← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 5459

المستصفى

أبو حامد الغزالي

Полный текст (381 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الَّذِي يُفِيدُ الْعِلْمَ وَإِلَى زَائِدٍ وَهُوَ الَّذِي يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِبَعْضِهِ وَتَقَعُ الزِّيَادَةُ فَضْلًا عَنْ الْكِفَايَةِ. وَالْكَامِلُ وَهُوَ أَقَلُّ عَدَدٍ يُورِثُ الْعِلْمَ لَيْسَ مَعْلُومًا لَنَا، لَكِنَّا بِحُصُولِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ نَتَبَيَّنُ كَمَالَ الْعَدَدِ لَا أَنَّا بِكَمَالِ الْعَدَدِ نَسْتَدِلُّ عَلَى حُصُولِ الْعِلْمِ. فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالْعَدَدُ الْكَامِلُ الَّذِي يَحْصُلُ التَّصْدِيقُ بِهِ فِي وَاقِعَةٍ هَلْ يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يُفِيدَ الْعِلْمَ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ قَالَ الْقَاضِي ﵀: ذَلِكَ مُحَالٌ، بَلْ كُلُّ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فِي وَاقِعَةٍ يُفِيدُ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ، وَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ لِشَخْصٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ شَخْصٍ يُشَارِكُهُ فِي السَّمَاعِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخْتَلِفَ. وَهَذَا صَحِيحٌ إنْ تَجَرَّدَ الْخَبَرُ عَنْ الْقَرَائِنِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَسْتَنِدُ إلَى مُجَرَّدِ الْعَدَدِ وَنِسْبَةُ كَثْرَةِ الْعَدَدِ إلَى سَائِرِ الْوَقَائِعِ وَسَائِرِ الْأَشْخَاصِ وَاحِدَةٌ. أَمَّا إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى التَّصْدِيقِ فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ فِيهِ الْوَقَائِعُ وَالْأَشْخَاصُ. وَأَنْكَرَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الْقَرَائِنِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا أَثَرًا وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ يَجُوزُ أَنْ يُورِثَ الْعِلْمَ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُخْبِرِينَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَرِينَةً وَمُجَرَّدُ الْقَرَائِنِ أَيْضًا قَدْ يُورِثُ الْعِلْمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إخْبَارٌ؛ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَنْضَمَّ الْقَرَائِنُ إلَى الْأَخْبَارِ فَيَقُومُ بَعْضُ الْقَرَائِنِ مَقَامَ بَعْضِ الْعَدَدِ مِنْ الْمُخْبِرِينَ، وَلَا يَنْكَشِفُ هَذَا إلَّا بِمَعْرِفَةِ مَعْنَى الْقَرَائِنِ وَكَيْفِيَّةِ دَلَالَتهَا، فَنَقُولُ: لَا شَكَّ فِي أَنَّا نَعْرِفُ أُمُورًا لَيْسَتْ مَحْسُوسَةً، إذْ نَعْرِفُ مِنْ غَيْرِنَا حُبَّهُ لِإِنْسَانٍ وَبُغْضَهُ لَهُ وَخَوْفَهُ مِنْهُ وَغَضَبَهُ وَخَجَلَهُ، وَهَذِهِ أَحْوَالٌ فِي نَفْسِ الْمُحِبِّ وَالْمُبْغِضِ لَا يَتَعَلَّقُ الْحِسُّ بِهَا قَدْ تَدُلُّ عَلَيْهَا دَلَالَاتٌ آحَادُهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، بَلْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، وَلَكِنْ تَمِيلُ النَّفْسُ بِهَا إلَى اعْتِقَادٍ ضَعِيفٍ. ثُمَّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وَلَوْ أُفْرِدَتْ آحَادُهَا لَتَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ، وَلَكِنْ يَحْصُلُ الْقَطْعُ بِاجْتِمَاعِهَا، كَمَا أَنَّ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ لَوْ قُدِّرَ مُفْرَدًا وَيَحْصُلُ الْقَطْعُ بِسَبَبِ الِاجْتِمَاعِ. وَمِثَالُهُ أَنَّا نَعْرِفُ عِشْقَ الْعَاشِقِ لَا بِقَوْلِهِ بَلْ بِأَفْعَالٍ هِيَ أَفْعَالُ الْمُحِبِّينَ مِنْ الْقِيَامِ بِخِدْمَتِهِ وَبَذْلِ مَالِهِ وَحُضُورِ مَجَالِسِهِ لِمُشَاهَدَتِهِ وَمُلَازَمَتِهِ فِي تَرَدُّدَاتِهِ وَأُمُورٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدُلُّ دَلَالَةً لَوْ انْفَرَدَ لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِغَرَضٍ آخَرَ يُضْمِرُهُ لَا لِحُبِّهِ إيَّاهُ، لَكِنْ تَنْتَهِي كَثْرَةُ هَذِهِ الدَّلَالَاتِ إلَى حَدٍّ يَحْصُلُ لَنَا عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِحُبِّهِ، وَكَذَلِكَ بِبُغْضِهِ إذَا رُئِيَتْ مِنْهُ أَفْعَالٌ يُنْتِجهَا الْبُغْضُ، وَكَذَلِكَ نَعْرِفُ غَضَبَهُ وَخَجَلَهُ لَا بِمُجَرَّدِ حُمْرَةِ وَجْهِهِ لَكِنَّ الْحُمْرَةَ إحْدَى الدَّلَالَاتِ، وَكَذَلِكَ نَشْهَدُ الصَّبِيَّ يَرْتَضِعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَيَحْصُلُ لَنَا عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِوُصُولِ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهِ وَإِنْ لَمْ نُشَاهِدْ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ لِأَنَّهُ مَسْتُورٌ، وَلَا عِنْدَ خُرُوجِهِ فَإِنَّهُ مَسْتُورٌ بِالْفَمِ، وَلَكِنَّ حَرَكَةَ الصَّبِيِّ فِي الِامْتِصَاصِ وَحَرَكَةَ حَلْقِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةً مَا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ وُصُولِ اللَّبَنِ، لَكِنْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الشَّابَّةَ لَا يَخْلُو ثَدْيُهَا عَنْ لَبَنٍ وَلَا تَخْلُو حَلَمَتُهُ عَنْ ثُقْبٍ، وَلَا يَخْلُو الصَّبِيُّ عَنْ طَبْعٍ بَاعِثٍ عَلَى الِامْتِصَاصِ مُسْتَخْرِجٍ لِلَّبَنِ وَكُلُّ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ خِلَافُهُ نَادِرًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبًا، لَكِنْ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ سُكُوتُ الصَّبِيِّ عَنْ بُكَائِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ طَعَامًا آخَرَ صَارَ قَرِينَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُ عَنْ وَجَعٍ وَسُكُوتُهُ عَنْ زَوَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَنَاوَلَ شَيْئًا آخَرَ لَمْ نُشَاهِدْهُ وَإِنْ كُنَّا نُلَازِمُهُ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، وَمَعَ هَذَا فَاقْتِرَانُ هَذِهِ الدَّلَائِلِ كَاقْتِرَانِ الْأَخْبَارِ وَتَوَاتُرِهَا وَكُلُّ دَلَالَةٍ شَاهِدَةٍ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَقَوْلِ كُلِّ مُخْبِرٍ عَلَى حِيَالِهِ، وَيَنْشَأُ مِنْ الِاجْتِمَاعِ الْعِلْمُ، وَكَأَنَّ هَذَا مَدْرَكٌ سَادِسٌ مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ سِوَى مَا

стр. 107

ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ مِنْ الْأَوَّلِيَّاتِ وَالْمَحْسُوسَاتِ وَالْمُشَاهَدَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالتَّجْرِيبَاتِ والْمُتَواتَرَاتِ فَيُلْحَقُ هَذَا بِهَا. وَإِذَا كَانَ هَذَا غَيْرَ مُنْكَرٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ التَّصْدِيقُ بِقَوْلِ عَدَدٍ نَاقِصٍ عِنْدَ انْضِمَامِ قَرَائِنَ إلَيْهِ لَوْ تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ لَمْ يُفِدْ الْعِلْمُ، فَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ عَنْ مَوْتِ إنْسَانٍ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ، لَكِنْ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ خُرُوجُ وَالِدِ الْمَيِّتِ مِنْ الدَّارِ حَاسِرَ الرَّأْسِ حَافِيَ الرِّجْلِ مُمَزَّقَ الثِّيَابِ مُضْطَرِبَ الْحَالِ يَصْفِقُ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ ذُو مَنْصِبٍ وَمُرُوءَةٍ لَا يُخَالِفُ عَادَتَهُ وَمُرُوءَتَهُ وَالتَّجْرِبَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ رُبَّمَا يُخْبِرُونَ عَنْ أَمْرٍ يَقْتَضِي إيَالَةَ الْمَلِكِ وَسِيَاسَةَ إظْهَارِهِ، وَالْمُخْبِرُونَ مِنْ رُؤَسَاءِ جُنُودِ الْمَلِكِ، فَيُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ تَحْتَ ضَبْطِ الْإِيَالَةِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْكَذِبِ، وَلَوْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ خَارِجِينَ عَنْ ضَبْطِ الْمَلِكِ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِمْ هَذَا الْوَهْمُ فَهَذَا يُؤَثِّرُ فِي النَّفْسِ تَأْثِيرًا لَا يُنْكَرُ. وَلَا أَدْرِي لِمَ أَنْكَرَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَمَا بُرْهَانُهُ عَلَى اسْتِحَالَتِهِ فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الْعَدَدَ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ بِالْوَقَائِعِ وَبِالْأَشْخَاصِ، فَرُبَّ شَخْصٍ انْغَرَسَ فِي نَفْسِهِ أَخْلَاقٌ تَمِيلُ بِهِ إلَى سُرْعَةِ التَّصْدِيقِ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ، فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْقَرَائِنِ وَتَقُومُ تِلْكَ الْقَرَائِنُ مَقَامَ خَبَرِ بَعْضِ الْمُخْبِرِينَ فَيَنْشَأُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا بُرْهَانَ عَلَى اسْتِحَالَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ؟ قُلْنَا: حُكِيَ عَنْ الْكَعْبِيِّ جَوَازُهُ. وَلَا يُظَنُّ بِمَعْتُوهٍ تَجْوِيزُهُ مَعَ انْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ. أَمَّا إذَا اجْتَمَعَتْ قَرَائِنُ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَبْلُغَ الْقَرَائِنُ مَبْلَغًا لَا يَبْقَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ إثَارَةِ الْعِلْمِ إلَّا قَرِينَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَقُومُ إخْبَارُ الْوَاحِدِ مَقَامَ تِلْكَ الْقَرِينَةِ، فَهَذَا مِمَّا لَا يُعْرَفُ اسْتِحَالَتُهُ وَلَا يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ، فَإِنَّ وُقُوعَهُ إنَّمَا يُعْلَمُ بِالتَّجْرِبَةِ وَنَحْنُ لَمْ نُجَرِّبْهُ، وَلَكِنْ قَدْ جَرَّبْنَا كَثِيرًا مِمَّا اعْتَقَدْنَاهُ جَزْمًا بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مَعَ قَرَائِنِ أَحْوَالِهِ ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّهُ كَانَ تَلْبِيسًا. وَعَنْ هَذَا أَحَالَ الْقَاضِي ذَلِكَ وَهَذَا كَلَامٌ فِي الْوَقَائِعِ مَعَ بَقَاءِ الْعَادَاتِ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنْ اسْتِمْرَارِهَا، فَأَمَّا لَوْ قَدَّرْنَا خَرْقَ هَذِهِ الْعَادَةِ فَاَللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحَصِّلَ لَنَا الْعِلْمَ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَنْضَمَّ إلَيْهِ الْقَرَائِنُ. [مَسْأَلَةٌ قَطَعَ الْقَاضِي بِأَنَّ قَوْلَ الْأَرْبَعَةِ قَاصِرٌ عَنْ الْعَدَدِ الْكَامِلِ] مَسْأَلَةٌ قَطَعَ الْقَاضِي ﵀ بِأَنَّ قَوْلَ الْأَرْبَعَةِ قَاصِرٌ عَنْ الْعَدَدِ الْكَامِلِ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ لِلْقَاضِي وَقْفَهَا عَلَى الْمُزَكِّينَ لِتَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَا يُطْلَبُ الظَّنُّ فِيمَا عُلِمَ ضَرُورَةً وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ إذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةً، فَإِنَّا لَا نُصَادِفُ أَنْفُسَنَا مُضْطَرِّينَ إلَى خَبَرِ الْأَرْبَعَةِ، أَمَّا إذَا فُرِضَتْ قَرَائِنُ مَعَ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَحِيلُ حُصُولُ التَّصْدِيقِ لَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ حَاصِلًا عَنْ مُجَرَّدِ الْخَبَرِ بَلْ الْقَرَائِنُ مَعَ الْخَبَرِ، وَالْقَاضِي ﵀ يُحِيلُ ذَلِكَ مَعَ الْقَرَائِنِ أَيْضًا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَاضِي عَلِمْتُ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ نَاقِصٌ ، أَمَّا الْخَمْسَةُ فَأَتَوَقَّفُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ فِيهَا دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّا نَعْلَمُ بِالتَّجْرِبَةِ ذَلِكَ، فَكَمْ مِنْ أَخْبَارٍ نَسْمَعُهَا مِنْ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ وَلَا يَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِهَا فَهُوَ أَيْضًا نَاقِصٌ لَا نَشُكُّ فِيهِ. [مَسْأَلَةٌ أَقَلُّ عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ] مَسْأَلَةٌ: إذَا قَدَّرْنَا انْتِفَاءَ الْقَرَائِنِ فَأَقَلُّ عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ مَعْلُومًا لَنَا وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ، فَإِنَّا لَا نَدْرِي مَتَى حَصَلَ عِلْمُنَا بِوُجُودِ مَكَّةَ وَوُجُودِ الشَّافِعِيِّ وَوُجُودِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ عِنْدَ تَوَاتُرِ الْخَبَرِ إلَيْنَا وَأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ خَبَرِ الْمِائَةِ وَالْمِائَتَيْنِ وَيَعْسُرُ عَلَيْنَا تَجْرِبَةُ ذَلِكَ وَإِنْ تَكَلَّفْنَاهَا. وَسَبِيلُ التَّكَلُّفِ أَنْ نُرَاقِبَ أَنْفُسَنَا إذَا قُتِلَ

стр. 108

رَجُلٌ فِي السُّوقِ مَثَلًا وَانْصَرَفَ جَمَاعَةٌ عَنْ مَوْضِعِ الْقَتْلِ وَدَخَلُوا عَلَيْنَا يُخْبِرُونَنَا عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنَّ قَوْلَ الْأَوَّلِ يُحَرِّكُ الظَّنَّ وَقَوْلَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُؤَكِّدُهُ، وَلَا يَزَالُ يَتَزَايَدُ تَأْكِيدُهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ ضَرُورِيًّا لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُشَكِّكَ فِيهِ أَنْفُسَنَا. فَلَوْ تُصُوِّرَ الْوُقُوفُ عَلَى اللَّحْظَةِ الَّتِي يَحْصُلُ الْعِلْمُ فِيهَا ضَرُورَةً وَحِفْظُ حِسَابِ الْمُخْبِرِينَ وَعَدَدِهِمْ لَأَمْكَنَ الْوُقُوفُ، وَلَكِنَّ دَرَكَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ عَسِيرٌ، فَإِنَّهُ تَتَزَايَدُ قُوَّةُ الِاعْتِقَادِ تَزَايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ نَحْوَ تَزَايُدِ عَقْلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ التَّكْلِيفِ وَنَحْوَ تَزَايُدِ ضَوْءِ الصُّبْحِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى حَدِّ الْكَمَالِ، فَلِذَلِكَ بَقِيَ هَذَا فِي غِطَاءٍ مِنْ الْإِشْكَالِ وَتَعَذَّرَ عَلَى الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ إدْرَاكُهُ. فَأَمَّا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْأَرْبَعِينَ أَخْذًا مِنْ الْجُمُعَةِ وَقَوْمٌ إلَى التَّخْصِيصِ بِالسَّبْعِينَ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وَقَوْمٌ إلَى التَّخْصِيصِ بِعَدَدِ أَهْلِ بَدْرٍ فَكُلُّ ذَلِكَ تَحَكُّمَاتٌ فَاسِدَةٌ بَارِدَةٌ لَا تُنَاسِبُ الْغَرَضَ وَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي تَعَارُضُ أَقْوَالِهِمْ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِهَا. فَإِذًا لَا سَبِيلَ لَنَا إلَى حَصْرِ عَدَدِهِ، لَكِنَّا بِالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ نَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي هُوَ الْكَامِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ تَوَافَقُوا عَلَى الْإِخْبَارِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ عَلِمْتُمْ حُصُولَ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَقَلَّ عَدَدِهِ؟ قُلْنَا: كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ الْخُبْزَ يُشْبِعُ وَالْمَاءَ يُرْوِي وَالْخَمْرَ يُسْكِرُ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُ أَقَلَّ مِقْدَارٍ مِنْهُ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْقَرَائِنَ تُفِيدُ الْعِلْمَ وَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى حَصْرِ أَجْنَاسِهَا وَضَبْطِ أَقَلِّ دَرَجَاتِهَا. [مَسْأَلَةٌ الْعَدَدُ الْكَامِلُ إذَا أَخْبَرُوا وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ] ْ فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِكَذِبِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ إلَّا شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا كَمَالُ الْعَدَدِ، وَالثَّانِي: أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ يَقِينٍ وَمُشَاهَدَةٍ. فَإِذَا كَانَ الْعَدَدُ كَامِلًا كَانَ امْتِنَاعُ الْعِلْمِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الثَّانِي فَنَعْلَمُ أَنَّهُمْ بِجُمْلَتِهِمْ كَذَبُوا أَوْ كَذَبَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ إنِّي شَاهَدْت ذَلِكَ، بَلْ بَنَاهُ عَلَى تَوَهُّمٍ وَظَنٍّ أَوْ كَذِبٍ مُتَعَمِّدًا، لِأَنَّهُمْ لَوْ صَدَقُوا وَقَدْ كَمَلَ عَدَدُهُمْ حَصَلَ الْعِلْمُ ضَرُورَةً وَهَذَا أَيْضًا أَحَدُ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعَةَ لَيْسُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ؛ إذْ الْقَاضِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ وَجَازَ لَهُ الْقَضَاءُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ تَمَّ عَدَدُهُمْ لَكَانَ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِمْ دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى كَذِبِ جَمِيعِهِمْ أَوْ كَذِبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَقَطَعْنَا بِأَنَّ فِيهِمْ كَاذِبًا أَوْ مُتَوَهِّمًا، وَلَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ يُعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ كَاذِبًا أَوْ مُتَوَهِّمًا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ وَقَدْ كَثُرُوا كَثْرَةً يَسْتَحِيلُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ تَوَافُقُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى اتِّفَاقٍ وَيَسْتَحِيلُ دُخُولُهُمْ تَحْتَ ضَابِطٍ وَتُسَاعِدُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ بِحَيْثُ يَنْكَتِمُ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَلَا يَتَحَدَّثُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَعَلَى مَاذَا يُجَمَّلُ كَذِبُهُمْ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: إنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونُوا مُنْقَسِمِينَ إلَى صَادِقِينَ وَكَاذِبِينَ، أَمَّا الصَّادِقُونَ فَعَدَدُهُمْ نَاقِصٌ عَنْ الْمَبْلَغِ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِإِفَادَةِ الْعِلْم، وَأَمَّا الْكَاذِبُونَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ التَّوَاطُؤُ لِنُقْصَانِ عَدَدِهِمْ عَنْ مَبْلَغٍ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ مَعَ الِانْكِتَامِ، فَإِنْ كَانُوا مَبْلَغًا لَا يَسْتَحِيلُ التَّوَاطُؤُ عَلَيْهِمْ مَعَ الِانْكِتَامِ فَلَا يَسْتَحِيلُ الِانْكِتَامُ فِي الْحَالِ إلَى أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ فِي ثَانِي الْحَالِ. وَنَقَلَ الشِّيعَةُ نَصَّ الْإِمَامَةِ مَعَ كَثْرَتِهَا إنَّمَا لَمْ يُفِدْ الْعِلْمَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخْبِرُوا عَنْ الْمُشَاهَدَةِ وَالسَّمَاعِ، بَلْ لَوْ سَمِعُوا عَنْ سَلَفٍ فَهُمْ صَادِقُونَ، لَكِنَّ السَّلَفَ الْوَاضِعُونَ لِهَذَا الْكَذِبِ يَكُونُ عَدَدُهُمْ نَاقِصًا عَنْ مَبْلَغٍ يَسْتَحِيلُ مِنْهُمْ التَّوَاطُؤُ مَعَ

стр. 109

الِانْكِتَامِ، وَرُبَّمَا ظَنَّ الْخَلَفُ أَنَّ عَدَدَهُمْ كَامِلٌ لَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ فَيُخْطِئُونَ فِي الظَّنِّ فَيَقْطَعُونَ بِالْحُكْمِ وَيَكُونُ هَذَا مَنْشَأَ غَلَطِهِمْ. [خَاتِمَةٌ فِي بَيَانِ شُرُوطٍ فَاسِدَة لِعَدَدِ التَّوَاتُر] خَاتِمَةٌ لِهَذَا الْبَابِ: بَيَانِ شُرُوطٍ فَاسِدَةٍ ذَهَبَ إلَيْهَا قَوْمٌ؟ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: شَرَطَ قَوْمٌ فِي عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَنْ لَا يَحْصُرَهُمْ عَدَدٌ وَلَا يَحْوِيَهُمْ وَهَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْحَجِيجَ بِأَجْمَعِهِمْ إذَا أَخْبَرُوا عَنْ وَاقِعَةٍ صَدَّتْهُمْ عَنْ الْحَجِّ وَمَنَعَتْهُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ حَصَلَ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ وَهُمْ مَحْصُورُونَ وَأَهْلُ الْجَامِعِ إذَا أَخْبَرُوا عَنْ نَائِبَةٍ فِي الْجُمُعَةِ مَنَعَتْ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ عُلِمَ صِدْقُهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ يَحْوِيهِمْ مَسْجِدٌ فَضْلًا عَنْ بَلَدٍ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إذَا أَخْبَرُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ حَصَلَ الْعِلْمُ وَقَدْ حَوَاهُمْ بَلَدٌ. الثَّانِي: شَرَطَ قَوْمٌ أَنْ تَخْتَلِفَ أَنْسَابُهُمْ فَلَا يَكُونُوا بَنِي أَبٍ وَاحِدٍ، وَتَخْتَلِفَ أَوْطَانُهُمْ فَلَا يَكُونُوا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَتَخْتَلِفَ أَدْيَانُهُمْ فَلَا يَكُونُوا أَهْلَ مَذْهَبٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ مِنْ مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَنَسَبٍ وَاحِدٍ لَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي إمْكَانِ تَوَاطُئِهِمْ، وَالْكَثْرَةُ إلَى كَمَالِ الْعَدَدِ تَدْفَعُ هَذَا الْإِمْكَانَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَثْرَةً أَمْكَنَ التَّوَاطُؤُ مِنْ بَنِي الْأَعْمَامِ كَمَا يُمْكِنُ مِنْ الْإِخْوَةِ وَمِنْ أَهْلِ بَلَدٍ كَمَا يُمْكِنُ مِنْ أَهْلِ مَحَلَّةٍ، وَكَيْفَ يُعْتَبَرُ اخْتِلَافُ الدِّينِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ صِدْقَ الْمُسْلِمِينَ إذَا أَخْبَرُوا عَنْ قَتْلٍ وَفِتْنَةٍ وَوَاقِعَةٍ بَلْ نَعْلَمُ صِدْقَ أَهْلِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ إذَا أَخْبَرُوا عَنْ مَوْتِ قَيْصَرَ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَلْنَعْلَمْ صِدْقَ النَّصَارَى فِي نَقْلِ التَّثْلِيثِ عَنْ عِيسَى ﵇ وَصِدْقَهُمْ فِي صَلْبِهِ. قُلْنَا: لَمْ يَنْقُلُوا التَّثْلِيثَ تَوْقِيفًا وَسَمَاعًا عَنْ عِيسَى بِنَصٍّ صَرِيحٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، لَكِنْ تَوَهَّمُوا ذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مُوهِمَةٍ لَمْ يَقِفُوا عَلَى مَغْزَاهَا، كَمَا فَهِمَ الْمُشَبِّهَةُ التَّشْبِيهَ مِنْ آيَاتٍ وَأَخْبَارٍ لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا، وَالتَّوَاتُرُ يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ عَنْ مَحْسُوسٍ. فَأَمَّا قَتْلَ عِيسَى ﵇ فَقَدْ صَدَقُوا فِي أَنَّهُمْ شَاهَدُوا شَخْصًا يُشْبِهُ عِيسَى ﵇ مَقْتُولًا، وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يُتَصَوَّرُ التَّشْبِيهُ فِي الْمَحْسُوسِ، فَإِنْ تُصُوِّرَ فَلْيَشُكَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا إذَا رَأَى زَوْجَتَهُ وَوَلَدَهُ فَلَعَلَّهُ شُبِّهَ لَهُ؟ قُلْنَا: إنْ كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ خَرْقِ الْعَادَةِ يَجُوزُ التَّشْبِيهُ فِي الْمَحْسُوسِ وَذَلِكَ زَمَانُ النُّبُوَّةِ لِإِثْبَاتِ صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَلْبِ الْعَصَا ثُعْبَانًا وَخَرْقِ الْعَادَةِ بِهِ لِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﵇، وَمَعَ ذَلِكَ إذَا أَخَذْنَا الْعَصَا فِي زَمَانِنَا لَمْ نَخَفْ مِنْ انْقِلَابِهَا ثُعْبَانًا بِالْعَادَاتِ فِي زَمَانِنَا. فَإِنْ قِيلَ: خَرْقُ الْعَادَةِ فِي زَمَانِنَا هَذَا جَائِزٌ كَرَامَةً لِلْأَوْلِيَاءِ فَلَعَلَّ وَلِيًّا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى بِذَلِكَ فَأَجَابَهُ فَلَا نَشُكُّ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ. قُلْنَا: إذَا فَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ نَزَعَ عَنْ قُلُوبِنَا الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ الْحَاصِلَ بِالْعَادَاتِ، فَإِذَا وَجَدْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّهُ لَمْ تَنْقَلِبْ الْعَصَا ثُعْبَانًا وَلَا الْجَبَلُ ذَهَبًا وَلَا الْحَصَى فِي الْجِبَالِ جَوَاهِرَ وَيَوَاقِيتَ قَطَعْنَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْرُقْ الْعَادَةَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا. الثَّالِثُ: شَرَطَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونُوا أَوْلِيَاءَ مُؤْمِنِينَ. وَهُوَ فَاسِدٌ؛ إذْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِ الْفَسَقَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ بَلْ بِقَوْلِ الرُّومِ إذَا أَخْبَرُوا بِمَوْتِ مَلِكِهِمْ حَصَلَ الْعِلْمُ. الرَّابِعُ: شَرَطَ قَوْمٌ أَنْ لَا يَكُونُوا مَحْمُولِينَ بِالسَّيْفِ عَلَى الْإِخْبَارِ. وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ

стр. 110

حُمِلُوا عَلَى الْكَذِبِ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَإِنْ صَدَقُوا حَصَلَ الْعِلْمُ، فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ حَمَلَهُمْ الْخَلِيفَةُ بِالسَّيْفِ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ مَحْسُوسٍ شَاهَدُوهُ أَوْ شَهَادَةٍ كَتَمُوهَا فَأَخْبَرُوا حَصَلَ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ هَلْ يُتَصَوَّرُ عَدَدٌ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ إذَا أَخْبَرُوا عَنْ اخْتِيَارٍ وَلَا يَحْصُلُ لَوْ أَخْبَرُوا عَنْ إكْرَاهٍ؟ قُلْنَا أَجَابَ الْقَاضِي ﵀ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلْقَرَائِنِ مَدْخَلًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مُحَالٍ عِنْدَنَا، فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ النَّفْسَ تَشْعُرُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى كَثْرَتِهِمْ لَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ جَامِعٌ ثُمَّ تُصَدِّقُ، فَإِذَا ظَهَرَ كَوْنُ السَّيْفِ جَامِعًا لَمْ يَبْعُدْ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْعِلْمُ. الْخَامِسُ: شَرَطَ الرَّوَافِضُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ الْمَعْصُومُ فِي جُمْلَةِ الْمُخْبِرِينَ وَهَذَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِإِخْبَارِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ ﵇ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى إخْبَارِ غَيْرِهِ؟ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَحْصُلَ الْعِلْمُ بِنَقْلِهِمْ عَلَى التَّوَاتُرِ النَّصَّ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ إذْ لَيْسَ فِيهِمْ مَعْصُومٌ، وَأَنْ لَا تَلْزَمَ حُجَّةُ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى مَنْ شَاهَدَهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ وَسَمِعَ مِنْهُ دُونَ سَائِرِ الْبِلَادِ، وَأَنْ لَا تَقُومَ الْحُجَّةُ بِقَوْلِ أُمَرَائِهِ وَدُعَاتِهِ وَرُسُلِهِ وَقُضَاتِهِ؛ إذْ لَيْسُوا مَعْصُومِينَ، وَأَنْ لَا يُعْلَمَ مَوْتُ أَمِيرٍ وَقَتْلُهُ وَوُقُوعُ فِتْنَةٍ وَقِتَالٌ فِي غَيْرِ مِصْرٍ وَكُلُّ ذَلِكَ لَازِمٌ عَلَى هَذَيَانِهِمْ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَقْسِيمِ الْخَبَرِ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا يَجِبُ تَصْدِيقُهُ] الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَقْسِيمِ الْخَبَرِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا يَجِبُ تَصْدِيقُهُ تَقْسِيمِ الْخَبَرِ إلَى مَا يَجِبُ تَصْدِيقُهُ وَإِلَى مَا يَجِبُ تَكْذِيبُهُ وَإِلَى مَا يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ. وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَا يَجِبُ تَصْدِيقُهُ، وَهِيَ سَبْعَةٌ: الْأَوَّلُ: مَا أَخْبَرَ عَنْهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ ضَرُورَةً وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ، فَلَيْسَ فِي الْأَخْبَارِ مَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ إلَّا الْمُتَوَاتِرُ وَمَا عَدَاهُ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِوَى نَفْسِ الْخَبَرِ. الثَّانِي: مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَهُوَ صِدْقٌ بِدَلِيلِ اسْتِحَالَةِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلَانِ: أَقْوَاهُمَا: إخْبَارُ الرَّسُولِ ﵇ عَنْ امْتِنَاعِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَحِيلُ التَّكَذُّبُ فِي كَلَامِ النَّفْسِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ؛ إذْ الْخَبَرُ يَقُومُ بِالنَّفْسِ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ. الثَّالِثُ: خَبَرُ الرَّسُولِ ﵇ وَدَلِيلُ صِدْقِهِ دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ مَعَ اسْتِحَالَةِ إظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى أَيْدِي الْكَاذِبِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُمْكِنًا لَعَجَزَ الْبَارِي عَنْ تَصْدِيقِهِ رُسُلَهُ وَالْعَجْزُ عَلَيْهِ مُحَالٌ. الرَّابِعُ: مَا أَخْبَرَ عَنْهُ الْأُمَّةُ إذْ ثَبَتَ عِصْمَتُهَا بِقَوْلِ الرَّسُولِ ﵇ الْمَعْصُومِ عَنْ الْكَذِبِ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ شَخْصٍ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ ﷺ عَنْهُ بِأَنَّهُ صَادِقٌ لَا يَكْذِبُ. الْخَامِسُ: كُلُّ خَبَرٍ يُوَافِقُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَوْ رَسُولُهُ ﷺ أَوْ الْأُمَّةُ

стр. 111

أَوْ مَنْ صَدَّقَهُ هَؤُلَاءِ أَوْ دَلَّ الْعَقْلُ عَلَيْهِ وَالسَّمْعُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَكَانَ الْمُوَافِقُ لَهُ كَذِبًا. السَّادِسُ كُلُّ خَبَرٍ صَحَّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ الْمُخْبِرُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَسْمَعٍ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ غَافِلًا عَنْهُ فَسَكَتَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ وَلَا عَنْ تَكْذِيبِهِ، وَنَعْنِي بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ. السَّابِعُ: كُلُّ خَبَرٍ ذُكِرَ بَيْنَ يَدَيْ جَمَاعَةٍ أَمْسَكُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ وَالْعَادَةُ تَقْضِي فِي مِثْلِ ذَلِكَ بِالتَّكْذِيبِ وَامْتِنَاعِ السُّكُوتِ لَوْ كَانَ كَذِبًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ لِلْخَبَرِ وَقْعٌ فِي نُفُوسِهِمْ وَهُمْ عَدَدٌ يَمْتَنِعُ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ التَّوَاطُؤُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ يَنْكَتِمُ التَّوَاطُؤُ وَلَا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ. وَبِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ثَبَتَتْ أَكْثَرُ أَعْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إذْ كَانَ يَنْقُلُ بِمَشْهَدِ جَمَاعَاتٍ وَكَانُوا يَسْكُتُونَ عَنْ التَّكْذِيبِ مَعَ اسْتِحَالَةِ السُّكُوتِ عَنْ التَّكْذِيبِ عَلَى مِثْلِهِمْ، فَمَهْمَا كَمَلَ الشَّرْطُ وَتُرِكَ النَّكِيرُ كَمَا سَبَقَ نَزَلَ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِمْ " صَدَقْتَ ". فَإِنْ قِيلَ لَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ أَمْرًا بِمَشْهَدِ جَمَاعَةٍ وَادَّعَى عِلْمَهُمْ بِهِ فَسَكَتُوا عَنْ تَكْذِيبِهِ فَهَلْ يَثْبُتُ صِدْقُهُ؟ قُلْنَا: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ فَلَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا عَنْ النَّظَرِ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ كَانَ يُسْنِدُهُ إلَى مُشَاهَدَةٍ وَكَانُوا عَدَدًا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ الدُّخُولُ تَحْتَ دَاعٍ وَاحِدٍ فَالسُّكُوتُ عَنْ تَكْذِيبِهِ تَصْدِيقٌ مِنْ جِهَتِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ يَدُلُّ عَلَى الصِّدْقِ تَوَاتُرُ الْخَبَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ قَصْدًا وَلَا التَّوَافُقُ عَلَى اتِّفَاقٍ؟ قُلْنَا: أَحَالَ الْقَاضِي ﵀ ذَلِكَ وَقَالَ: قَوْلُهُمْ يُورِثُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً إنْ بَلَغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ فِي عِلْمِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يُورِثْ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ دَلَّ عَلَى نُقْصَانِ الْعَدَدِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال عَلَى صِدْقِهِمْ بِالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِهِمْ بَلْ نَعْلَمُ قَطْعًا كَذِبَهُمْ أَوْ اشْتِمَالَهُمْ عَلَى كَاذِبٍ أَوْ مُتَوَهِّمٍ. وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ إنْ لَمْ يُنْظَرْ إلَى الْقَرَائِنِ لَازِمٌ، أَمَّا مَنْ نَظَرَ إلَى الْقَرَائِنِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْلَمَ صِدْقَهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ النَّظَرِ. فَإِنْ قِيلَ: خَبَرُ الْوَاحِدِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الْأُمَّةُ هَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ؟ قُلْنَا: إنْ عَمِلُوا عَلَى وَفْقِهِ فَلَعَلَّهُمْ عَمِلُوا عَنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَإِنْ عَمِلُوا بِهِ أَيْضًا فَقَدْ أُمِرُوا بِالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا صِدْقَهُ، فَلَا يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِصِدْقِهِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ قُدِّرَ الرَّاوِي كَاذِبًا لَكَانَ عَمَلُ الْأُمَّةِ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ خَطَأٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْأُمَّةِ. قُلْنَا: الْأُمَّةُ مَا تُعُبِّدُوا إلَّا بِالْعَمَلِ بِخَبَرٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُمْ فِيهِ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ، كَالْقَاضِي إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُخْطِئًا وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ كَاذِبًا بَلْ يَكُونُ مُحِقًّا لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ إلَّا بِهِ. [الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْأَخْبَارِ مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ] ُ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: مَا يُعْلَمُ خِلَافُهُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوْ نَظَرِهِ أَوْ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ أَوْ أَخْبَارِ التَّوَاتُرِ، وَبِالْجُمْلَةِ مَا خَالَفَ الْمَعْلُومَ بِالْمَدَارِكِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ، كَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي الْحَالِ وَأَنَّا عَلَى جَنَاحِ نَسْرٍ أَوْ فِي لُجَّةِ بَحْرٍ وَمَا يُحَسُّ خِلَافُهُ. الثَّانِي: مَا يُخَالِفُ النَّصَّ الْقَاطِعَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّهُ وَرَدَ مُكَذِّبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْأُمَّةِ. الثَّالِثُ: مَا صَرَّحَ بِتَكْذِيبِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، إذَا

стр. 112

قَالُوا: حَضَرْنَا مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَمْ نَجِدْ مَا حَكَاهُ مِنْ الْوَاقِعَةِ أَصْلًا. الرَّابِعُ: مَا سَكَتَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ عَنْ نَقْلِهِ وَالتَّحَدُّثِ بِهِ مَعَ جَرَيَانِ الْوَاقِعَةِ بِمَشْهَدٍ مِنْهُمْ وَمَعَ إحَالَةِ الْعَادَةِ السُّكُوتَ عَنْ ذِكْرِهِ لِتَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِأَنَّ أَمِيرَ الْبَلْدَةِ قُتِلَ فِي السُّوقِ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ وَلَمْ يَتَحَدَّثْ أَهْلُ السُّوقِ بِهِ فَيُقْطَعُ بِكَذِبِهِ، إذْ لَوْ صَدَقَ لَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَلَأَحَالَتْ الْعَادَةُ اخْتِصَاصَهُ بِحِكَايَتِهِ، وَبِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَرَفْنَا كَذِبَ مَنْ ادَّعَى مُعَارَضَةَ الْقُرْآنِ وَنَصَّ الرَّسُولِ عَلَى نَبِيٍّ آخَرَ بَعْدَهُ، وَأَنَّهُ أَعْقَبَ جَمَاعَةً مِنْ الْأَوْلَادِ الذُّكُورِ، وَنَصَّهُ عَلَى إمَامٍ بِعَيْنِهِ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ، وَفَرْضَهُ صَوْمَ شَوَّالٍ وَصَلَاةَ الضُّحَى وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا إذَا كَانَ أَحَالَتْ الْعَادَةُ كِتْمَانَهُ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَفَرَّدَ الْآحَادُ بِنَقْلِ مَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَيْهِ حَتَّى وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، كَإِفْرَادِهِ ﷺ الْحَجَّ أَوْ قِرَانِهِ، وَكَدُخُولِهِ الْكَعْبَةَ وَصَلَاتِهِ فِيهَا، وَإِنَّهُ ﵇ نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ عَنْوَةً، وَقَبُولِهِ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَانْفِرَادِ الْأَعْرَابِيِّ بِالرُّؤْيَةِ حَتَّى لَمْ يُشَارِكْهُ أَحَدٌ فِيهِ، وَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ إلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَدَدٌ يَسِيرٌ مَعَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرَاهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَبَادٍ وَحَاضِرٍ، وَنَقَلَ النَّصَارَى مُعْجِزَاتِ عِيسَى ﵇ وَلَمْ يَنْقُلُوا كَلَامَهُ فِي الْمَهْدِ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعَلَامَاتِ، وَنَقَلَتْ الْأُمَّةُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَنْقُلُوا بَقِيَّةَ مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ ﵇ كَنَقْلِ الْقُرْآنِ فِي الشُّيُوعِ، وَنَقَلَ النَّاسُ أَعْلَامَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَنْقُلُوا أَعْلَامَ شُعَيْبٍ ﵇، وَنَقَلَتْ الْأُمَّةُ سُوَرَ الْقُرْآنِ وَلَمْ تَنْقُلْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ نَقْلَ غَيْرِهِمَا حَتَّى خَالَفَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ الْقُرْآنِ وَمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ أَيْضًا. فَكُلُّ هَذَا نَقْضٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ إفْرَادَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقِرَانَهُ لَيْسَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يَنْكَشِفَ وَأَنْ يُنَادِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْكَافَّةِ، بَلْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى نِيَّتِهِ بِإِخْبَارِهِ إيَّاهُ. نَعَمْ ظَهَرَ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ تَعْلِيمُهُ النَّاسَ الْإِفْرَادَ وَالْقِرَانَ جَمِيعًا. وَأَمَّا دُخُولُ الْكَعْبَةِ وَصَلَاتُهُ فِيهَا فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ نَفَرٍ يَسِيرٍ وَمَعَ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ وَلَا يَقَعُ شَائِعًا، كَيْفَ وَلَوْ وَقَعَ شَائِعًا لَمْ تَتَوَفَّرْ الدَّوَاعِي عَلَى دَوَامِ نَقْلِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَلَا مِنْ فَرَائِضِهِ وَمُهِمَّاتِهِ؟ وَأَمَّا دُخُولُهُ مَكَّةَ عَنْوَةً فَقَدْ صَحَّ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ دُخُولُهُ مُتَسَلِّحًا مَعَ الْأَلْوِيَةِ وَالْأَعْلَامِ وَتَمَامِ التَّمَكُّنِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَبَذْلِهِ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ وَلِمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَاعْتَصَمَ بِالْكَعْبَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَلَكِنْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ وَدَى قَوْمًا قَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا. وَوُقُوعُ مِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لِلْآحَادِ مُمْكِنٌ إلَى أَنْ تُزَالَ بِالنَّظَرِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِنَهْيٍ خَاصٍّ عَنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ وَلِسَبَبٍ مَخْصُوصٍ. وَأَمَّا انْفِرَادُ الْأَعْرَابِيِّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَمُمْكِنٌ، وَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِخَفَاءِ الْهِلَالِ وَدِقَّتِهِ، فَيَنْفَرِدُ بِهِ مَنْ يَحْتَدُّ بَصَرُهُ وَتَصْدُقُ فِي الطَّلَبِ رَغْبَتُهُ وَيَقَعُ عَلَى مَوْضِعِ الْهِلَالِ بَصَرُهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ أَوْ اتِّفَاقٍ. وَأَمَّا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَهِيَ آيَةٌ لَيْلِيَّةٌ وَقَعَتْ وَالنَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي لَحْظَةٍ فَرَآهُ مَنْ نَاظَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ وَنَبَّهَهُ عَلَى النَّظَرِ لَهُ وَمَا انْشَقَّ مِنْهُ إلَّا شُعْبَةٌ، ثُمَّ عَادَ صَحِيحًا فِي لَحْظَةٍ، فَكَمْ مِنْ انْقِضَاضِ كَوْكَبٍ وَزَلْزَلَةٍ وَأُمُورٍ هَائِلَةٍ مِنْ رِيحٍ

стр. 113

وَصَاعِقَةٍ بِاللَّيْلِ لَا يَتَنَبَّهُ لَهُ إلَّا الْآحَادُ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا إنَّمَا يَعْلَمُهُ مَنْ قِيلَ لَهُ اُنْظُرْ إلَيْهِ فَانْشَقَّ عَقِيبَ الْقَوْلِ وَالتَّحَدِّي، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَوَقَعَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ رُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَيَالٌ انْقَشَعَ أَوْ كَوْكَبٌ كَانَ تَحْتَ الْقَمَرِ فَانْجَلَى الْقَمَرُ عَنْهُ أَوْ قِطْعَةُ سَحَابٍ سَتَرَتْ قِطْعَةً مِنْ الْقَمَرِ، فَلِهَذَا لَمْ يَتَوَاتَرْ نَقْلُهُ. وَأَمَّا نَقْلُهُمْ الْقُرْآنَ دُونَ سَائِرِ الْأَعْلَامِ فَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّوَاعِيَ لَا تَتَوَفَّرُ بَعْدَ ثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِالْقُرْآنِ وَاسْتِقْلَالِهَا بِهِ عَلَى نَقْلِ مَا يَقَعُ بَعْدَهُ بِحَيْثُ تَقَعُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ اكْتِفَاءً بِثُبُوتِهَا بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْآيَاتِ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْقُرْآنِ إنَّمَا ظَهَرَ فِي عُمْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مَرَّةً وَاحِدَةً وَرُبَّمَا ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَالْقُرْآنُ كَانَ يُرَدِّدُهُ طُولَ عُمُرِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَيُلْقِيهِ عَلَى كَافَّتِهِمْ قَصْدًا وَيَأْمُرُهُمْ بِحِفْظِهِ وَالتِّلَاوَةِ لَهُ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ. وَأَمَّا الْمُعَوِّذَتَانِ فَقَدْ ثَبَتَ نَقْلُهُمَا شَائِعًا مِنْ الْقُرْآنِ كَسَائِرِ السُّوَرِ وَابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ لَمْ يُنْكِرْ كَوْنَهُمَا مِنْ الْقُرْآنِ لَكِنْ أَنْكَرَ إثْبَاتَهُمَا فِي الْمُصْحَفِ وَإِثْبَاتَ الْحَمْدِ أَيْضًا لِأَنَّهُ كَانَتْ السُّنَّةُ عِنْدَهُ أَنْ لَا يُثْبَتَ إلَّا مَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِثْبَاتِهِ وَكِتْبَتِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَجِدْهُ كَتَبَ ذَلِكَ وَلَا سَمِعَ أَمْرَهُ بِهِ أَنْكَرَهُ. وَهَذَا تَأْوِيلٌ وَلَيْسَ جَحْدًا لِكَوْنِهِ قُرْآنًا، وَلَوْ جَحَدَ ذَلِكَ لَكَانَ فِسْقًا عَظِيمًا لَا يُضَافُ إلَى مِثْلِهِ وَلَا إلَى أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا تَرْكُ النَّصَارَى نَقْلَ كَلَامِ عِيسَى ﵇ فِي الْمَهْدِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا بِحَضْرَةِ نَفَرٍ يَسِيرٍ وَمَرَّةً وَاحِدَةً لِتَبْرِئَةِ مَرْيَمَ ﵍ عَمَّا نَسَبُوهَا إلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَشِرْ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَانْدَرَسَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَأَمَّا شُعَيْبٌ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُ مِنْ الرُّسُلِ ﵈ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرِيعَةٌ يَنْفَرِدُونَ بِهَا، بَلْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلَى شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَلَمْ تَتَوَفَّرْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ مُعْجِزَاتِهِمْ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ، لَكِنْ ثَبَتَ صِدْقُهُمْ بِالنَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ مِنْ نَبِيٍّ ذِي مُعْجِزَةٍ. وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ لِلذَّكَرِ وَمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَيَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﵇ عَدَدًا يَسِيرًا ثُمَّ يَنْقُلُونَهُ آحَادًا وَلَا يَسْتَفِيضُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ فِي الصُّدُورِ وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى التَّحَدُّثِ بِهِ دَائِمًا. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ] ُ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ. وَهُوَ جُمْلَةُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَالْعِبَادَاتِ مِمَّا عَدَا الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْرَفْ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ. فَإِنْ قِيلَ: عَدَمُ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى صِدْقِهِ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ صِدْقًا لَمَا أَخْلَانَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ دَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهِ. قُلْنَا وَلِمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُخْلِيَنَا عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ عَلَى صِدْقِهِ؟ وَلَوْ قَلَبَ هَذَا وَقِيلَ: يَعْلَمُ صِدْقَهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَمَا أَخَلَانَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ عَلَى كَذِبِهِ، لَكَانَ مُقَاوِمًا لِهَذَا الْكَلَامِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يُقْطَعَ بِكَذِبِ كُلِّ شَاهِدٍ لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَكُفْرِ كُلِّ قَاضٍ وَمُفْتٍ وَفُجُورِهِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ إسْلَامُهُ وَوَرَعُهُ بِقَاطِعٍ؟ وَكَذَا كُلُّ قِيَاسٍ وَدَلِيلٍ فِي الشَّرْعِ لَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ فَلْيُقْطَعْ بِبُطْلَانِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ التَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ إذَا لَمْ تَظْهَرْ مُعْجِزَةٌ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الَّذِي كَلَّفَنَا تَصْدِيقَهُ، وَتَصْدِيقُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُحَالٌ وَتَكْلِيفُ الْمُحَالِ مُحَالٌ، فَبِهِ عَلِمْنَا أَنَّا لَمْ نُكَلَّفْ تَصْدِيقَهُ فَلَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْنَا قَطْعًا. أَمَّا خَبَرُ الْوَاحِدِ وَشَهَادَةُ الِاثْنَيْنِ فَلَمْ نُتَعَبَّدْ فِيهِ بِالتَّصْدِيقِ، بَلْ بِالْعَمَلِ عِنْدَ ظَنِّ الصِّدْقِ، وَالظَّنُّ حَاصِلٌ، وَالْعَمَلُ مُمْكِنٌ، وَنَحْنُ مُصِيبُونَ وَإِنْ كَانَ هُوَ كَاذِبًا. وَلَوْ عَلِمْنَا

стр. 114

بِقَوْلِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ فَنَحْنُ مُخْطِئُونَ وَإِنْ كَانَ هُوَ صَادِقًا. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا وَجَبَ إقَامَةُ الْمُعْجِزَةِ لِنَعْرِفَ صِدْقَهُ فَنَتَّبِعَهُ فِيمَا يُشَرِّعُهُ فَلْيَجِبْ عَلَيْهِ إزَالَةُ الشَّكِّ فِيمَا يُبَلِّغُ مِنْ الشَّرْعِ بِالْمُشَافَهَةِ وَالْإِشَاعَةِ إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ لِيَحْصُلَ الْعِلْمُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُشَافِهْهُ بِهِ. قُلْنَا لَا اسْتِحَالَةَ فِي أَنْ يَقْسِمَ الشَّارِعُ شَرْعَهُ إلَى مَا يُتَعَبَّدُ فِيهِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَيَجِبُ فِيهِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَإِلَى مَا يُتَعَبَّدُ فِيهِ بِالْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ، فَيَكُونُ فَرْضَ مَنْ يَسْمَعُ مِنْ الرَّسُولِ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ جَمِيعًا وَفَرْضَ مَنْ غَابَ الْعَمَلُ دُونَ الْعِلْمِ، وَيَكُونُ الْعَمَلُ مَنُوطًا بِظَنِّ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ هُوَ كَاذِبًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا الظَّنُّ الْحَاصِلُ مِنْ قِيَاسٍ وَقَوْلِ شَاهِدِ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي. مَعَ النُّكُولِ، فَلَا نُحِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ [الْقِسْمُ الثَّانِي فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ وَفِيهِ أَبْوَابٌ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إثْبَاتِ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِد مَعَ قُصُورِهِ عَنْ إفَادَةِ الْعِلْمِ] الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْأَصْلِ: فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ وَفِيهِ أَبْوَابٌ الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي إثْبَاتِ التَّعَبُّدِ بِهِ مَعَ قُصُورِهِ عَنْ إفَادَةِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةٌ: اعْلَمْ أَنَّا نُرِيدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا لَا يَنْتَهِي مِنْ الْأَخْبَارِ إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ. الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ، فَمَا نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ مَثَلًا فَهُوَ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا قَوْلُ الرَّسُولِ ﵇ مِمَّا عُلِمَ صِحَّتُهُ فَلَا يُسَمَّى خَبَرَ الْوَاحِدِ. وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّا لَا نُصَدِّقُ بِكُلِّ مَا نَسْمَعُ، وَلَوْ صَدَّقْنَا وَقَدَّرْنَا تَعَارُضَ خَبَرَيْنِ فَكَيْفَ نُصَدِّقُ بِالضِّدَّيْنِ وَمَا حُكِيَ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْعِلْمَ فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ؛ إذْ يُسَمَّى الظَّنُّ عِلْمًا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: يُورِثُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ وَإِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ. وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَإِنَّهُ أَرَادَ الظَّاهِرَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرُ الْإِيمَانِ دُونَ الْبَاطِنِ الَّذِي لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ، وَالْإِيمَانُ بِاللِّسَانِ يُسَمَّى إيمَانًا مَجَازًا. وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَأَنَّ الْخَبَرَ لَوْ لَمْ يُفِدْ الْعِلْمَ لَمَا جَازَ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مَنْعُ الشَّاهِدِ عَنْ جَزْمِ الشَّهَادَةِ إلَّا بِمَا يَتَحَقَّقُ. وَأَمَّا الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَمَعْلُومُ الْوُجُوبِ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ أَوْجَبَ الْعَمَلَ عِنْدَ ظَنِّ الصِّدْقِ، وَالظَّنُّ حَاصِلٌ قَطْعًا وَوُجُوبُ الْعَمَلِ عِنْدَهُ مَعْلُومٌ قَطْعًا، كَالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ [مَسْأَلَةٌ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] مَسْأَلَةٌ: أَنْكَرَ مُنْكِرُونَ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ سَمْعًا ، فَيُقَالُ لَهُمْ مِنْ أَيْنَ عَرَفْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ أَبِالضَّرُورَةِ وَنَحْنُ نُخَالِفُكُمْ فِيهِ وَلَا نِزَاعَ فِي الضَّرُورَةِ؟ أَوْ بِدَلِيلٍ؟ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى إثْبَاتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَالًا لَكَانَ يَسْتَحِيلُ إمَّا لِذَاتِهِ أَوْ لِمَفْسَدَةٍ تَتَوَلَّدُ مِنْهُ، وَلَا يَسْتَحِيلُ لِذَاتِهِ وَلَا الْتِفَاتٍ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَيْضًا لَوْ الْتَفَتْنَا إلَيْهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الْمَفْسَدَةِ. فَإِنْ قِيلَ وَجْهُ الْمَفْسَدَةِ أَنْ يَرْوِيَ الْوَاحِدُ خَبَرًا فِي سَفْكِ دَمٍ أَوْ فِي اسْتِحْلَالِ بُضْعٍ وَرُبَّمَا يَكْذِبُ فَيُظَنُّ أَنَّ سَفْكَ الدَّمِ هُوَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَكُونُ بِأَمْرِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْهُجُومُ بِالْجَهْلِ؟ وَمَنْ شَكَكْنَا فِي إبَاحَةِ بُضْعِهِ وَسَفْكِ دَمِهِ فَلَا يَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَيْهِ بِالشَّكِّ، فَيَقْبُحُ مِنْ الشَّارِعِ حَوَالَةُ الْخَلْقِ عَلَى الْجَهْلِ وَاقْتِحَامِ الْبَاطِلِ بِالتَّوَهُّمِ، بَلْ إذَا أَمَرَ اللَّهُ

стр. 115

تَعَالَى بِأَمْرٍ فَلْيُعَرِّفْنَا أَمْرَهُ لِنَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ إمَّا مُمْتَثِلُونَ أَوْ مُخَالِفُونَ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ إنْ صَدَرَ مِمَّنْ يُنْكِرُ الشَّرَائِعَ فَنَقُولُ: أَيُّ اسْتِحَالَةٍ فِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ إذَا طَارَ بِكُمْ طَائِرٌ وَظَنَنْتُمُوهُ غُرَابًا فَقَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ كَذَا وَكَذَا وَجَعَلْتُ ظَنَّكُمْ عَلَامَةَ وُجُوبِ الْعَمَلِ كَمَا جَعَلْتُ زَوَالَ الشَّمْسِ عَلَامَةَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ. فَيَكُونُ نَفْسُ الظَّنِّ عَلَامَةَ الْوُجُوبِ وَالظَّنُّ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ وُجُودُهُ، فَيَكُونُ الْوُجُوبُ مَعْلُومًا، فَمَنْ أَتَى بِالْوَاجِبِ عِنْدَ الظَّنِّ فَقَدْ امْتَثَلَ قَطْعًا وَأَصَابَ. فَإِذَا جَازَ أَنْ يَجْعَلَ الزَّوَالَ أَوْ ظَنَّ كَوْنِهِ غُرَابًا عَلَامَةً فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ ظَنَّهُ عَلَامَةً؟ وَيُقَالُ لَهُ: إذَا ظَنَنْتَ صِدْقَ الرَّاوِي وَالشَّاهِدِ وَالْحَالِفِ فَاحْكُمْ بِهِ وَلَسْتَ مُتَعَبَّدًا بِمَعْرِفَةِ صِدْقِهِ وَلَكِنْ بِالْعَمَلِ عِنْدَ ظَنِّ صِدْقِهِ وَأَنْتَ مُصِيبٌ وَمُمْتَثِلُ صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ، وَلَسْتَ مُتَعَبَّدًا بِالْعِلْمِ بِصِدْقِهِ وَلَكِنْ بِالْعَمَلِ عِنْدَ ظَنِّكِ الَّذِي تُحِسُّهُ مِنْ نَفْسِكَ، وَهَذَا مَا نَعْتَقِدُهُ فِي الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا صَدَرَ هَذَا مِنْ مُقِرٍّ بِالشَّرْعِ فَلَا يُتَمَكَّنُ مِنْهُ لِأَنَّهُ تُعُبِّدَ بِالْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ وَالْفَتْوَى وَمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ وَخَبَرِ الرَّسُولِ ﷺ فَهَذِهِ خَمْسَةٌ. ثُمَّ الشَّهَادَةُ قَدْ يُقْطَعُ بِهَا كَشَهَادَةِ الرَّسُولِ ﷺ وَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ صَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَشَهَادَةِ مُوسَى وَهَارُونَ وَالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَقَدْ يُظَنُّ ذَلِكَ كَشَهَادَةِ غَيْرِهِمْ. ثُمَّ أُلْحِقَ الْمَظْنُونُ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ فَتْوَى النَّبِيِّ ﷺ وَحُكْمُهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَفَتْوَى سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَحُكْمُ سَائِرِ الْقُضَاةِ مَظْنُونٌ وَأُلْحِقَ بِالْمَعْلُومِ وَالْكَعْبَةُ تُعْلَمُ قَطْعًا بِالْعِيَانِ وَتُظَنُّ بِالِاجْتِهَادِ، وَعِنْدَ الظَّنِّ يَجِبُ الْعَمَلُ كَمَا يَجِبُ عِنْدَ الْمُشَاهَدَةِ، فَكَذَلِكَ خَبَرُ الرَّسُولِ ﷺ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ عِنْدَ التَّوَاتُرِ. فَلِمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُلْحَقَ الْمَظْنُونُ بِالْمَعْلُومِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ خَاصَّةً وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ فِي مَفْسَدَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ أَصْلًا؟ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ؟ قُلْنَا قَالَ قَوْمٌ يَجُوزُ بِشَرْطِ ظَنِّ الصِّدْقِ. وَهَذَا الشَّرْطُ عِنْدَنَا فَاسِدٌ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ حَرَكَةُ الْفَلَكِ عَلَامَةَ التَّعَبُّدِ بِالصَّلَاةِ فَحَرَكَةُ لِسَانِ الْفَاسِقِ يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ عَلَامَةً، فَتَكْلِيفُ الْعَمَلِ عِنْدَ وُجُودِ الْخَبَرِ شَيْءٌ وَكَوْنُ الْخَبَرِ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا شَيْءٌ آخَرُ. [مَسْأَلَةٌ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِدَلِيلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُفْتِي إذَا لَمْ يَجِدْ دَلِيلًا قَاطِعًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ وَوُجِدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لَتَعَطَّلَتْ الْأَحْكَامُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا كَانَ مَبْعُوثًا إلَى أَهْلِ الْعَصْرِ يَحْتَاجُ إلَى إنْفَاذِ الرُّسُلِ؛ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُشَافَهَةِ الْجَمِيعِ وَلَا إشَاعَةِ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ عَلَى التَّوَاتُرِ إلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ إذْ لَوْ أَنْفَذَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ إلَى كُلِّ قُطْرٍ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ أَهْلُ مَدِينَتِهِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْمُفْتِي إذَا فَقَدَ الْأَدِلَّةَ الْقَاطِعَةَ يَرْجِعُ إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَالِاسْتِصْحَابِ، كَمَا لَوْ فَقَدَ خَبَرَ الْوَاحِدِ أَيْضًا. وَأَمَّا الرَّسُولُ ﷺ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَبْلِيغِهِ، فَمِنْ النَّاسِ فِي الْجَزَائِرِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ، فَلَيْسَ تَكْلِيفُ الْجَمِيعِ وَاجِبًا نَعَمْ لَوْ تُعُبِّدَ نَبِيٌّ بِأَنْ يُكَلِّفَ جَمِيعَ الْخَلْقِ وَلَا يُخْلِي وَاقِعَةً عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا شَخْصًا عَنْ التَّكْلِيفِ فَرُبَّمَا يَكُونُ الِاكْتِفَاءُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ

стр. 116

ضَرُورَةً فِي حَقِّهِ. وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ قَالُوا: صِدْقُ الرَّاوِي مُمْكِنٌ، فَلَوْ لَمْ نَعْمَلْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّا قَدْ تَرَكْنَا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَ رَسُولِهِ ﷺ ، فَالِاحْتِيَاطُ وَالْحَزْمُ فِي الْعَمَلِ. وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ كَذِبَهُ مُمْكِنٌ، فَرُبَّمَا يَكُونُ عَمَلُنَا بِخِلَافِ الْوَاجِبِ. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ لِأَنَّ صِدْقَهُ مُمْكِنٌ الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٌ بِالْعَقْلِ وَالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَلَا تُرْفَعُ بِالْوَهْمِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ قَوْمٌ فِي نَفْيِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَهُوَ أَقْوَمُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ الصِّدْقَ إذَا كَانَ مُمْكِنًا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. مَسْأَلَةٌ: الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ التَّعَبُّدُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا وَلَا يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا وَأَنَّ التَّعَبُّدَ بِهِ وَاقِعٌ سَمْعًا وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ تَابَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ كَالْقَاشَانِيِّ بِتَحْرِيمِ الْعَمَلِ بِهِ سَمْعًا. وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ مَسْلَكَانِ قَاطِعَانِ: أَحَدُهُمَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ: عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَالثَّانِي: تَوَاتُرُ الْخَبَرِ بِإِنْفَاذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوُلَاةَ وَالرُّسُلَ إلَى الْبِلَادِ وَتَكْلِيفِهِ إيَّاهُمْ تَصْدِيقَهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ مِنْ الشَّرْعِ. وَنَحْنُ نُقَرِّرُ هَذَيْنِ الْمَسْلَكَيْنِ: الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: مَا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي وَقَائِعَ شَتَّى لَا تَنْحَصِرُ وَإِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ آحَادُهَا فَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَجْمُوعِهَا، وَنَحْنُ نُشِيرُ إلَى بَعْضِهَا: فَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ، مِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ الْجَنِينِ وَقِيَامُهُ فِي ذَلِكَ يَقُولُ: أُذَكِّرُ اللَّهَ امْرَأً سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فِي الْجَنِينِ فَقَامَ إلَيْهِ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ وَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ جَارَتَيْنِ يَعْنِي ضَرَّتَيْنِ - فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ» . فَقَالَ عُمَرُ لَوْ لَمْ نَسْمَعْ هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا، أَيْ لَمْ نَقْضِ بِالْغُرَّةِ أَصْلًا. وَقَدْ انْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا لِلشَّكِّ فِي أَصْلِ حَيَاتِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ﵁ كَانَ لَا يَرَى تَوْرِيثَ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُورِثَ امْرَأَةَ أَشْيَمِ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ رَجَعَ إلَى ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ الْمَجُوسِ أَنَّهُ قَالَ: " مَا أَدْرِي مَا الَّذِي أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ وَقَالَ: " أَنْشُدُ اللَّهَ امْرَأً سَمِعَ فِيهِ شَيْئًا إلَّا رَفَعَهُ إلَيْنَا " فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَشْهَدُ لَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» فَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ. وَمِنْهَا مَا ظَهَرَ مِنْهُ وَمِنْ عُثْمَانَ ﵁ وَجَمَاهِيرِ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ سُقُوطِ فَرْضِ الْغُسْلِ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِخَبَرِ عَائِشَةَ ﵂ وَقَوْلِهَا «: فَعَلْتُ ذَلِكَ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَاغْتَسَلْنَا. وَمِنْ ذَلِكَ مَا صَحَّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَضَى فِي السُّكْنَى بِخَبَرِ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ إلَيْهَا وَسَأَلَهَا. وَمِنْهَا مَا ظَهَرَ مِنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَبُولِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَاسْتِظْهَارِهِ بِالْيَمِينِ، حَتَّى قَالَ فِي الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: كُنْتُ إذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ أَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ صَدَّقْتُهُ،

стр. 117

وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يُصِيبُ ذَنْبًا» الْحَدِيثَ، فَكَانَ يُحَلِّفُ الْمُخْبِرَ لَا لِتُهْمَةٍ بِالْكَذِبِ وَلَكِنْ لِلِاحْتِيَاطِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ نَقْلًا بِالْمَعْنَى وَلِئَلَّا يُقْدِمَ عَلَى الرِّوَايَةِ بِالظَّنِّ بَلْ عِنْدَ السَّمَاعِ الْمُحَقَّقِ. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَصْدُرَ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَأَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافَهُ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ هَلْ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَتْهُ، فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَضْحَكُ وَيَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أُرَاكَ إلَّا قَدْ صَدَقْتَ وَرَجَعَ إلَى مُوَافَقَتِهِ بِخَبَرِ الْأَنْصَارِيَّةِ. وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخِ تَمْرٍ، إذْ أَتَانَا آتٍ فَقَالَ: إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ إلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا فَقُمْت إلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ. وَمِنْهَا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ قُبَاءَ فِي التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُمْ أَتَاهُمْ آتٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِنَسْخِ الْقِبْلَةِ فَانْحَرَفُوا إلَى الْكَعْبَةِ بِخَبَرِهِ. وَمِنْهَا مَا ظَهَرَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَقَدْ قِيلَ إنَّ فُلَانًا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ ﵇، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﵇، ثُمَّ ذَكَرَ مُوسَى وَالْخَضِرَ بِشَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ هُوَ مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ» ، فَتَجَاوَزَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبَادَرَ إلَى التَّكْذِيبِ بِأَصْلِهِ وَالْقَطْعِ بِذَلِكَ لِأَجْلِ خَبَرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمِنْهَا أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَ مُعَاوِيَةُ شَيْئًا مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إنِّي لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ مُعَاوِيَةَ؟ أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَبَدًا. وَمِنْهَا مَا اشْتَهَرَ عَنْ جَمِيعِهِمْ فِي أَخْبَارٍ لَا تُحْصَى الرُّجُوعُ إلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَمَيْمُونَةَ وَحَفْصَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِنَّ وَإِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ مِمَّنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَإِلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمَوَالِي وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ سُنَّةُ التَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ﵁ يُعَوِّلُ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ. وَكَذَلِكَ كَانَ حَالُ طَاوُوسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّرْفِ، فَيُثْبِتُ حَدِيثُهُ سُنَّةً، وَيَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ. وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» وَيَعْتَرِضُ بِذَلِكَ عَلَى قَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَيَنْقُضُ عُمَرُ قَضَاءَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ مَيْسَرَةُ بِالْيَمَنِ وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ فُقَهَاءُ الْبَصْرَةِ كَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَتَابِعُوهُمْ كَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالشَّعْبِيِّ وَمَسْرُوقٍ، وَعَلَيْهِ جَرَى مَنْ

стр. 118

بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فِي عَصْرٍ، وَلَوْ كَانَ نَكِيرٌ لَنُقِلَ وَلَوَجَبَ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ اشْتِهَارُهُ وَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ كَمَا تَوَفَّرَتْ عَلَى نَقْلِ الْعَمَلِ بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ السَّلَفِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ حَدَثَ بَعْدَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُمْ عَمِلُوا بِهَا مَعَ قَرَائِنَ أَوْ بِأَخْبَارٍ أُخَرَ صَاحَبَتْهَا أَوْ ظَوَاهِرَ وَمَقَايِيسَ وَأَسْبَابٍ قَارَنَتْهَا لَا بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ كَمَا زَعَمْتُمْ كَمَا قُلْتُمْ عَمَلُهُمْ بِالْعُمُومِ، وَصِيغَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَيْسَ نَصًّا صَرِيحًا عَلَى أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمُجَرَّدِهَا بَلْ بِهَا مَعَ قَرَائِنَ قَارَنَتْهَا. قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ لَفْظًا إنَّمَا عَمِلْنَا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَعُمُومٍ، وَقَدْ قَالُوا هَهُنَا: لَوْلَا هَذَا لَقَضَيْنَا بِغَيْرِ هَذَا، وَصَرَّحَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ بِرُجُوعِهِمْ عَنْ الْمُخَابَرَةِ بِخَبَرِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَرُجُوعِهِمْ فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِخَبَرِ عَائِشَةَ ﵂، كَيْفَ وَصِيغَةُ الْعُمُومِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قَطُّ لَا تَنْفَكُّ عَنْ قَرِينَةٍ مِنْ حَالِ الْمَأْمُورِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ وَالْأَمْرِ؟ أَمَّا مَا يَرْوِيهِ الرَّاوِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَاذَا يَقْتَرِنُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ دَلِيلًا بِسَبَبِهِ؟ فَتَقْدِيرُ ذَلِكَ كَتَقْدِيرِ قَرَائِنَ فِي عَمَلِهِمْ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَبِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَبِالْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ يُبْطِلُ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَمُنَاشَدَتُهُمْ فِي طَلَبِ الْأَخْبَارِ لَا دَاعِيَ لَهَا إلَّا الْعَمَلَ بِهَا. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ أَيْضًا. قُلْنَا: ذَلِكَ لِفَقْدِهِمْ شَرْطَ قَبُولِهَا كَمَا سَيَأْتِي، وَكَمَا تَرَكُوا الْعَمَلَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَبِأَخْبَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ لِاطِّلَاعِهِمْ عَلَى نَسْخِهَا أَوْ فَوَاتِ الْأَمْرِ وَانْقِرَاضِ مَنْ كَانَ الْخِطَابُ الثَّانِي مُتَعَلِّقًا بِهِ. الدَّلِيلُ الثَّانِي: مَا تَوَاتَرَ مِنْ إنْفَاذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمَرَاءَهُ وَقُضَاتَهُ وَرُسُلَهُ وَسُعَاتَهُ إلَى الْأَطْرَافِ وَهُمْ آحَادٌ وَلَا يُرْسِلُهُمْ إلَّا لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَحَلِّ الْعُهُودِ وَتَقْرِيرِهَا وَتَبْلِيغِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَمِنْ ذَلِكَ تَأْمِيرُهُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَلَى الْمَوْسِمِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَإِنْفَاذُهُ سُورَةَ بَرَاءَةٍ مَعَ عَلِيٍّ، وَتَحْمِيلُهُ فَسْخَ الْعُهُودِ وَالْعُقُودِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ﷺ . وَمِنْ ذَلِكَ تَوْلِيَتُهُ عُمَرَ ﵁ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَتَوْلِيَتُهُ مُعَاذًا قَبْضَ صَدَقَاتِ الْيَمَنِ وَالْحُكْمَ عَلَى أَهْلِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ إنْفَاذُهُ ﷺ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ مُتَحَمِّلًا وَرَسُولًا مُؤَدِّيًا عَنْهُ، حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ قُرَيْشًا قَتَلَتْهُ، فَقَلِقَ لِذَلِكَ وَبَايَعَ لِأَجْلِهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَقَالَ: «وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ لِأُضْرِمَنَّهَا عَلَيْهِمْ نَارًا» . وَمِنْ ذَلِكَ تَوْلِيَتُهُ ﷺ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَالْجِبَايَاتِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَمَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَغَيْرهُمْ مِمَّنْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُلْزِمُ أَهْلَ النَّوَاحِي قَبُولَ قَوْلِ رُسُلِهِ وَسُعَاتِهِ وَحُكَّامِهِ، وَلَوْ احْتَاجَ فِي كُلِّ رَسُولٍ إلَى تَنْفِيذِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مَعَهُ لَمْ يَفِ بِذَلِكَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَخَلَتْ دَارُ هِجْرَتِهِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَأَنْصَارِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ أَعْدَاؤُهُ مِنْ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ وَفَسَدَ النِّظَامُ وَالتَّدْبِيرُ، وَذَلِكَ وَهْمٌ بَاطِلٌ قَطْعًا. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ قَدْ أَعْلَمَهُمْ ﷺ تَفْصِيلَ الصَّدَقَاتِ شِفَاهًا وَبِأَخْبَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ وَإِنَّمَا بَعَثَهُمْ لِقَبْضِهَا قُلْنَا وَلِمَ وَجَبَ تَصْدِيقُهُمْ فِي دَعْوَى الْقَبْضِ وَهُمْ آحَادٌ؟ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَعْثُهُ ﷺ فِي الصَّدَقَاتِ فَقَطْ بَلْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهِمْ الدِّينَ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَتَعْرِيفِ وَظَائِفِ الشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلْيَجِبْ عَلَيْهِمْ قَبُولُ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ بَلْ أَصْلِ الدَّعْوَةِ وَالرِّسَالَةِ

стр. 119

وَالْمُعْجِزَةِ. قُلْنَا: أَمَّا أَصْلُ الزَّكَاةِ وَالصَّلَاةِ فَكَانَ يَجِبُ قَبُولُهُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْفُذُونَ لِشَرْحِ وَظَائِفِ الشَّرْعِ بَعْدَ انْتِشَارِ أَصْلِ الدَّعْوَةِ، وَأَمَّا أَصْلُ الرِّسَالَةِ وَالْإِيمَانِ وَأَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فَلَا، إذْ كَيْفَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ تَصْدِيقِي وَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا بِرِسَالَتِهِ؟ أَمَّا بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِهِ فَيُمْكِنُ الْإِصْغَاءُ إلَى رُسُلِهِ بِإِيجَابِهِ الْإِصْغَاءَ إلَيْهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا يَجِبُ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا دَلَّ قَاطِعٌ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ كَمَا دَلَّ الْإِجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ عِنْدَكُمْ، فَأُولَئِكَ بِمَاذَا صَدَّقُوا الْوُلَاةَ فِي قَوْلِهِمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ الْعَمَلُ بِقَوْلِنَا؟ قُلْنَا: قَدْ كَانَ تَوَاتَرَ إلَيْهِمْ مِنْ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُنْفِذُ الْوُلَاةَ وَالرُّسُلَ آحَادًا كَسَائِرِ الْأَكَابِرِ وَالرُّؤَسَاءِ، وَلَوْلَا عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ لَجَازَ لِلْمُتَشَكِّكِ أَنْ يُجَادِلَ فِيهِ إذَا عَرَضَ لَهُ شَكٌّ، وَلَكِنْ قَلَّ مَا يَعْرِضُ الشَّكُّ فِيهِ مَعَ الْقَرَائِنِ، فَإِنَّ الَّذِي يَدْخُلُ بِلَادَنَا مَعَ مَنْشُورِ الْقَضَاءِ قَدْ لَا يُخَالِجُنَا رَيْبٌ فِي صِدْقِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَاتَرْ إلَيْنَا، وَلَكِنْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْمَعْرِفَةِ لِخَطِّ الْكَاتِبِ وَبِبُعْدِ جُرْأَتِهِ عَلَى الْكَذِبِ مَعَ تَعَرُّضِهِ لِلْخَطَرِ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ. الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَامِّيَّ بِالْإِجْمَاعِ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الْمُفْتِي وَتَصْدِيقِهِ مَعَ أَنَّهُ رُبَّمَا يُخْبِرُ عَنْ ظَنِّهِ، فَاَلَّذِي يُخْبِرُ بِالسَّمَاعِ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ أَوْلَى بِالتَّصْدِيقِ، وَالْكَذِبُ وَالْغَلَطُ جَائِزَانِ عَلَى الْمُفْتِي كَمَا عَلَى الرَّاوِي، بَلْ الْغَلَطُ عَلَى الرَّاوِي أَبْعَدُ لِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ وَإِنْ كَانَ مُصِيبًا فَإِنَّمَا يَكُونُ مُصِيبًا إذَا لَمْ يُقَصِّرْ فِي إتْمَامِ النَّظَرِ، وَرُبَّمَا يُظَنُّ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ وَيَكُونُ قَدْ قَصَّرَ. وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَقْلِيدَ مُقَلِّدِ الشَّافِعِيِّ ﵀ إذَا نَقَلَ مَذْهَبَهُ أَوْقَعُ لِأَنَّهُ يَرْوِي مَذْهَبَ غَيْرِهِ فَكَيْفَ لَا يَرْوِي قَوْلَ غَيْرِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا قِيَاسٌ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأُصُولِ بِالظَّنِّ وَالْقِيَاسِ، وَالْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَصْلٌ، كَيْفَ وَلَا يَنْقَدِحُ وَجْهُ الظَّنِّ؟ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ مِمَّا يُضْطَرُّ إلَيْهِ، وَلَوْ كُلِّفَ آحَادُ الْعَوَامّ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُضْطَرٌّ إلَى تَقْلِيدِ الْمُفْتِي. قُلْنَا: لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إذْ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى الْمَعْرِفَةِ، كَمَا وَجَبَ عَلَى الْمُفْتِي بِزَعْمِكُمْ إذَا بَلَغَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ أَنْ يَرُدَّ الْخَبَرَ فَيَرْجِعَ إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّوَاتُرُ. ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ هَذَا قِيَاسًا مَظْنُونًا بَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ بِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَنْكِحَةِ لَقَطَعْنَا بِهِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْأَمْرُ بِاخْتِلَافِ الْمَرْوِيِّ، وَهَهُنَا لَمْ يَخْتَلِفْ إلَّا الْمُخْبَرُ عَنْهُ فَإِنَّ الْمُفْتِيَ يُخْبِرُ عَنْ ظَنِّ نَفْسِهِ وَالرَّاوِيَ عَنْ قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ فِي حَقِّ الشَّاهِدَيْنِ بَيْنَ أَنْ يُخْبِرَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا أَوْ عَنْ غَيْرِهِمَا إذَا شَهِدَا عَلَى عَدَالَةِ غَيْرِهِمَا أَوْ يُخْبِرَا عَنْ ظَنِّ أَنْفُسِهِمَا الْعَدَالَةَ فِي غَيْرِهِمَا. الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَالطَّائِفَةُ نَفَرٌ يَسِيرٌ كَالثَّلَاثَةِ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ قَاطِعًا فَهُوَ فِي وُجُوبِ الْإِنْذَارِ لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَى الْمُنْذَرِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمُنْذِرِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ إقَامَةُ الشَّهَادَةِ لَا لِيَعْمَلَ بِهَا وَحْدَهَا، لَكِنْ إذَا انْضَمَّ غَيْرُهَا إلَيْهَا. وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ هُوَ الَّذِي يُضَعِّفُ أَيْضًا التَّمَسُّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] وَبِقَوْلِهِ ﷺ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» الْحَدِيثَ وَأَمْثَالُهُمَا. ثُمَّ

стр. 120

اعْلَمْ أَنَّ الْمُخَالِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَهُ شُبْهَتَانِ: الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: لَا مُسْتَنَدَ فِي إثْبَاتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إلَّا الْإِجْمَاعَ، فَكَيْفَ يَدَّعِي ذَلِكَ وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا وَقَدْ رَدَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ؟ فَمِنْ ذَلِكَ تَوَقُّفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَبُولِ خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ حَيْثُ سَلَّمَ عَنْ اثْنَتَيْنِ حَتَّى سَأَلَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَشَهِدَا بِذَلِكَ وَصَدَّقَاهُ، ثُمَّ قَبِلَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَمِنْ ذَلِكَ رَدُّ أَبِي بَكْرٍ ﵁ خَبَرَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مِنْ مِيرَاثِ الْجَدِّ حَتَّى أَخْبَرَهُ مَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. وَمِنْ ذَلِكَ رَدُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خَبَرَ عُثْمَانَ ﵃ فِيمَا رَوَاهُ مِنْ اسْتِئْذَانِهِ الرَّسُولَ فِي رَدِّ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَطَالَبَاهُ بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَهُ بِذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا اُشْتُهِرَ مِنْ رَدِّ عُمَرَ ﵁ خَبَرَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي الِاسْتِئْذَانِ حَتَّى شَهِدَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁. وَمِنْ ذَلِكَ رَدُّ عَلِيٍّ ﵁ خَبَرَ أَبِي سِنَانٍ الْأَشْجَعِيِّ فِي قِصَّةِ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّفُ عَلَى الْحَدِيثِ. وَمِنْ ذَلِكَ رَدُّ عَائِشَةَ ﵂ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَظَهَرَ مِنْ عُمَرَ نَهْيُهُ لِأَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ الْحَدِيثِ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ. وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ عَدَدًا فِي الرَّاوِي لَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ التَّوَاتُرَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا فَيَنْتَظِرُوا التَّوَاتُرَ. لَكِنَّا نَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ: الَّذِي رَوَيْنَاهُ قَاطِعٌ فِي عَمَلِهِمْ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ رَدٌّ لِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ تَقْتَضِي الرَّدَّ وَلَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْأَصْلِ، كَمَا أَنَّ رَدَّهُمْ بَعْضَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَتَرْكَهُمْ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ وَرَدَّ الْقَاضِي بَعْضَ أَنْوَاعِ الشَّهَادَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْأَصْلِ. وَنَحْنُ نُشِيرُ إلَى جِنْسِ الْمَعَاذِيرِ فِي رَدِّ الْأَخْبَارِ وَالتَّوَقُّفِ فِيهَا: أَمَّا تَوَقُّفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فَيَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ جَوَّزَ الْوَهْمَ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ وَبَعْدَ انْفِرَادِهِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مَعَ غَفْلَةِ الْجَمِيعِ إذْ الْغَلَطُ عَلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ الْغَفْلَةِ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ، وَحَيْثُ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْوَهْمِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ. الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ عُلِمَ صِدْقُهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ تَوَقُّفِهِ أَنْ يُعْلِمَهُمْ وُجُوبَ التَّوَقُّفِ فِي مِثْلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَوَقَّفْ لَصَارَ التَّصْدِيقُ مَعَ سُكُوتِ الْجَمَاعَةِ سُنَّةً مَاضِيَةً، فَحَسَمَ سَبِيلَ ذَلِكَ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا لَوْ عُلِمَ صِدْقًا لَظَهَرَ أَثَرُهُ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ وَاشْتَغَلَتْ ذِمَّتُهُمْ فَأُلْحِقَ بِقَبِيلِ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ، وَالْأَقْوَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. نَعَمْ لَوْ تَعَلَّقَ بِهَذَا مَنْ يَشْتَرِطُ عَدَدَ الشَّهَادَةِ فَيَلْزَمُهُ اشْتِرَاطُ ثَلَاثَةٍ وَيَلْزَمُهُ أَنْ تَكُونَ فِي جَمْعٍ يَسْكُتُ عَلَيْهِ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ. أَمَّا تَوَقُّفُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ فَلَعَلَّهُ كَانَ هُنَاكَ وَجْهٌ اقْتَضَى التَّوَقُّفَ، وَرُبَّمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، أَوْ لِيَنْظُرَ أَنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرٌّ أَوْ مَنْسُوخٌ أَوْ لِيَعْلَمَ هَلْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِثْلُ مَا عِنْدَهُ. لِيَكُونَ الْحُكْمُ أَوْكَدَ أَوْ خِلَافَهُ فَيَنْدَفِعَ، أَوْ تَوَقَّفَ فِي انْتِظَارِ اسْتِظْهَارٍ بِزِيَادَةٍ كَمَا يَسْتَظْهِرُ الْحَاكِمُ بَعْدَ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ عَلَى جَزْمِ الْحُكْمِ إنْ لَمْ يُصَادِفْ الزِّيَادَةَ لَا عَلَى عَزْمِ الرَّدِّ أَوْ أَظْهَرَ التَّوَقُّفَ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْإِقْدَامُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ تَسَاهُلٍ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ ثَبَتَ مِنْهُ قَطْعًا قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ. وَأَمَّا رَدُّ حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي حَقِّ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَلِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ إثْبَاتِ حَقٍّ لِشَخْصٍ فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ لَا تَثْبُتُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، أَوْ تَوَقَّفَ لِأَجْلِ قَرَابَةِ عُثْمَانَ مِنْ الْحَكَمِ وَقَدْ كَانَ

стр. 121

مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ كَلِفٌ بِأَقَارِبِهِ فَتَوَقَّفَ تَنْزِيهًا لِعِرْضِهِ وَمَنْصِبِهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِقَرَابَتِهِ حَتَّى ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ، أَوْ لَعَلَّهُمَا تَوَقَّفَا لِيَسُنَّا لِلنَّاسِ التَّوَقُّفَ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ الْمُلَاطَفِ لِيُتَعَلَّمَ مِنْهُمَا التَّثَبُّتُ فِي مِثْلِهِ. وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مُوسَى فِي الِاسْتِئْذَانِ فَقَدْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِيَدْفَعَ بِهِ سِيَاسَةَ عُمَرَ عَنْ نَفْسِهِ لَمَّا انْصَرَفَ عَنْ بَابِهِ بَعْدَ أَنْ قَرَعَ ثَلَاثًا كَالْمُتَرَفِّعِ عَنْ الْمُثُولِ بِبَابِهِ، فَخَافَ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ طَرِيقًا لِغَيْرِهِ إلَى أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ عَلَى حَسَبِ غَرَضِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَشَهِدَ لَهُ قَالَ عُمَرُ: إنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ التَّوَقُّفُ مَعَ انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، كَيْفَ وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لَا تُسَاوِي فِي الشُّهْرَةِ وَالصِّحَّةِ أَحَادِيثَنَا فِي نَقْلِ الْقَوْلِ عَنْهُمْ؟ وَأَمَّا رَدُّ عَلِيٍّ خَبَرَ الْأَشْجَعِيِّ فَقَدْ ذَكَرَ عِلَّتَهُ وَقَالَ: كَيْفَ نَقْبَلُ قَوْلَ أَعْرَابِيٍّ بَوَّالٍ عَلَى ` عَقِبَيْهِ؟ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُ وَضَبْطَهُ، وَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِالْجَفَاءِ وَتَرْكِ التَّنَزُّهِ عَنْ الْبَوْلِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي حَدِيثِ السُّكْنَى: لَا نَدَعْ كِتَابَ رَبّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ. فَهَذَا سَبِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُنْقَلُ مِنْ التَّوَقُّفِ فِي الْأَخْبَارِ. الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: تَمَسُّكُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] وقَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] وَالْجَهَالَةُ فِي قَوْلِ الْعَدْلِ حَاصِلَةٌ. وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ إنْكَارَهُمْ الْقَوْلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِبُرْهَانٍ قَاطِعٍ بَلْ يَجُوزُ الْخَطَأُ فِيهِ، فَهُوَ إذًا حُكْمٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ. الثَّانِي: أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِهِ مَعْلُومٌ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَلَا جَهَالَةَ فِيهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَاتِ مَنْعُ الشَّاهِدِ عَنْ جَزْمِ الشَّهَادَةِ بِمَا لَمْ يُبْصِرْ وَلَمْ يَسْمَعْ وَالْفَتْوَى بِمَا لَمْ يُرْوَ وَلَمْ يَنْقُلْهُ الْعُدُولُ. الرَّابِعُ: أَنَّ هَذَا لَوْ دَلَّ عَلَى رَدِّ خَبَرِ الْوَاحِدِ لَدَلَّ عَلَى رَدِّ شَهَادَةِ الِاثْنَيْنِ وَالْأَرْبَعَةِ وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالْحُكْمِ بِالْيَمِينِ، فَكَمَا عُلِمَ بِالنَّصِّ فِي الْقُرْآنِ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ تَجْوِيزِ الْكَذِبِ فَكَذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَجِبُ تَحْرِيمُ نَصْبِ الْخُلَفَاءِ وَالْقُضَاةِ؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ إيمَانَهُمْ فَضْلًا عَنْ وَرَعِهِمْ وَلَا نَعْلَمُ طَهَارَةَ إمَامِ الصَّلَاةِ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ فَلْيَمْتَنِعْ الِاقْتِدَاءُ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الرَّاوِي وَصِفَتِهِ] وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ فَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ وَافْهَمْ أَوَّلًا أَنَّا لَسْنَا نَعْنِي بِالْقَوْلِ التَّصْدِيقَ وَلَا بِالرَّدِّ التَّكْذِيبَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا قَبُولُ قَوْلِ الْعَدْلِ وَرُبَّمَا كَانَ كَاذِبًا أَوْ غَالِطًا، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ وَرُبَّمَا كَانَ صَادِقًا. بَلْ نَعْنِي بِالْمَقْبُولِ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَبِالْمَرْدُودِ مَا لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ وَالْمَقْبُولُ رِوَايَةُ كُلِّ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ مُسْلِمٍ ضَابِطٍ مُنْفَرِدًا كَانَ بِرِوَايَتِهِ أَوْ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِيهَا. الْأَوَّلُ: أَنَّ رِوَايَةَ الْوَاحِدِ تُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَجَمَاعَةٍ حَيْثُ شَرَطُوا الْعَدَدَ وَلَمْ يَقْبَلُوا إلَّا قَوْلَ رَجُلَيْنِ. ثُمَّ لَا تَثْبُتُ رِوَايَةُ كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا مِنْ رَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ وَإِلَى أَنْ يَنْتَهِي إلَى زَمَانِنَا يَكْثُرُ كَثْرَةً عَظِيمَةً لَا يُقْدَرُ مَعَهَا عَلَى إثْبَاتِ حَدِيثٍ أَصْلًا وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَخْذًا مِنْ شَهَادَةِ الزِّنَا. وَدَلِيلُ بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ أَنَّا نَقُولُ: إذَا

стр. 122

ثَبَتَ قَبُولُ قَوْلِ الْآحَادِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَاشْتِرَاطُ الْعَدَدِ تَحَكُّمٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَعْوَى النَّصِّ وَمَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ طَلَبِ اسْتِظْهَارٍ فَهُوَ فِي وَاقِعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ لِأَسْبَابٍ ذَكَرْنَاهَا أَمَّا مَا قَضَوْا فِيهِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَحْدَهَا وَقَوْلِ زَوْجَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْحَصْرِ فَقَدْ عَلِمْنَا قَطْعًا مِنْ أَحْوَالِهِمْ قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ كَمَا عَلِمْنَا قَطْعًا رَدَّ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ أَخَذُوا مِنْ قِيَاسِ الشَّهَادَةِ فَهُوَ قِيَاسٌ بَاطِلٌ إذْ عُرِفَ مِنْ فِعْلِهِمْ الْفَرْقُ وَلِمَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي شَرْطِ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ وَاشْتُرِطَ فِي أَخْبَارِ الزِّنَا أَرْبَعَةٌ وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ وَاحِدٌ؟ وَالْمَصِيرُ إلَى ذَلِكَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَلَا فَرْقَ إنْ وَجَبَ الْقِيَاسُ. الشَّرْطُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَوَّلُ تَحْقِيقًا، فَإِنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الشُّرُوطِ وَهُوَ التَّكْلِيفُ، فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا وَازِعَ لَهُ مِنْ الْكَذِبِ فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَقَدْ اتَّبَعُوا فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ سُكُونَ النَّفْسِ وَحُصُولَ الظَّنِّ، وَالْفَاسِقُ أَوْثَقُ مِنْ الصَّبِيِّ، فَإِنَّهُ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى وَلَهُ وَازِعٌ مِنْ دِينِهِ وَعَقْلِهِ وَالصَّبِيُّ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى أَصْلًا فَهُوَ مَرْدُودٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّمَسُّكِ بِرَدِّ إقْرَارِهِ، وَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيمَا يَحْكِيهِ عَنْ نَفْسِهِ فَبِأَنْ لَا يُقْبَلَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى، فَإِنَّ هَذَا يَبْطُلُ بِالْعَبْدِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ وَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ. فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِلْكَ السَّيِّدِ وَمِلْكُ السَّيِّدِ مَعْصُومٌ عَنْهُ فَمِلْكُ الصَّبِيِّ أَيْضًا مَحْفُوظٌ عَنْهُ لِمَصْلَحَتِهِ، فَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَدْ يُؤَثِّرُ فِيهِ قَوْلُهُ بَلْ حَالُهُ حَتَّى يَجُوزَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ طَاهِرٌ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا طَاهِرًا، لَكِنَّهُ كَمَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فَكَذَلِكَ بِالصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ، وَشَهَادَةُ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ وَالصَّبِيُّ أَجْرَأَ عَلَى الْكَذِبِ مِنْهُ. أَمَّا إذَا كَانَ طِفْلًا مُمَيِّزًا عِنْدَ التَّحَمُّلِ بَالِغًا عِنْدَ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَا خَلَلَ فِي تَحَمُّلِهِ وَلَا فِي أَدَائِهِ وَيَدُلُّ عَلَى قَبُولِ سَمَاعِهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا تَحَمَّلُوهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ قَبْلَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ دَرَجَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ مِنْ إحْضَارِ الصِّبْيَانِ مَجَالِسَ الرِّوَايَةِ وَمِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ فِيمَا تَحَمَّلُوهُ فِي الصِّغَرِ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَهُمْ. قُلْنَا: ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْقَرَائِنِ إذَا كَثُرُوا وَأَخْبَرُوا قَبْلَ التَّفَرُّقِ، أَمَّا إذَا تَفَرَّقُوا فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِمْ التَّلْقِينُ الْبَاطِلُ وَلَا وَازِعَ لَهُمْ، فَمَنْ قَضَى بِهِ فَإِنَّمَا قَضَى بِهِ لِكَثْرَةِ الْجِنَايَاتِ بَيْنَهُمْ وَلِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مِنْهَاجِ الشَّهَادَةِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ غَيْرُ مُمَيِّزٍ أَوْ كَانَ مُغَفَّلًا لَا يُحْسِنُ ضَبْطَ مَا حَفِظَهُ لِيُؤَدِّيَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَلَا ثِقَةَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ رِوَايَةَ الْكَافِرِ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ وَإِنْ كَانَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلَا يُخَالِفُ فِي رَدِّ رِوَايَتِهِ، وَالِاعْتِمَادِ فِي رَدِّهَا عَلَى الْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ عَلَى سَلْبِهِ أَهْلِيَّةَ هَذَا الْمَنْصِبِ فِي الدِّينِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِ نَفْسِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِنَا الْفَاسِقُ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالْكُفْرُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى. ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا﴾ [الحجرات: ٦] لِأَنَّ الْفَاسِقَ مُتَّهَمٌ لِجُرْأَتِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَالْكَافِرُ الْمُتَرَهِّبُ قَدْ لَا

стр. 123

يُتَّهَمُ لَكِنَّ التَّعْوِيلَ عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي سَلْبِ الْكَافِرِ هَذَا الْمَنْصِبَ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يَتَّجِهُ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِدِينِنَا، إذْ لَا يَلِيقُ فِي السِّيَاسَةِ تَحْكِيمُهُ فِي دِينٍ لَا يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ، فَمَا قَوْلكُمْ فِي الْكَافِرِ الْمُتَأَوِّلِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ قَالَ بِبِدْعَةٍ يَجِبُ التَّكْفِيرُ بِهَا فَهُوَ مُعَظِّمٌ لِلدِّينِ وَمُمْتَنِعٌ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَغَيْرُ عَالِمٍ بِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَلِمَ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَقَدْ قَبِلَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ بَعْضِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا بِبِدْعَتِهِ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ فِي فِسْقِهِ؟ قُلْنَا: فِي رِوَايَةِ الْمُبْتَدِعِ الْمُتَأَوِّلِ كَلَامٌ سَيَأْتِي، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلًا فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ لِأَنَّ كُلَّ كَافِرٍ مُتَأَوِّلٌ، فَإِنَّ الْيَهُودِيَّ أَيْضًا لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ كَافِرًا. أَمَّا الَّذِي لَيْسَ بِمُتَأَوِّلٍ وَهُوَ الْمُعَانِدُ بِلِسَانِهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِقَلْبِهِ فَذَلِكَ مِمَّا يَنْدُرُ، وَتَوَرُّعُ الْمُتَأَوِّلِ عَنْ الْكَذِبِ كَتَوَرُّعِ النَّصْرَانِيِّ فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ، بَلْ هَذَا الْمَنْصِبُ لَا يُسْتَفَادُ إلَّا بِالْإِسْلَامِ، وَعُرِفَ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالْقِيَاسِ . الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْعَدَالَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَهَذَا زَجْرٌ عَنْ اعْتِمَادِ قَوْلِ الْفَاسِقِ وَدَلِيلٌ عَلَى شَرْطِ الْعَدَالَةِ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، وَالْعَدَالَةُ عِبَارَةٌ عَنْ اسْتِقَامَةِ السِّيرَةِ وَالدِّينِ وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إلَى هَيْئَةٍ رَاسِخَةٍ فِي النَّفْسِ تُحْمَلُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ جَمِيعًا حَتَّى تَحْصُلُ ثِقَةُ النُّفُوسِ بِصِدْقِهِ، فَلَا ثِقَةَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى خَوْفًا وَازِعًا عَنْ الْكَذِبِ. ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِصْمَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي. وَلَا يَكْفِي أَيْضًا اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ بَلْ مِنْ الصَّغَائِرِ مَا يُرَدُّ بِهِ كَسَرِقَةِ بَصَلَةٍ وَتَطْفِيفٍ فِي حَبَّةٍ قَصْدًا. وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى رَكَاكَةِ دِينِهِ إلَى حَدٍّ يَسْتَجْرِئُ عَلَى الْكَذِبِ بِالْأَعْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَيْفَ وَقَدْ شُرِطَ فِي الْعَدَالَةِ التَّوَقِّي عَنْ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ الْفَادِحَةِ فِي الْمُرُوءَةِ نَحْوَ الْأَكْلِ فِي الطَّرِيقِ وَالْبَوْلِ فِي الشَّارِعِ وَصُحْبَةِ الْأَرَاذِلِ وَإِفْرَاطِ الْمَزْحِ؟ وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ فِيمَا جَاوَزَ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ أَنْ يُرَدَّ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَمَا دَلَّ عِنْدَهُ عَلَى جَرَاءَتِهِ عَلَى الْكَذِبِ رَدَّ الشَّهَادَةَ بِهِ وَمَا لَا فَلَا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِينَ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ مِنْ الْفِقْهِ لَا مِنْ الْأُصُولِ. وَرُبَّ شَخْصٍ يَعْتَادُ الْغِيبَةَ وَيَعْلَمُ الْحَاكِمُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ طَبْعٌ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ لَمْ يَشْهَدْ أَصْلًا، فَقَبُولُهُ شَهَادَتَهُ بِحُكْمِ اجْتِهَادِهِ جَائِزٌ فِي حَقِّهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِعَادَاتِ الْبِلَادِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي اسْتِعْظَامِ بَعْضِ الصَّغَائِرِ دُونَ بَعْضٍ. وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ مَسْأَلَتَانِ: مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، الْعَدَالَةُ عِبَارَةٌ عَنْ إظْهَارِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ مَعَ سَلَامَتِهِ عَنْ فِسْقٍ ظَاهِرٍ فَكُلُّ مُسْلِمٍ مَجْهُولٍ عِنْدَهُ عَدْلٌ، وَعِنْدَنَا لَا تُعْرَفُ عَدَالَتَهُ إلَّا بِخِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ وَالْبَحْثِ عَنْ سِيرَتِهِ وَسَرِيرَتِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَا قَالُوهُ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْفَاسِقَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَلِعِلْمِنَا بِأَنَّ دَلِيلَ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قَبُولُ الصَّحَابَةِ إيَّاهُ وَإِجْمَاعُهُمْ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ إلَّا فِي الْعَدْلِ، وَالْفَاسِقُ لَوْ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ لَقُبِلَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْعَدْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَلَا إجْمَاعَ فِي الْفَاسِقِ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْعَدْلِ فِي حُصُولِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ، فَصَارَ الْفِسْقُ مَانِعًا مِنْ الرِّوَايَةِ كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ وَكَالرِّقِّ فِي الشَّهَادَةِ، وَمَجْهُولُ الْحَالِ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ مَجْهُولُ الْحَالِ فِي الْفِسْقِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فَاسِقًا فَهُوَ مَرْدُودُ الرِّوَايَةِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَغَيْرُ مَقْبُولٍ أَيْضًا لِلْجَهْلِ بِهِ، كَمَا لَوْ شَكَكْنَا فِي صِبَاهُ وَرِقِّهِ وَكُفْرِهِ، وَلَا فَرْقَ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَجْهُولِ وَكَذَلِكَ رِوَايَتُهُ، وَإِنْ مَنَعُوا شَهَادَةَ الْمَالِ فَقَدْ سَلَّمُوا شَهَادَةَ

стр. 124

الْعُقُوبَاتِ. ثُمَّ الْمَجْهُولُ مَرْدُودٌ فِي الْعُقُوبَاتِ، وَطَرِيقُ الثِّقَةِ فِي الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمَجْهُولَ الَّذِي لَا يُدْرَى أَنَّهُ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا، لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ عَالِمٌ أَمْ لَا، بَلْ سَلَّمُوا أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ وَفِسْقُهُ فَلَا يُقْبَلُ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ حِكَايَةِ الْمُفْتِي عَنْ نَفْسِهِ اجْتِهَادَهُ وَبَيْنَ حِكَايَتِهِ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الْفَرْعُ شَاهِدَ الْأَصْلِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْقَاضِي فَلَمْ يَجِبْ تَعْيِينُهُ وَتَعْرِيفُهُ إنْ كَانَ قَوْلُ الْمَجْهُولِ مَقْبُولًا. وَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَبِلَ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ، وَلَا جَوَابَ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ ذِكْرُ شَاهِدِ الْأَصْلِ، فَلَعَلَّ الْقَاضِيَ يَعْرِفُهُ بِفِسْقٍ فَيَرُدُّ شَهَادَتَهُ. قُلْنَا: إذَا كَانَ حَدُّ الْعَدَالَةِ هُوَ الْإِسْلَامُ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ فِسْقٍ فَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِبْ التَّتَبُّعُ حَتَّى يَظْهَرَ الْفِسْقُ. ثُمَّ يَبْطُلَ مَا ذَكَرَهُ بِالْخَبَرِ الْمُرْسَلِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا ذِكْرَ الشَّيْخِ وَلَعَلَّ الْمَرْوِيَّ لَهُ يَعْرِفُ فِسْقَهُ. الْخَامِسُ: أَنَّ مُسْتَنَدنَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَهُمْ قَدْ رَدُّوا خَبَرَ الْمَجْهُولِ، فَرَدَّ عُمَرُ ﵁ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَقَالَ: كَيْفَ نَقْبَلُ قَوْلَ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي صَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ وَرَدَّ عَلِيٌّ خَبَرَ الْأَشْجَعِيِّ فِي الْمُفَوِّضَةِ وَكَانَ يُحَلِّفُ الرَّاوِي، وَإِنَّمَا يُحَلِّفُ مَنْ عُرِفَ مِنْ ظَاهِرِهِ الْعَدَالَةُ دُونَ الْفِسْقِ. وَمَنْ رَدَّ قَوْلَ الْمَجْهُولِ مِنْهُمْ كَانَ لَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَكَانُوا بَيْنَ رَادٍّ وَسَاكِتٍ، وَبِمِثْلِهِ ظَهَرَ إجْمَاعُهُمْ فِي قَبُولِ الْعَدْلِ إذْ كَانُوا بَيْنَ قَابِلٍ وَسَاكِتٍ غَيْرِ مُنْكِرٍ وَلَا مُعْتَرِضٍ. السَّادِسُ: مَا ظَهَرَ مِنْ حَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِهِ الْعَدَالَةَ وَالْعَفَافَ وَصِدْقَ التَّقْوَى مِمَّنْ كَانَ يُنْفِذُهُ لِلْأَعْمَالِ وَأَدَاءِ الرَّسَالَةِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ الْأَشَدَّ التَّقْوَى لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ كَلَّفَهُمْ أَنْ لَا يَقْبَلُوا إلَّا قَوْلَ الْعَدْلِ. فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ قَوِيَّةٌ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ قَرِيبَةٌ مِنْ الْقَطْعِ، وَالْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ. شُبَهُ الْخُصُومِ، وَهِيَ أَرْبَعٌ: الْأُولَى: أَنَّهُ ﷺ قَبِلَ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ وَحْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَلَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامَ. قُلْنَا: وَكَوْنُهُ أَعْرَابِيًّا لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ عِنْدَهُ إمَّا بِالْوَحْيِ وَإِمَّا بِالْخِبْرَةِ وَإِمَّا بِتَزْكِيَةِ مَنْ عُرِفَ حَالُهُ، فَمَنْ يُسَلِّمُ لَكُمْ أَنَّهُ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَبِلُوا قَوْلَ الْعَبِيدِ وَالنِّسْوَانِ وَالْأَعْرَابِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوهُمْ بِالْفِسْقِ وَعَرَفُوهُمْ بِالْإِسْلَامِ. قُلْنَا: إنَّمَا قَبِلُوا قَوْلَ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجِ أَصْحَابِهِ وَكَانَتْ عَدَالَتُهُنَّ وَعَدَالَةُ مَوَالِيهِمْ مَشْهُورَةً عِنْدَهُمْ وَحَيْثُ جَهِلُوا رُدُّوا، كَرَدِّ قَوْلِ الْأَشْجَعِيِّ وَقَوْلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ لَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَشَهِدَ فِي الْحَالِ أَوْ رَوَى، فَإِنْ قُلْتُمْ لَا نَقْبَلُ شَهَادَتَهُ فَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنْ قَبِلْتُمْ فَلَا مُسْتَنَدَ لِلْقَبُولِ إلَّا إسْلَامَهُ وَعَدَمَ مَعْرِفَةِ الْفِسْقِ مِنْهُ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةٌ وَلَمْ نَعْرِفْ مِنْهُ فِسْقًا لِطُولِ مُدَّةِ إسْلَامِهِ لَمْ نُوجِبْ رَدَّهُ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ قَبُولَ رِوَايَتِهِ فَقَدْ يُسْلِمُ الْكَذُوبُ وَيَبْقَى عَلَى طَبْعِهِ، فَمَا لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى خَوْفٍ فِي قَلْبِهِ وَازِعٍ عَنْ الْكَذِبِ لَا نَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، وَالتَّقْوَى فِي الْقَلْبِ وَأَصْلُهُ الْخَوْفُ وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ أَفْعَالُهُ فِي مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ فَإِنْ سَلَّمْنَا قَبُولَ رِوَايَتِهِ فَذَلِكَ لِطَرْقِ إسْلَامِهِ وَقُرْبِ عَهْدِهِ بِالدِّينِ، وَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْ هُوَ فِي طَرَاوَتِهِ وَبِدَايَتِهِ وَبَيْنَ مَنْ قَسَا قَلْبُهُ بِطُولِ الْإِلْفِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا رَجَعَتْ الْعَدَالَةُ إلَى هَيْئَةٍ بَاطِنَةٍ فِي النَّفَسِ وَأَصْلُهَا الْخَوْفُ، وَذَلِكَ لَا يُشَاهَدُ بَلْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ، بَلْ هُوَ مُغَلَّبٌ عَلَى الظَّنِّ، فَأَصْلُ ذَلِكَ الْخَوْفِ هُوَ الْإِيمَانُ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخَوْفِ دَلَالَةً -

стр. 125

ظَاهِرَةً فَلْنَكْتَفِ بِهِ. قُلْنَا: لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُشَاهَدَةَ وَالتَّجْرِبَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ عَدَدَ فُسَّاقِ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ عُدُولِهِمْ، فَكَيْفَ نُشَكِّكُ نُفُوسَنَا فِيمَا عَرَفْنَاهُ يَقِينًا؟ ثُمَّ هَلَّا اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الْعُقُوبَاتِ وَشَهَادَةِ الْأَصْلِ وَحَالِ الْمُفْتِي فِي الْعَدَالَةِ وَسَائِرِ مَا سَلَّمُوهُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ الْمَجْهُولِ فِي كَوْنِ اللَّحْمِ لَحْمَ ذَكِيٍّ وَكَوْنِ الْمَاءِ فِي الْحَمَّامِ طَاهِرًا وَكَوْنِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ رَقِيقَةً غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ حَتَّى يَحِلَّ الْوَطْءُ بِقَوْلِهِ، وَقَوْلُ الْمَجْهُولِ فِي كَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا لِلصَّلَاةِ عَنْ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ إذَا أَمَّ النَّاسَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يُخْبِرُ عَنْ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يُخْبِرُ الْأَعْمَى عَنْ الْقِبْلَةِ. قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُ الْعَاقِدِ فَمَقْبُولٌ لَا لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا لَكِنَّهُ مَعَ ظُهُورِ الْفِسْقِ، وَذَلِكَ رُخْصَةٌ لِكَثْرَةِ الْفُسَّاقِ وَلِمَسِيسِ حَاجَتِهِمْ إلَى الْمُعَامَلَاتِ، وَكَذَلِكَ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فَلَا يُشْتَرَطُ السَّتْرُ، أَمَّا الْخَبَرُ عَنْ الْقِبْلَةِ وَعَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ فَمَا لَمْ يَحْصُلْ سُكُونُ النَّفْسِ بِقَوْلِ الْمُخَبِّرِ فَلَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَالْمَجْهُولُ لَا تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ بَلْ سُكُونُ النَّفْسِ إلَى قَوْلِ فَاسِقٍ جُرِّبَ بِاجْتِنَابِ الْكَذِبِ أَغْلَبُ مِنْهُ إلَى قَوْلِ الْمَجْهُولِ وَمَا يَخُصُّ الْعَبْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَدَّ إلَى سُكُونِ نَفْسِهِ. فَأَمَّا الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ فَأَمْرُهُمَا أَرْفَعُ وَخَطَرُهُمَا عَامٌّ، فَلَا يُقَاسَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَهَذِهِ صُوَرٌ ظَنِّيَّةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، أَمَّا رَدُّ خَبَرِ الْفَاسِقِ وَالْمَجْهُولِ فَقَرِيبٌ مِنْ الْقَطْعِ. [مَسْأَلَةٌ الْفَاسِقُ الْمُتَأَوِّلُ] ُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ فِسْقَ نَفْسِهِ اخْتَلَفُوا فِي شَهَادَتِهِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَقْبَلُ شَهَادَةَ الْحَنَفِيِّ وَأَحُدُّهُ إذَا شَرِبَ النَّبِيذَ؛ لِأَنَّ هَذَا فِسْقٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ إنَّمَا الْمَقْطُوعُ بِهِ فِسْقُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ اسْتَبَاحُوا الدِّيَارَ وَقَتَلُوا الذَّرَارِيَّ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ مِنْ الرَّافِضَةِ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ فِي الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمُبْتَدِعِ وَشَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ بِفِعْلِهِ وَبِجَهْلِهِ بِتَحْرِيمِ فِعْلِهِ فَفِسْقُهُ مُضَاعَفٌ، وَزَعَمَ أَنَّ جَهْلَهُ بِفِسْقِ نَفْسِهِ كَجَهْلِهِ بِكُفْرِ نَفْسِهِ وَرِقِّ نَفْسِهِ. وَمَثَارُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ الْفِسْقَ يَرُدُّ الشَّهَادَةَ لِأَنَّهُ نُقْصَانُ مَنْصِبٍ يَسْلُبُ الْأَهْلِيَّةَ كَالْكُفْرِ وَالرِّقِّ أَوْ هُوَ مَرْدُودُ الْقَوْلِ لِلتُّهْمَةِ، فَإِنْ كَانَ لِلتُّهْمَةِ فَالْمُبْتَدِعُ مُتَوَرِّعٌ عَنْ الْكَذِبِ فَلَا يُتَّهَمُ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ مُشِيرٌ إلَى هَذَا وَهُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكُفْرَ وَالْفِسْقَ لَا يَسْلُبَانِ الْأَهْلِيَّةَ بَلْ يُوجِبَانِ التُّهْمَةَ وَلِذَلِكَ قَبِلَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَذْهَبُ الْقَاضِي أَنَّ كِلَيْهِمَا نُقْصَانُ مَنْصِبٍ يَسْلُبُ الْأَهْلِيَّةَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكُفْرَ نُقْصَانٌ وَالْفِسْقَ مُوجِبٌ لِلرَّدِّ لِلتُّهْمَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ عِنْدَنَا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَى بِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ وَذَلِكَ لِسَلْبِ الْأَهْلِيَّةِ، الثَّانِي: أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلتُّهْمَةِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي صِدْقُهُ فَلْيَقْبَلْ قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَأْخَذُهُ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَأَمَّا الثَّانِي فَسَبَبُهُ أَنَّ الظُّنُونَ تَخْتَلِفُ، وَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ نَاطَهُ الشَّرْعُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ وَوَصْفٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الْعَدَالَةُ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُ السَّبَبِ الظَّاهِرِ دُونَ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ كَمَا فِي الْعُقُوبَاتِ وَكَمَا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُتَّهَمُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ

стр. 126

لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ مَظِنَّةٌ لِلتُّهْمَةِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى الْحَالِ، وَإِنَّمَا مَظِنَّةُ التُّهْمَةِ ارْتِكَابُ الْفِسْقِ مَعَ الْمَعْرِفَةِ دُونَ مَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَبُولُ الصَّحَابَةِ قَوْلَ الْخَوَارِجِ فِي الْأَخْبَارِ وَالشَّهَادَةِ وَكَانُوا فَسَقَةً مُتَأَوِّلِينَ وَعَلَى قَبُولِ ذَلِكَ دَرَجَ التَّابِعُونَ لِأَنَّهُمْ مُتَوَرِّعُونَ عَنْ الْكَذِبِ جَاهِلُونَ بِالْفِسْقِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يُمْكِنُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي ذَلِكَ؟ قُلْنَا: لَا، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا وَالْأَئِمَّةَ قَبِلُوا قَوْلَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَالْخَوَارِجِ، لَكِنْ لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ فَلَعَلَّ فِيهِمْ مَنْ أَضْمَرَ إنْكَارًا لَكِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَكَيْفَ وَلَوْ قَبِلَ جَمِيعُهُمْ خَبَرَهُمْ فَلَا يَثْبُتُ أَنَّ جَمِيعَهُمْ اعْتَقَدُوا فِسْقَهُمْ؟ وَكَيْفَ يُفْرَضُ وَالْخَوَارِجُ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَمَا اعْتَقَدُوا فِسْقَ أَنْفُسِهِمْ بَلْ فِسْقَ خُصُومِهِمْ وَفِسْقَ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَابْنُ الْكَوَّاءِ وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَعَلِيٌّ فِي تَقِيَّةٍ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ؟ فَإِنْ قِيلَ لَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوا فِسْقَ الْخَوَارِجِ لَفَسَقُوا. قُلْنَا عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا رَدَّ خَبَرِ الْفَاسِقِ لِلتُّهْمَةِ وَلَمْ يَتَّهِمُوا الْمُتَأَوِّلَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [خَاتِمَةٌ جَامِعَةٌ لِلرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ] ِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّكْلِيفَ وَالْإِسْلَامَ وَالْعَدَالَةَ وَالضَّبْطَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ. أَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالْبَصَرُ وَالْقَرَابَةُ وَالْعَدَدُ وَالْعَدَاوَةُ فَهَذِهِ السِّتَّةُ تُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ حُكْمُهَا عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِشَخْصٍ حَتَّى تُؤَثِّرَ فِيهِ الصَّدَاقَةُ وَالْقَرَابَةُ وَالْعَدَاوَةُ، فَيَرْوِي أَوْلَادُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، وَيَرْوِي كُلُّ وَلَدٍ عَنْ وَالِدِهِ، وَالضَّرِيرُ الضَّابِطُ لِلصَّوْتِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، إذْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ يَرْوُونَ عَنْ عَائِشَةَ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا وَهُمْ كَالضَّرِيرِ فِي حَقِّهَا. وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّاوِي عَالِمًا فَقِيهًا سَوَاءٌ خَالَفَ مَا رَوَاهُ الْقِيَاسَ أَوْ وَافَقَ، إذْ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، فَلَا يُشْتَرَطُ إلَّا الْحِفْظُ. وَلَا يُشْتَرَطُ مُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ وَسَمَاعُ الْأَحَادِيثِ، بَلْ قَبِلَتْ الصَّحَابَةُ قَوْلَ أَعْرَابِيٍّ لَمْ يَرْوِ إلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا. نَعَمْ إذَا عَارَضَهُ حَدِيثُ الْعَالِمِ الْمُمَارِسِ فَفِي التَّرْجِيحِ نَظَرٌ سَيَأْتِي. وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ عُرِفَ بِاللَّعِبِ وَالْهَزْلِ فِي أَمْرِ الْحَدِيثِ أَوْ بِالتَّسَاهُلِ فِي أَمْرِ الْحَدِيثِ أَوْ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ فِيهِ، إذْ تَبْطُلُ الثِّقَةُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، أَمَّا الْهَزْلُ وَالتَّسَاهُلُ فِي حَدِيثِ نَفْسِهِ فَقَدْ لَا يُوجِبُ الرَّدَّ. وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّاوِي مَعْرُوفَ النَّسَبِ، بَلْ إذَا عَرَفَ عَدَالَةَ شَخْصٍ بِالْخِبْرَةِ قُبِلَ حَدِيثُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَا يَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَلَوْ رَوَى عَنْ مَجْهُولِ الْعَيْنِ لَمْ نَقْبَلْهُ بَلْ مَنْ يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ صِفَتُهُ لَا يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ عَيْنُهُ؛ إذْ لَوْ عَرَفَ عَيْنَهُ رُبَّمَا عَرَفَهُ بِالْفِسْقِ بِخِلَافِ مَنْ عَرَفَ عَيْنَهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ بِالْفِسْقِ، فَلَوْ رَوَى عَنْ شَخْصٍ ذُكِرَ اسْمُهُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ مُجَرَّحٍ وَعَدْلٍ فَلَا يُقْبَلُ لِأَجْلِ التَّرَدُّدِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ] [الْفَصْل الْأَوَّلُ فِي عَدَدِ الْمُزَكِّي] الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ: الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْمُزَكِّي. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَشَرَطَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ الْعَدَدَ فِي الْمُزَكِّي وَالْجَارِحِ كَمَا فِي مُزَكِّي الشَّاهِدِ وَقَالَ الْقَاضِي لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ وَلَا فِي تَزْكِيَةِ الرَّاوِي وَإِنْ كَانَ الْأَحْوَطُ فِي الشَّهَادَةِ الِاسْتِظْهَارَ بَعْدَ الْمُزَكِّي وَقَالَ قَوْمٌ: يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ

стр. 127

دُونَ الرِّوَايَةِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَدَدَ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الرِّوَايَةُ لَا يَزِيدُ عَلَى نَفْسِ الرِّوَايَةِ. فَإِنْ قِيلَ: صَحَّ مِنْ الصَّحَابَةِ قَبُولُ رِوَايَةِ الْوَاحِدِ وَلَمْ يَصِحَّ قَبُولُ تَزْكِيَةِ الْوَاحِدِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى قِيَاسِ الشَّرْعِ. قُلْنَا: نَحْنُ نَعْلَمُ مِمَّا فَعَلُوهُ كَثِيرًا مِمَّا لَمْ يَفْعَلُوهُ، إذْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَمَا قَبِلُوا حَدِيثَ الصِّدِّيقِ ﵁ كَانُوا يَقْبَلُونَ تَعْدِيلَهُ لِمَنْ رَوَى الْحَدِيثَ. وَكَيْفَ يَزِيدُ شَرْطُ الشَّيْءِ عَلَى أَصْلِهِ. وَالْإِحْصَانُ يَثْبُتُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةٍ وَلَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ: تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمَا. وَهَذِهِ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ ثَبَتَتْ بِالْمَقَايِيسِ الشَّبَهِيَّةِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِطْنَابِ فِيهَا فِي الْأُصُولِ. [الْفَصْلُ الثَّانِي سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ] الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي ذِكْرِ سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ دُونَ التَّعْدِيلِ، إذْ قَدْ يَجْرَحُ بِمَا لَا يَرَاهُ جَارِحًا لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِيهِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا سَبَبٌ وَاحِدٌ وَقَالَ قَوْمٌ مُطْلَقُ الْجَرْحِ يُبْطِلُ الثِّقَةَ، وَمُطْلَقُ التَّعْدِيلِ لَا يُحَصِّلُ الثِّقَةَ لِتَسَارُعِ النَّاسِ إلَى الْبِنَاءِ عَلَى الظَّاهِرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ مِنْ السَّبَبِ فِيهِمَا جَمِيعًا أَخْذًا بِمَجَامِعِ كَلَامِ الْفَرِيقَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ ذِكْرُ السَّبَبِ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا بِهَذَا الشَّأْنِ فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّزْكِيَةِ، وَإِنْ كَانَ بَصِيرًا فَأَيُّ مَعْنًى لِلسُّؤَالِ؟ وَالصَّحِيحُ عِنْدنَا أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُزَكِّي، فَمَنْ حَصَلَتْ الثِّقَةُ بِبَصِيرَتِهِ وَضَبْطِهِ يُكْتَفَى بِإِطْلَاقِهِ، وَمَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ تُعْرَفْ بَصِيرَتُهُ بِشُرُوطِ الْعَدَالَةِ فَقَدْ نُرَاجِعُهُ إذَا فَقَدْنَا عَالِمًا بَصِيرًا بِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ نَسْتَفْصِلُهُ. أَمَّا إذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ قَدَّمْنَا الْجَرْحَ، فَإِنَّ الْجَارِحَ اطَّلَعَ عَلَى زِيَادَةٍ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا الْمُعَدِّلُ وَلَا نَفَاهَا، فَإِنْ نَفَاهَا بَطَلَتْ عَدَالَةُ الْمُزَكِّي إذْ النَّفْيُ لَا يُعْلَمُ إلَّا إذَا جَرَّحَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَالَ الْمُعَدِّلُ: رَأَيْتُهُ حَيًّا بَعْدَهُ تَعَارَضَا. وَعَدَدُ الْمُعَدِّلِ إذَا زَادَ قِيلَ إنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْجَارِحِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ سَبَبَ تَقْدِيمِ الْجَرْحِ اطِّلَاعُ الْجَارِحِ عَلَى مَزِيدٍ وَلَا يَنْتَفِي ذَلِكَ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي نَفْسِ التَّزْكِيَةِ] وَذَلِكَ إمَّا بِالْقَوْلِ، أَوْ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، أَوْ بِالْعَمَلِ بِخَبَرِهِ، أَوْ بِالْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أَعْلَاهَا صَرِيحُ الْقَوْلِ. وَتَمَامُهُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ عَدْلٌ رِضًا لِأَنِّي عَرَفْتُ مِنْهُ كَيْتَ وَكَيْتَ. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ وَكَانَ بَصِيرًا بِشُرُوطِ الْعَدَالَةِ كَفَى. الثَّانِيَةُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ خَبَرًا. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ تَعْدِيلًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ أَوْ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ الرِّوَايَةَ إلَّا مِنْ عَدْلٍ كَانَتْ الرِّوَايَةُ تَعْدِيلًا وَإِلَّا فَلَا، إذْ مِنْ عَادَةِ أَكْثَرِهِمْ الرِّوَايَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ سَمِعُوهُ، وَلَوْ كُلِّفُوا الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ سَكَتُوا، فَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ مَا يُصَرِّحُ بِالتَّعْدِيلِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ عَرَّفَهُ بِالْفِسْقِ ثُمَّ رَوَى عَنْهُ كَانَ غَاشًّا فِي الدِّينِ. قُلْنَا: لَمْ نُوجِبْ عَلَى غَيْرِهِ الْعَمَلَ، لَكِنْ قَالَ: سَمِعْتُ فُلَانًا قَالَ كَذَا وَصَدَقَ فِيهِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ لَمْ يُعَرِّفْهُ بِالْفِسْقِ وَلَا الْعَدَالَةِ فَرَوَى وَوَكَّلَ الْبَحْثَ إلَى مَنْ أَرَادَ الْقَبُولَ. الثَّالِثَةُ: الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ إنْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ أَوْ عَلَى الْعَمَلِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ الْخَبَرَ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ، وَإِنْ عَرَفْنَا يَقِينًا أَنَّهُ عَمِلَ بِالْخَبَرِ فَهُوَ تَعْدِيلٌ، إذْ لَوْ عَمِلَ بِخَبَرِ غَيْرِ الْعَدْلِ لَفَسَقَ وَبَطَلَتْ عَدَالَتُهُ. فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِسْلَامِ مَعَ عَدَمِ الْفِسْقِ عَدَالَةٌ. قُلْنَا: هَذَا يَتَطَرَّقُ إلَى التَّعْدِيلِ بِالْقَوْلِ، وَنَحْنُ نَقُولُ الْعَمَلُ

стр. 128

كَالْقَوْلِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يَنْقَطِعُ بِذِكْرِ سَبَبِ الْعَدَالَةِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالتَّعْدِيلِ الْمُطْلَقِ، إذْ لَوْ شَرَطَ ذِكْرَ السَّبَبِ لَشَرَطَ فِي شَهَادَةِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ عَدَّ جَمِيعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ عَرَّفَهُ عَدْلًا وَيُعَرِّفُهُ غَيْرُهُ بِالْفِسْقِ. قُلْنَا: مَنْ عَرَّفَهُ لَا جَرَمَ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ، كَمَا لَوْ عَدَّلَ جَرِيحًا. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُحْكَمَ بِشَهَادَتِهِ، فَذَلِكَ أَقْوَى مِنْ تَزْكِيَتِهِ بِالْقَوْلِ. أَمَّا تَرْكُ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَبِخَبَرِهِ فَلَيْسَ جَرْحًا؛ إذْ قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي شَهَادَةِ الْعَدْلِ وَرِوَايَتِهِ لِأَسْبَابٍ سِوَى الْجَرْحِ، كَيْفَ وَتَرْكُ الْعَمَلِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْجَرْحِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ؟ وَبِالْجُمْلَةِ إنْ لَمْ يَنْقَدِحْ وَجْهٌ لِتَزْكِيَةِ الْعَمَلِ مِنْ تَقْدِيمٍ أَوْ دَلِيلٍ آخَرَ فَهُوَ كَالْجَرْحِ الْمُطْلَقِ. [الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي عَدَالَة الصَّحَابَة] ِ ﵃ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَجَمَاهِيرُ الْخَلَفِ، أَنَّ عَدَالَتَهُمْ مَعْلُومَةٌ بِتَعْدِيلِ اللَّهِ إيَّاهُمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ مُعْتَقَدُنَا فِيهِمْ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِطَرِيقٍ قَاطِعٍ ارْتِكَابُ وَاحِدٍ لِفِسْقٍ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ فَلَا حَاجَةَ لَهُمْ إلَى التَّعْدِيلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَهُوَ خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] وَقَالَ : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: ﷺ " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ " وَقَالَ: ﷺ «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» وَقَالَ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لِي أَصْحَابًا وَأَصْهَارًا وَأَنْصَارًا» . فَأَيُّ تَعْدِيلٍ أَصَحُّ مِنْ تَعْدِيلِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ - سُبْحَانَهُ - وَتَعْدِيلِ رَسُولِهِ ﷺ ؟ كَيْفَ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ الثَّنَاءُ لَكَانَ فِيمَا اشْتَهَرَ وَتَوَاتَرَ مِنْ حَالِهِمْ فِي الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْآبَاءِ وَالْأَهْلِ فِي مُوَالَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنُصْرَتِهِ كِفَايَةٌ فِي الْقَطْعِ بِعَدَالَتِهِمْ؟ وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ غَيْرِهِمْ فِي لُزُومِ الْبَحْثِ. وَقَالَ قَوْمٌ: حَالُهُمْ الْعَدَالَةُ فِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ إلَى ظُهُورِ الْحَرْبِ وَالْخُصُومَاتِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ الْحَالُ وَسُفِكَتْ الدِّمَاءُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ. وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ عَائِشَةُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَجَمِيعُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ فُسَّاقٌ بِقِتَالِ الْإِمَامِ الْحَقِّ. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ سَلَفِ الْقَدَرِيَّةِ: يَجِبُ رَدُّ شَهَادَةِ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ مُجْتَمِعِينَ وَمُفْتَرِقِينَ لِأَنَّ فِيهِمْ فَاسِقًا لَا نَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: نَقْبَلُ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ إذَا انْفَرَدَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِسْقُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ مَعَ مُخَالِفِهِ فَشَهِدَا رُدَّا إذْ نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا فَاسِقٌ. وَشَكَّ بَعْضُهُمْ فِي فِسْقِ عُثْمَانَ وَقَتَلَتِهِ. وَكُلُّ هَذَا جَرَاءَةٌ عَلَى السَّلَفِ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ، بَلْ قَالَ قَوْمٌ: مَا جَرَى بَيْنَهُمْ اُبْتُنِيَ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَالْمُخْطِئُ مَعْذُورٌ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ ذَلِكَ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَلَكِنَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ وَالْخَوَارِجَ مُخْطِئُونَ قَطْعًا لَكِنَّهُمْ جَهِلُوا خَطَأَهُمْ وَكَانُوا مُتَأَوِّلِينَ، وَالْفَاسِقُ الْمُتَأَوِّلُ لَا تُرَدُّ رِوَايَتُهُ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى سُقُوطِ تَعْدِيلِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا. فَإِنْ قِيلَ: الْقُرْآنُ أَثْنَى عَلَى الصَّحَابَةِ، فَمَنْ الصَّحَابِيُّ؟ أَمَنْ عَاصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْ مَنْ لَقِيَهُ مَرَّةً أَوْ مَنْ صَحِبَهُ سَاعَةً أَوْ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ؟ وَمَا حَدُّ

стр. 129

طُولِهَا؟ قُلْنَا: الِاسْمُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَنْ صَحِبَهُ. ثُمَّ يَكْفِي لِلِاسْمِ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ الصُّحْبَةُ وَلَوْ سَاعَةً، وَلَكِنَّ الْعُرْفَ يُخَصِّصُ الِاسْمَ بِمَنْ كَثُرَتْ صُحْبَتُهُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّوَاتُرِ وَالنَّقْلِ الصَّحِيحِ وَبِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ كَثُرَتْ صُحْبَتِي، وَلَا حَدَّ لِتِلْكَ الْكَثْرَةِ بِتَقْدِيرٍ بَلْ بِتَقْرِيبٍ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُسْتَنَدِ الرَّاوِي وَكَيْفِيَّةِ ضَبْطِهِ] [مَرَاتِب الرِّوَايَة] الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُسْتَنَدِ الرَّاوِي وَكَيْفِيَّةِ ضَبْطِهِ. وَمُسْتَنَدُهُ إمَّا قِرَاءَةُ الشَّيْخِ عَلَيْهِ، أَوْ قِرَاءَتُهُ عَلَى الشَّيْخِ، أَوْ إجَازَتُهُ، أَوْ مُنَاوَلَتُهُ، أَوْ رُؤْيَتُهُ بِخَطِّهِ فِي كِتَابٍ، فَهِيَ خَمْسُ مَرَاتِبَ. الْأُولَى وَهِيَ الْأَعْلَى: قِرَاءَةُ الشَّيْخِ فِي مَعْرِضِ الْإِخْبَارِ لِيُرْوَى عَنْهُ وَذَلِكَ يُسَلِّطُ الرَّاوِيَ عَلَى أَنْ يَقُولَ " حَدَّثَنَا " وَ " أَخْبَرَنَا " وَ " قَالَ فُلَانٌ " وَ " سَمِعْتُهُ يَقُولُ ". الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَهُوَ كَقَوْلِ " هَذَا صَحِيحٌ " فَتَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَكَانَ سُكُوتُهُ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ فِسْقًا قَادِحًا فِي عَدَالَتِهِ، وَلَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَجَوَّزْنَا أَنْ يُكَذَّبَ إذَا نَطَقَ بِكَوْنِهِ صَحِيحًا. نَعَمْ لَوْ كَانَ ثَمَّ مَخِيلَةُ قِلَّةِ اكْتِرَاثٍ أَوْ غَفْلَةٍ فَلَا يَكْفِي السُّكُوتُ، وَهَذَا يُسَلِّطُ الرَّاوِيَ عَلَى أَنْ يَقُولَ " أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ ". أَمَّا قَوْلُهُ حَدَّثَنَا " مُطْلَقًا أَوْ " سَمِعْتُ فُلَانًا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِالنُّطْقِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَالْحَدِيثَ وَالْمَسْمُوعَ كُلُّ ذَلِكَ نُطْقٌ، وَذَلِكَ مِنْهُ كَذِبٌ إلَّا إذَا عُلِمَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ أَوْ بِقَرِينَةِ حَالِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ دُونَ سَمَاعِ حَدِيثِهِ. الثَّالِثَةُ: الْإِجَازَةُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي " وَعِنْدَ ذَلِكَ يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِي تَعْيِينِ الْمَسْمُوعِ، أَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " هَذَا مَسْمُوعِي مِنْ فُلَانٍ " فَلَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الرِّوَايَةِ، فَلَعَلَّهُ لَا يُجَوِّزُ الرِّوَايَةَ لِخَلَلٍ يَعْرِفُهُ فِيهِ وَإِنْ سَمِعَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: " عِنْدِي شَهَادَةٌ " لَا يَشْهَدُ مَا لَمْ يَقُلْ: " أَذِنْتُ لَكَ فِي أَنْ تَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِي " أَوْ لَمْ تَقُمْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ شَهَادَةٌ وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي الْكَلَامِ، لَكِنْ عِنْدَ جَزْمِ الشَّهَادَةِ قَدْ يَتَوَقَّفُ. ثُمَّ الْإِجَازَةُ تُسَلِّطُ الرَّاوِيَ عَلَى أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا إجَازَةً. أَمَّا قَوْلُهُ: " حَدَّثَنَا " مُطْلَقًا جَوَّزَهُ قَوْمٌ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِسَمَاعِ كَلَامِهِ وَهُوَ كَذِبٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ. الرَّابِعَةُ: الْمُنَاوَلَةُ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: " خُذْ هَذَا الْكِتَابَ وَحَدِّثْ بِهِ عَنِّي فَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ فُلَانٍ " وَمُجَرَّدُ الْمُنَاوَلَةِ دُونَ هَذَا اللَّفْظِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِذَا وُجِدَ هَذَا اللَّفْظُ فَلَا مَعْنَى لِلْمُنَاوَلَةِ فَهُوَ زِيَادَةُ تَكَلُّفٍ أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ بِلَا فَائِدَةٍ، كَمَا يَجُوزُ رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِالْإِجَازَةِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ صِحَّةِ الْخَبَرِ لَا عَيْنُ الطَّرِيقِ الْمُعَرَّفِ. وَقَوْلُهُ: " هَذَا الْكِتَابُ مَسْمُوعِي فَارْوِهِ عَنِّي " فِي التَّعْرِيفِ كَقِرَاءَتِهِ وَالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُمْ: " إنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحَدِّثَهُ بِهِ " فَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ أَيُّ حَاجَةٍ إلَيْهِ؟ وَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَصِحَّ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِنَفْسِهِ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَرْوِيَ فِي حَيَاةِ الشَّيْخِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى الْأَصْلِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ، فَدَلَّ أَنَّ هَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الرِّوَايَةِ. الْخَامِسَةُ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَطِّ بِأَنْ يُرَى مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ " إنِّي سَمِعْتُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا " فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ لِأَنَّ رِوَايَتَهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَهُ. وَالْخَطُّ لَا يُعَرِّفُهُ هَذَا، نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: " رَأَيْتُ مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ بِخَطٍّ ظَنَنْتُ أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ "، فَإِنَّ الْخَطَّ أَيْضًا قَدْ يُشْبِهُ الْخَطَّ. أَمَّا إذَا قَالَ: " هَذَا خَطِّي " قُبِلَ قَوْلُهُ: " وَلَكِنْ " لَا يَرْوِي عَنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ أَوْ بِقَرِينَةِ حَالِهِ فِي الْجُلُوسِ لِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ. أَمَّا إذَا

стр. 130

قَالَ عَدْلٌ: " هَذِهِ نُسْخَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مَثَلًا فَرَأَى فِيهِ حَدِيثًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ، لَكِنْ هَلْ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ؟ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُجْتَهِدَ، وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: إذَا عَلِمَ صِحَّةَ النُّسْخَةِ بِقَوْلِ عَدْلٍ جَازَ الْعَمَلُ، لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَحْمِلُونَ صُحُفَ الصَّدَقَاتِ إلَى الْبِلَادِ وَكَانَ الْخَلْقُ يَعْتَمِدُونَ تِلْكَ الصُّحُفَ بِشَهَادَةِ حَامِلِ الصُّحُفِ بِصِحَّتِهِ دُونَ أَنْ يَسْمَعَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ سُكُونَ النَّفَسِ وَغَلَبَةَ الظَّنِّ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْوِيَ إلَّا مَا يَعْلَمُ سَمَاعَهُ أَوَّلًا وَحِفْظَهُ وَضَبْطَهُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَدَّاهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ حَرْفٌ، فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَلْيَتْرُكْ الرِّوَايَةَ. [مَسْأَلَة الشَّكّ فِي مَسْمُوعَاته عَنْ الزُّهْرِيّ مَثَلًا حَدِيثٌ وَاحِدٌ شَكَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ أَمْ لَا] وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ مَسَائِل إذَا كَانَ فِي مَسْمُوعَاتِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ مَثَلًا حَدِيثٌ وَاحِدٌ شَكَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ أَمْ لَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: " سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ " وَلَا أَنْ يَقُولَ: " قَالَ الزُّهْرِيُّ "، لِأَنَّ قَوْلَهُ: " قَالَ الزُّهْرِيُّ " شَهَادَةٌ عَلَى الزُّهْرِيِّ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ عِلْمٍ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ كَمَنْ سَمِعَ إقْرَارًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُقِرَّ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى زَيْدٍ، بَلْ نَقُولُ: لَوْ سَمِعَ مِائَةَ حَدِيثٍ مِنْ شَيْخٍ وَفِيهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ وَلَكِنَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ عَيْنُهُ فَلَيْسَ لَهُ رِوَايَتُهُ، بَلْ لَيْسَ لَهُ رِوَايَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْهُ، إذْ مَا مِنْ حَدِيثٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ. وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ مَسْمُوعٌ مِنْ الزُّهْرِيِّ لَمْ تَجُزْ الرِّوَايَةُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ. وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ. أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَقَّقَ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَّا عَلَى الْمَعْلُومِ فِيمَا تُمْكِنُ فِيهِ الْمُشَاهَدَةُ مُمْكِنٌ، وَتَكْلِيفُ الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِصِدْقِ الشَّاهِدِ مُحَالٌ، وَكَذَلِكَ الرَّاوِي لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الشَّيْخِ وَلَكِنْ لَهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ بِالسَّمَاعِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْوِيَ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْوَاحِدُ فِي عَصْرِنَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ. قُلْنَا: لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى تَحَقُّقِ ذَلِكَ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " ﷺ أَنَّهُ سَمِعَهُ، لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ رَوَاهُ فِي كِتَابٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَكُلُّ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَدْرِي مَنْ أَيْنَ يَقُولُهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ إذَا ذُكِرَ مُسْتَنَدُهُ حَتَّى يُنْظَرَ فِي حَالِهِ وَعَدَالَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ إذَا أَنْكَرَ الشَّيْخُ الْحَدِيثَ إنْكَارَ جَاحِدٍ قَاطِعٍ بِكَذِبِ الرَّاوِي وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ] إذَا أَنْكَرَ الشَّيْخُ الْحَدِيثَ إنْكَارَ جَاحِدٍ قَاطِعٍ بِكَذِبِ الرَّاوِي وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ لَمْ يَصِرْ الرَّاوِي مَجْرُوحًا؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ رُبَّمَا لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ وَلِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ شَيْخَهُ كَمَا أَنَّ شَيْخَهُ مُكَذِّبٌ لَهُ وَهُمَا عَدْلَانِ، فَهُمَا كَبَيِّنَتَيْنِ مُتَكَاذِبَتَيْنِ، فَلَا يُوجِبُ الْجَرْحَ. أَمَّا إذَا أَنْكَرَ إنْكَارَ مُتَوَقِّفٍ وَقَالَ: " لَسْتُ أَذْكُرُهُ " فَيُعْمَلُ بِالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ جَازِمٌ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُ وَهُوَ لَيْسَ بِقَاطِعٍ بِتَكْذِيبِهِ وَهُمَا عَدْلَانِ فَصِدْقُهُمَا إذَا مُمْكِنٌ. وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّ نِسْيَانَ الشَّيْخِ الْحَدِيثَ يُبْطِلُ الْحَدِيثَ، وَبَنَى عَلَيْهِ اطِّرَاحَ خَبَرِ الزُّهْرِيِّ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْخِ أَنْ يَعْمَلَ بِالْحَدِيثِ وَالرَّاوِي فَرْعُهُ، فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ؟ قُلْنَا: لِلشَّيْخِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ إذَا رَوَى الْعَدْلُ لَهُ عَنْهُ، فَإِنْ بَقِيَ شَكٌّ لَهُ مَعَ رِوَايَةِ الْعَدْلِ فَلَيْسَ لَهُ الْعَمَلُ بِهِ، وَعَلَى

стр. 131

الرَّاوِي الْعَمَلُ إذَا قَطَعَ بِأَنَّهُ سَمِعَ، وَعَلَى غَيْرِهِمَا الْعَمَلُ جَمْعًا بَيْنَ تَصْدِيقِهِمَا. وَالْحَاكِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ الْمُزَوِّرِ الظَّاهِرِ الْعَدَالَةِ وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّاهِدِ. وَيَجِبُ عَلَى الْعَامِّيِّ الْعَمَلُ بِفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ تَغَيُّرَ اجْتِهَادِهِ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يَعْمَلُ بِهِ بَعْدَ التَّغَيُّرِ لِأَنَّهُ عَلِمَهُ، فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ النِّسْيَانَ غَالِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَأَيُّ مُحَدِّثٍ يَحْفَظُ فِي حِينِهِ جَمِيعَ مَا رَوَاهُ فِي عُمْرِهِ؟ فَصَارَ كَشَكِّ الشَّيْخِ فِي زِيَادَةٍ فِي الْحَدِيثِ أَوْ فِي إعْرَابٍ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمَّا لَمْ يُبْطِلْ الْحَدِيثَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ الشَّكِّ فِيهِ فَكَذَلِكَ أَصْلُ الْحَدِيثِ. [مَسْأَلَةٌ انْفِرَادُ الثِّقَةِ بِزِيَادَةٍ فِي الْحَدِيثِ] عَنْ جَمَاعَةِ النَّقَلَةِ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَوْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ بِنَقْلِ حَدِيثٍ عَنْ جَمِيعِ الْحُفَّاظِ لَقُبِلَ، فَكَذَلِكَ إذَا انْفَرَدَ بِزِيَادَةٍ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ بِمَا أَمْكَنَ. فَإِنْ قِيلَ: يَبْعُدُ انْفِرَادُهُ بِالْحِفْظِ مَعَ إصْغَاءِ الْجَمِيعِ. قُلْنَا تَصْدِيقُ الْجَمِيعِ أَوْلَى إذَا كَانَ مُمْكِنًا وَهُوَ قَاطِعٌ بِالسَّمَاعِ وَالْآخَرُونَ مَا قَطَعُوا بِالنَّفْيِ، فَلَعَلَّ الرَّسُولَ ﷺ ذَكَرَهُ فِي مَجْلِسَيْنِ: فَحَيْثُ ذَكَرَ الزِّيَادَةَ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا الْوَاحِدُ أَوْ كَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَذَكَرَ الزِّيَادَةَ فِي إحْدَى الْكَرَّتَيْنِ وَلَمْ يَحْضُرْ إلَّا الْوَاحِدُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَاوِي النَّقْصِ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْمَجْلِسِ فَلَمْ يَسْمَعْ التَّمَامَ، أَوْ اشْتَرَكُوا فِي الْحُضُورِ وَنَسُوا الزِّيَادَةَ إلَّا وَاحِدًا، أَوْ طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ سَبَبٌ شَاغِلٌ مُدْهِشٌ فَغَفَلَ بِهِ الْبَعْضُ عَنْ الْإِصْغَاءِ فَيَخْتَصُّ بِحِفْظِ الزِّيَادَةِ الْمُقْبِلُ عَلَى الْإِصْغَاءِ، أَوْ عَرَضَ لِبَعْضِ السَّامِعِينَ خَاطِرٌ شَاغِلٌ عَنْ الزِّيَادَةِ أَوْ عَرَضَ لَهُ مُزْعِجٌ يُوجِبُ قِيَامَهُ قَبْلَ التَّمَامِ، فَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ فَلَا يُكَذَّبُ الْعَدْلُ مَا أَمْكَنَ. [مَسْأَلَةٌ رِوَايَةُ بَعْضِ الْخَبَرِ] ِ مُمْتَنِعَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ مَنْ مَنَعَ نَقْلَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَمَنْ جَوَّزَ النَّقْلَ عَلَى الْمَعْنَى جَوَّزَ ذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ رَوَاهُ مَرَّةً بِتَمَامِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْمَذْكُورُ بِالْمَتْرُوكِ تَعَلُّقًا يُغَيِّرُ مَعْنَاهُ، وَأَمَّا إذَا تَعَلَّقَ كَشَرْطِ الْعِبَادَةِ أَوْ رُكْنِهَا أَوْ مَا بِهِ التَّمَامُ فَنَقْلُ الْبَعْضِ تَحْرِيفٌ وَتَلْبِيسٌ، أَمَّا إذَا رَوَى الْحَدِيثَ مَرَّةً تَامًّا وَمَرَّةً نَاقِصًا نُقْصَانًا لَا يُغَيِّرُ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ سُوءُ الظَّنِّ بِالتُّهْمَةِ، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ يُتَّهَمُ بِاضْطِرَابِ النَّقْلِ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ] ِ حَرَامٌ عَلَى الْجَاهِلِ بِمَوَاقِعِ الْخِطَابِ وَدَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ، أَمَّا الْعَالِمُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُحْتَمِلِ وَغَيْرِ الْمُحْتَمِلِ، وَالظَّاهِرِ وَالْأَظْهَرِ، وَالْعَامِّ وَالْأَعَمِّ، فَقَدْ جَوَّزَ لَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَنْقُلَهُ عَلَى الْمَعْنَى إذَا فَهِمَهُ، وَقَالَ فَرِيقٌ: لَا يَجُوزُ إلَّا إبْدَالُ اللَّفْظِ بِمَا يُرَادِفُهُ وَيُسَاوِيهِ فِي الْمَعْنَى، كَمَا يُبْدَلُ الْقُعُودُ بِالْجُلُوسِ وَالْعِلْمُ بِالْمَعْرِفَةِ وَالِاسْتِطَاعَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِبْصَارُ بِالْإِحْسَاسِ بِالْبَصَرِ وَالْحَظْرُ بِالتَّحْرِيمِ وَسَائِرُ مَا لَا يُشَكُّ فِيهِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَفَاوُتٌ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالْفَهْمِ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا فَهِمَهُ قَطْعًا لَا فِيمَا فَهِمَهُ بِنَوْعِ اسْتِدْلَالٍ يَخْتَلِفُ فِيهِ النَّاظِرُونَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْعَالِمِ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ شَرْحِ الشَّرْعِ لِلْعَجَمِ بِلِسَانِهِمْ، فَإِذَا جَازَ إبْدَالُ الْعَرَبِيَّةِ بِعَجَمِيَّةٍ تُرَادِفُهَا فَلَأَنْ يَجُوزَ عَرَبِيَّةٍ بِعَرَبِيَّةٍ تُرَادِفُهَا وَتُسَاوِيهَا أَوْلَى، وَكَذَلِكَ كَانَ سُفَرَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي

стр. 132

الْبِلَادِ يُبَلِّغُونَهُمْ أَوَامِرَهُ بِلُغَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَمِعَ شَهَادَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَعَبُّدَ فِي اللَّفْظِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ فَهْمُ الْمَعْنَى وَإِيصَالُهُ إلَى الْخَلْقِ، وَلِيس ذَلِكَ كَالتَّشَهُّدِ وَالتَّكْبِيرِ وَمَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِاللَّفْظِ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ: ﷺ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» . قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْحُجَّةُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعِلَّةَ وَهُوَ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الْفِقْهِ، فَمَا لَا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ قَدْ نُقِلَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْأَلْفَاظِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَنُقِلَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً» وَ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً» وَرُوِيَ: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ» وَرُوِيَ «حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ» وَكَذَلِكَ الْخُطَبُ الْمُتَّحِدَةُ وَالْوَقَائِعُ الْمُتَّحِدَةُ رَوَاهَا الصَّحَابَةُ ﵃ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ. [مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ مَقْبُولٌ] ٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجَمَاهِيرِ. وَمَرْدُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ " ﷺ مَنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ أَوْ قَالَ مَنْ لَمْ يُعَاصِرْ أَبَا هُرَيْرَةَ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " وَالدَّلِيلُ أَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ شَيْخَهُ وَلَمْ يُعَدِّلْهُ وَبَقِيَ مَجْهُولًا عِنْدَنَا لَمْ نَقْبَلْهُ، فَإِذَا لَمْ يُسَمِّهِ فَالْجَهْلُ أَتَمُّ، فَمَنْ لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ كَيْفَ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ؟ فَإِنْ قِيلَ: رِوَايَةُ الْعَدْلِ عَنْهُ تَعْدِيلٌ. فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ، فَإِنَّ الْعَدْلَ قَدْ يَرْوِي عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَتَوَقَّفَ فِيهِ أَوْ جَرَّحَهُ، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ رَوَوْا عَمَّنْ إذَا سُئِلُوا عَنْهُ عَدَّلُوهُ مَرَّةً وَجَرَّحُوهُ أُخْرَى أَوْ قَالُوا لَا نَدْرِي، فَالرَّاوِي عَنْهُ سَاكِتٌ عَنْ تَعْدِيلِهِ. وَلَوْ كَانَ السُّكُوتُ عَنْ الْجَرْحِ تَعْدِيلًا لَكَانَ السُّكُوتُ عَنْ التَّعْدِيلِ جَرْحًا، وَلَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي إذَا جَرَّحَ مَنْ رَوَى عَنْهُ مُكَذِّبًا نَفْسَهُ؛ وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَيْسَ تَعْدِيلًا لِلْأَصْلِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ. وَافْتِرَاقُ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي بَعْضِ التَّعَبُّدَاتِ لَا يُوجِبُ فَرْقًا فِي هَذَا الْمَعْنَى كَمَا لَمْ يُوجِبْ فَرْقًا فِي مَنْعِ قَبُولِ رِوَايَةِ الْمَجْرُوحِ وَالْمَجْهُولِ. وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: لَا يَشْهَدُ الْعَدْلُ إلَّا عَلَى شَهَادَةِ عَدْلٍ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ وَوَجَبَ فِيهَا مَعْرِفَةُ عَيْنِ الشَّيْخِ وَالْأَصْلِ حَتَّى يُنْظَرَ فِي حَالِهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: الْعَنْعَنَةُ كَافِيَةٌ فِي الرِّوَايَةِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ " رَوَى فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ " يَحْتَمِلُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، بَلْ بَلَغَهُ بِوَاسِطَةٍ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ يُقْبَلُ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ لَا يُقْبَلُ. قُلْنَا: هَذَا إذَا لَمْ يُوجِبْ فَرْقًا فِي رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ. وَالْمُرْسَلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مَجْهُولٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ. ثُمَّ الْعَنْعَنَةُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا فِي الْكَتَبَةِ، فَإِنَّهُمْ اسْتَثْقَلُوا أَنْ يَكْتُبُوا عِنْدَ كُلِّ اسْمٍ " رَوَى عَنْ فُلَانٍ سَمَاعًا مِنْهُ " وَشَحُّوا عَلَى الْقِرْطَاسِ وَالْوَقْتِ أَنْ يُضَيِّعُوهُ فَأَوْجَزُوا. وَإِنَّمَا يُقْبَلُ فِي الرِّوَايَةِ ذَلِكَ إذَا عُلِمَ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ أَوْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ السَّمَاعَ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ السَّمَاعَ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ فَلَا يُقْبَلُ. الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا جَدَلًا أَنَّ الرِّوَايَةَ تَعْدِيلٌ فَتَعْدِيلُهُ الْمُطْلَقُ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ، فَلَوْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ ثِقَةٍ لَمْ يَلْزَمْ قَبُولُهُ، وَإِنْ سَلَّمَ قَبُولَ التَّعْدِيلِ

стр. 133

الْمُطْلَقِ فَذَلِكَ فِي حَقِّ شَخْصٍ نَعْرِفُ عَيْنَهُ وَلَا يُعْرَفُ بِفِسْقٍ، أَمَّا مَنْ لَمْ نَعْرِفْ عَيْنَهُ فَلَعَلَّهُ لَوْ ذَكَرَهُ لَعَرَفْنَاهُ بِفِسْقٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُعَدِّلُ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى فِي كُلِّ مُكَلَّفٍ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ وَلَا يُعْلَمُ عَجْزُهُ مَا لَمْ يَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ. وَبِمِثْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يُقْبَلْ تَعْدِيلُ شَاهِدِ الْفَرْعِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَعْرِفْ الْأَصْلَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، فَلَعَلَّ الْحَاكِمَ يَعْرِفُهُ بِفِسْقٍ وَعَدَاوَةٍ، وَغَيْرُهُ احْتَجُّوا بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى قَبُولِ مُرْسَلِ الْعَدْلِ، فَابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ كَثْرَةِ رِوَايَتِهِ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ وَقَالَ: " حَدَّثَنِي بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ " وَرَوَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» ، فَلَمَّا رُوجِعَ قَالَ: " حَدَّثَنِي بِهِ أَخِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ". وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ» ثُمَّ أَسْنَدَهُ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فِي رَمَضَانَ فَلَا صَوْمَ لَهُ» وَقَالَ: مَا أَنَا قُلْتُهَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَهَا، فَلَمَّا رُوجِعَ قَالَ: " حَدَّثَنِي بِهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: مَا كُلُّ مَا نُحَدِّثُكُمْ بِهِ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَكِنْ سَمِعْنَا بَعْضَهُ وَحَدَّثَنَا أَصْحَابُهُ بِبَعْضِهِ. أَمَّا التَّابِعُونَ فَقَدْ قَالَ النَّخَعِيُّ: إذَا قُلْت حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ حَدَّثَنِي، وَإِذَا قُلْتُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ. وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ قَبُولُ الْمُرْسَلِ. وَالْجَوَابُ مَنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ وَيَدُلُّ عَلَى قَبُولِ بَعْضِهِمْ الْمَرَاسِيلَ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا إجْمَاعٌ أَصْلًا. وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُمْلَةَ لَمْ يَقْبَلُوا الْمَرَاسِيلَ وَلِذَلِكَ بَاحَثُوا ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِمْ لَا لِشَكٍّ فِي عَدَالَتِهِمْ وَلَكِنْ لِلْكَشْفِ عَنْ الرَّاوِي. فَإِنْ قِيلَ: قَبِلَ بَعْضُهُمْ وَسَكَتَ الْآخَرُونَ فَكَانَ إجْمَاعًا. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ الْإِجْمَاعِ بِسُكُوتِهِمْ لَا سِيَّمَا فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ، بَلْ لَعَلَّهُ سَكَتَ مُضْمِرًا لِلْإِنْكَارِ أَوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ مِنْ الْمُنْكِرِينَ لِلْمُرْسَلِ مَنْ قَبِلَ مُرْسَلَ الصَّحَابِيِّ لِأَنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَ إلَيْهِ مَرَاسِيلَ التَّابِعِينَ لِأَنَّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَ كِبَارَ التَّابِعِينَ بِقَبُولِ مُرْسَلِهِ. وَالْمُخْتَارُ عَلَى قِيَاسِ رَدِّ الْمُرْسَلِ أَنَّ التَّابِعِيَّ وَالصَّحَابِيَّ إذَا عُرِفَ بِصَرِيحِ خَبَرِهِ أَوْ بِعَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ قُبِلَ مُرْسَلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَرْوُونَ عَنْ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ مِنْ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا صُحْبَةَ لَهُمْ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ لَنَا عَدَالَةُ أَهْلِ الصُّحْبَةِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ بَعْدَ الْإِرْسَالِ: حَدَّثَنِي بِهِ رَجُلٌ عَلَى بَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فِيمَا أَرْسَلَهُ عَنْ بُسْرَةَ: حَدَّثَنِي بِهِ بَعْضُ الْحَرَسِ. [مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى] مَقْبُولٌ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نَقَلَهُ الْعَدْلُ وَصِدْقُهُ فِيهِ مُمْكِنٌ وَجَبَ تَصْدِيقُهُ، فَمَسُّ الذَّكَرِ مَثَلًا نَقَلَهُ الْعَدْلُ وَصِدْقُهُ فِيهِ مُمْكِنٌ فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ بِكَذِبِ نَاقِلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِنَقْلِ مَا تُحِيلُ الْعَادَةُ فِيهِ أَنْ لَا يَسْتَفِيضَ كَقَتْلِ أَمِيرٍ فِي السُّوقِ وَعَزْلِ وَزِيرٍ وَهُجُومٍ فِي الْجَامِعِ مَنَعَ النَّاسَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَوْ كَخَسْفٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ أَوْ انْقِضَاضِ كَوْكَبٍ عَظِيمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعَجَائِبِ، فَإِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى إشَاعَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ وَيَسْتَحِيلُ انْكِتَامُهُ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّهُ ﷺ -

стр. 134

تَعَبَّدَ بِإِشَاعَتِهِ وَاعْتَنَى بِإِلْقَائِهِ إلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ الدَّوَاعِيَ تَتَوَفَّرُ عَلَى إشَاعَتِهِ وَنَقْلِهِ لِأَنَّهُ أَصْلُ الدِّينِ، وَالْمُنْفَرِدُ بِرِوَايَةِ سُورَةٍ أَوْ آيَةٍ كَاذِبٌ قَطْعًا، فَأَمَّا مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا نَقْطَعُ بِكَذِبِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقْطَعُ بِكَذِبِهِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِرَارًا وَكَانَتْ الطَّهَارَةُ تَنْتَقِضُ بِهِ لَا يَحِلُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَشِيعَ حُكْمَهُ وَيُنَاجِيَ بِهِ الْآحَادَ؛ إذْ يُؤَدِّي إلَى إخْفَاءِ الشَّرْعِ وَإِلَى أَنْ تَبْطُلَ صَلَاةُ الْعِبَادِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَتَجِبُ الْإِشَاعَةُ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَكَذَلِكَ مَسُّ الذَّكَرِ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فَكَيْفَ يَخْفَى حُكْمُهُ؟ قُلْنَا: هَذَا يَبْطُلُ أَوَّلًا بِالْوَتْرِ وَحُكْمِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَالْقَهْقَهَةِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ وَتَثْنِيَتِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَقَدْ أَثْبَتُوهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. فَإِنْ زَعَمُوا أَنْ لَيْسَ عُمُومُ الْبَلْوَى فِيهَا كَعُمُومِهَا فِي الْأَحْدَاثِ، فَنَقُولُ: فَلَيْسَ عُمُومُ الْبَلْوَى فِي اللَّمْسِ وَالْمَسِّ كَعُمُومِهَا فِي خُرُوجِ الْأَحْدَاثِ، فَقَدْ يَمْضِي عَلَى الْإِنْسَانِ مُدَّةٌ لَا يَلْمِسُ وَلَا يَمَسُّ الذَّكَرَ إلَّا فِي حَالَةِ الْحَدَثِ كَمَا لَا يَفْتَصِدُ وَلَا يَحْتَجِمُ إلَّا أَحْيَانًا فَلَا فَرْقَ. وَالْجَوَابُ الثَّانِي وَهُوَ التَّحْقِيقُ: أَنَّ الْفَصْدَ وَالْحِجَامَةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَكِنَّهُ يَكْثُرُ، فَكَيْفَ أُخْفِيَ حُكْمُهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى بُطْلَانِ صَلَاةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْأَكْثَرَ فَكَيْفَ وَكُلُّ ذَلِكَ إلَى الْآحَادِ؟ وَلَا سَبَبَ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ رَسُولَهُ ﷺ إشَاعَةَ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، بَلْ كَلَّفَهُ إشَاعَةَ الْبَعْضِ وَجَوَّزَ لَهُ رَدَّ الْخَلْقِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْبَعْضِ، كَمَا جَوَّزَ لَهُ رَدَّهُمْ إلَى الْقِيَاسِ فِي قَاعِدَةِ الرِّبَا، وَكَانَ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا تَبِيعُوا الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ أَوْ الْمَكِيلَ بِالْمَكِيلِ، حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَنْ جُمْلَةِ مَا تَقْتَضِي مَصْلَحَةُ الْخَلْقِ أَنْ يَرُدُّوا فِيهِ إلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ صِدْقُ الرَّاوِي مُمْكِنًا فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ، وَلَيْسَ عِلَّةُ الْإِشَاعَةِ عُمُومَ الْحَاجَةِ أَوْ نُدُورَهَا، بَلْ عِلَّتُهُ التَّعَبُّدُ وَالتَّكْلِيفُ مِنْ اللَّهِ، وَإِلَّا فَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَثِيرٌ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَكْثَرُ فِي كَوْنِهِ شَرْعًا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْفَى. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الضَّابِطُ لِمَا تَعَبَّدَ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ؟ قُلْنَا: إنْ طَلَبْتُمْ ضَابِطًا لِجَوَازِهِ عَقْلًا فَلَا ضَابِطَ بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ فِي تَكْلِيفِ رَسُولِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ وُقُوعَهُ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَإِذَا اسْتَقْرَيْنَا السَّمْعِيَّاتِ وَجَدْنَاهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، الْأَوَّلُ: الْقُرْآنُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ عُنِيَ بِالْمُبَالَغَةِ فِي إشَاعَتِهِ. الثَّانِي: مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسُ، كَكَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَقَدْ أَشَاعَهُ إشَاعَةً اشْتَرَكَ فِي مَعْرِفَتِهِ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ. الثَّالِثُ: أُصُولُ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً مِثْلُ أَصْلِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا قَدْ تَوَاتَرَ، بَلْ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ، فَإِنَّ هَذَا تَوَاتَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَامَتْ بِهِ الْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ إمَّا بِالتَّوَاتُرِ وَإِمَّا بِنَقْلِ الْآحَادِ فِي مَشْهَدِ الْجَمَاعَاتِ مَعَ سُكُوتِهِمْ، وَالْحُجَّةُ تَقُومُ بِهِ، وَلَكِنَّ الْعَوَامَّ لَمْ يُشَارِكُوا الْعُلَمَاءَ فِي الْعِلْمِ، بَلْ فَرْضُ الْعَوَامّ فِيهِ الْقَبُولُ مِنْ الْعُلَمَاءِ. الرَّابِعُ: تَفَاصِيلُ هَذِهِ الْأُصُولِ، فَمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَالْعِبَادَاتِ وَيَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مِنْ اللَّمْسِ وَالْمَسِّ وَالْقَيْءِ وَتَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَهَذَا الْجِنْسُ مِنْهُ مَا شَاعَ وَمِنْهُ مَا نَقَلَهُ الْآحَادُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى،

стр. 135

فَمَا نَقَلَهُ الْآحَادُ فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ وَلَا مَانِعَ، فَإِنَّ مَا أَشَاعَهُ كَانَ يَجُوزُ أَنْ لَا يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ، وَمَا وَكَّلَهُ إلَى الْآحَادِ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالْإِشَاعَةِ، لَكِنَّ وُقُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَبُّدَ وَقَعَ كَذَلِكَ فَمَا كَانَ يُخَالِفُ أَمَرَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْأَخْبَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ أُصُولِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعُ وَفِيهِ أَبْوَابٌ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إثْبَاتِ كَوْن الْإِجْمَاع حُجَّةً عَلَى مُنْكِرِيهِ] الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ أُصُولِ الْأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعُ وَفِيهِ أَبْوَابٌ الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي إثْبَاتِ كَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى مُنْكِرِيهِ. وَمَنْ حَاوَلَ إثْبَاتَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً افْتَقَرَ إلَى تَفْهِيمِ لَفْظِ الْإِجْمَاعِ أَوَّلًا وَبَيَانِ تَصَوُّرِهِ ثَانِيًا وَبَيَانِ إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ ثَالِثًا وَبَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً رَابِعًا. أَمَّا تَفْهِيمُ لَفْظِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ اتِّفَاقَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ الِاتِّفَاقُ وَالْإِزْمَاعُ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. فَمَنْ أَزْمَعَ وَصَمَّمَ الْعَزْمَ عَلَى إمْضَاءِ أَمْرٍ يُقَالُ: أَجْمَعَ، وَالْجَمَاعَةُ إذَا اتَّفَقُوا يُقَالُ: أَجْمَعُوا. وَهَذَا يَصْلُحُ لِإِجْمَاعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلِلِاتِّفَاقِ فِي غَيْرِ أَمْرِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَ اللَّفْظَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَذَهَبَ النَّظَّامُ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ وَإِنْ كَانَ قَوْلَ وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، لَكِنَّهُ سَوَّاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ إذْ لَمْ يَرَ الْإِجْمَاعَ حُجَّةً، وَتَوَاتَرَ إلَيْهِ بِالتَّسَامُعِ تَحْرِيمُ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، فَقَالَ: هُوَ كُلُّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ. أَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ تَصَوُّرُهُ: فَدَلِيلُ تَصَوُّرِهِ وُجُودُهُ، فَقَدْ وَجَدْنَا الْأُمَّةَ مُجْمِعَةً عَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ خَمْسٌ، وَأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، وَكَيْفَ يَمْتَنِعُ تَصَوُّرُهُ وَالْأَمَةُ كُلُّهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِاتِّبَاعِ النُّصُوصِ وَالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ وَمُعَرَّضُونَ لِلْعِقَابِ بِمُخَالَفَتِهَا؟ فَكَمَا لَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِتَوَافُقِ الدَّوَاعِي فَكَذَلِكَ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَاتِّقَاءِ النَّارِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأُمَّةُ مَعَ كَثْرَتِهَا وَاخْتِلَافِ دَوَاعِيهَا فِي الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِّ وَالْعِنَادِ فِيهِ كَيْفَ تَتَّفِقُ آرَاؤُهَا؟ فَذَلِكَ مُحَالٌ مِنْهَا كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَكْلِ الزَّبِيبِ مَثَلًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. قُلْنَا: لَا صَارِفَ لِجَمِيعِهِمْ إلَى تَنَاوُلِ الزَّبِيبِ خَاصَّةً، وَلِجَمِيعِهِمْ بَاعِثٌ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِالْحَقِّ، كَيْفَ وَقَدْ تُصُوِّرَ إطْبَاقُ الْيَهُودِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، فَلِمَ لَا يُتَصَوَّرُ إطْبَاقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ؟ وَالْكَثْرَةُ إنَّمَا تُؤْثَرُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَشْبَاهِ وَالدَّوَاعِي وَالصَّوَارِفِ، وَمُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ فِي الْأَكْثَرِ نُصُوصٌ مُتَوَاتِرَةٌ وَأُمُورٌ مَعْلُومَةٌ ضَرُورَةً بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَالْعُقَلَاءُ كُلُّهُمْ فِيهِ عَلَى مَنْهَجٍ وَاحِدٍ. نَعَمْ هَلْ يُتَصَوَّرُ الْإِجْمَاعُ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ قِيَاسٍ؟ ذَلِكَ فِيهِ كَلَامٌ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ. أَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ تَصَوُّرُ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْإِجْمَاعِ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَوْ تُصُوِّرَ إجْمَاعُهُمْ فَمَنْ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ مَعَ تَفَرُّقِهِمْ فِي الْأَقْطَارِ؟ فَنَقُولُ: يُتَصَوَّرُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِمُشَافَهَتِهِمْ إنْ كَانُوا عَدَدًا يُمْكِنُ لِقَاؤُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عُرِفَ مَذْهَبُ قَوْمٍ بِالْمُشَافَهَةِ وَمَذْهَبُ الْآخَرِينَ بِأَخْبَارِ التَّوَاتُرِ عَنْهُمْ كَمَا عَرَفْنَا أَنَّ مَذْهَبَ جَمِيعِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْعُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وَبُطْلَانُ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، وَمَذْهَبُ جَمِيعِ النَّصَارَى التَّثْلِيثُ، وَمَذْهَبُ جَمِيعِ الْمَجُوسِ التَّثْنِيَةُ. فَإِنْ قِيلَ: مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ مُسْتَنِدٌ إلَى قَائِلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَوْلُ الْوَاحِدِ يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ النَّصَارَى يَسْتَنِدُ إلَى عِيسَى ﵇، أَمَّا قَوْلُ جَمَاعَةٍ لَا يَنْحَصِرُونَ كَيْفَ يُعْلَمُ؟ قُلْنَا وَقَوْلُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أُمُورِ الدِّينِ يَسْتَنِدُ إلَى مَا فَهِمُوهُ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ -

стр. 136

وَسَمِعُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ إذَا انْحَصَرَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فَكَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ قَوْلُ وَاحِدٍ أَمْكَنَ أَنْ يُعْلَمَ قَوْلُ الثَّانِي إلَى الْعَشَرَةِ، وَالْعِشْرِينَ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّ أَحَدًا مِنْهُمْ فِي أَسْرِ الْكُفَّارِ وَبِلَادِ الرُّومِ. قُلْنَا: تَجِبُ مُرَاجَعَتُهُ. وَمَذْهَبُ الْأَسِيرِ يُنْقَلُ كَمَذْهَبِ غَيْرِهِ وَتُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ، فَمَنْ شَكَّ فِي مُوَافَقَتِهِ لِلْآخَرِينَ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا لِلْإِجْمَاعِ فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ عُرِفَ مَذْهَبُهُ رُبَّمَا يَرْجِعُ عَنْهُ بَعْدَهُ. قُلْنَا: لَا أَثَرَ لِرُجُوعِهِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مَحْجُوجًا بِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ رُجُوعُ جَمِيعِهِمْ إذْ يَصِيرُ أَحَدُ الْإِجْمَاعَيْنِ خَطَأً وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ. أَمَّا الرَّابِعُ: وَهُوَ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَفِيهِ الشَّأْنُ كُلُّهُ وَكَوْنُهُ حُجَّةً إنَّمَا يُعْلَمُ بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ أَوْ عَقْلٍ، أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِهِ. وَقَدْ طَمِعُوا فِي التَّلَقِّي مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ وَأَقْوَاهَا السُّنَّةُ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَسَالِكَ الثَّلَاثَةَ. الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ التَّمَسُّكُ بِالْكِتَابِ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الْآيَةَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وَمَفْهُومُهُ: أَنَّ مَا اتَّفَقْتُمْ فِيهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَقَوْلُهُ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] مَفْهُومُهُ: إنْ اتَّفَقْتُمْ فَهُوَ حَقٌّ. فَهَذِهِ كُلُّهَا ظَوَاهِرُ لَا تَنُصُّ عَلَى الْغَرَضِ، بَلْ لَا تَدُلُّ أَيْضًا دَلَالَةَ الظَّوَاهِرِ. وَأَقْوَاهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ اتِّبَاعَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ. وَهَذَا مَا تَمَسَّك بِهِ الشَّافِعِيُّ وَقَدْ أَطْنَبْنَا فِي كِتَابِ تَهْذِيبِ الْأُصُولِ فِي تَوْجِيهِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى الْآيَةِ وَدَفْعِهَا. وَاَلَّذِي نَرَاهُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي الْغَرَضِ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنَّ مَنْ يُقَاتِلْ الرَّسُولَ وَيُشَاقِّهِ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مُشَايَعَتِهِ وَنُصْرَتِهِ وَدَفْعِ الْأَعْدَاءِ عَنْهُ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِتَرْكِ الْمُشَاقَّةِ حَتَّى تَنْضَمَّ إلَيْهِ مُتَابَعَةُ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي نُصْرَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ وَالِانْقِيَادِ لَهُ فِيمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا فَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَلَوْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْآيَةَ بِذَلِكَ لَقُبِلَ وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِلنَّصِّ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ الْمُشَاقَّةَ بِالْمُوَافَقَةِ وَاتِّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعُدُولِ عَنْ سَبِيلِهِمْ. الْمَسْلَكُ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَقْوَى: التَّمَسُّك بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» . وَهَذَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَقْوَى وَأَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالْمُتَوَاتِرِ كَالْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ مُتَوَاتِرٌ، لَكِنْ لَيْسَ بِنَصٍّ. فَطَرِيقُ تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ أَنْ نَقُولَ: تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى فِي عِصْمَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الْخَطَأِ، وَاشْتُهِرَ عَلَى لِسَانِ الْمَرْمُوقِينَ وَالثِّقَاتِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَطُولُ ذِكْرُهُ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ» ، «وَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ»

стр. 137

وَ «سَأَلْت اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلَى الضَّلَالَةِ فَأَعْطَانِيهَا» ، وَ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْكُنَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ» وَ «إنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» ، وَقَوْلُهُ ﷺ «يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَلَا يُبَالِي اللَّهُ بِشُذُوذِ مَنْ شَذَّ» وَ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ» وَرُوِيَ: «لَا يَضُرُّهُمْ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ إلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ وَمَنْ خَرَجَ عَنْ الْجَمَاعَةِ أَوْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، وَمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» . وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ لَمْ تَزَلْ ظَاهِرَةً فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى زَمَانِنَا هَذَا لَمْ يَدْفَعْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا، بَلْ هِيَ مَقْبُولَةٌ مِنْ مُوَافِقِي الْأُمَّةِ وَمُخَالِفِيهَا، وَلَمْ تَزَلْ الْأُمَّةُ تَحْتَجُّ بِهَا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ الْحُجَّةِ، وَدَعْوَى التَّوَاتُرِ فِي آحَادِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَنَقْلُ الْآحَادِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ؟ قُلْنَا: فِي تَقْرِيرِ وَجْهِ الْحُجَّةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ نَدَّعِيَ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَظَّمَ شَأْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَخْبَرَ عَنْ عِصْمَتِهَا عَنْ الْخَطَأِ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَإِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ آحَادُهَا، وَبِمِثْلِ ذَلِكَ نَجِدُ أَنْفُسَنَا مُضْطَرِّينَ إلَى الْعِلْمِ بِشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وَسَخَاوَةِ حَاتِمٍ وَفِقْهِ الشَّافِعِيِّ وَخَطَابَةِ الْحَجَّاجِ وَمَيْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى عَائِشَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَتَعْظِيمِهِ صَحَابَتَهُ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ آحَادُ الْأَخْبَارِ فِيهَا مُتَوَاتِرَةً، بَلْ يَجُوزُ الْكَذِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَوْ جَرَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْمَجْمُوعِ. وَذَلِكَ يُشْبِهُ مَا يُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِ قَرَائِنَ آحَادِهَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الِاحْتِمَالِ، وَلَكِنْ يَنْتَفِي الِاحْتِمَالُ عَنْ مَجْمُوعِهَا حَتَّى يَحْصُلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ لَا نَدَّعِيَ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ بَلْ عِلْمَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَمْ تَزَلْ مَشْهُورَةً بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا فِي إثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ وَلَا يُظْهِرُ أَحَدٌ فِيهَا خِلَافًا وَإِنْكَارًا إلَى زَمَانِ النَّظَّامِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ تَوَافُقُ الْأُمَمِ فِي أَعْصَارٍ مُتَكَرِّرَةٍ عَلَى التَّسْلِيمِ لِمَا لَمْ تَقُمْ الْحُجَّةُ بِصِحَّتِهِ مَعَ اخْتِلَافِ الطِّبَاعِ وَتَفَاوُتِ الْهِمَمِ وَالْمَذَاهِبِ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَكَّ حُكْمٌ ثَبَتَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ عَنْ خِلَافِ مُخَالِفٍ وَإِبْدَاءِ تَرَدُّدٍ فِيهِ. الْوَجْهُ: أَنَّ الْمُحْتَجِّينَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ أَثْبَتُوا بِهَا أَصْلًا مَقْطُوعًا بِهِ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي يُحْكَمُ بِهِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ التَّسْلِيمُ لِخَبَرٍ يُرْفَعُ بِهِ الْكِتَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ إلَّا إذَا اسْتَنَدَ إلَى مُسْتَنَدٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَأَمَّا رَفْعُ الْمَقْطُوعِ بِمَا لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ فَلَيْسَ مَعْلُومًا، حَتَّى لَا يَتَعَجَّبَ مُتَعَجِّبٌ وَلَا يَقُولَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَرْفَعُونَ الْكِتَابَ الْقَاطِعَ بِإِجْمَاعٍ مُسْتَنِدٍ إلَى خَبَرٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ؟ وَكَيْفَ تَذْهَلُ عَنْهُ جَمِيعُ الْأُمَّةِ إلَى زَمَانِ النَّظَّامِ فَيُخْتَصُّ بِالتَّنَبُّهِ لَهُ؟ هَذَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ، وَلِلْمُنْكِرِينَ فِي مُعَارَضَتِهِ ثَلَاثَةُ مَقَامَاتٍ: الرَّدُّ وَالتَّأْوِيلُ وَالْمُعَارَضَةُ الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: فِي الرَّدِّ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَسْئِلَةٍ: السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ: لَعَلَّ وَاحِدًا خَالَفَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ وَرَدَّهَا وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا. قُلْنَا: هَذَا أَيْضًا تُحِيلُهُ الْعَادَةُ إذْ الْإِجْمَاعُ أَعْظَمُ أُصُولِ الدِّينِ، فَلَوْ خَالَفَ فِيهِ مُخَالِفٌ لَعَظُمَ الْأَمْرُ فِيهِ وَاشْتَهَرَ الْخِلَافُ، إذْ لَمْ يَنْدَرِسْ خِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ وَمَسْأَلَةِ الْحَرَامِ وَحَدِّ الشُّرْبِ. فَكَيْفَ انْدَرَسَ الْخِلَافُ فِي أَصْلٍ عَظِيمٍ يَلْزَمُ فِيهِ التَّضْلِيلُ وَالتَّبْدِيعُ لِمَنْ أَخْطَأَ فِي نَفْيِهِ وَإِثْبَاتِهِ؟ وَكَيْفَ اشْتَهَرَ خِلَافُ النَّظَّامِ مَعَ سُقُوطِ

стр. 138

قَدْرِهِ وَخِسَّةِ رُتْبَتِهِ وَخَفِيَ خِلَافُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؟ هَذَا مِمَّا لَا يَتَّسِعُ لَهُ عَقْلٌ أَصْلًا. السُّؤَالُ الثَّانِي: قَالُوا: قَدْ اسْتَدْلَلْتُمْ بِالْخَبَرِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ اسْتَدْلَلْتُمْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ، فَهَبْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى الصِّحَّةِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَهَلْ النِّزَاعُ إلَّا فِيهِ؟ قُلْنَا: لَا، بَلْ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى الْإِجْمَاعِ بِالْخَبَرِ وَعَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ بِخُلُوِّ الْأَعْصَارِ عَنْ الْمُدَافَعَةِ وَالْمُخَالَفَةِ لَهُ مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي إنْكَارَ إثْبَاتِ أَصْلٍ قَاطِعٍ يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْقَوَاطِعِ بِخَبَرٍ غَيْرِ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ، فَعَلِمْنَا بِالْعَادَةِ كَوْنَ الْخَبَرِ مَقْطُوعًا بِهِ لَا بِالْإِجْمَاعِ، وَالْعَادَةُ أَصْلٌ يُسْتَفَادُ مِنْهَا مَعَارِفُ، فَإِنَّ بِهَا يُعْلَمُ بُطْلَانُ دَعْوَى مُعَارَضَةِ الْقُرْآنِ وَانْدِرَاسُهَا، وَبِهَا يُعْلَمُ بُطْلَانُ دَعْوَى نَصِّ الْإِمَامَةِ، وَإِيجَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَصَوْمِ شَوَّالٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ لَاسْتَحَالَ فِي الْعَادَةِ السُّكُوتُ عَنْهُ. السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَالُوا: بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ لَعَلَّهُمْ أَثْبَتُوا الْإِجْمَاعَ لَا بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ بَلْ بِدَلِيلٍ آخَرَ؟ قُلْنَا: قَدْ ظَهَرَ مِنْهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي الْمَنْعِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ وَتَهْدِيدِ مَنْ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ وَيُخَالِفُهَا. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُسْتَنَدٌ لَظَهَرَ وَانْتَشَرَ، فَإِنَّهُ قَدْ نُقِلَ تَمَسُّكُهُمْ أَيْضًا بِالْآيَاتِ. السُّؤَالُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: لَمَّا عَلِمَتْ الصَّحَابَةُ صِحَّةَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ لِمَ لَمْ يَذْكُرُوا طَرِيقَ صِحَّتِهَا لِلتَّابِعِينَ حَتَّى كَانَ يَنْقَطِعُ الِارْتِيَابُ وَيُشَارِكُونَهُمْ فِي الْعِلْمِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا تَعْرِيفَهُ ﵇ عِصْمَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَجْمُوعِ قَرَائِنَ وَأَمَارَاتٍ وَتَكْرِيرَاتِ أَلْفَاظٍ وَأَسْبَابٍ دَلَّتْ ضَرُورَةً عَلَى قَصْدِهِ إلَى بَيَانِ نَفْيِ الْخَطَأِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَتِلْكَ الْقَرَائِنُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحِكَايَةِ وَلَا تُحِيطُ بِهَا الْعِبَارَاتُ، وَلَوْ حَكَوْهَا لَتَطَرَّقَ إلَى آحَادِهَا احْتِمَالَاتٌ، فَاكْتَفَوْا بِعِلْمِ التَّابِعِينَ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وَيَقَعُ التَّسْلِيمُ فِي الْعَادَةِ بِهِ، فَكَانَتْ الْعَادَةُ فِي حَقِّ التَّابِعِينَ أَقْوَى مِنْ الْحِكَايَةِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: فِي التَّأْوِيلِ. وَلَهُمْ تَأْوِيلَاتٌ ثَلَاثَةٌ، الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: ﷺ «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» يُنَبِّئُ عَنْ الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ عِصْمَةَ جَمِيعِهِمْ عَنْ الْكُفْرِ: بِالتَّأْوِيلِ وَالشُّبْهَةِ، وَقَوْلُهُ " عَلَى الْخَطَأِ " لَمْ يَتَوَاتَرْ، وَإِنْ صَحَّ فَالْخَطَأُ عَامٌّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْكُفْرِ. قُلْنَا: الضَّلَالُ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ لَا يُنَاسِبُ الْكُفْرَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] وَقَالَ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى: ﵇: ﴿فَعَلْتُهَا إذًا وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] وَمَا أَرَادَ مِنْ الْكَافِرِينَ بَلْ أَرَادَ مِنْ الْمُخْطِئِينَ، يُقَالُ: ضَلَّ فُلَانٌ عَنْ الطَّرِيقِ وَضَلَّ سَعْيُ فُلَانٍ كُلُّ ذَلِكَ الْخَطَأُ، كَيْفَ وَقَدْ فُهِمَ ضَرُورَةً مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَعْظِيمُ شَأْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتَخْصِيصُهَا بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ؟ أَمَّا الْعِصْمَةُ عَنْ الْكُفْرِ فَقَدْ أُنْعِمَ بِهَا فِي حَقِّ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ وَزَيْدٍ عَلَى مَذْهَبِ النَّظَّامِ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْحَقِّ، وَكَمْ مِنْ آحَادٍ عُصِمُوا عَنْ الْكُفْرِ حَتَّى مَاتُوا، فَأَيُّ خَاصِّيَّةٍ لِلْأُمَّةِ؟ فَدَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ مَا لَمْ يُعْصَمْ عَنْهُ الْآحَادُ مِنْ سَهْوٍ وَخَطَأٍ وَكَذِبٍ يُعْصَمُ عَنْهُ الْأُمَّةُ تَنْزِيلًا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ مَنْزِلَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعِصْمَةِ عَنْ الْخَطَأِ فِي الدِّينِ، أَمَّا فِي غَيْرِ الدِّينِ مِنْ إنْشَاءِ حَرْبٍ وَصُلْحٍ وَعِمَارَةِ بَلْدَةٍ فَالْعُمُومُ يَقْتَضِي الْعِصْمَةَ لِلْأُمَّةِ عَنْهُ أَيْضًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَأَمْرُ الدِّينِ مَقْطُوعٌ بِوُجُوبِ الْعِصْمَةِ فِيهِ كَمَا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ أَخْطَأَ فِي أَمْرِ تَأْبِيرِ النَّخْلِ ثُمَّ قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْرَفُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ وَأَنَا أَعْرَفُ بِأَمْرِ دِينِكُمْ»

стр. 139

التَّأْوِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ غَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَامًّا يُوجِبُ الْعِصْمَةَ عَنْ كُلِّ خَطَأٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ مِنْ الشَّهَادَةِ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ مَا يُوَافِقُ النَّصَّ الْمُتَوَاتِرَ أَوْ يُوَافِقُ دَلِيلَ الْعَقْلِ دُونَ مَا يَكُونُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ. قُلْنَا: لَا ذَاهِبَ مِنْ الْأُمَّةِ إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، إذْ مَا دَلَّ مِنْ الْعَقْلِ عَلَى تَجْوِيزِ الْخَطَأِ عَلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ دَلَّ عَلَى تَجْوِيزٍ فِي شَيْءٍ آخَرَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَارِقٌ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصٌ بِالتَّحَكُّمِ دُونَ دَلِيلٍ وَلَمْ يَكُنْ تَخْصِيصٌ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصٍ، وَقَدْ ذُمَّ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ وَأُمِرَ بِالْمُوَافَقَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَا فِيهِ الْعِصْمَةُ مَعْلُومًا اسْتَحَالَ الِاتِّبَاعُ إلَّا إنْ ثَبَتَ الْعِصْمَةُ مُطْلَقًا، وَبِهِ ثَبَتَتْ فَضِيلَةُ الْأُمَّةِ وَشَرَفُهَا، فَأَمَّا الْعِصْمَةُ عَنْ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَهَذَا يَثْبُتُ لِكُلِّ كَافِرٍ فَضْلًا عَنْ الْمُسْلِمِ، إذْ مَا مِنْ شَخْصٍ يُخْطِئُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَلْ كُلُّ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يُعْصَمُ عَنْ الْخَطَأِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ. التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ أُمَّتَهُ ﷺ كُلُّ مَنْ آمَنَ بِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجُمْلَةُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إلَى آخَرِ عُمْرِ الدُّنْيَا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ بَلْ كُلُّ حُكْمٍ انْقَضَى عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ كُلِّهَا بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ حَقٌّ، إذْ الْأُمَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ، كَيْفَ وَاَلَّذِينَ مَاتُوا فِي زَمَانِنَا هُمْ مِنْ الْأُمَّةِ؟ وَإِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ لَيْسَ إجْمَاعَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا قَدْ خَالَفُوا ثُمَّ مَاتُوا لَمْ يَنْعَقِدْ بَعْدَهُمْ إجْمَاعٌ وَقَبْلَنَا مِنْ الْأُمَّةِ مَنْ خَالَفَ وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُوَافِقُوا. قُلْنَا: كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأُمَّةِ الْمَجَانِينُ وَالْأَطْفَالُ وَالسَّقْطُ وَالْمُجْتَنُّ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْأُمَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَيْتُ وَاَلَّذِي لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، بَلْ الَّذِي يُفْهَمُ قَوْمٌ يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ اخْتِلَافٌ وَاجْتِمَاعٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الِاجْتِمَاعُ وَالِاخْتِلَافُ مِنْ الْمَعْدُومِ وَالْمَيِّتِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْجَمَاعَةِ وَذَمِّ مَنْ شَذَّ عَنْ الْمُوَافَقَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الِاتِّبَاعُ وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْقِيَامَةِ لَا فِي الدُّنْيَا، فَيُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إجْمَاعٌ يُمْكِنُ خَرْقُهُ وَمُخَالَفَتُهُ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ هُمْ الْمَوْجُودُونَ فِي كُلِّ عَصْرٍ. أَمَّا إذَا مَاتَ فَيَبْقَى أَثَرُ خِلَافِهِ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ لَا يَمُوتُ بِمَوْتِهِ. وَسَيَأْتِي فِيهِ كَلَامٌ شَافٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الْمَقَامُ الثَّالِثُ: الْمُعَارَضَةُ بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ. أَمَّا الْآيَاتُ فَكُلُّ مَا فِيهَا مَنْعٌ مِنْ الْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ وَالْفِعْلِ الْبَاطِلِ فَهُوَ عَامٌّ مَعَ الْجَمِيعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا فَكَيْفَ نُهُوا عَنْهُ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا نَهْيًا لَهُمْ عَنْ الِاجْتِمَاعِ بَلْ نَهْيٌ لِلْآحَادِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِيَالِهِ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ وَإِنْ سَلِمَ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ النَّهْيِ وُقُوعُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَا جَوَازُ وُقُوعِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي لَا تَقَعُ مِنْهُمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْجَمِيعِ وَخِلَافُ الْمَعْلُومِ غَيْرُ وَاقِعٍ وَقَالَ لِرَسُولِهِ: ﷺ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، وَقَالَ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ عَصَمَهُ مِنْهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَقَوْلُهُ ﵇: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ» وَقَوْلُهُ: ﵇ «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلِفُ وَمَا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدُ وَمَا يُسْتَشْهَدُ» وَكَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ أُمَّتِي»

стр. 140

قُلْنَا: هَذَا وَأَمْثَالُهُ يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْعِصْيَانِ وَالْكَذِبِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى مُتَمَسِّكٌ بِالْحَقِّ، وَلَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَحَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ» كَيْفَ وَلَا تَجْرِي هَذِهِ الْأَخْبَارُ فِي الصِّحَّةِ وَالظُّهُورِ مَجْرَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَمَسَّكْنَا بِهَا؟ الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ التَّمَسُّكُ بِالطَّرِيقِ الْمَعْنَوِيِّ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الصَّحَابَةُ إذَا قَضَوْا بِقَضِيَّةٍ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ قَاطِعُونَ بِهَا فَلَا يَقْطَعُونَ بِهَا إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ قَاطِعٍ، وَإِذَا كَثُرُوا كَثْرَةً تَنْتَهِي إلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ فَالْعَادَةُ تُحِيلُ عَلَيْهِمْ قَصْدَ الْكَذِبِ وَتُحِيلُ عَلَيْهِمْ الْغَلَطَ حَتَّى لَا يَتَنَبَّهَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِلْمُحِقِّ فِي ذَلِكَ وَإِلَى أَنَّ الْقَطْعَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ خَطَأٌ، فَقَطْعُهُمْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقَطْعِ مُحَالٌ فِي الْعَادَةِ. فَإِنْ قَضَوْا عَنْ اجْتِهَادٍ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَيُعْلَمُ أَنَّ التَّابِعِينَ كَانُوا يُشَدِّدُونَ النَّكِيرَ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ وَيَقْطَعُونَ بِهِ، وَقَطْعُهُمْ بِذَلِكَ قَطْعٌ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْقَطْعِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَيْضًا إلَّا عَنْ قَاطِعٍ، وَإِلَّا فَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَشِذَّ عَنْ جَمِيعِهِمْ الْحَقُّ مَعَ كَثْرَتِهِمْ حَتَّى لَا يَتَنَبَّهَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِلْحَقِّ. وَكَذَلِكَ نَعْلَمُ أَنَّ التَّابِعِينَ لَوْ أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ أَنْكَرَ تَابِعُو التَّابِعِينَ عَلَى الْمُخَالِفِ وَقَطَعُوا بِالْإِنْكَارِ، وَهُوَ قَطْعٌ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْقَطْعِ فَالْعَادَةُ تُحِيلُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ وَعَلَى مَسَاقِ هَذَا قَالُوا لَوْ رَجَعَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إلَى عَدَدٍ يَنْقُصُ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فَلَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ الْخَطَأُ فِي الْعَادَةِ وَلَا تَعَمُّدُ الْكَذِبِ لِبَاعِثٍ عَلَيْهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ ضَعِيفَةٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ مَنْشَأَ الْخَطَأِ إمَّا تَعَمُّدُ الْكَذِبِ وَإِمَّا ظَنُّهُمْ مَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ قَاطِعًا، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَجَائِز، فَقَدْ قَطَعَ الْيَهُودُ بِبُطْلَانِ نُبُوَّةِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﵉ وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَهُوَ قَطْعٌ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْقَطْعِ لَكِنْ ظَنُّوا مَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ قَاطِعًا. وَالْمُنْكِرُونَ لِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْمُرْتَكِبُونَ لِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ عَدَدُهُمْ بَالِغٌ مَبْلَغَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَيَحْصُلُ الصِّدْقُ بِإِخْبَارِهِمْ، وَلَكِنْ أَخْطَئُوا بِالْقَطْعِ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْقَطْعِ. وَهَذَا الْقَائِلُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ إجْمَاعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حُجَّةً وَلَا تَخْصِيصَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَانِ دَيْنِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِالْعَادَةِ، وَأَنْتُمْ فِي نُصْرَةِ الْمَسْلَكِ الثَّانِي اسْتَرْوَحْتُمْ إلَى الْعَادَةِ وَهَذَا عَيْنُ الْأَوَّلِ. قُلْنَا: الْعَادَةُ لَا تُحِيلُ عَلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَنْ يَظُنُّوا مَا بِقَاطِعٍ قَاطِعًا، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا: شَرْطُ خَبَرِ التَّوَاتُرِ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى مَحْسُوسٍ وَالْعَادَةُ تُحِيلُ الِانْقِيَادَ وَالسُّكُوتَ عَمَّنْ دَفَعَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ بِإِجْمَاعٍ دَلِيلُهُ خَبَرٌ مَظْنُونٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ وَكُلُّ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ يُعْلَمُ بِالْحِسِّ أَوْ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَوْ بِالْبَدِيهَةِ فَمِنْهَاجُهُ وَاحِدٌ وَيَتَّفِقُ النَّاسُ عَلَى دَرْكِهِ وَالْعَادَةُ الذُّهُولُ عَنْهُ عَلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ وَمَا هُوَ نَظَرِيٌّ فَطُرُقُهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَا يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ أَهْلُ التَّوَاتُرِ عَلَى الْغَلَطِ فِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: اعْتِمَادُكُمْ فِي هَذَا الْمَسْلَكِ الثَّانِي أَنَّ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَقٌّ وَلِيس بِخَطَأٍ فَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِهِ وَكُلّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ وَلَا يَجِبُ عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ اتِّبَاعُهُ وَالشَّاهِدُ الْمُزَوِّرُ مُبْطِلٌ وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي اتِّبَاعُهُ؟ فَوُجُوبُ الِاتِّبَاعِ شَيْءٌ وَكَوْنُ الشَّيْءِ حَقًّا غَيْرُهُ. قُلْنَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّهُ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَبِحَسْبِ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ فِي قَوْلِهِمْ يَجِبُ اتِّبَاعُ الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ نَقُولُ كُلُّ حَقٍّ عُلِمَ كَوْنُهُ حَقًّا فَالْأَصْلُ فِيهِ وُجُوبُ

стр. 141

الِاتِّبَاعِ، وَالْمُجْتَهِدُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ إلَّا عَلَى الْمُجْتَهِدِ الَّذِي هُوَ مُحِقٌّ أَيْضًا فَقُدِّمَ حَقٌّ حَصَلَ بِاجْتِهَادِهِ عَلَى مَا حَصَلَ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ فِي حَقِّهِ وَالشَّاهِدُ الْمُزَوِّرُ لَوْ عُلِمَ كَوْنُهُ مُزَوِّرًا لَمْ يُتَّبَعْ. وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا ذِمَّةُ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ وَأَنَّهُ ذُكِرَ هَذَا فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِوُجُوبِ الِاتِّبَاعِ وَإِلَّا فَلَا يَبْقَى لَهُ مَعْنًى، إلَّا إنَّهُمْ مُحِقُّونَ إذَا أَصَابُوا دَلِيلَ الْحَقِّ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ وَتَخْصِيصٌ أَلْبَتَّةَ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْإِجْمَاعِ] وَلَهُ رُكْنَانِ: الْمُجْمِعُونَ وَنَفْسُ الْإِجْمَاعِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: الْمُجْمِعُونَ وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَظَاهِرُ هَذَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُسْلِمٍ، لَكِنْ لِكُلِّ ظَاهِرٍ طَرَفَانِ وَاضِحَانِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَأَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ. أَمَّا الْوَاضِحُ فِي الْإِثْبَاتِ فَهُوَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مَقْبُولُ الْفَتْوَى فَهُوَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ قَطْعًا وَلَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَتِهِ فِي الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْوَاضِحُ فِي النَّفْيِ فَالْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ وَالْأَجِنَّةُ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْأُمَّةِ فَنَعْلَمُ أَنَّهُ ﵊ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» إلَّا مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِفَاقُ وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ فَهْمِهَا. فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَا يَفْهَمُهَا. وَبَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ الْعَوَامُّ الْمُكَلَّفُونَ وَالْفَقِيهُ الَّذِي لَيْسَ بِأُصُولِيٍّ وَالْأُصُولِيُّ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَالْمُجْتَهِدُ الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ وَالنَّاشِئُ مِنْ التَّابِعِينَ مَثَلًا إذَا قَارَبَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَنَرْسُمُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مَسْأَلَةً. [مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْعَوَامّ فِي الْإِجْمَاعِ] مَسْأَلَةٌ يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْعَوَامّ فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَشْتَرِكُ فِي دَرْكِهِ الْعَوَامُّ وَالْخَوَاصُّ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَوُجُوبِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، فَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَالْعَوَامُّ وَافَقُوا الْخَوَاصَّ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِلَى مَا يَخْتَصُّ بِدَرْكِهِ الْخَوَاصُّ كَتَفْصِيلِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، فَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْخَوَاصُّ فَالْعَوَامُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لَا يُضْمِرُونَ خِلَافًا أَصْلًا فَهْم مُوَافِقُونَ أَيْضًا فِيهِ. وَيَحْسُنْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً، كَمَا أَنَّ الْجُنْدَ إذَا حَكَّمُوا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ فِي مُصَالَحَةِ أَهْلِ قَلْعَةٍ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى شَيْءٍ يُقَالُ هَذَا بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْجُنْدِ. فَإِذًا كُلُّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعَوَامّ وَبِهِ يَتِمُّ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ خَالَفَ عَامِّيٌّ فِي وَاقِعَةٍ أَجْمَعَ عَلَيْهَا الْخَوَاصُّ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ؟ إنْ كَانَ يَنْعَقِدُ فَكَيْفَ خَرَجَ الْعَامِّيُّ مِنْ الْأُمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِقَوْلِ الْعَامِّيِّ؟ قُلْنَا: قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ: مُنْعَقِدٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِالْجُمْلَةِ وَبِالتَّفْصِيلِ وَقَالَ آخَرُونَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ: إنَّهُ يَنْعَقِدُ بِدَلِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ أَهْلًا لِطَلَبِ الصَّوَابِ، إذْ لَيْسَ لَهُ آلَةُ هَذَا الشَّأْنِ فَهُوَ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي نُقْصَانِ الْآلَةِ؛ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ عِصْمَةِ الْأُمَّةِ مِنْ الْخَطَأِ إلَّا مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِصَابَةُ لِأَهْلِيَّتِهِ وَالثَّانِي، وَهُوَ الْأَقْوَى: أَنَّ الْعَصْرَ الْأَوَّلَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعَوَامِّ فِي هَذَا الْبَابِ، أَعْنِي خَوَاصَّ الصَّحَابَةِ وَعَوَامَّهُمْ؛ وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ إذَا قَالَ قَوْلًا عُلِمَ أَنَّهُ يَقُولُهُ عَنْ جَهْلٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ يَدْرِي مَا يَقُولُ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ فِيهِ. وَعَنْ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ هَذَا مِنْ عَامِّيٍّ عَاقِلٍ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يُفَوِّضُ مَا لَا يَدْرِي إلَى مَنْ يَدْرِي، فَهَذِهِ صُورَةٌ فُرِضَتْ وَلَا وُقُوعَ لَهَا أَصْلًا. وَيَدُلُّ

стр. 142

عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْصِي بِمُخَالَفَتِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُحَرَّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى عِصْيَانِهِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّ الرُّؤَسَاءِ الْجُهَّالِ إذَا ضَلُّوا وَأَضَلُّوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَرَدَّهُمْ عَنْ النِّزَاعِ إلَى أَهْلِ الِاسْتِنْبَاطِ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ بِإِيجَابِ الْمُرَاجَعَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَتَحْرِيمِ فَتْوَى الْعَامَّةِ بِالْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ دُونَهُمْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ، بِالْمُخَالَفَةِ كَمَا يَعْصِي مَنْ يُخَالِفُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْإِجْمَاعِ لِمُخَالَفَتِهِ وَالْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِذَا امْتَنَعَ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا حُجَّةَ وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ مَسْأَلَةٌ: إذَا قُلْنَا لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْعَوَامّ لِقُصُورِ آلَتِهِمْ، فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِيٍّ وَمُفَسِّرٍ وَمُحَدِّثٍ هُوَ نَاقِصُ الْآلَةِ فِي دَرْكِ الْأَحْكَامِ. فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُعْتَدُّ إلَّا بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُسْتَقِلِّينَ بِالْفَتْوَى كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مِنْ ضَمَّ إلَى الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءَ الْحَافِظِينَ لِأَحْكَامِ الْفُرُوعِ النَّاهِضِينَ بِهَا، لَكِنْ أَخْرَجَ الْأُصُولِيَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الْفُرُوعِ وَلَا يَحْفَظُهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأُصُولِيَّ الْعَارِفَ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ وَكَيْفِيَّةِ تَلَقِّيهَا مِنْ الْمَفْهُومِ وَالْمَنْظُومِ وَصِيغَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعُمُومِ وَكَيْفِيَّةِ تَفْهِيمِ النُّصُوصِ وَالتَّعْلِيلِ أَوْلَى بِالِاعْتِدَادِ بِقَوْلِهِ مِنْ الْفَقِيهِ الْحَافِظِ لِلْفُرُوعِ، بَلْ ذُو الْآلَةِ مَنْ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَرْكِ الْأَحْكَامِ إذَا أَرَادَ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ الْفُرُوعَ، وَالْأُصُولِيُّ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَالْفَقِيهُ الْحَافِظُ لِلْفُرُوعِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ. وَآيَةُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ حِفْظُ الْفُرُوعِ أَنَّ الْعَبَّاسَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأَمْثَالَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى وَلَمْ يَتَظَاهَرْ بِهَا تَظَاهُرَ الْعَبَادِلَةِ وَتَظَاهُرَ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُعَاذٍ كَانُوا يَعْتَدُّونَ بِخِلَافِهِمْ لَوْ خَالَفُوا، وَكَيْف لَا وَكَانُوا صَالِحِينَ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى وَلَا سِيَّمَا لِكَوْنِ أَكْثَرِهِمْ فِي الشُّورَى؟ وَمَا كَانُوا يَحْفَظُونَ الْفُرُوعَ بَلْ لَمْ تَكُنْ الْفُرُوعُ مَوْضُوعَةً بَعْدُ، لَكِنْ عَرَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَكَانُوا أَهْلًا لِفَهْمِهِمَا، وَالْحَافِظُ لِلْفُرُوعِ قَدْ لَا يَحْفَظُ دَقَائِقَ فُرُوعِ الْحَيْضِ وَالْوَصَايَا، فَأَصْلُ هَذِهِ الْفُرُوعِ كَهَذِهِ الدَّقَائِقِ فَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ وَبِخِلَافِ الْفَقِيهِ الْمُبَرِّزِ لِأَنَّهُمَا ذَوَا آلَةٍ عَلَى الْجُمْلَةِ يَقُولَانِ مَا يَقُولَانِ عَنْ دَلِيلٍ. أَمَّا النَّحْوِيُّ وَالْمُتَكَلِّمُ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الْعَوَامّ فِي حَقِّ هَذَا الْعِلْمِ، إلَّا أَنْ يَقَعَ الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَةٍ تَنْبَنِي عَلَى النَّحْوِ أَوْ عَلَى الْكَلَامِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ أَمْ اجْتِهَادِيَّةٌ؟ قُلْنَا: هِيَ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَلَكِنْ إذَا جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ هَؤُلَاءِ، أَمَّا خِلَافُ الْعَوَامّ فَلَا يَقَعُ وَلَوْ وَقَعَ فَهُوَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِكَوْنِهِ جَاهِلًا بِمَا يَقُولُ، فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ كَقَوْلِ الصَّبِيِّ فَأَمَّا هَذَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا قَلَّدَ الْأُصُولِيُّ الْفُقَهَاءَ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ حَقٌّ هَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ لِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ وَقَدْ وَافَقَ الْأُصُولِيُّ جُمْلَةً وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ التَّفْصِيلَ، كَمَا أَنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي بَابِ الِاسْتِطَاعَةِ وَالْعَجْزِ وَالْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ وَالضِّدِّ وَالْخِلَافِ فَهُوَ صَوَابٌ، فَيَحْصُلُ الْإِجْمَاعُ بِالْمُوَافَقَةِ الْجُمَلِيَّةِ كَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْعَوَامّ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ كَالْعَامِّيِّ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا لَمْ يُحَصِّلْ عِلْمَهُ وَإِنْ حَصَّلَ عِلْمًا آخَرَ.

стр. 143

[مَسْأَلَةٌ الْمُبْتَدِعُ إذَا خَالَفَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ إذَا لَمْ يَكْفُرْ] ْ، بَلْ هُوَ كَمُجْتَهِدٍ فَاسِقٍ وَخِلَافُ الْمُجْتَهِدِ الْفَاسِقِ مُعْتَبَرٌ. فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهُ يَكْذِبُ فِي إظْهَارِ الْخِلَافِ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُهُ. قُلْنَا لَعَلَّهُ يَصْدُقُ وَلَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَتِهِ وَلَوْ لَمْ نَتَحَقَّقْ مُوَافَقَتَهُ، كَيْفَ وَقَدْ نَعْلَمُ اعْتِقَادَ الْفَاسِقِ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ فِي مُنَاظَرَاتِهِ وَاسْتِدْلَالَاته؟ وَالْمُبْتَدِعُ ثِقَةٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُدْرَى أَنَّهُ فَاسِقٌ، أَمَّا إذَا كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي إلَى الْقِبْلَةِ وَيَعْتَقِدُ نَفْسَهُ مُسْلِمًا لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ الْمُصَلِّينَ إلَى الْقِبْلَةِ بَلْ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ كَافِرٌ نَعَمْ لَوْ قَالَ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَكَفَّرْنَاهُ فَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِهِ بِإِجْمَاعِ مُخَالِفِيهِ عَلَى بُطْلَانِ التَّجْسِيمِ مَصِيرًا إلَى أَنَّهُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ كُلَّ الْأُمَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إخْرَاجِ هَذَا مِنْ الْأُمَّةِ، وَالْإِخْرَاجُ مِنْ الْأُمَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى دَلِيلِ التَّكْفِيرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ تَكْفِيرِهِ مَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَكْفِيرِهِ فَيُؤَدِّي إلَى إثْبَاتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ. نَعَمْ بَعْدَ أَنْ كَفَّرْنَاهُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَوْ خَالَفَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، فَلَوْ تَابَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَيْهَا فِي حَالِ كُفْرِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ كُلِّ الْأُمَّةِ وَكَانَ الْمُجْمِعُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كُلَّ الْأُمَّةِ دُونَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَالَفَ كَافِرٌ كَافَّةَ الْأُمَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَشْتَرِطُ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي الْإِجْمَاعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ تَرَكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْإِجْمَاعَ بِخِلَافِ الْمُبْتَدِعِ الْمُكَفَّرِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بِدْعَتَهُ تُوجِبُ الْكُفْرَ وَظَنَّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ دُونَهُ، فَهَلْ يُعْذَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفُقَهَاءَ يَطَّلِعُونَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا يَكْفُرُ بِهِ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ؟ قُلْنَا: لِلْمَسْأَلَةِ صُورَتَانِ، إحْدَاهَا: أَنْ يَقُولَ الْفُقَهَاءُ: نَحْنُ لَا نَدْرِي أَنَّ بِدْعَتَهُ تُوجِبُ الْكُفْرَ أَمْ لَا، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُعْذَرُونَ فِيهِ إذْ يَلْزَمُهُمْ مُرَاجَعَةُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ وَيَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ تَعْرِيفُهُمْ، فَإِذَا أَفْتَوْا بِكُفْرِهِ فَعَلَيْهِمْ التَّقْلِيدُ، فَإِنْ لَمْ يُقْنِعْهُمْ التَّقْلِيدُ فَعَلَيْهِمْ السُّؤَالُ عَنْ الدَّلِيلِ حَتَّى إذَا ذَكَرَ لَهُمْ دَلِيلَهُ فَهَّمُوهُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ قَاطِعٌ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَلَا يَكُونُ مَعْذُورًا كَمَنْ لَا يُدْرِكُ دَلِيلَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ مَعَ نَصْبِ اللَّهِ تَعَالَى الْأَدِلَّةَ الْقَاطِعَةَ، الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ بَلَغَتْهُ بِدْعَتُهُ وَعَقِيدَتُهُ فَتَرَكَ الْإِجْمَاعَ لِمُخَالَفَتِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي خَطَئِهِ وَغَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَكَانَ الْإِجْمَاعُ لَمْ يَنْتَهِضْ حُجَّةً فِي حَقِّهِ، كَمَا إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّلِيلُ النَّاسِخُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى تَقْصِيرٍ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ وَالْبَحْثِ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ، فَهُوَ كَمَنْ قَبِلَ شَهَادَةَ الْخَوَارِجِ وَحَكَمَ بِهَا فَهُوَ مُخْطِئٌ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ عَلَى عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ﵄ وَالْقَائِلِينَ بِكُفْرِهِمَا الْمُعْتَقِدِينَ اسْتِبَاحَةَ دَمِهِمَا وَمَالِهِمَا ظَاهِرٌ يُدْرَكُ عَلَى الْقُرْبِ، فَلَا يُعْذَرُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، بِخِلَافِ مَنْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الشَّاهِدِ وَلَهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ كُفْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ وَمَا الَّذِي يُكَفَّرُ بِهِ؟ قُلْنَا: الْخَطْبُ فِي ذَلِكَ طَوِيلٌ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى شَيْءٍ مِنْهُ فِي كِتَابِ " فَصْلِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالْقَدْرُ الَّذِي نَذْكُرهُ الْآنَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا يَكُونُ نَفْسُ اعْتِقَادِهِ كُفْرًا، كَإِنْكَارِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ وَجَحْدِ النُّبُوَّةِ. الثَّانِي: مَا يَمْنَعُهُ اعْتِقَادُهُ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِالصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَيَلْزَمُ إنْكَارُ

стр. 144

ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّنَاقُضُ. الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ مِنْ التَّوْقِيفِ بِأَنَّهُ لَا يَصْدُرَ إلَّا مِنْ كَافِرٍ كَعِبَادَةٍ النِّيرَانِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَجَحْدِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَتَكْذِيبِ بَعْضِ الرُّسُلِ وَاسْتِحْلَالِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَبِالْجُمْلَةِ إنْكَارُ مَا عُرِفَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ. [مَسْأَلَةٌ بِإِجْمَاعِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ] مَسْأَلَةٌ قَالَ قَوْمٌ: لَا يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ، وَسَنُبْطِلُهُ وَقَالَ قَوْمٌ: يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَنْدَفِعُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ. وَهَذَا فَاسِدٌ مَهْمَا بَلَغَ التَّابِعِيُّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ تَمَامِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمَّةِ، فَإِجْمَاعُ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ إجْمَاعَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، بَلْ إجْمَاعَ الْبَعْضِ وَالْحُجَّةُ فِي إجْمَاعِ الْكُلِّ نَعَمْ لَوْ أَجْمَعُوا ثُمَّ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ لَهُ الْآنَ أَنْ يُخَالِفَ، كَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ تَمَامِ الْإِجْمَاعِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ لِلتَّابِعِيِّ وَعَدَمِ إنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْخِلَافِ، كَيْفَ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ كَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِمَا كَانُوا يُفْتُونَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَكَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؟ فَكَيْفَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ؟ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَفْضُلُ الصَّحَابِيُّ التَّابِعِيَّ إلَّا بِفَضِيلَةِ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ تُخَصِّصُ الْإِجْمَاعَ لَسَقَطَ قَوْلُ الْأَنْصَارِ بِقَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَقَوْلُ الْمُهَاجِرِينَ بِقَوْلِ الْعَشَرَةِ وَقَوْلُ الْعَشَرَةِ بِقَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَقَوْلُهُمْ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُجَارَاةَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَتْ: فَرُّوجٌ يَصْقَعُ مَعَ الدِّيَكَةِ. قُلْنَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَائِشَةَ مَا ذَكَرْتُمْ إلَّا بِقَوْلِ الْآحَادِ، وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مَذْهَبُهَا وَلَا حُجَّةَ فِيهِ. ثُمَّ لَعَلَّهَا أَرَادَتْ مَنْعَهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ فِيمَا سَبَقَ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ، أَوْ لَعَلَّهَا أَنْكَرْت عَلَيْهِ خِلَافَهُ فِي مَسْأَلَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الِاجْتِهَادَ فِي اعْتِقَادِهَا كَمَا أَنْكَرَتْ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَيِّنَةِ وَظَنَّتْ أَنَّ وُجُوبَ حَسْمِ الذَّرِيعَةِ قَطْعِيٌّ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ فِيهَا مَعَ مَنْ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ يَنْدَفِعُ بِمُخَالَفَةِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ خِلَافُ الْأَكْثَرِ بِالْأَقَلِّ كَيْفَمَا كَانَ فَلَا يَخْتَصُّ كَلَامُهُ بِالتَّابِعِيِّ. [مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعُ مِنْ الْأَكْثَرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ] ِّ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ حُجَّةٌ وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ بَلَغَ عَدَدُ الْأَقَلِّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ انْدَفَعَ الْإِجْمَاعُ وَإِنْ نَقَصَ فَلَا يَنْدَفِعُ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْأُمَّةِ بِكُلِّيَّتِهَا، وَلَيْسَ هَذَا إجْمَاعَ الْجَمِيعِ بَلْ هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تُطْلَقُ الْأُمَّةُ وَيُرَادُ بِهَا الْأَكْثَرُ، كَمَا يُقَالُ بَنُو تَمِيمٍ يَحْمُونَ الْجَارَ وَيُكْرِمُونَ الضَّيْفَ، وَيُرَادُ الْأَكْثَرُ. قُلْنَا مَنْ يَقُولُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالتَّحَكُّمِ بَلْ بِدَلِيلٍ وَضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هَهُنَا، وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَقَلَّ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَتَمَيَّزُ الْبَعْضُ الْمُرَادُ عَمَّا لَيْسَ بِمُرَادٍ وَلَا بُدَّ مِنْ إجْمَاعِ الْجَمِيعِ لَيُعْلَمَ أَنَّ الْبَعْضَ الْمُرَادَ دَاخِلٌ فِيهِ، كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ أَهْلِ الْحَقِّ حَيْثُ قَالَ «وَهُمْ يَوْمَئِذٍ الْأَقَلُّونَ»

стр. 145

وَقَالَ ﷺ «سَيَعُودُ الدِّينُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا» وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] الْآيَةَ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضَابِطٌ وَلَا مَرَدٌّ فَلَا خَلَاصَ إلَّا بِاعْتِبَارِ قَوْلِ الْجَمِيعِ. الدَّلِيلُ الثَّانِي إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَجْوِيزِ الْخِلَافِ لِلْآحَادِ، فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ انْفَرَدَ فِيهَا الْآحَادُ بِمَذْهَبٍ كَانْفِرَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْعَوْلِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا بَلْ أَنْكَرُوا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلَ بِتَحْلِيلِ الْمُتْعَةِ وَأَنَّ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى ابْنِ أَرْقَمَ مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ، وَأَنْكَرُوا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَوْلَهُ: " النَّوْمُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَعَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَكْلَ الْبَرَدِ لَا يُفْطِرُ وَذَلِكَ لِانْفِرَادِهِمْ بِهِ قُلْنَا لَا بَلْ لِمُخَالَفَتِهِمْ السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ فِيهِ الْمَشْهُورَةَ بَيْنَهُمْ أَوْ لِمُخَالَفَتِهِمْ أَدِلَّةً ظَاهِرَةً قَامَتْ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا انْفِرَادَ الْمُنْفَرِدِ، وَالْمُنْفَرِدُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِمْ إنْكَارَهُمْ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ، فَلَا حُجَّةَ فِي إنْكَارِهِمْ مَعَ مُخَالَفَةِ الْوَاحِدِ. وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ: الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيمَا يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُوَرِّثُ الْعِلْمَ، فَكَيْفَ يَنْدَفِعُ بِهِ قَوْلُ عَدَدٍ حَصَلَ الْعِلْمُ بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِبُلُوغِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ؟ وَعَنْ هَذَا قَالَ قَوْمٌ: عَدَدُ الْأَقَلِّ إلَى أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ يَدْفَعُ الْإِجْمَاعَ. وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ صِدْقَ الْأَكْثَرِ وَإِنْ عُلِمَ فَلَيْسَ ذَلِكَ صِدْقَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَاتِّفَاقَهُمْ وَالْحُجَّةُ فِي اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ، فَسَقَطَتْ الْحُجَّةُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ. الثَّانِي: أَنَّ كَذِبَ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَلَعَلَّهُ صَادِقٌ، فَلَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ اتِّفَاقًا مِنْ جَمِيعِ الصَّادِقِينَ إنْ كَانَ صَادِقًا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى مَا يُضْمِرُونَ بَلْ التَّعَبُّدُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يُظْهِرُونَ فَهُوَ مَذْهَبُهُمْ وَسَبِيلُهُمْ لَا مَا أَضْمَرُوهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تُضْمِرَ الْأُمَّةُ خِلَافَ مَا تُظْهِرُ؟ قُلْنَا: ذَلِكَ إنْ كَانَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ تَقِيَّةٍ وَإِلْجَاءٍ وَذَلِكَ يَظْهَرُ وَيَشْتَهِرُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ فَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ضَلَالَةٍ وَبَاطِلٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ. الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْوَاحِدِ شُذُوذٌ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَقَدْ وَرَدَ ذَمُّ الشَّاذِّ وَأَنَّهُ كَالشَّاذِّ مِنْ الْغَنَمِ عَنْ الْقَطِيعِ. قُلْنَا: الشَّاذُّ عِبَارَةٌ عَنْ الْخَارِجِ عَنْ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِجْمَاعِ لَا يُقْبَلُ خِلَافُهُ بَعْدَهُ وَهُوَ الشُّذُوذُ، أَمَّا الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ أَصْلًا فَلَا يُسَمَّى شَاذًّا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ ﵇: «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ عَنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» . قُلْنَا: أَرَادَ بِهِ الشَّاذَّ الْخَارِجَ عَلَى الْإِمَامِ بِمُخَالَفَةِ الْأَكْثَرِ عَلَى وَجْهٍ يُثِيرُ الْفِتْنَةَ وَقَوْلُهُ: «وَهُوَ عَنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» أَرَادَ بِهِ الْحَثَّ عَلَى طَلَبِ الرَّفِيقِ فِي الطَّرِيقِ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: «وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ. وَهُوَ مُتَحَكِّمٌ بِقَوْلِهِ إنَّهُ حُجَّةٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُرَادِي بِهِ أَنَّ اتِّبَاعَ الْأَكْثَرِ أَوْلَى. قُلْنَا: هَذَا يَسْتَقِيمُ فِي الْأَخْبَارِ وَفِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ إذَا لَمْ يَجِدْ تَرْجِيحًا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ سِوَى الْكَثْرَةِ، وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ دُونَ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ إنْ خَالَفَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ مُخَالِفٌ آخَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاتِّبَاعُ. [مَسْأَلَةٌ حُجِّيَّة إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: الْحُجَّةُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَطْ. وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُعْتَبَرُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمَا أَرَادَ الْمُحَصِّلُونَ بِهَذَا إلَّا أَنَّ هَذِهِ
следующие страницы →