← Тараджим

Тараджим · id 5455

الروضة الفيحاء في أعلام النساء

ياسين الخطيب

Полный текст (117 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إذا شرعَتْ فيه الأسَّنةُ خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا ثم تزوجها عمر بن الخطاب، ﵁ سنة اثنتي عشرة فلما قتل قالت عاتكة ترثيه. عيني جودِي بعبرةٍ، ونحيبِ ... لا تملَّي على الجوادِ النَّجيبِ فَجَعتِني المنوُنُ بِالفَارِسِ المع ... لم يومَ الهَيَاجِ وَالتَّأييبِ قُلْ لأَهْلِ الضَّرَّاءِ وَالبُؤْسِ مُوتُوا ... قَدْ سَقَتْهُ المَنُونُ كَأْسَ شُعُوبِ ثم تزوجها الزبير بن العوام ﵁ وكانت تخرج للمسجد للصلاة وكان الزبير غيوراً، فيمنعها فنقول: لا أزال أخرج حتى تمنعني وتذكر قوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" فتنكر لها ليلة في مكان مظلم وقرصها في عجيزتها، فرجعت إلى بيتها فكان يقول لها: لم لا تخرجين؟ فتقول: كنت أخرج والناس ناس، وأما إذ فسد الناس فبيتي أوسع لي. ولما قتل الزبير ﵁ رثته بقولها: غَدَرَ اْبْنُ جُرْمُوزٍ بِفَارِسٍ همًّةٍ ... يَوْمَ اللَّقاءِ وًكَانَ غَيْرَ مُعَرَّدِ يَا عَمْرُو لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ ... لاَ طَائِشاً رَعْش الجَنَانِ وَلاَ اليَدِ كَمْ غَمْرةٍ قَدْ خَاضَهَا لَمْ يُثْنِهِ ... عنا طرادك يا ابن فقع القردد ثكلتك أمك إن ظفرت يمثله ... فِيَما مَضَى ممَّنْ يَرُوحُ وَيَغْتَدِي وَللَّه رَبّك إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِماً ... حَلّتْ عَلَيْك عُقُوبَةُ المُتَعَمَّدِ ولما قتل الزبير ﵁ صالحها ولده على ثمانين ألف درهم، ثم تزوجها محمد بن أبي بكر، ﵁، فقيل عنها بمصر فقالت ترثيه: إِنْ تَقْتُلُوا وَتُمَثَّلُوا بِمُحَمَّدٍ ... فَمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ النَّسَاءِ وَلاَ الخَمْرِ ثم خطبها علي أبي طالب ﵁ فقالت: إني لأضن بك يا بن عم رسول الله (أن) تحب القتل؟ وكان يقال: من أحب الشهادة فليتزوج عاتكة ﵂. [٨٣] الشَّفَّاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ ابن عبد شمس بن خلف واسمها ليلى وهي من المبايعات المهاجرات كان ﷺ يأتيها ويقيل عندها، وكانت قد اتخذت له فراشاً، وإزاراً ينام فيه، ومازال عندهم حتى أخذه مروان، وأقطعها ﷺ دارها عند الحكاكين، وصلى به ﷺ وكان عمر ﵁ يقدمها (في الرأي) ويرضاها، وربما ولاَّها شيئاً من أمر السوقِ. وانتهى. [٨٤] سهلة بنت سهيل ابن عمرو زوجة أبي حذيفة بن عتبة، أسلمت قديماً، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها فولدت له محمداً، ثم قدموا مكة فأقاموا بها حتى هاجروا إلى المدينة، وهي التي أتت رسول الله فقالت: يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولداً وكان يدخل علينا، ويرني وأنا أصلي، وقد أنزل الله فيهم ما أنزل، فما ترى؟ قال: "أرضعيه تحرمي عليه" وقتل أبو حذيفة يوم اليمامة، فتزوجها عبد الرحمن ابن عوف، فولدت له سالماً. ولما مات تزوجها عبد الله بن الأسود فولدت له سليطاً. ولما مات تزوجها عبد الله بن الأسود فولدت له سليطاً. ولم مات تزوجها شماخ بن فولدت له بكيراً. [٨٥] حبيبة بنت عبد الله ابن جحش، ربيبة رسول الله ﷺ هاجرت مع أبيها. وأمها بها تكنى. [٨٦] حمنةُ بنتُ جحش تزوجها مصعب بن عمير فولدت له زينب ثم قتل يوم أحد، فتزوجها طلحة ابن عبيد الله، فولدت له محمداً وعمران، وكانت ممن خاض في حديث الإفك فجلدت فيمن جلد. [٨٧] أم حبِيبة بِنتُ جحش تزوجها عبد الرحمن بن عوفْ ﵁ وكانت تستحاض فأمرها ﷺ أن تغتسل لكل صلاة. [٨٨] أم قيس بنت محصن أخت عكاشة، أسلمت قديماً، وهاجرت وبايعت وهي التي أتت النبي بابن لها صغير، فوضعه ﷺ في حجره، فبال عليه فدعا ﷺ بماء فأتبعه بوله ولم يغسله انتهى. [٨٩] أم عبد الله بنت الوليد تزوجها عثمان بن عفان ﵁ فولدت له سعيد بن عثمان ﵁ وتوفيت ﵂. [٩٠] فاطمة بنت عمر ﵂ .

стр. 72

ابن الخطاب، وأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة. تزوجها ابن عمها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. فولدت له عبد الله، وتوفيت في خلافه عثمان ﵁. [٩١] زينب بنت عمر ﵂ . ابن الخطاب ﵁ أمها فكيهة كانت من الصالحات، روت عن أختها حفصة ﵂ أم المؤمنين كذا ذكره في "الرياض النضرة" و"التبيين"، وتزوجها عبد الله بن عبد الله بن سراقة العدوي فأقامت عنده أعواماً. [٩٢] أمُّ كُلْثُوم بِنتُ علي ﵂ . ابن أبي طالب ﵁ وأمها فاطمة الزهراء ﵂ تزوجها الإمام عمر ﵁ في السنة السابعة عشرة وأصدقها أربعين ألف درهم، فولدت له زيداً الأكبر، ورقية، وتوفي عنها. [٩٣] عَائِشةُ بِنْتُ طَلْحَة الَّتيمَّية كانت فائقة الحسن والجمال، لم ير الزمان من يشابهها بالجمال، تزوجها مصعب بن الزبير ﵁ وأصدقها مائة ألف دينار، وأقامت عنده إلى أن توفيت سنة إحدى ومائة. [٩٤] فاطمة بنت الحسين رضي الله (عنه) بن علي، ﵁ ذات جمال، تزوجها ابن عمها الحسن بن الحسن بن علي ﵁ وأقامت عنده إلى أن توفي ﵀ فلما حضرته الوفاة قال لها: كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان ﵁ قد رحل عمامته ولبس حلته، وعرض لك ليتزوجك، وهذا أهم شيء عندي. فعاهدته زوجته فاطمة، أن لا تتزوجه، وحلفت بعتق عبيدها وإمائها، وصدقة مالها، فلما توفي الحسن بن الحسن ﵁ وخرجت جنازته إذا بعبد الله بن عمرو بن عثمان قد عرض لفاطمة على الصفة التي ذكرها الحسن، فلما أحلت وانقضت عدتها أرسل يخطبها فقالت: قد حلفت بصدقة مالي وعتق رقيقي. فقال: أنا أخلف لك كل شيء بشيئين. فرضيت وأعتقت عبيدها وتصدقت بمالها فتزوجها عبد الله وضاعف لها العبيد والأموال ودخل بها فولدت له محمداً الذي كان يسمى بالديباج. وتوفيت فاطمة سنة عشر ومائة. [٩٥] الخيزرانة زوجة الخليفة المهدي العباسي، وولدت له الخليفة موسى الهادي وهارون الرشيد، وكانت صاحبة جود وخيرات، ولما توفي المهدي سنة تسعٍ وستين ومائة، بويع بالخلافة ولدها موسى الهادي وكان طويلاً جسيماً، وكان بشفته العليا تقلص فكان يفتح فمه، فوكل به أبوه خادماً كلما فتح فاه صاح به: يا موسى أطبق. فلقبه الناس بذلك، ولما استقر موسى بالخلافة هم بقتل أمه الخيزران، وقتل أخيه الرشيد، فاتفقت الخيزران مع ولدها الرشيد، وقتلا موسى الهادي سنة سبعين ومائة، وقيل: مات بقرحةٍ، وخلافته سنة وشهراٍ وكان كريماً مدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدة فلما قرأها عليه ووصل إلى قوله منها شعراً: تَشَاَبَهَ يَوْماً وَنَوَالِهِ ... فَمَا أَحَدٌ يَدْرِي لأَيَّهِمَا الفَضْلُ فقال له: أيما أحب إليك، ثلاثون ألفاً معجلة، أو سبعون ألفاً موجلة؟ فقال: بل المعجل. فقال له: لك المعجل والمؤجل. وبويع بعده الخليفة هارون الرشيد، ثم سار إلى الحج سنة إحدى وسبعين، ومعه أمه الخيزرانة فتصدقت بالحرمين، واشترت دوراً بالصفا وألحقته بالحرم الشريف، ويعرف الآن بدار الخيزرانة.. وتوفيت الخيزرانة سنة اثنتين وسبعين ومائة، ودفنت في بغداد، وكانت كثيرة الخيرات والصدقات رحمها الله تعالى. آمين. [٩٦] فاطمة بنت عبد الملك بن مروان الأموي

стр. 73

كانت زوجة عمر بن عبد العزيز ﵁ وكانت من الصالحات، ولما ولي الخلافة عمر قال لامرأته فاطمة، ولها حلي أخذته من عند أبيها: اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت مال المسلمين. وإما تأذني لي بفراقك! فقالت: أختارك عليه. فأمر عمر ﵁ بحمل الحلي إلى بيت مال المسلمين ووضع فيه، ولما مات عمر قال لها أخوها يزيد: يا فاطمة إن شئت رددت عليك حليك، فقالت: لا والله لا أطيب به نفساً في حياة عمر وأرجع فيه بعد مماته. كانت تقول: والله ما أغتسل عمر عن جنابة ولا حلم منذ ولي الخلافة. وكانت ترفع من نفقتهم شيئاً يسيراً حتى اجتمع عندها مال فاشترت به ثياباً لا بنتها، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فأخذ الثياب وأعادها إلى بيت المال وقلل من نفقته. وتوفيت فاطمة زوجة عمر سنة مائة وخمس وقيل: مائة وسبع والله أعلم. [٩٧] خَوْلُة بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تزوجها أوس بن الصامت ﵁ وكانت حسنة الجسم، وكان في جسد زوجها لمم، وقيل: برص، فطلبها يوماً ليواقعها، فأبت وتطيرت، وذكرت قوله ﷺ : " فر من المجذوم فرارك من الأسد"، وظنت أنه نوع من الجذام فغضب لذلك أوس، فقال لها: أنت علي كظهر أمي. ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق الجاهلية، قال في "الهداية": الإيلاء إذا قال الرجل لامرأته: والله لا أقربك أو لا أقربك أو لا أقربك أربعة أشهر فهو مول لقوله تعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر ... (فإن وطئها في الأربعة أشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، لأن الكفارة توجب الحنث، وسقط الإيلاء لأن اليمين ترفع بالحنث، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه لأن اليمين ترتفع بالحنث، قال في"الهداية": إذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فقد حرمت عليه، ولا يحل له وطؤها، لا مسها، ولا تقبيلها حتى يكفر لقوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم (إلى قوله تعالى: (فتحرير رقبة (وإن قال: أنت علي (مثل) أمي، أو كأمي، يرجع إلى نيته، فإن قال: أردت الكرامة فهو كما قال، وإن نوى الظهار كان ظهاراً، وكفارة الظهار عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً، ويجزى في العتق الرقبة الكافرة المسلمة، والذكر والأنثى، والصغير والكبير لأن اسم الرقبة ينطلق على هؤلاء، ولا تجزي العمياء والمقطوعة اليدين أو الرجلين لأن الفائدة جنس المنفعة، ويجوز الأصم، والقياس أن لا يجوز. قال في (المعالم) : ثم إن أوس الصامت ندم، وقال لزوجته خولة: ما أظنك إلا قد حرمت علي! فقالت: والله ما ذاك بطلاق، فأتت رسول الله ﷺ وعائشة تغسل شق رأسه، وذكرت له ما قال أوس، وشكت حالها، فأنزل الله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما (وكان هذا أول ظهار في الإسلام. [٩٨] ?حَبِيبةُ بِنْتُ سَهْل كانت جميلة، تزوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكان يحبها وهي تبغضه ولا تحبه، وكان إذا طلبها لحاجته امتنعت وأبت، فكان يضربها، فأتت يوماً إلى أبيها سهل وشكت إليه، زوجها، وقالت: إنه يضربني ويسبني. فقال لها أبوها: ارجعي إلى زوجك، فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها وقد سمعت ما قاله ﷺ : "لو أمرت أحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"فغضبت وخرجت من عند أبيها، وعادت إلى زوجها، ولما رأت أن أباها لم يشكها، فأتت إلى عند رسول الله ﷺ وشكت إليه زوجها وأرته أثار الضرب، وقالت: لا أنا ولا هو. فدعا ﷺ ثابت وسأله فقال: والذي بعثك بالحق بشيراً ما على وجه الأرض أحب إلي منها غيرك! فقال لها ﷺ (ما تقولين؟) فقالت: صدق يا رسول اله ولكن خشيت أن يهلكني، فاخرني منه وهو من أكرم الناس حباً لزوجته، ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو. فعند ذلك طلب منها ثابت ما أصدقها وما أعطاها، فأعطته وخلى سبيلها. قوله تعالى: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن (. قال في (المعالم) : (للرجال نصيب مما اكتسبوا (إن كان لهم فضل الجهاد فللنساء، فضل طاعة الأزواج، وحفظ الفروج، والله سبحانه أعلم. [٩٩] الَّسّيدةُ نَفِيسة

стр. 74

بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، ﵃، كانت من العابدات، الصالحات القانتات، ولها كرامات واضحة، وأسرار لائحة، توفيت سنة ثمان ومائتين، ودفنت في مصر، وقبرها هناك يزار، ولها في الموصل مرقدان في مسجدين، ويعرف المسجد الذي يعزى إليها بمسجد السيدة نفيسة وذكر في الطبقات: انه إذا أحد نذر شيئاً لله، وثوابه إلى السيدة نفيسة ونوى حاجته قضيت ببركتها في عاجل الحال وإن كان يصعب قضاؤها فإن الله يسهل عليه ذلك الأمر، وإذا انقضى أمره ومطلبه فيجب عليه أن يوفي بنذره لقوله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً (، ذكر بعضهم أن السيدة نفيسة كان زوجها رجلاً من أبناء عمها، فكانت إذا أمسى المساء تتطيب وتلبس أفخر ثيابها، وتعرض نفسها على زوجها، فإن كان له بها حاجة قضتها واغتسلت، وعادت إلى عبادتها، إن لم يكن له بها حاجة نزعت ثيابها الناعمات، ولبست الثياب الخشنة، وأقامت ليلها بالعبادات إلى الصباح. وكانت تقول: نحن آل بيت النبوة أحق بالعبادة من غيرنا أن القرآن نزل على جدنا محمد ﷺ وكانت تقول: ويل لمن عصى ربه وخالف أمره وأعرض عن ذكره واتبع هوى نفسه وكانت تقول: الطاعة قلب الإيمان والعبادة جسده، والزهد رداؤه، والصدق حجته والإخلاص بهجته، والعفو عمن أساء أجمل وأحسن بالمؤمن لقوله تعالى (وأن تعفوا أرب للتقوى (والله أعلم، ومن كلامها: العبد الطائع حجة على العبادة العصاة. ومن إملاتها: اللهم إني أعوذ بك من كلام السوء، وفعل السوء، ومرام السوء، وجار السوء، اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز، ولا إلى أحد من خلقك فأضيع. اللهم ألهمني رشدي، وأحسن رفدي، وقني عثرتي واغفر زلتي، وقني شر وساوس الشيطان، وأجرني منه يا رحمن لا يكون له علي سلطان، وصلى الله على سيدنا محمد صاحب الشريعة والبرهان، آمين وروى الشيخ أبو الحسن عن السيدة نفيسة أنها قالت: إذا واظب المؤمن على قراءة (قل يا أيها الكافرون (دبر كل فريضة ثلاث مراتٍ أماته على الإيمان الكامل. ومن قرأ (سورة الإخلاص) دبر كل صلاة مرة أمن وسواس الشيطان، وكان ممن أخلص نيته وعمله الله تعالى. وذكر في كتاب "الدار النظيم": قال ﷺ "إن في القرآن سورة تدعى العزيزة عند الله ويدعى صاحبها الشريف عند الله، تشفع يوم القيامة لصاحبها أكثر من ربيعة ومضر ". قالوا: يا رسول الله أي سورة؟ قال: (سورة ليس~) . وقال لصلى الله عليه وسلم: "من بقراءة (قل يا أيها الكافرون (ومن أراد النجاة من عذاب القبر فعلته بقراءة (تبارك الذي بيده الملك (ومن أراد النجاة من شر الحساب فعليه بقراءة المعوذتين ومن أراد النجاة من عطش يوم القيامة فعليه بقراءة (الفاتحة) ومن أراد الشرب من حوض النبي ﷺ فعليه بقراءة (إنا أعطيناك الكوثر) . وهكذا وجدته في هامش كتاب"المصابيح" والله أعلم. [١٠٠] مَيْسُون بِنْتُ َبْحدَل كانت جميلة الأوصاف حسنة الأطراف، فائقة الجمال، نظمها السحر الحلال. وهي من بادية العرب، ومن أهل الحسب والنسب، فخطبها معاوية، رضي اله عنه وتزوجها وأصدقها عشرين ألف درهم، ودخل بها فحملت منه بيزيد، وهي من بني كلاب الإنجاب ولما تم حملها ولدت يزيداً، زاد الله عقابه وأقامت عند معاوية نحو ثلاثة أعوام، فدخل يوماً معاوية عليها وهو يتجسس فوجدها تنشد شعراً: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي ... أَحبُّ إلَيَّ من لُبْسِ الشَّفُوفِ وَبَيْتٌ َتْخُفقُ الأرْيَاحُ فِيه ... أَحَبُّ إَلَّي مِنْ قَصْرٍ مَنِيفٍ وَبكر يتبعُ الأظعان صعبٌ ... أحَبّ إِلَّي مِن بغْل زَفُوفِ وَكْلبٌ ينبحُ الأضيَافَ دُوِني ... أحَبُّ إلَّي من هرَّ أليفِ وخرقُ مِن بَنِي عَمَّي ثَقيف ... أحبُّ إلَّي من عِلج عَنِيف فدخل معاوية، ﵁ عليها وقال لها: ما رضيتني يا ابنة بجدل حتى جعلتني علجاً عنيفا؟ الحقي بأهلك. وطلقها، فمضت إلى أهلها وأخذت معها ولدها يزيد. وأقام مع أمه، وتفصح وشعر ببادية بني كلب إلى أن كبر وتضعضع عاد إلى أبيه، وماتت أمه ميسون في خلافة معاوية ﵁ وقيل: إنها توفيت في خلافة ابنها يزيد، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

стр. 75

[١٠١] أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان بن الحكم وهي أخت أمير المؤمنين عمر بن العزيز، (وأمها: ليلى بنت سهيل بن حنظلة بن الطفيل، تزوجها ابن عمها الوليد بن عبد الملك) . حكي: أن عزة بنت حميل صاحبة كثير دخلت يوماً على أم البنين فقالت: لها أم البنين: ما معنى قول كثير فيك. شعر: قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَقَّى غَرِيمَهُ ... وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَرِيمُهَا فقالت: وعته بقبلة ثم رجعت عنها، فقالت لها أم البنين: أنجزيها وعلي إثمها. فاستأثمت أم البنين، وحجت وأعتقت عند الكعبة أربعين عبداً وقالت: اللهم إني أتبرأ إليك مما قلت لغزة، ذكر في (الهداية) : في أول كتاب الإعتاق قال: الإعتاق تصرف مندوب إليه، قال صلى الله تعالى عليه وسلم: "أيما مسلم أعتق مؤمناً أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار". وذكر في " مختارات ولسان الحكام" هذا الحديث وقال: ولهذا استحبوا أن يعتق الرجل العبد، والامرأة الأمة لتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء وذكر في "الاختيار": العتق في الشرع زوال الرق عن المملوك، وفي اللغة: العتق: القوة. يقال لها: عتق الطائر إذا قوي على الطيران، وعتقت الخمر إذا قويت واشتدت، وسمي الصديق عتيقاً لجماله. والبيت العتق الكريم. ولما تزوج سليمان أم البنين شغف بها لجمالها وحسن أخلاقها، وكانت على سيرة أخيها عمر أمير المؤمنين، وكان سليمان أكولا يأكل مائة رطل شامي، وقبل: إنه اصطبح يوماً بأربعين دجاجة وأربعمائة بيضة، وأربع وثمانين كلوة، وثمانين جر دقة، ثم أكل الناس السماط. وأكل مرة في مجلس واحد سبعين رمانة. وخروفاً، وفي أيامه ظهرت الكنافة فكان كل ليلة يتسحر بعشرين رطل منها، وتوفي سليمان سنة تسع وتسعين، واستمرت أم البنين بعد سليمان مشتغلة بالعبادات والصدقات إلى أن توفيت في خلافة يزيد، وقيل: في خلافة هشام. [١٠٢] بوران بنت الحسن بن سهل وزير المأمون كانت بارعة في الحسن، صاحبة عقل وكمال وعفة، فبلغ خبرها إلى المأمون فخطبها من أبيها سنة تسع ومائتين ودخل بها سنة عشرة ومائتين، تزوجها في مدينة واسط. ولما أدخلت عليه نثر يوم عرسها على الهاشميين والقواد بنادق مسك فيها رقع بأسماه ضياع وجوار وخيل وكل من وقع بيده رقعة ملك ما هو مكثوب فيها. نثر على الناس دنانير ودراهم، وأوقد ليلة زفافها شمعة عنبر وزنها أربعون مناً في فانوس من ذهب، ولما دخل المأمون على بوران نثرت على رأسه جدتها ألف حبة لؤلؤ نفيسة، ولما خلا المأمون بها حاضت من هيبة الخلافة. فقالت له: (أتى أمر الله فلا تستعجلو ... (. وحذقت الهاء لئلا تكون آية كاملة، ففطن المأمون لذلك، وأعجب بها، وخرج في الحال وأنشد ذلك: فًارِسٌ مَاضٍ بِحَربتِهِ ... عَارِفٌ بِالطَّعنِ في الظُّلَمِ رَامَ يُدْمِي فَرِيسَتَهُ ... فَاتَّقَتْهُ مِنْ دمٍ بِدَمِ

стр. 76

وذكر في "الكامل"، لما أكل آدم وحواء من الشجرة، وبدت لهما سوآتهما، ناداه ربه، يا آدم من أين أتيت؟ قال: من قبل حواء يا رب. فقال الله: فإن لها علي أن أدميها في كل شهر، وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع كرهاً وتضع كرهاً، وتشرف على الموت مراراً (وقد كنت جعلته تحمل يسراً وتضع يسراً) ولولا بليتها لكن النساء لا يحضن. وعن ابن عباس ﵄: إن الله تعالى قال: يا آدم ماحملك على ماصنعت؟ قال: يا رب زينته لي حواء؟ قال: فإني أعقبتها لا تحمل إلا كرهاً، ودميتها في الشهر مرتين. كذا في"المعالم". قال: في "صدر الشريعة"، الحيض هو دم ينفضه رحم البالغة لا داء بها ولم تبلغ اليأس. وأقله ثلاثة أيام بلياليها، وأكثره عشرة بلياليها، هذا عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف أقله يومان، وأكثره الثالث، وعند الشافعي ﵁ أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً، وقال في"الهدية": ويسقط عن الحائض الصلاة ولا تقضيها، ويحرم عليها الصوم، ولا تدخل المسجد ولا يأتيها زوجها لقوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن (وفي هذا كفاية، وما مضى لبوران أيام قلائل عند المأمون، إلا والمأمون قبض على إبراهيم ابن المهدي وسجنه وهم بقتله، فتشفعت فيه بوران، فعفى عنه وأطلقه، وذكر في "تاريخ المؤيد": إن الحسن بن سهل لما بلغه أن المأمون يخطب ابنته فرح فرحاً عظيماً، ولما عقد عليها كتب الحسن أسماء ضياعه في رقاع ونثرها على القواد رغبة في مصاهرة الخلفة، وافتتن المأمون في بوران لحسنها، وذكائها. ومما حكي عن أذكياء النساء: قال المدني: خرج ابن زياد في فوارس فلقوا رجلاً ومعه جارية لم ير مثلها في الحسن، فصاحوا به: خل عنها، وكان مع الرجل قوس فرمى أحدهم فهابوه، وعاد يرمي فانقطع الوتر فهجموا عليه، وأخذوا الجارية، واشتغلوا عنه بها، فمد أحدهم يده إلى أذنها، وفيها قرط فيه درة نفيسة. فقالت: وما قد ر هذه الدرة، وإنكم لو رأيتم في قلنسوته من درة لاستحقرتم هذه! فتركوها واتبعوا! وقالوا: ألق (ما) في القلنسوة. وكان فيها تر أعد لمثل ذلك نسيه من الدهشة، فلما ذكروه ما في القلنسوة ركبه ف ي القوس، وقاتل القوم، وهزمهم وملك الجارية ونجا بها. وحكي عن بعض أذكياء النساء من بعض الأدباء بحي (مر) للعرب فرأى امرأة فقال لها: ممن المرأة؟ قالت؟ من بني فلان. فأراد العبث بها. فقال لها: أتكتنون؟ قالت: نعم نكتني. فقال لها: لو فعلت لاغتسلت. فأجابته: أتعرف العروض؟ قال: نعم، قالت لي قول الشاعر: حَوَّلُوا عَتَّا كنِيسَتَكُمْ ... يَا بَني حَمَّالَة الحَطَبِ فلما أخذ يقطع قال: حولوا عن نكني. قالت: من هو؟ فتعجب الرجل وقال: الله أكبر إن للباغي مصرعاً. وقيل: مر الأصمعي بثلاث نساء، إحداهن قصيرة، وعن يمينها امرأة طويلة، وعن شمالها امرأة طويلة، فأراد بهن العبث فقال: أنتن لنا. فخرجت القصيرة من الوسط، وقامت في الرأس وقالت: نحن لله، فتعجب من ذكائها وفطنتها. واستمرت بوران عند المأمون في أرغد عيش إلى أن توفي المأمون سنة ثماني عشرة ومائتين، ودفن في طرسوس وفيه يقول الشاعر: خَلَّفُوهُ بِعَرْصَتي طَرْسُوسِ ... مِثلَمَا خَلَّفُوا أَبَاهُ بِطَوْسِ وسبب دفنه في طرسوس أنه سافر إلى مصر، ثم دخل إلى بلاد الروم، وسبب موته أنه كان جالساً على نهر ومعه أخوه المعتصم وأرجلهما في الماء، فتذكر الرطب فأحضروه له، وجيء به في سلتين، وكان قد حملوه من بغداد، وقدموا عليه في تلك الساعة فحمد الله وشكره، وأكلا منه وشربا من الماء، فحما ولم يزل المعتصم مريضاً حتى دخل العراق، ومات المأمون، ودفن هناك. وتوفيت بوران سنة إحدى وسعين ومائتين في بغداد. [١٠٣] زُبَيْدةُ بِنتُ جَعْفَرِ بْنِ المَنْصُورِ العَبَّاسي

стр. 77

واسمها آمنة، ولقبها جدها المنصور زبيدة لبياضها ونضارتها تزوجها الخليفة هارون الرشيد، فولدت له الأمين، وكانت صاحبة معروف وخير، وكان لها مائة جارية يحفظن القرآن، وكانت قد شرطت على واحدة تقرأ عشرة أجزاء فكان يسمع في دوي كدوي النحل من قراءة القرآن، وأجرت عين ماء من مكة عشرة أميال تحت الجبال والصخور حتى أدخلته من الحل إلى الحرم، وقالت: لو كيلها لما اشتكى كثرة الإنفاق، اعمل ولو ضربت الفأس بدينار، وهي باقية إلى الآن عن يمين الذاهب إلى منى، هكذا ذكره اليافعي، وقيل: إنها بنت حائطاً من بغداد إلى مكة، وحفرت آبار في كل مرحلة، وقيل: حائطين بحيث كان الأعمى إذا أراد الحج لمس الحائط وسار. وإذا عطش شرب من الآبار ولا يقربه شيء من الحيوانات والأسود لأن الطريق محصن بالحيطان، ولها صدقات كثيرة، وعاشت بعد زوجها الرشيد نحو عشرين سنة. ولما توفي الرشيد سنة ثلاث وتسعين ومائة في مدينة طوس، عهد بالخلافة لولده الأمين بن زبيدة، وكان منهمكاً على شرب وجمع المغاني وقسم الجواهر على النساء لشغفه بهن، واشترى عربية المغنية بمائة ألف دينار، واشترى جارية ابن عمه إبراهيم بعشرين ألف دينار، وفيه يقول الشاعر: إِذَا غَدَا مَلِكاً بِالَّلهْوِ مُشْتَغِلاً ... فَاحْكُم عَلَى مُلْكِهِ بِالوَيْلِ وَالخَرَبِ أَما تَرَى الشَّمْسَ فيِ المَيْزَانِ هَابطَةُّ ... لمَّا غَدَا وهُو بُرْجُ اللُّهوِ والطرب ولما استقر بالخلافة خلع أخاه المأمون وكتب إليه شعراً: يَا بْن الّذي بِيعَتْ بِأَبْخَسَ قِيمَةٍ ... بَيْنَ الوَرَى فيِ سُوقِ هَلْ منْ زَايِدِ ما فيكَ مَوْضعُ غُرزًةٍ من إِبرةٍ ... إِلاَّ وَفيهِ نُطْفَةٌ من واحدِ وكان الأمين يفتخر بأمه زبيدة، فأجابه المأمون. وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ الَّناسِ أَوعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وللإِماءِ آباءُ فَرُبَّ مُعْرِبةٍ ليْسَتْ بمُنْجِبةٍ ... وَطَالَ مَا أَنْجَبَتْ في الخدْرِ عَجْمَاءُ ثم إن المأمون حارب الأمين، وقتله سنة ثمان وتسعين ومائة. وبويع بالخلافة المأمون فاتفق أنه مر يوماً على زبيدة فرآها تتكلم ولا يفهمه، فقال: يا أماه أتدعين علي؟ قالت: لا. فألح فقالت: قبح الله اللحاح. فقال لها: كيف؟ قالت: لعنت يوماً مع أبيك بالشطرنج، على شرط، فغلبني فجردني من ثيابي وطاف بي القصر وأنا عريانة، ثم عاد إلى اللعب فغلبته فأمرته أن يذهب المطبخ يطأ أقبح جارية فيه، فرضي فلم أجد أقبح من أمك ولا أقذر منها فواقعها فحملت من بك، فكنت سبباً لقتل ولدي، فسكت المأمون وذهب وهو يقول: لعن الله اللحاح قتل الأمين، وتوفيت زبيدة سنة ست عشرة ومائتين. حكي أنه رآها في المنام بعض الصالحين، فقال لها: ما فعل الله بك؟ قالت: غفر لي، قال: بما غفر لك؟ قالت: كنت جالسة يوماً وعندي جوار يغنين، فسمعت صوت المؤذن يؤذن فأمرتهم بالسكوت إلى أن تم الآذان، فغفر لي بذلك. ونظير ذلك ما حكي أن أبا نواس لما توفي رآه رجل في المنام، فقال له: ما هي؟ فقال. شعر. تأمَّل في رِيَاضِ الأرضِ وانظُر ... إلى آثارِ مَا صَنعَ المليكُ عُيُونٌ من لجينٍ شاخصاتٌ ... على أحدا قها الذهبُ السبيكُ على قصب الزبرجد شاهداتٌ ... بِأَنَّ اللَّه ليس له شريكُ وحكي أن الرشيد العباسي طرقه ذات ليلة قلق وسهر، فدار على جواريه، ودخل على بعضهن، وهي نائمة فكشف عن وجهها وقبلها فانتهيت فزعاً، وقالت: من هذا فقال الرشيد: ضيف. فقالت الجارية: نكرم الضيف بسمعي والبصر، فلما أصبح الرشيد استدعى أبا نواس، قال له: أحب أن تضمن لي هذه هذا الشطر، وقرأه عليه، فقال: حباً وكرامة، وأنشد: طَالَ لَيليِ وعاوَدَني السَهَرْ ... ثمَّ فكَّرتُ وأَحسنْتُ النَظرْ جِئْتُ أَمشِي في زَوَايَاتِ الَخَبا ... ثمَّ طَورَاً في مقاصيرِ الَحجَر إِذْ بِوَجهِ قَمَر قَدْ لاحَ لِي ... زَاَنهُ الرَّحَمنُ من بينِ البَشَرْ َثمَّ أَقبلتُ إِليهِ مُسرِعاً ... ثَّم طَأْطَأْتُ وَقَبَّلْتُ الأَثَرْ فَاسْتَقَامَتْ فَزَعاً قَاِئلَةً ... يَا أَمِينَ اللَّهِ مَا هَذَا الخَبَرْ

стр. 78

قُلْتُ ضَيْفاً طَارِقَاً في دَارِكُمْ ... هَلْ تَضيفُونَ إِلى وقَت السَحَرْ فأجابَتْ بِسُرُورٍ سيدي ... نكرِمُ الضَيْفَ بِسَمْعي وَالْبَصَرْ فقال له الرشيد: يل فاعل! يا تارك! أكنت البارحة معنا؟! فاضربوا عنقه! فحلف ما كان. فعفى عنه وأجازه. وفي ذكر الأحلام ما حكاه الخرائطي الهمام: قال كان لبعض الحلفاء غلام وجارية متحابين فكتب الغلام إلى الجارية. وَلَقَدْ رَأَيْتُكِ في المَناَمِ كَأَنَّمَا ... عَاطَيْتنِي منْ رِيقِ فِيكِ الَبارِدِ وَكَأَنَّ كَفَّكِ في يَدي وَكَأَنَّنَا ... بِتْنَا جَمِعياً في فِرَاشٍ وَاحِدِ فَطَفِقْتُ لَيليِ كُلَّه مُتَرَاقِداً ... لأَرَاكِ في نومِي وَلَستُ برَاقِدِ فأجبت الجارية، وكتبت له شِعْر: خَيْراً رَأَيْتَ وكُلَّمَا أَبْصَرْتَه ... سَتَنَالَهُ منَّي بِرَغْمِ الحَاسِدِ إِنَّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مُعَانِقِي ... فَتَبِيتَ منَّي فِرِاشٍ وَاحِدِ وَأَرَاكَ بَيْنَ خَلاَخِلِي وَدَمَالِجِي ... وَأَرَاكِ بَيْنَ تَرَائِبِي وَمَجَاسِدي فبلغ ذلك مولا هما الخليفة فأنكحهما وأحسن إليها، والله سبحانه أعلم. [١٠٤] الحُرَّةُ سَيّدَةُ بِنْتُ أَحْمَد بنِ جَعْفَر بنِ مُوشَى الصَّليحي . ملكة اليمن مولدها سنة أربعمائة وأربعين تزوجها المالك المكرم أحمد بن علي الصليحي صاحب صنعاء، وكانت قد قامت بتربيتها أسماء بنت شهاب زوجة علي الصليحي، وزوجتها لولدها أحمد المكرم سنة إحدى وستين وأربعمائة، فأقامت الحرة في تدبير الملك والحروب أحسن قيام، واشتغل أحمد بالمأكول المشروب، وطالت مدتها، وتوفي زوجها أحمد سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وهي في الملك، ملك بعد أحمد سبأ بن أحمد، إحدى عشرة سنة، وهي في الملك، ومات سبأ سنة خمس وتسعين وأربعمائة، ثم قدم من مصر علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة، وملك اليمن، وهي بصنعاء ملكة، وقبض على ابن إبراهيم بعد مضي ستة أعوام، وهي ملكة، واستمرت بالملك إلى أن توفيت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وعمرها اثنتان وتسعون سنة. وكان المفضل يحكم بين يدي الحرة وتحتجب عنه لئلا يطمع فيها، توفي المفضل سنة أربع وخمسمائة، واستقلت. الحرة بالمملكة إلى أن توفيت. [١٠٥] أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب مصر كانت في غاية الجمل والبهاء والكمال، تزوجها الخليفة المعتضد بالله أحمد بن الموفق العباسي سنة مائتين واثنتين. وأصدقها ألف ألف درهم، وأرسها أبوها من مصر إلى بغداد، فأحبها المعتضد حباً شديداً ولقبها قطر الندى، وحظيت عنده، وكانت من أهل الكمال والذكاء، وحكي: أنها لما زفت إلى المعتضد أحبها حباً شديداً، وكان إذ نام يضع رأسه في حجرها، فأتفق أنه ليلة نام على ووضع رآه في حجرها، فلما فرفعت رأسه وسدته وخرجت فلما استيقظ ذعر وناداها فأجابته من قرب. فقل لها: تركتني وذهبت عني؟ فقالت: والله لم أزل كالئة لأمير المؤمنين قال: فما أخرجك عني؟ قالت: مما أدبني به والدي أن لا أجلس مع النائمين ولا أنام مع الجلوس. ومما حكي عن بعض أذكياء النساء أن الخليفة المتوكل على الله العباسي بلغه أن جارية في المدينة جميلة الصورة، حسنة السيرة تحسن الغناء، وضرب العود، فأرسل إلى مولاها يطلبها منه. فكاد أن يزول عقل مولاها لفرط حبة إياها، فقالت له: أحسن ظنك بالله وبي فإني كفيلة بما تحب. فحملت إلى المتوكل، وأدخلت عليه فقال لها: أقرئي شيئاً من القرآن. فقالت: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة (إلى تمام الآية. ففطن المتوكل (إلى) ما أرادت فردها إلى مولاها. وتوفيت قطر الندى سنة أربع وثمانين ومائتين. [١٠٦] أُمَُ خالَدِ

стр. 79

هي زوجة يزيد بن معاوية، وخالد ولدها من يزيد تزوجها يزيد وحظيت عنده، وولدت له خالداً ومات يزيد سنة أربع وستين، وصار الناس في الشام فرقتين، اليمانية مع مروان بن الحكم، والقيسية مع الضحاك بن قيس، وكانوا مبايعين لابن الزبير ﵁ فقاتلهم مروان فانهزم الضحاك وهربت القيسية ثم قتل الضحاك، وذلك في الغوطة، ودخل مروان دمشق ونزل بدار معاوية ﵁، واجتمع عليه الناس فتزوج أم خالد خوفاً من خالد. وأقامت عنده سنة، فاتفق أنه يوماً خاصمها وشتمها، فغضبت لذلك، فدعت جواريها وقبضن على مروان فوضعت مخدّة على وجهه، وجلست هي وجواريها فوقه حتى مات. وأظهرت للناس أنه مات فجأة، وذلك لثلاث خلون من رمضان، وهذا مروان كان يقال له الطريد لأن النبي ﷺ طرده من المدينة، عن مكانه مرحلة، ولما توفي الصديق، ﵁ وولي الخلافة عمر ﵁ أبعده مرحلة أخرى، ولما توفي عمر ﵁ وولي الخلافة عثمان ﵁ أعاده إلى المدينة، ومما نقموا على الإمام عثمان، ﵁ عودة مروان المدينة وتوفيت أم خالد في خلافة عبد الملك والله أعلم. [١٠٧] قَبِيحَةُ جَارِيَةُ الخَلِيفَة المُتوكل علَىَ اللَّه جَعْفَر . العباسي، وهي أم ولده المعتز بالله محمد، وكان المتوكل سماها قبيحة لفرط حسنها وجمالها واعتدالها، وسماها بهذا الاسم كما يسمى العبد الأسود كافوراً، والأمة السوداء فضة، وقتل المتوكل سنة سبع وأربعين ومائتين، وأقامت قبيحة عند ولدها المعتز، وكان المتوكل حين ولي الخلافة أحيا السنة وأمات البدعة، ورفع المحنة بقول خلق القرآن وخذل المعتزلة. وأكرم العلماء. ولم يكن له سيئة إلا أنه كان يبغض الأمام علي بن أبي طالب ﵁ فأمر بهدم قبة الحسين ﵁ وهدم ما حولها من المنازل، وجعلها مزرعة وفي ذلك يقول الشاعر: تَااللَّهِ إن كانَتْ أُمَيةُ قَدْ أَتَتْ ... قَتْلَ ابْن بِنْتِ نَبِيَّهَا مَظْلُومَا فَلَقَدْ أَتَى بَنُوا أَبِيهِ بِمِثْلِهِ ... هَذَا لَعَمْرُكَ قَبْرُهُ مَهْدُومَا أَسِفُوا عَلَى أَنْ يَكُونُوا شَارَكُوا ... في قَتْلِهِ فَتَتَبُّعُوهُ رَمِيمَا وفيه يقول ابن الوردي: وَكَمْ قَدْ سَحْى خَيْرٌ بِشَرًّكَماَ انْمَحَتْ ... بِبُغْضِ عَليًّ سِيرَة المُتَوكَّل تَعَمَّقَ في عَدلٍ وَلَمَّا جَنَى على ... جِنَابِ عَليًّ حَطَّهُ الَّسيل منْ عَلِ ولما بويع المعتز بالله سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وكان حسن الصورة كمثل أمه، والفرع يلحق بالأصول ويقتفي، ولم يكن يلي الخلافة أصغر منه، وكان مغلوباً مع الأتراك فتغلب عليه ابن وصيف، وخلعه من الخلافة سنة مائتين وخمس وخمسين، وأدخله الحمام ولطمه ومنعه شرب الماء ثم سقوه ماء الثلج فمات من ساعته، واختفت أمه قبيحة ثم ظهرت في هذه السنة، في رمضان، فبلغ صالح بن وصيف ظهور قبيحة فقبض عليه، وأخذ منها ألف ألف دينار، وسفط زمرد، وسفط لؤلؤ، وسفط ياقوت أحمر لم يوجد مثله، وقال صالح: قبح الله قبيحة عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار، وعندها هذه الأموال! ثم نفاها إلى مكة، وأقامت هناك تدعو على صالح بصوت عال، وتقول: هتك ستري، وقتل ولدي، وأخذ أموالي، وغربني عن بلدي، وركب الفاحشة مني وفي ذلك يقول الشاعر: جَزَى ابْنُ وَصيفَ مَوْلاَه بِشَرَّ ... وَلَكِن هَكَذَا صِفَةُ الوَصِيفِ ولم يمض على صالح سنة حتى تغلب عليه الأمير موسى بن بغا التركي، وقتله واستولى على أمواله. وتوفيت قبيحة في مكة، وقيل عادت إلى بغداد (وتوفيت) في خلافة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل على الله. [١٠٨] شَغَب جَارِيَة الخَلِيفَة المُعْتَضِد بِالله أَحْمَد

стр. 80

ابن الموفق العباسي، وقيل: بل زوجته تزوجها فولدت له المقدر بالله جعفر، وكان يقال لها: القهرمانة، وكانت جميلة الأطراف، حسنة الأوصاف، فأحبها المعتضد، وشغف بها، ومات عنها سنة تسع وثمانين، وقيل: تسعين، وقيل: إحدى وتسعين ومائتين، فأقامت عند ولدها المقتدر بالله جعفر، وولي الخلافة المكتفي بالله علي بن المعتضد أخو المقتدر لأبيه، ومات سنة خمس وتسعين ومائتين، وولي الخلافة المقتدر وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة فدبرت مملكته أمه القهرمانة، وكان المقتدر مولعاً بحب النساء حتى إنه أعطاهن جميع ما عنده من الجواهر النفيسة، واستمرت القهرمانة تدبر المملكة إلى أن كثر الضرر، وعم الناس في البحر والبر. وغارت الروم على الثغور الحزرية، وملك المهدي العلوي مدينة الإسكندرية، فعند ذلك أيقظت همة ولدها المقتدر، وأمرته أن يجلس للمظالم، ووهبت وأعطت، وأنعمت على أرباب الدولة، وذلك سنة خمس ثلاثمائة، وقدم رسول الروم إلى بغداد فاصطفت العساكر، وكانوا مائة ألف وستين ألفاً، ووقفت الغلمان، والخصيان والخدم وهم سبعة آلاف. أربعة آلاف أبيض، وثلاثة آلاف أسود، وقفت الحجاب وهم سبعمائة، وزينت الدار بثمانية آلاف وثلاثين ألف ستر، ومائة سبع مع مائة سباع. وألقيت المراكب في الدجلة، بالزينة، وأدخل الرسول دار الشجرة، وفيها بركة ماءٍ عليها شجرة من الذهب والفضة ولها ثمانية عشرة غصن على كل غصن طير من الذهب والفضة وورق الشجرة من الفضة والذهب، والطيور تصفر. بحركات مرتبة، وكان يوماً مشهوداً. واستمر المقتدر على خلافته إلى أن حصل بيته وبين الحاجب مؤنس الخادم وحشة فهرب مؤنس إلى الموصل وملكها، وجمع العساكر وعاد إلى بغداد فخرج إلى حربه المقتدر فقتل وحمل رأسه على رمح إلى عند مؤنس سنة تسع عشرة وثلاثمائة، ثم صلبوا جثة المقتدر وهو مكشوف العورة، فلا رحم اله مؤنساً، ثم صادر أصحاب المقتدر وقبض على أمه القهرمانة وتبعه بذلك الخليفة القاهر محمد أخو المقتدر لأبيه، وعذب القهرمانة وسألها عن الأموال فاعترفت بما عندها من المصاغ والثياب فضربها الشديد، وعلقها من رجليها منكسة حتى كان يجري بولها على وجهها. وماتت سنة عشرين وثلاثمائة. ثم قبض المماليك على القاهر وخلعوه وسلموا عينيه وبقي يسأل لناس الصدقة وذلك لشدة ظلمه، وقطع رحمه، والله أعلم ونظير ما فعل مؤنس الخادم بالخليفة المقتدر ما فعله الخبيث الحجاج لما قتل عبد الله بن الزبير ﵁ وقطع رأسه وأمر بحثته فصلب، وهو مكشوف العورة وقيل: بل عليه ثيابه وتركه أياماً، فدخلت على الحجاج أمه أسماء ذات النطاقين، بيت الصديق ﵁ وقالت له: أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟ فقال الخبيث: خلوا عنها وعن جيفتها! ولما رأته أمه أسماء حاضت ودر ثديها وعمرها مائة سنةٍ، فقالت: حنت عليه مرا تعه ومراضعه. ونظير ذلك ما فعله اللعين يوسف الثقفي (حين) . قبض على الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين ﵄. فقطع رأسه ثم صلب جثته وهو مكشوف العورة فجاء العنكبوت ونسج على عورته، وأقام أياماً مصلوباً ثم أنزله وحرقه النار. فلعنه الله على قاتله. وقبر زيد ﵁ بالموصل في محلة تعرف بالطارق. [١٠٩] جميلة بنت ناصر الدولة الحسن بن عبد الله

стр. 81

ابن حمدان صاحب مدينة الموصل، كانت من أجمل النساء عقلاً وجمالاً، وقيل: إنها لم تتزوج لشهامة عندها حتى لا يحكم عليها أحد من الرجال، وقد ذكر الثعالبي في كتاب "يتيمة الدهر": فقال: كانت بنو حمدان أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة. وكانت جميلة من أشرف نساء زمانها، تكرم العلماء وتعظم الفضلاء، ولما تغلب على أبيها أخوها أبو تغلب وقبض على أبيه، وسجنه في قلعة الجراحية، ووكل به من يخدمه لكبر سنه، وضعف فوته ورأيه، فلم تجد بداً جميلة من متابعة أخيها، وذلك سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وفي سنة ست وستين وثلاثمائة، حجت جميلة بنت ناصر الدولة، وكان معها أربعمائة جارية، وتصدقت على أهل الحرمين، نثرت على الكعبة الشريفة عشرة آلاف دينار، ولما تغلب عضد الدولة بن ركن الدولة سلطان العراق على أبي تغلب وملك الموصل، وهرب أبو تغلب إلى الدولة سنة تسع وستين وثلاثمائة، وكان معه سبعمائة غلام من ممالكيه ومماليك أبيه، ومعه أخته جميلة وزوجته بنت عمه سيف الدولة، فخرج عليهم أمير طيء دغفل بن مفرج، وقتل أبا تغلب وتفرقت غلمانه، وحملوا أخته جميلة وزوجته بنت سيف الدولة إلى حلب، فأخذ سعد الدولة صاحب حلب أخته وتركها عنده، وأرسل جميلة بنت عمه إلى بغداد فاعتقلها عضد الدولة في حجرة، ثم أركبها على جمل سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، ونادى عليها: هذه قبيحة أخت أبي مغلوب. ثم ألقاها في الدجلة وغرقها وماتت. [١١٠] تركان زوحة السلطان ملك شاه بن البارسلان السلجوقي تزوجها سنة ثمانين وأربعمائة فولدت له السلطان محمود سنة أحدى وثمانين وأربعمائة ومات ملك شاه سنة خمس وثمانين وأربعمائة في بغداد، ولما أخفت تركان موته وفرقت الأموال على الأمراء والعساكر وسارت بهم إلى أصفهان، واستخلفت العساكر لولدها السلطان محمود، وعمره إذ ذاك أربع سنين، وقامت بتدبير الملك أحسن قيام، ودبر الأمر بين يديها تناج الملك بن نظام الملك. وكان من أصفهان السلطان بركيارق، بن السلطان ملك شاه فهرب من أصفهان خوفاً من تركان خاتون وتوجه نحو بغداد، وأرسلت تركان خاتون إلى بغداد، وخطبوا لولدها محمود في بغداد، وتقوى بركيارق، واجتمع عليه خلق عظيم، وملك بعض البلاد، فبلغ ذلك تركان خاتون فجهزت العساكر لحرب بركيارق مع الوزير تاج الملك، فحاربهم بركيارق وهزمهم، وقتل: تاج الملك سنة ست ثمانين وأربعمائة وقدم بركيارق وحاصر أصفهان وكانت تركان خاتون مريضة وماتت وهي محاصرة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وأصاب ولدها السلطان محمود جدري ومات بعدها بأيام قلائل، ومدة ملكه سنتان وأيام قلائل، وطمع بركيارق وملك أصفهان وجميع مملكة أبيه، واستقر الملك له، والله الباقي. [١١١] زمرد بنت جاولي صاحب مدينة الموصل تزوجها تاج الدين بوري بن صغتكين صاحب مدينة دمشق، وأصدقها أربعين ألف دينار وتحف، وحظيت عنده، وولدت له مونح ومحمداً وشمس الملوك إسماعيل وشهاب الدين محمود، وهي التي بنت المدرسة ظاهر دمشق سنة أربع وعشرين وخمسمائة، وأوقفت لها أوقافاً كثيرة، وتوفي زوجها تاج الملك بوري سنة ست وعشرين وخمسمائة وسبب موته أن الباطنية وثبوا عليه وجرحوه جرحين برأ واحد منهما والآخر نسر ومات به، وملك الشام بعده ولده شمس الملوك إسماعيل وكان ظالماً قبض على أخيه وقتله، سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة اتفقت أمه زمرد مع رجل من أمراء دولته وسقته السم، ومات وقيل: كرهت ظلمه على الرعية فدست إليه من قتله. وملك دمشق بعده أخوه شهاب الدين محمود واستمر الملك بيده إلى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة فقدم عماد الدين زنكي وملك حمص وحصن المجدل، وتزوج زمرد خاتون طمعاً بدمشق، وقتل محمود سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وكره عماد زمرد خاتون لما عجز عن ملك دمشق وطلقها، وأقامت إلى أن مات عماد الدين فتزوجت زمرد برجل باقلاني لفقرها وشدة احتياجها، فكان إذا لطمها زوجها تقول: لو عرفتني لما ضربتني، وتوفيت زمرد سنة خمس وأربعين وخمسمائة. [١١٢] زمرد زوجة الأمير طغتكين بن أيوب الأيوبي صاحب بلاد اليمن

стр. 82

ولد له المعز إسماعيل والناصر أيوب، ومات طغتكين في اليمن سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، فملك اليمن بعده ولده المعز إسماعيل، وكان ظالماً مخبطاً، ادعى أنه قرشي أموي ولبس الخضرة، وخطب لنفسه بالخلافة فقتله مماليك أبيه بعدما وافقتهم أمه زمرد، وأقامت ولدها الصغير أيوب. وصار أتابكه الأمير سيف الدين سنقر، ومات بعد أربع سنين وصار أتابكه الأمير غازي بن جبرائيل، وتزوج زمرد أم الناصر، ثم طغى الأمير غازي، وطمع في بلاد اليمن فسم الناصر فمات، فاجتمعت العرب وقتلوا الأمير غازي وخلت اليمن فتغلبت زمرد أم الناصر، وملكت زبيد، وأخرجت الأموال وأنفقت على العساكر، وأقامت تنتظر من يقدم من بني أيوب ليملك بلاد اليمن وتتزوج به، وأرسلت زمرد بعض غلمانها إلى مكة في موسم الحج ليأتيها بأخبار مصر والشام، فوجد سليمان بن شاهنشاه بن أيوب، وكان فقيراً، فحمله معه ذلك الغلام إلى اليمن، وأحضره عند زمرد فتزوجت به وملكته اليمن فملأ اليمن جوراً، ولم يرع حق زمرد وطرحها وأعرض عنها، وكتب إلى عمه الملك العادل كتاباً أوله "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم" فاستقل عقله وأهمله، وتوفيت زمرد أم الناصر في حدود سنة ستمائة والله أعلم. وفي سنة اثنتي عشرة وستمائة، أرسل الملك الكامل ابن العادل ابنه الملك المسعود يوسف إلى اليمن في جيش عظيم فملك اليمن وقبض على سليمان وبعثه إلى مصر فأجرى له الكامل ابن العادل ولده الملك المسعود يوسف إلى اليمن في جيش عظيم فملك اليمن وقبض على سليمان وبعثه إلى مصر فأجرى له الكامل ما يقوم به إلى أن مات. [١١٣] ضيفة بنت الملك العادل أبي بكر أيوب مولدها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب، ولما ولدت كان عند أبيها ضيف فسماها أبوها ضيفة تزوجها الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف صاحب حلب سنة تسع وستمائة، وذلك بعد وفاة أختها ملكة، ولما عقد عليها أصدقها خمسين ألف دينار، واحتفل الظاهر لملتقاها بالنفائس، ومات عنها الظاهر سنة ثلاث عشرة وستمائة فملك حلب ابنها الملك العزيز محمد، ودبرته أمه ضيفة خاتون إلى أن كبر وطالت أيامه، وتوفي العزيز محمد سنة أربع وثلاثين وستمائة. فملكت حلب ضيفة خاتون إلى أن كبر الملك الناصر يوسف بن العزيز محمد، ودبرت الملك أحسن تدبير إلى أن بلغ عمر ابن ابنها. [١١٥] ملك بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب كانت منى أجمل النساء خلقاً، وأحسنهن خلقا، وأزكاهن فرعاً، وأوفاهن طبعاً، تزوجها الملك المنصور محمد بن عبد الملك، وقيل: محمد بن محمود بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وهو صاحب حماة، وأصدقها أربعين ألف دينار، ودخل بها وحملت منه بالمظفر محمود وشغف فيها، ولما كبر المظفر أخذ له المنصور أبوه العهد على حماة سنة ست عشرة وستمائة، وجعله ولي عهده، وأرسل معه جيشاً لنجدة الملك الكامل بمصر فسار المظفر محمود وقدم إلى مصر فأكرمه الكامل، وأنزله في الميمنة منزلة أبيه وجده، وبعد توجه المظفر من حماة تمرضت ملكة أياماً، وماتت فحزن عليها الملك المنصور، ولبس الحداد. قال ابن واصل: رأيته، وأنا ابن اثنتي عشرة سنة، يومئذ، وقد لبس ثوباً أزرق وعمامة زرقاء، وفي ذلك يقول حسام الدين بن الجندي الكردي من قصيدة يرثيها: الظرف في لجة والقلب في سعر ... له دخان زفير طار بالشرر لو كان من مات يفدي قبلها لفدى ... أم المظفر آلاف من البشر ما كنت أعلم أن الشمس قد غربت ... حتى رأيت الدجى ملقى على القمر وفي المراثي قولي أرثي أحد أولاد العم، فمنها قولي: لو كنت تفدى من أذى ومنية ... لفديت بالآباء والأبناء أو كنت تشترى لاشتريتك رابحاً ... بالمال والأملاك والأحياء يا دهر ويحك ما تركت مصيبة ... إلا وقد ألقيتها بفناء ولأخي أمين العمري الخطيب يرثي والده خير الله العمري فمنها: فلو استطع جعلت نعشك مهجتي ... وتركت شخصك في ضميري يقبر ولو أن محزوناً تكلف فوق ما ... في وسعه لبكى عليك المنبر ونعاك محراب بقيت بجوفه ... لله في جنح الظلام تكبر وبكاك أوراد ألفت دعاءه ... حججاً وحن لك الكتاب الأزهر فالفقه بعدك في حين متيم ... والنحو والتصريف عنك مقرر

стр. 83

وهي طويلة، ومثلها قول عبد الملك بك بن أمين بك يرثي والدي، ومنها: فلا خير في أوقاته لذوي النهى ... إذا كان خير الله في لوحه ممحو كريم نشا بالمكرمات فعمره ... تناهى بكسب الخير من بعضه النصح قضى فقضى من بعده العلم والحجا ... ومن أفق ليل الجهل قد أفقد الصبح وقولي من قصيدة أخرى أرثي أحد أولاد العم فمنها: يعز لعيني أن تمل من البكا ... عليه وقلبي أن يمل من الصبر فمن لمريد الفقه والنحو بعده ... ومن لذوي التسآل والفهم والفكر فيا قلب لا تجزع ونادي تأسفاً ... لقد غاب في بطن الثرى غرة البدر ثلاث عشرة سنة، فأشهد عليه أنه بلغ وأدرك الحلم فاستلم حلب ومضافاتها، والمرجع إلى إقبال الأسود الخصي، وتوفيت ضيفة خاتون بالحمى والقرحة، ودفنت في قلعة حلب وعاشت نحو تسع وخمسين سنة وكانت من أصحاب الرأي والكمال. [١١٤] ملكة بنت العادل أبي بكر بن أيوب تزجها الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف صاحب حلب قبل أختها ضيفة، وأصدقها خمسين ألف دينار، وكانت من أجمل نساء زمانها وأحبها وشغف بها، فولدت له الملك المظفر محمود وقيل: كان اسمها غازية، وماتت سنة تسع وستمائة. [١١٦] ربيع بنت نجم الدين أيوب وهي أخت السلطان صلاح الدين يوسف لأمه وأبيه كانت من أهل الصلاح والدين، تكرم العلماء، وتنعم على الفضلاء، أراد أن يزوجها الملك الكامل بن العادل لوزيره الفاضل فامتنعت وأبت، وهي التي بنت المدرسة الحنبلية في جبل الصالحية، وجعلت لها أوقافاً، وجعلت للمدرس كل يوم درهمين وللمعيد درهماً، وللطلبة كل واحد نصف درهم، ويكون طلبة العلم عشرين، استمرت المدرسة زماناً إلى أن انقرضت دولة الأيوبيين فلم تبق على الترتيب وانهدمت، وتوفيت ربيع خاتون سنة ثلاثة وأربعين وستمائة، وقد جاوزت الثمانين سنة، ولم يسقط ضرس من أضراسها. [١١٧] شجر الدر جارية الصالح أيوب وقيل: زوجته، ولفرط جمالها سماها الصلح شجر الدر، وحظيت عنده وأحبها، ولم تحمل منه، وقيل: ولدت له ولداً سماه خليل ومات، وهو صغير ولما مات الصالح أيوب سنة سبع وأربعين وستمائة، فأحضرت شجر الدر فخر الدين بن الشيخ، ومحسن الطواشي، وجمعوا الأمراء من وراء حجاب، وقالت لهم: السلطان يأمركم أن تحلفوا لولده المعظم، فإنه عهد له بالملك من بعده وجعل أتابكه ابن الشيخ فخر الدين، ويأمركم أن تحلفوا أيضاً لأتابكه، فحلفوا له، ثم أظهرت شجر الدر موت الصالح أيوب. بعدما أرسلت واستدعت المعظم ابن الصالح أيوب. وكان في مدينة كيفا، وشاع موت الصالح فتقدمت الإفرنج إلى جهة مصر، وطمعوا في المسلمين، ووقعت وقعة عظيمة، وقتل فخر الدين بن الشيخ مستهل رمضان، ثمة نصر الله المسلمين، وأخذوا من الإفرنج اثنين وثلاثين مركباً وهرب الإفرنج. ثم قدم المعظم وبايعوه، وجددوا البيعة بمصر، وذلك سنة سبع وأربعين وستمائة وتجهز بالعساكر من مصر سنة ثمان وأربعين وستمائة وحارب الإفرنج وكسرهم. وقتل من الإفرنج سبعة آلاف ومن المسلمين مائة، وأسر ملك الإفرنج ثم أطلقه، وشرع المعظم في إبعاد أمراء أبيه، وتقرب غيرهم فمقتوه ثم قتلوه، فأقامت بالمملكة شجر الدر، وخطب باسمها، وضرب السكة باسمها، وكان نقش السكة: المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة الملك المنصور خليل. وجعلت علامتها إلى التواقيع والمناشير: والدة خليل. وصار أتابك العساكر عز الدين أيبك. ثم إن فرنس ملك الإفرنج تقدم إلى نوابه وسلم دمياط للمسلمين، وأطلق فرنس. وفي ذلك يقول ابن مطروح: قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق عن قؤول نصيح أتيت مصر تبتغي ملكها ... تحسب أن الزمر يا طبل ريح وكل أصحابك أوردتهم ... بحسن تدبيرك الضريح خمسون ألفاً لا ترى منهم ... غير قتيل أو أسير جريح وقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثأر أو لقصد صحيح دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشي صبيح

стр. 84

ثم إن شجر الدر تزوجت عز الدين أيبك، واستقل بالسلطنة وطالت أيامه، وخطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل فبلغ ذلك شجر الدر فغضبت لذلك فلما دخل عز الدين أيبك الحمام جهزت شجر الدر الجوهري والخدام. فدخلوا على أيبك وقتلوه في الحمام، وبلغ ذلك مماليك أيبك فعزموا على قتل شجر الدر فحماها مماليك الصالح، ونقلت شجر الدر إلى البرج الأحمر، ثم قتلوها سنة خمس وخمسين وستمائة. [١١٨] أم الواحد بنت القاضي العلامة الحسين المحاملي كانت من أهل الدين والصلاح، قرأت القرآن وحفظته مجوداً، وكانت حسنة الصوت، ثم قرأت الفقه، والنحو وعلم الفرائض، وأتقنت الجميع، ودرست في دارها النساء المخدرات، قرأ عليها كثير من النساء، وكان في عصرها وقطرها لا تحتاج النساء إلى سؤال مسألة لأحد من العلماء لأنها كفت الجميع ما يحتاجون إليه، وهو قراءة القرآن، ومسائل الفقه والفرائض، قيل: إن امرأة سألتها يوماً فقالت: ما تقول سيدتنا في جنب وحائض وميت، كانوا في البر وعندهم ماء يكفي لأحدهم، أيهما يتقدم؟ فقالت تقدم الحائض لأن ماء غسلها فرض على زوجها الجنب، ويتيم هو ثم الميت أيضاً، وإنما تقدم لأنها عورة فربما ظفرت بالماء وليس القدرة على الاغتسال، فلأجل ذلك تقدم على الرجل الميت. ووجدت في هامش كتاب "الهداية" ناقلاً عن العلامة ابن همام الحنبلي: أولى بالماء المباح إذا وجدوه، هو وحائض ومعهم ميت، فيغتسل الجنب ويتيم الميت والحائض، وكذا المحدث. وهذا يدل على أن الرجل الجنب أولى من الامرأة والله أعلم، توفيت أم الواحد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. [١١٩] أم الفضل بنت عبد الصمد الهروية صاحبة الأدب والفضل قرأت العلوم على الفقيه الفاضل ابن أبي شريح، ولها جزء مشهور ترويه أيضاً عن ابن أبي شريح، ولها غير ذلك، توفيت سنة سبع وسبعين وأربعمائة. [١٢٠] فاطمة بنت الحسن بنت علي الأقرع كانت أجود أهل زمانها بالأدب والفضل، وكانت حسنة الخط في الغاية مع سرعة الكتابة وفرط صحته. حكي أنها كتبت يوماً، ورقة وأرسلتها إلى الوزير الكندري فتعجب من حسن خطها وبلاغة معانيها، فأعطاها ألف دينار. وكان لها اطلاع تام في معرفة التواريخ، وتحفظ شيئاً كثيراً من أشعار العرب. حكي أن رجلاً سائلاً أتى دار فاطمة بنت الحسن يسألها شيئاً يستعين به على البرد، في يوم شديد البرد، وذكر لها أنه كثير التهجد بالليل وقد رمدت عيناه من السهر فقلت له: بما تداوي عينيك؟ قال بالعبادة والصوم والدعاء. فقالت له: لو خلطت الثلاثة بالمثلثة مع قليل انزروت لكان أسرع للإجابة. فقال لها: ما المثلثة؟ قالت: النوم والراحة وعدم السؤال. فولى الرجل وهو يقول: لا أفلح سائل سأل سائلاً. وتوفيت فاطمة بنت الحسن سنة ثمانين وأربعمائة والله أعلم. [١٢١] فاطمة أم الخير بنت علي المعروفة ببنت زعبل كانت أوحد أهل زمانها بعلم الحديث، زولها مشاركة بالفقه والنحو والفرائض، وروت صحيح مسلم، كذا ذكره اليافعي، وكانت تتميز بالمسند والمرفوع والمتصل والمعنعن والمرسل والمتقطع والموضوع والمتواترة والغريب والمصحف والمسلسل. ذكر في "الصفوة" المسند هو المتصل، والمقطوع هو المرسل، المنقطع المغضل هو الشاذ المعلل والمدلس المضطرب، والموضوع ما أضيف إليه ﷺ والمعنعن هو الذي يقال في سنده فلان عن فلان، والمتواتر ما رواه جماعة كثيرة، والغريب ما انفرد به شخص واحد، والمصحف تغير لفظ أو معنى عن ظن الصواب. والمسلسل هو ما تتابع رجال إسناده على صفه أو حالة، والمرسل هو قول التابعي الكبير، والموضوع هو المختلق المصنوع.

стр. 85

وذكر الشيخ علي القاري، قال الزركشي: بين قولنا لم يصح، وقولنا: موضوع، فرق بين لأن الوضع إثبات الكذب، وقولنا: لم يصح، إنما هو إخبار عن عدم الثبوت، ولا يلزم منه إثبات العدم. ومما يستحب للمحدث ذكره في "الصفوة": أن يقدم الصالحات، ويحرص على نشر الحديث، وإذا أراد الحضور في مجلس الحديث فليتطهر، ويتطيب، ويسرح شعره، ويجلس متمكناً بوقار، ويفتتح بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ وينبغي إلا يحدث بحضرة من هو أولى به، ومما يجب على الطالب تصحيح النية، وتقديم العمل الصالح، والإخلاص، وينبغي أن يعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع به. وفيه أيضاً يجوز التساهل عندهم في أسانيد الضعيف وروايته سوى الموضوع، ولا يثبت شيء من الأحكام الخمسة بالضعيف، غير أنه يجوز العمل بالضعيف في الفضائل. وتوفيت أم الخير فاطمة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. والله أعلم. [١٢٢] شهدة بنت أحمد بن الفرج العالمة، الفاضلة، الصالحة، الورعة، العابدة، التقية، برعت في العلوم، وأتقنت المنطوق والمفهوم، وكانت تصوم الاثنين والخمسين، وتعظ النساء الوعظ النفيس. اشتهر فضلها في الآفاق ونما بالعراق، ولها مشاركة في كثير من العلوم ولا سيما الفقه، وعلم التفسير، وعلم الحديث، وكانت تجلس من وراء حجاب، وتقرئ الطلاب، وتتلمذ عليها خلق كثير مثل الشيخ أبي الحسن والفقيه أبي المعالي أحمد بن خلف. توفيت غي حدود سنة أربع وسبعين وخمسمائة وتعرف بالكاتبة. [١٢٣] تقية بنت غوث بن علي الصوري كانت أوحد أهل زمانها بالأدب، ولها مشاركة في بعض العلوم، وأتقنت النحو، ولها شعر جيد، فمن ذلك قولها في وصف مليح، وحمرة خده الصحيح: خد من أهواه يحكي زحلا ... صبغوه من دمي كالعندم ولماه عسل فيه الشفا ... وحماه كعبتي بل حرمي وعلى هذا القول بعضهم، وأجاد أهيف خده من ماء ورد ... يحوز الحسن فهو بلا شبيه فلو أخجلته بالقول جهدي ... لحمرة خده ما بان فيه وقال آخر: ونار خديه الذي أضرمت ... غدا بها كان لقلبي غرام اخترته مولى ويا ليته ... لو قال يا بشراي هذا غلام حكي: أن تقية مدحت الملك المظفر عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين بقصيدة طويلة فأجازها وتوفيت سنة ثمانين وخمسمائة. [١٢٤] تعيسة أو عبد الله الطرابلسي كانت من المخدرات، ذكر ابن كثير قال: لما دخلت سنة أربع وخمسين وسبعمائة، كانت تعيسة بنتاً باكرة قريباً من البلوغ، فزوجت لرجل، فلم يقدر على وقاعها فطلقها ثم تزوجها آخر، ولم يقدر عليها وطلقها، وتزوجها الثالث وعجز عنها فطلقها، ولم يقدر أحد عليها، يظن أن بها رتقاً فلما بلغت خمس عشرة غار ثدياها، ثم جعل يخرج من محل الفرج شيئاً قليلاً قليلاً مثل البنت إلى أن صار قد أصبح ذكراً وتحته أنثيان، واشتهرت هذه الحكاية، وتزوجت بامرأة بعدما كانت امرأة. ونظير هذا ما ذكره لي من أثق به، وحلف لي أنه رأى في كتاب: أن رجلاً من أهل الصلاح وأهل العلم كان له بنت، وقد جاوزت عشر سنين، فأرسل بعض الأشرار ممن هو ليس كفوءاً يخطب منه ابنته، فأنكر ذلك الرجل الصالح البنت، وقال: ليس لي بنت إنما هو ولد ثم دخل إلى بيته وأخبر زوجته بذلك فأحضروا البنت فوجدوها ولد ذكراً وقد صار له ذكر، وأنثيان. وصدق الله قول ذلك الصالح وكفاه شر ذلك الطالح. ولا يبعد هذا عن قدرة الله تعالى فإن القدرة صالحة لكل شيء والله أعلم. ومما حكي: أن إماماً كان بمدينة حلب يصلي سنة سبع مائة واثنين وثمانين، فجاء شخص وعبث به وهو يصلي فلم يقطع الإمام صلاته، حتى سلم فانقلب ذلك العابث وجهه وجه خنزير، وهرب من وقته إلى غابة خارج حلب، ومات بعد ثلاثة أيام.

стр. 86

وحكي: أنه كان لرجل اسمه القاروبي جمال، فلما دخلت سنة ثمانمائة وخمس عشرة حمل جملاً منها فوق طاقته قريباً من مكة، فهرب الجمل، ودخل البيت وجعل يطوف الناس حوله يريدون قبضه فلا يمكنهم من نفسه، ويعضهم ويرمحهم فتركوه واحداً وعشرين يوماً، وهو يطوف ولا يأكل ولا يشرب ثم سار إلى الحجر الأسود، وقبله، ثم توجه إلى مقام الحنفية، ووقف تجاه الميزاب، وبكى، وألقى نفسه في الأرض ومات، فحمله الناس ودفنوه ما بين الصفا والمروة. وفي سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ولدت بمدينة بلبيس جاموسة ولداً برأسين وعنقين وأربع أيدي وسلسلتي ظهر، ودبر واحد، ورجلين وفرج أنثى وذنبين وذبح في مدينة غزة جمل فأضاء لحمه مثل السراج فألقوا منه قطعة لحم لكلب فلم يأكلها، وذلك سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة. [١٢٥] فاطمة بنت القاضي جلال الدين البلقيني كانت من أهل الذكاء، وهي من أجمل أهل زمانها تزوجها رجل كفء لها سنة ثمانمائة وثلاث وعشرين فولدت ولداً ذكراً سنة ثمانمائة وخمس وعشرين وله يدان زائدتان في كتفه، وفي رأسه قرنان كقرني الثور، وعاش ساعة ومات. ونظير هذا ما رأيته، وشاهدته بعيني: أن امرأة من بنات العم من العمرية كانت عند رجل من أبناء عمنا أيضاً، فلم تحمل منه ومات عنها في الطاعون الواقع في الموصل سنة ألف ومائة وست وثمانين، ثم تزوجت تلك المرأة برجل آخر، فولدت له ولداً صورته كاملة وله يد واحدة والأخرى قصيرة بلا كف إلى حد الزند من اليد، وعاش نحو ستة أعوام ومات. ومما شاهدته بعيني إن رجلاً من الأكراد قدم الموصل وله يدان في رأس الكتف والكف منها بقدر كف غلام عمره شهر، ومه هذا فإنه يصلي، أقام بالموصل أعواماً يسأل الناس ويتصدقون عليه، وفي سنة ألف ومائتين منة الهجرة ولدت امرأة في الموصل ولدين في بطن واحدة، الأول على صورة البشر والأخر برأسين وفمين وأربع عيون ويدين ورجلين ومات بعد ساعة وذلك يوم الخميس آخر جمادى الأخر. وفي سنة ألف ومائة وخمس وتسعين على ما ذكر لي من أثق به: أن كلبة في بعض قرى الموصل ولدت جروا له طرف مثل الغنم، وبقي أياماً ومات. ورأيت في "تاريخ اليمن"، أنه سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة، ولدت امرأة، نواحي اليمن، ولد له أنفان واحد على التكوين المعروف، والأخر خارج من قصبة الأنف الأصلية، وله عين واحدة، والأخرى طلساً فيها نقطة سوداء فعاش أياماً ومات. ومثلها أنه في سنة أربع وثلاثين وثمانمائة ولد قفي مدينة زبيد، ولد وجهه منقسم نصفين، وفي كل خد عين، وتحت العين أنف وفم، ثم ولد فيها عجل سطيحة بلا يدين ولا رجلين ولا ذيل، وإحدى عينيه مطموسة، وأنفه من داخل الفم وليس له لسان. ذكر أهل التواريخ: أن في سنة ثمانمائة وإحدى وثمانين في مدينة مصر، ولد لبعض أمراء الجراكسة ولد له أربع عيون، عينان في محلهما، وعينان في وسط جبهته وله أنف غير مثقوب من جهة الشمال، وله في كل يد سبع أصابع، وله أسنان في فمه، وشعره برأسه بطول شبر فعاش عشرين يوماً ومات، وقيل: قتله أبوه. [١٢٦] خانم سلطان بنت السلطان سليمان

стр. 87

أم الخيرات كانت أوحد بنات الملوك، بالكرم، وفعل الجميل، ولما بلغها سنة تسعمائة وتسع وستين أن أهل مكة يشتكون قلة الماء، وقد يبست العيون والآبار، وأن الحاج يقاسون العذاب الأليم من شدة العطش، طلبت صاحبة الخيرات فأذن لها، فأمرت دفتردار مصر إبراهيم بك بن تغري ويردي المهمندار، وكان قد عزل وأمر بالتفتيش عليه، فلما أمرتاه بذلك عفا السلطان سليمان عنه، وأعطته خمسين ألف دينار لعمل العيون، وعشرين ألف دينار لقضاء مهماته، فركب في البحر، وتوجه إلى مكة، فأول ما بدأ حفر الأبار ليكثر ماؤهم، ثم شرع سنة تسعمائة وسبعين في الكشف عن ذيول عين عرفات وأقام لهاذ العمل نحو ألف نفس من العمال والبنائين والمهندسين والحدادين، وعين لكل فرقة قطعة من الأرض إلى أن وصل إلى عمل زبيدة الذي عجزت عنه فلما وصلوا إلى الصخرة مائة حمل من الحطب، ويوقده بالنار ثم يصبون عليه الخل ويكسرونه بالحديد، ثم يعيدون الحطب والنار إلى أن فرغ الحطب من جبال مكة، واستمر على هذا العمل لأربع سنين، وأرسلت له خانم سلطان مائة ألف وخمسين ألف دينار، وتوفي إبراهيم بك ولم يتم عمله لعين عرفة في مكة سنة تسعمائة وأربع وسبعين، وكان قد صرف لهذا العمل خمسمائة ألف دينار، وكل ذلك من عند خانم سلطان ولما مات إبراهيم بك أقيم مكانه قاسم بك حاكم جدة فأقام بأداء هذه الخدمة إلى أن مات سن تسعمائة وتسع وسبعين ولم يتم عمله لعين عرفة، فأقيم مكانه لأداء هذه الخدمة قاضي مكة السيد حسين فتقدم بهمته إلى مكان كمال هذا العمل فساعدته السعادة، فكمل العمل فيما دون خمسة أشهر، وجرت عين عرفات، ووصل الماء في تلك الذيول إلى أن دخل مكة، وعمل في ذلك اليوم سماط طعام في الأسطح، وذبح مائتي رأس من الغنم، ونحوها من الإبل، وخلع على عشرة من المعلمين، وعرض ذلك إلى الأبواب العلية فحصل للقاضي ترقيات، وصارت المدرسة السليمانية التي في يده كل يوم مائة عثماني. المقالة الثانية في ذكر النساء الطالحات [١] الزهرة ملكة فارس ذكر في المعالم........

стр. 88

ذكر في كتاب "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة". السحر عزائم ورمي وعقد يؤثر في الأبدان والقلوب فيمرض ويقتل ويفرق بين المرأة وزوجها وله حقيقة عند الأئمة الثلاثة وقال أبو حنيفة لا حقيقة له ولا تأثير في الجسم وقال الاستربادي من الشافعية وتعلمه حرام بالإجماع واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويعلمه فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد يكفر بذلك ومن أصحاب أبي حنيفة ﵁ من قال إن تعلمه ليتجنبه أو ليتقيه لم يكفر وإن تعلمه معتقداً جوازه أو معتقداً بنفعه كفر وإن اعتقد أن الشياطين تفعل للساحر ما يشاء فهو كافر وهل يقتل الساحر بمجرد تعلمه أو استعماله؟ قال مالك وأحمد يقتل وقال أبو حنيفة لا يقتل حتى يتكرر منه وهل تقبل توبة الساحر أم لا؟ قال أبو حنيفة ومالك لا تقبل وقال أحمد روايتين أظهرهما لا تقبل وقال الشافعي تقبل توبته واختلفوا في ساحر أهل الكتاب فقال الشافعي ومالك وأحمد لا يقتل وقال أبو حنيفة ﵁ يقتل كما يقتل الساحر المسلم وهل حكم الساحرة المسلمة حكم الساحر المسلم؟ فقال مالك والشافعي وأحمد حكمها حكم الرجل وقال أبو حنيفة تحبس ولا تقتل وذكر في "الفتاوى الخانية" رجل يتخذ لعبة ليفرق بين المرأة وزوجها بتلك المرأة قال هو مرتد يقتل بردته ويقتل إذا كان يعتقد بها وذكر في "نصاب الاحتساب". الساحر إذا تاب قبل أن يؤخذ تقبل توبته وإن أخذ ثم تاب لم تقبل توبته وذكر في "سير المحيط". سئل القاضي الفضيلي عن معنى قول ﷺ : "من أتى كاهناً وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" فقال الكاهن هو الساحر وذكر في "شرح الجوهرة" إن السحر من الخوارق إذ هو عبارة عن ظهور أمر خبيث في خيوط ينفث عليها وفي "شرح المقاصد" السحر إظهار أمر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة لمباشرة أعمال مخصوصة يجري فيها التعلم والتعليم وذكر في "شرح الجوهرة" حكى الأوزاعي عن يهودي كان معه في سفر فأخذ اليهودي ضفدعاً وسحرها فصارت خنزيراً فباعه للنصارى فلما صاروا إلى بيوتهم عاد ضفدعا فلحقوا اليهودي وهو مع الأوزاعي فلما قربوا منه رأوا رأسه قد سقط ففزعوا وولوا هاربين وبقي الرأس يقول للأوزاعي يا أبا عمر هل غابوا؟ إلا أن بعدوا عنه فصار الرأس متصلاً بالجسد وقال إمام الحرمين لا يظهر السحر إلا على فاسق وقال مالك السحر زندقة وإذا قال الرجل ما أحسنه قتل ولم تقبل توبته وقال النووي في "الروضة" إتيان الكاهن وتعلم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والشعوذة وتعليمها حرام بالنص الصحيح وقال ابن قدامة في "الكافي" الكاهن له رثي من الجن وذكر في كتاب "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة" سئل ابن المسيب عن الرجل يؤخذ عن امرأته فليلتمس من يداويه؟ فقال إنما نهى الله غما يضر ولم ينه عما ينفع إن استطعت أن تنفع أخاك فافعل وهذا يدل على أن من يفعل مثل هذا لا يكفر صاحبه ولا يقتل. وفي شرح البخاري ومما ينفع الرجل إذا حبس عن أهله أي منع الجماع، يأخذ سبع ورقات من شجرة سدر أخضر وتدق بين حجرين ويخلطه بماء ويقرأ عليه آية الكرسي وكل سورة أولها (قل) ويلحس منه ثلاث لحسات ثم يغتسل بالباقي. وذكر في "نزهة المجالس"قتال كعب الأحبار: لولا هذه الكلمات لجعلتني اليهود حماراً، يعني من سحرهم، وهي: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها ومل لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ. ونقل العلامة عن ابن عباس ﵁: من قرأ عند النوم (قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين) الآية. لم يضره كيد ساحر ولا تكتم على مسحور إلا رفع الله عنه السحر. ومما جربته مراراً: يكتب على ثلاث بيضات مسلوقات بعد التقشير على الأولى: (قال موسى ما جئتم به من السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين) وغلى الثانية (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا تؤمنون) وعلى الثالثة (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً) ويأكل المربوط عن النساء، وهو المسحور كل ليلة واحدة، ينحل بإذن الله. وقد جربته مراراً. [٢] دلوكة بنت الزباء

стр. 89

كانت صاحبة عقل وكمال، وتجارب ومعرفة وكانت في زمن موسى ﵇ ولما أغرق الله فرعون كان لها من العمر مائة وستين سنة، وذكر في كتاب "حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة": إنه لما أغرق الله فرعون في النيل هو وجنوده وأشراف أهل مصر وأكابرهم ووجوههم، كانوا أكثر من ألفي ألف فبقيت مصر خالية من الأشراف، ولم يبق بها إلا العبيد والأجراء والنساء، وصارت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه، وتتزوج الأخرى أجيرها، فاجتمع أشراف من بمصر من النساء، وعقدت رأيهن على أن يولين عليهن دلوكة بنت الزباء، فملكوها عليهن فخافت أن يتناولها ملوك الأرض، فجمعت نساء الأشراف وقالت لهن: إن بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كن نتقوى بهم، وقد رأيت أن أبني حصناً أحدق به جميع بلادنا، وأضع عليه المحارس، فبنت جداراً أحاطت على جميع أرض مصر كلها حتى المزارع والمدن والقرى، وجعلت دونه خليجاً يجري فيه الماء، وأقامت عليه القناطر، وجعلت فيه محارس ومسالح. على كل ثلاثة أميال محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغار، وجعلت في كل محرس رجالاً وأجرت عليهم الأرزاق، وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس، فإذا أتاهم أحد يخافونه ضربوا الأجراس من أية جهة كانت فيتحصنون، وفرغت من بنائه في ستة أشهر، وكان عندهم عجوز ساحرة اسمها تدورة، وكانت السحرة تعظمها وتقدمها في السحر، فأرسلت إليها دلوكة تقول: إنا قد احتجنا إلى سحرك فاعملي لنا شيئاً نغلب به من حولنا، فقد كان فرعون مع ملكه محتاجاً إليك، فقدمت إليهم وعملت بيتاً من حجارة في وسط مدينة منف، وجعلت له أربعة أبواب، وصورت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسفن والرجال، وقالت لهم: هذا يغنيكم عن الحصن، فما أتاكم من أية جهة فتتحرك الصور من تلك الجهة يأتون منها، فما فعلتم بالصور من شيء أصاب العدو ذلك في أنفسهم، ولما بلغ الملوك ولاية النساء النساء طمعوا فيها، ولما دنوا منها، تحركت تلك الصور [التي في البيت] ، وأصاب ذلك الجيش الذي أقبل من قطع الرؤوس، وقلع العيون، وبقر البطون، فيعودون بالخيبة، وملكتهم دلوكة عشرين سنة حتى بلغ من أبناء أكابرهم رجل يقال له دركون بن بطلوس فملكوه عليهم.

стр. 90

وذكر في "تفسير الفخر الرازي": قال وهب: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى، وهذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى، ﵇، أكثر من أربعمائة سنة، وذكر في كتاب "عجائب مصر": قال الكندي: أجمعت الرواة على أنه لا يعلم جماعة أسلموا في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وهم السحرة الذين آمنوا بموسى ﵇ وأخرج ابن عبد الحكم عن عبد الله بن هبيرة قال: كان السحرة اثني عشر جزءاً رؤساء تحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفاً تحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع السحرة مائتي ألف وأربعين ألف ومائتين واثنين وخمسين بالرؤساء والعرفاء. وذكر في "تفسير فخر الدين الرازي": لما أراد الله أن يعرق فرعون والقبط أمر موسى ﵇ أن يأمر بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، وذلك لغرضين أحدهما: ليخرجوا خلفهم لأجل المال، والثاني: أن تبقى أموال القبط في أيديهم، ونزل جبرائيل بالعشي فقال لموسى: أخرج قومك ليلاً، وذلك قوله تعالى (وأوحينا إلى موسى أن ٍأسر بعبادي إنكم متبعون) وكانوا ستمائة ألف نفس فلما خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. فما صاح ديك تلك الليلة. فلما أصبح فرعون اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط، وقيل ألف ألف ومائتا ألف نفس، فتتبعوهم نهاراً، وذلك قوله تعالى: (فأتبعوهم مشرقين) أي بعد شروق الشمس (فلما ترآءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين) فلما سار موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون، ﵇: أين أمرك ربك؟ فقال: إلى أمامك، وأشار إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه البحر، فكان يمشي في الماء حتى سبح الفرس ثم عاد وقال: يا موسى أين أمرك ربك؟ فقال: البحر. فقال والله ما كذبت، وفعل كذلك ثلاث مرات، فأوحى الله إلى موسى ( ... أن اضرب بعصاك البحر ... ) الآية، فانشق البحر اثنا عشر جبلاً في كل واحد منها طريق. فقال له: أدخل فكان فيه وحل، فهبب الصبا فجف البحر حتى صار يابساً، وذلك قوله تعالى: ( ... طريقاً في البحر يبساً ... ) وأخذ كل سبط طريقاً، ثم اتبعهم فرعون فلمتا بلغ شاطئ البحر إبليس واقفاً ينهاه عن الدخول، فجاء جبرائيل، ﵇ على مهرة فتقدم فرعون، وكان إلى فحل فتبعه ودخل البحر فصاح ميكائيل ﵇ الحقوا آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر أمر الله الماء فنزل عليهم، وذلك قوله تعالى: ( ... وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون) وكان ذلك يوم عاشوراء، فصام موسى ﵇ شكراً لله تعالى، ذكر في "تفسير المدارك": أن شعيباً ﵇ كان عنده عصي الأنبياء، فقال لموسى بالليل: ادخل إلى ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي، فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب ﵇ فمسها، فضن بها وقال: خذ غيرها فما وقع بيد موسى ﵇ إلا هي سبع مرات، فعلم أن له شأنناً فأعطاه إياها وفيه: أيضاً لما انتهى موسى ﵇ إلى البحر، قال يوشه لموسى: أين أمرت فهذا البحر أمامك، وقد عشيك آل فرعون؟ فقال موسى: ههنا. فخاض يوشع الماء، وضرب موسى بعصا البحر فدخلوا. وروي, أن موسى ﵇ قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء. انتهى، وكان غرق فرعون وقومه في النيل سنة ثلاث آلاف وثمانمائة وعشرين من هبوط آدم ﵇. [٣] قطام وقبال هما امرأتان كانت في ثمود في زمن صالح ﵇ وكان ملك ثمود واسمه مقدار يهوى قطام، وأخوه، وقيل: ابن عمه مصدع يهوى قبال وكانا يجتمعان بهما. ففي بعض الليالي قالت قطام، وقبال لملكهما قدار، ومصدع: لا سبيل لكما علينا حتى تقتلا الناقة! فقالا: نعم، ثم إنهما جمعاً أصحابهما وقصدوا الناقة، وكانت على حوضها فجلس قدار ومصدع في مكان، وجعلا يبعثان، رجالاً لقتل الناقة فلا يقدرون، ويعظم ذلك عليهم، ويعودون، فعند ذلك مشى إليها قدار وقيل: مصدع وضرب عرقوبها فوقعت على الأرض، وقامت تركض وذلك قوله تعالى: ( ... فعقروها فدمدم عليهم ربهم..) وكان ذلك يوم الأربعاء، واسم ذلك اليوم بلغتهم جبار، وكان هلاكهم يوم الأحد، وهو عنهم أول يوم.

стр. 91

ذكر في كتاب "الكامل": فلما قتلت الناقة أتى رجل منهم إلى صالح ﵇ وخرج قومه يتلقونه يقولون يا بني الله: إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا، فقال: أدركوا فصيلها فإن أدركتم فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبون الفصيل، فهرب وقصد الجبل، وجعل كلما صعد يتطاول الجبل إلى السماء، حتى ما يقي يناله الطائر، فعادوا عنه وعاد الصالح ﵇ إلى القرية، فبكى الفصيل ثم استقبل صالحاً ﵇ ثلاث مرات، فقال صالح: لكل دعوة أجل يوم، وذلك قوله تعالى ( ... تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب) وآية العذاب الذي ينزل بكم أن وجوهكم تصبح في اليوم الأول مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، فكان مثلما قال. فلما كان اليوم الثالث تكفنوا، واحتنطوا بالصبر والمر، وكانت أكفانهم النطاع، وألقوا أنفسهم إلى الأرض فلما كان اليوم الرابع أتتهم صيحة في السماء فيها صوت كل صاعقة، فتقطعت قلوبهم في صدورهم، وذلك قوله تعالى: ( ... فأصبحوا في ديارهم جاثمين) وهلكوا كلهم ولم يسلم منهم إلا أبو رغال، وهو أبو ثقيف، لأنه كان في الحرم، ولما مر ﷺ على قرية ثمود قال لأصحابه: "لا يدخلن أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائها"، وأراهم مرتع الفصيل في الجبل، وأراهم الفج الذي كانت الناقة ترد منه الماء) . وذكر في كتاب "مختصر المؤيد": أن قوم صالح اقترحوا عليه أن يخرج لهم ناقة من حجر صلد، فدعى الله تعالى فخرجت الناقة من الصخرة، وكانت هي سبب هلاكهم لما عقروها بامرأتين فاجرتين بينهم، وذكر في كتاب "قصص الأنبياء"أنه آمن بصالح من قومه أربعة آلاف نفر، وخرج بمن آمن معه ليلة الأحد، ونزل في مكان من أعمال فلسطين، وأهلك الله قومه سنة ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثة وخمسين سنة من هبوط آدم عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة وأكمل التسليم. وقال في كتاب "البستان": ثمود اسم بئر بأرض الحجر، منه سميت تلك القبيلة ثمود، وكان عاقر الناقة رجلاً أحمر أزرق العينين يقال له: قدار بن سالف، وهو أشقى القوم: قال تعالى: (إذ انبعث أشقاها) . [٤] رقاش هي أخت جذيمة الأبرش، كانت حسنة جميلة، وكان أخوها جذيمة من أجل ملوك العرب، فبلغه أن في بني لخم غلاماً حسن الصورة اسمه عدي فأرسل إليه واستدعاه، فلما قدم ودخل عليه رآه جميلاً حسناً فضمه إليه، وولاه شرابه، وجعله هو الساقي، فكان يسقيه ويتملى به، كما قيل: أدار الكأس ساقينا ... فكانت مثله خديه بياضاً في احمرار قد ... سبتنا مثل عينيه يا معشر العذال أقبل قاتلي ... فقفوا لرؤية وجهه وتفرجوا فالخد ياقوت ورائق ثغره ... در، وعقرب صدره فيروزج فأرسلت إليه ليخطبها من أخيه جذيمة فأرسل إليها يعتذر إليها، ويقول: إني لا أقدر على هذا فاستدعته إليها، وضمته إلى صدرها، وجعلت تقبله، يقبلها، وتلاعبه ويلاعبها، ولسان حالها يقول: ولما تلاقينا وعندي من الأسى ... بقية وجد، وهو نشوان من خمر لثمت ثناياه العذاب فكلما ... تنفس عن خمر تنفست عن جمر ثم إنها قالت له: إذا جلس جذيمة على شرابه فاسقه صرفاً، وأسقي القوم ممزوجاً، فإذا أخذت الخمرة فيه فاخطبني إليه، فلن يردك، فإذا زوجك فاشهد القوم، ففارقها ولما حضر جذيمة في مجلسه، وأمر بالشراب، فقدمها إليه عدي وفعل ما أمرته رقاش، ثم خطب رقاش من خذيمة فزوجه إياها، وأشهد القوم، فلما انق٤ضى المجلس انصرف عدي إلى عند رقاش فأعرس بها من ليلته، وأصبح بالخلوق فرآه جذيمة، فقال: ما هذه الآثار، فقال عدي آثار العرس. فقال أي عرس؟ قال عدي: عرس رقاش! فقال جذيمة: من زوجك بها ويحك؟ قال الملك. فعند ذلك ندم جذيمة، وتذكر ما قاله له، حين خطبها منه، وبدا في وجه جذيمة الغضب، فهرب عدي خوفاً من القتل، واتصل عدي في قبيلته، لم يعلم له مكان، ثم إن جذيمة كتب إلى رقاش يقول: خبريني، وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين أم بعبد، فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون

стр. 92

فلما رأته رقاش قالت: لا، بل أنت زوجتني امرءاً عربياً حسيبا، فعند ذلك عذرها، وحملت رقاش في ليلتها، ولما تكاملت عدتها، ولدتن غلاماً فسمته عمرو، ولما انتشى وترعرع أحبه خاله جذيمة، ثم إن الجن اختطفت عمرو، وأقام عنهم زماناً، ولما أفلت منهم، وعاد وهو عريان، أشعث، أغبر فلقي في طريقه من بني قضاعة رجلين وامرأة، وهما تكلان، فأقبل عمرو عليهم ومد يده إلى المرأة فناولته طعاماً كراعاً فأكله، ثم مد يده ثانياً، فقالت المرأة: لا تعط العبد الكراع فيطمع في الذراع، فصارت مثلاً. ثم إن المرأة سقتهما شراباً، وأوكت زقها، فقال عند ذلك عمرو. شعر: صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا ثم إن القوم سألوا عمرو فعرفهم نفسه، فحملوه إلى جذيمة فأصلح حاله. [٥] عُفيرةُ بنتُ عباَّد ويقال لها الشموس، وهي أخت الأسود من قبيلة جديس، وكان الملك في طسمٍ، والملك اسمه عمليق، وكان ظالماً جباراً، وبلغ من ظلمه أن لا تزف بكر على زوجها حتى يفتض هو بكارتها ثم يعمل له أبو بكر وليمة، ويدعو إليها طسم، وقصده بذلك فضيحة جديس، فلما تزوجت عفيرة حملوها إلى عمليق، على عادتهم، فافتض بكارتها، وخرجت من عنده، ودماؤها تجري على أثوابها، وقد شقت درعها، من قبل ومن دبر، وقالت: لاَ أَحدَ أَذَلُّ مَنْ جَديْسِ ... أَهَكَذَا يُفْعَلُ بِالعَرُوسِ؟ يَرْضَى بِذَا يَا قَوْم بَعْلٌ حُرَّ ... أَهْدَى وَقَدْ أَعْطَى وسِيقَ المَهْرِ ثم إنها بكت، وأنشدت تحرض قومها، وتقول: شعراً أَتَرْضَوْنَ مَا يُقْضَى إلَى فَتَيَاتِكُمْ ... وأَنْتُمْ رِجَالٌ فِيكُمُ عَدَد النَّملِ وتُصْبِحُ عُفْيراً بالدماءِ غَرِيْقَةً ... جِهَاراً، وقد زُفَّتْ عَرُوساً إلى البَعْلِ فَلَوْ أننا كُنَّا رِجَالاً وَكُنْتُمْ ... نَسَاءً لَكُنَّا لاَ نَقِرُّ لِذا الفِعلِ وإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَغْضَبُوا بَعْدَ هذِهِ ... فَكُونُوا نَسَاءً لا تَغيبُوا منَ الكُحْلِ وَدُونَكُمُ طِيبُ العَرُوسِ فإنَّمَا ... خُلقْتُمْ لأثْوَابِ الْعَرُوسِ ولِلنَّسْلِ فَبُعْداً وَسُحْقاً للَّذِي لَيْسَ دَافِعاً ... وَيَخْتَالُ يَمْشِي بَيْنَنَا مَشْيَةَ الفَحْلِ

стр. 93

فلما رآها أخوها الأسود، وسمع مقالها نهض إليها وأدخلها الخباء، وأحضر قومه، وكان هو سيد قومه،، واستشارهم في والوليمة، قتل عمليق وطسم، فعمل وليمة عظيمة ودعا عمليق فحضر هو وقبيلته، وأجلسهم على الطعام، فوجد عمليق طعاماً كثيراً، فتعجب من كثرته، وحمد الأسود رجل من القوم: رب أكلة منعت أكلات. فصارت مثلاً. ثم جرد الأسود سيفه وكان واقفاً على رأس عمليق وسيوفهم تحت أرجلهم في الرمل فجردتها جديس، وأول من قتل عمليق ضربه الأسود بسيف أطاح رأسه عن بدنه، ووضع السيف في طسم فلم ينج منهم أحد، ومن كان غائباً من طسم ونسائهم وأطفالهم ساروا إلى حسان بن تبع، ملك اليمن أو استجاروا به فسار حسان لنصرتهم، فلما بقي من اليمامة مسيرة ثلاثة أيام، قال له رجل من طسم: إن في جديس امرأة تبصر من مسيرة ثلاثة أيام يقال لها زرقاء اليمامة، فعند ذلك أمر حسان العساكر أن يقطع كل فارس شجرة، ويحملها أمامه، ففعلوا فأبصرتهم اليمامة فقالت لقومها أرى أشجاراً تقدم إليكم: فكذبوها فصحبهم حسان وأبادهم، وقلع عيني زرقاء اليمامة، فوجد فيها عروقاً سوداً، فسألها: فقالت: هذا إثمد كنت أكتحل به. وهي أول من أكتحل بالإثمد. وفي عدم الغيرة، ما حكي (من) أن رجلاً من أهل حمص وجد جاريته تحت رجل وهو يجامعها، فهرب الرجل وقبض الحمصي على جارتيه وسألها: لم فعلت هذا الفعل القبيح؟ فقالت له: يا مولاي أقسم علي بحياتك، وأنت تعلم صدق محبتي لك، فسكت وصدقها. وحكي في كتاب "كليلة ودمنة": أن رجلاً كان له امرأة يحبها، وكان قد علق بها رجل واطلع عليها جيرانه فأخبروا زوجها أن يستبين له ذلك، فقال لامرأته أريد أن أذهب إلى مكان، وذكر قرية وأمكث فيها مدة، وخرج من بيته، فلما خرج دخل في بيت جاره، واختفى في بيت جاره، فلما أمسى المساء تسلق الجدار، وانحدار على داره، واختفى تحت سريره، وأرسلت امرأته تدعو صاحبها، فقدم إليها، وجلس عندها يأكل، ويشرب معها، ويلاعبها، وجلسا على سرير، جعل يواقعها، زوجها تحت السرير، وقد نام، فخرجت رجلاه من تحت السرير ونظرتها امرأته، فقالت لصاحبها، هذا زوجي قد أخفى نفسه تحت السرير، وأظن قد بلغه عني وعنك هذا الفعل، فاسألني ظاهراً أيما أحب إليك أنا أم زوجك؟ فسألها صاحبها، فقالت له: ألم تعلم أننا معاشرة النساء، إنما نريد بذلك قضاء شهوتنا لأجل النفقة والكسوة، طلباً بذلك مساعدة الزوج، وإن الزوج عندنا أعلى منزلة من الأب والأخ، وإن الصاحب إذا قضى مناً المأرب صار عندنا كالعدو المحارب، وسود الله وجه امرأة لا يكون زوجها أعز عندها من كل صاحب. فانتبه زوجها وسمع مقالتها، وذهب صاحبها، فخرج الزوج من تحت السرير، وقعد عند رأس زوجته، وجعل يكش الذباب عن وجهها ففتحت عينيها ونظرته، فقال لها: نامي يا حبيبة قلبي فقد سهرت البارحة مع صاحبك، وقد سمعت ما وقع لك معه من الخصام. فانظر رحمك الله إلى أفعال هذا القرنين وتصديقه بهذا الكلام، والله أعلم. [٦] الَّنضيرةُ بِنْتُ السَّاطُرون

стр. 94

واسمه الضيزن، وهو من قبيلة قضاعة، وهو ملك مدينة الحضر، وأصله من الجرامقة، وكان ظالماً جباراً، وكان يشن الغارات على القبائل، فبلغ خبره إلى الملك كسرى سابور، فتجهز بالعساكر سابور، وقدم إلى حرب الساطرون، وحاصر مدينة الحضر أربع سنين، وقتل: سنتين، ولم يقدر سابور إلى أخذها، فاتفق أن النضيرة بنت الضيزن بنت حاضت فأخرجت إلى ربض المدينة، وهذه عادتهم، وكانت من أجمل النساء فنظرت إلى سابور، وهو أجمل أهل زمانه، فعشقته وعشقها وأرسلت إليه: ما تجعل لي: إذا ملكتك البلد؟ فقال: أرفع قدرك، وأحكمك على نسائي، فقالت له: فخذ حمامة ورقاء مطوقة، فاكتب على رجلها من دم حيض بكر زرقاء، ثم أرسلها فإنها تقع على السور فينهدم. ففعل سابور ذلك، وانهدم السور، وملك المدينة سابور، وقتل الضيزن وأصحابه، وكان هذا طلسم ذلك البلد، وأخرب المدينة، وهي إلى الآن خراب، وأخذ النضيرة، فأعرس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تتضور وتتألم، فالتمس فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكن بطنها، فقال لها: ما كان يغذوك به أبوك. قالت: بالزبد والمخ و (شهد) الأبكار من النحل، وصفو الخمر، فقال لها: إذاً، هذا كان منك جزاء لأبيك، قتلته وقتلت أصحابه. وخربت دياره، فأمر رجلاً من خدامه فركب فرساً جموحاً، ثم عصب غدائر النضيرة بذنب الفرس واستركضها فقطعها قطعاً وماتت. ونظير هذا المكر ومثال هذا الغدر، ما تحكي: أن يزيد بن معاوية أرسل إلى جعدة زوجة الحسن، ﵁ يقول لها: إن سقيت سماً زوجك الحسن ومات تزوجتك. فصدقت الرعنة وسقت الحسن ﵁ سماً ومات، ولم يتزوجها يزيد، وخسرت جعدة الدنيا والآخرة ذلك الضلال البعيدة. ومما شاهدته وسمعته ما وقع في الموصل: أن بنتاً بكراً أحبت رجلاً لم يكن لها كفواً، وعملت أن أباها لا تزوجها إياه، فأطعمت أباها سماً ومات به، وأكل من ذلك الطعام بعض أهل البيت. وتمرضوا ثم عوفوا منه. [٧] الَّزباءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الظَّرِب

стр. 95

كان أبوها قد قتله جذيمة الأبرش، وكان له من البلاد من غزة إلى تدمر، فملكت بعده ابنته الزباء، ولم يكن له ذكر، ولما استحكم أمرها جعلت تطلب ثأر أبيها، وعزمت على قتاله، فأشارت عليها أختها بترك القتال، ونصب حبال الاحتيال، فكتبت الزباء إلى جذيمة تخطبه إلى نفسها. وتملكه ملكها، فطمع في ذلك جذيمة، فجمع أرباب دولته وشاورهم بذلك، فقالوا كلهم: سر إليها، وتزوجها واملك بلدها، وكان بهم قصير بن سعد فنهاه عن ذلك، وذكر قتل أبيها وخوفه من غدرها. فأبى جذيمة وخالف قصيراً ثم جمع أرباب دولته، وسار بهم إلى بلاد الزباء، فلما قرب من القوم، قال له قصير: اركب فرسك العصا، فإن رأيت القوم على حذر فاهرب، فأبى جذيمة، فركبها قيصر، وساروا فتلقتهم المواكب، وتقدم جذيمة، وقد أحاط به القوم، فهرب قصير وقطع أرضاً بعيدة ونجا، وأدخل جذيمة على الزباء، فتكشفت له، فإذا هي مضفورة الأسب، وهو شعر الأست وقالت له: (أدب عروس ترى؟ فصارت مثلاً، ثم قالت له: أنبئت أن دم الملوك شفا من عضة الكلب الكلب، فأجلسته على نطع، وأحضرت طشتاً من ذهب، وفصدت جذيمة حتى هلك ومات، وقتلت أصحابه، ثم إن الزباء خافت من عمرو بن عدي فصدرت صورته عندها، وبنت له قصراً ينزل إليه من مجلسها، وهو دهليز عميق، ثم يصعد إلى قصر عال منه، حذراً من عمرو لأن الكهان حذروها منه، وأما قصير فإنه وصل إلى عمرو، وأخبره بقتل خاله جذيمة ثم أمره أن يجدع أنفه ويضرب ظهره، فأبى عمرو، فجذع قصير أنفه، وخرج من عند عمرو كأنه هارب، وقدم إلى الزباء، ودخل عليها فوجدت عليها فوجدت قد جدع أنفه، فقالت: "لأمر ما جذع قصير أنفه"فصار مثلاً، ثم سألته عن حاله، فأخبرها أن عمرو فعل به هذا فأكرمته وجربته وقربته، وبقي إلى أن علم أنها وثقت به فقال لها يوماً: إن لي مالاً بالعراق فأحب أن آتي به. فسيرت معه عيراً وسار حتى قدم إلى العراق والتقى مع عمرو متخفياً، أمر عمرو أن يجهز له أموالاً في البر، ففعل عمرو فأخذ قيصر الأموال، وعاد إلى الزباء، فأعجبها وازدادت به حباً وثقة، ثم جهزيه مرة ثانية ففعل كذلك، ووثقت به فسار ثالثاً، وقدم إلى عمرو، وأشار عليه أن يعمل ثمانين صندوقاً ويترك في كل صندوق رجلاً، ويكون عمرو في إحدى الصناديق، ففعل وجعل قصير يتفقد الرجال، وينزل لهم الطعام، والصندوق يفتح من داخل، ففعل عمرو، وحملهم قصير إلى عند الزباء، وأرسل أمامه مبشراً بقدوم الصناديق، يأمرها أن تخرج إلى لقائه لتبصر ما حمل من الأمتعة، والأموال، فخرجت الزباء وأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض مما عليها، فقالت الزباء: شعر ما للجِمَالِ مَشْيُهَا رُوَيْداً ... أَجِنْدَلاً يَحْمِلْنَ أَمْ حَدِيداً أًمِ الرَّجالَ في الغِرَارِ السَّودَا ... أَم الرَّجَالَ بُرَّكاً قُعُوداً ودخلت الإبل المدينة، فلما توسطوا البلد خرجت من (الصناديق) الرجال، وفي أوائلهم عمرو، فهربت الزباء، فتبعتها عمرو، فأكلت الزباء سماً كان عندها، وأتبعها عمرو بضربة بالسيف وماتت، وملك عمرو المدينة ودان له الخلق وذكر في"مختصر المؤيد": أن الزباء لما ملكت بعد قتل أبيها، بنت على الفرات مدينتين متقابلتين، ثم أخذت في الحيلة على جذيمة وقتلته، وذكر من أثق به أنه رأى المدينتين اللتين عمرتهما الزباء وهما خراب. وقصر الزباء على مرتفع قد أشرف على الهدم، وهما على الفرات متقابلتين، وذكر في "تاريخ ابن الوردي": أن قصيراً لما جدع أنفه سار إلى عند الزباء، كأنه مغاضب وجعل يتجر لها، يأخذ الأموال من عمرو ويظهر أنها ربح تجارته، فأتى إليها يوما بقافلة نحو ألف حمل كلها، صناديق مقفلة من داخل، وفيها أبطال فارتابت الزباء منها، وقالت: شعر ماللجمال سيرها وئداً ... أجندلاً تحمل أم حديداَ أم زخرقات بادر صديدا فقال قصير: بل الرجال بركا قعودا ولم دخلوا الحصن ملكوه، وقتلوا الزباء وأخذ بثأر جذيمة قصير. وذكر ابن الجوزي في كتاب "الأذكياء": أن قصيراً ابن عم جذيمة. وفي "صحاح الجوهري": هو صاحب جذيمة الأبرش وقيل: هو من بني لخم، والله أعلم. [٨] س سودةُ الكاهنة بنت زهرة

стр. 96

وهي أخت عبد مناف الذي هو جد آمنة أم النبي كانت كاهنة قريش، ولدت زرقاء شيماء سوداء، فأراد أبوها زهرة أن يدفنها وهي حية لأن العرب كانت تئد بناتها، وكان عمرو بن نفيل يحيى الموءودة، يأخذها من أبيها فيربيها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت رفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها؟ وكان صعصعة جد الفرزدق يصنع كذلك، فلما ولدت سودة أرسلها أبوها زهرة مع رجل من العرب إلى الحجون ليدفنها فسمع الرجل هاتفاً يقول: لا تئد الصبية ... وخلها البرية فكف عنها وأخبرها وأباها فتركتها ورباها، فلما كبرت صارت كاهنة قريش فقالت يوماً لبني زهرة: أعرضوا علي بناتكم! فعرضوهن، فجعلت تقول في واحدة قولاً ظهر بعد حين، فلما عرضت عليها آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ قالت لها تلدين نذيراً، له شأن وبرهان منيراً، فبلغ كلامها عبد المطلب فاختارها لولده عبد الله فزوجها له فولدت البشير النذير، والسراج المنير نبيناً محمداً ﷺ . ومثله ذكر في"السيرة الحلبية": أن أبا طالب قبل أن يصل إلى بحيرا نزل بدير فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ فقال: ابني: قال له: ما هذا ابنك، وما ينبغي لهذا أن يكون له أب حي، هذا نبي! فقال أبو الطالب: وما البني؟ قال: الذي يأتيه الخبر من السماء فينبىء أهل الأرض. قال أبو طالب: اله أجل مما تقول: قال: فاتق عليه اليهود. ثم خرج حتى نزل براهب آخر، أي صاحب دير، فقال له: ماهذا الغلام منك؟ قال: ابني فقال مثل الأول، قال ولم قال لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. وذكر في "شرح ذات الشفاء": كان بسوق عكاظ عراف يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم، فلما نظر إلى رسول الله ﷺ ورأى خاتم النبوة والحمرة التي بعينيه صاح: يا معشر العرب، اقتلوا الصبي، فليقتلن أهل دينكم، وليكسرن أصنامكم، وليظهرن أمره عليكم، إن هذا لينتظر أمراً من السماء. وجعل يعزي بالنبي ﷺ فلم يلبث أن وله وذهب عقله، ومات ذلك العراف، والعراف هو المنجم. ذكر في كتاب"نصاب الاحتساب": سئل الفضيلي عن قوله ﷺ : "من أتى كاهناً وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد": ﷺ فقال: الكاهن الساحر فقيل له: هذا الرجل أو الإمرأة تقول أنا علم المسروقات، هل يدخل تحت هذا الخبر؟ قال: نعم، ثم قيل له: فإن قال هذا الرجل: أنا أخبر عن أخبار الجن؟ قال: ومن قال هكذا فهو ساحر كاهن، ومن صدقه (أنه يعلم الغيب) فقد كفر لأن إخباره يقع على الغيب، والغيب لا يعمله إلا لله تعالى ألا ترى قوله تعالى (: ... فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب.... (الآية فعلم الغيب لا يعمله جني ولا إنسي. انتهى. [٩] زينت بنت الحارث اليهودية

стр. 97

وهي زوجة سلام بن مشكم اليهودي، كانت من أهل البغي والغدر، وهي التي سمت الشاة لرسول الله ﷺ وأكثرت السم في الذراع، لأنها بلغها أنه ﷺ كان يحب الذراع، فأكل منها ﷺ وأكل معه بعض أصحابه، ثم أحس به ﷺ فقال لأصحابه، "ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني، أي الشاة، أنها مسمومة". فكف الصحابة أيديهم، ثم قال، ﷺ لأصحابه: اجمعوا من هنا من اليهود، فجمعوهم فسألهم ﷺ عن أشياء فأجابوا، وكذبهم ﷺ ثم قال لهم: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم فقال ﷺ : ولم ذاك؟ قالوا أردنا بذلك إن كنت كاذباً استرحنا منك، وإن كنت نبياً مرسلاً لم يضرك منها شيء، فعفى ﷺ عن اليهودية ولم يعاقبها، ومات بعض من أكل من ذلك الطعام ثم إنه ﷺ بعدما كلمته الشاة، وأخبرته أنها مسمومة، ومنع أصحابه من الأكل، احتجم من أجل ذلك على كاهله، وممن مات من ذلك السم بشر بن البراء، فقيل: إنه ﷺ دفع اليهودية إلى أهل بشر فقتلوها، والصحيح أنه عفى عنها ﷺ وقال ابن إسحاق: إن المسلمين ليرون أنه ما تصلى الله عليه وسلم شهيداً يعني من ذلك السم، لأن في حديث أبي هريرة، ﵁: إن أكله خيبر ما زالت توجعه وتعادوه حتى قطعت أبهرة. والأبهر عرق في الظهر وقد قال ﷺ ذلك في مرض موته. وحكي: أن الإمام عمر ﵁ أهدى له ملك الروم سماً في زجاجة، وقال له: إذا أردت أن تهلك أحداً من أعداءك فضع قطرة من هذا الطعام وأطعمه، فإنه يموت لوقته، فأخذ عمر ﵁ الزجاجة من يد الرسول وقال: إن شر العداة لي نفسي، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم وشرب ذلك السم كله فلم يضره شيئاً بأذن الله. وجعل رسول ملك الروم يتعجب من ذلك وظن أنه يموت من ساعته. وهذا الذي فعله الإمام عمر ﵁ ترغيباً في الإسلام. وإلا فإن السم أثر فيه ﷺ وكذا في الحسن بن علي ﵁ فإن زوجته سقته السم ومات به وهي جعدة بنت الأشعث، دس إليها يزيد أن تسم الحسن ﵁ ليتزوجها، وبذل لها مائة ألف درهم فتابعته، وفعلت ما أمرها، فمرض الحسن ﵁ أن يخبره من سقاه السم فلم يخبره وقال له: إني لأجد كبدي ينقطع وإني لعارف من أين دهيت، فأنا أخاصمه إلى الله، فبحقي عليك لا تكلمن في ذلك بشيء وتوفي سنة تسع وأربعين، ولا يبعد ذلك عن الإمام عمر، ﵁ إنه شربه ولم يضره، فإن الإمام عمر ﵁ به أظهر الله الدين، وكان إسلامه بدعوة رسول الله حين قال"اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين". وفي رواية بأعز الرجلين. فأسلم عمر ﵁ وكراماته كثيرة، وهذه من بعض كراماته، وذكر في كتاب "نصاب الاحتساب ". أنه كانت زلزلة في الأرض، في خلافة عمر ﵁ فخرج مع أصحابه وضرب بالدرة على الأرض، وقال: اسكني بإذن الله. فسكنت وهذه أعظم من شرب السم. وقيل: إن ماء النيل في مصر غار مرة في زمن عمر ﵁ فسأل عمر ﵁: أكان قبل الإسلام؟ فقالوا: نعم. قال: فما كانوا يصنعون به؟ فقالوا: يوقعون فيه بيتاً بكراً بثيابها وحليها فينبع الماء. فكتب عمر ﵁: من عبد الله عمر، أمير المؤمنين، إلى وادي النيل، أما أنا فلا أشتغل برسم الجاهلية، ولكن سر بإذن الله تعالى، وأمر تلك الورقة أن تلقى في النيل، ففعلوا فنبع الماء، وهو يسير كذلك إلى يوم القيامة، والله أعلم. [١٠] سجاح بنت الحارث التميمية

стр. 98

كانت صاحبةُ نيرنجات وشعبذات، وبلغ منها أنها ادّعت النبوة، وذلك في العام الذي تُوفي فيه رسول الله ﷺ وتبعها بنو عمِّها، وأظهرت لهم أنها أُنزل عليها سورة مِثل القرآن، فمنها: يا أيها المتَّقون لنا نصفُ الأرض، ولقريش نصفها ولكن قريش يبغون. فتبعها بنو عمّها بنو تميم، وأخوالها بنو تغلب وبنو ربيعة، وعظُمتْ عندهم، وكثرت جيوشها واشتهرت بين الناس، وأظهرت دعوتها، وقصدت مُسيلمة الكذّاب، وكان في اليمن مقامه، وقومه بنو حنيفة، وهو الذي قدم على النبي ﷺ [في وفد بني حنيفة وأسلم وأمر لهم النبي ﷺ ] لكل واحد بخمس أواق من الفضة، فقال مسيلمة: إن جعل لي هذا الأمر من بعده اتّبعته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال له: لو سألتني هذا ما أعطيتك؛ وكان بيده عسيبُ نخل، فلمّا رجع عدوّ الله إلى مكانه ارتدّ، وادّعى النبوّة استقلالا، ثم مشاركة مع النبي ﷺ . وذُكر في "مختصر ابن الوردي": لمّا قُتل حمزة ﵁ قال بعضهم: ويل لوحشيٍّ من النار! فقال ﷺ : "أمّا حمزة فأجله قد انقضى، وأما وحشي فسوف يدرك الشرف من بعده". فقالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "هو يقتل مُسيلمة الكذّاب" فكان كما قال. ولما قربت سجاح من اليمّامة، خرج إلى قتالها مسيلمة، ونزل قريبا منها، ثم أرسل لها مسيلمة قبّة مبخّرة، بخّرها بالعود والعنبر والمسك، وطيّبها، وسبب ذلك الطيب أن النساء إذا شممن رائحة الطيب هجن للجماع، فسارت سجاح إليه ودخلت القبّة، واجتمعت به تحت القبّة وقالت له: ما أوحي إليك؟ فقال: ألم تر كيف فعل ربُّك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاوق وحشا، ثم قالت: ما أنزل عليك أيضا؟ قال: إن الله خلق للنساء أفراجا، وجعل الرجال لهنّ أزواجا، لهنّ أزواجا، فيولجن فيهنّ أولاجا، ثم يخرج ما يشاء إخراجا. فقالت: أشهد أنك نبي: حق، فقال: هل لكِ أن أتزوّجكِ؟ قالت: نعم. فقال لها، وأرجز، لعنه الله: ألا قومي إلى ... ... فقد هيي لك المضجع فإن شئت ففي البيت ... وإن شئت ففي المخدع وإن شئت ضجعناك ... وإن شئت على أربع وإن شئت بثلثيه ... وإن شئت به أجمع فقالت: بل به أجمع يا رسول الله! فقال لها: وبذلك أوحي إليّ. فأقامت عنده ثلاث ليال. ثم خرجت من عنده، وقدمَت إلى عند قومها، وهم لها منتظرون فلما دنت منهم سألوها عنه، فقالت: وجدته نبيا حقا فاتبعته وصدّقت به، ثم بعث مسيلمة يخطبها من قومها، فزوّجوه إياها، وطلبوا مهرها منه. فقال لهم: قد وضعتُ عنكم صلاة العصر. وذلك لزيادة تأكيدها بالفريضة لقوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ... " الآية. قيل: هي صلاة العصر. فبنو تميم لا يُصلّون العصر، ويقولون: هذا مهر كريمتنا. ودخل عليها مسيلمة وصب نبوَّته في رحمها ولم تحمل منه. وقتل مسيلمة الكذّاب في أول خلافة الصِّدِّيق ﵁. وكان لمسيلمة نيرنجات، وبذلك اغترَّ قومه، ومن أراجيزه قوله: يا ضفدع نقِّي كم تنقِّين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين. وقوله: أُخرجُ لكم حنطة وزوانا ورطبا وتمرنا. ولمّا قُتل مسيلمة الكذّاب، انتقلت سجاح إلى أخوالها بني تغلب، وقد ذهبت نبوّتها بقتل زوجها، قال الشاعر: إذا ذهبَ الحمارُ بأمِّ عمرو ... فلا عادتْ ولا عادَ الحمارُ وأقامت في بني تغلب، وهم أخسّ العرب، فلله درّ القائل: والتّغلبيّ إذا تنحنحَ للقرى ... حكَّ استه وتمثّل الأمثالا فلمّا ولي الخلافة معاوية ونفى بني تغلب أسلمت سجاح وانتقلت إلى البصرة، وأقامت هناك إلى أن ماتت. وممّن سوّلت له نفسه العصيان، وتابع الشيطان أحمد بن الحسين المتنبّي، الشاعر المشهور، ادّعى النبوّة في بريّة سماوة، وتبعه خلق من بني كلب، وفيه يقول بعضهم: أيُّ فضلٍ لشاعرٍ يطلبُ الفضلَ ... منَ الناسِ بُكرةً وعيشَّا عاشَ حيناً يبيعُ في الكوفةِ الماءَ ... وحيناً يبيعُ ماءَ المحيَّا ولمّا ادّعى النبوّة، وأظهر الدّعوة وأغوى كثيرا من الناس قبض عليه ابن علي الهاشمي واسمه لؤلؤ في قرية كوثلين من أعمال حمص، وحبسه وجعل في رجليه وعنقه قرمتين من خشب الصفصاف فقال:

стр. 99

زعمَ المقيمُ بكوثلينَ بأنّهُ ... مِنْ آلِ هاشم وبنِ عبد منافِ فأجبته مذُ صرتَ منْ أبنائهمْ ... صارت قيودهمْ منَ الصفصافِ وله عبارات يزعم أنّها مثل القرآن، فمنها: [والنّجم] السّيّار والفلك الدّوّار، والّليل والنّهار، إنّ الكافر لفي أخطار، امض على سننك: واقفُ على أثر من قبلك من المرسلين، فإنّ الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضلّ عن سبيله. وسئل مرة عن نبينا محمد ﷺ فقال: أخبر بنبوتي بقوله: لا نبي بعدي، وأنا اسمي في السماء لا. ثم تاب المتنبي وأسلم ولبعضهم فيه: يا نسمة الصبح هبّي ... من قفا المتنبيّ ويا قفاهُ تدانى ... حتى تكونَ بقربي ويا يدايا اصفعيه ... ولا ترفقا بضربِ إن كنتَ أنتَ نبيا ... لا شكَّ أن القردَ ربي وممّن أظهر الزندقة فغضب الله عليه، ومحقه أحمد بن عبد الله الضرير أبو العلاء المعرّي الشاعر المشهور، فإنه كان يُظهر الزندقة، وعارض القرآن العظيم بكلام ذميم، وممّا ظهر من كلامه السخيف قوله: أقسم بخالق الخيل، والريح الهابّة بالليل، بين الشّرط ومطالع سُهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الزّيل، اتّق مدراج السيل، وطالع التوبة من قبيل تنجُ، وما إخالك بناج ومِنْ شعره وجرأته قوله: إذا ما ذكرنا آدمَ وفعالهِ ... وتزويجهُ بنتيهِ ابنيه ِبالخنا علمنا بأنَّ الخلقَ منْ نسلِ فاجر ... وأنَّ جميعَ الناسِ منْ عنصرِ الزّنا قبّحه الله ما أجرأه على الفكر، وقد ردّ أهل ملّة الإسلام، وأثبتوا أنّه هو مقرٌّ بالزنا، فإقراره عليه هكذا ذكره السّيوطي، وقال في "تاريخ ابن الوردي": كان علاّمة عصره في النحو واللغة، وله تصانيف، وله من النظم "لزوم ما لا يلزم" في خمس مجلدات و"سقط الزّند" ولا يبعد أنّه تاب وأناب. وممّن أظهر الكفر والخلاف، وتخلّق بالكفر وقلّة الإنصاف كرمنيّة إمام القرامطة، ظهر بسواد الكوفة، وتبعه خلق كثير، وأظهر لهم كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان من قرية نصرانة أنّه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبرائيل، وأنا المسيح تصوّر في جسم إنسان وقال: إنك الدّاعية، وإنك النّاقة، وإنك الدّابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس وعرفة، وإن الصلاة أربع ركعات، ركعتان قبل الشمس، وركعتان بعد الغروب، وإن الأذان، الله أكبر ثلاث مرات، أشهد أن لا إله إلا الله مرّتان، أشهد أن آدم رسول الله، أشهد أن نوحا رسول الله، أشهد أن إبراهيم رسول الله، أشهد أن عيسى رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفيّة رسول الله، انتهى. ويقول الخبيث: القِبلة بيت المقدس. وممّن استحقّ اللعان، وطرد عن باب الرحمن: ابن يحيى بن إسحاق المعروف [بابن الرّواندي] . مات إلى لعنة الله سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وكان له في الكفر والإلحاد، ومناقضة الشريعة الغرّاء مصنفات منها "قضيب الذهب" و"والدّامع" و"الفريد" و"الزّمرّد". وقد أجابه العلماء عن معارضته السمجة والرّكيكة، وكان الخبيث وضع كتابا لليهود، وقال لهم: إن موسى ﵇ قال: لا نبيّ بعدي. وقال العلاّمة ابن الجوزي: إن الله يُعذّب هذا الزنديق أشدّ كم إبليس [الذي] خاطب الله تعالى، بالأدب فقال: " ... فبعزّتك ... " وهذا الملعون أساء الأدب مع الله، وتكلم بكل كفر، ومن العجيب أنّ العوام يضحكون لأقواله، ويغفلون عن كونه سبّ النبيّ ﷺ في مصنفاته. شعر: ألا ليتني مكِّنتُ منهُ ... فكنتُ فعلتُ فيهِ ما أشاءُ فإنَّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمدٍ منهُ وقاءُ وممّن بدمشق ظهر وادّعى النبوة وكفر عيسى الدمشقي، ادّعى أنه نبي الله عيسى بن مريم، ﵇ وأضلّ طائفة، وكان يزعم أنّه أُنزلت عليه هذه السورة، وهي معارضة ل"سورة الكوثر" قوله: لعنه الله: إنّا أعطيناك الجماهر، فصلّ لربِّك، ولا تجاهر، ولا تطع كلّ ساحر. ولمّا شاع ذكره قبض عليه صاحب دمشق وصلب على عود، فوقف عنده الظّرفاء وقال له مخاطبا: يا لعين، إنّا أعطيناك العود، فصلّ لربّك قعود، وأنا ضامن لك أن لا تعود، انتهى. وفي ذكر هؤلاء الزّنادق كفاية.

стр. 100

حُكي: أنّ الرئيس ابن سينا اجتمعت عنده فرقة من تلاميذته، وحرّضوه على أن يدّعي النبوّة فأبى وأعرض عنهم، وهم يلحّون عليه بذلك، فاتّفق أن ليلةً شاتية كان عنده بعض تلامذته فاستيقظ الشيخ الرئيس في السَّحر، وقال لتلامذته: ما أشدّ برد هذه الليلة! فقال له الرجل: نعم. فقال: أريد منك أن تذهب إلى رأس العين وتأتيني منه بماء حار حتّى أتوضّأ. فأبى ذلك الرجل وقال: إنّي لا أقدر أذهب من شدّة البرد، وكان المؤذّن فوق المنارة يؤذّن فقال له الشيخ الرئيس: أنتم تأمروني أن أدّعي النبوّة، والنبيّ لا يُردّ كلامه، وأنا أطلب منك شيئا يسيراً، وأنت تمتنع أن تفعله خوفا على نفسك، أما تسمع هذا المؤذّن في المنارة يدعو الناس إلى الصلاة ممتثلاً لأمر النبي محمد ﷺ فأفٍّ لكم، أتريدون أن تضلّوني بعد إذ هداني الله؟ فالنبوّة لا تحصل بالكسب بل هي من عند الله يرسل جبرائيل، ويأمر الأنبياء والرسل بإظهار الدّعوة، وقد علمتم أن نبيّناً محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد صحّ عنه ﷺ ، أنّه قال: "لا نبيّ بعدي" فمن اعْتقد هذا فهو مؤمن، ومن جحد هذا فقد كفر. [١١] حبابة جارية الخليفة يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي كانت من أجمل نساء زمانها، اشتراها يزيد قبل أن يلي الخلافة بأربعة آلاف دينار، وأحبّها حبّاً شديداً، وهام بها، وترك القراءة، ومعاناة أمور المملكة فبلغ ذلك أخاه أمير المؤمنين سليمان، وحجر عليه، وأخذ منه الجارية حبابة وباعها، واستمر يزيد مقهوراً إلى أن ولي الخلافة، فاتّفق يوماً أنّ زوجته قالت له: هل بقي في نفسك شيء من الدنيا؟ قال: نعم قالت: وما هو؟ قال: حبابة. فأرسلت زوجته واشترت حبابة، من غير علمه، وزيّنتها وطيّبتها وأجلستها من وراء الستار، وهو لا يعلم، وقالت له: هل بقي في نفسك شيء من الدنيا؟ فقال يزيد: أما قلت [لك] بقي حبابة؟ فقالت: ها أنت وحبابة. وأمرتها بالخروج فخرجت عليه فرحّب بها، وقرّبها إليه، وخرجت زوجته من عنده، فكان ما كان ثم غلبت حبابة على عقل يزيد، وترك سياسة المملكة، ولم ينتفع بالخلافة، وقد شغف بحبابة فقال يوماً: الناس يقولون لم يصفُ الدهر لأحدٍ من الملوك يوماً واحداً، وإني أريد أكذّبهم: فأقبل على لذّاته واختلى مع حبابة يوماً بعد ما أحضر آنية المدام والطعام. فبينما هو في صفو عيش، وهو يلاعب حبابة، إذ تناولت حبابة حبّة رمان، وهي تضحك، فشرقت بها، وماتت من وقتها فطاش عقل زيد، واختلّ وذهبت مروّته، واعتلّ وتركها عنده أياماً لم يدفنها حتى جافت وهو يقبّلها ويلاعبها ويلعب بها. فاجتمع بنو أميّة، وعنّفوه، وهو لا يزداد إلاّ عشقاً، ثم دفنها فهاجت بلابله ونبشها بعد أيّام وقد تفصّلت مفاصلها ثم دفنها، ولم يعش بعدها سوى خمسة عشر يوماً، ومات سنة مائة وخمس. قال في الطب: العشق مرض وسواسي يجلبه الإنسان إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور والشمائل التي تكون في المحبوب، وقال أرسطو: هو عماء الحس عن إدراك عيوب المحبوب، وأكثر ما يعتري الغرباء والبطّالين، وعلامة العشق غور العينين وجفافها، وسمن الجفن مع قلّة الحركة والسّهر، وهزل البدن، واختلاف النّبض عند الذكر الحبيب، وتغيّر اللون، قال الشاعر: علامةُ منْ أخفى الهوى بفؤادهِ ... إذا ما رأى محبوبهُ يتغيّرُ ويصفرُّ منهُ الوجهُ بعدَ احمرارهِ ... وإنْ خاطبوهُ بالكلامِ تعثّرُ

стр. 101

وعلاج العشق، قال في "الفوائد": لا شيء أنفع للعاشق من وصال المعشوق، وإن لم يتّفق بالوجه الشرعي، فتسليط العجائز على العاشق حتى تُكرِّهه المعشوق بإظهار بعض العيوب. وإن كان من أهل الكمال فتنفعه النصيحة والاستهافة، وإلا بتصوير صورة المحبوب، وإلا فبالاشتغال بالعلوم العقلية والمحاكاة، وكثرة الجماع واللعب، وإلا فبسفر طويل، وقال في الأسباب: الجماع لغير المعشوق ينقص العشق. وقال في الكامل: ينفع العاشق الرياضة المعتدلة والنظر إلى البساتين والمزارع والأزهار، ويهيج العاشق المخاصمة والمنازعة، وذكر بعضهم: أن عظم اللقلق إذا علق على العاشق سلى عن محبوبه، وكذلك أربع شعيران نيل محلول بالماء إذا شربه العاشق سلي. وفي ذكر العشاق المشهورين في الآفاق ما حكى، أن الملك العزيز الأيوبي كان في أيام أبيه السلطان صلاح الدين يوسف يهوى جارية فبلغ أباه ذلك. فمنعه عن صحبتها، فحزن ولم يقدر على الاجتماع بها، فأرسلت له الجارية مع خادم لها كرة عنبر، فكسرها فوجد فيها زراً من الذهب فلم يفطن لذلك فحدث به القاضي الفاضل، فأنشد القاضي: أهدت لك العنبر في وسطه ... زرٌّ من التبر رقيقُ اللحام فالزرُّ بالعنبرِ تفسيرهُ ... زر هكذا مستتراً في الظلامِ ففهم الملك العزيز المراد واجتمع بها في الليل، وحكى الجاحظ أن محمد بن حميد الطوسي كان جالساً مع ندمائه وقد أخذ الشراب برؤوسهم إذ غنت جارية له من وراء الستارة هذين البيتين شعراً: يا قمرَ القصرِ متى تطلعُ ... أشقى وغيركَ يستمتعُ إن كان ربّي قضى كل ذا ... منك على رأسي فماذا أصنعُ وكان على رأس محمد غلام أحسن ما يكون، وبيده قدح فوضعه، وقال: تصنعين مثل ذا، وألقى بنفسه من الدار إلى دجلة، فلما رأت الجارية ذلك هتكت الستارة وألقت بنفسها على إثره فغرقا جميعاً فحزن لذلك محمد، وقطع الشراب شهراً كاملاً. وذكر في كتاب "ديوان الصبابة" أن رجلاً من بني عذرة عشق جارية فراسلها، وأظهرت له الجفاء فوقع مضنى، وظهر أمره فلم تزل النساء يكلمن الجارية حتى جاءت تعوده فلما دخلت عليه ونظر إليها بكى، وأنشد يقول شعر: أريتك إن مرّت عليكِ جنازتي ... تلوحُ بها أيدٍ طوالٍ وشرّعِ أما تتبعين النّعشَ حتى تسلمي ... على رمم ميّت بالحفيرة مودعِ فبكت الجارية رحمة له، وقالت: ما ظننت الأمر يبلغ بك إلى هذا، فوالله لأواصلك متى عوفيت فهملت عيناه بالدمع. وأنشد: دنت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصلِ لا ينقطع الوصلُ وشهق ومات فوقعت عليه الجارية تبكي، وأغشي عليها، وما مكثت بعده إلا أياماً قلائل، وماتت. وحكى أحمد بن الفضل: أن غلاماً وجارية كانا في كتاب فعشق الغلام الجارية، ولم يزل يتلطف بمعلمه حتى قربه إليها، فكتب الغلام في لوح الجارية هذا البيت. مفرد: ماذا تقولينَ فيمنْ شفّه سقم ... منْ طولِ حبّك حتّى صارَ حيرانا فقرأته الجارية وذرّفت عيناها بالدموع رحمة له، وكتبت تحته: مفرد: إذا رأينا محبّاً قدْ أضرَّ به ... طولُ الصبابةِ أوليناهُ إحسانا فقدم المعلّم، وسمع ذلك، فأخذ اللوح وكتب فيه هذين [البيتين: شعر] . صلي العريفَ ولا تخشينَ منْ أحدٍ ... إن العريفَ صغيرُ السنِ ولهانا أمّا الفقيهُ فما يسطوا إذاً أبداً ... لأنّه قدْ بُلي بالعشقِ ألوانا وحكي: أنّ بعض الأدباء كان يعشق جارية فقالت له: أنت صحيح الحبّ كامل الوفاء؟ فقال: نعم. قالت: فامض بنا حيث شئت. فلمّا حصلت في منزله لم يكن له همّة، إلاّ أن رفع ساقيها، وجعل يجامعها بجميع جواره، فقالت له، وهي في القالب، وأنشدت، مفرد: أسرفتَ في.. و.... مصلحة ... أرفق بصبّك إنّ الرِّفق محمود فأجابها وهو في عمله لا يفترّ عنه. مفرد: ولمْ ... منْ تبقى مودّته ... لكن ... هذا فيك مجهود فنفرت من تحته، وقالت: أراك يا فاسق على خلاف العادة كأنك جماعي سببا لذهاب حبّك، والله ما جمعني وإياك بعد هذا سقف. انتهى. [١٢] قطام

стр. 102

هي من الخوارج، وهي امرأة من تيم الرّباب، وكانت فائقة الجمال، وكان قد قُتل أبوها وأخوها يوم معركة النّهروان، في قتال علي بن أبي طالب ﵁ الخوارج فلقيها ابن ملجم لعنه الله، فأحبّها وهام بها، ثم أرسل إليها يخطبها لنفسه، فقالت له، لا أتزوجك حتى تُشفي قلبي! قال: ما تريدين؟ قالت: ثلاثة آلاف. وعبد، وقنية، وقتل علي بن أي طالب ﵁ فقال اللعين: أما قتل علي ﵁ فأراك ذكرته وهو قصدي، وأنت تريديني! فقالت: أريد ألتمس الغرّة فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي ونفعك العيش معي، وإن قُتلتَ فما عند الله خير وأبقى من الدنيا وما فيها، فقال لها: والله ما جاء بي إلا قتل علي ﵁ ولك ما سألت. فقالت له: سأطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك، فدعت رجلاً من قومها، اسمه وردان وكلّمته بذلك، فأجابها إلى ما طلبت، واتّفق مع ابن ملجم، وسارا إلى قتل علي. فكان من ابن ملجم ما كان، وغدر بعلي ﵁ وقتله، ثم قُتل ابن ملجم لعنه الله وفي قطام يقول ابن أبي ميّاس المرادي: ولمْ أرَ مهراً ساقهُ ذو سفاهةٍ ... كمهرِ قطام بينَ عُربٍ وأعجمِ ثلاثةُ آلافٍ وعبدٍ وقنيةٍ ... وضربُ عليٍّ بالحسامِ المسمّمِ فلا مهرَ أغلى منْ عليِّ وإن غلا ... ولا فتكَ إلاّ دونَ فتك ابنِ ملجمِ وفي ابن ملجم لعنه الله يقول شاعر الخوارج، وقوله خطأ: شعر: يا ضربة منْ تقيٍّ ما أرادَ بها ... إلاّ ليبلغَ منْ ذي العرشِ رضوانا إنّي لأذكرُه يوماً فأحسبهُ ... أوفى البريّة عند اللهِ ميزانا ولله درّ أخي أمين العمري حيث غيّرهما، وحرّفهما فأصاب: شعر: أيا ضربة منْ شقيِّ ما أرادَ بها ... إلاّ ليدخلَ يومَ البعثِ نيرانا إنّي لأذكرُه يوماً فأحسبهُ ... أوفى البريّةَ عند اللهِ خُسرانا ذكر المؤرخون أنّ عليّاً، ﵁ لمّا اصطلح مع أهل الشام على التّحكيم، وكتبوا بذلك محضراً، غضب القرّاء، واعتزلوا عليّاً ﵁، وقالوا: كفر عليٌّ، وكفر معاوية، وارتحلوا عن علي ﵁ ونزلوا حرزراء بقرب الكوفة، وهم ستّة آلاف مقاتل، [وقيل] : ثمانية آلاف، وقيل: أربعة آلاف، وقيل: ألف وأكثر، وقيل: غير ذلك، وبايعوا عبد الله بن وهب الرّاسبيّ وخرج بهم إلى النّهروان، فتبعهم علي ﵁ فأوقع بهم، وقتل منهم ألفين، وثمانمائة، وقيل: قُتلوا عن آخرهم، وقُتل من أصحاب علي ﵁ سبعة، أولهم يزيد بن نويرة، شهد أُحداً. وذكر في شرح ذات الشفاء سميت الخوارج طائف الكلاب لقوله: ﷺ "الخوارج كلاب النار" وقال في شرح المواقف: كانوا بع فرق من قبائل شتى، واعتقادهم يخالف بعضهم بعضا، وذكر في شرح ذات الشفاء: أن الخوارج اجتمعوا وقالوا: إن علي ﵁ والحجاج بن عبد الله الضميري لقتل معاوية وزادويه العنبري التميمي لقتل عمرو بن العاص، ودبروا أن يكون مقتل لثلاثة ليلة السابع عشر من رمضان، فدخل ابن ملجم الكوفة، واشترى سيفاً بألف وسقاه السم وكمن لعلي ﵁ ليلة السابع عشر من رمضان، فلما خرج علي ﵁ إلى صلاة الفجر ضرب ابن ملجم على يأفوخه، وضرب معاوية في تلك الليلة فخرجت أليته، وكان معاوية كبير الأوراك فقطع منه عرق النكاح، فلم يولد له بعد ذلك، وأما وزادويه فضرب إمام الجماعة في تلك الصلاة ليلة سبع عشرة، وكان نائب عمرو ولأنه وجعه بطنه فأناب عنه خارجة بن حذاقة فقتله، فلما تبين أنه خارجة قال: أردت عمرو، وأراد الله خارجة، فذهبت مثلاً، وفي ذلك يقول عبد المجيد بن تعبدون الأندلسي: شعر. وليتها إذْ فدت تعمراً بخارجةِ ... فدتْ علياً بما شاءتْ من البشرْ وسلم عمرو كمان يقول ما نفعني بطني قط إلا تلك الليلة، وقال معاوية: نجوت وقد بلَّ المرادي سيفهُ ... من ابن شيخ الأباطح طالبِ ولما ضرب معاوية بض على الحجاج، فقال لهم: لكم البشارة فقد قتل علي ﵁ في هذه الليلة، وحكى لهم ما عزموا عليه فاستبقاه حتى أتاه الخبر بذلك فقطع يده ورجله وأطلقه فسكن البصرة.

стр. 103

ولما خرج عل ﵁ تلك لصبيحة أقبلت الأوز يصحن في وجهه فصردوهن، فقال: دعوهن فإنهن نوائح، وقيل لعلي ﵁، إن ابن ملجم سم يفه يزعم أنه يقتلك به قتلة تتحدث بها العرب، فبعث إليه فقال له، لم تسم سيفك قال: لعدوي وعدوك، فخلاه وقال: لم يقتلني بعد، وذكر في رشح ذات الشفاء، لما دخل المؤذن، وقال الصلاة قام علي رضي لله تعالى عنه يمشي، والمؤذن أمامه، والحسن رضي الله تعالى عنه، خلفه، فلما خرج من الباب نادى أيها الناس: الصلاة، الصلاة، فاعترضه ابن ملجم وضربه بسيفه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، فقال علي رضي الله تعالى عنه: فزت ورب الكعبة، لا يفوتكم الكلب، فشد الناس عليه وحمل ابن ملجم على الناس بسيفه ففرجوا له، فتلقاه المغيرة بن نوفل ﵁ بقطيفة فرماها عليه واحتمله وضرب به الأرض، وقعد على صدره وانتزع سيفه منه، ثم أخذ ودخل على علي رضي لله تعالى عنه فقال: احبسوه، وأطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فأمره إلي قصاصاً وعفواً، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين، ومكث علي رضي الله تعالى عنه يوم الجمعة والسبت وتوفي ليلة الأحد، وتوفي رضي الله تعالى عنه فقام الحسين ﵁ ومحمد ن الحنفية، ودخلا على ابن ملجم فقطعاه وحرقاه ونهاها الحسن ورضي الله عنه وقيل: قطعوه إرباً واجتمع الناس وأحرقوا جثته لنه الله، شعر: وما كنتُ من أنداده يا ابن ملجمٍ ... ولولا قضاءُ ما أطقت له عيناً سئل علي رضي الله تعالى عنه [عن قوله تعالى] : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) فقال: اللهم اغفر لهؤلاء، ونزلت في وفي عمي حمزة، وابن عمي عبيدة بن الحارث، فأما عبيدة فقضى نحبه شهيداً يوم بدر، وحمزة شهيداً يوم أحد، وأما أنا فأنتظر أشقاها يخضب هذه منة هذا، وأشار بيده إلى لحيته ورأسه، عهد عهداً إلى حبيبي أبو القاسم محمد ﷺ انتهى. [١٣] ست الملك بنت العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم العبيدي كانت في غاية الحسن والكمال، ولها شجاعة الرجال الأبطال لما ولي الخلافة بمصر أخوها الحاكم بأمر الله منصور سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وأظهر الجور، وأمات العدل، وأحدث من البدع ما ينفر عن سماعها أولوا الألباب، فمنها أنه أنشأ دار العلم وأحضر العلماء، وعمر الجامع، أقام على ذلك ثلاث سنين، ثم عاد إلى خسة أصله وسوء فعله، وقتل أهل العلم، وأغلق المدارس، ومنع من فعل خيراً، وادعى أنه يعلم الغيب، وأظهر الرفض، فكتب له رقعة بعض الأدباء فيها: بالظلمِ والجورِ قد رضينا ... وليسَ بالكفرِ والحماقةْ إن كنتَ أعطيتَ علمَ غيبٍ ... بيِّن لنا كاتبَ البطاقةْ وصنف له بعض الباطنية كتاباً كر فيه أن روح آدم ﵇ انتقلت إلى علي رضي الله تعالى عنه [وأن روح علي] انتقلت إلى الحاكم فزاد ظلمه وطالت أيامه، وهم بقتل أخته ست الملك فبلغها ذلك، فأرسلت إلى بعض القواد واتفقت معهم وحرضتهم على قتل أخيها، وذكرتهم غدره، وحذرتهم شره، فاجتمعوا عليه وقتلوه، وأخفوا أثره، ثم إن ست الملك أقامت بعده ولده الظاهر بالله علي بعد شهرين من قتل أبيه، وأقامت هي في تدبير المملكة، وسياسة الرعية، وكانت هي قد أقامت بالملك استقلالاً لنفسها شهرين، ثم نزلت عنه وعهدت لابن أخيها كما ذكرنا، ودبرته إلى أن توفيت سنة خمس عشرة وأربعمائة بعد أخيها بأربع سنين، ودفنت بتربتها التي أنشاتها بمصر، وضعفت دولة العبيديين بموتها، وكانت أحد أركان الرفض لا عمر الله قبرها، ولا رحمها، ولا عفا عنها.

стр. 104

أقول الباطنية فرقة من الروافض ذكر الإمام أبو عبد الله الشيرازي: الرافضة أجناس وهم اثنا عشر صنفاً فمنهم: الجبرية: وهم ينسبون القبائح إلى الله تعالى ويبرئون العباد من الذنوب، والجهمية: فهم ينكرون صفات الله تعالى وشبهوه بلا شيء. والحرورية يقولون: لا نعلم أحداً مؤمناً بعد وفاة رسول الله، والعلوية يقولون: إن الرسالة كانت لعلي ﵁ ولهذا يصلون على علي ﵁ والآمرية يقولون: إن علياً ﵁ كان شريك محمد ﷺ بالرسالة، لقوله ﷺ : "أنتَ منِّي بمنزلةِ هارونَ منْ موسى". والزبيدية يقولون: ولد الحسين آية، وأما في الصلاة فلا يجوز الإقتداء خلف غيرهم. والرجعية يقولون: إن علياً ﵁ وأولاده يرجعون إلى الدنيا، وينتقمون من أعدائهم، واللعنية يلعنون طلحة ﵁ والزبير ﵁ وعائشة ﵂، ومعاوية وغيرهم، والأزرقية وهم أصحاب نافع بن الأزرق جوزوا أن يبعث الله نبياً كافراً تعالى الله عن ذلك والغاذرية: وهم فرقة من الرفضة يعذرون علياً ﵁ في تركه الخلافة للصديق والفاروق وعثمان، والأباضية وهم أشد ضلالاً من سائر الفرق، وقيل: الباطنية. والعجادرة وهم مثل الأباضية إلا أنهم لا يسبون عائشة ﵂، لقرابتها من رسول الله ﷺ وأخرج البراز وأبو يعلى والحاكم عن علي ﵁ قال: دعني رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ فيكَ مثلاً منْ عيسى ﵇ أبغضتهُ اليهودُ حتى بغضوا اللهَ تعالى، وأحبَّتهُ النَّصارى حتى أنزلوهُ بالمنزلِ الذي ليس بهِ". قال علي ﵁: يهلك في اثنان محب مفرط يقرضني بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، وفي المصابيح عن أنس بن مالك رضي اله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "سيكونُ في أمَّتي اختلافٌ وفرقةٌ يحسنونَ القيلَ، ويسيئونَ الفعلَ، يقرؤون القرآن لا يجاوزُ تراقيهمْ، يمرقونَ منَ الدِّينِ مروقَ السَّهمِ منَ الرَّميةِ، لا يرجعونَ حتى يرتدَّ السَّهمُ على فوقهِ، همْ شرّ الخلقِ والخليقةِ، طوبى لمن قتلهمْ وقتلوهُ، يدعونَ إلى كتابِ اللهِ، وليسوا منَّا في شيءٍ من قاتلهم كان أولى باللهِ منهمْ". قالوا: يا رسول الله، ما سيماهم؟ قال: التحليق. أي: حلق شعر الرأس، قيل هم الخوارج، يل هم الرفضة قاتلهم الله ما أظلمهم وأعمى أبصارهم. [١٤] زنبى ملكة الروم كانت من بيت الملك، ولها حسن رأي وتدبير بسياسة الرعية، ملكت الروم سنة ثمانين ومائة، وقامت بالملك سبع سنين، وكانت مطيعة للخليفة هارون الرشيد ترسل له الجزية كل عام مع هدايا وتحف وأنعام إلى أن خرج عليها نقفور؛ الكلب العقور، وجمع الجموع وحاربها ثم قبض عليها وقتلها، وقيل: إنها شربت سماً لما أحست بالغلبة وماتت وذلك لما بلغها أن الروم قد اجتمعوا على خلعها، وملكوا عليها نقفور، وكان يدعي أنه من أولاد جفنة الغساني الذي تنصر في خلافة الفاروق ﵁ ولما استقر بالملك نقفور طغى وتجبر، وكتب إلى الخليفة هارون الرشيد: من تقفور، ملك الروم، إلى هارون الرشيد، مالك العرب، أما بعد، فغن الملكة زنبى أقامت مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت لك من أموالها، وذلك لضعفها وحمق النساء، فإن قرأت كتابي فاردد ما حصل لك منها، وافتد نفسك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأه الرشيد غضب، وكتب بيده على ظهر الكتاب: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور، كلب الروم، قرأت كتابك يا ابن الكافر، والجواب ما تراه دون ما تسمعه. وأرسله من ساعته، وتجهز الرشيد من يومه، وركب وسار حتى نزل على مدينة هرقلة، وحاصرها وقتل وسبى، وذل نقفور وأرسل يطلب الصلح من الرشيد، ويحمل له الخراج كل عام. فصالحه وعد إلى بغداد، ثم نقض العهد نقفور فلم يجسر أحد أن يخبر الرشيد، فأمر الوزير يحيى البرمكي أبا العتاهية الشاعر، فكتب له شعراً: ألا بادتك هرقلةُ بالخرابِ ... منَ الملكِ الموفّقِ للصَّوابِ عدا هارونَ يرعدُ بالمنايا ... ويبرقُ بالمذكّرة القضابِ وراياتٌ يحلُ النَّصرُ فيها ... تمرُّ كأنَّها قطعُ السَّحابِ وقيل: ما جسر إلا شاعر من أهل جدة كتب له: شعر:

стр. 105

نقضَ الذي عاهدتهُ نقفور ... فعليهِ دائرةُ البوارِ تدورُ أبشرْ أميرَ المؤمنينَ فإنَّهُ ... فتحٌ أتاكَ منَ الإلهِ كبيرُ فقال الرشيد: أو قد فعل. فتجهز من يومه، وسار إلى حربه، فذل نقفور وأطاع. [١٥] تفانوا ملكة الروم وهي زوجة أرمانوس ملك الروم كانت من أهل الشجاعة والبراعة، ومن شجاعتها وشدة براعتها، قتلت زوجها أرمانوس، وكان لها منه ولدان أحدهما بسيل والآخر قسطنطين، ثم تزوجت بعد أرمانوس بالملك نقفور، وأقام بالملك وطغى وتجبر، وغزا بلاد المسلمين وقتل ونهب وسلب وأعطب، ثم أن نقفور طمع بالملك، وأراد أن ينقل الملك بعده إلى عقبه فهم بقتل ولدي تفانوا زوجته، وقيل: بل أراد أن يخصيهم ليقطع نسلهم، فبلغ ذلك زوجته فاتفقت مع الدمستق على قتل نقفور، فألبست الدمستق لباس النساء وأدخلته مع النساء إلى كنيسة متصلة بدار نقفور، وانتظروا نقفور حتى نام، فهجموا عليه وقتلوه، وأراح الله المسلمين من شره، ثم تزوجت تفانوا بالملك يانس بن شمشيق، وولته الملك، ثم إنها خافته فأرستله مع جيش عظيم إلى بلاد الشام فغنم وسبى، وقتل وأسر، ثم دست عليه زوجته تفانوا من سقاه سماً فمات يانس ولم تطل مدته، ثم ملكت بعدها ولدها بسيل سنة سبع وستين وثلاثمائة، وأقام بالملك وحاصر حمص وفتحها سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وكذا شيزر، ثم سار إلى طرابلس وحاصرها أياماً، ثم [رحل] عنها إلى بلاد الروم. وقام بالملك خمسين سنة، ومات سنة ست عشرة وأربعمائة. ونظير ذلك ما حكاه لي رجل من طائفة العسكر، قال كنا يوماً في نواحي الشام من جهة القدس، فرأينا ديراً فقصدناه ودخلنا إليه ونزلنا فيه، وكان في الدير رهبان، وكنت مقدم العسكر، فسألت الرهبان عن كبيرهم، فأنكروه، فجعلت أدور في مقاصير الدير، فسمعت صوتاً ضعيفاً من داخل حجرة هناك، فقصدت الصوت حتى انتهيت إلى باب نغلق، وذلك الصوت يخرج من هناك، فأصغيت له سمعي، فإذا صوت قراءة القرآن، فقرعت الباب، فسكت وقال من هذا؟ قلت أنا، مقدم العسكر. فعند ذلك فتح الباب، ودخلت عليه، وقلت له لقد رابني أمرك أنت كبير النصارى وقد سمعت عندك صوت قراءة القرآن، فأقسم علي أن لا أظهر أمره بين النصارى، وقال الحمد لله أنا مؤمن أصلي الخمس وأصوم رمضان وأقرأ القرآن، وأنا ليلي ونهاري، مختف عن الكفار لئلا يطلعون على أحوالي، فبحق محمد ﷺ وبحق هذا القرآن لا تفضحني عند عبدة الصلبان، فخرجت من عنده ولم أعلم بحاله أحداً من النصارى، غير أني سألت أهل العلم من المسلمين عن حال هذا الرجل، فقالوا أما سمعت قوله تعالى ( ... منهم قسِّيسينَ ورهباناً ... ) . وعلى ذكر ما فعله نقفور من أنه أراد أن يخصي ولدي زوجته حضرني: أن ملكاً من الملوك كتب إلى عامله بالمدينة المنورة كتاباً فيه: أحصى المخنثين وأرسله إليه، وكان من تقدير الله أن ذبابة وقفت على حاء، أحصي، وذرقت ولم يشعر الكاتب، فلما وصل الكتاب إلى العامل وقرأه وجد فيه: أخصي المخنثين. فجمعهم وخصاهم كلهم فكانوا يمرون بالأزقة ويسألهم الناس عما أصابهم، فيقول احدهم: هذا نوع من السلاح، وإني لا أقدر أضرب به. والآخريقول: نحن في الصيف، ولا نحتاج إلى مزراب. وبلغ ذلك الملك فأرسل يعتب عامله، فأرسل له الكتاب، فقرأه ووجد فيه أخصي، فعاتب الكاتب فاعتذر إليه، ومرر إصبعه على النقطة فانقلعت، فعلم أنها ذرق الذباب. [١٦] عزة بنت حميل كانت من أحسن نساء زمانها، تزوجها رجل من بني عمها، وحظيت عنده، فاتفق يوماً أن عبد الرحمن المعروف بكثير رأى عزة فشغف بها وهام وأسقمه الغرام، ولم يمكنه الوصول إلى الحرام، وكان كثير شيعياً وجعل ينظم الأشعار ويتغزل بعزة، ودام على هذا أعواما فاتفق يوماً انه رأى عزة وهي خارجة من الحي، فجعل يتلطف بها، ويشكوها الغرام، فوقفت رحمة له، وجعل يخاطبها فرأته ينظر إلى ظهر كفها، فقالت له: مه يا كثير لا تفسد بي بيننا المحبة، وفرقته. قيل أن عزة دخلت يوماً على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز، فقالت لها أم البنين: ما معنى قول كثير: مفرد: قضى كلٌ ذي دينٍ غريمه ... وعزَّةُ ممطولٌ معنَّى غريمها؟

стр. 106

فقالت لها: وعدته في قبلة ثم رجعت عنها. فقالت لها أم البنين [إنجزيها] وعلي إثمها، فاستأثمت وأعتقت أم البنين] أربعين عبداً عند الكعبة، وقالت: اللهم إني أتبرأ إليك مما قلت لعزة، ولكثير فيها من الشعر كثير: وما روضةٌ بالحزنِ طاهرةُ النَّدى ... يمجُّ النَّدى جثجاثها وعرارها بأطيبَ منْ أردان عزَّة موهنا ... وقدْ أوقدتْ بالمندلِ الرطبِ نارها وفي سنة مائة خمس، سار زوج عزة إلى الحاج، ومعه عزة، فبلغ ذلك كثير فتبعهم طمعاً بأن يحظى بنظرة من عزة فلما كان وقت الطواف نظر كثير إلى عزة قد مضت إلى جمله، ومسحت ما بين عينه، فبادر كثير إليها ففاتته خوفاً من زوجها، فوقف كثير على الجمل وقال: حيَّتكَ عزَّةُ بعدَ الحاجِّ وانصرفتْ ... فحيِّ، ويحكَ منْ حياكَ يا جملُ لو كنتَ حييتها ما مازلتَ ذا مقّةٍ ... عندي، ولا مسَّكَ الإدلاجُ والعملُ فسمعه الفرزدق فقال له: من أنت؟ قال: كثير عزة، فأنت من أنت؟ قال: الفرزدق. قال: أنت القائل: شعر: جدّتْ جمالهمْ بكلّ خريدة ... تركتْ فؤادي هائماً مخبولاً لو كنتُ أملكهمْ إذا لمْ يرحلوا ... حتى أودعَ قلبيَ المبتولا ساروا بقلبي في الحذورِ وغادروا ... جسمي يعالجُ زفرةً وعويلا فقال الفرزدق: نعم: فقال كثير: والله لولا أني في الحرم لأصيحن صيحة أفزع منها هشام على سرير ملكه بالشام! فقال الفرزدق: والله لأعرفن هشام بذلك! ثم افترقا ولم يلتق كثير بعزة سوى تلك المرة، ودخل الفرزدق على هشام وحكى له حديث كثير، فقال له: اكتب له بالحضور إلى عندنا حتى نطلق عزة من زوجها ونزوجها له. فكتب الفرزدق له، وقدم كثير يريد الشام فمر على بني فهد فنظر شيخاً جالساً، وكان كثير قد رأى قبله غراباً على بانة يتفلى وريشه يتساقط، وقد تغير لون كثير، فقال له الشيخ: ما أصابك؟ هل رأيت شيئاً رأيك؟ قال كثير: رأيت غراباً على بانة وريشه يتساقط فقال الشيخ: الغراب غربة: والبانة بين، والتفلي فرقة، فازداد كثير حزناً، وسار ودخل دمشق فوجد الناس يصلون على جنازة، فنزل عن ناقته، وصلى معهم، فلما تمت الصلاة صاح رجل: لا إله إلا الله ما أغفلك يا كثير عن هذا اليوم؟ فقال كثير: وما هذا ليوم؟ فقال هذه جنازة عزة! فخر مغشياً عليه، ثم أفاق وشهق شهقة فمات ... ودفن مع عزة في يوم واحد، وذلك سنة مائة وخمس. ونظير هذا ممن مات في عشقه كمداً ماحكي أن الجاحظ ذكر للواثق فأحضره ليؤدب أولاده، فلما رآه الواثق استشبع منظره، وأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه، قال الجاحظ: فقبضتها وخرجت فلقيت محمد بن إبراهيم، وهو يريد الانحدار إلى مدينة السلام، فطلبني فانحدرت معه ونصبت بيننا ستارة وبين جواربه وأمر بالغناء، فأحضرت الملاهي، واندفعت العوادة تغني. شعر: كلُ يومِِ قطيعة وعتابُ ... ينقضي دهرنا ونحنُ غضابُ ليتَ شعري إنَّا خصصنا بهذا ... دون ذا الخلقِ أم كذا الأحبابُ ثم سكتت فأمر الطنبورية، فغنت: شعر: وارحمهُ للعاشقينا ... ما إنْ أرى هم معينا كمْ يهجرونَ ويعرضونَ ... ويقطعونَ فيصبرونا فقالت العوادة: فما يصنعون؟ قالت: يصنعون هكذا، فرفعت الستارة، وبدت كأنها قمر، ثم رمت بنفسها في الماء، وكان على رأس محمد غلام حسن، وفي يده مدية فألقاها من يده وأتى إلى الموضع الذي ألقت نفسها الجارية [فيه] وأنشد: أنتَ التي غرقتني ... بعدَ القضا لوْ تعلمنا ورمى نفسه في أثرها، فأدار الملاح الحراقة فإذا بهما متعانقين ثم غاصا. فقال: يامحمد، ياعمرو [والله] إن لم تحدثن بحديث يسليني، وإلا لحقت بهما. قال الجاحظ: فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك، وقد جلس للمظالم، وعرضت عليه القصص فوجد قصة مكتوب فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج لي جاريته فلانة حتى تغنى ثلاث أصوات فعل إن شاء الله. فغضب سليمان وأمر بقتله، ثم عفا عنه وأحضره، وقال له: ماحملك على هذا؟ فأجلسه وخرج بنو أمية، وأمر بالجارية فأحضرت ومعها عود فقال لها سليمان: غني مايقول لك. فقال لها: غني: تألَّق البرقُ نجدياً فقلتُ لهُ ... ياأيُّها البرقُ إنِّي عنك مشغولُ فغنته فقال لسليمان: أتأمر لي برطل خمر فأتى به وشرب. وقال لها: غني.

стр. 107

حبَّذا رجعها إلينا يداها ... في يدي ذرعها تحل الإزار فغنته، فقال لسليمان: مر لي برطل ثان، فأتوه وشرب. وقال: غني: أفاطمَ مهلاً بعضَ هذا الَّتدلُّلِ ... وإن كنتِ قدْ أزمعتِ صرمي فأجملي فغنته، فقال: مر لي برطل ثالث. وصعد على قبة سليمان، وألقى بنفسه على رأسه، ومات من ساعته، فقال سليمان: إنا لله وإنا إليه راجعون ظن هذا الأحمق [أني] أخرج له جاريتي وأعيدها إلى ملكي، خذوا بيدها إلى بيت هذا الرجل يبيعونها وينفقون ثمنها على أولاده، فأخذوها وساروا، وكان في دار سليمان حفرة للمطر، فجذبت نفسها وأنشدت. من مات عشقاً فليمتْ هكذا ... لاخير في عشقٍ بلا موتِ وألقت نفسها في الحفرة وماتت فدفنوها إلى جنب الرجل. [١٧] مزنة بنت عبد الله الكناني كانت من أجمل أهل زمانها وجهاً ومنظراً تزوجها رجل من بني عمها، وذلك قبل الإسلام وكان لزوجها أخ أصغر منه، فأقامت عندهم زماناً ولم ينظرها الأخ الصغير، ولا هي أظهرت له نفسها لفرط حسنها، فاتفق [في] يوم من الأيام أن زوجها سافر إلى بيت الله الحرام، فخرجت يوماً، مزنة، لبعض حاجاتها، وهي حاسرة تخجل الشمس في الصاحية، فنظرها أخو زوجها فأحبها، فلما رأته يطيل النظر إليها غطت وجهها بمعصمها، فزاد ذلك بلابله، وتغيرت أحواله، وحمل الشوق على بدنه حتى لم يبق إلا رأسه، وعيناه تدوران في وجهة، فقدم أخوه الكبير فوجده عليلاً، فأرسل إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب، فقدم إليه ولمس عروق ذلك المريض، فإذا ساكنها ومتحركان فقال الحارث: ما به إلا العشق. فقال له: سبحان الله، هذا ميت، وأنت تقول: عاشق! فاستدعى الحارث بشراب وسقاه، فلما انتشى أنشد يقول: ألاَ رفقاً ألا رفقاً ... قليلاً ما أكونهْ ألما بي على الأبياتِ ... منْ حيفٍ إذا رهنهْ غزالٌ ما رأيتُ اليومَ ... في دورِ بني كنَّهْ أسيلُ الخدِّ مربوبٌ ... وفي منطقهِ غنّهَ فقال: هذه دور قومنا، فليت شعري من هي؟ فقال الحارث: من الغد أغدوا إليكم: وأفعل هكذا فربما، أظهر محبوبه بشعره، وأما هو فلا حياة له، فأتى الحارث وفعل، مثل الأول فأنشد: أيُّها الجيزةُ أسلموا ... وقفوا كي تكلِّموا وتقصفوا لبانة ... وتحيوا لتغنموا خرجتْ مزنةُ من ... السَّجف ريَّا تجمجمُ هي ما كنَّتني وتزْ ... عمُ أنِّي لها حمُ فقالَ: اشهدوا أنها طلقة ليرجع إلى أخي فؤاده، فإن المرآة توجد، والأخ لا يوجد، فقال المريض: أشهدوا علي، هي علي كظهر أمي إن تزوجها، ومات كمداً بها.

стр. 108

قال في " الهداية ": الظهار كان طلاقاً في الجاهلية. فقرر الشرع أصله، ونقل حكمه إلى تحريم مؤقت بالكفارة غير مزيل للنكاح، وهذا لأنه جناية، لكونه منكراً من القول وزوراً، فيتناسب المجازات عليها بالحرمة وارتفاعها بالكفارة، والظهار هو إذا قال الرجل لامرأته، أنت علي كظهر أمي. فقد حرمت عليه، لايحل له وطؤها، ولامسها، ولا تقبيلها حتى يكفر لقوله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم (إلى أن قال: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا (فإن وطئها قبل أن [يكفر بتحرير رقبة] يكفر، أستغفر الله، ولاشيء عليه غير الكفارة، وإن قال: رأسك علي كظهر أمي، أوفرجك، أووجهك، أورقبتك، أونصفك، أوثلثك، كله ظهار، لأنه يعبر بها عن جميع البدن، وإن قال: أنت علي مثل أمي أو كأمي، يرجع إلى نيته، فإن قال: أردت الكرامة فهو كما قال، وإن أراد الظهار كان ظهاراً، وإن قال أردت الطلاق فهو طلاق بائن لأنه تشبيه بالأم في الحرمة. فكأنه قال، أنت علي حرام، ونوي به الطلاق، وكفارة الظهار عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وكل ذلك قبل المسيس، ويجزي في عتق الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى، والصغير والكبير، ولايجزي العمياء، ولا مقطوعة اليدين أو الرجلين، ويجوز الأصم والعوراء، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين، وفي "التتار خانية": لو قال: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي مائة مرة فعليه لكل مرة كفارة وفي "الجوهرة": وظهارها منه لغو، أي: ظهار المرأة بقولها لزوجها: أنت علي حرام كأبي أو أخي، فلا حرمه فيه، ولا كفارة وبه فتى. وقال صدر الشريعة: الظهار هو تشبيه زوجته أو ما عبر به عنها، أو جزء شائع منها بعضو، يحرم نظره إليه من أعضاءٍ محرمة نسباً أو إرضاعاً، وفيه إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي. هذا ظهار لا غير. وفي"الينابيع": لو قال ظهرك علي كظهر أمي أو بطنك أو فخذك لا يكون مظاهراً، وفيه عن الحسن: المرأة إذا قالت لزوجها أنت علي كظهر أمي فعليها كفارة يمين. وقال أبو يوسف ﵁: يجب عليها كفارة ظهار، وهذا على خلاف ما ذكره في "الجوهرة". [١٨] عنان جارية الناطفي كانت جميلة الصورة، حسنة السيرة، ما رآها أحد إلا وأحبها وكانت تحسن الغناء، والألحان بحسن صوت يذهل الألباب، وكان أبو نواس قد شغف بها، وله فيها أشعار تحير الأفكار، فاتفق يوماً من الأيام [أن] أصاب عنان مرض منعها عن القيام، ولم يعلم بذلك أبو نواس، فتمرض لمرضها وامتنع من الخروج، فدخل عليه بعض أصحابه يعودونه فوجدوا فيه خفة فجلس معهم وسألهم، من أين أقبلتم: فقالوا: من عند عنان عدناها. فقال أبو نواس: أو كانت عليلة. قالوا: نعم، وقد عوفيت، فقال: والله لقد أنكرت علتي هذه، ولم أعرف لها سبباً غير أني توهمت وظننت أن ذلك لعلة نالت بعض من أحب، ولقد وجدت في يومي هذا راحة ففرحت، وقلت: عسى أن يكون عافاه الله قبلي، ثم دعا بداوة، وكتب إلى عنان. إنِّي حممتُ، ولمْ أشعر بحمَّاك ... حتَّى تحدَّث عوَّادي بشكواكِ فقلتُ ما كانتْ الحمَّى لتطرقني ... من غيرِ ما سببٍ إلاَّ بحمَّاكِ وخصلة كنت فيها غيرُ متَّهم ... عافاني اللهُ منها حيت عافاكِ حتَّى إذا اتَّفقتْ تفسي ونفسكِ في ... هذا وذاكَ وفي هذا وفي ذاكِ وأرسلها إلى عنان فشكرته على صدق محبته لها. ونظير ذلك ماحكي: أن مجنون ليلى كان جالساً عند جماعة من قومه، فل يشعر إلا والدم يجري على محل الفصد، وذلك بغير مبضع فتعجب الناس منه. ثم انقطع فسأل عن ذلك، فقيل إن ليلى قد فصدت وهي في حيها، ولما قطعته، انقطع دم المجنون، والله أعلم. وهذا يدل على صدق المحبة، وأما في زماننا هذا فكثير من يعشق الصبح، ويواصل الظهر، ويسلو العصر، ثم يعشق غير محبوبه، وأما مجنون ليلى فقلما يوجد مثله. روى المرزباني: أن المجنون خرج مع أصحابه يوماً ليمتار من وادي العزى فمر بجبل نعمان، وقد كانت ليلى تنزله، وهما جبلان، فسأل المجنون أصحابه: أي ريح تهب من نحو أرضها؟ فقالوا: الصبا. فقال. والله لا أبرح حتى تهب الصبا، فأقام في ناحية الجبل، ومضى أصحابه وامتاروا لهم وله، ثم عادوا إليه فحبسهم حتى هبت الصبا، وسار معهم، وأنشد يقول:

стр. 109

أيا جبلي نعمانَ باللهِ خلِّيا ... نسيم الصَّبا يخلصُ إليَّ نسيمها أجدُ بردها أو تشفّ منّي حرارةً ... على كبدٍ لمْ يبقَ إلاّ صميمها فإنَّ الصَّباريحٌ إذا ما تنسَّمتْ ... على نفسِ مهمومٍ تجلَّتْ همومها [١٩] بديعة بنت عبد الله زوجة السلطان قايتباي الجركسي المحمودي سلطان مصر كانت في نهاية الجمال، يضرب المثل بحسنها، وهي مثل اسمها، وتزوجها السلطان قايتباي في أيام إمارته فولدت له الملك الناصر محمد، وحظيت عنده، وكانت من أغفل النساء، ولما توفي زوجها السلطان قايتباي سنة اثنين وتسعين، وثمانمائة، وكان غرة جبهة السلاطين الجراكسة بالعدل والمروءة والكرم والنباهة، وولي السلطنة وله الناصر محمد فكانت أخلاقه ذميمة، في غاية ضعف العقل أخذه عن أمه بديعة وكان مولعاً في حب النساء، فكان إذا سمع بإمرآة حسناء هجم عليها، وقطع دائرة فرجها ونظمه في خيط أعده لنظم فروج النساء، وكانت أمه تعلم به ولا تنهاه عن أفعاله، فعمدت أمه بديعة إلى جارية لها حسناء ليس يوجد لها نظير فطيبتها وزينتها ووهبتها لولدها الناصر، الخاسر، محمد بزعمها أنه يرتدع عما كان عليه، فأخذ الناصر الجارية، وأغلق الباب وعاد إلى قلة عقله ورأيه الفاسد، وربط الجارية، وشرع يسلخ جلدها، وهي تصرخ، فأرادت أمه بديعة الهجوم عليه، فما أمكنها، إلى أن تم عمله، وسلخ الجارية وحشى جلدها بالثياب النفيسة ثم خرج إلى عند أمه وأظهر لها أستاذيته بالسلخ، واستمر على هذا الفعل إلى أن قتل سنة خمس وتسعين وثمانمائة. وفي ذكر المغفلين: ماحكي: أن رجلاً من أهل حمص نظر إلى بئر فيه ماء فرأى خيال وجهه في الماء فذهب إلى أمه وقال: يا أماه في البئر لص، فجاءت أمه ونظرت في البئر مع ابنها، فقالت: لص ومعه قحبة. وتقدم رجل من أهل حمص يصلي المغرب إماماً، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو، فلما أتم قيل له: ما رأيناك سهوت! فقال: نعم، ولكني تذكرت أني صليت بكم على غير وضوء، فسجدت للسهو، والله أعلم. [٢٠] عباسة بنت الخليفة محمد المهدي العباسي

стр. 110

هي أخت الخليفة الرشيد، وهي التي كانت سبباً لقتل البرامكة، وذلك أن الوزير جعفر بن يحيى البرمكي كان يدخل إلى حرم الرشيد، وكان للرشيد أخت اسمها عباسة، وكانت حسنة جميلة إلا أنها رعنة فقال الرشيد يوماً لوزيره جعفر: إني قد أذنت لك إلى حرمي، ولكن النظر منك إلى أختي عباسة حرام، فإني أريد أنى أعقد النكاح ليحل لك النظر إليها، ولكن بشرط أن لا تقربها، فقبل الوزير فأمر الرشيد بإحضار القاضي والأعيان وعقد الوزير على عباسة وشرط عليه أن لا يقربها، فأقاما على ذلك برهة من الزمان، فاشتاقت عباسة للرجل فلبست أفخر ثيابها، وتطيبت وأمرت دايتها أن تأخذ بيدها، وتذهب بها إلى عند الوزير جعفر، وتقول له: هذه جارية عباسة أخت الخليفة أهدتها إليك، ففعلت العجوز ما أمرتها الرعنة، فأخذت بيدها ودخلت على الوزير جعفر وقد لعب برأسه السكر، وبقي لا يشعر فقالت له الداية: يا جعفر هذه جارية عباسة أهدتها أليك، فتلقاها بالقبول واخذ الجارية، وجعل يلاعبها وهي من تحت الستار إلى أن غلب عليه الباه فواقعها، وقد أطاعته مثل الأرض العطشانة لوابل المطر، فلما تم عمله وحقق النظر بها، فإذا هي عباسة فقال لها: ما هذه الصنيعة؟ قتلتني وقتلت البرامكة! فقلت له: لا بأس عليك! ألست زوجي؟ وحملت من وقتها، وأخفت حملها إلى أن قرب أوان وضعها، فاستشارت جعفر بما تصنع، وقد ظهر حملها، وندمت على ما فعلت وليس ينفعها الندم، خوفاً من القتل، فأشار عليها جعفر بالمسير إلى الحج، فاستأذنت من أخيها الرشيد، فأذن لها وأرسل معها جعفر، فسارت من بغداد، ومن تقدير الله تعالى أنها وضعت غلاماً جميلاً قبل وصولها إلى المدينة المنورة، ومن تقدير الله على جعفر أن أحب ذلك الغلام، ولم يعلم أنه سبباً لقتله، وإلا لو علم لكان قتله وأخفاه ثم أن عباسة الرعنة أعطت الغلام لبعض نساء مكة، وأعطنها مالاً جزيلاً لتربيه إلى أن يكبر، وحجا وعادا ولم يعلم الرشيد بذلك إلى أن كان يوماً من الأيام بلغ الوزير ابن الربيع الفضل خبر الغلام، وكان بينه وبين جعفر عداوة، فقص خبر الغلام على الرشيد فاغتاظ لذلك، وهم بقتل البرامكة، فحذرته بطش ربة زوجته زبيدة وقالت له: أليس هي زوجته؟ ثم حرضه ابن الربيع الفضل على قتل جعفر فقتله سنة سبع وثمانين ومائة وحبس أباه يحيى البرمكي وأخاه الفضل، وأقاما بالحبس إلى أن ماتا. فكانت عباسة سبباً لقتلهم، وذهاب دولتهم، وقد كانوا غرة في جبين الدهر فرحمهم الله، وفي قتلهم يقول الرقاشي، وقيل: أبو نواس: وقل للمنايا قد ظفرتِ بجعفرٍ ... ولمْ تظفرْ من ْ بعدهِ بمسوَّدِ وقلْ للعطايا بعدَ فضلٍ تعطَّلي ... وقلْ للرزايا كلَّ يومٍ تجدَّدي ودونك سيفاً برمكياً مهنَّداً ... أضيفَ بسيفٍ هاشمي مهنَّد حكي: أن الرشيد سأل يوماً وزيره جعفر عن جواريه فقال: يا أمير المؤمنين. كنت البارحة مضطجعاً وعندي جاريتان، إحداهما مكية، والأخرى مدنية، وهما يكبساني، فتناومت عنهما لأنظر فعلهما، فمدت المدنية يدها إلى ذلك الشيء ولعبت به حتى انتصب قائماً، فوثبت المكية وجلست عليه، فقالت المدنية: أنا أحق به فضحك الرشيد حتى استلقى على قفاه وقال لجعفر، هل سلوت عنهما؟ فقال جعفر: هما ومولاهما إلى أمير المؤمنين، وقريباً من هذا ماحكي في كتاب "تحفة الألباب": أن رجلاً من المترفين قال: تزوجت ثلاث نسوة: عبية وفارسية وقبطية. فقلت ليلة للعربية، أي وقت هذا؟ قالت هو سحر. قلت: وما يدريك؟ قالت: برد سواري وخلخالي، وقلت للفارسية: أي وقت هذا؟ قالت: سحر. قلت: وما يدريك هبوب النسيم، وصبح بسيم، وقلت للقبطية. أي وقت هذا؟ قالت سحر. قلت وما يدريك؟ قالت حركت بطني. فقهقه الرجل ضاحكاً: وقال: سبحان الله خالق الأصول والطباع. وفيه أيضاً. وقد ذكرتها اعتراضاً على الرشيد حيث قتل جعفراً لما واقع زوجته. حكى المفضل قال: دخلت على الرشيد وعنده طبق ورد وجارية جميلة واقفة، قد أهديت له فقال لي: يا مفضل قل بهذا الورد شيئاً، فقلت: كأنَّه خدُّ معشوقٍ يقبِّله ... فم المحبِّ وقد أبقى بهِ خجلا قال المفضل: فتبسمت الجارية، وأنشدت تقول: كأنَّه لونُ خدِّي حين تدفعني ... كفُّ الرشيدِ لأمرٍ يوجبُ الغسلاَ
следующие страницы →