Полный текст (381 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الِاتِّبَاعِ، وَالْمُجْتَهِدُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ إلَّا عَلَى الْمُجْتَهِدِ الَّذِي هُوَ مُحِقٌّ أَيْضًا فَقُدِّمَ حَقٌّ حَصَلَ بِاجْتِهَادِهِ عَلَى مَا حَصَلَ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ فِي حَقِّهِ وَالشَّاهِدُ الْمُزَوِّرُ لَوْ عُلِمَ كَوْنُهُ مُزَوِّرًا لَمْ يُتَّبَعْ.
وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا ذِمَّةُ مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ وَأَنَّهُ ذُكِرَ هَذَا فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِوُجُوبِ الِاتِّبَاعِ وَإِلَّا فَلَا يَبْقَى لَهُ مَعْنًى، إلَّا إنَّهُمْ مُحِقُّونَ إذَا أَصَابُوا دَلِيلَ الْحَقِّ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ وَتَخْصِيصٌ أَلْبَتَّةَ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ أَرْكَانِ الْإِجْمَاعِ]
وَلَهُ رُكْنَانِ: الْمُجْمِعُونَ وَنَفْسُ الْإِجْمَاعِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: الْمُجْمِعُونَ وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَظَاهِرُ هَذَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ مُسْلِمٍ، لَكِنْ لِكُلِّ ظَاهِرٍ طَرَفَانِ وَاضِحَانِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَأَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ. أَمَّا الْوَاضِحُ فِي الْإِثْبَاتِ فَهُوَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مَقْبُولُ الْفَتْوَى فَهُوَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ قَطْعًا وَلَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَتِهِ فِي الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْوَاضِحُ فِي النَّفْيِ فَالْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ وَالْأَجِنَّةُ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْأُمَّةِ فَنَعْلَمُ أَنَّهُ ﵊ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» إلَّا مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوِفَاقُ وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَ فَهْمِهَا. فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَا يَفْهَمُهَا. وَبَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ الْعَوَامُّ الْمُكَلَّفُونَ وَالْفَقِيهُ الَّذِي لَيْسَ بِأُصُولِيٍّ وَالْأُصُولِيُّ الَّذِي لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَالْمُجْتَهِدُ الْفَاسِقُ وَالْمُبْتَدِعُ وَالنَّاشِئُ مِنْ التَّابِعِينَ مَثَلًا إذَا قَارَبَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَنَرْسُمُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مَسْأَلَةً.
[مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْعَوَامّ فِي الْإِجْمَاعِ]
مَسْأَلَةٌ يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْعَوَامّ فِي الْإِجْمَاعِ،
فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَشْتَرِكُ فِي دَرْكِهِ الْعَوَامُّ وَالْخَوَاصُّ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَوُجُوبِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، فَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَالْعَوَامُّ وَافَقُوا الْخَوَاصَّ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِلَى مَا يَخْتَصُّ بِدَرْكِهِ الْخَوَاصُّ كَتَفْصِيلِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، فَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْخَوَاصُّ فَالْعَوَامُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لَا يُضْمِرُونَ خِلَافًا أَصْلًا فَهْم مُوَافِقُونَ أَيْضًا فِيهِ. وَيَحْسُنْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً، كَمَا أَنَّ الْجُنْدَ إذَا حَكَّمُوا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ فِي مُصَالَحَةِ أَهْلِ قَلْعَةٍ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى شَيْءٍ يُقَالُ هَذَا بِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْجُنْدِ. فَإِذًا كُلُّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْعَوَامّ وَبِهِ يَتِمُّ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ خَالَفَ عَامِّيٌّ فِي وَاقِعَةٍ أَجْمَعَ عَلَيْهَا الْخَوَاصُّ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ؟ إنْ كَانَ يَنْعَقِدُ فَكَيْفَ خَرَجَ الْعَامِّيُّ مِنْ الْأُمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ فَكَيْفَ يُعْتَدُّ بِقَوْلِ الْعَامِّيِّ؟ قُلْنَا: قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ: مُنْعَقِدٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِالْجُمْلَةِ وَبِالتَّفْصِيلِ وَقَالَ آخَرُونَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ: إنَّهُ يَنْعَقِدُ بِدَلِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ أَهْلًا لِطَلَبِ الصَّوَابِ، إذْ لَيْسَ لَهُ آلَةُ هَذَا الشَّأْنِ فَهُوَ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي نُقْصَانِ الْآلَةِ؛ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ عِصْمَةِ الْأُمَّةِ مِنْ الْخَطَأِ إلَّا مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِصَابَةُ لِأَهْلِيَّتِهِ وَالثَّانِي، وَهُوَ الْأَقْوَى: أَنَّ الْعَصْرَ الْأَوَّلَ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْعَوَامِّ فِي هَذَا الْبَابِ، أَعْنِي خَوَاصَّ الصَّحَابَةِ وَعَوَامَّهُمْ؛ وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ إذَا قَالَ قَوْلًا عُلِمَ أَنَّهُ يَقُولُهُ عَنْ جَهْلٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ يَدْرِي مَا يَقُولُ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ فِيهِ. وَعَنْ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ صُدُورُ هَذَا مِنْ عَامِّيٍّ عَاقِلٍ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يُفَوِّضُ مَا لَا يَدْرِي إلَى مَنْ يَدْرِي، فَهَذِهِ صُورَةٌ فُرِضَتْ وَلَا وُقُوعَ لَهَا أَصْلًا. وَيَدُلُّ
стр. 142
عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْصِي بِمُخَالَفَتِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُحَرَّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى عِصْيَانِهِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَمِّ الرُّؤَسَاءِ الْجُهَّالِ إذَا ضَلُّوا وَأَضَلُّوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَرَدَّهُمْ عَنْ النِّزَاعِ إلَى أَهْلِ الِاسْتِنْبَاطِ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ بِإِيجَابِ الْمُرَاجَعَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَتَحْرِيمِ فَتْوَى الْعَامَّةِ بِالْجَهْلِ وَالْهَوَى، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ دُونَهُمْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ، بِالْمُخَالَفَةِ كَمَا يَعْصِي مَنْ يُخَالِفُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْإِجْمَاعِ لِمُخَالَفَتِهِ وَالْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِذَا امْتَنَعَ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا حُجَّةَ وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ
مَسْأَلَةٌ: إذَا قُلْنَا لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْعَوَامّ لِقُصُورِ آلَتِهِمْ، فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ وَنَحْوِيٍّ وَمُفَسِّرٍ وَمُحَدِّثٍ هُوَ نَاقِصُ الْآلَةِ فِي دَرْكِ الْأَحْكَامِ.
فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُعْتَدُّ إلَّا بِقَوْلِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُسْتَقِلِّينَ بِالْفَتْوَى كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مِنْ ضَمَّ إلَى الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءَ الْحَافِظِينَ لِأَحْكَامِ الْفُرُوعِ النَّاهِضِينَ بِهَا، لَكِنْ أَخْرَجَ الْأُصُولِيَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الْفُرُوعِ وَلَا يَحْفَظُهَا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأُصُولِيَّ الْعَارِفَ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ وَكَيْفِيَّةِ تَلَقِّيهَا مِنْ الْمَفْهُومِ وَالْمَنْظُومِ وَصِيغَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعُمُومِ وَكَيْفِيَّةِ تَفْهِيمِ النُّصُوصِ وَالتَّعْلِيلِ أَوْلَى بِالِاعْتِدَادِ بِقَوْلِهِ مِنْ الْفَقِيهِ الْحَافِظِ لِلْفُرُوعِ، بَلْ ذُو الْآلَةِ مَنْ هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَرْكِ الْأَحْكَامِ إذَا أَرَادَ وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ الْفُرُوعَ، وَالْأُصُولِيُّ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَالْفَقِيهُ الْحَافِظُ لِلْفُرُوعِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ.
وَآيَةُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ حِفْظُ الْفُرُوعِ أَنَّ الْعَبَّاسَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأَمْثَالَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يُنَصِّبْ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى وَلَمْ يَتَظَاهَرْ بِهَا تَظَاهُرَ الْعَبَادِلَةِ وَتَظَاهُرَ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُعَاذٍ كَانُوا يَعْتَدُّونَ بِخِلَافِهِمْ لَوْ خَالَفُوا، وَكَيْف لَا وَكَانُوا صَالِحِينَ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى وَلَا سِيَّمَا لِكَوْنِ أَكْثَرِهِمْ فِي الشُّورَى؟ وَمَا كَانُوا يَحْفَظُونَ الْفُرُوعَ بَلْ لَمْ تَكُنْ الْفُرُوعُ مَوْضُوعَةً بَعْدُ، لَكِنْ عَرَفُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَكَانُوا أَهْلًا لِفَهْمِهِمَا، وَالْحَافِظُ لِلْفُرُوعِ قَدْ لَا يَحْفَظُ دَقَائِقَ فُرُوعِ الْحَيْضِ وَالْوَصَايَا، فَأَصْلُ هَذِهِ الْفُرُوعِ كَهَذِهِ الدَّقَائِقِ فَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ وَبِخِلَافِ الْفَقِيهِ الْمُبَرِّزِ لِأَنَّهُمَا ذَوَا آلَةٍ عَلَى الْجُمْلَةِ يَقُولَانِ مَا يَقُولَانِ عَنْ دَلِيلٍ.
أَمَّا النَّحْوِيُّ وَالْمُتَكَلِّمُ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الْعَوَامّ فِي حَقِّ هَذَا الْعِلْمِ، إلَّا أَنْ يَقَعَ الْكَلَامُ فِي مَسْأَلَةٍ تَنْبَنِي عَلَى النَّحْوِ أَوْ عَلَى الْكَلَامِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ أَمْ اجْتِهَادِيَّةٌ؟ قُلْنَا: هِيَ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَلَكِنْ إذَا جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ هَؤُلَاءِ، أَمَّا خِلَافُ الْعَوَامّ فَلَا يَقَعُ وَلَوْ وَقَعَ فَهُوَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِكَوْنِهِ جَاهِلًا بِمَا يَقُولُ، فَبُطْلَانُ قَوْلِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ كَقَوْلِ الصَّبِيِّ فَأَمَّا هَذَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا قَلَّدَ الْأُصُولِيُّ الْفُقَهَاءَ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَأَقَرَّ بِأَنَّهُ حَقٌّ هَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ لِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ وَقَدْ وَافَقَ الْأُصُولِيُّ جُمْلَةً وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ التَّفْصِيلَ، كَمَا أَنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي بَابِ الِاسْتِطَاعَةِ وَالْعَجْزِ وَالْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ وَالضِّدِّ وَالْخِلَافِ فَهُوَ صَوَابٌ، فَيَحْصُلُ الْإِجْمَاعُ بِالْمُوَافَقَةِ الْجُمَلِيَّةِ كَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْعَوَامّ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ كَالْعَامِّيِّ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا لَمْ يُحَصِّلْ عِلْمَهُ وَإِنْ حَصَّلَ عِلْمًا آخَرَ.
стр. 143
[مَسْأَلَةٌ الْمُبْتَدِعُ إذَا خَالَفَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ إذَا لَمْ يَكْفُرْ]
ْ، بَلْ هُوَ كَمُجْتَهِدٍ فَاسِقٍ وَخِلَافُ الْمُجْتَهِدِ الْفَاسِقِ مُعْتَبَرٌ.
فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهُ يَكْذِبُ فِي إظْهَارِ الْخِلَافِ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُهُ. قُلْنَا لَعَلَّهُ يَصْدُقُ وَلَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَتِهِ وَلَوْ لَمْ نَتَحَقَّقْ مُوَافَقَتَهُ، كَيْفَ وَقَدْ نَعْلَمُ اعْتِقَادَ الْفَاسِقِ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ فِي مُنَاظَرَاتِهِ وَاسْتِدْلَالَاته؟ وَالْمُبْتَدِعُ ثِقَةٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُدْرَى أَنَّهُ فَاسِقٌ، أَمَّا إذَا كَفَرَ بِبِدْعَتِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي إلَى الْقِبْلَةِ وَيَعْتَقِدُ نَفْسَهُ مُسْلِمًا لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ الْمُصَلِّينَ إلَى الْقِبْلَةِ بَلْ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ كَافِرٌ نَعَمْ لَوْ قَالَ بِالتَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ وَكَفَّرْنَاهُ فَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِهِ بِإِجْمَاعِ مُخَالِفِيهِ عَلَى بُطْلَانِ التَّجْسِيمِ مَصِيرًا إلَى أَنَّهُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُمْ كُلَّ الْأُمَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إخْرَاجِ هَذَا مِنْ الْأُمَّةِ، وَالْإِخْرَاجُ مِنْ الْأُمَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى دَلِيلِ التَّكْفِيرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ تَكْفِيرِهِ مَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَكْفِيرِهِ فَيُؤَدِّي إلَى إثْبَاتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
نَعَمْ بَعْدَ أَنْ كَفَّرْنَاهُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَوْ خَالَفَ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، فَلَوْ تَابَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَيْهَا فِي حَالِ كُفْرِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ كُلِّ الْأُمَّةِ وَكَانَ الْمُجْمِعُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كُلَّ الْأُمَّةِ دُونَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَالَفَ كَافِرٌ كَافَّةَ الْأُمَّةِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَشْتَرِطُ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي الْإِجْمَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ تَرَكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْإِجْمَاعَ بِخِلَافِ الْمُبْتَدِعِ الْمُكَفَّرِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بِدْعَتَهُ تُوجِبُ الْكُفْرَ وَظَنَّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ دُونَهُ، فَهَلْ يُعْذَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفُقَهَاءَ يَطَّلِعُونَ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا يَكْفُرُ بِهِ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ؟ قُلْنَا: لِلْمَسْأَلَةِ صُورَتَانِ، إحْدَاهَا: أَنْ يَقُولَ الْفُقَهَاءُ: نَحْنُ لَا نَدْرِي أَنَّ بِدْعَتَهُ تُوجِبُ الْكُفْرَ أَمْ لَا، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يُعْذَرُونَ فِيهِ إذْ يَلْزَمُهُمْ مُرَاجَعَةُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ وَيَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ تَعْرِيفُهُمْ، فَإِذَا أَفْتَوْا بِكُفْرِهِ فَعَلَيْهِمْ التَّقْلِيدُ، فَإِنْ لَمْ يُقْنِعْهُمْ التَّقْلِيدُ فَعَلَيْهِمْ السُّؤَالُ عَنْ الدَّلِيلِ حَتَّى إذَا ذَكَرَ لَهُمْ دَلِيلَهُ فَهَّمُوهُ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُ قَاطِعٌ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَلَا يَكُونُ مَعْذُورًا كَمَنْ لَا يُدْرِكُ دَلِيلَ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ مَعَ نَصْبِ اللَّهِ تَعَالَى الْأَدِلَّةَ الْقَاطِعَةَ، الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ بَلَغَتْهُ بِدْعَتُهُ وَعَقِيدَتُهُ فَتَرَكَ الْإِجْمَاعَ لِمُخَالَفَتِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي خَطَئِهِ وَغَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَكَانَ الْإِجْمَاعُ لَمْ يَنْتَهِضْ حُجَّةً فِي حَقِّهِ، كَمَا إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّلِيلُ النَّاسِخُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى تَقْصِيرٍ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ وَالْبَحْثِ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ، فَهُوَ كَمَنْ قَبِلَ شَهَادَةَ الْخَوَارِجِ وَحَكَمَ بِهَا فَهُوَ مُخْطِئٌ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ عَلَى عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ﵄ وَالْقَائِلِينَ بِكُفْرِهِمَا الْمُعْتَقِدِينَ اسْتِبَاحَةَ دَمِهِمَا وَمَالِهِمَا ظَاهِرٌ يُدْرَكُ عَلَى الْقُرْبِ، فَلَا يُعْذَرُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، بِخِلَافِ مَنْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الشَّاهِدِ وَلَهُ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ كُفْرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ وَمَا الَّذِي يُكَفَّرُ بِهِ؟ قُلْنَا: الْخَطْبُ فِي ذَلِكَ طَوِيلٌ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى شَيْءٍ مِنْهُ فِي كِتَابِ " فَصْلِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالْقَدْرُ الَّذِي نَذْكُرهُ الْآنَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: مَا يَكُونُ نَفْسُ اعْتِقَادِهِ كُفْرًا، كَإِنْكَارِ الصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ وَجَحْدِ النُّبُوَّةِ.
الثَّانِي: مَا يَمْنَعُهُ اعْتِقَادُهُ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِالصَّانِعِ وَصِفَاتِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَيَلْزَمُ إنْكَارُ
стр. 144
ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّنَاقُضُ.
الثَّالِثُ: مَا وَرَدَ مِنْ التَّوْقِيفِ بِأَنَّهُ لَا يَصْدُرَ إلَّا مِنْ كَافِرٍ كَعِبَادَةٍ النِّيرَانِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَجَحْدِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَتَكْذِيبِ بَعْضِ الرُّسُلِ وَاسْتِحْلَالِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَبِالْجُمْلَةِ إنْكَارُ مَا عُرِفَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ.
[مَسْأَلَةٌ بِإِجْمَاعِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ]
مَسْأَلَةٌ قَالَ قَوْمٌ: لَا يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِ غَيْرِ الصَّحَابَةِ، وَسَنُبْطِلُهُ وَقَالَ قَوْمٌ: يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِ التَّابِعِينَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، وَلَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَنْدَفِعُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ. وَهَذَا فَاسِدٌ مَهْمَا بَلَغَ التَّابِعِيُّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ تَمَامِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمَّةِ، فَإِجْمَاعُ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ إجْمَاعَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، بَلْ إجْمَاعَ الْبَعْضِ وَالْحُجَّةُ فِي إجْمَاعِ الْكُلِّ نَعَمْ لَوْ أَجْمَعُوا ثُمَّ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ لَهُ الْآنَ أَنْ يُخَالِفَ، كَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ تَمَامِ الْإِجْمَاعِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ لِلتَّابِعِيِّ وَعَدَمِ إنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْخِلَافِ، كَيْفَ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ كَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِمَا كَانُوا يُفْتُونَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَكَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؟ فَكَيْفَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ؟ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَفْضُلُ الصَّحَابِيُّ التَّابِعِيَّ إلَّا بِفَضِيلَةِ الصُّحْبَةِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ تُخَصِّصُ الْإِجْمَاعَ لَسَقَطَ قَوْلُ الْأَنْصَارِ بِقَوْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَقَوْلُ الْمُهَاجِرِينَ بِقَوْلِ الْعَشَرَةِ وَقَوْلُ الْعَشَرَةِ بِقَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَقَوْلُهُمْ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَنْكَرَتْ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُجَارَاةَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَتْ: فَرُّوجٌ يَصْقَعُ مَعَ الدِّيَكَةِ. قُلْنَا: مَا ذَكَرْنَاهُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَائِشَةَ مَا ذَكَرْتُمْ إلَّا بِقَوْلِ الْآحَادِ، وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ مَذْهَبُهَا وَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
ثُمَّ لَعَلَّهَا أَرَادَتْ مَنْعَهُ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ فِيمَا سَبَقَ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ، أَوْ لَعَلَّهَا أَنْكَرْت عَلَيْهِ خِلَافَهُ فِي مَسْأَلَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الِاجْتِهَادَ فِي اعْتِقَادِهَا كَمَا أَنْكَرَتْ عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعَيِّنَةِ وَظَنَّتْ أَنَّ وُجُوبَ حَسْمِ الذَّرِيعَةِ قَطْعِيٌّ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ يُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ فِيهَا مَعَ مَنْ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ يَنْدَفِعُ بِمُخَالَفَةِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ خِلَافُ الْأَكْثَرِ بِالْأَقَلِّ كَيْفَمَا كَانَ فَلَا يَخْتَصُّ كَلَامُهُ بِالتَّابِعِيِّ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعُ مِنْ الْأَكْثَرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ]
ِّ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ حُجَّةٌ وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ بَلَغَ عَدَدُ الْأَقَلِّ عَدَدَ التَّوَاتُرِ انْدَفَعَ الْإِجْمَاعُ وَإِنْ نَقَصَ فَلَا يَنْدَفِعُ.
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا أَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْأُمَّةِ بِكُلِّيَّتِهَا، وَلَيْسَ هَذَا إجْمَاعَ الْجَمِيعِ بَلْ هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تُطْلَقُ الْأُمَّةُ وَيُرَادُ بِهَا الْأَكْثَرُ، كَمَا يُقَالُ بَنُو تَمِيمٍ يَحْمُونَ الْجَارَ وَيُكْرِمُونَ الضَّيْفَ، وَيُرَادُ الْأَكْثَرُ.
قُلْنَا مَنْ يَقُولُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالتَّحَكُّمِ بَلْ بِدَلِيلٍ وَضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هَهُنَا، وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَقَلَّ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَتَمَيَّزُ الْبَعْضُ الْمُرَادُ عَمَّا لَيْسَ بِمُرَادٍ وَلَا بُدَّ مِنْ إجْمَاعِ الْجَمِيعِ لَيُعْلَمَ أَنَّ الْبَعْضَ الْمُرَادَ دَاخِلٌ فِيهِ، كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ أَهْلِ الْحَقِّ حَيْثُ قَالَ «وَهُمْ يَوْمَئِذٍ الْأَقَلُّونَ»
стр. 145
وَقَالَ ﷺ «سَيَعُودُ الدِّينُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا» وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] الْآيَةَ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ضَابِطٌ وَلَا مَرَدٌّ فَلَا خَلَاصَ إلَّا بِاعْتِبَارِ قَوْلِ الْجَمِيعِ. الدَّلِيلُ الثَّانِي إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَجْوِيزِ الْخِلَافِ لِلْآحَادِ، فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ انْفَرَدَ فِيهَا الْآحَادُ بِمَذْهَبٍ كَانْفِرَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْعَوْلِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَا بَلْ أَنْكَرُوا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلَ بِتَحْلِيلِ الْمُتْعَةِ وَأَنَّ الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى ابْنِ أَرْقَمَ مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ، وَأَنْكَرُوا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَوْلَهُ: " النَّوْمُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَعَلَى أَبِي طَلْحَةَ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَكْلَ الْبَرَدِ لَا يُفْطِرُ وَذَلِكَ لِانْفِرَادِهِمْ بِهِ قُلْنَا لَا بَلْ لِمُخَالَفَتِهِمْ السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ فِيهِ الْمَشْهُورَةَ بَيْنَهُمْ أَوْ لِمُخَالَفَتِهِمْ أَدِلَّةً ظَاهِرَةً قَامَتْ عِنْدَهُمْ.
ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا انْفِرَادَ الْمُنْفَرِدِ، وَالْمُنْفَرِدُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِمْ إنْكَارَهُمْ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ، فَلَا حُجَّةَ فِي إنْكَارِهِمْ مَعَ مُخَالَفَةِ الْوَاحِدِ. وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ:
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: قَوْلُ الْوَاحِدِ فِيمَا يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُوَرِّثُ الْعِلْمَ، فَكَيْفَ يَنْدَفِعُ بِهِ قَوْلُ عَدَدٍ حَصَلَ الْعِلْمُ بِإِخْبَارِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِبُلُوغِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ؟ وَعَنْ هَذَا قَالَ قَوْمٌ: عَدَدُ الْأَقَلِّ إلَى أَنْ يَبْلُغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ يَدْفَعُ الْإِجْمَاعَ. وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ صِدْقَ الْأَكْثَرِ وَإِنْ عُلِمَ فَلَيْسَ ذَلِكَ صِدْقَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَاتِّفَاقَهُمْ وَالْحُجَّةُ فِي اتِّفَاقِ الْجَمِيعِ، فَسَقَطَتْ الْحُجَّةُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّ كَذِبَ الْوَاحِدِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَلَعَلَّهُ صَادِقٌ، فَلَا تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ اتِّفَاقًا مِنْ جَمِيعِ الصَّادِقِينَ إنْ كَانَ صَادِقًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى مَا يُضْمِرُونَ بَلْ التَّعَبُّدُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يُظْهِرُونَ فَهُوَ مَذْهَبُهُمْ وَسَبِيلُهُمْ لَا مَا أَضْمَرُوهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تُضْمِرَ الْأُمَّةُ خِلَافَ مَا تُظْهِرُ؟ قُلْنَا: ذَلِكَ إنْ كَانَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ تَقِيَّةٍ وَإِلْجَاءٍ وَذَلِكَ يَظْهَرُ وَيَشْتَهِرُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ فَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ضَلَالَةٍ وَبَاطِلٍ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِدَلِيلِ السَّمْعِ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مُخَالَفَةَ الْوَاحِدِ شُذُوذٌ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَقَدْ وَرَدَ ذَمُّ الشَّاذِّ وَأَنَّهُ كَالشَّاذِّ مِنْ الْغَنَمِ عَنْ الْقَطِيعِ. قُلْنَا: الشَّاذُّ عِبَارَةٌ عَنْ الْخَارِجِ عَنْ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَمَنْ دَخَلَ فِي الْإِجْمَاعِ لَا يُقْبَلُ خِلَافُهُ بَعْدَهُ وَهُوَ الشُّذُوذُ، أَمَّا الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ أَصْلًا فَلَا يُسَمَّى شَاذًّا. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ ﵇: «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ عَنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» .
قُلْنَا: أَرَادَ بِهِ الشَّاذَّ الْخَارِجَ عَلَى الْإِمَامِ بِمُخَالَفَةِ الْأَكْثَرِ عَلَى وَجْهٍ يُثِيرُ الْفِتْنَةَ وَقَوْلُهُ: «وَهُوَ عَنْ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» أَرَادَ بِهِ الْحَثَّ عَلَى طَلَبِ الرَّفِيقِ فِي الطَّرِيقِ، وَلِهَذَا قَالَ ﵇: «وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ. وَهُوَ مُتَحَكِّمٌ بِقَوْلِهِ إنَّهُ حُجَّةٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُرَادِي بِهِ أَنَّ اتِّبَاعَ الْأَكْثَرِ أَوْلَى.
قُلْنَا: هَذَا يَسْتَقِيمُ فِي الْأَخْبَارِ وَفِي حَقِّ الْمُقَلِّدِ إذَا لَمْ يَجِدْ تَرْجِيحًا بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ سِوَى الْكَثْرَةِ، وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ دُونَ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ إنْ خَالَفَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ اتِّبَاعُهُ وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ مُخَالِفٌ آخَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاتِّبَاعُ.
[مَسْأَلَةٌ حُجِّيَّة إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: الْحُجَّةُ فِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَطْ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُعْتَبَرُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمِصْرَيْنِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمَا أَرَادَ الْمُحَصِّلُونَ بِهَذَا إلَّا أَنَّ هَذِهِ
стр. 146
الْبِقَاعَ قَدْ جَمَعْت فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَإِنْ أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّ الْمَدِينَةَ هِيَ الْجَامِعَةُ لَهُمْ فَمُسَلَّمٌ لَهُ ذَلِكَ لَوْ جَمَعَتْ وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْمَكَانِ فِيهِ تَأْثِيرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسَلَّمٍ بَلْ لَمْ تَجْمَعْ الْمَدِينَةُ جَمِيعَ الْعُلَمَاءِ لَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَلَا بَعْدَهَا بَلْ مَا زَالُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي الْأَسْفَارِ وَالْغَزَوَاتِ وَالْأَمْصَارِ، فَلَا وَجْهَ لِكَلَامِ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَقُولَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُمْ الْأَكْثَرُونَ وَالْعِبْرَةُ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَقَدْ أَفْسَدْنَاهُ، أَوْ يَقُولَ يَدُلُّ اتِّفَاقُهُمْ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ أَنَّهُمْ اسْتَنَدُوا إلَى سَمَاعٍ قَاطِعٍ فَإِنَّ الْوَحْيَ النَّاسِخَ نَزَلَ فِيهِمْ فَلَا تَشِذُّ عَنْهُمْ مَدَارِكُ الشَّرِيعَةِ. وَهَذَا تَحَكُّمٌ إذْ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْمَعَ غَيْرُهُمْ حَدِيثًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ أَوْ فِي الْمَدِينَةِ لَكِنْ يَخْرُجُ مِنْهَا قَبْلَ نَقْلِهِ، فَالْحُجَّةُ فِي الْإِجْمَاعِ وَلَا إجْمَاعَ. وَقَدْ تُكُلِّفَ لِمَالِكٍ تَأْوِيلَاتٌ وَمَعَاذِيرُ اسْتَقْصَيْنَاهَا فِي كِتَابِ " تَهْذِيبِ الْأُصُولِ " وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا هَهُنَا. وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِثَنَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَى أَهْلِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِمْ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِمْ لِسُكْنَاهُمْ الْمَدِينَةَ وَلَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْإِجْمَاعِ بِهِمْ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: الْحُجَّةُ فِي اتِّفَاقِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ. وَهُوَ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إلَّا مَا تَخَيَّلَهُ جَمَاعَةٌ فِي أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ، وَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ]
مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَبْلُغَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ
؟ أَمَّا مَنْ أَخَذَهُ مِنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ وَاسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ فَيَلْزَمُهُ الِاشْتِرَاطُ، وَاَلَّذِينَ أَخَذُوهُ مِنْ السَّمْعِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا نَقَصَ عَدَدُهُمْ فَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ إيمَانَهُمْ بِقَوْلِهِمْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعْلَمُ إيمَانُهُمْ لَا بِقَوْلِهِمْ لَكِنْ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَحَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّالُ» فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ سِوَاهُمْ فَهُمْ عَلَى الْحَقِّ الثَّانِي أَنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِالْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ظَاهِرًا؛ إذْ لَا وُقُوفَ عَلَى الْبَاطِنِ.
وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّا مُتَعَبَّدُونَ بِاتِّبَاعِهِمْ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُمْ صَادِقُونَ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَتَعَبَّدُنَا بِاتِّبَاعِ الْكَاذِبِ وَتَعْظِيمِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ رُجُوعُ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ إلَى مَا دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ يَدُومُ بِدَوَامِ الْحُجَّةِ وَالْحُجَّةُ تَقُومُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ عَنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَعَنْ وُجُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَحَدِّيهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَالْكُفَّارُ لَا يَقُومُونَ بِنَشْرِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ بَلْ يَجْتَهِدُونَ فِي طَمْسِهَا، وَالسَّلَفُ مِنْ الْأَئِمَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى دَوَامِ التَّكْلِيفِ إلَى الْقِيَامَةِ وَفِي ضِمْنِهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى اسْتِحَالَةِ انْدِرَاسِ الْأَعْلَامِ، وَفِي نُقْصَانِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مَا يُؤَدِّي إلَى الِانْدِرَاسِ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ وُجُودُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَكَيْفَ نَخُوضُ فِي حُكْمِهَا؟
قُلْنَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى تَصَوُّرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رُجُوعُ عَدَدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إلَى مَا دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَإِنْ قَطَعْنَا بِأَنَّ قَوْلَ الْعَوَامّ لَا يُعْتَبَرُ فَتَدُومُ أَعْلَامُ الشَّرْعِ بِتَوَاتُرِ الْعَوَامّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى يُدِيمُ الْأَعْلَامَ بِالتَّوَاتُرِ الْحَاصِلِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَيَتَحَدَّثُونَ بِوُجُودِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَوُجُودِ مُعْجِزَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِكَوْنِهَا مُعْجِزَةً أَوْ يَخْرِقُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ فَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِ الْقَلِيلِ حَتَّى تَدُومَ الْحُجَّةُ، بَلْ نَقُولُ قَوْلُ الْقَلِيلِ مَعَ الْقَرَائِنِ الْمَعْلُومَةِ
стр. 147
فِي مُنَاظَرَتِهِ وَتَسْدِيدِهِ قَدْ يُحَصِّلُ الْعِلْمَ مِنْ غَيْرِ خَرْقِ عَادَةٍ فَبِجَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ يَبْقَى الشَّرْعُ مَحْفُوظًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا جَازَ أَنْ يَقِلَّ عَدَدُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فَلَوْ رُجِعَ إلَى وَاحِدٍ فَهَلْ يَكُونُ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ حُجَّةً قَاطِعَةً؟ قُلْنَا: إنْ اعْتَبَرْنَا مُوَافَقَةَ الْعَوَامّ فَإِذَا قَالَ قَوْلًا وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ الْعَوَامُّ وَلَمْ يُخَالِفُوهُ فِيهِ فَهُوَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَيَكُونُ حُجَّةً؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الضَّلَالَةِ وَالْخَطَأِ وَإِنْ لَمْ نَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِ الْعَوَامّ فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ اسْمُ الِاجْتِمَاعِ؛ إذْ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ عَدَدًا بِالضَّرُورَةِ حَتَّى يُسَمَّى إجْمَاعًا وَلَا أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُتَصَوَّرُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَعْتَبِرُ إجْمَاعَ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَقُولُ إلَّا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ جَاوَزَ عَدَدُهُمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا حُجَّةَ فِي إجْمَاعِ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ]
مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ دَاوُد وَشِيعَتُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي إجْمَاعِ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ.
وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الثَّلَاثَةَ عَلَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، أَعْنِي الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْعَقْلَ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ عَصْرٍ وَعَصْرٍ. فَالتَّابِعُونَ إذَا أَجْمَعُوا فَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ فَهُوَ سَالِكٌ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ. وَيَسْتَحِيلُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ أَنْ يَشِذَّ الْحَقُّ عَنْهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ عِنْدَ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْعَادَةِ. وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ، أَضْعَفُهُمَا قَوْلُهُمْ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْآيَةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] يَتَنَاوَلُ الَّذِينَ نُعِتُوا بِالْإِيمَانِ وَهُمْ الْمَوْجُودُونَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُوصَفُ بِالْإِيمَانِ وَلَا يَكُونُ لَهُ سَبِيلٌ وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» يَتَنَاوَلُ أُمَّتَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَتُصُوِّرَ إجْمَاعُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ وَهُمْ الْمَوْجُودُونَ.
وَهَذَا بَاطِلٌ؛ إذْ يَلْزَمُ عَلَى مَسَاقِهِ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ بَعْدَ مَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَحَمْزَةَ وَمَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، فَإِنَّ إجْمَاعَ مَنْ وَرَاءَهُمْ لَيْسَ إجْمَاعَ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَكُلِّ الْأُمَّةِ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُعْتَدَّ بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَكَمُلَتْ آلَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا وَإِيَّاهُمْ وَالصَّحَابَةُ عَلَى أَنَّ مَوْتَ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يَحْسِمُ بَابَ الْإِجْمَاعِ، بَلْ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ النَّبِيِّ حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَمْ مِنْ صَحَابِيٍّ اُسْتُشْهِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْوَاجِبَ اتِّبَاعُ سَبِيلِ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِجْمَاعُ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَلَيْسَ التَّابِعُونَ جَمِيعَ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَإِنْ مَاتُوا لَمْ يَخْرُجُوا بِمَوْتِهِمْ عَنْ الْأُمَّةِ وَلِذَلِكَ لَوْ خَالَفَ وَاحِدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ لَا يَكُونُ قَوْلَ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَلَا يَحْرُمُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، فَإِذَا كَانَ خِلَافُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ يَدْفَعُ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ فَعَدَمُ وِفَاقِهِمْ أَيْضًا يَدْفَعُ لِأَنَّهُمْ بِالْمَوْتِ لَمْ يُخْرَجُوا عَنْ كَوْنِهِمْ مِنْ الْأُمَّةِ. قَالُوا: وَقِيَاسُ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَثْبُتَ وَصْفُ الْكُلِّيَّةِ أَيْضًا لِلصَّحَابَةِ بَلْ يُنْتَظَرُ لُحُوقُ التَّابِعِينَ وَمُوَافَقَتُهُمْ مَنْ بَعْدَهُمْ إلَى الْقِيَامَةِ فَإِنَّهُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ، لَكِنْ لَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا فِي الْقِيَامَةِ، فَثَبَتَ أَنَّ وَصْفَ الْكُلِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ دُونَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فَلَا سَبِيلَ إلَى إخْرَاجِ الصَّحَابَةِ مِنْ الْجُمْلَةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ وَصْفُ كُلِّيَّةِ الْأُمَّةِ لِلتَّابِعِينَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَمَا بَطَلَ عَلَى الْقَطْعِ الِالْتِفَاتُ إلَى اللَّاحِقِينَ بَطَلَ الِالْتِفَاتُ إلَى الْمَاضِينَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تُصُوِّرَ إجْمَاعٌ بَعْدَ مَوْتِ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا بَعْدَ أَنْ اُسْتُشْهِدَ حَمْزَةُ وَقَدْ اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ إجْمَاعِ
стр. 148
الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَعْدَ مَوْتِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلِيس ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُعْتَبَرُ وَالْمُسْتَقْبِلُ لَا يُنْتَظَرُ وَأَنَّ وَصْفَ كُلِّيَّةِ الْأُمَّةِ حَاصِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمَوْجُودِينَ فِي كُلِّ وَقْتٍ.
وَأَمَّا إجْمَاعُ التَّابِعِينَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: يَصِيرُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَهْجُورًا لِأَنَّهُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ وَإِنْ سَلَّمْنَا - وَهُوَ الصَّحِيحُ - فَنَقُولُ: إنْ اتَّفَقُوا عَلَى وَفْقِ قَوْلِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ؛ إذْ مُوَافَقَتُهُ إنْ لَمْ تُقَوِّ الْإِجْمَاعَ فَلَا تَقْدَحُ فِيهِ، وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فَلَا يَصِيرُ ذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَنَا مَهْجُورًا حَتَّى يُحَرَّمَ عَلَى تَابِعِي التَّابِعِينَ مُوَافَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ أَفْتَى فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَيْسَ فَتْوَى التَّابِعِينَ فِيهَا فَتْوَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ بَلْ فَتْوَى الْبَعْضِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ ثَبَتَ نَعْتُ الْكُلِّيَّةِ لِلتَّابِعِينَ فَلْيَكُنْ خِلَافُ قَوْلِهِمْ بَعْدَهُمْ حَرَامًا وَإِنْ قَالَ بِهِ صَحَابِيٌّ قَبْلَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كُلَّ الْأُمَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَقُومَ الْحُجَّةُ بِإِجْمَاعِهِمْ وَلَا يُحَرَّمُ خِلَافُهُمْ؛ إذْ خِلَافُ بَعْضِ الْأُمَّةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، أَمَّا أَنْ تَكُونَ كُلِّيَّةُ الْأُمَّةِ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَهَذَا مُتَنَاقِضٌ وَجَمْعٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
قُلْنَا: لَيْسَ بِمُتَنَاقِضٍ؛ لِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خَاضُوا فِيهَا، فَإِذَا نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ فَالتَّابِعُونَ فِيهَا كُلُّ الْأُمَّةِ إذَا أَجْمَعُوا فِيهَا، أَمَّا مَا أَفْتَى فِيهَا الصَّحَابِيُّ فَفَتْوَاهُ وَمَذْهَبُهُ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. وَهَذَا كَالصَّحَابِيِّ إذَا مَاتَ بَعْدَ الْفَتْوَى وَأَجْمَعَ الْبَاقُونَ عَلَى خِلَافِهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا مِنْ الْأُمَّةِ، وَلَوْ مَاتَ ثُمَّ نَزَلَتْ وَاقِعَةٌ بَعْدَهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ وَتَكُونُ الْكُلِّيَّةُ حَاصِلَةً بِالْإِضَافَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ فِي الْأُمَّةِ غَائِبٌ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الْغَائِبِ خَبَرٌ مِنْ الْوَاقِعَةِ وَلَا فَتْوَى فِيهَا، لَكِنْ نَقُولُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَكَانَ لَهُ قَوْلٌ فِيهَا فَلَا بُدُّ مِنْ مُوَافَقَتِهِ، فَلْيَكُنْ الْمَيِّتُ قَبْلَ التَّابِعِينَ كَالْغَائِبِ. قُلْنَا: يَبْطُلُ بِالْمَيِّتِ الْأَوَّلِ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ دُونَهُ وَلَوْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَنْعَقِدْ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ فِي الْحَالِ ذُو مَذْهَبٍ وَرَأْيٍ بِالْقُوَّةِ فَتُمْكِنُ مُوَافَقَتُهُ وَمُخَالَفَتُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوَافِقَ أَوْ يُخَالِفَ إذَا عُرِضَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ خِلَافٌ أَوْ وِفَاقٌ لَا بِالْقُوَّةِ وَلَا بِالْفِعْلِ بَلْ الْمَجْنُونُ وَالْمَرِيضُ الزَّائِلُ الْعَقْلِ وَالطِّفْلُ لَا يُنْتَظَرُ لِأَنَّهُ بَطَلَ مِنْهُ إمْكَانُ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ التَّابِعُونَ يَنْدَفِعُ بِخِلَافِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إذَا نُقِلَ، فَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ فَلَعَلَّهُ خَالَفَ، وَلَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا، فَلَا يُسْتَيْقَنُ إجْمَاعُ كُلِّ الْأُمَّةِ. قُلْنَا: يَبْطُلُ بِالْمَيِّتِ الْأَوَّلِ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ إمْكَانَ خِلَافِهِ لَا يَكُونُ كَحَقِيقَةِ خِلَافِهِ. وَهَذَا التَّحْقِيقُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ فُتِحَ بَابُ الِاحْتِمَالِ لَبَطَلَتْ الْحُجَجُ؛ إذْ مَا مِنْ حُكْمٍ إلَّا وَيُتَصَوَّرُ تَقْدِيرُ نَسْخِهِ وَانْفِرَادُ الْوَاحِدِ بِنَقْلِهِ وَمَوْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْنَا، فَيَبْطُلُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَضْمَرَ الْمُخَالَفَةَ، وَإِنَّمَا أَظْهَرَ الْمُوَافَقَةَ لِسَبَبٍ وَيُرَدُّ خَبَرُ الْوَاحِدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا.
وَإِذَا عُرِفَ الْإِجْمَاعُ وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ أَمْكَنَ رُجُوعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا، فَيَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ وَعَدَمُ الرُّجُوعِ. قُلْنَا: وَالْأَصْلُ عَدَمُ خَوْضِهِ فِي الْوَاقِعَةِ وَعَدَمُ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ جَمِيعًا، وَمَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ فَالِاحْتِمَالُ لَا يَنْتَفِي، وَإِذَا ثَبَتَ الِاحْتِمَالُ حَصَلَ الشَّكُّ فَيَصِيرُ الْإِجْمَاعُ غَيْرَ مُسْتَيْقَنٍ مَعَ الشَّكِّ، وَلَكِنْ يُقَالُ: لَا يَنْدَفِعُ الْإِجْمَاعُ بِكُلِّ شَكٍّ.
فَإِنْ قِيلَ: فِي مَسْأَلَةِ تَجْوِيزِ النَّسْخِ وَتَجْوِيزِ الرُّجُوعِ شَكٌّ بَعْدَ اسْتِيقَانِ أَصْلِ الْحُجَّةِ وَإِنَّمَا
стр. 149
الشَّكُّ فِي دَوَامِهَا، وَهَهُنَا الشَّكُّ فِي أَصْلِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ نَعْتِ الْكُلِّيَّةِ لَهُمْ، وَنَعْتُ الْكُلِّيَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ انْتِفَاءِ الْخِلَافِ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي انْتِفَاءِ الْخِلَافِ شَكَكْنَا فِي الْكُلِّيَّةِ فَشَكَكْنَا فِي الْإِجْمَاعِ.
قُلْنَا: لَا بَلْ نَعْتُ الْكُلِّيَّةِ حَاصِلٌ لِلتَّابِعِينَ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي بِمَعْرِفَةِ الْخِلَافِ فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ بَقِيَتْ الْكُلِّيَّةُ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُضَاهِي قَوْلَ الْقَائِلِ: الْحُجَّةُ فِي نَصٍّ مَاتَ الرَّسُولُ ﵇ قَبْلَ نَسْخِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ مَوْتُهُ قَبْلَ نَسْخِهِ شَكَكْنَا فِي الْحُجَّةِ، وَالْحُجَّةُ الْإِجْمَاعُ الْمُنْقَرِضُ عَلَيْهِ الْعَصْرُ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي الرُّجُوعِ فَقَدْ شَكَكْنَا فِي الْحُجَّةِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي قَوْلِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّا لَا نَقُولُ: صَارَ كُلِّيَّةُ الْبَاقِينَ مَشْكُوكًا فِيهَا هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الرُّكْنِ الْأَوَّلِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي نَفْسِ الْإِجْمَاعِ. وَنَعْنِي بِهِ اتِّفَاقَ فَتَاوَى الْأُمَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ انْقَرَضَ عَلَيْهِ الْعَصْرُ أَوْ لَمْ يَنْقَرِضْ أَفْتَوْا عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ عَنْ نَصٍّ مَهْمَا كَانَتْ الْفَتْوَى نُطْقًا صَرِيحًا وَتَمَامُ النَّظَرِ فِي هَذَا الرُّكْنِ بِبَيَانِ أَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ كَالنُّطْقِ وَأَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ يَنْعَقِدُ عَنْ اجْتِهَادٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ.
[مَسْأَلَةٌ أَفْتَى بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِفَتْوَى وَسَكَتَ الْآخَرُونَ]
مَسْأَلَةٌ إذَا أَفْتَى بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِفَتْوَى وَسَكَتَ الْآخَرُونَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: إذَا انْتَشَرَ وَسَكَتُوا، فَسُكُوتُهُمْ كَالنُّطْقِ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ الْإِجْمَاعُ.
وَشَرَطَ قَوْمٌ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ عَلَى السُّكُوتِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَكِنَّهُ دَلِيلُ تَجْوِيزِهِمْ الِاجْتِهَادَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَلَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا إذَا دَلَّتْ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ عَلَى أَنَّهُمْ سَكَتُوا مُضْمِرِينَ الرِّضَا وَجَوَازِ الْأَخْذِ بِهِ عِنْدَ السُّكُوتِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ فَتْوَاهُ إنَّمَا تُعْلَمُ بِقَوْلِهِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ وَتَرَدُّدٌ، وَالسُّكُوتُ مُتَرَدِّدٌ فَقَدْ يُسْكَتُ مِنْ غَيْرِ إضْمَارِ الرِّضَا لِسَبْعَةِ أَسْبَابٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي بَاطِنِهِ مَانِعٌ مِنْ إظْهَارِ الْقَوْلِ، وَنَحْنُ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَظْهَرُ قَرَائِنُ السُّخْطِ عَلَيْهِ مَعَ سُكُوتِهِ
الثَّانِي: أَنْ يَسْكُتَ؛ لِأَنَّهُ يَرَاهُ قَوْلًا سَائِغًا لِمَنْ أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُوَافِقًا عَلَيْهِ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا يَرَى الْإِنْكَارَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ أَصْلًا وَلَا يَرَى الْجَوَابَ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ، فَإِذَا كَفَاهُ مَنْ هُوَ مُصِيبٌ سَكَتَ، وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَسْكُتَ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَكِنْ يَنْتَظِرُ فُرْصَةَ الْإِنْكَارِ وَلَا يَرَى الْبِدَارَ مَصْلَحَةً لِعَارِضٍ مِنْ الْعَوَارِضِ يَنْتَظِرُ زَوَالَهُ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ زَوَالِ ذَلِكَ الْعَارِضِ أَوْ يَشْتَغِلُ عَنْهُ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَنَالَهُ ذُلٌّ وَهَوَانٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سُكُوتِهِ عَنْ إنْكَارِ الْعَوْلِ فِي حَيَاةِ عُمَرَ كَانَ رَجُلًا مَهِيبًا فَهِبْتُهُ.
السَّادِسُ: أَنْ يَسْكُتَ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدُ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ.
السَّابِعُ: أَنْ يَسْكُتَ لِظَنِّهِ أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ كَفَاهُ الْإِنْكَارَ وَأَغْنَاهُ عَنْ الْإِظْهَارِ ثُمَّ يَكُونُ قَدْ غَلِطَ فِيهِ فَتَرَكَ الْإِنْكَارَ عَنْ تَوَهُّمٍ؛ إذْ رَأَى الْإِنْكَارَ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ كُفِيَ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي وَهْمِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ لَظَهَرَ.
قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ فِيهِ وِفَاقٌ لَظَهَرَ، فَإِنْ تُصُوِّرَ عَارِضٌ يَمْنَعُ مِنْ ظُهُورِ الْوِفَاقِ تُصُوِّرَ مِثْلُهُ فِي ظُهُورِ الْخِلَافِ. وَبِهَذَا يَبْطُلُ قَوْلُ الْجُبَّائِيُّ حَيْثُ شَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي السُّكُوتِ؛ إذْ مِنْ الْعَوَارِضِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَدُومُ إلَى آخِرِ الْعَصْرِ. أَمَّا مَنْ قَالَ: هُوَ حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا، فَهُوَ
стр. 150
تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْأُمَّةِ، وَالْعِصْمَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْكُلِّ فَقَطْ. فَإِنْ قِيلَ: نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ التَّابِعِينَ كَانُوا إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مَسْأَلَةٌ فَنُقِلَ إلَيْهِمْ مَذْهَبُ بَعْضِ الصَّحَابَةُ مَعَ انْتِشَارِهِ وَسُكُوتِ الْبَاقِينَ كَانُوا لَا يُجَوِّزُونَ الْعُدُولَ عَنْهُ، فَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً.
قُلْنَا: هَذَا إجْمَاعٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ مُخْتَلَفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَعْلَمُ الْمُحَصِّلُونَ أَنَّ السُّكُوتَ مُتَرَدِّدٌ، وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْأُمَّةِ لَا حُجَّةَ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْأُمَّةِ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ]
ُ وَوَجَبَتْ عِصْمَتُهُمْ عَنْ الْخَطَأِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ مِنْ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَمَوْتِ الْجَمِيعِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي اتِّفَاقِهِمْ لَا فِي مَوْتِهِمْ وَقَدْ حَصَلَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا يَزِيدُهُ الْمَوْتُ تَأْكِيدًا، وَحُجَّةُ الْإِجْمَاعِ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ الْعَصْرِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا دَامُوا فِي الْأَحْيَاءِ فَرُجُوعُهُمْ مُتَوَقَّعٌ وَفَتْوَاهُمْ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ. قُلْنَا: وَالْكَلَامُ فِي رُجُوعِهِمْ فَإِنَّا لَا نُجَوِّزُ الرُّجُوعَ مِنْ جَمِيعِهِمْ؛ إذْ يَكُونُ أَحَدُ الْإِجْمَاعَيْنِ خَطَأً وَهُوَ مُحَالٌ، أَمَّا بَعْضُهُمْ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ بِرُجُوعِهِ خَالَفَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ الَّتِي وَجَبَتْ عِصْمَتُهَا عَنْ الْخَطَأِ.
نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الرُّجُوعُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيَكُونُ بِهِ عَاصِيًا فَاسِقًا وَالْمَعْصِيَةُ تَجُوزُ عَلَى بَعْضِ الْأُمَّةِ وَلَا تَجُوزُ عَلَى الْجَمِيعِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَبَعْدُ مَا تَمَّ الْإِجْمَاعُ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ؟ قُلْنَا: إنْ عَنَيْتُمْ بِهِ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى إجْمَاعًا فَهُوَ بَهْتٌ عَلَى اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ أَنَّ حَقِيقَتَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فَمَا حَدُّهُ؟ وَمَا الْإِجْمَاعُ إلَّا اتِّفَاقُ فَتَاوِيهِمْ، وَالِاتِّفَاقُ قَدْ حَصَلَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِدَامَةٌ لِلِاتِّفَاقِ لَا إتْمَامٌ لِلِاتِّفَاقِ.
ثُمَّ نَقُولُ: كَيْفَ يُدَّعَى ذَلِكَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ التَّابِعِينَ فِي زَمَانِ بَقَاءِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَوَاخِرِ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ جَوَازُ الِاحْتِجَاجِ بِالْإِجْمَاعِ مُؤَقَّتًا بِمَوْتِ آخِرِ الصَّحَابَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْفِي مَوْتُ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ تَحَكُّمٌ آخَرُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ. ثُمَّ نَقُولُ: هَذَا يُؤَدِّي إلَى تَعَذُّرِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهُ إنْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ جَازَ لِلتَّابِعِيِّ أَنْ يُخَالِفَ إذَا لَمْ يَتِمَّ الْإِجْمَاعُ وَمَا دَامَ وَاحِدٌ مِنْ عَصْرِ التَّابِعِينَ أَيْضًا لَا يَسْتَقِرُّ الْإِجْمَاعُ مِنْهُمْ فَيَجُوزُ لِتَابِعِيٍّ الْخِلَافُ.
وَهَذَا خَبْطٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وَلَهُمْ شُبَهٌ.
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ رُبَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ مَا قَالَهُ عَنْ وَهْمٍ وَغَلَطٍ فَيُتَنَبَّه لَهُ، فَكَيْفَ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الْغَلَطِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمَنُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ يَجْرِي فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟ قُلْنَا: وَبِأَنْ يَمُوتَ مِنْ أَيْنَ يَحْصُلُ أَمَانٌ مِنْ غَلَطِهِ؟ وَهَلْ يُؤْمَنُ مِنْ الْغَلَطِ إلَّا دَلَالَةَ النَّصِّ عَلَى وُجُوبِ عِصْمَةِ الْأُمَّةِ؟ وَأَمَّا إذَا رَجَعَ وَقَالَ: تَبَيَّنْتُ أَنِّي غَلِطْتُ فَنَقُولُ: إنَّمَا يُتَوَهَّمُ عَلَيْكَ الْغَلَطُ إذَا انْفَرَدْتَ، وَأَمَّا مَا قُلْتَهُ فِي مُوَافَقَةِ الْأُمَّةِ فَلَا يُحْتَمَلُ الْخَطَأُ.
فَإِنْ قَالَ: تَحَقَّقْتُ أَنِّي قُلْتُ: مَا قُلْتُهُ دَلِيلُ كَذَا، وَقَدْ انْكَشَفَ لِي خِلَافُهُ قَطْعًا، فَنَقُولُ: إنَّمَا أَخْطَأْتَ فِي الطَّرِيقِ لَا فِي نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ، بَلْ مُوَافَقَةُ الْأُمَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ حَقٌّ، وَإِنْ كُنْتَ فِي طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ مُخْطِئًا.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمْ رُبَّمَا قَالُوا عَنْ اجْتِهَادٍ وَظَنٍّ، وَلَا حَجْرَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَنْ يَرْجِعَ، وَإِذَا جَازَ الرُّجُوعُ دَلَّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَتِمَّ.
قُلْنَا: لَا حَجْرَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي الرُّجُوعِ إذَا انْفَرَدَ بِاجْتِهَادِهِ، أَمَّا مَا وَافَقَ فِيهِ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ الْأُمَّةِ فَلَا يَجُوزُ الْخَطَأُ فِيهِ وَيَجِبُ كَوْنُهُ حَقًّا وَالرُّجُوعُ عَنْ الْحَقِّ مَمْنُوعٌ.
стр. 151
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُخَالِفُ لَمْ تَصِرْ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعًا بِمَوْتِهِ وَالْبَاقُونَ هُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ، لَكِنَّهُمْ فِي بَعْضِ الْعَصْرِ، فَلِذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ مَهْجُورًا، فَإِنْ كَانَ الْعَصْرُ لَا يُعْتَبَرُ فَلْيَبْطُلْ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ.
قُلْنَا: قَالَ قَوْمٌ: يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ وَيَصِيرُ مَهْجُورًا؛ لِأَنَّ الْبَاقِينَ هُمْ كُلُّ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَفْتَى فِيهَا الْمَيِّتُ، فَإِنَّ فَتْوَاهُ لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا بِمَوْتِهِ. وَلَيْسَ هَذَا لِلْعَصْرِ فَإِنَّهُ جَارٍ فِي الصَّحَابِيِّ الْوَاحِدِ إذَا قَالَ: قَوْلًا وَأَجْمَعَ التَّابِعُونَ فِي جَمِيعِ عَصْرِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَذْهَبُهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَأَنَا الْآنَ أَرَى بَيْعَهُنَّ " فَقَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ: رَأْيُكَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِكَ فِي الْفُرْقَةِ. قُلْنَا: لَوْ صَحَّ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ قَاطِبَةً لَمَا كَانَ هَذَا يَدُلُّ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ عَلَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَلَوْ ذَهَبَ إلَى هَذَا صَرِيحًا لَمْ يَجِبْ تَقْلِيدُهُ، كَيْفَ وَلَمْ يَجْتَمِعْ إلَّا رَأْيُهُ وَرَأْيُ عُمَرَ كَمَا قَالَ؟ وَأَمَّا قَوْلُ عُبَيْدَةَ: رَأْيُكَ فِي الْجَمَاعَةِ، مَا أَرَادَ بِهِ مُوَافَقَةَ الْجَمَاعَةِ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ رَأْيَكَ فِي زَمَانِ الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالِاتِّفَاقِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك فِي الْفِتْنَةِ وَالْفُرْقَةِ وَتَفَرُّقِ الْكَلِمَةِ وَتَطَرُّقِ التُّهْمَةِ إلَى عَلِيٍّ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ الشَّيْخَيْنِ ﵄، فَلَا حُجَّةَ فِيمَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي نَفْسِهِ.
[مَسْأَلَةٌ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ]
مَسْأَلَةٌ: يَجُوزُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَنْ اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ وَيَكُونُ حُجَّةً وَقَالَ قَوْمٌ: الْخَلْقُ الْكَثِيرُ لَا يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُهُمْ فِي مَظِنَّةِ الظَّنِّ وَلَوْ تُصُوِّرَ لَكَانَ حُجَّةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُتَصَوَّرٌ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالِاجْتِهَادِ يَفْتَحُ بَابَ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ كَيْفَ يَتَّفِقُونَ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ فِي مَظِنَّةِ الظَّنِّ؟ قُلْنَا: هَذَا إنَّمَا يُسْتَنْكَرُ فِيمَا يَتَسَاوَى فِيهِ الِاحْتِمَالُ، وَأَمَّا الظَّنُّ الْأَغْلَبُ فَيَمِيلُ إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ، فَأَيُّ بُعْدٍ فِي أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ النَّبِيذَ فِي مَعْنَى الْخَمْرِ فِي الْإِسْكَارِ فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ فِي التَّحْرِيمِ؟ كَيْفَ وَأَكْثَرُ الْإِجْمَاعَاتِ مُسْتَنِدَةٌ إلَى عُمُومَاتٍ وَظَوَاهِرَ وَأَخْبَارٍ آحَادٍ صَحَّتْ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالِاحْتِمَالُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا؟ كَيْفَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَفِيهِمَا مِنْ الشُّبَهِ مَا هُوَ أَعْظَمُ جَدْبًا لِأَكْثَرِ الطِّبَاعِ مِنْ الِاحْتِمَالِ الَّذِي فِي مُقَابِلَةِ الظَّنِّ الْأَظْهَرِ؟ وَقَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى إبْطَالِ النُّبُوَّةِ مَذَاهِبُ بَاطِلَةٌ لَيْسَ لَهَا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ وَلَا ظَنِّيٌّ، فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى دَلِيلٍ ظَاهِرٍ وَظَنٍّ غَالِبٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَازُ الِاتِّفَاقِ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ كَالِاتِّفَاقِ عَلَى جَزَاءِ الصَّيْدِ وَمِقْدَارِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَتَقْدِيرِ النَّفَقَةِ وَعَدَالَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَظْنُونٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِيَاسًا؟ وَلَهُمْ شُبَهٌ
الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: كَيْفَ تَتَّفِقُ الْأُمَّةُ عَلَى اخْتِلَافِ طِبَاعِهَا وَتَفَاوُتِ أَفْهَامِهَا فِي الذَّكَاءِ وَالْبَلَادَةِ عَلَى مَظْنُونٍ؟
قُلْنَا: إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِثْلُ هَذَا الِاتِّفَاقِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ وَسَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ قَدْ يَخْتَلِفُونَ، أَمَّا فِي أَزْمِنَةٍ مُتَمَادِيَةٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَسْبِقَ الْأَذْكِيَاءُ إلَى الدَّلَالَةِ الظَّاهِرَةِ وَيُقَرِّرُونَ ذَلِكَ عِنْدَ ذَوِي الْبَلَادَةِ فَيَقْبَلُونَهُ مِنْهُمْ وَيُسَاعِدُونَ عَلَيْهِ، وَأَهْلُ هَذَا الْمَذْهَبِ قَدْ جَوَّزُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ وَإِبْطَالِهِ مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّةِ صِحَّتِهِ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ الْإِجْمَاعِ عَلَى هَذَا؟
стр. 152
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: كَيْفَ تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى قِيَاسٍ وَأَصْلُ الْقِيَاسِ مُخْتَلِفٌ فِيهِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا يُفْرَضُ ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ وَالْخِلَافُ حَدَثَ بَعْدَهُمْ، وَإِنْ فُرِضَ بَعْدَ حُدُوثِ الْخِلَافِ فَيَسْتَنِدُ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ إلَى الْقِيَاسِ وَالْمُنْكِرُونَ لَهُ إلَى اجْتِهَادٍ ظَنُّوا أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ قِيَاسٌ؛ إذْ قَدْ يُتَوَهَّمُ غَيْرُ الْعُمُومِ عُمُومًا وَغَيْرُ الْأَمْرِ أَمْرًا وَغَيْرُ الْقِيَاسِ قِيَاسًا، وَكَذَا عَكْسُهُ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ جَائِزٌ، فَكَيْفَ تَجْتَمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى مَا يَجُوزُ فِيهِ الْخَطَأُ؟ وَرُبَّمَا قَالُوا: الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ مُخَالَفَةِ الْمُجْتَهِدِ، فَلَوْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَنْ قِيَاسٍ لَحُرِّمَتْ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي هِيَ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَتَنَاقَضَ الْإِجْمَاعَانِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَجُوزُ الْخَطَأُ فِي اجْتِهَادٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْآحَادُ، أَمَّا اجْتِهَادُ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ فَلَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ كَاجْتِهَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقِيَاسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ لِثُبُوتِ عِصْمَتِهِ، فَكَذَا عِصْمَةُ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْإِجْمَاعِ]
وَحُكْمُهُ وُجُوبُ الِاتِّبَاعِ وَتَحْرِيمُ الْمُخَالَفَةِ وَالِامْتِنَاعُ عَنْ كُلِّ مَا يَنْسِبُ الْأُمَّةَ إلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ، وَالنَّظَرُ فِيمَا هُوَ خَرْقٌ وَمُخَالَفَةٌ وَمَا لَيْسَ بِمُخَالَفَةٍ، يَتَهَذَّبُ بِرَسْمِ مَسَائِلَ:
مَسْأَلَةٌ: إذَا اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ،
كَحُكْمِهِمْ مَثَلًا فِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ إذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا تُرَدُّ مَعَ الْعُقْرِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى مَنْعِ الرَّدِّ. فَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ كَانَ الْمَصِيرُ إلَى الرَّدِّ مَجَّانًا خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ إلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى الرَّدِّ مَجَّانًا؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ بِجُمْلَتِهِمْ لَمْ يَخُوضُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا نُقِلَ فِيهَا مَذْهَبُ بَعْضِهِمْ، فَلَوْ خَاضُوا فِيهَا بِجُمْلَتِهِمْ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْهَبَيْنِ لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُ مَذْهَبٍ ثَالِثٍ.
وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ نِسْبَةَ الْأُمَّةِ إلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ إذْ لَا بُدَّ لِلْمَذْهَبِ الثَّالِثِ مِنْ دَلِيلٍ وَلَا بُدَّ مِنْ نِسْبَةِ الْأُمَّةِ إلَى تَضْيِيعِهِ وَالْغَفْلَةِ عَنْهُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَلَهُمْ شُبَهٌ:
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: إنَّهُمْ خَاضُوا خَوْضَ مُجْتَهِدِينَ وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِتَحْرِيمِ قَوْلٍ ثَالِثٍ. قُلْنَا: وَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ عَنْ اجْتِهَادٍ فَهُوَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ خِلَافُهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ نِسْبَتَهُمْ إلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ وَالْغَفْلَةِ عَنْ دَلِيلِهِ، فَكَذَلِكَ هَهُنَا.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَوْ اسْتَدَلَّ الصَّحَابَةُ بِدَلِيلٍ أَوْ عِلَّةٍ لَجَازَ الِاسْتِدْلَال بِعِلَّةٍ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِبُطْلَانِهَا، فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لَمْ يُصَرِّحُوا بِبُطْلَانِهِ.
قُلْنَا: فَلْيَجُزْ خِلَافُهُمْ إذَا اتَّفَقُوا عَنْ اجْتِهَادٍ إذْ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. لَكِنَّ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرْضِ دِينِهِمْ الِاطِّلَاعُ عَلَى جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ بَلْ يَكْفِيهِمْ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ، فَلَيْسَ فِي إحْدَاثِ عِلَّةٍ أُخْرَى وَاسْتِنْبَاطِهَا نِسْبَةٌ إلَى تَضْيِيعِ الْحَقِّ وَفِي مُخَالَفَتِهِمْ فِي الْحُكْمِ إذَا اتَّفَقُوا نِسْبَةٌ إلَى التَّضْيِيعِ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ إلَى أَنَّ اللَّمْسَ وَالْمَسَّ يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ، وَبَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُمَا لَا يَنْقُضَانِ الْوُضُوءَ وَلَمْ يُفَرِّقْ وَاحِدٌ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ تَابِعِيٌّ: يَنْقُضُ أَحَدُهُمَا
стр. 153
دُونَ الْآخَرِ، كَانَ هَذَا جَائِزًا، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا ثَالِثًا.
قُلْنَا: لِأَنَّ حُكْمَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ يُوَافِقُ مَذْهَبَ طَائِفَةٍ، وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ حُكْمٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَتْ التَّسْوِيَةُ مَقْصُودَةً وَلَوْ قَصَدُوهَا وَقَالُوا: لَا فَرْقَ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ الْفَرْقُ، وَإِذَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى الْفَرْقِ قَصْدًا امْتَنَعَ الْجَمْعُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُجْمِعُوا وَلَمْ يُفَرِّقُوا فَلَا يَلْتَئِمُ حُكْمٌ وَاحِدٌ مِنْ مَسْأَلَتَيْنِ بَلْ نَقُولُ صَرِيحًا: لَا يَخْلُو إنْسَانٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ وَخَطَأٍ فِي مَسْأَلَةٍ، فَالْأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْخَطَأِ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُحَالٍ إنَّمَا يَسْتَحِيلُ الْخَطَأُ بِحَيْثُ يَضِيعُ الْحَقُّ حَتَّى لَا يَقُومَ بِهِ طَائِفَةٌ مَعَ قَوْلِهِ ﵇: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ» فَلِهَذَا نَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ تَنْقَسِمَ الْأُمَّةُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ إلَى فِرْقَتَيْنِ وَتُخْطِئُ فِرْقَةٌ فِي مَسْأَلَةٍ، وَالْفِرْقَةُ الْأُخْرَى تَقُومُ بِالْحَقِّ فِيهَا وَالْقَائِمُونَ بِالْحَقِّ يُخْطِئُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، وَيَقُومُ بِالْحَقِّ فِيهَا الْمُخْطِئُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، حَتَّى يَقُولَ مَثَلًا أَحَدُ شَطْرَيْ الْأُمَّةِ الْقِيَاسُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالْخَوَارِجُ مُبْطِلُونَ، وَيَقُولَ فَرِيقٌ آخَرُ: الْقِيَاسُ حُجَّةٌ وَالْخَوَارِجُ مُحِقُّونَ، فَيَشْمَلُهُمْ الْخَطَأُ وَلَكِنْ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، فَلَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُضَيَّعًا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ مَسْرُوقًا أَحْدَثِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرَامِ قَوْلًا ثَالِثًا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ. قُلْنَا: لَمْ يَثْبُتْ اسْتِقْرَارُ كَافَّةِ الصَّحَابَةِ عَلَى رَأْيَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرَامِ بَلْ رُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِيهَا فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ أَوْ لَمْ يَخُضْ فِيهَا، أَوْ لَعَلَّ مَسْرُوقًا خَالَفَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِوِفَاقِهِمْ وَكَانَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ فِي وَقْتِ وُقُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، كَيْفَ وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا عَنْ مَسْرُوقٍ إلَّا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ؟ فَلَا يُدْفَعُ بِهَا مَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ انْعِقَاد الْإِجْمَاع بِمُخَالَفَةِ وَاحِدٌ مِنْ الْأُمَّةِ أَوْ اثْنَانِ]
مَسْأَلَةٌ إذَا خَالَفَ وَاحِدٌ مِنْ الْأُمَّةِ أَوْ اثْنَانِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ، فَلَوْ مَاتَ لَمْ تَصِرْ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعًا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْمُحَرَّمَ مُخَالَفَةُ الْأُمَّةِ كَافَّةً، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى مَذْهَبِ الْمَيِّتِ بَعْدَ عَصْرِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَذْهَبُهُ خِلَافُ كَافَّةِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مِنْ الْأُمَّةِ لَا يَنْقَطِعُ مَذْهَبُهُ بِمَوْتِهِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: فُلَانٌ وَافَقَ الشَّافِعِيَّ أَوْ خَالَفَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّافِعِيِّ. فَمَذْهَبُ الْمَيِّتِ لَا يَصِيرُ مَهْجُورًا بِمَوْتِهِ وَلَوْ صَارَ مَهْجُورًا لَصَارَ مَذْهَبُ الْجَمِيعِ كَالْمُنْعَدِمِ عِنْدَ مَوْتِهِمْ حَتَّى يَجُوزَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُخَالِفَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ مَاتَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ وَهُوَ بَعْدُ مُتَوَقِّفٌ فَمَاذَا تَقُولُونَ فِيهِ؟ قُلْنَا: نَقْطَعُ فِي طَرَفَيْنِ وَاضِحَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَبْلَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ فَالْبَاقُونَ بَعْدَهُ كُلُّ الْأُمَّةِ، وَإِنْ خَاضَ وَأَفْتَى فَالْبَاقُونَ بَعْضُ الْأُمَّةِ، وَإِنْ مَاتَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ فَإِنَّهُ كَمَا لَمْ يُخَالِفْهُمْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ أَيْضًا، بَلْ الْمُتَوَقِّفُ مُخَالِفٌ لِلْجَازِمِ لَكِنَّهُ بِصَدَدِ الْمُوَافَقَةِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
[مَسْأَلَةٌ اتِّفَاقَ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ]
مَسْأَلَةٌ إذَا اتَّفَقَ التَّابِعُونَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَصِرْ الْقَوْلُ الْآخَرُ مَهْجُورًا وَلَمْ يَكُنْ الذَّاهِبُ إلَيْهِ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ هُمْ مِنْ الْأُمَّةِ، وَالتَّابِعُونَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بَعْضُ الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانُوا كُلَّ الْأُمَّةِ. فَمَذْهَبُهُمْ بِاخْتِيَارِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَا يُحَرِّمُ الْقَوْلَ الْآخَرَ.
فَإِنْ صَرَّحُوا بِتَحْرِيمِ الْقَوْلِ الْآخَرِ فَنَحْنُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ نَقُولَ هَذَا مُحَالٌ وُقُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَنَاقُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ، إذْ مَضَتْ الصَّحَابَةُ
стр. 154
مُصَرِّحَةً بِتَجْوِيزِ الْخِلَافِ وَهَؤُلَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ مَا سَوَّغُوهُ. وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ وَلَكِنَّهُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْمَعْصِيَةُ مِنْ بَعْضِ الْأُمَّةِ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانُوا كُلَّ الْأُمَّةِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَخُضْ الصَّحَابَةُ فِيهَا، لَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ» إذْ يَكُونُ الْحَقُّ قَدْ ضَاعَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، فَلَعَلَّ مِنْ يَمِيلُ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَجْعَلُ الْحَدِيثَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: هَذَا إجْمَاعٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ؟ وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعْثَرَ مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى دَلِيلٍ يُعَيِّنُ الْحَقَّ فِي أَحَدِهِمَا. قُلْنَا: هَذَا تَحَكُّمٌ وَاخْتِرَاعٌ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا هَذَا الشَّرْطَ وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فَلَا يُمْكِنُ الشَّرْطُ فِي الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ، إذْ يَتَطَرَّقُ الِاحْتِمَالُ إلَيْهِ وَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ قَاطِعًا. وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: إذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ عَنْ اجْتِهَادٍ فَقَدْ اتَّفَقُوا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْثُرَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى دَلِيلٍ يُعَيِّنُ الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ، وَقَدْ مَضَتْ الصَّحَابَةُ مُتَّفِقَةً عَلَى تَسْوِيغِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَلَا يَجُوزُ خَرْقُ إجْمَاعِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ]
مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ صَارَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَاطِعًا عِنْدَ مَنْ شَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ وَيَخْلُصُ مِنْ الْإِشْكَالِ. أَمَّا نَحْنُ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فَالْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ وَلَوْ فِي لَحْظَةٍ قَدْ تَمَّ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ، فَإِذَا رَجَعُوا إلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَلَا يُمْكِنُنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ نَقُولَ: هُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي اتِّفَاقِ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ فَيَعْظُمُ الْإِشْكَالُ.
وَطُرُقُ الْخَلَاصِ عَنْهُ خَمْسَةٌ: أَحَدُهُمَا: أَنْ نَقُولَ هَذَا مُحَالٌ وُقُوعُهُ وَهُوَ كَفَرْضِ إجْمَاعِهِمْ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ رُجُوعِهِمْ بِأَجْمَعِهِمْ إلَى خِلَافِهِ، أَوْ اتِّفَاقِ التَّابِعِينَ عَلَى خِلَافِهِ وَالشَّارِطُونَ لِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ يَتَّخِذُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عُمْدَةً لَهُمْ وَيَقُولُونَ مَثَلًا: إذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى بُطْلَانِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ لِلْآخَرِينَ أَنْ يُوَافِقُوهُ مَهْمَا أَظْهَرَ لَهُمْ دَلِيلَ الْبُطْلَانِ؟ وَكَيْفَ يُحْجَرُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَنْ يُوَافِقَ مُخَالِفَهُ؟ قُلْنَا: هَذَا اسْتِبْعَادٌ مَحْضٌ، وَنَحْنُ نُحِيلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَنَاقُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ قَدْ دَلَّ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ وَعَلَى إيجَابِ التَّقْلِيدِ عَلَى كُلِّ عَامِّيٍّ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا يَكُونُ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ أَوْ كَالْقَاطِعِ فِي تَجْوِيزِهِ، وَكَيْف يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ، وَإِحَالَةُ وُقُوعِ هَذَا التَّنَاقُضِ فِي الْإِجْمَاعَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ التَّحَكُّمِ بِاشْتِرَاطِ الْعَصْرِ؟ ثُمَّ يَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي اتِّفَاقِ التَّابِعِينَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ.
ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَى أَحَدِهِمَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ كَمَا رَجَعُوا إلَى قِتَالِ الْمَانِعِينَ لِلزَّكَاةِ بَعْدَ الْخِلَافِ وَإِلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُؤَثِّمُ مُخَالِفَهُ وَلَا يُجَوِّزُ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِ الْمُجْتَهَدَاتِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا مَقْرُونٌ بِتَجْوِيزِ الْخِلَافِ وَتَسْوِيغِ الْأَخْذِ بِكُلِّ مَذْهَبٍ أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ. وَالْمَخْلَصُ الثَّانِي اشْتِرَاطُ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ تَحَكُّمٌ. وَالْمَخْلَصُ الثَّالِثُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ مُسْتَنِدًا إلَى قَاطِعٍ لَا إلَى قِيَاسٍ وَاجْتِهَادٍ، فَإِنَّ مَنْ شَرَطَ هَذَا يَقُولُ لَا يَحْصُلُ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ إجْمَاعٌ عَلَى جَوَازِ كُلِّ مَذْهَبٍ بَلْ ذَلِكَ أَيْضًا مُسْتَنِدٌ إلَى اجْتِهَادٍ، فَإِذَا رَجَعُوا إلَى وَاحِدٍ فَالنَّظَرُ إلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ لِتَعَيُّنِ الْحَقِّ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فِي أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَهُوَ
стр. 155
مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ يَكُنْ التَّعَلُّقُ بِالْإِجْمَاعِ إذْ مَا مِنْ إجْمَاعٍ إلَّا وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ، فَإِذَا انْقَسَمَ الْإِجْمَاعُ إلَى مَا هُوَ حُجَّةٌ وَإِلَى مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا فَاصِلَ سَقَطَ التَّمَسُّكُ بِهِ وَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً، فَإِنَّهُ إنْ ظَهَرَ لَنَا الْقَاطِعُ الَّذِي هُوَ مُسْتَنَدُهُمْ فَيَكُونُ الْحُكْمُ مُسْتَقِلًّا بِذَلِكَ الْقَاطِعِ وَمُسْتَنِدًا إلَيْهِ لَا إلَى الْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ إجْمَاعٍ وَإِجْمَاعٍ.
وَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْ هَذَا إلَّا مَنْ أَنْكَرَ تَصَوُّرَ الْإِجْمَاعِ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يُنَاقِضُ آخِرَ كَلَامِهِ وَلَهُ حَيْثُ قَالَ: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الْخِلَافِ مُسْتَنَدُهُ الِاجْتِهَادُ. الْمَخْلَصُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقَالَ: النَّظَرُ إلَى الِاتِّفَاقِ الْأَخِيرِ فَأَمَّا فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنَّمَا جُوِّزَ الْخِلَافُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ عَلَى تَعْيِينِ الْحَقِّ فِي وَاحِدٍ. وَهَذَا مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ زِيَادَةُ شَرْطٍ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْحُجَجُ الْقَاطِعَةُ لَا تَقْبَلُ الشَّرْطَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ الْإِجْمَاعُ الثَّانِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ اتِّفَاقًا بَعْدَ اخْتِلَافٍ، وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ عَنْ الْإِجْمَاعِ الشَّرْطَ الْمُحْتَمَلَ. الْمَخْلَصُ الْخَامِسُ: هَذَا وَهُوَ أَنَّ الْأَخِيرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَلَا يُحَرِّمُ الْقَوْلَ الْمَهْجُورَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ اخْتِلَافٌ، فَإِذَا تَقَدَّمَ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً.
وَهَذَا أَيْضًا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى الْخَطَأِ» يَحْسِمُ بَابَ الشَّرْطِ وَيُوجِبُ كَوْنَ كُلِّ إجْمَاعٍ حُجَّةً كَيْفَ مَا كَانَ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِجْمَاعَيْنِ حُجَّةً وَيَتَنَاقَضُ، فَلَعَلَّ الْأَوْلَى الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ، وَتَصْوِيرُهُ كَتَصْوِيرِ رُجُوعِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَكَتَصْوِيرِ اتِّفَاقِ التَّابِعِينَ عَلَى خِلَافِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ فَكَذَلِكَ هَذَا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا ذَهَبَ جَمِيعُ الْأُمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى الْعَوْلِ إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ وَإِلَى مَنْعِ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ إلَّا عَلِيًّا، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُمَا الدَّلِيلُ عَلَى الْعَوْلِ وَعَلَى مَنْعِ الْبَيْعِ فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمَا الرُّجُوعُ إلَى مُوَافَقَةِ سَائِرِ الْأُمَّةِ، وَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَظْهَرَ لَهُمَا مَا ظَهَرَ لِلْأُمَّةِ؟ وَمَذْهَبُكُمْ يُؤَدِّي إلَى هَذِهِ الْإِحَالَةِ عِنْدَ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ.
قُلْنَا: لَا إشْكَالَ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ إلَّا هَذَا، وَسَبِيلُ قَطْعِهِ أَنْ يُقَالَ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا الرُّجُوعُ لَوْ ظَهَرَ لَهُمَا وَجْهُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: يَسْتَحِيلُ أَنْ يَظْهَرَ لَهُمَا وَجْهٌ أَوْ يَرْجِعَا لَا لِامْتِنَاعِهِ فِي ذَاتِهِ لَكِنْ لِإِفْضَائِهِ إلَى مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ سَمْعًا، وَالشَّيْءُ تَارَةً يَمْتَنِعُ لِذَاتِهِ وَتَارَةً لِغَيْرِهِ كَاتِّفَاقِ التَّابِعِينَ عَلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ مُحَالٌ لَا لِذَاتِهِ لَكِنْ لِإِفْضَائِهِ إلَى تَخْطِئَةِ الصَّحَابَةِ أَوْ تَخْطِئَةِ التَّابِعِينَ كَافَّةً، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ سَمْعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى حُكْمٍ ثُمَّ ذَكَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَدِيثًا عَلَى خِلَافِهِ]
مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى حُكْمٍ ثُمَّ ذَكَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَدِيثًا عَلَى خِلَافِهِ وَرَوَاهُ، فَإِنْ رَجَعُوا إلَيْهِ كَانَ الْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ بَاطِلًا، وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ فَهُوَ مُحَالٌ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ يَذْكُرُهُ تَحْقِيقًا، وَإِذَا رَجَعَ هُوَ كَانَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْخَبَرِ، وَهَذَا لَا مَخْلَصَ عَنْهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فَلْيُعْتَبَرْ. قُلْنَا: عَنْهُ مَخْلَصَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا فَرْضٌ مُحَالٌ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْصِمُ الْأُمَّةَ عَنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَقِيضِ الْخَبَرِ أَوْ يَعْصِمُ الرَّاوِي عَنْ النِّسْيَانِ إلَى أَنْ يَتِمَّ الْإِجْمَاعُ.
الثَّانِي: أَنَّا نَنْظُرُ إلَى أَهْلِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ أَصَرُّوا تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَقٌّ وَأَنَّ الْخَبَرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ غَلِطَ فِيهِ الرَّاوِي فَسَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ
стр. 156
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَظَنَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ نَسْخٌ لَمْ يَسْمَعْهُ الرَّاوِي وَعَرَفَهُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ لَنَا، فَإِنْ رَجَعَ الرَّاوِي كَانَ مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَإِنْ رَجَعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ إلَى الْخَبَرِ قُلْنَا: كَانَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَقًّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إذْ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ اللَّهُ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ، كَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ حَقًّا قَبْلَ بُلُوغِ النَّسْخِ وَكَمَا لَوْ تَغَيَّرَ الِاجْتِهَادُ، أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّأْيَيْنِ حَقًّا عِنْدَ مَنْ صَوَّبَ قَوْلَ كُلِّ مُجْتَهِدٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ جَازَ هَذَا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَنْ اجْتِهَادٍ جَازَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ الْخِلَافُ بَلْ جَازَ لَهُمْ الرُّجُوعُ فَإِنَّ مَا قَالُوهُ كَانَ حَقًّا مَا دَامَ ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ بَاقِيًا، فَإِذَا تَغَيَّرَ تَغَيَّرَ الْفَرْضُ وَالْكُلُّ حَقٌّ، لَا سِيَّمَا إذَا اخْتَلَفُوا عَنْ اجْتِهَادٍ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ؟ وَهَلَّا قُلْتُمْ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُجَوِّزُونَ لِلذَّاهِبِ إلَى إنْكَارِ الْعَوْلِ وَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ الْقَوْلَ بِهِ مَا غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ، فَإِذَا تَغَيَّرَ ظَنُّهُ تَغَيَّرَ فَرْضُهُ وَحُرِّمَ عَلَيْهِ مَا كَانَ سَائِغًا لَهُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا رَفْعًا لِلْإِجْمَاعِ بَلْ تَجْوِيزًا لِلْمَصِيرِ إلَى مَذْهَبٍ بِشَرْطِ غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَإِذَا تَغَيَّرَ الظَّنُّ لَمْ يَكُنْ مُجَوِّزًا وَيَكُونُ هَذَا مَخْلَصًا سَادِسًا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قُلْنَا: مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ بَعْدَهُ لَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ فَقَطْ لَكِنْ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ يَحْرُمُ خِلَافُهُ لَا كَالْحَقِّ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الْآحَادُ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفُوا عَنْ اجْتِهَادٍ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْقَوْلِ الثَّانِي فَيَصِيرُ جَوَازُ الْمَصِيرِ إلَيْهِ أَمْرًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ بِشَرْطِ بَقَاءِ الِاجْتِهَادِ، كَمَا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ الِاجْتِهَادُ بَلْ يَحْرُمُ خِلَافُهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَكَذَلِكَ هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ ظَهَرَ لِلتَّابِعِينَ ذَلِكَ الْخَبَرُ عَلَى خِلَافِ مَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ إلَيْهِمْ مَنْ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ إجْمَاعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلَمْ يَكُنْ الرَّاوِي مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ؟ قُلْنَا: يَحْرُمُ عَلَى التَّابِعِينَ مُوَافَقَتُهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْإِجْمَاعِ الْقَاطِعَ، فَإِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالسَّهْوَ وَالْإِجْمَاعُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]
ِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ،
وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُقْطَعُ بِهِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ قَاطِعٌ؟ وَلَيْسَ يَسْتَحِيلُ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا لَوْ وَرَدَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ. فَإِنْ قِيلَ: فَلْيَثْبُتْ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ بِهِ مُخَالِفًا. لِكِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ، إذْ الْإِجْمَاعُ كَالنَّصِّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ وَالْعَمَلُ بِمَا يَنْقُلَهُ الرَّاوِي مِنْ النَّصِّ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْقَطْعُ بِهِ لِصِحَّةِ النَّصِّ، فَكَذَا الْإِجْمَاعُ. قُلْنَا: إنَّمَا يَثْبُتُ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ اقْتِدَاءً بِالصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْأُمَّةِ مِنْ اتِّفَاقٍ أَوْ إجْمَاعٍ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَقْلٌ وَإِجْمَاعٌ، وَلَوْ أَثْبَتْنَاهُ لَكَانَ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا صِحَّةُ الْقِيَاسِ فِي إثْبَاتِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ. هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَلَسْنَا نَقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ خَاصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ لَيْسَ تَمَسُّكًا بِالْإِجْمَاعِ]
خِلَافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ. وَمِثَالُهُ: أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ فَقِيلَ: إنَّهَا مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَقِيلَ: إنَّهَا مِثْلُ نِصْفِهَا، وَقِيلَ:
стр. 157
إنَّهَا ثُلُثُهَا، فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِالثُّلُثِ الَّذِي هُوَ الْأَقَلُّ وَظَنَّ ظَانُّونَ أَنَّهُ تَمَسَّك بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ سُوءُ ظَنٍّ بِالشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ وُجُوبُ هَذَا الْقَدْرِ فَلَا مُخَالِفَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمُخْتَلِفُ فِيهِ سُقُوطُ الزِّيَادَةِ وَلَا إجْمَاعَ فِيهِ، بَلْ لَوْ كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الثُّلُثِ إجْمَاعًا عَلَى سُقُوطِ الزِّيَادَةِ لَكَانَ مُوجِبُ الزِّيَادَةِ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ وَلَكَانَ مَذْهَبُهُ بَاطِلًا عَلَى الْقَطْعِ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَبَحَثَ عَنْ مَدَارِك الْأَدِلَّةِ فَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى إيجَابِ الزِّيَادَةِ فَرَجَعَ إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فِي الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْعَقْلُ، فَهُوَ تَمَسُّكٌ بِالِاسْتِصْحَابِ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ كَمَا سَيَأْتِي مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ الثَّالِثُ.
[الْأَصْلُ الرَّابِعُ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَالِاسْتِصْحَابِ]
ِ اعْلَمْ أَنَّ الْأَحْكَامَ السَّمْعِيَّةَ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، لَكِنْ دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ عَنْ الْوَاجِبَاتِ وَسُقُوطِ الْحَرَجِ عَنْ الْخَلْقِ فِي الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ ﵈ وَتَأْيِيدِهِمْ بِالْمُعْجِزَاتِ. وَانْتِفَاءُ الْأَحْكَامِ مَعْلُومٌ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وَنَحْنُ عَلَى اسْتِصْحَابِ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَرِدَ السَّمْعُ، فَإِذَا وَرَدَ نَبِيٌّ وَأَوْجَبَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَتَبْقَى الصَّلَاةُ السَّادِسَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ لَا بِتَصْرِيحِ النَّبِيِّ بِنَفْيِهَا، لَكِنْ كَانَ وُجُوبُهَا مُنْتَفِيًا إذْ لَا مُثْبِتَ لِلْوُجُوبِ فَبَقِيَ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ نُطْقَهُ بِالْإِيجَابِ قَاصِرٌ عَلَى الْخَمْسَةِ فَبَقِيَ عَلَى النَّفْيِ فِي حَقِّ السَّادِسَةِ وَكَأَنَّ السَّمْعَ لَمْ يَرِدْ، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْجَبَ صَوْمَ رَمَضَانَ بَقِيَ صَوْمُ شَوَّالٍ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَإِذَا أَوْجَبَ عِبَادَةً فِي وَقْتٍ بَقِيَتْ الذِّمَّةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِذَا أَوْجَبَ عَلَى الْقَادِرِ بَقِيَ الْعَاجِزُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
فَإِذًا النَّظَرُ فِي الْأَحْكَامِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي إثْبَاتِهَا أَوْ فِي نَفْيِهَا، أَمَّا إثْبَاتُهَا فَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَالْعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ بِالْمَعْنَى النَّاقِلِ مِنْ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَانْتَهَضَ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ وَهُوَ النَّفْيُ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْعَقْلُ دَلِيلًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ فَبَعْدَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَوَضْعِ الشَّرْعِ لَا يُعْلَمُ نَفْيُ السَّمْعِ فَلَا يَكُونُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ مَعْلُومًا، وَمُنْتَهَاكُمْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِوُرُودِ السَّمْعِ وَعَدَمُ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ حُجَّةً.
قُلْنَا: انْتِفَاءُ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ قَدْ يُعْلَمُ وَقَدْ يُظَنُّ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ وَلَا عَلَى وُجُوبِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، إذْ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَانْتَشَرَ وَلَمَا خَفِيَ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا عِلْمٌ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَلَيْسَ هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ، فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَالْعِلْمُ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ حُجَّةٌ. أَمَّا الظَّنُّ فَالْمُجْتَهِدُ إذَا بَحَثَ عَنْ مَدَارِكِ الْأَدِلَّةِ فِي وُجُوبِ الْوَتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَأَمْثَالِهِمَا فَرَآهَا ضَعِيفَةً وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ دَلِيلٌ مَعَ شِدَّةِ بَحْثِهِ وَعِنَايَتِهِ بِالْبَحْثِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْتِفَاءُ الدَّلِيلِ فَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ اسْتَنَدَ إلَى بَحْثٍ وَاجْتِهَادٍ وَهُوَ غَايَةُ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَمْ يَبْلُغْنَا؟ قُلْنَا: أَمَّا إيجَابُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَمُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَلِذَلِكَ نَفَيْنَا الْأَحْكَامَ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَمْ يَبْلُغْنَا فَلَيْسَ دَلِيلًا فِي حَقِّنَا، إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا إلَّا فِيمَا بَلَغَنَا. فَإِنْ قِيلَ: فَيَقْدِرُ كُلُّ عَامِّيٍّ أَنْ يَنْفِيَ مُسْتَنِدًا إلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الدَّلِيلُ. قُلْنَا: هَذَا إنَّمَا يَجُوزُ لِلْبَاحِثِ
стр. 158
الْمُجْتَهِدِ الْمُطَّلِعِ عَلَى مَدَارِكِ الْأَدِلَّةِ الْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ، كَاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَى التَّرَدُّدِ فِي بَيْتِهِ لِطَلَبِ مَتَاعٍ إذَا فَتَّشَ وَبَالَغَ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْطَعَ بِنَفْيِ الْمَتَاعِ أَوْ يَدَّعِيَ غَلَبَةَ الظَّنِّ، أَمَّا الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْبَيْتَ وَلَا يُبْصِرُ مَا فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ نَفْيَ الْمَتَاعِ مِنْ الْبَيْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: وَهَلْ لِلِاسْتِصْحَابِ مَعْنًى سِوَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: يُطْلَقُ الِاسْتِصْحَابَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ يَصِحُّ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا:
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَالثَّانِي: اسْتِصْحَابُ الْعُمُومِ إلَى أَنْ يَرِدَ تَخْصِيصٌ وَاسْتِصْحَابُ النَّصِّ إلَى أَنْ يَرِدَ نَسْخٌ، وَأَمَّا الْعُمُومُ فَهُوَ دَلِيلٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، وَأَمَّا النَّصُّ دَلِيلٌ عَلَى دَوَامِ الْحُكْمِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ نَسْخٌ كَمَا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ مُغَيِّرٌ.
الثَّالِثُ: اسْتِصْحَابُ حُكْمٍ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ، كَالْمِلْكِ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَقْدِ الْمُمَلَّكِ وَكَشَغْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ جَرَيَانِ إتْلَافٍ أَوْ الْتِزَامٍ، فَإِنَّ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا أَصْلِيًّا فَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ جَمِيعًا، وَلَوْلَا دَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى دَوَامِهِ إلَى حُصُولِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَمَا جَازَ اسْتِصْحَابُهُ.
فَالِاسْتِصْحَابُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا فِيمَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَدَوَامِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُغَيِّرِ كَمَا دَلَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْعَقْلُ وَعَلَى الشُّغْلِ السَّمْعِيِّ وَعَلَى الْمِلْكِ الشَّرْعِيِّ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ اللُّزُومِ وَالْوُجُوبِ إذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُهَا كَتَكَرُّرِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ عِنْدَ تَكَرُّرِ الْحَاجَاتِ إذَا فُهِمَ انْتِصَابُ هَذِهِ الْمَعَانِي أَسْبَابًا لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ إمَّا بِمُجَرَّدِ الْعُمُومِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَوْ بِالْعُمُومِ وَجُمْلَةٍ مِنْ الْقَرَائِنِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَتِلْكَ الْقَرَائِنُ تَكْرِيرَاتٌ وَتَأْكِيدَاتٌ وَأَمَارَاتٌ عَرَفَ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ قَصْدَ الشَّارِعِ إلَى نَصْبِهَا أَسْبَابًا إذَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، فَلَوْلَا دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِهَا أَسْبَابًا لَمْ يَجُزْ اسْتِصْحَابُهَا، فَإِذَنْ الِاسْتِصْحَابُ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمَسُّكِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ، وَلَيْسَ رَاجِعًا إلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ بَلْ إلَى دَلِيلٍ مَعَ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ الْمُغَيِّرِ أَوْ مَعَ ظَنِّ انْتِفَاءِ الْمُغَيِّرِ عِنْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي الْبَحْثِ وَالطَّلَبِ.
[مَسْأَلَةٌ لَا حُجَّةَ فِي اسْتِصْحَابِ الْإِجْمَاعِ]
الرَّابِعُ: اسْتِصْحَابُ الْإِجْمَاعِ فِي مَحِلِّ الْخِلَافِ؛ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ وَلْنَرْسُمْ فِيهِ وَفِي افْتِقَارِ النَّافِي إلَى دَلِيلٍ مَسْأَلَتَيْنِ:
مَسْأَلَةٌ: لَا حُجَّةَ فِي اسْتِصْحَابِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَمِثَالُهُ الْمُتَيَمِّمُ، إذَا رَأَى الْمَاءَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ مَضَى فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَدَوَامِهَا، فَطَرَيَانُ وُجُودِ الْمَاءِ كَطَرَيَانِ هُبُوبِ الرِّيحِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ وَسَائِرِ الْحَوَادِثِ، فَنَحْنُ نَسْتَصْحِبُ دَوَامَ الصَّلَاةِ إلَى أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ رُؤْيَةِ الْمَاءِ قَاطِعًا لِلصَّلَاةِ.
وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَصْحِبَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلًا فِي الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ قَالَ: أَنَا نَافٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّافِي، وَإِمَّا أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ أَقَامَ دَلِيلًا. فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَدُلَّ فَسَنُبَيِّنُ وُجُوبَ الدَّلِيلِ عَلَى النَّافِي، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَقَامَ دَلِيلًا فَقَدْ أَخْطَأَ، فَإِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يُسْتَدَامُ الْحُكْمُ الَّذِي دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى دَوَامِهِ، فَالدَّلِيلُ عَلَى دَوَامِ الصَّلَاةِ هَهُنَا لَفْظُ الشَّارِعِ أَوْ إجْمَاعٌ، فَإِنْ كَانَ لَفْظًا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانٍ لِذَلِكَ اللَّفْظِ فَلَعَلَّهُ يَدُلُّ عَلَى دَوَامِهَا عِنْدَ الْعَدَمِ لَا عِنْدَ الْوُجُودِ، فَإِنْ دَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى دَوَامِهَا عِنْدَ الْعَدَمِ وَالْوُجُودِ جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ تَمَسُّكًا بِعُمُومٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ فَيَجِبُ إظْهَارُ دَلِيلِ التَّخْصِيصِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى دَوَامِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْعَدَمِ، أَمَّا حَالُ الْوُجُودِ فَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ مَعَ الْخِلَافِ.
وَلَوْ كَانَ الْإِجْمَاعُ شَامِلًا
стр. 159
حَالَ الْوُجُودِ لَكَانَ الْمُخَالِفُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ كَمَا أَنَّ الْمُخَالِفَ فِي انْقِطَاعِ الصَّلَاةِ عِنْدَ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمْ يَنْعَقِدْ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْهُبُوبِ وَانْعَقَدَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْمَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ فَلَا إجْمَاعَ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَاسَ حَالُ الْوُجُودِ عَلَى حَالِ الْعَدَمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ، فَأَمَّا أَنْ يُسْتَصْحَبَ الْإِجْمَاعُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ مُحَالٌ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَدُلَّ السَّمْعُ فَلَا يَبْقَى لَهُ دَلَالَةٌ مَعَ وُجُودِ دَلِيلِ السَّمْعِ، وَهَاهُنَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِشَرْطِ الْعَدَمِ وَانْتَفَى الْإِجْمَاعُ عِنْدَ الْوُجُودِ أَيْضًا فَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ دَلِيلٍ يُضَادُّ نَفْسَ الْخِلَافِ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِصْحَابُهُ مَعَ الْخِلَافِ، وَالْإِجْمَاعُ يُضَادُّهُ نَفْسُ الْخِلَافِ إذْ لَا إجْمَاعَ مَعَ الْخِلَافِ بِخِلَافِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ فَإِنَّ الْخِلَافَ لَا يُضَادُّهُ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ مُقِرٌّ بِأَنَّ الْعُمُومَ تَنَاوَلَ بِصِيغَتِهِ مَحَلَّ الْخِلَافِ، إذْ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» شَامِلٌ بِصِيغَتِهِ صَوْمَ رَمَضَانَ مَعَ خِلَافِ الْخَصْمِ فِيهِ فَيَقُولُ: أُسَلِّمُ شُمُولَ الصِّيغَةِ لَكِنِّي أُخَصِّصُهُ بِدَلِيلٍ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
وَهَاهُنَا الْمُخَالِفُ لَا يُسَلِّمُ شُمُولَ الْإِجْمَاعِ مَحَلَّ الْخِلَافِ، إذْ يَسْتَحِيلُ الْإِجْمَاعُ مَعَ الْخِلَافِ وَلَا يَسْتَحِيلُ شُمُولُ الصِّيغَةِ مَعَ الدَّلِيلِ، فَهَذِهِ الدَّقِيقَةُ لَا بُدَّ مِنْ التَّنَبُّهِ لَهَا. فَإِنْ قِيلَ: الْإِجْمَاعُ يُحَرِّمُ الْخِلَافَ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ بِالْخِلَافِ؟ قُلْنَا: هَذَا الْخِلَافُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْمُخَالِفُ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا انْعَقَدَ عَلَى حَالَةِ الْعَدَمِ لَا عَلَى حَالَةِ الْوُجُودِ، فَمَنْ أَلْحَقَ الْوُجُودَ بِالْعَدَمِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالدَّلِيلُ الدَّالُ عَلَى صِحَّةِ الشُّرُوعِ دَالٌ عَلَى دَوَامِهِ إلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى انْقِطَاعِهِ. قُلْنَا: فَلْيَنْظُرْ فِي ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَهُوَ عُمُومٌ أَوْ نَصٌّ يَتَنَاوَلُ حَالَةَ الْوُجُودِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْإِجْمَاعَ فَالْإِجْمَاعُ مَشْرُوطٌ بِالْعَدَمِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عِنْدَ الْوُجُودِ. فَإِنْ قِيلَ: بِمَ تُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ: الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ دَامَ إلَى وُجُودٍ قَاطِعٍ فَلَا يَحْتَاجُ الدَّوَامُ إلَى دَلِيلٍ فِي نَفْسِهِ، بَلْ الثُّبُوتُ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ مَوْتَ زَيْدٍ وَثَبَّتَ بِنَاءَ دَارٍ أَوْ بَلَدٍ كَانَ دَوَامُهُ بِنَفْسِهِ لَا بِسَبَبٍ؟ قُلْنَا: هَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ جَازَ أَنْ يَدُومَ وَأَنْ لَا يَدُومَ فَلَا بُدَّ لِدَوَامِهِ مِنْ سَبَبٍ وَدَلِيلٍ سِوَى دَلِيلِ الثُّبُوتِ، وَلَوْلَا دَلِيلُ الْعَادَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يَحْيَا وَالدَّارُ إذَا بُنِيَتْ لَا تَنْهَدِمُ مَا لَمْ تُهْدَمْ أَوْ يَطُلْ الزَّمَانُ لَمَا عَرَفْنَا دَوَامَهُ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِهِ، كَمَا إذَا أَخْبَرَ عَنْ قُعُودِ الْأَمِيرِ وَأَكْلِهِ وَدُخُولِ الدَّارِ وَلَمْ تَدُلَّ الْعَادَةُ عَلَى دَوَامِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَإِنَّا لَا نَقْضِي بِدَوَامِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَصْلًا، فَكَذَلِكَ خَبَرُ الشَّرْعِ عَنْ دَوَامِ الصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ لَيْسَ خَبَرًا عَنْ دَوَامِهَا مَعَ الْوُجُودِ فَيَفْتَقِرُ دَوَامُهَا إلَى دَلِيلٍ آخَرَ.
فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ هُوَ مَأْمُورًا بِالشُّرُوعِ فَقَطْ بَلْ بِالشُّرُوعِ مَعَ الْإِتْمَامِ. قُلْنَا: نَعَمْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالشُّرُوعِ مَعَ الْعَدَمِ وَبِالْإِتْمَامِ مَعَ الْعَدَمِ، أَمَّا مَعَ الْوُجُودِ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ فِي حَالَةِ الْوُجُودِ بِالْإِتْمَامِ؟ فَإِنْ قِيلَ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ وَفِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إبْطَالُ الْعَمَلِ. قُلْنَا: هَذَا الْأَمْرُ انْجِرَارٌ إلَى مَا جَرَرْنَاكُمْ إلَيْهِ وَانْقِيَادٌ لِلْحَاجَةِ إلَى الدَّلِيلِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَبَيَانُ ضَعْفِهِ لَيْسَ مِنْ حَظِّ الْأُصُولِيِّ.
ثُمَّ هُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَدْتُمْ بِالْبُطْلَانِ إحْبَاطَ ثَوَابِهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ فَلَيْسَ الصِّحَّةُ عِبَارَةً عَمَّا لَا يَجِبُ فِعْلُ مِثْلِهِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ
стр. 160
بِالشَّكِّ وَوُجُوبُ اسْتِئْنَافِ الصَّلَاةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْيَقِينُ. قُلْنَا: هَذَا يُعَارِضُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْمُضِيِّ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْيَقِينُ.
ثُمَّ نَقُولُ: مَنْ يُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ يُوجِبُهُ بِدَلِيلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ كَمَا يَرْفَعُ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ بِدَلِيلٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، كَيْفَ وَالْيَقِينُ قَدْ يُرْفَعُ بِالشَّكِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ؟ فَالْمَسَائِلُ فِيهِ مُتَعَارِضَةٌ، وَذَلِكَ إذَا اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ وَرَضِيعَةٌ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَمَاءٌ طَاهِرٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ، وَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ، احْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَوَّبَ الْكُفَّارَ فِي مُطَالَبَتِهِمْ لِلرُّسُلِ بِالْبُرْهَانِ حِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] فَقَدْ اشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْبَرَاهِينِ الْمُغَيِّرَةِ لِلِاسْتِصْحَابِ.
قُلْنَا:، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَصْحِبُوا الْإِجْمَاعَ بَلْ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ الَّذِي دَلَّ الْعَقْلُ عَلَيْهِ، إذْ الْأَصْلُ فِي فِطْرَةِ الْآدَمِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِآيَاتٍ وَعَلَامَاتٍ فَهْم مُصِيبُونَ فِي طَلَبِ الْبُرْهَانِ وَمُخْطِئُونَ فِي الْمُقَامِ عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ بِمُجَرَّدِ الْجَهْلِ مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ.
[مَسْأَلَةٌ النَّافِيَ هَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ]
مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّافِيَ هَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ مِنْ الدَّلِيلِ، وَفَرَّقَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ بَيْنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ فَأَوْجَبُوا الدَّلِيلَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ دُونَ الشَّرْعِيَّاتِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالنَّفْيُ فِيهِ كَالْإِثْبَاتِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يُقَالَ لِلنَّافِي: مَا ادَّعَيْتَ نَفْيَهُ عَرَفْتَ انْتِفَاءَهُ أَوْ أَنْتَ شَاكٌّ فِيهِ؟ فَإِنْ أَقَرَّ بِالشَّكِّ فَلَا يُطَالَبُ الشَّاكُّ بِالدَّلِيلِ، فَإِنَّهُ يَعْتَرِفُ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنَا مُتَيَقِّنٌ لِلنَّفْيِ قِيلَ: يَقِينُك هَذَا حَصَلَ عَنْ ضَرُورَةٍ أَوْ عَنْ دَلِيلٍ؟ وَلَا تُعَدُّ مَعْرِفَةُ النَّفْيِ ضَرُورَةً فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّا لَسْنَا فِي لُجَّةِ بَحْرٍ أَوْ عَلَى جَنَاحِ نَسْرٍ، وَلَيْسَ بَيْنَ أَيْدِينَا نِيلٌ وَلَا تُعَدُّ مَعْرِفَةُ النَّفْيِ ضَرُورَةً. وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ ضَرُورَةً فَإِنَّمَا عَرَفَهُ عَنْ تَقْلِيدٍ أَوْ عَنْ نَظَرٍ، فَالتَّقْلِيدُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَإِنَّ الْخَطَأَ جَائِزٌ عَلَى الْمُقَلِّدِ، وَالْمُقَلِّدُ مُعْتَرِفٌ بِعَمَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْبَصِيرَةَ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْ نَظَرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ فَهَذَا أَصْلُ الدَّلِيلِ.
وَيَتَأَيَّدُ بِلُزُومِ إشْكَالَيْنِ بَشِعَيْنِ عَلَى إسْقَاطِ الدَّلِيلِ عَنْ النَّافِي، وَهُوَ أَنْ لَا يَجِبَ الدَّلِيلُ عَلَى نَافِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَنَافِي الصَّانِعِ النُّبُوَّاتِ وَنَافِي تَحْرِيمِ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَنِكَاحِ الْمَحَارِمِ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الدَّلِيلَ إذَا سَقَطَ عَنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَعْجَزْ أَنْ يُعَبِّرَ الْمُثْبِتُ عَنْ مَقْصُودِ إثْبَاتِهِ بِالنَّفْيِ، فَيَقُولُ بَدَلَ قَوْلِهِ: مُحْدَثٌ إنَّهُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَبَدَلَ قَوْلِهِ: قَادِرٌ إنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ، مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ. وَلَهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ شُبْهَتَانِ.
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، لِأَنَّهُ نَافٍ. وَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِكَوْنِهِ نَافِيًا وَلَا لِدَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى سُقُوطِ الدَّلِيلِ عَنْ النَّافِي. بَلْ ذَلِكَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا قَضَى بِهِ لِلضَّرُورَةِ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى النَّفْيِ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِأَنْ يُلَازِمَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ مِنْ أَوَّلِ وُجُودِهِ إلَى وَقْتِ الدَّعْوَى فَيُعْلَمُ انْتِفَاءُ سَبَبِ اللُّزُومِ قَوْلًا وَفِعْلًا بِمُرَاقَبَةِ اللَّحَظَاتِ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبُرْهَانِ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ إقَامَةُ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ؟ بَلْ الْمُدَّعِي أَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِينَ لَا يُحَصِّلُ الْمَعْرِفَةَ بَلْ الظَّنَّ بِجَرَيَانِ سَبَبِ اللُّزُومِ مِنْ إتْلَافٍ أَوْ دَيْنٍ وَذَلِكَ فِي الْمَاضِي، أَمَّا فِي
стр. 161
الْحَالِ فَلَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ شَغْلَ الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَرَاءَتُهَا بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ، وَلَا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلَى مَعْرِفَةِ شَغْلِ الذِّمَّةِ وَبَرَاءَتِهَا إلَّا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلِ الرَّسُولِ الْمَعْصُومِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ أَنَّ عَلَى الْمُدَّعِي أَيْضًا دَلِيلًا، فَإِنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ إنَّمَا صَارَ دَلِيلًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ، فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ فَيَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَيْضًا لَازِمٌ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدَّعِي عِلْمَ الضَّرُورَةِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّةِ نَفْسِهِ، إذْ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ وَلَمْ يَلْتَزِمْ وَيَعْجَزُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَالنَّافِي فِي الْعَقْلِيَّاتِ إنْ ادَّعَى مَعْرِفَةَ النَّفْيِ ضَرُورَةً فَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَعْرِفَتِهِ اخْتِصَاصًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ إلَّا اللَّهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِنَفْيِ الْجُوعِ وَنَفْيِ الْخَوْفِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْتَوِي الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ، فَإِنَّهُ لَوْ ادَّعَى وُجُودَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ ضَرُورَةً يَعْسُرُ عَلَى غَيْرِهِ مَعْرِفَتُهُ، وَالْعَقْلِيَّاتُ مُشْتَرَكَةٌ، النَّفْيُ مِنْهَا وَالْإِثْبَاتُ، وَالْمَحْسُوسَاتُ أَيْضًا يَسْتَوِي فِيهَا النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ النَّافِيَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَهِيَ الْيَمِينُ كَمَا عَلَى الْمُدَّعِي دَلِيلٌ، وَهُوَ الْبَيِّنَةُ وَهَذَا ضَعِيفٌ، إذْ الْيَمِينُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَاجِرَةً، فَأَيُّ دَلَالَةٍ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ لَوْلَا حُكْمُ الشَّرْعِ؟ نَعَمْ هُوَ كَالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ قَوْلَ الشَّاهِدَيْنِ أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَلَطًا وَزُورًا، فَاسْتِعْمَالُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ، أَوْ يُقَالُ: كَمَا وَجَبَ عَلَى النَّافِي فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ أَنْ يُعَضِّدَ جَانِبَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى دَعْوَى النَّفْيِ فَلْيَجِبْ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ فَهَذَا أَيْضًا لَهُ وَجْهٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ يَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ مِلْكِ الْمُدَّعِي وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تُسْقِطُ دَعْوَى الْمُدَّعِي شَرْعًا، وَإِلَّا فَالْيَدُ قَدْ تَكُونُ عَنْ غَصْبٍ وَعَارِيَّةٍ فَأَيُّ دَلَالَةٍ لَهَا؟
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَنَّهُ كَيْفَ يُكَلَّفُ الدَّلِيلَ عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ مُتَعَذَّرٌ كَإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ؟ فَنَقُولُ تَعَذُّرُهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ النِّزَاعَ إمَّا فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَإِمَّا فِي الشَّرْعِيَّاتِ، أَمَّا الْعَقْلِيَّاتُ فَيُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِهَا بِأَنَّ إثْبَاتَهَا يُفْضِي إلَى الْمُحَالِ وَمَا أَفْضَى إلَى الْمُحَالِ فَهُوَ مُحَالٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمَا لَمْ تَفْسُدَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَفْيِ الثَّانِي. وَيُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ الشَّرْطِيِّ الَّذِي سَمَّيْنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ طَرِيقَ التَّلَازُمِ، فَإِنَّ كُلَّ إثْبَاتٍ لَهُ لَوَازِمُ، فَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَحَدِّي لَيْسَ نَبِيًّا إذْ لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَكَانَ مَعَهُ مُعْجِزَةٌ، إذْ تَكْلِيفُ الْمُحَالِ مُحَالٌ فَهَذَا طَرِيقٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ لِلْمُثْبِتِ لَوْ ثَبَتَ مَا ادَّعَيْتَهُ لَعُلِمَ ذَلِكَ بِضَرُورَةٍ أَوْ دَلِيلٍ.
وَلَا ضَرُورَةَ مَعَ الْخِلَافِ وَلَا دَلِيلَ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الِانْتِفَاءِ. وَهَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ عَلَى النَّافِي فَيُقَالُ لَهُ: لَوْ انْتَفَى الْحُكْمُ لَعُلِمَ انْتِفَاؤُهُ بِضَرُورَةٍ أَوْ بِدَلِيلٍ وَلَا ضَرُورَةَ وَلَا دَلِيلَ. وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا: الْأَصْلُ عَدَمُ إلَهٍ ثَانٍ فَمَنْ ادَّعَاهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، إذْ لَا يُسَلَّمُ لَهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ بِخِلَافِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَإِنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ قَبْلَ السَّمْعِ مِنْ حَيْثُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ التَّكْلِيفُ وَالْخِطَابُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْلِيفُ الْمُحَالِ مُحَالٌ.
وَلَوْ كَلَّفْنَاهُ مِنْ غَيْرِ رَسُولٍ مُصَدَّقٍ بِالْمُعْجِزَةِ يُبَلِّغُ إلَيْنَا تَكْلِيفَهُ كَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ مُحَالٍ، فَاسْتَنَدَتْ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ إلَى دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ بِخِلَافِ عَدَمِ الْإِلَهِ الثَّانِي. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَوْ ثَبَتَ إلَهٌ ثَانٍ لَكَانَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ
стр. 162
أَنْ لَا يُنَصِّبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دَلِيلًا وَيَسْتَأْثِرَ بِعِلْمِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَصِّبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَنَحْنُ لَا نَتَنَبَّهُ لَهُ وَيَتَنَبَّهُ لَهُ بَعْضُ الْخَوَاصِّ أَوْ بَعْضُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ خُصِّصَ بِحَاسَّةٍ سَادِسَةٍ وَذَوْقٍ آخَرَ، بَلْ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُدْرِكُونَ أُمُورًا نَحْنُ لَا نُدْرِكُهَا وَأَنَّ فِي مَقْدُورَاتِ اللَّهِ أُمُورًا لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ مَعْرِفَتُهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٌ لَا تُدْرَكُ بِهَذِهِ الْحَوَاسِّ وَلَا بِهَذَا الْعَقْلِ بَلْ بِحَاسَّةٍ سَادِسَةٍ أَوْ سَابِعَةٍ، بَلْ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ وَالْوَجْهُ عِبَارَةً عَنْ صِفَاتٍ لَا نَفْهَمُهَا وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَرِدْ السَّمْعُ بِهَا لَكَانَ نَفْيُهَا خَطَأً فَلَعَلَّ مِنْ الصِّفَاتِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا لَمْ يَرِدْ السَّمْعُ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ وَلَا فِينَا قُوَّةُ إدْرَاكِهَا، بَلْ لَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَنَا السَّمْعُ لَأَنْكَرْنَا الْأَصْوَاتَ وَلَمْ نَفْهَمْهَا.
وَلَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَنَا ذَوْقُ الشِّعْرِ لَأَنْكَرْنَا تَفْرِقَةَ صَاحِبِ الْعَرُوضِ بَيْنَ الْمَوْزُونِ وَغَيْرِ الْمَوْزُونِ، فَمَا يُدْرِينَا أَنَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْوَاعًا مِنْ الْحَوَاسِّ لَوْ خَلَقَهَا لَنَا لَأَدْرَكْنَا بِهَا أُمُورًا أُخَرَ نَحْنُ نَنْفِيهَا؟ فَكَانَ هَذَا إنْكَارًا بِالْجَهْلِ وَرَمْيًا فِي الْعِمَايَةِ.
أَمَّا الشَّرْعِيَّاتُ فَقَدْ تَصَادَفَ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا مِنْ الْإِجْمَاعِ كَنَفْيِ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ النَّصِّ كَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا زَكَاةَ فِي الْحُلِيِّ وَلَا زَكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ» أَوْ مِنْ الْقِيَاسِ كَقِيَاسِ الْخَضْرَاوَاتِ عَلَى الرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ الْمَنْصُوصِ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْهُ كَقَوْلِ الرَّاوِي: لَا زَكَاةَ فِي الرُّمَّانِ وَالْبِطِّيخِ بَلْ هُوَ عَفْوٌ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَدْ لَا يُسَاعِدُ مِثْلُ هَذَا الدَّلِيلِ فَنَبْحَثُ عَنْ مَدَارِكِ الْإِثْبَاتِ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ رَجَعْنَا إلَى الِاسْتِصْحَابِ لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ الثَّابِتِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عِنْدَ عَدَمِ وُرُودِ السَّمْعِ.
وَحَيْثُ أَوْرَدْنَا فِي تَصَانِيفِ الْخِلَافِ أَنَّ النَّافِيَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَرَدْنَا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ، إذْ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ الَّتِي كُنَّا نَحْكُمُ بِهَا لَوْلَا بَعْثَةُ الرَّسُولِ وَوُرُودُ السَّمْعِ. فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ الْعَقْلِ مَشْرُوطٌ بِانْتِفَاءِ السَّمْعِ وَانْتِفَاءُ السَّمْعِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَعْوَى الْعِلْمِ بِانْتِفَائِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ.
قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ انْتِفَاءَهُ تَارَةً يُعْلَمُ كَمَا فِي انْتِفَاءِ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَتَارَةً يُظَنُّ بِأَنْ يَبْحَثَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْثِ عَنْ مَدَارِك الشَّرْعِ وَالظَّنِّ فِيهِ كَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ اجْتِهَادٍ، إذْ قَدْ يَقُولُ لَوْ كَانَ لَوَجَدْتُهُ، فَإِذَا لَمْ أَجِدْهُ مَعَ شِدَّةِ بَحْثِي دَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَائِنٍ، كَطَالِبِ الْمَتَاعِ فِي الْبَيْتِ إذَا اسْتَقْصَى. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لِلِاسْتِقْصَاءِ غَايَةٌ مَحْدُودَةٌ بَلْ لِلْبَحْثِ بِدَايَةٌ وَوَسَطٌ وَنِهَايَةٌ، فَمَتَى يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْفِيَ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ الْمُغَيِّرَ؟ قُلْنَا: مَهْمَا رَجَعَ رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ بَذَلَ غَايَةَ وُسْعِهِ فِي الطَّلَبِ كَطَالِبِ الْمَتَاعِ فِي الْبَيْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْبَيْتُ مَحْصُورٌ وَطَلَبُ الْيَقِينِ فِيهِ مُمْكِنٌ وَمَدَارِكُ الشَّرْعِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإِنَّ الْكِتَابَ، وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا فَالْأَخْبَارُ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ رَاوِي الْحَدِيثِ مَجْهُولًا. قُلْنَا: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْتِشَارِ الْأَخْبَارِ فَفَرْضُ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا هُوَ جُهْدُ رَأْيِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ رُوِيَتْ الْأَخْبَارُ وَصُنِّفَتْ الصِّحَاحُ فَمَا دَخَلَ فِيهَا مَحْصُورٌ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَقَدْ انْتَهَى إلَى الْمُجْتَهِدِينَ وَأَوْرَدُوهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَدَلَالَةُ الْعَقْلِ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ الْمُغَيِّرِ كَمَا أَنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ مَشْرُوطَةٌ بِنَفْيِ الْمُخَصِّصِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَصِّصِ وَالْمُغَيِّرِ تَارَةً يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ وَتَارَةً يُظَنُّ وَكُلُّ وَاحِدٍ دَلِيلٌ فِي الشَّرْعِ. هَذَا إتْمَامُ الْكَلَامِ فِي الْأَصْلِ الرَّابِعِ
стр. 163
وَهُوَ مُنْتَهَى الْكَلَامِ فِي الْقُطْبِ الثَّانِي الْمُشْتَمِلِ عَلَى أُصُولِ الْأَدِلَّةِ الْمُثْمِرَةِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعَقْلُ.
[خَاتِمَة الْقُطْبِ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ أُصُولِ الْأَدِلَّةِ وَلَيْسَ مِنْهَا]
[الْأَصْلُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا]
خَاتِمَةٌ لِهَذَا الْقُطْبِ بِبَيَانِ أَنَّ ثَمَّ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ أُصُولِ الْأَدِلَّةِ وَلَيْسَ مِنْهَا وَهُوَ أَيْضًا أَرْبَعَةٌ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ، وَالِاسْتِحْسَانُ، وَالِاسْتِصْلَاحُ. فَهَذِهِ أَيْضًا لَا بُدَّ مِنْ شَرْحِهَا.
الْأَصْلُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا لَمْ يُصَرِّحْ شَرْعُنَا بِنَسْخِهِ. وَنُقَدِّمُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةً، وَهِيَ أَنَّهُ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ؟ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ مُتَعَبَّدًا. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إلَى نُوحٍ ﵇ وَقَوْمٌ نَسَبُوهُ إلَى إبْرَاهِيمَ ﵇ وَقَوْمٌ نَسَبُوهُ إلَى مُوسَى، وَقَوْمٌ إلَى عِيسَى ﵉ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ جَائِزٌ عَقْلًا، لَكِنَّ الْوَاقِعَ مِنْهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِطَرِيقٍ قَاطِعٍ، وَرَجْمُ الظَّنِّ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْآنَ تَعَبُّدٌ عَمَلِيٌّ لَا مَعْنَى لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلَّةٍ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَافْتَخَرَ بِهِ أُولَئِكَ الْقَوْمُ وَنَسَبُوهُ إلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَكَانَ يَشْتَهِرُ تَلَبُّسُهُ بِشِعَارِهِمْ وَتَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ.
قُلْنَا: هَذَا يُعَارِضُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْسَلِخًا عَنْ التَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُّدِ بِالشَّرَائِعِ لَظَهَرَ بِمُخَالَفَتِهِ أَصْنَافُ الْخَلْقِ وَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اخْتِفَاءُ حَالِهِ قَبْلَ الْبَعْثِ مُعْجِزَةً خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، وَذَلِكَ مِنْ عَجَائِبِ أُمُورِهِ وَلِلْمُخَالِفِ شُبْهَتَانِ:
الْأُولَى: أَنَّ مُوسَى وَعِيسَى دَعَوَا إلَى دِينِهِمَا كَافَّةَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ هُوَ دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا عَلَى التَّوَاتُرِ عَنْهُمَا عُمُومُ صِيغَةٍ حَتَّى نَنْظُرَ فِي فَحْوَاهُ فَلَا مُسْتَنَدَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى إلَّا الْمُقَايَسَةَ بِدِينِ نَبِيِّنَا ﷺ وَالْمُقَايَسَةُ فِي مِثْلِ هَذَا بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ عُمُومٌ فَلَعَلَّهُ اسْتَثْنَى عَنْهُ مَنْ يَنْسَخُ شَرِيعَتَهُمَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ زَمَانُهُ زَمَانَ فَتْرَةِ الشَّرَائِعِ وَانْدِرَاسِهَا وَتَعَذُّرِ الْقِيَامِ بِهَا وَلِأَجَلِهِ بُعِثَ ﷺ ، فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى تَفْصِيلِ شَرِيعَتِهِمَا؟
الثَّانِيَةُ: مِنْ شُبَهِهِمْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَيَحُجُّ وَيَعْتَمِرُ وَيَتَصَدَّقُ وَيَذْبَحُ الْحَيَوَانَ وَيَجْتَنِبُ الْمَيْتَةَ، وَذَلِكَ لَا يُرْشِدُ إلَيْهِ الْعَقْلُ.
قُلْنَا: هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَاتَرْ بِنَقْلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ بِالظَّنِّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ رُبَّمَا ذَبَحَ الْحَيَوَانَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا تَحْرِيمَ إلَّا بِالسَّمْعِ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَتَرَكَ الْمَيْتَةَ عِيَافَةً بِالطَّبْعِ كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الضَّبِّ عِيَافَةً، وَالْحَجُّ وَالصَّلَاةُ إنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ تَبَرُّكًا بِمَا نُقِلَ جُمْلَتُهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ السَّلَفِ، وَإِنْ انْدَرَسَ تَفْصِيلُهُ.
وَنَرْجِعُ الْآنَ إلَى الْأَصْلِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَنَّهُ بَعْدَ بَعْثَتِهِ هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ؟ وَالْقَوْلُ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ وَالْوُقُوعِ السَّمْعِيِّ، أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ فَهُوَ حَاصِلٌ إذْ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَتَعَبَّدَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ مِنْ شَرِيعَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ مُسْتَأْنَفَةٍ أَوْ بَعْضُهَا سَابِقَةٌ وَبَعْضُهَا مُسْتَأْنَفَةٌ، وَلَا يَسْتَحِيلُ مِنْهُ شَيْءٌ لِذَاتِهِ وَلَا لِمَفْسَدَةٍ فِيهِ.
وَزَعَمَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْثَةُ نَبِيٍّ إلَّا بِشَرْعٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُجَدِّدْ أَمْرًا فَلَا فَائِدَةَ فِي بَعْثَتِهِ، وَلَا يُرْسِلُ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولًا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ. وَيَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا
стр. 164
تَجْوِيزُ بَعْثَتِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّرِيعَةِ إذَا كَانَتْ قَدْ انْدَرَسَتْ وَإِرْسَالُهُ بِمِثْلِهَا إذَا كَانَتْ قَدْ اشْتَمَلَتْ عَلَى زَوَائِدَ، وَأَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مَبْعُوثًا إلَى قَوْمٍ، وَالثَّانِي مَبْعُوثًا إلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ يُخَالِفُونَ إذَا كَانَتْ الْأُولَى غَضَّةً طَرِيَّةً وَلَمْ تَشْتَمِلْ الثَّانِيَةُ عَلَى مَزِيدٍ فَنَقُولُ: يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ نَصْبِ دَلِيلَيْنِ وَبَعْثَةِ رَسُولَيْنِ مَعًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] وَكَمَا أَرْسَلَ مُوسَى وَهَارُونَ وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ، بَلْ كَخَلْقِ الْعَيْنَيْنِ مَعَ الِاكْتِفَاءِ فِي الْإِبْصَارِ بِإِحْدَاهُمَا.
ثُمَّ كَلَامُهُمْ بِنَاءً عَلَى طَلَبِ الْفَائِدَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ تَحَكُّمٌ أَمَّا الْوُقُوعُ السَّمْعِيُّ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ شَرْعَنَا لَيْسَ بِنَاسِخٍ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ بِالْكُلِّيَّةِ إذْ لَمْ يَنْسَخْ وُجُوبَ الْإِيمَانِ وَتَحْرِيمَ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ وَالْكُفْرِ، وَلَكِنْ حَرَّمَ عَلَيْهِ ﷺ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ بِخِطَابٍ مُسْتَأْنَفٍ أَوْ بِالْخِطَابِ الَّذِي نَزَلَ إلَى غَيْرِهِ وَتَعَبَّدَ بِاسْتِدَامَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْخِطَابُ إلَّا بِمَا خَالَفَ شَرْعَهُمْ، فَإِذَا نَزَلَتْ وَاقِعَةٌ لَزِمَهُ اتِّبَاعُ دِينِهِمْ إلَّا إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ وَحْيٌ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ فَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ الْخِلَافُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ ﷺ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ مَسَالِكَ:
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاجْتِهَادِ» وَلَمْ يَذْكُرْ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَشَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا فَزَكَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَوَّبَهُ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَدَارِك الْأَحْكَامِ لَمَا جَازَ الْعُدُولُ إلَى الِاجْتِهَادِ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ؛ لِأَنَّ فِي الْكِتَابِ آيَاتٌ تَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِمَا. قُلْنَا سَنُبَيِّنُ سُقُوطَ تَمَسُّكِهِمْ بِتِلْكَ الْآيَاتِ، بَلْ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وَقَالَ ﷺ «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي» .
ثُمَّ نَقُولُ: فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ذِكْرِ الْكِتَابِ، فَإِنْ شَرَعَ فِي التَّفْصِيلِ كَانَتْ الشَّرِيعَةُ السَّابِقَةُ أَهَمَّ مَذْكُورٍ. فَإِنْ قِيلَ: انْدَرَجَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ تَحْتَ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ اسْمٌ يَعُمُّ كُلَّ كِتَابٍ. قُلْنَا: إذَا ذُكِرَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَمْ يَسْبِقْ إلَى فَهْمِ الْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ، وَكَيْفَ يُفْهَمُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ قَطُّ تَعَلُّمُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْعِنَايَةِ بِتَمْيِيزِ الْمُحَرَّفِ عَنْ غَيْرِهِ كَمَا عُهِدَ مِنْهُ تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ؟ وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَتَعَلَّمَهُ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ كِتَابٌ مُنْزَلٌ لَمْ يُنْسَخْ إلَّا بَعْضُهُ وَهُوَ مُدْرِكٌ بَعْضَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يُتَعَهَّدْ حِفْظُ الْقُرْآنِ إلَّا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَكَيْفَ «وَطَالَعَ عُمَرُ ﵁ وَرَقَةً مِنْ التَّوْرَاةِ فَغَضِبَ ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي؟» .
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّهُ ﷺ لَوْ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِهَا لَلَزِمَهُ مُرَاجَعَتُهَا وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَلَكَانَ لَا يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي الظِّهَارِ وَرَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ وَالْمَوَارِيثِ، وَلَكَانَ يَرْجِعُ أَوَّلًا إلَيْهَا لَا سِيَّمَا أَحْكَامٌ هِيَ ضَرُورَةُ كُلِّ أُمَّةٍ فَلَا تَخْلُو التَّوْرَاةُ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا لِانْدِرَاسِهَا وَتَحْرِيفِهَا فَهَذَا يَمْنَعُ التَّعَبُّدَ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَهَذَا يُوجِبُ الْبَحْثَ وَالتَّعَلُّمَ وَلَمْ يُرَاجِعْ قَطُّ إلَّا فِي رَجْمِ الْيَهُودِ لِيُعَرِّفَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُخَالِفًا لِدِينِهِمْ.
стр. 165
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُدْرَكًا لَكَانَ تَعَلُّمُهَا وَنَقْلُهَا وَحِفْظُهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ كَالْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارِ، وَلَوَجَبَ عَلَى الصَّحَابَةِ مُرَاجَعَتُهَا فِي تَعَرُّفِ الْأَحْكَامِ كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْمُنَاشَدَةُ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ وَلَرَجَعُوا إلَيْهَا فِي مَوَاضِعِ اخْتِلَافِهِمْ حَيْثُ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ كَمَسْأَلَةِ الْعَوْلِ وَمِيرَاثِ الْجَدِّ وَالْمُفَوَّضَةِ وَبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ وَحَدِّ الشُّرْبِ وَالرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ وَمُتْعَةِ النِّسَاءِ وَدِيَةِ الْجَنِينِ وَحُكْمِ الْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ النُّجُومِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْوَطْءِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ لَا تَنْفَكُّ الْأَدْيَانُ وَالْكُتُبُ عَنْهَا وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَ طُولِ أَعْمَارِهِمْ وَكَثْرَةِ وَقَائِعِهِمْ وَاخْتِلَافَاتهمْ مُرَاجَعَةُ التَّوْرَاةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَسْلَمَ مِنْ أَحْبَارِهِمْ مَنْ تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَوَهْبٍ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ إلَّا بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْكِتَابِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ الْقِيَاسُ قَبْلَ الْعِلْمِ؟
الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: إطْبَاقُ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ نَاسِخَةٌ، وَأَنَّهَا شَرِيعَةُ رَسُولِنَا ﷺ بِجُمْلَتِهَا، وَلَوْ تَعَبَّدَ بِشَرْعٍ غَيْرِهَا لَكَانَ مُخْبِرًا لَا شَارِعًا، وَلَكَانَ صَاحِبَ نَقْلٍ لَا صَاحِبَ شَرْعٍ.
إلَّا أَنَّ هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ إضَافَةٌ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِوَاسِطَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ شَارِعًا لِجَمِيعِهِ، وَلِلْمُخَالِفِ التَّمَسُّكُ بِخَمْسِ آيَاتٍ وَثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ:
الْآيَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْأَنْبِيَاءَ قَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] قُلْنَا أَرَادَ بِالْهُدَى التَّوْحِيدَ، وَدَلَالَةُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَصِفَاتِهِ بِدَلِيلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ: ﴿فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وَلَمْ يَقُلْ بِهِمْ، وَإِنَّمَا هُدَاهُمْ الْأَدِلَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ مَنْسُوبَةً إلَيْهِمْ، أَمَّا الشَّرْعُ فَمَنْسُوبٌ إلَيْهِمْ فَيَكُونُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ اقْتِدَاءً بِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ كَيْفَ أَمَرَ بِجَمِيعِ شَرَائِعِهِمْ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ وَنَاسِخَةٌ وَمَنْسُوخَةٌ وَمَتَى بَحَثَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَشَرَائِعُهُمْ كَثِيرَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْهُدَى الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وَهُوَ التَّوْحِيدُ.
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وَهَذَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ نَسَبَهُ إلَى إبْرَاهِيمَ ﵇، وَتُعَارِضُهُ الْآيَةُ الْأُولَى. ثُمَّ لَا حُجَّةَ فِيهَا إذْ قَالَ: ﴿أَوْحَيْنَا إلَيْكَ﴾ [النحل: ١٢٣] فَوَجَبَ بِمَا أَوْحَى إلَيْهِ لَا بِمَا أُوحِيَ إلَى غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ اتَّبِعْ﴾ [النحل: ١٢٣] أَيْ: افْعَلْ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ كُنْ مُتَّبِعًا لَهُ وَوَاحِدًا مِنْ أُمَّتِهِ، كَيْفَ وَالْمِلَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ أَصْلِ الدِّينِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّقْدِيسِ الَّذِي تَتَّفِقُ فِيهِ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ؟ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وَلَا يَجُوزُ تَسْفِيهُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْحَثْ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ، وَكَيْفَ كَانَ يَبْحَثُ مَعَ انْدِرَاسِ كِتَابِهِ وَإِسْنَادِ أَخْبَارِهِ؟
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وَهَذَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ نَسَبَهُ إلَى نُوحٍ ﵇. وَهُوَ فَاسِدٌ، إذْ تُعَارِضُهُ الْآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ. ثُمَّ الدِّينُ عِبَارَةٌ عَنْ أَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَإِنَّمَا خَصَّصَ نُوحًا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ وَتَخْصِيصًا، وَمَتَى رَاجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَفْصِيلَ شَرْعِ نُوحٍ؟ وَكَيْف أَمْكَنَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ أَقْدَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَشَدُّ الشَّرَائِعِ انْدِرَاسًا؟ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] فَلَوْ قَالَ شَرَعَ لِنُوحٍ مَا وَصَّاكُمْ بِهِ " لَكَانَ رُبَّمَا دَلَّ هَذَا عَلَى غَرَضِهِمْ، وَأَمَّا هَذَا فَيُصَرِّحُ بِضِدِّهِ.
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] الْآيَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْبِيَاءِ
стр. 166
فَلْيَحْكُمْ بِهَا. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ نَسَبَهُ إلَى مُوسَى ﵇، وَتُعَارِضُهُ الْآيَاتُ السَّابِقَةُ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالنُّورِ وَالْهُدَى أَصْلُ التَّوْحِيدِ وَمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّبِيُّونَ دُونَ الْأَحْكَامِ الْمُعَرَّضَةِ لِلنَّسْخِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَرَادَ النَّبِيِّينَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ هُوَ عَلَى صِيغَةِ الْخَبَرِ لَا عَلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حُكْمَ النَّبِيِّينَ بِهَا بِأَمْرٍ ابْتَدَأَهُمْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى وَحْيًا إلَيْهِمْ لَا بِوَحْيِ مُوسَى ﵇.
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ التَّوْرَاةِ وَأَحْكَامِهَا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُكَذِّبًا بِهِ وَجَاحِدًا لَهُ لَا مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَاصَّةً أَوْ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ مِمَّنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِهِ مِنْ أُمَّتِهِ وَأُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ إذَا خَالَفَتْ مَا أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِمْ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ: يَحْكُمُ بِمِثْلِهَا النَّبِيُّونَ، وَإِنْ كَانَ بِوَحْيٍ خَاصٍّ إلَيْهِمْ لَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَأَوَّلُهَا: «أَنَّهُ ﷺ طُلِبَ مِنْهُ الْقِصَاصُ فِي سِنٍّ كُسِرَتْ، فَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ يَقْضِي بِالْقِصَاصِ» وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ قِصَاصُ السِّنِّ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ التَّوْرَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] . قُلْنَا: بَلْ فِيهِ ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] » وَهَذَا خِطَابٌ مَعَ مُوسَى ﵇.
قُلْنَا: مَا ذَكَرَهُ ﷺ تَعْلِيلًا لِلْإِيجَابِ، لَكِنْ أَوْجَبَ بِمَا أُوحِيَ إلَيْهِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا كَمَا أُمِرَ مُوسَى وَقَوْلُهُ ﴿لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] أَيْ: لِذِكْرِ إيجَابِي لِلصَّلَاةِ، وَلَوْلَا الْخَبَرُ لَكَانَ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّهُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَلْبِ أَوْ لِذِكْرِ الصَّلَاةِ بِالْإِيجَابِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: مُرَاجَعَتُهُ ﷺ التَّوْرَاةَ فِي رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُمْ فِي إنْكَارِ الرَّجْمِ إذْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُرَاجِعَ الْإِنْجِيلَ فَإِنَّهُ آخِرُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُرَاجَعْ فِي وَاقِعَةٍ سِوَى هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْأَصْلُ الثَّانِي مِنْ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ]
ِّ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَقَوْمٌ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ إنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ، وَقَوْمٌ إلَى أَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خَاصَّةَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» وَقَوْمٌ إلَى أَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ إذَا اتَّفَقُوا.
وَالْكُلُّ بَاطِلٌ عِنْدَنَا فَإِنَّ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَالسَّهْوُ وَلَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهُ عَنْهُ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمْ مَعَ جَوَازِ الْخَطَأِ؟ وَكَيْفَ تُدَّعَى عِصْمَتُهُمْ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ؟ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ عِصْمَةُ قَوْمٍ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الِاخْتِلَافُ؟ وَكَيْفَ يَخْتَلِفُ الْمَعْصُومَانِ؟ كَيْفَ وَقَدْ اتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ مُخَالَفَةِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمَا بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ أَوْجَبُوا فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يَتَّبِعَ اجْتِهَادَ نَفْسِهِ؟ فَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَلَى الْعِصْمَةِ وَوُقُوعُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ وَتَصْرِيحُهُمْ بِجَوَازِ مُخَالَفَتِهِمْ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ وَلِلْمُخَالِفِ خَمْسُ شُبَهٍ:
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهُمْ، فَإِذَا تَعَبَّدْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ لَزِمَ الِاتِّبَاعُ، كَمَا أَنَّ الرَّاوِيَ الْوَاحِدَ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهُ لَكِنْ لَزِمَ اتِّبَاعُهُ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ مَعَ عَوَامِّ أَهْلِ عَصْرِهِ ﷺ -
стр. 167
بِتَعْرِيفِ دَرَجَةِ الْفَتْوَى لِأَصْحَابِهِ حَتَّى يَلْزَمَ اتِّبَاعُهُمْ، وَهُوَ تَخْيِيرٌ لَهُمْ فِي الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ إذْ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ صَحَابِيًّا آخَرَ، فَكَمَا خَرَجَ الصَّحَابَةُ بِدَلِيلٍ فَكَذَلِكَ خَرَجَ الْعُلَمَاءُ بِدَلِيلٍ؛ وَكَيْفَ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ بَلْ عَلَى الِاهْتِدَاءِ إذَا اتَّبَعَ؟ فَلَعَلَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ لِلْعَالِمِ تَقْلِيدَ الْعَالِمِ أَوْ مَنْ يُخَيِّرُ الْعَامِّيَّ فِي تَقْلِيدِ الْأَئِمَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْأَفْضَلِ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ دَعْوَى وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ إنْ لَمْ تَصِحَّ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ فَتَصِحُّ لِلْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " عَلَيْكُمْ " لِلْإِيجَابِ وَهُوَ عَامٌّ قُلْنَا: فَيَلْزَمْكُمْ عَلَى هَذَا تَحْرِيمُ الِاجْتِهَادِ عَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ ﵃ إذْ اتَّفَقَ الْخُلَفَاءُ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كَانُوا يُخَالِفُونَ وَكَانُوا يُصَرِّحُونَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا ظَهَرَ لَهُمْ، وَظَاهِرُ هَذَا تَحْرِيمُ مُخَالَفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ انْفَرَدَ، فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ شَرْطُ الِاتِّفَاقِ وَمَا اجْتَمَعُوا فِي الْخِلَافَةِ حَتَّى يَكُونَ اتِّفَاقُهُمْ اتِّفَاقَ الْخُلَفَاءِ.
وَإِيجَابُ اتِّبَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُحَالٌ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَسَائِلَ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ إمَّا أَمْرُ الْخَلْقِ بِالِانْقِيَادِ وَبَذْلِ الطَّاعَةِ لَهُمْ، أَيْ: عَلَيْكُمْ بِقَبُولِ إمَارَتِهِمْ وَسُنَّتِهِمْ أَوْ أَمْرُ الْأُمَّةِ بِأَنْ يَنْهَجُوا فِي الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَمُلَازَمَةِ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ، أَوْ أَرَادَ مَنْعَ مَنْ بَعْدَهُمْ عَنْ نَقْضِ أَحْكَامِهِمْ.
فَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ ثَلَاثَةٌ تُعَضِّدُهَا الْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَجِبْ اتِّبَاعُ الْخُلَفَاءِ فَيَجِبْ اتِّبَاعُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» . قُلْنَا: تُعَارِضُهُ الْأَخْبَارُ السَّابِقَةُ، فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ، ثُمَّ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ فَيَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا فِي تَجْوِيزِهِمَا لِغَيْرِهِمَا مُخَالَفَتَهُمَا بِمُوجِبِ الِاجْتِهَادِ.
ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي لَوْ اخْتَلَفَا كَمَا اخْتَلَفَا فِي التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطَاءِ فَأَيُّهُمَا يُتَّبَعُ؟
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَلَّى عَلِيًّا الْخِلَافَةَ بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ فَأَبَى وَوَلَّى عُثْمَانَ فَقَبِلَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. قُلْنَا لَعَلَّهُ اعْتَقَدَ بِقَوْلِهِ: ﷺ " مِنْ بَعْدِي " جَوَازَ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ وَعَلِيٌّ ﵁ لَمْ يَعْتَقِدْ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» إيجَابُ التَّقْلِيدِ، وَلَا حُجَّةَ فِي مُجَرَّدِ مَذْهَبِهِ، وَيُعَارِضُهُ مَذْهَبُ عَلِيٍّ إذْ فُهِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اتِّبَاعَهُمَا فِي السِّيرَةِ وَالْعَدْلِ وَفَهِمَ عَلِيٌّ إيجَابَ التَّقْلِيدِ.
الشُّبْهَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَلَا مَحْمَلَ لَهُ إلَّا مِنْ سَمَاعِ خَبَرٍ فِيهِ. قُلْنَا: فَهَذَا إقْرَارٌ بِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ الْخَبَرُ، إلَّا أَنَّكُمْ أَثْبَتُّمْ الْخَبَرَ بِالتَّوَهُّمِ الْمُجَرَّدِ وَمُسْتَنَدُنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُمْ إنَّمَا عَمِلُوا بِالْخَبَرِ الْمُصَرَّحِ بِرِوَايَتِهِ دُونَ الْمَوْهُومِ الْمُقَدَّرِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَفْظُهُ وَمَوْرِدُهُ، فَقَوْلُهُ لَيْسَ بِنَصٍّ صَرِيحٍ فِي سَمَاعِ خَبَرٍ بَلْ قَالَهُ عَنْ دَلِيلٍ ضَعِيفٍ ظَنَّهُ دَلِيلًا وَأَخْطَأَ فِيهِ، وَالْخَطَأُ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا
يَتَمَسَّكُ الصَّحَابِيُّ بِدَلِيلٍ ضَعِيفٍ وَظَاهِرٍ مَوْهُومٍ وَلَوْ قَالَهُ عَنْ نَصٍّ قَاطِعٍ لَصَرَّحَ بِهِ. نَعَمْ لَوْ تَعَارَضَ قِيَاسَانِ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَعَ أَحَدِهِمَا فَيَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ التَّرْجِيحُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَنْ يُرَجِّحَ، وَكَذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْمَعْنَى يَقْتَضِي تَغْلِيظَ الدِّيَةِ بِسَبَبِ الْجُرْمِ وَقِيَاسٌ أَظْهَرُ مِنْهُ يَقْتَضِي نَفْيَ التَّغْلِيظِ، فَرُبَّمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى
стр. 168
الْأَخْفَى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّحَابِيُّ يَتَرَجَّحُ بِهِ، وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ. أَمَّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِ خَبَرٍ فَلَا وَجْهَ لَهُ، وَكَيْفَ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرُوهُ أَخْبَارُ آحَادٍ؟ وَنَحْنُ أَثْبَتْنَا الْقِيَاسَ وَالْإِجْمَاعَ وَخَبَرَ الْوَاحِدِ بِطُرُقٍ قَاطِعَةٍ لَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَجُعِلَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً كَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَبَرُهُ إثْبَاتُ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ وَمَدَارِكِهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَاطِعٍ كَسَائِرِ الْأُصُولِ.
[مَسْأَلَة تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ]
مَسْأَلَةٌ: إنْ قَالَ قَائِلٌ: إنْ لَمْ يَجِبْ تَقْلِيدُهُمْ فَهَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ؟
قُلْنَا: أَمَّا الْعَامِّيُّ فَيُقَلِّدُهُمْ وَأَمَّا الْعَالِمُ فَإِنَّهُ إنْ جَازَ لَهُ تَقْلِيدُ الْعَالِمِ جَازَ لَهُ تَقْلِيدُهُمْ، وَإِنْ حَرَّمْنَا تَقْلِيدَ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ، فِي الْقَدِيمِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ إذَا قَالَ قَوْلًا وَانْتَشَرَ قَوْلُهُ وَلَمْ يُخَالِفْ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يُقَلِّدُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ، وَرَجَعَ فِي الْجَدِيدِ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ الْعَالِمُ صَحَابِيًّا كَمَا لَا يُقَلِّدُ عَالِمًا آخَرَ، وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْهُ ذَلِكَ وَأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْأَدِلَّةِ الَّتِي بِهَا يَجُوزُ لِلصَّحَابَةِ الْفَتْوَى.
وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا إذْ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ لَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ مَعَ ثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَنَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» وَقَالَ ﷺ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قُلْنَا هَذَا كُلُّهُ ثَنَاءٌ يُوجِبُ حُسْنَ الِاعْتِقَادِ فِي عِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ وَمَحَلِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُوجِبُ تَقْلِيدَهُمْ لَا جَوَازًا وَلَا وُجُوبًا فَإِنَّهُ ﷺ أَثْنَى أَيْضًا عَلَى آحَادِ الصَّحَابَةِ وَلَا يَتَمَيَّزُونَ عَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ أَوْ وُجُوبِهِ كَقَوْلِهِ ﷺ «لَوْ وُزِنَ إيمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيمَانِ الْعَالَمِينَ لَرَجَحَ» وَقَالَ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ قَدْ ضَرَبَ بِالْحَقِّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ يَقُولُ الْحَقَّ، وَإِنْ كَانَ مُرًّا» وَقَالَ لِعُمَرَ: «وَاَللَّهِ مَا سَلَكْتَ فَجًّا إلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» «وَقَالَ ﷺ فِي قِصَّةِ أُسَارَى بَدْرٍ حَيْثُ نَزَلَتْ الْآيَةُ عَلَى وَفْقِ رَأْيِ عُمَرَ لَوْ نَزَلَ بَلَاءٌ مِنْ السَّمَاءِ مَا نَجَا مِنْهُ إلَّا عُمَرُ» وَقَالَ ﷺ : «إنَّ مِنْكُمْ لَمُحْدِثِينَ وَإِنَّ عُمَرَ لَمِنْهُمْ» وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ يَقُولُونَ: مَا كُنَّا نَظُنُّ إلَّا أَنَّ مَلَكًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يُسَدِّدُهُ وَأَنَّ مَلَكًا يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ وَقَالَ ﷺ فِي حَقِّ عَلِيٍّ: «اللَّهُمَّ أَدِرْ الْحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُ دَارَ» وَقَالَ ﷺ : «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَعْرَفُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» وَقَالَ ﵇: «رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ» وَقَالَ ﵇ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ «لَوْ اجْتَمَعَا عَلَى شَيْءٍ مَا خَالَفْتُهُمَا» وَأَرَادَ فِي مَصَالِحِ الْحَرْبِ، وَكُلُّ ذَلِكَ ثَنَاءٌ لَا يُوجِبُ الِاقْتِدَاءَ أَصْلًا.
فَصْلٌ فِي تَفْرِيعِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ وَنُصُوصُهُ.
قَالَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ: إنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِتَّ سَجَدَاتٍ، قَالَ: لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ لَقُلْت بِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ
стр. 169
تَوْقِيفٍ إذْ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ. وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ فِيهِ حَدِيثًا حَتَّى يَتَأَمَّلَ لَفْظَهُ وَمَوْرِدَهُ وَقَرَائِنَهُ وَفَحْوَاهُ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَمْ نَتَعَبَّدْ إلَّا بِقَبُولِ خَبَرٍ يَرْوِيهِ صَحَابِيٌّ مَكْشُوفًا يُمْكِنُ النَّظَرُ فِيهِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَكْتَفُونَ بِذِكْرِ مَذْهَبٍ مُخَالِفٍ لِلْقِيَاسِ وَيُقَدِّرُونَ ذَلِكَ حَدِيثًا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِهِ.
وَقَدْ نَصَّ فِي مَوْضِعٍ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُخَالِفْ فَهُوَ حُجَّةٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِقَوْلٍ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَنْتَشِرَ أَوْ لَا يَنْتَشِرَ؟ وَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فَالْأَئِمَّةُ أَوْلَى، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْلَى لِمَزِيدِ فَضْلِهِمَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَجِبُ التَّرْجِيحُ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ وَالْأَكْثَرِ قِيَاسًا لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ عَلَى كَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ تَرْجِيحُ الْأَعْلَمِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ عَمَلِهِ تُقَوِّي اجْتِهَادَهُ وَتُبْعِدُهُ عَنْ الْإِهْمَالِ وَالتَّقْصِيرِ وَالْخَطَأِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ وَالْفَتْوَى مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ، فَقَالَ مَرَّةً: الْحُكْمُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعِنَايَةَ بِهِ أَشَدُّ وَالْمَشُورَةُ فِيهِ أَبْلَغُ، وَقَالَ مَرَّةً: الْفَتْوَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ يُحْمَلُ عَلَى الطَّاعَةِ لِلْوَالِي.
وَكُلُّ هَذَا مَرْجُوعٌ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَوْلَكُمْ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ؟ قُلْنَا قَالَ الْقَاضِي: لَا تَرْجِيحَ إلَّا بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، وَلَا يَقْوَى الدَّلِيلُ بِمَصِيرِ مُجْتَهِدٍ إلَيْهِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَرُبَّمَا يَتَعَارَضُ ظَنَّانِ وَالصَّحَابِيُّ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَتَمِيلُ نَفْسُ الْمُجْتَهِدِ إلَى مُوَافَقَةِ الصَّحَابِيِّ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَغْلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ قِيَاسِ الْمَصِيرِ إذَا كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ فِي وَاقِعَةٍ شَاهَدَهَا الصَّحَابِيُّ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَهَذَا قَرِيبٌ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصِيرُهُ إلَيْهِ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِمُشَاهَدَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ. أَمَّا إذَا حَمَلَ الصَّحَابِيُّ لَفْظَ الْخَبَرِ عَلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مِنْ رَجَّحَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إذَا لَمْ يَقُلْ: عَلِمْت ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ بِقَرِينَةٍ شَاهَدْتُهَا فَلَا تَرْجِيحَ بِهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَرَكَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ الْقِيَاسَ فِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ فِي الْحَرَمِ بِقَوْلِ عُثْمَانَ، وَكَذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ فِي شَرْطِ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِ عَلِيٍّ؟ قُلْنَا لَهُ: فِي مَسْأَلَةِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ أَقْوَالٌ، فَلَعَلَّ هَذَا مَرْجُوعٌ عَنْهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ التَّغْلِيظِ الظَّنُّ بِهِ أَنَّهُ قَوَّى الْقِيَاسَ بِمُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَمَذْهَبُهُ فِي الْأُصُولِ أَنْ لَا يُقَلِّدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْأَصْلُ الثَّالِثُ مِنْ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ الِاسْتِحْسَانُ]
ُ وَقَدْ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ، وَرَدُّ الشَّيْءِ قَبْلَ فَهْمِهِ مُحَالٌ فَلَا بُدَّ أَوَّلًا مِنْ فَهْمِ الِاسْتِحْسَانِ. وَلَهُ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ: مَا يَسْتَحْسِنُهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّا نُجَوِّزُ وُرُودَ التَّعَبُّدِ بِاتِّبَاعِهِ عَقْلًا بَلْ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِأَنَّ مَا سَبَقَ أَوْهَامَكُمْ وَاسْتَحْسَنْتُمُوهُ بِعُقُولِكُمْ أَوْ سَبَقَ إلَى أَوْهَامِ الْعَوَامّ مَثَلًا فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لَجَوَّزْنَاهُ، وَلَكِنَّ وُقُوعَ التَّعَبُّدِ لَا يُعْرَفُ مِنْ ضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَنَظَرِهِ بَلْ مِنْ السَّمْعِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ سَمْعٌ مُتَوَاتِرٌ وَلَا نَقْلُ آحَادٍ، وَلَوْ وَرَدَ لَكَانَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ جُعِلَ الِاسْتِحْسَانُ مُدْرَكًا مِنْ مَدَارِكِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَأَصْلًا مِنْ الْأُصُولِ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمَهْمَا انْتَفَى الدَّلِيلُ وَجَبَ النَّفْيُ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا إجْمَاعَ الْأُمَّةِ قَبْلَهُمْ
стр. 170
عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ، وَالِاسْتِحْسَانُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ حُكْمٌ بِالْهَوَى الْمُجَرَّدِ وَهُوَ كَاسْتِحْسَانِ الْعَامِّيِّ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ النَّظَرَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا جُوِّزَ الِاجْتِهَادُ لِلْعَالِمِ دُونَ الْعَامِّيِّ؛ لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ فِي مَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ وَتَمْيِيزِ صَحِيحِهَا مِنْ فَاسِدِهَا، وَإِلَّا فَالْعَامِّيُّ أَيْضًا يَسْتَحْسِنُ، وَلَكِنْ يُقَالُ: لَعَلَّ مُسْتَنَدَ اسْتِحْسَانِك وَهْمٌ وَخَيَالٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ النَّفْسَ لَا تَمِيلُ إلَى الشَّيْءِ إلَّا بِسَبَبٍ مُمِيلٍ إلَيْهِ، لَكِنَّ السَّبَبَ يَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ وَهْمٌ وَخَيَالٌ إذَا عُرِضَ عَلَى الْأَدِلَّةِ لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنْهُ طَائِلٌ، وَإِلَى مَا هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَلَمْ يُمَيِّزْ الْمُسْتَحْسِنُ مَيْلَهُ عَنْ الْأَوْهَامِ وَسَوَابِقِ الرَّأْيِ إذَا لَمْ يَنْظُرْ فِي الْأَدِلَّةِ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا. وَلَهُمْ شُبَهٌ ثَلَاثٌ:
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] .
قُلْنَا: اتِّبَاعُ أَحْسَنِ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا هُوَ اتِّبَاعُ الْأَدِلَّةِ، فَبَيَّنُوا أَنَّ هَذَا مِمَّا أُنْزِلَ إلَيْنَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحْسَنِهِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] ثُمَّ نَقُولُ: نَحْنُ نَسْتَحْسِنُ إبْطَالَ الِاسْتِحْسَانِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لَنَا شَرْعٌ سِوَى الْمُصَدَّقِ بِالْمُعْجِزَةِ، فَلْيَكُنْ هَذَا حُجَّةً عَلَيْهِمْ. الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يَلْزَمَ مِنْ ظَاهِرِ هَذَا اتِّبَاعُ اسْتِحْسَانِ الْعَامِّيِّ وَالطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.
فَإِنْ قُلْتُمْ: الْمُرَادُ بِهِ بَعْضُ الِاسْتِحْسَانَاتِ وَهُوَ اسْتِحْسَانُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ: الْمُرَادُ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ صَدَرَ عَنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَأَيُّ وَجْهٍ لِاعْتِبَارِ أَهْلِيَّةِ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ النَّظَرِ؟
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» . وَلَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْ أَوْجُهٍ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْأُصُولُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا رَآهُ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ آحَادِهِمْ، فَإِنْ أَرَادَ الْجَمِيعَ فَهُوَ صَحِيحٌ إذْ الْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى حُسْنِ شَيْءٍ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ، وَهُوَ مُرَادُ الْخَبَرِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْآحَادَ لَزِمَ اسْتِحْسَانُ الْعَوَامّ، فَإِنْ فَرَّقَ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلنَّظَرِ قُلْنَا: إذَا كَانَ لَا يَنْظُرُ فِي الْأَدِلَّةِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ لِأَهْلِيَّةِ النَّظَرِ.
الثَّالِثِ: أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْسَانِ مَنْعِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَا حُجَّةٍ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ كَثْرَةِ وَقَائِعِهِمْ تَمَسَّكُوا بِالظَّوَاهِرِ وَالْأَشْبَاهِ وَمَا قَالَ وَاحِدٌ حَكَمْتُ بِكَذَا وَكَذَا لِأَنِّي اسْتَحْسَنْتُهُ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَشَدَّدُوا الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ وَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ اسْتِحْسَانُكَ شَرْعًا وَتَكُونَ شَارِعًا لَنَا وَمَا قَالَ مُعَاذٌ حَيْثُ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ إنِّي أَسْتَحْسِنُ بَلْ ذَكَرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالِاجْتِهَادَ فَقَطْ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْأُمَّةَ اسْتَحْسَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةِ وَعِوَضِ الْمَاءِ وَلَا تَقْدِيرِ مُدَّةِ السُّكُونِ وَاللُّبْثِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ شُرْبِ الْمَاءِ مِنْ يَدِ السَّقَّاءِ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ الْعِوَضِ وَلَا مَبْلَغِ الْمَاءِ الْمَشْرُوبِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِي مِثْلِ هَذَا قَبِيحٌ فِي الْعَادَاتِ، فَاسْتَحْسَنُوا تَرْكَ الْمُضَايَقَةِ فِيهِ، وَلَا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِي إجَارَةٍ وَلَا بَيْعٍ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ مِنْ أَيْنَ عَرَفُوا أَنَّ الْأُمَّةَ فَعَلَتْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَدَلِيلٍ لَعَلَّ الدَّلِيلَ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 171
مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ وَتَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِي تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْمَشْرُوبِ وَالْمَصْبُوبِ فِي الْحَمَّامِ وَتَقْدِيرُ مُدَّةِ الْمَقَامِ وَالْمَشَقَّةِ سَبَبُ الرُّخْصَةِ
الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ شُرْبُ الْمَاءِ بِتَسْلِيمِ السَّقَّاءِ مُبَاحٌ، وَإِذَا أَتْلَفَ مَاءَهُ فَعَلَيْهِ ثَمَنُ الْمِثْلِ، إذْ قَرِينَةُ حَالِهِ تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْعِوَضِ فِيمَا بَذَلَهُ فِي الْغَالِبِ، وَمَا يَبْذُلُ لَهُ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ ثَمَنَ الْمِثْلِ فَيَقْبَلُهُ السَّقَّاءُ، فَإِنْ مَنَعَ فَعَلَيْهِ مُطَالَبَتُهُ فَلَيْسَ فِي هَذَا إلَّا الِاكْتِفَاءُ فِي مَعْرِفَةِ الْإِبَاحَةِ بِالْمُعَاطَاةِ وَالْقَرِينَةِ وَتَرْكِ الْمُمَاكَسَةِ فِي الْعِوَضِ، وَهَذَا مَدْلُولٌ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْعِ.
وَكَذَلِكَ دَاخِلُ الْحَمَّامِ مُسْتَبِيحٌ بِالْقَرِينَةِ وَمُتْلِفٌ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بِقَرِينَةِ حَالِ الْحَمَّامِيِّ، ثُمَّ مَا يَبْذُلُهُ إنْ ارْتَضَى بِهِ الْحَمَّامِيُّ وَاكْتَفَى بِهِ عِوَضًا أَخَذَهُ، وَإِلَّا طَالَبَهُ بِالْمَزِيدِ إنْ شَاءَ، فَلَيْسَ هَذَا أَمْرًا مُبْدَعًا وَلَكِنَّهُ مُنْقَاسٌ، وَالْقِيَاسُ حُجَّةٌ التَّأْوِيلُ الثَّانِي لِلِاسْتِحْسَانِ قَوْلُهُمْ: الْمُرَادُ بِهِ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ لَا تُسَاعِدُهُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إبْرَازِهِ وَإِظْهَارِهِ وَهَذَا هَوَسٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ وَهْمٌ وَخَيَالٌ أَوْ تَحْقِيقٌ وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ لِيَعْتَبِرَ بِأَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ لِتُصَحِّحَهُ الْأَدِلَّةُ أَوْ تُزَيِّفَهُ، أَمَّا الْحُكْمُ بِمَا لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَمِنْ أَيٍّ يُعْلَمُ جَوَازُهُ أَبِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوْ نَظَرِهِ أَوْ بِسَمْعٍ مُتَوَاتِرٍ أَوْ آحَادٍ؟ وَلَا وَجْهَ لِدَعْوَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنَا شَخْصٍ لَكِنْ عَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا الْبَيْتِ وَقَالَ زَنَى فِيهَا فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ حَدَّهُ فَيَقُولُ لَهُ: لَمْ يُسْتَحْسَنْ سَفْكُ دَمِ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ إذْ لَمْ تَجْتَمِعْ شَهَادَةُ الْأَرْبَعَةِ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَقُولَ: تَكْذِيبُ الْمُسْلِمِينَ قَبِيحٌ وَتَصْدِيقُهُمْ وَهُمْ عُدُولٌ حَسَنٌ فَنُصَدِّقُهُمْ وَنُقَدَّرُ دَوَرَانَهُ فِي زَنْيَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى جَمِيعِ الزَّوَايَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدُوا فِي أَرْبَعَةِ بُيُوتٍ فَإِنَّ تَقْدِيرَ التَّزَاحُفِ بَعِيدٌ وَهَذَا هَوَسٌ؛ لِأَنَّا نُصَدِّقُهُمْ وَلَا نَرْجُمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَكَمَا لَوْ شَهِدُوا فِي دُورٍ، وَنَدْرَأُ الرَّجْمَ مِنْ حَيْثُ لَمْ نَعْلَمْ يَقِينًا اجْتِمَاعَ الْأَرْبَعَةِ عَلَى شَهَادَةٍ وَاحِدَةٍ، فَدَرْءُ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ أَحْسَنُ، كَيْفَ؟ وَإِنْ كَانَ هَذَا دَلِيلًا فَلَا نُنْكِرُ الْحُكْمَ بِالدَّلِيلِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى بَعْضُ الْأَدِلَّةِ اسْتِحْسَانًا التَّأْوِيلُ الثَّالِثُ: لِلِاسْتِحْسَانِ ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ نُصْرَةِ الِاسْتِحْسَانِ وَقَالَ: لَيْسَ هُوَ عِبَارَةً عَنْ قَوْلٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ بَلْ هُوَ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ أَجْنَاسٌ: مِنْهَا الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِهِ: مَالِي صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي، فَالْقِيَاسُ لُزُومُ التَّصَدُّقِ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى مَالًا، لَكِنْ اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّخْصِيصَ بِمَالِ الزَّكَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَلَمْ يُرِدْ إلَّا مَالَ الزَّكَاةِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَعْدِلَ بِهَا عَنْ نَظَائِرِهَا بِدَلِيلِ السُّنَّةِ كَالْفَرْقِ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّبْقِ وَالتَّعَمُّدِ عَلَى خِلَافِ قِيَاسِ الْأَحْدَاثِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنْكَرُ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الِاسْتِنْكَارُ إلَى اللَّفْظِ وَتَخْصِيصِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الدَّلِيلِ بِتَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا مِنْ بَيْنَ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْأَصْلُ الرَّابِعُ مِنْ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ الِاسْتِصْلَاحُ]
ُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ اتِّبَاعِ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ مَعْنَى الْمَصْلَحَةِ وَأَقْسَامِهَا، فَنَقُولُ: الْمَصْلَحَةُ بِالْإِضَافَةِ إلَى شَهَادَةِ الشَّرْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ شَهِدَ الشَّرْعُ لِاعْتِبَارِهَا وَقِسْمٌ شَهِدَ لِبُطْلَانِهَا، وَقِسْمٌ لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ لَا لِبُطْلَانِهَا وَلَا لِاعْتِبَارِهَا.
أَمَّا مَا شَهِدَ الشَّرْعُ لِاعْتِبَارِهَا فَهِيَ حُجَّةٌ،
стр. 172
وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ اقْتِبَاسُ الْحُكْمِ مِنْ مَعْقُولِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَسَنُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ فِي الْقُطْبِ الرَّابِعِ فَإِنَّهُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأُصُولِ الْمُثْمِرَةِ، وَمِثَالُهُ: حُكْمُنَا أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ مِنْ مَشْرُوبٍ أَوْ مَأْكُولٍ فَيُحَرَّمُ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ لِحِفْظِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، فَتَحْرِيمُ الشَّرْعِ الْخَمْرَ دَلِيلٌ عَلَى مُلَاحَظَةِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ لِبُطْلَانِهَا مِثَالُهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ لَمَّا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: إنَّ عَلَيْكَ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَلَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَأْمُرْ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ مَعَ اتِّسَاعِ مَالِهِ قَالَ: لَوْ أَمَرْتُهُ بِذَلِكَ لَسَهُلَ عَلَيْهِ وَاسْتَحْقَرَ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ فِي جَنْبِ قَضَاءِ شَهْوَتِهِ، فَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إيجَابِ الصَّوْمِ لِيَنْزَجِرَ بِهِ، فَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ وَمُخَالِفٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ بِالْمَصْلَحَةِ وَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ جَمِيعِ حُدُودِ الشَّرَائِعِ وَنُصُوصِهَا بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ.
ثُمَّ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ الْعُلَمَاءِ لَمْ تَحْصُلْ الثِّقَةُ لِلْمُلُوكِ بِفَتْوَاهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ كُلَّ مَا يُفْتُونَ بِهِ فَهُوَ تَحْرِيفٌ مِنْ جِهَتِهِمْ بِالرَّأْيِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ مِنْ الشَّرْعِ بِالْبُطْلَانِ وَلَا بِالِاعْتِبَارِ نَصٌّ مُعَيَّنٌ وَهَذَا فِي مَحَلِّ النَّظَرِ فَلْنُقَدِّمْ عَلَى تَمْثِيلِهِ تَقْسِيمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهَا فِي ذَاتِهَا تَنْقَسِمُ إلَى مَا هِيَ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورَاتِ وَإِلَى مَا هِيَ فِي رُتْبَةِ الْحَاجَاتِ وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّحْسِينَاتِ وَالتَّزْيِينَاتِ وَتَتَقَاعَدُ أَيْضًا عَنْ رُتْبَةِ الْحَاجَاتِ.
وَيَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ الْأَقْسَامِ مَا يَجْرِي مِنْهَا مَجْرَى التَّكْمِلَةِ وَالتَّتِمَّةِ لَهَا وَلْنَفْهَمْ أَوَّلًا مَعْنَى الْمَصْلَحَةِ ثُمَّ أَمْثِلَةَ مَرَاتِبِهَا: أَمَّا الْمَصْلَحَةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ فِي الْأَصْلِ عَنْ جَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وَلَسْنَا نَعْنِي بِهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ مَقَاصِدُ الْخَلْقِ وَصَلَاحُ الْخَلْقِ فِي تَحْصِيلِ مَقَاصِدِهِمْ، لَكِنَّا نَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُحَافَظَةَ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَنَفْسَهُمْ وَعَقْلَهُمْ وَنَسْلَهُمْ وَمَالَهُمْ، فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ، وَكُلُّ مَا يُفَوِّتُ هَذِهِ الْأُصُولَ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ وَدَفْعُهَا مَصْلَحَةٌ.
وَإِذَا أَطْلَقْنَا الْمَعْنَى الْمُخَيَّلَ وَالْمُنَاسِبَ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ أَرَدْنَا بِهِ هَذَا الْجِنْسَ. وَهَذِهِ الْأُصُولُ الْخَمْسَةُ حِفْظُهَا وَاقِعٌ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورَاتِ، فَهِيَ أَقْوَى الْمَرَاتِبِ فِي الْمَصَالِحِ وَمِثَالُهُ: قَضَاءُ الشَّرْعِ بِقَتْلِ الْكَافِرِ الْمُضِلِّ وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إلَى بِدْعَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُفَوِّتُ عَلَى الْخَلْقِ دِينَهُمْ، وَقَضَاؤُهُ بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ أَدَبُهُ حِفْظُ النُّفُوسِ، وَإِيجَابُ حَدِّ الشُّرْبِ إذْ بِهِ حِفْظُ الْعُقُولِ الَّتِي هِيَ مِلَاكُ التَّكْلِيفِ وَإِيجَابُ حَدِّ الزِّنَا إذْ بِهِ حِفْظُ النَّسْلِ وَالْأَنْسَابِ، وَإِيجَابُ زَجْرِ الْغُصَّابِ وَالسُّرَّاقِ إذْ بِهِ يَحْصُلُ حِفْظُ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَعَاشُ الْخَلْقِ وَهُمْ مُضْطَرُّونَ إلَيْهَا.
وَتَحْرِيمُ تَفْوِيتِ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهَا يَسْتَحِيلُ أَنْ لَا تَشْتَمِلَ عَلَيْهِ مِلَّةٌ مِنْ الْمِلَلِ وَشَرِيعَةٌ مِنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي أُرِيد بِهَا إصْلَاحُ الْخَلْقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَخْتَلِفْ الشَّرَائِعُ فِي تَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ. أَمَّا مَا يَجْرِي مَجْرَى التَّكْمِلَةِ وَالتَّتِمَّةِ لِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ فَكَقَوْلِنَا: الْمُمَاثَلَةُ مَرْعِيَّةٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلزَّجْرِ وَالتَّشَفِّي وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْمِثْلِ، وَكَقَوْلِنَا: الْقَلِيلُ مِنْ الْخَمْرِ إنَّمَا حُرِّمَ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى الْكَثِيرِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ النَّبِيذُ فَهَذَا دُونَ الْأَوَّلِ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الشَّرَائِعُ.
أَمَّا تَحْرِيمُ السُّكْرِ فَلَا تَنْفَكُّ عَنْهُ شَرِيعَةٌ؛ لِأَنَّ السُّكْرَ يَسُدُّ بَابَ التَّكْلِيفِ وَالتَّعَبُّدِ.
стр. 173
الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ: مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الْحَاجَاتِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْمُنَاسِبَاتِ، كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ، فَذَلِكَ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ لَكِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي
اقْتِنَاءِ الْمَصَالِحِ
، وَتَقْيِيدِ الْأَكْفَاءِ خِيفَةً مِنْ الْفَوَاتِ وَاسْتِغْنَامًا لِلصَّلَاحِ الْمُنْتَظَرِ فِي الْمَالِ، وَلَيْسَ هَذَا كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَرْبِيَتِهِ وَإِرْضَاعِهِ وَشِرَاءِ الْمَلْبُوسِ وَالْمَطْعُومِ لِأَجَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا اخْتِلَافُ الشَّرَائِعِ الْمَطْلُوبِ بِهَا الْخَلْقُ.
أَمَّا النِّكَاحُ فِي حَالِ الصِّغَرِ فَلَا يُرْهِقُ إلَيْهِ تَوَقَانُ شَهْوَةٍ وَلَا حَاجَةُ تَنَاسُلٍ، بَلْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ
لِصَلَاحِ
الْمَعِيشَةِ بِاشْتِبَاكِ الْعَشَائِرِ وَالتَّظَاهُرِ بِالْأَصْهَارِ وَأُمُورٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهَا. أَمَّا مَا يَجْرِي مَجْرَى التَّتِمَّةِ لِهَذِهِ الرُّتْبَةِ فَهُوَ كَقَوْلِنَا: لَا تُزَوَّجُ الصَّغِيرَةُ إلَّا مِنْ كُفُؤٍ وَبِمَهْرِ مِثْلٍ، فَإِنَّهُ أَيْضًا مُنَاسِبٌ وَلَكِنَّهُ دُونَ أَصْلِ الْحَاجَةِ إلَى النِّكَاحِ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ.
الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ: مَا لَا يَرْجِعُ إلَى ضَرُورَةٍ وَلَا إلَى حَاجَةٍ وَلَكِنْ يَقَعُ مَوْقِعَ التَّحْسِينِ وَالتَّزْيِينِ وَالتَّيْسِيرِ لِلْمَزَايَا وَالْمَزَائِدِ وَرِعَايَةِ أَحْسَنِ الْمَنَاهِجِ فِي الْعَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ مِثَالُهُ: سَلْبُ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ مَعَ قَبُولِ فَتْوَاهُ وَرِوَايَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَبْدَ نَازِلُ الْقَدْرِ وَالرُّتْبَةِ ضَعِيفُ الْحَالِ وَالْمَنْزِلَةِ بِاسْتِسْخَارِ الْمَالِكِ إيَّاهُ فَلَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ التَّصَدِّي لِلشَّهَادَةِ.
أَمَّا سَلْبُ وِلَايَتِهِ فَهُوَ مِنْ مَرْتَبَةِ الْحَاجَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِلْمَصْلَحَةِ، إذْ وِلَايَةُ الْأَطْفَالِ تَسْتَدْعِي اسْتِغْرَاقًا وَفَرَاغًا، وَالْعَبْدُ مُسْتَغْرِقٌ بِالْخِدْمَةِ فَتَفْوِيضُ أَمْرِ الطِّفْلِ إلَيْهِ إضْرَارٌ بِالطِّفْلِ. أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَتَّفِقُ أَحْيَانًا كَالرِّوَايَةِ وَالْفَتْوَى وَلَكِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: سَلْبُ مَنْصِبَ الشَّهَادَةِ لِخَسَّةِ قَدْرِهِ لَيْسَ كَقَوْلِهِ سَلْبُ ذَلِكَ لِسُقُوطِ الْجُمُعَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُشَمُّ مِنْهُ رَائِحَةُ مُنَاسَبَةٍ أَصْلًا وَهَذَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الِانْتِظَامِ لَوْ صَرَّحَ بِهِ الشَّرْعُ وَلَكِنْ تَنْتَفِي مُنَاسَبَتُهُ بِالرِّوَايَةِ وَالْفَتْوَى، بَلْ ذَلِكَ يَنْقُصُ عَنْ الْمُنَاسِبِ إلَى أَنْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ، وَالْمُنَاسِبُ قَدْ يَكُونُ مَنْقُوصًا فَيُتْرَكُ أَوْ يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِعُذْرٍ أَوْ تَقْيِيدٍ كَتَقْيِيدِ النِّكَاحِ بِالْوَلِيِّ لَوْ أَمْكَنَ تَعْلِيلُهُ بِفُتُورِ رَأْيِهَا فِي انْتِقَاءِ الْأَزْوَاجِ وَسُرْعَةِ الِاغْتِرَارِ بِالظَّوَاهِرِ لَكَانَ وَاقِعًا فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي سَلْبِ عِبَارَتِهَا وَفِي نِكَاحِ الْكُفْءِ فَهُوَ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ الْأَلْيَقَ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ اسْتِحْيَاءُ النِّسَاءِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِتَوَقَانِ نَفْسِهَا إلَى الرِّجَالِ، وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالْمُرُوءَةِ، فَفَوَّضَ الشَّرْعُ ذَلِكَ إلَى الْوَلِيِّ حَمْلًا لِلْخَلْقِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَنَاهِجِ.
وَكَذَلِكَ تَقْيِيدُ النِّكَاحِ بِالشَّهَادَةِ لَوْ أَمْكَنَ تَعْلِيلُهُ بِالْإِثْبَاتِ عِنْدَ النِّزَاعِ لَكَانَ مِنْ قَبِيلِ الْحَاجَاتِ، وَلَكِنَّ سُقُوطَ الشَّهَادَةِ عَلَى رِضَاهَا يُضَعِّفُ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ لِتَفْخِيمِ أَمْرِ النِّكَاحِ وَتَمْيِيزِهِ عَنْ السِّفَاحِ بِالْإِعْلَانِ وَالْإِظْهَارِ عِنْدَ مَنْ لَهُ رُتْبَةٌ وَمَنْزِلَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلْيَلْحَقْ بِرُتْبَةِ التَّحْسِينَاتِ.
وَإِذَا عُرِفَتْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ فَنَقُولُ الْوَاقِعُ فِي الرُّتْبَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهِ إنْ لَمْ يَعْتَضِدْ بِشَهَادَةِ أَصْلٍ إلَّا أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى وَضْعِ الضَّرُورَاتِ، فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِالرَّأْيِ، فَهُوَ كَالِاسْتِحْسَانِ. فَإِنْ اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ فَذَاكَ قِيَاسٌ وَسَيَأْتِي أَمَّا الْوَاقِعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورَاتِ فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَمِثَالُهُ: أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا تَتَرَّسُوا بِجَمَاعَةٍ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ كَفَفْنَا عَنْهُمْ لَصَدَمُونَا وَغَلَبُوا عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ رَمَيْنَا التُّرْسَ لَقَتَلْنَا مُسْلِمًا مَعْصُومًا لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا وَهَذَا لَا عَهْدَ بِهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَوْ كَفَفْنَا لَسَلَّطْنَا الْكُفَّارَ عَلَى جَمِيعِ
стр. 174
الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُونَهُمْ ثُمَّ يَقْتُلُونَ الْأُسَارَى أَيْضًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: هَذَا الْأَسِيرُ مَقْتُولٌ بِكُلِّ حَالٍ فَحِفْظُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ تَقْلِيلُ الْقَتْلِ كَمَا يَقْصِدُ حَسْمَ سَبِيلِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى الْحَسْمِ قَدَرْنَا عَلَى التَّقْلِيلِ وَكَانَ هَذَا الْتِفَاتًا إلَى مَصْلَحَةٍ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهَا مَقْصُودَ الشَّرْعِ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ وَأَصْلٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْحَصْرِ.
لَكِنَّ تَحْصِيلَ هَذَا الْمَقْصُودِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَهُوَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ غَرِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَهَذَا مِثَالُ مَصْلَحَةٍ غَيْرِ مَأْخُوذَةٍ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ. وَانْقَدَحَ اعْتِبَارُهَا بِاعْتِبَارِ ثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ أَنَّهَا ضَرُورَةٌ قَطْعِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهَا مَا لَوْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ فِي قَلْعَةٍ بِمُسْلِمٍ إذْ لَا يَحِلُّ رَمْيُ التُّرْسِ إذْ لَا ضَرُورَةَ فَبِنَا غُنْيَةٌ عَنْ الْقَلْعَةِ فَنَعْدِلُ عَنْهَا إذْ لَمْ نَقْطَعْ بِظَفَرِنَا بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً بَلْ ظَنِّيَّةً، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهَا جَمَاعَةٌ فِي سَفِينَةٍ لَوْ طَرَحُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ لَنَجَوْا، وَإِلَّا غَرِقُوا بِجُمْلَتِهِمْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كُلِّيَّةً إذْ يَحْصُلُ بِهَا هَلَاكُ عَدَدٍ مَحْصُورٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَاسْتِئْصَالِ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ لِلْإِغْرَاقِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ وَلَا أَصْلَ لَهَا.
وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ فِي مَخْمَصَةٍ لَوْ أَكَلُوا وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ لَنَجَوْا فَلَا رُخْصَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَيْسَتْ كُلِّيَّةً، وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهَا قَطْعُ الْيَدِ لِلْآكِلَةِ حِفْظًا لِلرُّوحِ فَإِنَّهُ تَنْقَدِحُ الرُّخْصَةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِ لِمَصْلَحَتِهِ وَقَدْ شَهِدَ الشَّرْعُ لِلْإِضْرَارِ بِشَخْصٍ فِي قَصْدِ صَلَاحِهِ كَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا قَطْعُ الْمُضْطَرِّ قِطْعَةً مِنْ فَخِذِهِ إلَى أَنْ يَجِدَ الطَّعَامَ فَهُوَ كَقَطْعِ الْيَدِ. لَكِنْ رُبَّمَا يَكُونُ سَبَبًا ظَاهِرًا فِي الْهَلَاكِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ يَقِينُ الْخَلَاصِ فَلَا تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ قَطْعِيَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَالضَّرْبُ بِالتُّهْمَةِ لِلِاسْتِنْطَاقِ بِالسَّرِقَةِ مَصْلَحَةٌ فَهَلْ تَقُولُونَ بِهَا؟ قُلْنَا: قَدْ قَالَ بِهَا مَالِكٌ ﵀ وَلَا نَقُولُ بِهِ لَا لِإِبْطَالِ النَّظَرِ إلَى جِنْسِ الْمَصْلَحَةِ لَكِنْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَصْلَحَةٌ تُعَارِضُهَا أُخْرَى وَهِيَ
مَصْلَحَةُ
الْمَضْرُوبِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ بَرِيئًا مِنْ الذَّنْبِ، وَتَرْكُ الضَّرْبِ فِي مُذْنِبٍ أَهْوَنُ مِنْ ضَرْبِ بَرِيءٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَتْحُ بَابٍ يَعْسُرُ مَعَهُ انْتِزَاعُ الْأَمْوَالِ فَفِي الضَّرْبِ فَتْحٌ بَابٍ إلَى تَعْذِيبِ الْبَرِيءِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالزِّنْدِيقُ الْمُتَسَتِّرُ إذَا تَابَ
فَالْمَصْلَحَةُ
فِي قَتْلِهِ وَأَنْ لَا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَمَاذَا تَرَوْنَ؟ قُلْنَا: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَبْعُدُ قَتْلُهُ إذْ وَجَبَ بِالزَّنْدَقَةِ قَتْلُهُ، وَإِنَّمَا كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ تُسْقِطُ الْقَتْلَ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ تَرْكَ دِينِهِمْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ.
وَالزِّنْدِيقُ يَرَى التُّقْيَةَ عَيْنَ الزَّنْدَقَةِ فَهَذَا لَوْ قَضَيْنَا بِهِ فَحَاصِلُهُ اسْتِعْمَالُ مَصْلَحَةٍ فِي تَخْصِيصِ عُمُومٍ وَذَلِكَ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ فَإِنْ قِيلَ: رُبَّ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ بِالدَّعْوَةِ إلَى الْبِدْعَةِ أَوْ بِإِغْرَاءِ الظَّلَمَةِ بِأَمْوَالِ النَّاسِ وَحُرَمِهِمْ وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ بِإِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَالْمَصْلَحَةُ قَتْلُهُ لِكَفِّ شَرِّهِ فَمَاذَا تَرَوْنَ فِيهِ؟ قُلْنَا: إذَا لَمْ يَقْتَحِمْ جَرِيمَةً مُوجِبَةً لِسَفْكِ الدَّمِ فَلَا يُسْفَكُ دَمُهُ، إذْ فِي تَخْلِيدِ الْحَبْسِ عَلَيْهِ كِفَايَةُ شَرِّهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقَتْلِ فَلَا تَكُونُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ فِتْنَةٍ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَخْلِيدِ الْحَبْسِ فِيهِ مَعَ تَبَدُّلِ الْوِلَايَاتِ عَلَى قُرْبٍ فَلَيْسَ فِي إبْقَائِهِ وَحَبْسِهِ إلَّا إيغَارُ صَدْرِهِ وَتَحْرِيكُ دَاعِيَتِهِ لِيَزْدَادَ فِي الْفَسَادِ وَالْإِغْرَاءِ جِدًّا عِنْدَ الْإِفْلَاتِ.
قُلْنَا هَذَا الْآنَ رَجْمٌ بِالظَّنِّ وَحُكْمٌ بِالْوَهْمِ، فَرُبَّمَا لَا يُفْلِتُ وَلَا تَتَبَدَّلُ الْوِلَايَةُ وَالْقَتْلُ بِتَوَهُّمِ الْمَصْلَحَةِ
стр. 175
لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: وَإِذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا نَقْطَعُ بِتَسَلُّطِهِمْ عَلَى اسْتِئْصَالِ الْإِسْلَامِ لَوْ لَمْ يُقْصَدْ التُّرْسُ بَلْ يُدْرَكُ ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ.
قُلْنَا: لَا جَرَمَ ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ فِي الْمَذْهَبِ وَجْهَيْنِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَعَلَّلُوا بِأَنَّ ذَلِكَ مَظْنُونٌ، وَنَحْنُ إنَّمَا نُجَوِّزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَطْعِ أَوْ ظَنٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْقَطْعِ، وَالظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْ الْقِطَعِ إذَا صَارَ كُلِّيًّا وَعَظُمَ الْخَطَرُ فِيهِ فَتُحْتَقَرُ الْأَشْخَاصُ الْجُزْئِيَّةُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ فِي تَوَقُّفِنَا عَنْ السَّاعِي فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ضَرَرًا كُلِّيًّا بِتَعْرِيضِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَدِمَائِهِمْ لِلْهَلَاكِ وَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَى الظَّنِّ بِمَا عُرِفَ مِنْ طَبِيعَتِهِ وَعَادَتِهِ الْمُجَرَّبَةِ طُولَ عُمْرِهِ. قُلْنَا: لَا يَبْعُدُ أَنْ يُؤَدِّيَ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ إلَى قَتْلِهِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ التُّرْسِ فَإِنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ ذَنْبًا، وَهَذَا قَدْ ظَهَرْت مِنْهُ جَرَائِمُ تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ، وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ الْقَتْلَ، وَكَأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْحَيَوَانَاتِ الضَّارِيَةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ طَبِيعَتِهِ وَسَجِيَّتِهِ فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى هَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ وَقَدْ قَدَّمْتُمْ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ إذَا خَالَفَتْ النَّصَّ لَمْ تُتَّبَعْ كَإِيجَابِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ عَلَى الْمُلُوكِ إذَا جَامَعُوا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] وَأَيُّ ذَنْبٍ لِمُسْلِمٍ يَتَتَرَّسُ بِهِ كَافِرٌ؟ فَإِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّا نُخَصِّصُ الْعُمُومَ بِصُورَةٍ لَيْسَ فِيهَا خَطَرٌ كُلِّيٌّ فَلْنُخَصِّصْ الْعِتْقَ بِصُورَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الِانْزِجَارُ عَنْ الْجِنَايَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عَنْهَا الْمُلُوكُ، فَإِذًا غَايَةُ الْأَمْرِ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ أَنْ يُقْطَعَ بِاسْتِئْصَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَمَا بَالُنَا نَقْتُلُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ قَصْدًا وَنَجْعَلُهُ فِدَاءً لِلْمُسْلِمِينَ وَنُخَالِفُ النَّصَّ فِي قَتْلِ النَّفَسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى؟ قُلْنَا: لِهَذَا نَرَى الْمَسْأَلَةَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَبْعُدُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَتْلُ ثُلُثِ الْأُمَّةِ لِاسْتِصْلَاحِ ثُلُثَيْهَا تَرْجِيحًا لِلْكَثْرَةِ، إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ كَافِرًا لَوْ قَصَدَ قَتْلَ عَدَدٍ مَحْصُورٍ كَعَشْرَةٍ مَثَلًا وَتَتَرَّسَ بِمُسْلِمٍ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُ التُّرْسِ فِي الدَّفْعِ بَلْ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ عَشْرَةٍ أُكْرِهُوا عَلَى قَتْلٍ أَوْ اُضْطُرُّوا فِي مَخْمَصَةٍ إلَى أَكْلِ وَاحِدٍ.
وَإِنَّمَا نَشَأَ هَذَا مِنْ الْكَثْرَةِ وَمِنْ كَوْنِهِ كُلِّيًّا لَكِنْ لِلْكُلِّيِّ الَّذِي لَا يُحْصَرُ حُكْمٌ آخَرُ أَقْوَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِنِسَاءِ بَلْدَةٍ حَلَّ لَهُ النِّكَاحُ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ بِعَشْرَةٍ وَعِشْرِينَ لَمْ يَحِلَّ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ لَوْ تَتَرَّسُوا بِنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ قَاتَلْنَاهُمْ، وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ عَامًّا، لَكِنَّ تَخَصُّصَهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا التَّخْصِيصُ مُمْكِنٌ.
وَقَوْلُ الْقَائِلِ هَذَا سَفْكُ دَمٍ مُحَرَّمٍ مَعْصُومٍ، يُعَارِضُهُ أَنَّ فِي الْكَفِّ عَنْهُ إهْلَاكُ دِمَاءٍ مَعْصُومَةٍ لَا حَصْرَ لَهَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الشَّرْعَ يُؤْثِرُ الْكُلِّيَّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، فَإِنَّ حِفْظَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَنْ اصْطِلَامِ الْكُفَّارِ أَهَمُّ فِي مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنْ حِفْظِ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ فَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ مَقْصُودِ الشَّرْعِ وَالْمَقْطُوعُ بِهِ لَا يَحْتَاجُ شَهَادَةَ أَصْلٍ فَإِنْ قِيلَ: فَتَوْظِيفُ الْخَرَاجِ مِنْ الْمَصَالِحِ فَهَلْ إلَيْهِ سَبِيلٌ أَمْ لَا؟ قُلْنَا: لَا سَبِيلَ إلَيْهِ مَعَ كَثْرَةِ الْأَمْوَالِ فِي أَيْدِي الْجُنُودِ، أَمَّا إذَا خَلَتْ الْأَيْدِي مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ مَا يَفِي بِخَرَاجَاتِ الْعَسْكَرِ وَلَوْ تَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ وَاشْتَغَلُوا بِالْكَسْبِ لَخِيفَ دُخُولُ الْكُفَّارِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ أَوْ خِيفَ ثَوَرَانُ الْفِتْنَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَرَامَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَظِّفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ مِقْدَارَ كِفَايَةِ الْجُنْدِ، ثُمَّ إنْ رَأَى فِي طَرِيقِ التَّوْزِيعِ التَّخْصِيصَ بِالْأَرَاضِيِ فَلَا حَرَجَ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ شَرَّانِ أَوْ
стр. 176
ضَرَرَانِ قَصَدَ الشَّرْعُ دَفْعَ أَشَدِّ الضَّرَرَيْنِ وَأَعْظَمَ الشَّرَّيْنِ وَمَا يُؤَدِّيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا يُخَاطِرُ بِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَوْ خَلَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْ ذِي شَوْكَةٍ يَحْفَظُ نِظَامَ الْأُمُورِ وَيَقْطَعُ مَادَّةَ الشُّرُورِ وَكَانَ هَذَا لَا يَخْلُو عَنْ شَهَادَةِ أُصُولٍ مُعَيَّنَةٍ فَإِنَّ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ عِمَارَةَ الْقَنَوَاتِ وَإِخْرَاجَ أُجْرَةِ الْفِصَادِ وَثَمَنِ الْأَدْوِيَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ تَنْجِيزُ خُسْرَانٍ لِتَوَقُّعِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ.
وَهَذَا أَيْضًا يُؤَيِّدُ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ، لَكِنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي الْأَمْوَالِ، وَالْأَمْوَالُ مُبْتَذَلَةٌ يَجُوزُ ابْتِذَالُهَا فِي الْأَغْرَاضِ الَّتِي هِيَ أَهَمُّ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ سَفْكُ دَمٍ مَعْصُومٍ مِنْ غَيْرِ ذَنْبِ سَافِكٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَبِأَيِّ طَرِيقٍ بَلَّغَ الصَّحَابَةُ حَدَّ الشُّرْبِ إلَى ثَمَانِينَ، فَإِنْ كَانَ حَدُّ الشُّرْبِ مُقَدَّرًا فَكَيْفَ زَادُوا بِالْمَصْلَحَةِ؟ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا وَكَانَ تَعْزِيرًا فَلِمَ افْتَقَرُوا إلَى الشُّبَهِ بِحَدِّ الْقَذْفِ؟ قُلْنَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا، لَكِنْ ضُرِبَ الشَّارِبُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ فَقُدِّرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدِيلِ وَالتَّقْوِيمِ بِأَرْبَعِينَ، فَرَأَوْا الْمَصْلَحَةَ فِي الزِّيَادَةِ فَزَادُوا، وَالتَّعْزِيرَاتُ مُفَوَّضَةٌ إلَى رَأْيِ الْأَئِمَّةِ، فَكَأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ.
وَقِيلَ لَهُمْ: اعْمَلُوا بِمَا رَأَيْتُمُوهُ أَصْوَبَ بَعْدَ أَنْ صَدَرَتْ الْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبَةِ. وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يُرِيدُوا الزِّيَادَةَ عَلَى تَعْزِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا بِتَقْرِيبٍ مِنْ مَنْصُوصَاتِ الشَّرْعِ، فَرَأَوْا الشُّرْبَ مَظِنَّةَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ مَنْ سَكِرَ هَذَى، وَمَنْ هَذَى افْتَرَى، وَرَأَوْا الشَّرْعَ يُقِيمُ مَظِنَّةَ الشَّيْءِ مُقَامَ نَفْسِ الشَّيْءِ كَمَا أَقَامَ النَّوْمَ مُقَامَ الْحَدَثِ، وَأَقَامَ الْوَطْءَ مُقَامَ شَغْلِ الرَّحِمِ، وَالْبُلُوغَ مُقَامَ نَفْسِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ مَظَانُّ هَذِهِ الْمَعَانِي، فَلَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ مُخَالَفَةً لِلنَّصِّ بِالْمَصْلَحَةِ أَصْلًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَوْلُكُمْ فِي الْمَصَالِحِ الْجُزْئِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَشْخَاصِ مِثْلِ الْمَفْقُودِ زَوْجُهَا إذَا انْدَرَسَ خَبَرُ مَوْتِهِ وَحَيَاتِهِ وَقَدْ انْتَظَرَتْ سِنِينَ وَتَضَرَّرَتْ بِالْعُزُوبَةِ، أَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا لِلْمَصْلَحَةِ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ إذَا عَقَدَ وَلِيَّانِ أَوْ وَكِيلَانِ نِكَاحَيْنِ، أَحَدُهُمَا سَابِقٌ وَاسْتَبْهَمَ الْأَمْرُ وَوَقَعَ الْيَأْسُ عَنْ الْبَيَانِ بَقِيَتْ الْمَرْأَةُ مَحْبُوسَةً طُولَ الْعُمُرِ عَنْ الْأَزْوَاجِ وَمُحَرَّمَةً عَلَى زَوْجِهَا الْمَالِكِ لَهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا تَبَاعَدَ حَيْضُهَا عَشْرَ سِنِينَ وَتَعَوَّقَتْ عِدَّتُهَا وَبَقِيَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ النِّكَاحِ، هَلْ يَجُوزُ لَهَا الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ أَوْ تَكْتَفِي بِتَرَبُّصِ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ وَدَفْعُ ضَرَرٍ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مَقْصُودٌ شَرْعًا.
قُلْنَا الْمَسْأَلَتَانِ الْأُولَيَانِ مُخْتَلِفٌ فِيهِمَا فَهُمَا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ قَالَ عُمَرُ: " تُنْكَحُ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ انْقِطَاعِ الْخَبَرِ " وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: تَصْبِرُ إلَى قِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَوْتِهِ وَانْقِضَاءِ مُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّا إنْ حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَهُوَ بَعِيدٌ، إذْ لِانْدِرَاسِ الْأَخْبَارِ أَسْبَابٌ سِوَى الْمَوْتِ لَا سِيَّمَا فِي الْخَامِلِ الذِّكْرِ النَّازِلِ الْقَدْرِ، وَإِنْ فَسَخْنَا فَالْفَسْخُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَعْذَارٌ وَعُيُوبٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ مِنْ إعْسَارٍ وَجَبٍّ وَعُنَّةٍ، فَإِذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ دَائِمَةً فَغَايَتُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْوَطْءِ، وَذَلِكَ فِي الْحَضْرَةِ لَا يُؤَثِّرُ فَكَذَلِكَ فِي الْغَيْبَةِ.
فَإِنْ قِيلَ سَبَبُ الْفَسْخِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهَا وَرِعَايَةُ جَانِبِهِمَا، فَيُعَارِضُهُ أَنَّ رِعَايَةَ جَانِبِهِ أَيْضًا وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ وَاجِبٌ وَفِي تَسْلِيمِ زَوْجَتِهِ إلَى غَيْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ وَلَعَلَّهُ مَحْبُوسٌ أَوْ مَرِيضٌ مَعْذُورٌ إضْرَارٌ بِهِ فَقَدْ تَقَابَلَ الضَّرَرَانِ وَمَا مِنْ سَاعَةٍ إلَّا وَقُدُومُ الزَّوْجِ فِيهَا مُمْكِنٌ فَلَيْسَ تَصْفُو هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ عَنْ مُعَارِضٍ.
وَكَذَلِكَ
стр. 177
اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ. وَلَوْ قِيلَ بِالْفَسْخِ مِنْ حَيْثُ تَعَذُّرُ إمْضَاءِ الْعَقْدِ فَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ مَصْلَحَةٍ لَا يَعْتَضِدُ بِأَصْلٍ مُعَيَّنٍ بَلْ تَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ الْمُعَيَّنَةُ، أَمَّا تَبَاعُدُ الْحَيْضَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ يَبْلُغْنَا خِلَافٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى التَّرَبُّصَ بِالْأَقْرَاءِ إلَّا عَلَى اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مِنْ الْآيَاتِ، مَا مِنْ لَحْظَةٍ إلَّا وَيُتَوَقَّعُ فِيهَا هُجُومُ الْحَيْضِ وَهِيَ شَابَّةٌ. فَمِثْلُ هَذَا الْقَدْرِ النَّادِرِ لَا يُسَلِّطُنَا عَلَى تَخْصِيصِ النَّصِّ، فَإِنَّا لَمْ نَرَ الشَّرْعَ يَلْتَفِتُ إلَى النَّوَادِرِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَكَانَ لَا يَبْعُدُ عِنْدِي لَوْ اكْتَفَى بِأَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهُوَ أَرْبَعُ سِنِينَ، لَكِنْ لَمَّا أُوجِبَتْ الْعِدَّةُ مَعَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى يَقِينِ الْبَرَاءَةِ غَلَبَ التَّعَبُّدُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ مِلْتُمْ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَى الْقَوْلِ بِالْمَصَالِحِ ثُمَّ أَوْرَدْتُمْ هَذَا الْأَصْلَ فِي جُمْلَةِ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ، فَلْيُلْحَقْ هَذَا بِالْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ لِيَصِيرَ أَصْلًا خَامِسًا بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ؟ قُلْنَا: هَذَا مِنْ الْأُصُولِ الْمَوْهُومَةِ، إذْ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَصْلٌ خَامِسٌ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّا رَدَدْنَا الْمَصْلَحَةَ إلَى حِفْظِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَمَقَاصِدُ الشَّرْعِ تُعْرَفُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. فَكُلُّ مَصْلَحَةٍ لَا تَرْجِعُ إلَى حِفْظِ مَقْصُودٍ فُهِمَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَانَتْ مِنْ الْمَصَالِحِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي لَا تُلَائِمُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ مُطَّرِحَةٌ، وَمَنْ صَارَ إلَيْهَا فَقَدْ شَرَّعَ كَمَا أَنَّ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ وَكُلُّ مَصْلَحَةٍ رَجَعَتْ إلَى حِفْظِ مَقْصُودٍ شَرْعِيٍّ عُلِمَ كَوْنُهُ مَقْصُودًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ خَارِجًا مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ، لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى قِيَاسًا بَلْ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، إذْ الْقِيَاسُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ وَكَوْنُ هَذِهِ الْمَعَانِي مَقْصُودَةً عُرِفَتْ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَا حَصْرَ لَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنُ الْأَحْوَالِ وَتَفَارِيقُ الْأَمَارَاتِ تُسَمَّى لِذَلِكَ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، وَإِذَا فَسَّرْنَا الْمَصْلَحَةَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ فَلَا وَجْهَ لِلْخِلَافِ فِي اتِّبَاعِهَا بَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ بِكَوْنِهَا حُجَّةً.
وَحَيْثُ ذَكَرْنَا خِلَافًا فَذَلِكَ عِنْدَ تَعَارُضِ مَصْلَحَتَيْنِ وَمَقْصُودَيْنِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَرْجِيحُ الْأَقْوَى؛ وَلِذَلِكَ قَطَعْنَا بِكَوْنِ الْإِكْرَاهِ مُبِيحًا لِكَلِمَةِ الرِّدَّةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ وَتَرْكِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْحَذَرَ مِنْ سَفْكِ الدَّمِ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَا يُبَاحُ بِهِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ مَحْذُورِ الْإِكْرَاهِ.
فَإِذًا مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ التَّرْجِيحُ، إذْ الشَّرْعُ مَا رَجَّحَ الْكَثِيرَ عَلَى الْقَلِيلِ فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ وَرَجَّحَ الْكُلَّ عَلَى الْجُزْءِ فِي قَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ. وَهَلْ يُرَجَّحُ الْكُلِّيُّ عَلَى الْجُزْئِيِّ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ؟ فِيهِ خِلَافٌ؛ وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ إظْهَارُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ فِي صِيغَةِ الْبُرْهَانِ، إذْ تَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ التُّرْسِ مُخَالَفَةُ مَقْصُودِ الشَّرْعِ حَرَامٌ وَفِي الْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ مُخَالَفَةٌ لِمَقْصُودِ الشَّرْعِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُنْكِرُ أَنَّ مُخَالَفَةَ مَقْصُودِ الشَّرْعِ حَرَامٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ مُخَالَفَةً قِيلَ: فَالْكَفُّ عَنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يُذْنِبْ مَقْصُودٌ وَفِي هَذَا مُخَالَفَةُ الْمَقْصُودِ. قُلْنَا: هَذَا مَقْصُودٌ وَقَدْ اُضْطُرِرْنَا إلَى مُخَالَفَةِ أَحَدِ الْمَقْصُودَيْنِ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْجِيحِ، وَالْجُزْئِيُّ مُحْتَقَرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْكُلِّيِّ، وَهَذَا جُزْئِيٌّ بِالْإِضَافَةِ، فَلَا يُعَارَضُ بِالْكُلِّيِّ. فَإِنْ قِيلَ مُسَلَّمٌ أَنَّ هَذَا جُزْئِيٌّ وَلَكِنْ يُسَلَّمُ أَنَّ الْجُزْئِيَّ مُحْتَقَرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْكُلِّيِّ، فَاحْتِقَارُ الشَّرْعِ لَهُ يُعْرَفُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ. قُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ لَا بِنَصٍّ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ بِتَفَارِيقِ أَحْكَامٍ وَاقْتِرَانِ
стр. 178
دَلَالَاتٍ لَمْ يَبْقَ مَعَهَا شَكٌّ فِي أَنَّ حِفْظَ خُطَّةِ الْإِسْلَامِ وَرِقَابَ الْمُسْلِمِينَ أَهَمُّ فِي مَقَاصِدِ الشَّرْعِ مِنْ حِفْظِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فِي سَاعَةٍ أَوْ نَهَارٍ وَسَيَعُودُ الْكُفَّارُ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، فَهَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ، كَمَا أَبَحْنَا أَكْلَ مَالِ الْغَيْرِ بِالْإِكْرَاهِ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْمَالَ حَقِيرٌ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الدَّمِ وَعُرِفَ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا فَهِمْتُمْ أَنَّ حِفْظَ الْكَثِيرِ أَهَمُّ مِنْ حِفْظِ الْقَلِيلِ فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ وَفِي الْإِكْرَاهِ وَفِي الْمَخْمَصَةِ قُلْنَا: لَمْ نَفْهَمْ ذَلِكَ، إذْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ شَخْصَانِ عَلَى قَتْلِ شَخْصٍ لَا يَحِلُّ لَهُمَا قَتْلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمِينَ أَكْلُ مُسْلِمٍ فِي الْمَخْمَصَةِ، فَمَنَعَ الْإِجْمَاعُ مِنْ تَرْجِيحِ الْكَثْرَةِ.
أَمَّا تَرْجِيحُ الْكُلِّيِّ فَمَعْلُومٌ إمَّا عَلَى الْقَطْعِ وَإِمَّا بِظَنٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْقَطْعِ يَجِبُ اتِّبَاعُ مِثْلِهِ فِي الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى خِلَافِهِ بِخِلَافِ الْكَثْرَةِ؛ إذْ الْإِجْمَاعُ فِي الْإِكْرَاهِ وَفِي الْمَخْمَصَةِ مَنَعَ مِنْهُ. فَبِهَذِهِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا يَجُوزُ اتِّبَاعُ الْمَصَالِحِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِصْلَاحَ لَيْسَ أَصْلًا خَامِسًا بِرَأْسِهِ بَلْ مَنْ اسْتَصْلَحَ فَقَدْ شَرَّعَ كَمَا أَنَّ مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ، وَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الِاسْتِصْلَاحَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَهَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْقُطْبِ الثَّانِي مِنْ الْأُصُولِ.
[الْقُطْبُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ مُثْمِرَاتِ الْأُصُولِ]
[صَدْر الْقُطْب الثَّالِث وَفِيهِ ثَلَاثَة فنون]
[الْفَنُّ الْأَوَّلُ فِي الْمَنْظُومِ وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالْوَضْعُ]
[الْمُقَدِّمَةُ وَتَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ فُصُولٍ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَبْدَإِ اللُّغَاتِ]
الْقُطْبُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ مُثْمِرَاتِ الْأُصُولِ
وَيَشْتَمِلُ هَذَا الْقُطْبُ عَلَى صَدْرٍ وَمُقَدِّمَةٍ وَثَلَاثَةِ فُنُونٍ. صَدْرُ الْقُطْبِ الثَّالِثِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقُطْبَ هُوَ عُمْدَةُ عِلْمِ الْأُصُولِ.
لِأَنَّ مَيْدَانَ سَعْيِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي اقْتِبَاس الْأَحْكَامِ مِنْ أُصُولِهَا وَاجْتِنَائِهَا مِنْ أَغْصَانِهَا إذْ نَفْسُ الْأَحْكَامِ لَيْسَتْ تَرْتَبِطُ بِاخْتِيَارِ الْمُجْتَهِدِينَ وَرَفْعُهَا وَوَضْعُهَا. وَالْأُصُولُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْعَقْلِ لَا مَدْخَلَ لِاخْتِيَارِ الْعِبَادِ فِي تَأْسِيسِهَا وَتَأْصِيلِهَا، وَإِنَّمَا مَجَالُ اضْطِرَابِ الْمُجْتَهِدِ وَاكْتِسَابِهِ اسْتِعْمَالُ الْفِكْرِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَاقْتِبَاسِهَا مِنْ مَدَارِكِهَا، وَالْمَدَارِكُ هِيَ الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَمَرْجِعُهَا إلَى الرَّسُولِ ﷺ ، إذْ مِنْهُ يُسْمَعُ الْكِتَابُ أَيْضًا وَبِهِ يُعْرَفُ الْإِجْمَاعُ. وَالصَّادِرُ مِنْهُ مِنْ مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ ثَلَاثَةٌ: إمَّا لَفْظٌ، وَإِمَّا فِعْلٌ، وَإِمَّا سُكُوتٌ وَتَقْرِيرٌ. وَنَرَى أَنْ نُؤَخِّرَ الْكَلَامَ فِي الْفِعْلِ وَالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمَا أَوْجَزُ وَاللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْحُكْمِ بِصِيغَتِهِ وَمَنْظُومِهِ، أَوْ بِفَحْوَاهُ وَمَفْهُومِهِ، أَوْ بِمَعْنَاهُ وَمَعْقُولِهِ، وَهُوَ الِاقْتِبَاسُ الَّذِي يُسَمَّى قِيَاسًا. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُنُونٍ الْمَنْظُومِ وَالْمَفْهُومِ وَالْمَعْقُولِ.
الْفَنُّ الْأَوَّلُ: فِي الْمَنْظُومِ وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالصِّيغَةِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَالْوَضْعُ.
وَيَشْتَمِلُ هَذَا الْفَنُّ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي الظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ، الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، الْقِسْمُ الرَّابِعُ: فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ. فَهَذَا صَدْرُ هَذَا الْقُطْبِ. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَتَشْتَمِلُ عَلَى سَبْعَةِ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَبْدَإِ اللُّغَاتِ أَنَّهُ اصْطِلَاحٌ أَمْ تَوْقِيفٌ، الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَنَّ اللُّغَةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي اللَّفْظِ الْمُفِيدِ وَغَيْرِ الْمُفِيدِ، الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي طَرِيقِ فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْ الْخِطَابِ عَلَى الْجُمْلَةِ، الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِي الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ.
стр. 179
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَبْدَإِ اللُّغَاتِ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ، إذْ كَيْفَ تَكُونُ تَوْقِيفًا وَلَا يُفْهَمُ التَّوْقِيفُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ صَاحِبِ التَّوْقِيفِ مَعْرُوفًا لِلْمُخَاطَبِ بِاصْطِلَاحٍ سَابِقٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، إذْ الِاصْطِلَاحُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِخِطَابٍ وَمُنَادَاةٍ وَدَعْوَةٍ إلَى الْوَضْعِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِلَفْظٍ مَعْرُوفٍ قَبْلَ الِاجْتِمَاعِ لِلِاصْطِلَاحِ وَقَالَ قَوْمٌ: الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّنْبِيهُ وَالْبَعْثُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ وَمَا بَعْدَهُ يَكُونُ بِالِاصْطِلَاحِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ النَّظَرَ فِي هَذَا إمَّا أَنْ يَقَعَ فِي الْجَوَازِ أَوْ فِي الْوُقُوعِ. أَمَّا الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ فَشَامِلٌ لِلْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ وَالْكُلُّ فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ. أَمَّا التَّوْقِيفُ فَبِأَنْ يَخْلُقَ الْأَصْوَاتَ وَالْحُرُوفَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ وَيَخْلُقَ لَهُمْ الْعِلْمَ بِأَنَّهَا قُصِدَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ وَالْقُدْرَةُ الْأَزَلِيَّةُ لَا تَقْصُرُ عَنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الِاصْطِلَاحُ فَبِأَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ دَوَاعِيَ جَمْعٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ لِلِاشْتِغَالِ بِمَا هُوَ مُهِمُّهُمْ وَحَاجَتُهُمْ مِنْ تَعْرِيفِ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهَا، فَيَبْتَدِئَ وَاحِدٌ وَيَتَّبِعَهُ الْآخَرُ حَتَّى يَتِمَّ الِاصْطِلَاحُ؛ بَلْ الْعَاقِلُ الْوَاحِدُ رُبَّمَا يَنْقَدِحُ لَهُ وَجْهُ الْحَاجَةِ وَإِمْكَانُ التَّعْرِيفِ بِتَأْلِيفِ الْحُرُوفِ فَيَتَوَلَّى الْوَضْعَ ثُمَّ يُعَرِّفُ الْآخَرِينَ بِالْإِشَارَةِ وَالتَّكْرِيرِ مَعَهَا لِلَّفْظِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، كَمَا يَفْعَلُ الْوَالِدَانِ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَكَمَا يَعْرِفُ الْأَخْرَسُ مَا فِي ضَمِيرِهِ بِالْإِشَارَةِ، وَإِذَا أَمْكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ أَمْكَنَ التَّرْكِيبُ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
أَمَّا الْوَاقِعُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَلَا مَطْمَعَ فِي مَعْرِفَتِهِ يَقِينًا إلَّا بِبُرْهَانٍ عَقْلِيٍّ أَوْ بِتَوَاتُرِ خَبَرٍ أَوْ سَمْعٍ قَاطِعٍ، وَلَا مَجَالَ لِبُرْهَانِ الْعَقْلِ فِي هَذَا وَلَمْ يُنْقَلْ تَوَاتُرٌ وَلَا فِيهِ سَمْعٌ قَاطِعٌ فَلَا يَبْقَى إلَّا رَجْمُ الظَّنِّ فِي أَمْرٍ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ تَعَبُّدٌ عَمَلِيٌّ وَلَا تُرْهِقُ إلَى اعْتِقَادِهِ حَاجَةٌ، فَالْخَوْضُ فِيهِ إذًا فُضُولٌ لَا أَصْلَ لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا:﴾ [البقرة: ٣١] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بِوَحْيٍ وَتَوْقِيفٍ، فَيَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ خِلَافِهِ. قُلْنَا: وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى الْوُقُوعِ أَيْضًا، إذْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ أَرْبَعَةُ احْتِمَالَاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ رُبَّمَا أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَاجَةَ إلَى الْوَضْعِ فَوَضَعَ بِتَدْبِيرِهِ وَفِكْرِهِ وَنُسِبَ ذَلِكَ إلَى تَعْلِيمِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْهَادِي وَالْمُلْهِمُ وَمُحَرِّكُ الدَّاعِيَةِ كَمَا تُنْسَبُ جَمِيعُ أَفْعَالِنَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى
الثَّانِي: أَنَّ الْأَسْمَاءَ رُبَّمَا كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِاصْطِلَاحٍ مِنْ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ آدَمَ مِنْ الْجِنِّ أَوْ فَرِيقٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا تَوَاضَعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَسْمَاءَ صِيغَةُ عُمُومٍ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ أَسْمَاءَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ دُونَ الْأَسَامِي الَّتِي حَدَثَتْ مُسَمَّيَاتُهَا بَعْدَ آدَمَ ﵇ مِنْ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْآلَاتِ، وَتَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى كُلَّهَا كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إذْ يَخْرُجُ عَنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ.
الرَّابِعُ أَنَّهُ بِمَا عَلِمَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ غَيْرَهُ ثُمَّ اصْطَلَحَ بَعْدَهُ أَوْلَادُهُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَاتِ الْمَعْهُودَةِ الْآنَ، وَالْغَالِبُ أَنَّ أَكْثَرَهَا حَادِثَةٌ بَعْدُ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا]
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمَّوْا الْخَمْرَ مِنْ الْعِنَبِ خَمْرًا؛ لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ الْعَقْلَ، فَيُسَمَّى النَّبِيذُ خَمْرًا لِتَحَقُّقِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا» وَسُمِّيَ الزَّانِي زَانِيًا؛ لِأَنَّهُ مُولِجٌ فَرْجَهُ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ اللَّائِطُ فِي إثْبَاتِ اسْمِ
стр. 180
الزَّانِي حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وَسُمِّيَ السَّارِقُ سَارِقًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ فِي خُفْيَةٍ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي النَّبَّاشِ فَيَثْبُتُ لَهُ اسْمُ السَّارِقِ قِيَاسًا حَتَّى يَدْخُلَ تَحْتَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ إنْ عَرَّفَتْنَا بِتَوْقِيفِهَا أَنَّا وَضَعْنَا الِاسْمَ لِلْمُسْكِرِ الْمُعْتَصَرِ مِنْ الْعِنَبِ خَاصَّةً فَوَضْعُهُ لِغَيْرِهِ تَقَوُّلٌ عَلَيْهِمْ وَاخْتِرَاعٌ فَلَا يَكُونُ لُغَتَهُمْ بَلْ يَكُونُ وَضْعًا مِنْ جِهَتِنَا، وَإِنْ عَرَّفَتْنَا أَنَّهَا وَضَعَتْهُ لِكُلِّ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ أَوْ يُخَمِّرُهُ، فَكَيْفَمَا كَانَ فَاسْمُ الْخَمْرِ ثَابِتٌ لِلنَّبِيذِ بِتَوْقِيفِهِمْ لَا بِقِيَاسِنَا، كَمَا أَنَّهُمْ عَرَّفُونَا أَنَّ كُلَّ مَصْدَرٍ فَلَهُ فَاعِلٌ، فَإِذَا سَمَّيْنَا فَاعِلَ الضَّرْبِ ضَارِبًا كَانَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ لَا عَنْ قِيَاسٍ، وَإِنْ سَكَتُوا عَنْ الْأَمْرَيْنِ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْخَمْرُ اسْمَ مَا يُعْتَصَرُ مِنْ الْعِنَبِ خَاصَّةً وَاحْتُمِلَ غَيْرُهُ فَلَمْ نَتَحَكَّمْ عَلَيْهِمْ وَنَقُولُ لُغَتُهُمْ هَذَا، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَضَعُونَ الِاسْمَ لِمَعَانٍ وَيُخَصِّصُونَهَا بِالْمَحَلِّ كَمَا يُسَمُّونَ الْفَرَسَ أَدْهَمَ لِسَوَادِهِ وَكُمَيْتًا لِحُمْرَتِهِ، وَالثَّوْبُ الْمُتَلَوِّنُ بِذَلِكَ اللَّوْنِ بَلْ الْآدَمِيُّ الْمُتَلَوِّنُ بِالسَّوَادِ لَا يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا وَضَعُوا الْأَدْهَمَ وَالْكُمَيْتَ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ بَلْ لِفَرَسٍ أَسْوَدَ وَأَحْمَرَ، وَكَمَا سَمَّوْا الزُّجَاجَ الَّذِي تَقَرُّ فِيهِ الْمَائِعَاتُ قَارُورَةً أَخْذًا مِنْ الْقَرَارِ وَلَا يُسَمُّونَ الْكُوزَ وَالْحَوْضَ قَارُورَةً، وَإِنْ قَرَّ الْمَاءُ فِيهِ.
فَإِذًا كُلُّ مَا لَيْسَ عَلَى قِيَاسِ التَّصْرِيفِ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُمْ بِالتَّوْقِيفِ فَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ وَوَضْعِهِ بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ أَطْنَبْنَا فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ أَسَاسِ الْقِيَاسِ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اللُّغَةَ وَضْعٌ كُلُّهَا وَتَوْقِيفٌ لَيْسَ فِيهَا قِيَاسٌ أَصْلًا.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ]
الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ
اعْلَمْ أَنَّ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى وَضْعِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ، وَالِاسْمُ يُسَمَّى عُرْفِيًّا بِاعْتِبَارَيْنِ
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوضَعَ الِاسْمُ لِمَعْنًى عَامٍّ ثُمَّ يُخَصِّصُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ذَلِكَ الِاسْمَ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، كَاخْتِصَاصِ اسْمِ الدَّابَّةِ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مَعَ أَنَّ الْوَضْعَ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ، وَاخْتِصَاصِ اسْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْعَالِمِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ مَعَ أَنَّ كُلَّ قَائِلٍ وَمُتَلَفِّظٍ مُتَكَلِّمٌ، وَكَاخْتِصَاصِ اسْمِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضِ الْمُتَعَلِّمِينَ مَعَ أَنَّ الْوَضْعَ عَامٌّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا " وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: ٣] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٤] وَقَالَ : ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]
الِاعْتِبَارُ الثَّانِي: أَنْ يَصِيرَ الِاسْمُ شَائِعًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا بَلْ فِيمَا هُوَ مَجَازٌ فِيهِ، كَالْغَائِطِ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْعَذِرَةِ الْبِنَاءُ الَّذِي يُسْتَتَرُ بِهِ وَتُقْضَى الْحَاجَةُ مِنْ وَرَائِهِ؛ فَصَارَ أَصْلُ الْوَضْعِ مَنْسِيًّا، وَالْمَجَازُ مَعْرُوفًا سَابِقًا إلَى الْفَهْمِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَذَلِكَ بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ. فَالْأَسَامِي اللُّغَوِيَّةُ إمَّا وَضْعِيَّةً وَإِمَّا عُرْفِيَّةً، أَمَّا مَا انْفَرَدَ الْمُحْتَرِفُونَ وَأَرْبَابُ الصِّنَاعَاتِ بِوَضْعِهِ لِأَدَوَاتِهِمْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى عُرْفِيًّا؛ لِأَنَّ مَبَادِئَ اللُّغَاتِ وَالْوَضْعَ الْأَصْلِيِّ كُلُّهَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَسَامِي اللُّغَوِيَّةِ عُرْفِيَّةً.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ]
ِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ.
قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: الْأَسْمَاءُ لُغَوِيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ؛ أَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الدِّينِيَّةُ فَمَا نَقَلَتْهُ الشَّرِيعَةُ إلَى أَصْلِ الدِّينِ كَلَفْظِ
الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَكَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ، وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي عَلَى إفْسَادِ مَذْهَبِهِمْ بِمَسْلَكَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ
следующие страницы →