقاما على نكاحهما، ولما أخذ ﷺ البيعة على النساء، تلا عليهن (ولا يسرقنّ ولا يزنين) قالت هند: وهل تزني الحرة أو تسرق يا رسول الله؟ فلما قال (ولا يقتلن أولادهن) قالت: ربوا أبناءهم صغراً وقتلنهم أنت كباراً. وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكهة بن المغيرة، وكان أحد فرسان قريش [و] كان له مجلس تأتيه ندماؤه، فيدلون من غير استئذان، فدخلته هند يوماً، وليس فيه أحد، ونامت فيه [فأقبل] بعض ندماء الفاكهة ودخل المجلس فرأى هند نائمة، [فرجع هارباًن وأبصره الفاكهة، فأقبل إليها] فقذفها بالرجل، وسرى الأمر، فاتفقوا على أن يتحاكموا إلى كاهن، فحملها أبوها عتبة، وسار معها الفاكهة، فلما قربوا من لكاهن رآها أبوها متغيرة مصفرة فقال لها: يا بنية، مالك مصفرة إن كنت ألممت بذنبٍ فأخبريني حتى أفل، هذا الأمر من قبل أن نفتضح، فقالت: ولله يا أبتي إني لبريئة، ولكن اعلم أن نأتي بشراً يخطئ ويصيب، وأخشى أن يخطئ في فيكون عاراً علينا، فقال أبوها: إني سأختبره. فخبأ له حبة بر في إحليل مهر، فلما أتى الكاهن قال: قد خبأت لك خبياً فما هو؟ قال ثمرة في كمرة، قال: بين؟ قال: حبة بر في إحليل مهر، وأجلسوا هنداً بين النساء ثم سألوا الكاهن، فقام وضرب بيده بين كتفي هند وقال: قومي حصاناً غير زانية، ولتلدين ملكاً يقال معاوية، فوثب الفاكهة فأخذ بيدها وقال: امرأتي! فنزعت يدها منه، وقالت: لأحرصن أن يكون من غيرك، فتزوجها أبو سفيان ﵁. ويروى: أن رجلاً مر بها وهي ترقص معاوية ﵁ صغيراً فقال: إني أراه يسود قومه! فقالت: ثكلتك أمك إن لم يسد قومه، وتوفيت يوم توفي أبو قحافة ﵁ في خلافة عمر ﵁. [٦٥] فاطمة بنت عتبة تزوجها عقيل بن أبي طالب، وقالت له: اصبر علي وأنا أنفق عليك، وكانت كبيرة السن، وكان إذا دخل عليها تفتخر وتقول: ابنة عتبة وشيبة، فقالتها فقال لها يوماً: إذا دخلت النار فانظري عن يسارك تجديهما، فغضبت وأتت إلى عثمان، ﵁ تشكوه فبعث عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين، فقال البن عباس: لأفرق بينهما وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من قريش، فلما أتياهما وجداهما أغلقا الباب واصطلحا. [٦٦] فاطمة بنت الوليد ابن عتبة، قيل: اسمها هند، وزوجها عمها حذيفة لمولاه سالم، وكانت من أفضل أيامى قريش، وكانت في الشام، تلبس الثياب الحرير ثم تتأزر، فقيل لها: أما يغنيك هذا عن الإزار؟ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالإزار. [٦٧] رملة بنت شيبة ابن ربيعة تزوجها عثمان بن عفان ﵁ وهاجرت معه، وقالت فيها هند أم معاوية شعراً، نعت عليها الإسلام واتباعها دين من قتل آبائها.

стр. 67

[٦٨] قتيلة بنت النضر ابن الحارث، أسلمت يوم الفتح، وكانت تحت عبد الله بن الحرث بن أمية، فولدت له: علياً ومحمداً والوليد، ولما قتل ﷺ أباها كتبت إليه قتيلة قبل إسلامها. شعر: يا راكباً إنَّ الأثيلَ مظنَّةٌ ... منْ صبح خامسةٍ وأنتَ موفَّقُ أبلغْ بهِ ميتاً بأنَّ تحيَّةً ... ما إنْ تزالُ بها النَّجائبُ تخفقُ منِّي إليهِ وعبرةً مسفوحةً ... جادتْ لمائحها وأخرى تخنقُ هل يسمعنَّ النَّضرُ إنْ ناديتهُ ... بل كيفَ يسمعُ ميَّتٌ لا ينطقُ ظلّتْ سيوفُ بني أبيهِ تنوشهُ ... للهِ أرحامٌ هناكَ تشقَّقُ قسراً يقادُ إلى المنَّيةِ متعباً ... رسفَ المقيَّدِ وهوَ عانٍ موثقُ أمحمَّدٌ أوَ لستَ صنو نجيبةٍ ... في قومها، والفحلُ فحلٌ معرقُ ما كانَ ضرَّكَ لوْ مننتَ وربَّما ... منَّ الفتى وهوَ المغيظُ المحنقُ فالنَّضرُ أقربُ منْ قتلتَ قرابةً ... وأحقُّهمْ إنْ كانَ عتقٌ يعتقُ أو كنتَ قابلَ فديةٍ فلقيتَ منْ ... بأنعزِّ ما يغلو بهِ ما ينفقُ فلما بلغ رسول الله ﷺ [ذلك بكى] حتى اخضلت بالدموع لحيته، وقال: "لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لعفوت عنه". انتهى. [٦٩] بسرة بنت صفوان ابن نوفل بن أسد، وهي من المبيعات، كانت عند المغيرة فولدت له: معاوية وعائشة أم عبد الملك بن مروان، روت عنه ﷺ : "من مس ذكره فليتوضأ". [٧٠] الحولاء بنت تويت لبن حبيب [بن أسد] بن عبد العزى، هاجرت إلى المدينة، وكانت من العابدات، وهي التي جاء فيها الحديث: "إنها كانت لا تنام الليل". انتهى. [٧١] أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁ أسلمت قديماً، وتزوجها الزبير وهاجر بها إلى المدينة، وهي حامل بعبد الله فوضعته بقباء، وكانت تسمى ذات النطاقين، لأن النبي ﷺ حين أراد الهجرة فعسر عليه ما يشد السفرة، فشقت نطاقها وانتطقت بنصفه وشدت السفرة بنصفه، فسماها ﷺ : "ذات النطاقين". ولما بلغ ولدها عبد الله بن الزبير ﵁ أن الحجاج يعيره بابن ذات النطاقين. أنشد قول الهلالي: شعراً: وعيّرها الواشوان أنَّي أحبّها ... وتلكَ شكاةٌ بارحٌ عنكَ عارها فإنْ أعتذرْ منها فإنّي مكذَّبٌ ... وإنْ تعتذرْ يردد عليها اعتذارها قيل: "إنها أسلمت بعد سبعة عشر نفساً، وعاشت حتى قتل ابنها، وقد كف بصرها، وكانت تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجسده. وقيل: إنها لما رأت ولدها عبد الله مصلوباً در ثديها وحاضت. فقالت: حنت إليه مراتعه ودرت عليه مراضعه. فلما دخلت على الحجاج لعنه الله [لعنة] مؤبدة عدد ما خلق الله، فقالت له: أما آن لهذا الراكب أن يترجل؟ فقال: خلو بينها وبين جيفتها. اللهم ألعنه كما لعنت أصحاب السبت، حيث لم يرع حق الصديق. ولما أنزلوه غسلته وكفنته، وصلوا عليه، ودفنته، وماتت بعده بأيام يسيرة، وقد عاشت ﵂ مائة سنة ودفنت بمكة. [٧٢] أم كلثوم بنت الصديق ﵂ ولدت بعد وفاة أبيها لأن أمها كانت حاملاً بها، فقال أبو بكر ﵁ لعائشة ﵂ كنت نحلتك جراد عشرين وسقاً وددت أنك كنت جربته: وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك. فقالت: إنما هي أسماء: فمن الأخرى؟ فقال: دويطر بنت خارجة. فإني أظنها جارية. فصدق الله ظنه، وولدتها فسمتها عائشة ﵂ أم كلثوم، ولما كبرت خطبها كعمر، ﵁ من عائشة ﵂ فلما ذهب قالت الجارية: تزوجيني عمر ﵁ وقد عرفت خشونة عيشه، والله لئن فعلت لأخرجن إلى قبر رسول الله ﷺ لأصيحن به إنما أريد فتى من قريش يصب علي الدنيا صبا.

стр. 68

فأرسلت عائشة ﵂، إلى عمرو بن العاص فأخبرته، فقال: أنا أكفيك. فذهب إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، لو جمعت إليك امرأة. فقال: عسى أن يكون ذلك. قال: من ذكر أمير المؤمنين؟ قال: أم كلثوم بنت أبي بكر ﵁ قال: ما لك ولجارية، سعى إليك إياها بكره عيش. فقال عمر ﵁: أعائشة أمرتك بذلك؟ قال: نعم فتركها فتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له زكريا وعائشة. فقال علي ﵁ لقد تزوجها أفتى أصحاب محمد ﷺ . [٧٣] أم فروة أخت الصديق ﵁ أسلمت وبايعت، وروت عن النبي ﷺ أنه قال: [إن] "أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها". تزوجها الأشعث بن قيس الكندي، فولدت له محمداً وإسحاق وجمانة وقريبة. ويروى أن أبا قحافة قال لابنته يوم الفتح، خذي بيدي إلى جبل أبي قبيس ففعلت، فقال لها: ما ترين؟ قالت: أرى سواداً مجتمعاً. قال: تلك الخيل. قالت: وبين أيديهم فارس يقبل ويدبر. قال: ذاك الوازع. قالت: قد انتشر السواد. قال: غارت الخيل فأدركي في المنزل فنزلت به فأدركها الخيل قبل بلوغ المنزل، فأخذ بعضهم طوقاً كان في عنقها، فلما فتح النبي ﷺ مكة قال أبو بكر: أنشد الله رجلاً أخذ طوق أختي إلا رده. فلم يرد. فقال أبو بكر ﵁ لأخته: احتسبي طوقك فإن الأمانة اليوم في الناس قليل. [٧٤] أم الخير بنت صخر ابن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، هي أم أبي بكر الصديق أسلمت قديماً، في اليوم الذي ضرب فيه أبو بكر ﵁ وكانت قد خرجت بأبي بكر وهي وأم جميل بنت الخطاب، حين هدأت الرجل فدخلوا عليه ﷺ في دار الأرقم. فقال أبو بكر: يا رسول الله هذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك، فادع الله له، فدعا لها ﷺ ودعاها [إلى] الإسلام فأسلمت، ولم يجتمع لأحد من العشرة إسلام أبويه غير أبي بكر ﵁. [٧٥] أُمُّ حَكِيم بِنْتُ الَحارِثِ ابن هشام، تزوجها عكرمة بن أبي جهل، أسلمت قبله يوم الفتح، وهرب عكرمة فأخذت له أماناً من النبي ﷺ وعاد وخرجت معه إلى الشام. ولما غزا وقتل عنها بأجنادين فاعتدت (عنه أربعة أشهر وعشراً) ، وتزوجها خالد بن سعيد بن العاص على أربعمائة دينارٍ، فلما نزل المسلمون مرج الصفرِ أراد خالد أن يعرس بها فقالت له: لو أخرت الدخول حتى يفض الله هذه الجموع! فقال خالد: إن نفسي تحدثني أني أصاب في جموعهم، قالت: فدونك. فأعرس بها عن القنطرة التي بالصفر فسميت قنطرة أم حكيم، وأولم عليها، ودعا أصحابه على الطعام، فما فرغوا (من الطعام) حتى صفت الروم صفوفها، وبرز خالد ﵁ وقاتل حتى قتل ﵁ وشدت أم حكيم عليها (ثيابها) وعدت، وإن عليها لردع الخلوق، فاقتتلوا أشد القتال على النهر، وأخذت السيوف بعضها بعضاً. وقتلت سبعة رجالٍ أم حكيم بعمود الفسطاط الذي بات فيه خالد معرساً، ثم تزوج أم حكيم عمر بن الخطاب ﵁ فولدت له فاطمة بنت عمر. [٧٦] دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي جَهْل أسلمت، وأراد علي بن أبي طالب أن يتزوجها على فاطمة الزهراء، فقالصلى الله عليه وسلم لا أحرم شيئاً أحله الله، ولكن لا تجتمع ابنة نبي الله، وابنة عدو الله تحت رجل واحدٍ أبداً. فإن كان يريد ذلك فليطلق فاطمة ﵂ فترك علي ﵁ الخطبة. [٧٧] جُويْرِيَّةُ بِنْتُ أَبِي جَهْل أسلمت يوم الفتح مع أخيها درة، قال الزبير ﵁ هي التي أراد علي رضي الله نكاحها ثم تركها فتزوجها عتاب بن أسيد، فولدت له عبد الرحمن بن عتاب. قتل يوم الجمل. [٧٨] دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَة هي التي جاء ذكرها في حديث أم حبيبة، ﵂ إذ قالت لرسول الله: إِنَّا لنتحدث أنك ناكح درة بنت أبي سلمة! قال: بنت أم سلمة ﵂، قالت: نعم. قال: "والله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي. إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وإياه ثويبة". [٧٩] زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَة

стр. 69

كانت ترضع حين تزوجصلى الله عليه وسلم أمها، فجاء عمار ﵁ وأخذها من حجر أمها، فذهب بها. وقال: هذه التي حاولت بين رسول الله وبين أهله، وقيل: إنها ولدت قبل الحبشة، والأول أصح، وقالت زينب: كان اسمي برة فسماني، ﷺ زينب. روي أنها دخلت عليه صلى الله عليه وسلموهو يغتسل فنصح في وجهها الماء، فلم يزل ماء الشباب في وجهها حتى كبرت. وأرضعتها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ قالت زينب: وكنت أرى الزبير ﵁ يدخل علي وأنا أمتشط فيأخذ ببعض قروني ويقول: أقبلي علي فحدثيني، أراه أباً ويراني ولداً. وتزوجها عبد الله بن زمعة ﵁ وكانت أفقه نساء زمانها. قال الحسن ﵁: لما كان يوم الحرة وقتل أهل المدينة، فكان فيمن قتل ابنا زينب فحملا ووضعا بين يديها. فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله 'ن المصيبة علي فيهما لكبيرة، وهي علي هذا أكبر منها في هذا، أما هذا فحضر بيته وكف يده فدخل عليه فقتل مظلوماً (وأنا أرجو له الجنة) وأما هذا فبسط يده فقاتل فقتل فلا أدري على ما هو من ذلك، فالمصيبة علي به أعظم منها في هذا. [٨٠] أمُّ كُلْوُم بِنْتُ أبِي سلمة ﵂ روت أنه ﷺ قال لأم سلمة حين تزوجها: "إني قد أهديت للنجاشي أواقي (من) مسك وحلة، ولا أواه إلا قد مات، ولا أرى الهدية إلا سترد إلي، فإن ردت فهي لك، فكان كما قال" ﷺ مات النجاشي وردت الهدية إلى النبيصلى الله عليه وسلم فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك، وأعطى باقيه لأم سلمة ﵂. [٨١] أَمُّ جَمِيل فَاطمَةُ بِنْتُ الخطَّابِ ﵂ هي أخت عمر ﵁ تزوجها ابن عمها سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، أسلمت قبل عمر ﵁ هي وزوجها سعيد، وكانت هي سبب إسلام عمر ﵁ ولما ضرب أبو بكر ﵁ على الإسلام حمل إلى بيته وهم لا يشكون في موته، ثم أفاق فأول ما تكلم قال: ما فعل رسول الله ﷺ فقالت أمه: مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل فاسأليها عنه. فذهبت وقالت لها: إن أبا بكر يسألك عن محمد ﷺ قالت: لا أعرف أبا بكر ولا محمداً، ولكن أذهب معك إلى ابنك! فأتت معها، فلما دخلت ورأت ما به رنت وأعلنت بالصياح وقالت: إن قوماً نالوا منك هذا، (فهو كفر وفسوق) ، وإني أرجو أن ينتقم الله لك منهم، فقال أبو بكر: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت: هذه أمك تسمع! قال: لا ضير عليك منها. قالت: هو صالح سالم في دار الأرقم. قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى آتي رسول الله. فأمهلتاه حتى هدأت الرجل فخرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلاه على رسول الله، ودعا ﷺ لأم أبي بكر، وعرض عليها الإسلام فأسلمت.

стр. 70

وأما إسلام عمر ﵁ فكانت أخيه قد أسلمت هي وزوجها وهم مستخفون، وكان نعيم بن عبد الله النجار، أسلم، وكان خباب بن الأرت أسلم ويقرئ أم جميل القرآن خفية، فخرج عمر، متقلداً بسيفه، يريد أن يقتل رسول الله وأصحابه، وقد علم أنه في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين رجلاً وامرأة مع النبي ﷺ وحمزة ﵁ وعلي وأبي بكر، فلقي نعيم عمر ﵁ وقال له: أين تريد؟ فقال أريد محمداً! هذا الصابئ الّذي فرق أمر قريش فأقتله. فقال له نعيم والّله لقد غرّتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً! أفلا ترجع إلى ترجع أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال عمر: من هم؟ قال: أختك وزوجها سعيد، فقد أسلما. فرجع عمر إليهما وعندها خباب في مخدع فاختفى لما رأى عمر، وأخذت الصحيفة أخته فجعلتها تحت فخذها. ودنا عمر ﵁ فلما دخل قال: ما هذه الهينمة؟ قد تابعتما محمداً؟ وضرب سعيداً، ﵁ فقامت أخيه فاطمة لتكفه، فضربها فشجها، فقالت له أخيه: نعم أسلمنا وآمنا فاصنع ما بدا لك! فلما رأى عمر ﵁ ما بأخته من الدين ارتعد، وقال لها: أعطني الصحيفة أنظر فيها! فقالت: إنك نجس، وأنه لا يمسها إلا طاهر. ولم يزل بها حتى أخذ الصحيفة، وكان يقرأ ويكتب، فوجد فيها (سورة طه) فلما قرأها، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه وقال: يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب". فقال عمر: فدلني على محمد. فقال: هو في بيت عند الصفا. فسار عمر متقلداً بسيفه، فلما قرب ضرب الباب فلما سمعوا صوته، خرج رجل من الصحابة فرأى عمر متوشحاً بسيفه، فقال حمزة ﵁: ائذن له، فإن جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن أراد شراً قتلته بسيفه. فقال ﷺ ائذن له. فأذن له الرجل، فدخل وقال عمر ﵁: يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله. وأسلم وتفرق أصحاب النبي من مكانهم فرحين مستبشرين بإسلام حمزة وعمر رضي الله تعالى عنهما. [٨٢] عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيدِ بْنِ عَمْرو من المهاجرات، تزوجها عبد الله بن الصديق، ﵁ وكانت جميلة فغلبت على عقله وشغلته عن الجهاد فأمره أبو بطلاقها، فأنشد: يقُولُونَ: طَلَّقهَا وخيّم مكانَهَا ... مُقيمٌ عليكَ الهمُّ أحلامُ نائمِ وأنَّ فراقِي أَهلَ بيتٍ جمعتُهُمْ ... على كبرٍ منَّي لإِحدَى العَظَائِمٍ أَرَانِي وَأَهْلِي كَالعُجُولِ تَزَوَّجت ... إلَى بَرَّهَا قبلَ العَشَارِ الروائِمِ ثم طلقها، فدخل عليه أبوه وهو ينشد ويقول: أَعَاتِكَ لاَ أَنْساكِ مَا دَّر شَارِق ... وَمَا نَاحَ قمريّ الحَمَام المُطَوّق أَعَاتِكَ قَلْبِي كُلَّ يَومٍ وَلَيْلَةٍ ... عَلَيْكِ بما تُخْفي الُّنفُوسُ مُعَلّقُ وَلَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ اليَوْم مثْلَهَا ... وَلاَ مثْلَهَا فيِ غَيْرِ جُرْمٍ تُطَلَّقُ لَهَا كَلَفٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌ وَمَنْصِبٌ ... وَخُلْقٌ سَوِيّ فِي الحَيَاءِ وَمَصْدَقُ فرق له أبوه وأمره فراجعها وأنشد يقول: أَعَاِتِكَ قَدْ طُلَّقْتِ في غَيْر رَيْبَةٍ ... وَروُجِعتِ للأمرِ الّذِي هُو كَائِنُ كَذَلِكَ أمَرُ اللَّهِ غَادٍ وَرَائِحُ ... عَلَى النَّاسِ فيهِ أُلْفةٌ وَتَباُيُنُ وَمَا زَالَ قَلْبِي للَّتفَُّرقِ طَائِراً ... عَلَى النَّاسِ فِيِه أُلْفَةٌ وتبايُنُ لَيهنك إنَّي لاَ أرَى فيكِ سخطةً ... وإنَّكِ قَدْ تَمَّتْ عَلَيْكِ المحاسِنُ وَإِنَّكِ ممّن زَيَّن اللَّهُ وَجْهَهُ ... وَلَيْسَ لوَجْهٍ زَانَةُ اللَّهُ شَائِنُ ثم شهد عبد الله الطائف فأصيب بسهمٍ ومات بالمدينة فقالت عاتكة ترثيه: رُزِيتُ بخَيرِ النَّاسِ بعدَ نَبِيهَّم ... وبعدَ أبي بكْر وما كَانَ قَصَّراَ فيا ليتَ لاَ تنفكُّ عيني حزينة ... عليْكَ وَلَا ينفكُّ جلدي أغبرا فللَّه عَيْنَا مَنْ رأى مثلَهُ فتى ... أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا

стр. 71

إذا شرعَتْ فيه الأسَّنةُ خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا ثم تزوجها عمر بن الخطاب، ﵁ سنة اثنتي عشرة فلما قتل قالت عاتكة ترثيه. عيني جودِي بعبرةٍ، ونحيبِ ... لا تملَّي على الجوادِ النَّجيبِ فَجَعتِني المنوُنُ بِالفَارِسِ المع ... لم يومَ الهَيَاجِ وَالتَّأييبِ قُلْ لأَهْلِ الضَّرَّاءِ وَالبُؤْسِ مُوتُوا ... قَدْ سَقَتْهُ المَنُونُ كَأْسَ شُعُوبِ ثم تزوجها الزبير بن العوام ﵁ وكانت تخرج للمسجد للصلاة وكان الزبير غيوراً، فيمنعها فنقول: لا أزال أخرج حتى تمنعني وتذكر قوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" فتنكر لها ليلة في مكان مظلم وقرصها في عجيزتها، فرجعت إلى بيتها فكان يقول لها: لم لا تخرجين؟ فتقول: كنت أخرج والناس ناس، وأما إذ فسد الناس فبيتي أوسع لي. ولما قتل الزبير ﵁ رثته بقولها: غَدَرَ اْبْنُ جُرْمُوزٍ بِفَارِسٍ همًّةٍ ... يَوْمَ اللَّقاءِ وًكَانَ غَيْرَ مُعَرَّدِ يَا عَمْرُو لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ ... لاَ طَائِشاً رَعْش الجَنَانِ وَلاَ اليَدِ كَمْ غَمْرةٍ قَدْ خَاضَهَا لَمْ يُثْنِهِ ... عنا طرادك يا ابن فقع القردد ثكلتك أمك إن ظفرت يمثله ... فِيَما مَضَى ممَّنْ يَرُوحُ وَيَغْتَدِي وَللَّه رَبّك إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِماً ... حَلّتْ عَلَيْك عُقُوبَةُ المُتَعَمَّدِ ولما قتل الزبير ﵁ صالحها ولده على ثمانين ألف درهم، ثم تزوجها محمد بن أبي بكر، ﵁، فقيل عنها بمصر فقالت ترثيه: إِنْ تَقْتُلُوا وَتُمَثَّلُوا بِمُحَمَّدٍ ... فَمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ النَّسَاءِ وَلاَ الخَمْرِ ثم خطبها علي أبي طالب ﵁ فقالت: إني لأضن بك يا بن عم رسول الله (أن) تحب القتل؟ وكان يقال: من أحب الشهادة فليتزوج عاتكة ﵂. [٨٣] الشَّفَّاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ ابن عبد شمس بن خلف واسمها ليلى وهي من المبايعات المهاجرات كان ﷺ يأتيها ويقيل عندها، وكانت قد اتخذت له فراشاً، وإزاراً ينام فيه، ومازال عندهم حتى أخذه مروان، وأقطعها ﷺ دارها عند الحكاكين، وصلى به ﷺ وكان عمر ﵁ يقدمها (في الرأي) ويرضاها، وربما ولاَّها شيئاً من أمر السوقِ. وانتهى. [٨٤] سهلة بنت سهيل ابن عمرو زوجة أبي حذيفة بن عتبة، أسلمت قديماً، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها فولدت له محمداً، ثم قدموا مكة فأقاموا بها حتى هاجروا إلى المدينة، وهي التي أتت رسول الله فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً وكان يدخل علينا، ويرني وأنا أصلي، وقد أنزل الله فيهم ما أنزل، فما ترى؟ قال: "أرضعيه تحرمي عليه" وقتل أبو حذيفة يوم اليمامة، فتزوجها عبد الرحمن ابن عوف، فولدت له سالماً. ولما مات تزوجها عبد الله بن الأسود فولدت له سليطاً. ولما مات تزوجها عبد الله بن الأسود فولدت له سليطاً. ولم مات تزوجها شماخ بن فولدت له بكيراً. [٨٥] حبيبة بنت عبد الله ابن جحش، ربيبة رسول الله ﷺ هاجرت مع أبيها. وأمها بها تكنى. [٨٦] حمنةُ بنتُ جحش تزوجها مصعب بن عمير فولدت له زينب ثم قتل يوم أحد، فتزوجها طلحة ابن عبيد الله، فولدت له محمداً وعمران، وكانت ممن خاض في حديث الإفك فجلدت فيمن جلد. [٨٧] أم حبِيبة بِنتُ جحش تزوجها عبد الرحمن بن عوفْ ﵁ وكانت تستحاض فأمرها ﷺ أن تغتسل لكل صلاة. [٨٨] أم قيس بنت محصن أخت عكاشة، أسلمت قديماً، وهاجرت وبايعت وهي التي أتت النبي بابن لها صغير، فوضعه ﷺ في حجره، فبال عليه فدعا ﷺ بماء فأتبعه بوله ولم يغسله انتهى. [٨٩] أم عبد الله بنت الوليد تزوجها عثمان بن عفان ﵁ فولدت له سعيد بن عثمان ﵁ وتوفيت ﵂. [٩٠] فاطمة بنت عمر ﵂ .

стр. 72

ابن الخطاب، وأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة. تزوجها ابن عمها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. فولدت له عبد الله، وتوفيت في خلافه عثمان ﵁. [٩١] زينب بنت عمر ﵂ . ابن الخطاب ﵁ أمها فكيهة كانت من الصالحات، روت عن أختها حفصة ﵂ أم المؤمنين كذا ذكره في "الرياض النضرة" و"التبيين"، وتزوجها عبد الله بن عبد الله بن سراقة العدوي فأقامت عنده أعواماً. [٩٢] أمُّ كُلْثُوم بِنتُ علي ﵂ . ابن أبي طالب ﵁ وأمها فاطمة الزهراء ﵂ تزوجها الإمام عمر ﵁ في السنة السابعة عشرة وأصدقها أربعين ألف درهم، فولدت له زيداً الأكبر، ورقية، وتوفي عنها. [٩٣] عَائِشةُ بِنْتُ طَلْحَة الَّتيمَّية كانت فائقة الحسن والجمال، لم ير الزمان من يشابهها بالجمال، تزوجها مصعب بن الزبير ﵁ وأصدقها مائة ألف دينار، وأقامت عنده إلى أن توفيت سنة إحدى ومائة. [٩٤] فاطمة بنت الحسين رضي الله (عنه) بن علي، ﵁ ذات جمال، تزوجها ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي ﵁ وأقامت عنده إلى أن توفي ﵀ فلما حضرته الوفاة قال لها: كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان ﵁ قد رحل عمامته ولبس حلته، وعرض لك ليتزوجك، وهذا أهم شيء عندي. فعاهدته زوجته فاطمة، أن لا تتزوجه، وحلفت بعتق عبيدها وإمائها، وصدقة مالها، فلما توفي الحسن بن الحسن ﵁ وخرجت جنازته إذا بعبد الله بن عمرو بن عثمان قد عرض لفاطمة على الصفة التي ذكرها الحسن، فلما أحلت وانقضت عدتها أرسل يخطبها فقالت: قد حلفت بصدقة مالي وعتق رقيقي. فقال: أنا أخلف لك كل شيء بشيئين. فرضيت وأعتقت عبيدها وتصدقت بمالها فتزوجها عبد الله وضاعف لها العبيد والأموال ودخل بها فولدت له محمداً الذي كان يسمى بالديباج. وتوفيت فاطمة سنة عشر ومائة. [٩٥] الخيزرانة زوجة الخليفة المهدي العباسي، وولدت له الخليفة موسى الهادي وهارون الرشيد، وكانت صاحبة جود وخيرات، ولما توفي المهدي سنة تسعٍ وستين ومائة، بويع بالخلافة ولدها موسى الهادي وكان طويلاً جسيماً، وكان بشفته العليا تقلص فكان يفتح فمه، فوكل به أبوه خادماً كلما فتح فاه صاح به: يا موسى أطبق. فلقبه الناس بذلك، ولما استقر موسى بالخلافة هم بقتل أمه الخيزران، وقتل أخيه الرشيد، فاتفقت الخيزران مع ولدها الرشيد، وقتلا موسى الهادي سنة سبعين ومائة، وقيل: مات بقرحةٍ، وخلافته سنة وشهراٍ وكان كريماً مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدة فلما قرأها عليه ووصل إلى قوله منها شعراً: تَشَاَبَهَ يَوْماً وَنَوَالِهِ ... فَمَا أَحَدٌ يَدْرِي لأَيَّهِمَا الفَضْلُ فقال له: أيما أحب إليك، ثلاثون ألفاً معجلة، أو سبعون ألفاً موجلة؟ فقال: بل المعجل. فقال له: لك المعجل والمؤجل. وبويع بعده الخليفة هارون الرشيد، ثم سار إلى الحج سنة إحدى وسبعين، ومعه أمه الخيزرانة فتصدقت بالحرمين، واشترت دوراً بالصفا وألحقته بالحرم الشريف، ويعرف الآن بدار الخيزرانة.. وتوفيت الخيزرانة سنة اثنتين وسبعين ومائة، ودفنت في بغداد، وكانت كثيرة الخيرات والصدقات رحمها الله تعالى. آمين. [٩٦] فاطمة بنت عبد الملك بن مروان الأموي

стр. 73

كانت زوجة عمر بن عبد العزيز ﵁ وكانت من الصالحات، ولما ولي الخلافة عمر قال لامرأته فاطمة، ولها حلي أخذته من عند أبيها: اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت مال المسلمين. وإما تأذني لي بفراقك! فقالت: أختارك عليه. فأمر عمر ﵁ بحمل الحلي إلى بيت مال المسلمين ووضع فيه، ولما مات عمر قال لها أخوها يزيد: يا فاطمة إن شئت رددت عليك حليك، فقالت: لا والله لا أطيب به نفساً في حياة عمر وأرجع فيه بعد مماته. كانت تقول: والله ما أغتسل عمر عن جنابة ولا حلم منذ ولي الخلافة. وكانت ترفع من نفقتهم شيئاً يسيراً حتى اجتمع عندها مال فاشترت به ثياباً لا بنتها، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فأخذ الثياب وأعادها إلى بيت المال وقلل من نفقته. وتوفيت فاطمة زوجة عمر سنة مائة وخمس وقيل: مائة وسبع والله أعلم. [٩٧] خَوْلُة بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تزوجها أوس بن الصامت ﵁ وكانت حسنة الجسم، وكان في جسد زوجها لمم، وقيل: برص، فطلبها يوماً ليواقعها، فأبت وتطيرت، وذكرت قوله ﷺ : " فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وظنت أنه نوع من الجذام فغضب لذلك أوس، فقال لها: أنت علي كظهر أمي. ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية، قال في "الهداية": الإيلاء إذا قال الرجل لامرأته: والله لا أقربك أو لا أقربك أو لا أقربك أربعة أشهر فهو مول لقوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ... (فإن وطئها في الأربعة أشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، لأن الكفارة توجب الحنث، وسقط الإيلاء لأن اليمين ترفع بالحنث، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه لأن اليمين ترتفع بالحنث، قال في"الهداية": إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فقد حرمت عليه، ولا يحل له وطؤها، لا مسها، ولا تقبيلها حتى يكفر لقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم (إلى قوله تعالى: (فتحرير رقبة (وإن قال: أنت علي (مثل) أمي، أو كأمي، يرجع إلى نيته، فإن قال: أردت الكرامة فهو كما قال، وإن نوى الظهار كان ظهاراً، وكفارة الظهار عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، ويجزى في العتق الرقبة الكافرة المسلمة، والذكر والأنثى، والصغير والكبير لأن اسم الرقبة ينطلق على هؤلاء، ولا تجزي العمياء والمقطوعة اليدين أو الرجلين لأن الفائدة جنس المنفعة، ويجوز الأصم، والقياس أن لا يجوز. قال في (المعالم) : ثم إن أوس الصامت ندم، وقال لزوجته خولة: ما أظنك إلا قد حرمت علي! فقالت: والله ما ذاك بطلاق، فأتت رسول الله ﷺ وعائشة تغسل شق رأسه، وذكرت له ما قال أوس، وشكت حالها، فأنزل الله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما (وكان هذا أول ظهار في الإسلام. [٩٨] ?حَبِيبةُ بِنْتُ سَهْل كانت جميلة، تزوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكان يحبها وهي تبغضه ولا تحبه، وكان إذا طلبها لحاجته امتنعت وأبت، فكان يضربها، فأتت يوماً إلى أبيها سهل وشكت إليه، زوجها، وقالت: إنه يضربني ويسبني. فقال لها أبوها: ارجعي إلى زوجك، فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها وقد سمعت ما قاله ﷺ : "لو أمرت أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"فغضبت وخرجت من عند أبيها، وعادت إلى زوجها، ولما رأت أن أباها لم يشكها، فأتت إلى عند رسول الله ﷺ وشكت إليه زوجها وأرته أثار الضرب، وقالت: لا أنا ولا هو. فدعا ﷺ ثابت وسأله فقال: والذي بعثك بالحق بشيراً ما على وجه الأرض أحب إلي منها غيرك! فقال لها ﷺ (ما تقولين؟) فقالت: صدق يا رسول اله ولكن خشيت أن يهلكني، فاخرني منه وهو من أكرم الناس حباً لزوجته، ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو. فعند ذلك طلب منها ثابت ما أصدقها وما أعطاها، فأعطته وخلى سبيلها. قوله تعالى: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن (. قال في (المعالم) : (للرجال نصيب مما اكتسبوا (إن كان لهم فضل الجهاد فللنساء، فضل طاعة الأزواج، وحفظ الفروج، والله سبحانه أعلم. [٩٩] الَّسّيدةُ نَفِيسة

стр. 74

بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، ﵃، كانت من العابدات، الصالحات القانتات، ولها كرامات واضحة، وأسرار لائحة، توفيت سنة ثمان ومائتين، ودفنت في مصر، وقبرها هناك يزار، ولها في الموصل مرقدان في مسجدين، ويعرف المسجد الذي يعزى إليها بمسجد السيدة نفيسة وذكر في الطبقات: انه إذا أحد نذر شيئاً لله، وثوابه إلى السيدة نفيسة ونوى حاجته قضيت ببركتها في عاجل الحال وإن كان يصعب قضاؤها فإن الله يسهل عليه ذلك الأمر، وإذا انقضى أمره ومطلبه فيجب عليه أن يوفي بنذره لقوله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً (، ذكر بعضهم أن السيدة نفيسة كان زوجها رجلاً من أبناء عمها، فكانت إذا أمسى المساء تتطيب وتلبس أفخر ثيابها، وتعرض نفسها على زوجها، فإن كان له بها حاجة قضتها واغتسلت، وعادت إلى عبادتها، إن لم يكن له بها حاجة نزعت ثيابها الناعمات، ولبست الثياب الخشنة، وأقامت ليلها بالعبادات إلى الصباح. وكانت تقول: نحن آل بيت النبوة أحق بالعبادة من غيرنا أن القرآن نزل على جدنا محمد ﷺ وكانت تقول: ويل لمن عصى ربه وخالف أمره وأعرض عن ذكره واتبع هوى نفسه وكانت تقول: الطاعة قلب الإيمان والعبادة جسده، والزهد رداؤه، والصدق حجته والإخلاص بهجته، والعفو عمن أساء أجمل وأحسن بالمؤمن لقوله تعالى (وأن تعفوا أرب للتقوى (والله أعلم، ومن كلامها: العبد الطائع حجة على العبادة العصاة. ومن إملاتها: اللهم إني أعوذ بك من كلام السوء، وفعل السوء، ومرام السوء، وجار السوء، اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز، ولا إلى أحد من خلقك فأضيع. اللهم ألهمني رشدي، وأحسن رفدي، وقني عثرتي واغفر زلتي، وقني شر وساوس الشيطان، وأجرني منه يا رحمن لا يكون له علي سلطان، وصلى الله على سيدنا محمد صاحب الشريعة والبرهان، آمين وروى الشيخ أبو الحسن عن السيدة نفيسة أنها قالت: إذا واظب المؤمن على قراءة (قل يا أيها الكافرون (دبر كل فريضة ثلاث مراتٍ أماته على الإيمان الكامل. ومن قرأ (سورة الإخلاص) دبر كل صلاة مرة أمن وسواس الشيطان، وكان ممن أخلص نيته وعمله الله تعالى. وذكر في كتاب "الدار النظيم": قال ﷺ "إن في القرآن سورة تدعى العزيزة عند الله ويدعى صاحبها الشريف عند الله، تشفع يوم القيامة لصاحبها أكثر من ربيعة ومضر ". قالوا: يا رسول الله أي سورة؟ قال: (سورة ليس~) . وقال لصلى الله عليه وسلم: "من بقراءة (قل يا أيها الكافرون (ومن أراد النجاة من عذاب القبر فعلته بقراءة (تبارك الذي بيده الملك (ومن أراد النجاة من شر الحساب فعليه بقراءة المعوذتين ومن أراد النجاة من عطش يوم القيامة فعليه بقراءة (الفاتحة) ومن أراد الشرب من حوض النبي ﷺ فعليه بقراءة (إنا أعطيناك الكوثر) . وهكذا وجدته في هامش كتاب"المصابيح" والله أعلم. [١٠٠] مَيْسُون بِنْتُ َبْحدَل كانت جميلة الأوصاف حسنة الأطراف، فائقة الجمال، نظمها السحر الحلال. وهي من بادية العرب، ومن أهل الحسب والنسب، فخطبها معاوية، رضي اله عنه وتزوجها وأصدقها عشرين ألف درهم، ودخل بها فحملت منه بيزيد، وهي من بني كلاب الإنجاب ولما تم حملها ولدت يزيداً، زاد الله عقابه وأقامت عند معاوية نحو ثلاثة أعوام، فدخل يوماً معاوية عليها وهو يتجسس فوجدها تنشد شعراً: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحبُّ إلَيَّ من لُبْسِ الشَّفُوفِ وَبَيْتٌ َتْخُفقُ الأرْيَاحُ فِيه ... أَحَبُّ إَلَّي مِنْ قَصْرٍ مَنِيفٍ وَبكر يتبعُ الأظعان صعبٌ ... أحَبّ إِلَّي مِن بغْل زَفُوفِ وَكْلبٌ ينبحُ الأضيَافَ دُوِني ... أحَبُّ إلَّي من هرَّ أليفِ وخرقُ مِن بَنِي عَمَّي ثَقيف ... أحبُّ إلَّي من عِلج عَنِيف فدخل معاوية، ﵁ عليها وقال لها: ما رضيتني يا ابنة بجدل حتى جعلتني علجاً عنيفا؟ الحقي بأهلك. وطلقها، فمضت إلى أهلها وأخذت معها ولدها يزيد. وأقام مع أمه، وتفصح وشعر ببادية بني كلب إلى أن كبر وتضعضع عاد إلى أبيه، وماتت أمه ميسون في خلافة معاوية ﵁ وقيل: إنها توفيت في خلافة ابنها يزيد، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

стр. 75

[١٠١] أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان بن الحكم وهي أخت أمير المؤمنين عمر بن العزيز، (وأمها: ليلى بنت سهيل بن حنظلة بن الطفيل، تزوجها ابن عمها الوليد بن عبد الملك) . حكي: أن عزة بنت حميل صاحبة كثير دخلت يوماً على أم البنين فقالت: لها أم البنين: ما معنى قول كثير فيك. شعر: قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَقَّى غَرِيمَهُ ... وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَرِيمُهَا فقالت: وعته بقبلة ثم رجعت عنها، فقالت لها أم البنين: أنجزيها وعلي إثمها. فاستأثمت أم البنين، وحجت وأعتقت عند الكعبة أربعين عبداً وقالت: اللهم إني أتبرأ إليك مما قلت لغزة، ذكر في (الهداية) : في أول كتاب الإعتاق قال: الإعتاق تصرف مندوب إليه، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أيما مسلم أعتق مؤمناً أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار". وذكر في " مختارات ولسان الحكام" هذا الحديث وقال: ولهذا استحبوا أن يعتق الرجل العبد، والامرأة الأمة لتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء وذكر في "الاختيار": العتق في الشرع زوال الرق عن المملوك، وفي اللغة: العتق: القوة. يقال لها: عتق الطائر إذا قوي على الطيران، وعتقت الخمر إذا قويت واشتدت، وسمي الصديق عتيقاً لجماله. والبيت العتق الكريم. ولما تزوج سليمان أم البنين شغف بها لجمالها وحسن أخلاقها، وكانت على سيرة أخيها عمر أمير المؤمنين، وكان سليمان أكولا يأكل مائة رطل شامي، وقبل: إنه اصطبح يوماً بأربعين دجاجة وأربعمائة بيضة، وأربع وثمانين كلوة، وثمانين جر دقة، ثم أكل الناس السماط. وأكل مرة في مجلس واحد سبعين رمانة. وخروفاً، وفي أيامه ظهرت الكنافة فكان كل ليلة يتسحر بعشرين رطل منها، وتوفي سليمان سنة تسع وتسعين، واستمرت أم البنين بعد سليمان مشتغلة بالعبادات والصدقات إلى أن توفيت في خلافة يزيد، وقيل: في خلافة هشام. [١٠٢] بوران بنت الحسن بن سهل وزير المأمون كانت بارعة في الحسن، صاحبة عقل وكمال وعفة، فبلغ خبرها إلى المأمون فخطبها من أبيها سنة تسع ومائتين ودخل بها سنة عشرة ومائتين، تزوجها في مدينة واسط. ولما أدخلت عليه نثر يوم عرسها على الهاشميين والقواد بنادق مسك فيها رقع بأسماه ضياع وجوار وخيل وكل من وقع بيده رقعة ملك ما هو مكثوب فيها. نثر على الناس دنانير ودراهم، وأوقد ليلة زفافها شمعة عنبر وزنها أربعون مناً في فانوس من ذهب، ولما دخل المأمون على بوران نثرت على رأسه جدتها ألف حبة لؤلؤ نفيسة، ولما خلا المأمون بها حاضت من هيبة الخلافة. فقالت له: (أتى أمر الله فلا تستعجلو ... (. وحذقت الهاء لئلا تكون آية كاملة، ففطن المأمون لذلك، وأعجب بها، وخرج في الحال وأنشد ذلك: فًارِسٌ مَاضٍ بِحَربتِهِ ... عَارِفٌ بِالطَّعنِ في الظُّلَمِ رَامَ يُدْمِي فَرِيسَتَهُ ... فَاتَّقَتْهُ مِنْ دمٍ بِدَمِ
следующие страницы →