← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 5459

المستصفى

أبو حامد الغزالي

Полный текст (381 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بَيْنَ أَنْ لَا يُعْتَادَ الْفِعْلُ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْتَادَ إطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الشَّيْءِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَعَادَةُ النَّاسِ تُؤَثِّرُ فِي تَعْرِيفِ مُرَادِهِمْ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ، حَتَّى إنَّ الْجَالِسَ عَلَى الْمَائِدَةِ يَطْلَبُ الْمَاءَ يُفْهَمُ مِنْهُ الْعَذْبُ الْبَارِدُ لَكِنْ لَا تُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ خِطَابِ الشَّارِعِ إيَّاهُمْ. التَّاسِعُ: مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ بِخِلَافِ الْعُمُومِ فَيُجْعَلُ مُخَصِّصًا عِنْدَ مَنْ يَرَى قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَقَدْ أَفْسَدْنَاهُ وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الرَّاوِي يَرْفَعُ الْعُمُومَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ مَذْهَبَ الرَّاوِي إذَا خَالَفَ رِوَايَتَهُ يُقَدَّمُ مَذْهَبُهُ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا أَفْسَدْنَاهُ، بَلْ الْحُجَّةُ فِي الْحَدِيثِ، وَمُخَالَفَتُهُ، وَتَأْوِيلُهُ، وَتَخْصِيصُهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَنَظَرٍ لَا نَرْتَضِيهِ فَلَا نَتْرُكَ الْحُجَّةَ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، بَلْ لَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا، وَأَخَذَ الرَّاوِي بِأَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ فَلَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ مَا لَمْ يَقُلْ: إنِّي عَرَفْتُهُ مِنْ التَّوْقِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَوَاهُ رَاوِيَانِ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِاحْتِمَالٍ آخَرَ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتْبَعَهُمَا أَصْلًا. الْعَاشِرُ: خُرُوجُ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى تَخَصُّصِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُرْضٍ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَاخْتِتَامُ هَذَا الْكِتَابِ بِذِكْرِ مَسْأَلَتَيْنِ فِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِالْقِيَاسِ. [مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْقُرْآنِ] اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ لِتَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: فَقَالَ بِتَقْدِيمِ الْعُمُومِ قَوْمٌ، وَبِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ قَوْمٌ، وَبِتَقَابُلِهِمَا، وَالتَّوَقُّفُ إلَى ظُهُورِ دَلِيلٍ آخَرَ قَوْمٌ وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ كَانَ الْعُمُومُ مِمَّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَقَدْ ضَعُفَ وَصَارَ مَجَازًا فَالْخَبَرُ أَوْلَى مِنْهُ، وَإِلَّا فَالْعُمُومُ أَوْلَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَرْجِيحِ الْعُمُومِ بِمَسْلَكَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ عُمُومَ الْكِتَابِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ؟ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ دُخُولَ أَصْلِ مَحَلِّ الْخُصُوصِ فِي الْعُمُومِ وَكَوْنَهُ مُرَادًا بِهِ مَظْنُونٌ ظَنًّا ضَعِيفًا يَسْتَنِدُ إلَى صِيغَةِ الْعُمُومِ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْوَاقِفِيَّةُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَكَيْفَ يَنْفَعُ كَوْنُ أَصْلِ الْكِتَابِ مَقْطُوعًا بِهِ فِيمَا لَا يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُرَادًا بِلَفْظِهِ؟ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَلَزِمَ تَكْذِيبُ الرَّاوِي قَطْعًا، وَلَا شَكَّ فِي إمْكَانِ صِدْقِهِ. فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ نَقَلَ النَّسْخَ فَصِدْقُهُ أَيْضًا مُمْكِنٌ، وَلَا يُقْبَلُ. قُلْنَا: لَا جَرَمَ لَا يُعَلَّلُ رَدُّهُ بِكَوْنِ الْآيَةِ مَقْطُوعًا بِهَا لِأَنَّ دَوَامَ حُكْمِهَا إنَّمَا يُقْطَعُ بِهِ بِشَرْطِ أَلَّا يَرِدَ نَاسِخٌ فَلَا يَبْقَى الْقَطْعُ مَعَ وُرُودِهِ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مَنَعَ مِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّخْصِيصِ. الثَّالِثُ: أَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ مَقْطُوعٌ بِهَا ثُمَّ تُرْفَعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ، وَمَاءُ الْبَحْرِ مَقْطُوعٌ بِطَهَارَتِهِ إذَا جُعِلَ فِي كُوزٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ بِأَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعُمُومُ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ خَاصٌّ. الرَّابِعُ: أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الِاحْتِمَالُ فِي صِدْقِ الرَّاوِي، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي اعْتِقَادِ صِدْقِهِ؛ فَإِنَّ سَفْكَ الدَّمِ، وَتَحْلِيلَ الْبُضْعِ وَاجِبٌ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ قَطْعًا مَعَ أَنَّا لَا نَقْطَعُ بِصِدْقِهِمَا، فَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَكَوْنُ الْعُمُومِ مُسْتَغْرِقًا غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرٍ لَا يُقَابِلُ عُمُومَ الْقُرْآنِ. قُلْنَا: يُقَابِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومٍ لَا يُخَصِّصُهُ حَدِيثٌ نَصَّ بِنَقْلِهِ عَدْلٌ، وَلَا فَصْلَ بَيْن الْكَلَامَيْنِ

стр. 247

الْمَسْلَكُ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَدِيثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَسْخًا أَوْ بَيَانًا، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بَيَانًا فَمُحَالٌ إذْ الْبَيَانُ مَا يَقْتَرِنُ بِالْمُبَيَّنِ، وَمَا يُعَرِّفُهُ الشَّارِعُ أَهْلَ التَّوَاتُرِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ بِهِ. قُلْنَا: هُوَ بَيَانٌ، وَلَا يَجِبُ اقْتِرَانُ الْبَيَانِ بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عِنْدَنَا، وَمَا يُدْرِيهِمْ أَنَّهُ وَقَعَ مُتَرَاخِيًا فَلَعَلَّهُ كَانَ مُقْتَرِنًا، وَالرَّاوِي لَمْ يَرْوِ اقْتِرَانَهُ؟ كَيْفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ وُرُودِ آيَةِ السَّرِقَةِ لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ مِنْ الْحِرْزِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يُلْقِيَهُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَتَحَكُّمٌ، بَلْ إذَا لَمْ يُكَلِّفْهُمْ الْعَلْمَ بَلْ الْعَمَلَ جَازَ تَكْلِيفُهُمْ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ مَا يُدْرِيهِمْ فَلَعَلَّهُ أَلْقَاهُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ فَمَاتُوا قَبْلَ النَّقْلِ أَوْ نَسُوا أَوْ هُمْ فِي الْأَحْيَاءِ لَكِنَّا مَا لَقِينَا مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا. حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ذَهَبَتْ إلَيْهِ إذْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَخَالَتِهَا، فَخَصَّصُوا بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وَخَصَّصُوا عُمُومَ آيَةِ الْمَوَارِيثِ بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ، وَالْعَبْدُ، وَلَا أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَرَفَعُوا عُمُومَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَرَفَعُوا عُمُومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى: «حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا» إلَى نَظَائِرَ لِذَلِكَ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى. الِاعْتِرَاضُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَاطِعًا بِأَنَّهُمْ رَفَعُوا الْعُمُومَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الرَّاوِي، بَلْ رُبَّمَا قَامَتْ الْحُجَّةُ عِنْدَهُمْ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأُمُورٍ وَقَرَائِنَ، وَأَدِلَّةٍ سِوَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، كَمَا نُقِلَ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ تَحَوَّلُوا عَنْ الْقِبْلَةِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ، وَهُوَ نَسْخٌ لَكِنَّهُمْ لَعَلَّهُمْ عَرَفُوا صِدْقَهُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ فِي جِوَارِ النَّبِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْكَذِبُ فِيهِ. حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّ الْعُمُومَ وَحْدَهُ دَلِيلٌ مَقْطُوعُ الْأَصْلِ مَظْنُونُ الشُّمُولِ، وَالْخَبَرُ وَحْدَهُ مَظْنُونُ الْأَصْلِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى، وَهُمَا مُتَقَابِلَانِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّرْجِيحِ فَيَتَعَارَضَانِ، وَالرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ أَوْلَى لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إلَى عَدْلٍ وَاحِدٍ فِي الرِّوَايَةِ لِمَا هُوَ نَصٌّ كَسُكُونِهَا إلَى عَدْلَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ، أَمَّا اقْتِضَاءُ آيَةِ الْمَوَارِيثِ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ، وَالْكَافِرِ ضَعِيفٌ وَكَلَامُ مَنْ يَدَّعِي إجْمَالَ الْعُمُومِ قَوِيٌّ وَاقِعٌ وَكَلَامُ مَنْ يُنْكِرُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ وَلِذَلِكَ تُرِكَ تَوْرِيثُ فَاطِمَةَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» الْحَدِيثَ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ تَقْدِيرَ كَذِبِ أَبِي بَكْرٍ وَكَذِبِ كُلِّ عَدْلٍ أَبْعَدُ فِي النَّفَسِ مِنْ تَقْدِيرِ كَوْنِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ مَسُوقَةً لِتَقْدِيرِ الْمَوَارِيثِ لَا لِلْقَصْدِ إلَى بَيَانِ حُكْمِ النَّبِيِّ ﵇، وَالْقَاتِلُ، وَالْعَبْدُ، وَالْكَافِرُ، وَهَذِهِ النَّوَادِرُ. [مَسْأَلَة قِيَاسُ نَصٍّ خَاصٍّ إذَا قَابَلَ عُمُومَ نَصٍّ آخَرَ] فَالذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ حُجَّةٌ لَوْ انْفَرَدَ، وَالْقِيَاسَ حُجَّةٌ لَوْ انْفَرَدَ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ إلَى تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ، وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ، وَابْنُهُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْفُقَهَاءِ إلَى تَقْدِيمِ الْعُمُومِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ إلَى التَّوَقُّفِ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ. وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَدَّمُ عَلَى الْعُمُومِ جَلِيُّ الْقِيَاسِ دُونَ خَفِيِّهِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ عَلَى عُمُومٍ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ دُونَ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ حُجَجُ مَنْ قَدَّمَ الْعُمُومَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى: أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ، وَالْعُمُومَ أَصْلٌ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ فَرْعٌ

стр. 248

عَلَى أَصْلٍ؟ الِاعْتِرَاضُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ نَصٍّ آخَرَ لَا فَرْعُ النَّصِّ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَالنَّصُّ تَارَةً يُخَصَّصُ بِنَصٍّ آخَرَ، وَتَارَةً بِمَعْقُولِ نَصٍّ آخَرَ، وَلَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إلَّا مَعْقُولُ النَّصِّ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهِمُ الْمُرَادَ مِنْ النَّصِّ، وَاَللَّهُ هُوَ الْوَاضِعُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى مَعْنَى النَّصِّ إلَّا أَنَّهُ مَظْنُونُ نَصٍّ كَمَا أَنَّ الْعُمُومَ، وَتَنَاوُلَهُ لِلْمُسَمَّى الْخَاصِّ مَظْنُونُ نَصٍّ آخَرَ، فَهُمَا ظَنَّانِ فِي نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِذَا خَصَّصْنَا بِقِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ عُمُومَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لَمْ نُخَصِّصْ الْأَصْلَ بِفَرْعِهِ فَإِنَّ الْأُرْزَ فَرْعُ حَدِيثِ الْبُرِّ لَا فَرْعُ آيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُخَصَّصَ الْقُرْآنُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ فَرْعٌ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِأَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ، وَسُنَّةٍ فَيَكُونُ فَرْعًا لَهُ فَقَدْ سَلَّمَ التَّخْصِيصَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَنْ لَا يُسَلِّمُ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ فَهَذَا لَازِمٌ لَهُمْ. فَإِنْ قِيلَ: خَبَر الْوَاحِد ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ. قُلْنَا: وَكَوْنُ الْقِيَاسِ حُجَّةً ثَبَتَ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ لَا مُسْتَنَدَ لِلْإِجْمَاعِ سِوَى النَّصِّ، فَهُوَ فَرْعُ الْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ فَرْعُ النَّصِّ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إنَّمَا يُطْلَبُ بِالْقِيَاسِ حُكْمُ مَا لَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ، فَمَا هُوَ مَنْطُوقٌ بِهِ كَيْفَ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ؟ الِاعْتِرَاضُ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ كَالنُّطْقِ بِالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ، لِأَنَّ زَيْدًا فِي قَوْلِهِ: ﴿فاُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لَيْسَ كَقَوْلِهِ اُقْتُلُوا زَيْدًا، وَالْأُرْزُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لَيْسَ كَقَوْلِهِ: " يَحِلُّ بَيْعُ الْأُرْزِ بِالْأُرْزِ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا " فَإِذَا كَانَ كَوْنُهُ مُرَادًا بِآيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ مَشْكُوكًا فِيهِ كَانَ كَوْنُهُ مَنْطُوقًا بِهِ مَشْكُوكًا فِيهِ لِأَنَّ الْعَامَّ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَانَ ذَلِكَ نُطْقًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَمْ يَكُنْ نُطْقًا بِمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَوَازُ تَخْصِيصِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ الْقَاطِعِ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَابِلَ النُّطْقَ الصَّرِيحَ مِنْ الشَّارِعِ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَا تَتَعَارَضُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا أَخْرَجَهُ الْعَقْلُ عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعُمُومِ قُلْنَا: تَحْتَ لَفْظِهِ أَوْ تَحْتَ الْإِرَادَةِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: تَحْتَ اللَّفْظِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَيْءٌ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ اللَّفْظِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ فَكَذَلِكَ دَلِيلُ الْقِيَاسِ يُعَرِّفُنَا ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ لِمُعَاذٍ: بِمَ تَحْكُمُ؟ فَقَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي» . فَجَعَلَ الِاجْتِهَادَ مُؤَخَّرًا، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى الْكِتَابِ؟ قُلْنَا: كَوْنُهُ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِهِ مُرَادًا بِالْعُمُومِ، وَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَكَوْنُهُ فِي الْكِتَابِ مَشْكُوكٌ فِيهِ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ لِمُعَاذٍ تَرْكُ الْعُمُومِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ، وَنَصُّ الْكِتَابِ لَا يُتْرَكُ بِالسُّنَّةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ بَيَانًا لِمَعْنَى الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ يُبَيِّنُ الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةُ تُبَيِّنُ السُّنَّةَ تَارَةً بِلَفْظٍ، وَتَارَةً بِمَعْقُولِ لَفْظٍ. ثُمَّ نَقُولُ: حُكْمُ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ يُتْرَكُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِقِيَاسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ فَيَصِيرَ مَشْكُوكًا فِيهِ مَعَهُ، فَكَذَلِكَ الْعُمُومُ. حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْقِيَاسِ اثْنَتَانِ الْأُولَى: أَنَّ الْعُمُومَ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ، وَالْخُصُوصَ وَالِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْقِيَاسُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ بِالنَّصِّ الْخَاصِّ مَعَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مَجَازًا، وَمُؤَوَّلًا فَالْقِيَاسُ أَوْلَى. الِاعْتِرَاضُ أَنَّ احْتِمَالَ الْغَلَطِ فِي الْقِيَاسِ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ احْتِمَالِ مَا ذُكِرَ فِي الْعُمُومِ مِنْ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ، وَالْمَجَازِ، بَلْ ذَلِكَ

стр. 249

مَوْجُودٌ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَزِيَادَةُ ضَعْفِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ، وَالْمَجَازِ إذْ الْقِيَاسُ رُبَّمَا يَكُونُ مُنْتَزَعًا مِنْ خَبَرِ وَاحِدٍ، فَيَتَطَرَّقُ الِاحْتِمَالُ إلَى أَصْلِهِ،، وَرُبَّمَا اسْتَنْبَطَهُ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا حُكْمَ لِاجْتِهَادِ غَيْرِ الْأَهْلِ، وَالْعُمُومُ لَا يَسْتَنِدُ إلَى اجْتِهَادٍ، وَرُبَّمَا يَسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِمَا يَظُنُّهُ دَلِيلًا، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، وَرُبَّمَا لَا يَسْتَوْفِي جَمِيعَ أَوْصَافِ الْأَصْلِ، فَيَشِذَّ عَنْهُ وَصْفٌ دَاخِلٌ فِي الِاعْتِبَارِ، وَرُبَّمَا يَغْلَطُ فِي إلْحَاقِ الْفَرْعِ بِهِ لِفَرْقٍ دَقِيقٍ بَيْنَهُمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ فَمَظِنَّةُ الِاحْتِمَالِ، وَالْغَلَطِ فِي الْقِيَاسِ أَكْثَرُ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ جَمْعٌ بَيْنَ الْقِيَاسِ، وَبَيْنَ الْكِتَابِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا أَوْ تَعْطِيلِهِمَا، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّقَابُلُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ بَلْ رَفْعٌ لِلْعُمُومِ، وَتَجْرِيدٌ لِلْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ حُجَّةُ الْوَاقِفِيَّةِ: قَالُوا: إذَا بَطَلَ كَلَامُ الْمُرَجِّحِينَ كَمَا سَبَقَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسِ، وَالْعُمُومِ دَلِيلٌ لَوْ انْفَرَدَ، وَقَدْ تَقَابَلَا، وَلَا تَرْجِيحَ، فَهَلْ يَبْقَى إلَّا التَّوَقُّفُ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إمَّا أَنْ يُدْرَكَ بِعَقْلٍ أَوْ نَقْلٍ، وَالْعَقْلُ إمَّا نَظَرِيٌّ أَوْ ضَرُورِيٌّ، وَالنَّقْلُ إمَّا تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَيَجِبُ طَلَبُ دَلِيلٍ آخَرَ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّعْيِينِ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ قَبْلَ الْقَاضِي إلَى التَّوَقُّفِ، أَجَابَ الْقَاضِي: بِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِبُطْلَانِ التَّوَقُّفِ قَطْعًا، وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَأَى تَرْجِيحًا. وَالْإِجْمَاعُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَيْفَ، وَمَنْ لَا يَقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ مُخَالِفِهِ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ كَيْفَ يَقْطَعُ بِخَطَئِهِ إنْ تَوَقَّفَ حُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ جَلِيِّ الْقِيَاسِ، وَخَفِيِّهِ: وَهِيَ أَنَّ جَلِيَّ الْقِيَاسِ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْعُمُومِ، وَالْخَفِيُّ ضَعِيفٌ. ثُمَّ حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْجَلِيَّ بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَالْخَفِيَّ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْجَلِيَّ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَقْضِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ» ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِمَا يُدْهِشُ الْعَقْلَ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ حَتَّى يَجْرِيَ فِي الْجَائِعِ، وَالْحَاقِنِ، خَفِيٌّ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، فَإِنَّ الْعُمُومَ يُفِيدُ ظَنًّا، وَالْقِيَاسَ يُفِيدُ ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَقْوَى فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، فَيَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ الْأَقْوَى، وَالْعُمُومُ تَارَةً يَضْعُفُ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمُخْرَجُ مِنْهُ، وَيَتَطَرَّقَ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَإِنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِ ﵇: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ» عَلَى تَحْرِيمِ الْأُرْزِ، وَالتَّمْرِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ هَذَا الْعُمُومِ عَلَى تَحْلِيلِهِ. وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَخُصِّصَ بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُ التَّعْلِيلُ بِالْإِسْكَارِ فَلَوْ لَمْ يَرِدْ خَبَرٌ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ لَكَانَ إلْحَاقُ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ بِقِيَاسِ الْإِسْكَارِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ بَقَائِهِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَآيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ لِكَثْرَةِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُمَا، وَلِضَعْفِ قَصْدِ الْعُمُومِ فِيهِمَا، وَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي أَمْثَالِهِ دُونَ مَا بَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَكِنْ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَيْضًا فِيمَا بَقِيَ عَامًّا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ الْعُمُومَاتِ بِالْإِضَافَةِ إلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ تَخْتَلِفُ فِي الْقُوَّةِ لِاخْتِلَافِهَا فِي ظُهُورِ إرَادَةِ قَصْدِ ذَلِكَ

стр. 250

الْمُسَمَّى بِهَا، فَإِنْ تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَقْوَى الْعُمُومَيْنِ. ، وَكَذَلِكَ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَقَابَلَا قَدَّمْنَا أَجْلَاهُمَا، وَأَقْوَاهُمَا، فَكَذَلِكَ الْعُمُومُ، وَالْقِيَاسُ إذَا تَقَابَلَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسٌ قَوِيٌّ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ عُمُومٍ ضَعِيفٍ أَوْ عُمُومٌ قَوِيٌّ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قِيَاسٍ ضَعِيفٍ فَنُقَدِّمُ الْأَقْوَى، وَإِنْ تَعَادَلَا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي إذْ لَيْسَ كَوْنُ هَذَا عُمُومًا أَوْ كَوْنُ ذَلِكَ قِيَاسًا مِمَّا يُوجِبُ تَرْجِيحًا لِعَيْنِهِمَا بَلْ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِمَا فَمَذْهَبُ الْقَاضِي صَحِيحٌ بِهَذَا الشَّرْطِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي تَخْصِيصٍ بِقِيَاسٍ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْكِتَابِ إذَا خُصِّصَ بِهِ عُمُومُ الْكِتَابِ، فَهَلْ يَجْرِي فِي قِيَاسٍ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْأَخْبَارِ؟ قُلْنَا: نِسْبَةُ قِيَاسِ الْكِتَابِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ كَنِسْبَةِ قِيَاسِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ إلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَكَنِسْبَةِ قِيَاسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إلَى عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْكُلِّ، وَكَذَا قِيَاسُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَقِيَاسُ نَصِّ الْكِتَابِ بِالْإِضَافَةِ إلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ؛ أَمَّا قِيَاسُ خَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا عَارَضَ عُمُومَ الْقُرْآنِ فَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الْكِتَابِ عِنْدَ مَنْ لَا يُقَدِّمُ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْقُرْآنِ، أَمَّا مَنْ يُقَدِّمُ الْخَبَرَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي قِيَاسِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ ازْدَادَ ضَعْفًا، وَبُعْدًا، وَمَا فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، وَالْمَعْلُومُ بِالنَّظَرِ الْجَلِيِّ قَرِيبٌ مِنْ الْأَصْلِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى فِي النَّفْسِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْ ظَنِّ الْعُمُومِ فَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى الْمُجْتَهِدِ. فَإِنْ قِيلَ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ جِنْسِ الْخِلَافِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ أَوْ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ؟ قُلْنَا: يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِخَطَإِ الْمُخَالِفِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ، وَعِنْدِي أَنَّ إلْحَاقَ هَذَا بِالْمُجْتَهَدَات أَوْلَى فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ فِيهِ مُتَقَارِبَةٌ غَيْرُ بَالِغَةٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ وَوَقْتِ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ وَفِيهِ فُصُولٌ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي التَّعَارُضِ] الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ، وَوَقْتِ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ، وَفِيهِ فُصُولٌ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي التَّعَارُضِ اعْلَمْ أَنَّ الْمُهِمَّ الْأَوَّلَ مَعْرِفَةُ مَحَلِّ التَّعَارُضِ، فَنَقُولُ كُلُّ مَا دَلَّ الْعَقْلُ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ لِلتَّعَارُضِ فِيهِ مَجَالٌ إذْ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ يَسْتَحِيلُ نَسْخُهَا، وَتَكَاذُبُهَا، فَإِنْ وَرَدَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْعَقْلِ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فَيُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا، فَيَكُونَ مُؤَوَّلًا، وَلَا يَكُونَ مُتَعَارِضًا. وَأَمَّا نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَالتَّأْوِيلَ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلِ الْعَقْلِ فَذَلِكَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ، وَالْبُطْلَانَ، مِثَالُ ذَلِكَ الْمُؤَوَّلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] إذْ خَرَجَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ذَاتُ الْقَدِيمِ وَصِفَاتُهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] إذْ مَعْنَاهُ مَا لَا يَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا أَيْ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] إذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُجَاهَدَةَ كَائِنَةً، وَحَاصِلَةً، وَفِي الْأَزَلِ لَا يُوصَفُ عِلْمُهُ بِتَعَلُّقِهِ بِحُصُولِ الْمُجَاهَدَةِ قَبْلَ حُصُولِهَا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ؛ لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الْكَذِبُ دُونَ الْإِيجَادِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تُقَدِّرُ

стр. 251

وَالْخَلْقُ هُوَ التَّقْدِيرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] أَيْ: الْمُقَدِّرِينَ، وَهَكَذَا أَبَدًا تَأْوِيلُ مَا خَالَفَ دَلِيلَ الْعَقْلِ أَوْ خَالَفَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى عُمُومِهِ. أَمَّا الشَّرْعِيَّاتُ فَإِذَا تَعَارَضَ فِيهَا دَلِيلَانِ فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِيلَ الْجَمْعُ أَوْ يُمْكِنَ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمْعُ لِكَوْنِهِمَا مُتَنَاقِضَيْنِ كَقَوْلِهِ مَثَلًا «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَلَا تَقْتُلُوهُ. «لَا يَصِحُّ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ» ، " يَصِحُّ نِكَاحٌ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ". فَمِثْلُ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا، وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا، فَإِنْ أَشْكَلَ التَّارِيخُ فَيُطْلَبُ الْحُكْمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَيُقَدَّرُ تَدَافُعُ النَّصَّيْنِ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَنَتَخَيَّرُ الْعَمَلَ بِأَيِّهِمَا شِئْنَا؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَاتِ أَرْبَعَةٌ: الْعَمَلُ بِهِمَا، وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، أَوْ اطِّرَاحُهُمَا، وَهُوَ إخْلَاءُ الْوَاقِعَةِ عَنْ الْحُكْمِ، وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، أَوْ اسْتِعْمَالُ وَاحِدٍ بِغَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ تَحَكُّمٌ، فَلَا يَبْقَى إلَّا التَّخَيُّرُ الَّذِي يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ ابْتِدَاءً فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ كَلَّفَنَا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ لَنَصَّبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَلَجَعَلَ لَنَا إلَيْهِ سَبِيلًا، إذْ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ. ، وَفِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ مَزِيدُ غَوْرٍ سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ تَخَيُّرِ الْمُجْتَهِدِ، وَتَحَيُّرِهِ. أَمَّا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِوَجْهٍ مَا فَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: عَامٌّ، وَخَاصٌّ، كَقَوْلِهِ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» مَعَ قَوْلِهِ: «لَا صَدَقَةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنَّ التَّعَارُضَ وَاقِعٌ لِإِمْكَانِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا نَسْخًا بِتَقْدِيرِ إرَادَةِ الْعُمُومِ بِالْعَامِّ، وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُجْعَلَ بَيَانًا، وَلَا يُقَدَّرُ النَّسْخُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَإِنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ دُخُولِ مَا دُونَ النِّصَابِ تَحْتَ وُجُوبِ الْعُشْرِ ثُمَّ خُرُوجِهِ مِنْهُ، وَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِهِ بِالتَّوَهُّمِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْمُؤَوَّلُ قَوِيًّا فِي الظُّهُورِ بَعِيدًا عَنْ التَّأْوِيلِ لَا يَنْقَدِحُ تَأْوِيلُهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ، فَكَلَامُ الْقَاضِي فِيهِ أَوْجَهُ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ: ﵇: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ كَالصَّرِيحِ فِي نَفْيِ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِوَايَةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي قَوْلِهِ: «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» صَرِيحٌ فِي إثْبَاتِ رِبَا الْفَضْلِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» أَيْ: فِي مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ، وَيَكُونُ قَدْ خَرَجَ عَلَى سُؤَالٍ خَاصٍّ عَنْ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَوْ حَاجَةٍ خَاصَّةٍ حَتَّى يَنْقَدِحَ الِاحْتِمَالُ، وَالْجَمْعُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ مُمْكِنٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ، وَإِنْ بَعُدَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ النَّسْخِ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ: قَطْعُكُمْ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَيْنِ تَحَكُّمٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَاطِعٌ، وَيُخَالِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِلظَّنِّ، وَالتَّحَكُّمُ بِتَقْدِيرٍ لَيْسَ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَلَا ظَنِّيٌّ لَا وَجْهَ لَهُ. قُلْنَا: يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ ضَرُورَةُ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّسْخِ، فَيَقُولُ: فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَقْدِيرِ النَّسْخِ، وَلَيْسَ فِي إثْبَاتِهِ ارْتِكَابُ مُحَالٍ، وَلَا مُخَالَفَةُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَلَا ظَنِّيٍّ؟ ، وَفِيمَا ذَكَرْتُمْ مُخَالَفَةُ صِيغَةِ الْعُمُومِ، وَدَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَهُوَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، فَمَا هُوَ الْخَوْفُ، وَالْحَذَرُ مِنْ النَّسْخِ، وَإِمْكَانُهُ كَإِمْكَانِ الْبَيَانِ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: الْبَيَانُ أَغْلَبُ عَلَى عَادَةِ الرَّسُولِ ﵇ مِنْ النَّسْخِ، وَهُوَ أَكْثَرُ وُقُوعًا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِالِاحْتِمَالِ الْأَكْثَرِ؟ وَإِذَا اشْتَبَهَتْ رَضِيعَةٌ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ فَالْأَكْثَرُ حَلَالٌ، وَإِذَا اشْتَبَهَ إنَاءٌ نَجِسٌ بِعَشْرِ أَوَانٍ طَاهِرَةٍ فَلَا تَرْجِيحَ لِلْأَكْثَرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَالدَّلِيلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ وَاحِدًا، وَيُقَدِّرَ حِلَّهُ أَوْ طَهَارَتَهُ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُ أَكْثَرُ. لَكِنَّا نَقُولُ: الظَّنُّ

стр. 252

عِبَارَةٌ عَنْ أَغْلَبِ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُورِثُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ صِدْقَ الْعَدْلِ أَكْثَرُ، وَأَغْلَبُ مِنْ كَذِبِهِ وَصِيغَةُ الْعُمُومِ تُتَّبَعُ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ أَغْلَبُ، وَأَكْثَرُ مِنْ وُقُوعِ غَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْعِ، وَالْأَصْلِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِبُطْلَانِهِ فِي الْأَقْيِسَةِ الظَّنِّيَّةِ لَكِنَّ الْجَمْعَ أَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ، وَاتِّبَاعُ الظَّنِّ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ لَا لِكَوْنِهِ ظَنًّا لَكِنْ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ بِهِ، وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، فَكَذَا نَعْلَمُ مِنْ سِيرَةِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ مَا اعْتَقَدُوا كَوْنَ غَيْرِ الْقُرْآنِ مَنْسُوخًا مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ عَامٌّ لَمْ يُخَصَّصْ إلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ، وَأَلْفَاظٌ نَادِرَةٌ، بَلْ قَدَّرُوا جُمْلَةَ ذَلِكَ بَيَانًا، وَوَرَدَ الْعَامُّ، وَالْخَاصُّ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَا يَتَطَرَّقُ النَّسْخُ إلَى الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠] تَخْصِيصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ، وَتَخْصِيص قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ، وَ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] ، وَ ﴿يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ، وَكَانُوا لَا يَنْسَخُونَ إلَّا بِنَصٍّ، وَضَرُورَةٍ أَمَّا بِالتَّوَهُّمِ فَلَا. وَلَعَلَّ السَّبَبَ أَنَّ فِي جَعْلِهِمَا مُتَضَادَّيْنِ إسْقَاطَهُمَا إذَا لَمْ يُظْهِرْ التَّارِيخُ، وَفِي جَعْلِهِ بَيَانًا اسْتِعْمَالَهُمَا، وَإِذَا تَخَيَّرْنَا بَيْنَ الِاسْتِعْمَالِ، وَالْإِسْقَاطِ فَالِاسْتِعْمَالُ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ الْإِسْقَاطُ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ أَيْضًا إنَّمَا يُقَدِّرُ النَّسْخَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُظْهِرَ دَلَالَةً عَلَى إرَادَةِ الْبَيَانِ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» عَامٌّ يُعَارِضُهُ خُصُوصُ قَوْلِهِ ﷺ : «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ؛ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يُقَدِّرُهُ نَسْخًا بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَثْبُتَ فِي اللِّسَانِ اخْتِصَاصُ اسْمِ الْإِهَابِ بِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ فَقَدْ قِيلَ: مَا لَمْ يُدْبَغْ الْجِلْدُ يُسَمَّى إهَابًا فَإِذَا دُبِغَ فَأَدِيمٌ وَصَرْمٌ، وَغَيْرُهُ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ. الثَّانِي: أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵇ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَيْمُونَةَ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: «أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ، وَانْتَفَعُوا بِهِ» وَكَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا لِكَوْنِهَا مَيْتَةً، ثُمَّ كَتَبَ «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ، وَلَا عَصَبٍ» فَسَاقَ الْحَدِيثَ سِيَاقًا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ جَرَى مُتَّصِلًا، فَيَكُونُ بَيَانًا لَا نَاسِخًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ النَّسْخِ التَّرَاخِي. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ التَّعَارُضِ: أَنْ يَتَعَارَضَ عُمُومَانِ، فَيَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ، وَيَنْقُصُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ: ﵇ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ النِّسَاءَ، مَعَ قَوْلِهِ: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْمُرْتَدَّاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «نُهِيتُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ» فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْفَائِتَةَ أَيْضًا، مَعَ قَوْلِهِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْمُسْتَيْقِظَ بَعْدَ الْعَصْرِ. ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمْعَ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَإِنَّهُ يَحِلُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِعُمُومِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّصَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] بِجَمْعِ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي تَعَارُضٌ، وَتَدَافُعٌ بِتَقْدِيرِ النَّسْخِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ ﵄ لَمَّا سُئِلَا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي: جَمْعَ أُخْتَيْنِ

стр. 253

فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَا: " حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ، وَحَلَّلَتْهُمَا آيَةٌ ". أَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فِي حَمْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ مَا أَمْكَنَ لَيْسَ أَيْضًا أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ، وَقَدْ ظَهَرَ، فَنَقُولُ: حِفْظُ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] أَوْلَى لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عُمُومٌ لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ تَخْصِيصٌ مُتَّفَقٌ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ عُمُومٍ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ بِالِاتِّفَاقِ، إذْ قَدْ اُسْتُثْنِيَ عَنْ تَحْلِيلِ مِلْكِ الْيَمِينِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةِ، وَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَالنَّسَبِ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، أَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَحَرَامٌ عَلَى الْعُمُومِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] سِيقَ بَعْدَ ذِكْرِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَعَدِّهَا عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ إلْحَاقًا لِمُحَرَّمَاتٍ تَعُمُّ الْحَرَائِرَ، وَالْإِمَاءَ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] مَا سِيقَ لِبَيَانِ الْمُحَلَّلَاتِ قَصْدًا بَلْ فِي مَعْرَضِ الثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِ التَّقْوَى الْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ عَنْ غَيْرِ الزَّوْجَاتِ، وَالسَّرَارِي فَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ قَصْدُ الْبَيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَارَضَ عُمُومَانِ، وَيَخْلُوَا عَنْ دَلِيلِ التَّرْجِيحِ؟ قُلْنَا قَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التُّهْمَةِ، وَوُقُوعِ الشُّبْهَةِ لِتَنَاقُضِ الْكَلَامَيْنِ، وَهُوَ مُنَفِّرٌ عَنْ الطَّاعَةِ، وَالِاتِّبَاعِ، وَالتَّصْدِيقِ، وَهَذَا فَاسِدٌ بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُبَيَّنًا لِأَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْنَا لِطُولِ الْمُدَّةِ، وَانْدِرَاسِ الْقَرَائِنِ، وَالْأَدِلَّةِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِحْنَةً، وَتَكْلِيفًا عَلَيْنَا لِنَطْلُبَ الدَّلِيلَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ تَرْجِيحٍ أَوْ نَتَخَيَّرَ، وَلَا تَكْلِيفَ فِي حَقِّنَا إلَّا بِمَا بَلَغَنَا فَلَيْسَ فِيهِ مُحَالٌ، وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّنْفِيرِ، وَالتُّهْمَةِ فَبَاطِلٌ،؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ نَفَّرَ طَائِفَةً مِنْ الْكُفَّارِ فِي وُرُودِ النَّسْخِ حَتَّى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] الْآيَةَ، ثُمَّ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسْخِ. [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي جَوَازِ إسْمَاعِ الْعُمُومِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُصُوصَ] َ إسْمَاعُ الْعُمُومِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُصُوصَ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْبَاسًا، وَتَجْهِيلًا، وَنَحْنُ نَقُولُ: يَجِبُ عَلَى الشَّارِعِ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلَ الْخُصُوصِ إمَّا مُقْتَرِنًا، وَإِمَّا مُتَرَاخِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بَلَغَهُ الْعُمُومُ أَنْ يَبْلُغَهُ دَلِيلُ الْخُصُوصِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهُ، وَيَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ، وَهَذَا الْقَدْرِ الَّذِي بَلَغَهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ. وَدَلِيلُ جَوَازِهِ وُقُوعُهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ مَا هِيَ عَقْلِيَّةٌ غَامِضَةٌ عَجَزَ عَنْهَا الْأَكْثَرُونَ إلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَغَلِطُوا فِيهَا، فَالْأَلْفَاظُ الْمُتَشَابِهَةُ فِي الْقُرْآنِ الْمُوهِمَةُ لِلتَّشْبِيهِ بَلَغْت الْجَمِيعَ، وَالْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ الْغَامِضَةُ لَمْ يَنْتَبِهْ لَهَا الْجَمِيعُ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ صَرِيحًا بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ، وَقَطْعِ الْوَهْمِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِلْجَهْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُقُوعُ الْجَهْلِ لِلْمُشَبِّهَةِ. فَإِنْ قِيلَ: الْعَقْلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ عَتِيدٌ لِكُلِّ عَاقِلٍ فَالْحَوَالَةُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِتَجْهِيلٍ. قُلْنَا: وَأَيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ كَوْنُهُ عَتِيدًا، وَلَمْ يَزُلْ بِهِ جَهْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَكَانَ يَزُولُ بِالتَّصْرِيحِ، وَالنَّصِّ الَّذِي لَا يُوهِمُ التَّشْبِيهَ أَصْلًا. احْتَجُّوا بِشُبْهَتَيْنِ. الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُسْمِعَهُمْ الْمَنْسُوخَ دُونَ النَّاسِخِ، وَالْمُسْتَثْنَى دُونَ الِاسْتِئْنَاءِ. قُلْنَا: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي النَّسْخِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ إلَى أَنْ يَبْلُغَهُ النَّاسِخُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا تَجْوِيزُ النَّسْخِ، وَالتَّصَفُّحُ عَنْ دَلِيلِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَبْلُغْهُ كَمَا إذَا عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّخْصِيصِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَمِلَ بِالْعُمُومِ، وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَيُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ فَكَيْفَ لَا يَبْلُغُهُ؟ نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُسْمِعَهُ الْأَوَّلَ، فَيَنْزَعِجَ عَنْ الْمَكَانِ لِعَارِضٍ قَبْلَ سَمَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يَسْمَعُهُ فَلَا يَكُونُ

стр. 254

مُكَلَّفًا بِمَا لَمْ يَبْلُغْهُ الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ تَبْلِيغُ الْعَامِّ دُونَ دَلِيلِ الْخُصُوصِ تَجْهِيلٌ؛ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ الْعُمُومَ، وَهُوَ جَهْلٌ. قُلْنَا: الْجَهْلُ مِنْ جِهَتِهِ إنْ اعْتَقَدَ جَزْمًا عُمُومَهُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ ظَاهِرَهُ الْعُمُومُ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْخُصُوصِ، وَمُكَلَّفٌ بِطَلَبِ دَلِيلِ الْخُصُوصِ إلَى أَنْ يَبْلُغَهُ أَوْ يَظْهَرَ لَهُ انْتِفَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَامٌّ قَطْعًا أَوْ خَاصٌّ قَطْعًا أَوْ لَا عَامٌّ، وَلَا خَاصَّ أَوْ هُوَ عَامٌّ، وَخَاصٌّ مَعًا فَكُلُّ ذَلِكَ جَهْلٌ، فَإِذَا بَطَلَ الْكُلُّ لَمْ يَبْقَ إلَّا اعْتِقَادُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ مُحْتَمِلٌ لِلْخُصُوصِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ عُمُومُهُ قَطْعًا حَتَّى يَكُونَ إخْرَاجُ الْكَافِرَةِ نَسْخًا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] يَجِبُ اعْتِقَادُ إجْزَائِهِ قَطْعًا حَتَّى يَكُونَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ نَسْخًا. ، وَهُوَ خَطَأٌ بَلْ يَعْتَقِدُهُ ظَاهِرًا مُحْتَمِلًا أَوْ يَتَوَقَّفُ عَنْ الْقَطْعِ، وَالْجَزْمِ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ فِيهِ] الْفَصْلُ الثَّالِثُ الْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ فِيهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ يَتَبَيَّنُ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ لَهُ ذَلِكَ؟ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ انْتِفَاءَ الْمُخَصِّصِ قَطْعًا أَوْ يَظُنَّهُ ظَنًّا؟ قُلْنَا: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْعَشَرَةِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا فِي الْمُخَصِّصَاتِ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، وَالشَّرْطُ بَعْدُ لَمْ يَظْهَرْ، وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارِضَهُ دَلِيلٌ فَهُوَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بِعِلَّةٍ مُخَيَّلَةٍ بَيْنَ الْفَرْعِ، وَالْأَصْلِ دَلِيلٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقَدِحَ فَرْقٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ الْفَوَارِقِ جُهْدَهُ أَوْ يَنْفِيَهَا ثُمَّ يَحْكُمَ بِالْقِيَاسِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْبَحْثِ. وَلَكِنَّ الْمُشْكِلَ أَنَّهُ إلَى مَتَى يَجِبُ الْبَحْثُ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ، وَإِنْ اسْتَقْصَى أَمْكَنَ أَنْ يَشِذَّ عَنْهُ دَلِيلٌ لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَحْكُمُ مَعَ إمْكَانِهِ؟ أَوْ كَيْفَ يَنْحَسِمُ سَبِيلُ إمْكَانِهِ؟ وَقَدْ انْقَسَمَ النَّاسُ فِي هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: فَقَالَ قَوْمٌ: يَكْفِيهِ أَنْ يَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالِانْتِفَاءِ عِنْدَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْبَحْثِ، كَاَلَّذِي يَبْحَثُ عَنْ مَتَاعٍ فِي بَيْتٍ فِيهِ أَمْتِعَةٌ كَثِيرَةٌ فَلَا يَجِدُهُ، فَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ، وَسُكُونِ نَفْسٍ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ، أَمَّا إذَا كَانَ يَشْعُرُ بِجَوَازِ دَلِيلٍ يَشِذُّ عَنْهُ، وَيَحِيكُ فِي صَدْرِهِ إمْكَانُهُ فَكَيْفَ يَحْكُمُ بِدَلِيلٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِهِ حَرَامًا؟ نَعَمْ إذَا اعْتَقَدَ جَزْمًا، وَسَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَى الدَّلِيلِ جَازَ لَهُ الْحُكْمُ كَانَ مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مُصِيبًا، كَمَا لَوْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ إلَى الْقِبْلَةِ فَصَلَّى إلَيْهَا. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَقْطَعَ بِانْتِفَاءِ الْأَدِلَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي؛؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الْجَزْمَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ سَلَامَةُ قَلْبٍ، وَجَهْلٌ، بَلْ الْعَالِمُ الْكَامِلُ يُشْعِرُ نَفْسَهُ بِالِاحْتِمَالِ حَيْثُ لَا قَاطِعَ، وَلَا تَسْكُنُ نَفْسُهُ، وَالْمُشْكِلُ عَلَى هَذَا طَرِيقُ تَحْصِيلِ الْقَطْعِ بِالنَّفْيِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الْقَاضِي مَسْلَكَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا بَحَثَ فِي مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ عَنْ مُخَصِّصَاتِ قَوْلِهِ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» مَثَلًا، فَقَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ طَالَ فِيهَا خَوْضُ الْعُلَمَاءِ، وَكَثُرَ بَحْثُهُمْ، فَيَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَشِذَّ عَنْ جَمِيعِهِمْ مَدْرَكُهَا، وَهَذِهِ الْمَدَارِكُ الْمَنْقُولَةُ عَنْهُمْ عَلِمْتَ بُطْلَانَهَا فَاقْطَعْ بِأَنْ لَا مُخَصِّصَ لَهَا. وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حَجْرٌ عَلَى الصَّحَابَةِ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِالْعُمُومِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ لَمْ يَكْثُرْ الْخَوْضُ فِيهَا، وَلَمْ يَطُلْ الْبَحْثُ عَنْهَا، وَلَا

стр. 255

شَكَّ فِي عَمَلِهِمْ مَعَ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بَلْ مَعَ جَوَازِ نَسْخٍ لَمْ يَبْلُغْهُمْ كَمَا حَكَمُوا بِصِحَّةِ الْمُخَابَرَةِ بِدَلِيلِ عُمُومِ إحْلَالِ الْبَيْعِ، حَتَّى رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ النَّهْيَ عَنْهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ بَعْدَ طُولِ الْخَوْضِ لَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بَلْ إنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَشِذُّ الْمُخَصِّصُ عَنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ فَمِنْ أَيْنَ لَقِيَ جَمِيعَ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْ أَيْنَ عَرَفَ أَنَّهُ بَلَغَهُ كَلَامُ جَمِيعِهِمْ؟ فَلَعَلَّ مِنْهُمْ مَنْ تَنَبَّهَ لِدَلِيلِهِ، وَمَا كَتَبَهُ فِي تَصْنِيفِهِ، وَلَا نُقِلَ عَنْهُ، وَإِنْ أَوْرَدَهُ فِي تَصْنِيفِهِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ لَا يُظَنُّ بِالصَّحَابَةِ فِعْلُ الْمُخَابَرَةِ مَعَ الْيَقِينِ بِانْتِفَاءِ النَّهْيِ، وَكَانَ النَّهْيُ حَاصِلًا، وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ بَلْ كَانَ الْحَاصِلُ إمَّا ظَنًّا، وَإِمَّا سُكُونَ نَفْسٍ. الْمَسْلَكُ الثَّانِي: قَالَ الْقَاضِي: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُجْتَهِدُ الْيَقِينَ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الْمَدَارِكِ، إذْ يَقُولُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ خَاصًّا لَنَصَّبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلِيلًا لِلْمُكَلَّفِينَ، وَلَبَلَغَهُمْ ذَلِكَ، وَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى شَيْءٍ أَمْكَنَ الْقَطْعُ بِأَنْ لَا دَلِيلَ يُخَالِفُهُ إذْ يَسْتَحِيلُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَإِ، أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ تَيَقُّنَ الِانْتِفَاءِ إلَى هَذَا الْحَدِّ لَا يُشْتَرَطُ، وَأَنَّ الْمُبَادَرَةَ قَبْلَ الْبَحْثِ لَا تَجُوزُ بَلْ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ عِلْمٍ، وَظَنٍّ بِاسْتِقْصَاءِ الْبَحْثِ؛ أَمَّا الظَّنُّ فَبِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ فَبِانْتِفَائِهِ فِي حَقِّهِ بِتَحْقِيقِ عَجْزِ نَفْسِهِ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ بَذْلِ غَايَةِ وُسْعِهِ، فَيَأْتِي بِالْبَحْثِ الْمُمْكِنِ إلَى حَدٍّ يَعْلَمُ أَنَّ بَحْثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَعْيٌ ضَائِعٌ، وَيُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ يَقِينًا، فَيَكُونُ الْعَجْزُ عَنْ الْعُثُورِ عَلَى الدَّلِيلِ فِي حَقِّهِ يَقِينًا، وَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ فِي نَفْسِهِ مَظْنُونٌ، وَهُوَ الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ فِي الْمُخَابَرَةِ، وَنَظَائِرِهَا، وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ فِي الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِصْحَابِ، وَكُلُّ مَا هُوَ مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ دَلِيلٍ آخَرَ [الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالتَّقْيِيدِ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ] الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَالشَّرْطِ، وَالتَّقْيِيدِ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْكَلَامُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَالنَّظَرِ فِي حَقِيقَتِهِ وَحْدَهُ، ثُمَّ فِي شَرْطِهِ، ثُمَّ فِي تَعَقُّبِ الْجُمَلِ الْمُتَرَادِفَةِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَصِيَغُهُ مَعْرُوفَةٌ، وَهِيَ: " إلَّا "، " وَعَدَا "، " وَحَاشَا "، " وَسِوَى "، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا، وَأُمُّ الْبَابِ " إلَّا "، وَحَدُّهُ أَنَّهُ قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ قَوْلًا، وَتَكُونُ فِعْلًا، وَقَرِينَةً، وَدَلِيلَ عَقْلٍ، فَإِنْ كَانَ قَوْلًا فَلَا تَنْحَصِرُ صِيَغُهُ. وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا ذُو صِيَغٍ مَحْصُورَةٍ " عَنْ قَوْلِهِ: رَأَيْتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ أَرَ زَيْدًا، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تُسَمِّيهِ اسْتِثْنَاءً، وَإِنْ أَفَادَ مَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: إلَّا زَيْدًا. وَيُفَارِقُ الِاسْتِثْنَاءُ التَّخْصِيصَ فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ، وَأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إلَى الظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ جَمِيعًا، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، كَمَا يَقُولُ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا زَيْدًا، وَالتَّخْصِيصُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى النَّصِّ أَصْلًا، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ النَّسْخِ إذْ هُوَ رَفْعٌ، وَقَطْعٌ، وَفَرْقٌ بَيْنَ النَّسْخِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالتَّخْصِيصِ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ لِمَا دَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَالِاسْتِثْنَاءَ يَدْخُلُ عَلَى الْكَلَامِ، فَيَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ اللَّفْظِ مَا كَانَ يَدْخُلُ لَوْلَاهُ، وَالتَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ كَوْنَ اللَّفْظِ قَاصِرًا عَنْ الْبَعْضِ؛ فَالنَّسْخُ قَطْعٌ، وَرَفْعٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ رَفْعٌ، وَالتَّخْصِيصُ بَيَانٌ، وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ تَحْقِيقٍ فِي فَصْلِ الشَّرْطِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

стр. 256

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الشُّرُوطِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ] ٌ: الْأَوَّلُ: الِاتِّصَالُ، فَمَنْ قَالَ: اضْرِبْ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَاعَةٍ إلَّا زَيْدًا، لَمْ يُعَدَّ هَذَا كَلَامًا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالْمُشْرِكِينَ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَوَّزَ تَأْخِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهُ النَّقْلُ إذْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْصِبِهِ، وَإِنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ إذَا نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ أَوَّلًا ثُمَّ أَظْهَرَ نِيَّتَهُ بَعْدَهُ فَيَدِينُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ فِيمَا نَوَاهُ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ مَا يَدِينُ فِيهِ الْعَبْدُ فَيُقْبَلُ ظَاهِرًا أَيْضًا فَهَذَا لَهُ وَجْهٌ. أَمَّا تَجْوِيزُ التَّأْخِيرِ لَوْ أُجِيزَ عَلَيْهِ دُونَ هَذَا التَّأْوِيلِ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْكَلَامِ يَحْصُلُ بِهِ الْإِتْمَامُ، فَإِذَا انْفَصَلَ لَمْ يَكُنْ إتْمَامًا كَالشَّرْطِ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَإِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: اضْرِبْ زَيْدًا إذَا قَامَ فَهَذَا شَرْطٌ، فَلَوْ أَخَّرَ ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ شَهْرٍ: إذَا قَامَ، لَمْ يُفْهَمْ هَذَا الْكَلَامُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِيرَ شَرْطًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إلَّا زَيْدًا بَعْدَ شَهْرٍ لَا يُفْهَمُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: زَيْدٌ ثُمَّ قَالَ: بَعْدَ شَهْرٍ: قَامَ لَمْ يُعَدَّ هَذَا خَبَرًا أَصْلًا. وَمِنْ هَهُنَا قَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَذْكُرَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلَّا زَيْدًا " أَنِّي أُرِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ، حَتَّى يُفْهَمَ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يُغْنِي فَإِنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً. احْتَجُّوا بِجَوَازِ تَأْخِيرِ النَّسْخِ، وَأَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ، وَتَأْخِيرِ الْبَيَانِ. فَنَقُولُ: إنْ جَازَ الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ الشَّرْطُ، وَالْخَبَرُ، وَلَا ذَاهِبَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ فِي اللُّغَاتِ، وَكَيْفَ يُشَبَّهُ بِأَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ، وَقَوْلُهُ إلَّا زَيْدًا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَفْهُومًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ إتْمَامًا لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ النَّاسَ إلَّا زَيْدًا، وَلَا تَقُولُ: رَأَيْتُ النَّاسَ إلَّا حِمَارًا. أَوْ تَسْتَثْنِي جُزْءًا مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: رَأَيْتُ الدَّارَ إلَّا بَابَهَا، وَرَأَيْتُ زَيْدًا إلَّا وَجْهَهُ، وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْبَابِ، وَلَا اسْمَ زَيْدٍ عَلَى وَجْهِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مِائَةُ ثَوْبٍ إلَّا ثَوْبًا، وَعَنْ هَذَا قَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ قَالَ: عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا صَحَّ، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ إلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ، وَلَكِنْ إذَا رُدَّ إلَى الْقِيمَةِ فَكَأَنَّهُ تَكَلَّفَ رَدَّهُ إلَى الْجِنْسِ. وَقَدْ وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿إلَّا إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] اسْتَثْنَى الْخَطَأَ مِنْ الْعَمْدِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] ، وَقَالَ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: ٢٩] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ، وَالْإِخْرَاجِ إذْ الْمُسْتَثْنَى مَا كَانَ لِيَدْخُلَ تَحْتَ اللَّفْظِ أَصْلًا، وَمِنْ مُعْتَادِ كَلَامِ الْعَرَبِ: مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ إلَّا امْرَأَةً، وَمَا لَهُ ابْنٌ إلَّا ابْنَةً، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا إلَّا ثَوْرًا، وَقَالَ شَاعِرُهُمْ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ ، وَقَالَ آخَرُ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ

стр. 257

وَقَدْ تَكَلَّفَ قَوْمٌ عَنْ هَذَا كُلِّهِ جَوَابًا فَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً بَلْ هُوَ مَجَازٌ، وَهَذَا خِلَافُ اللُّغَةِ فَإِنَّ " إلَّا " فِي اللُّغَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي هَذَا اسْتِثْنَاءً، وَلَكِنْ تَقُولُ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ جَوَّزَ اسْتِثْنَاءَ الْمَكِيلِ مِنْ الْمَوْزُونِ، وَعَكْسَهُ، وَلَمْ يُجَوِّزْ اسْتِثْنَاءَ غَيْرِ الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ مِنْهُمَا فِي الْأَقَارِيرِ، وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀. ، وَالْأَوْلَى التَّجْوِيزُ فِي الْأَقَارِيرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ مُعْتَادًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَجَبَ قَبُولُهُ لِانْتِظَامِهِ، نَعَمْ اسْمُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةٌ؟ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي ﵀ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ.، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ مَجَازٌ؛؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الثَّنْيِ تَقُولُ: ثَنَيْتُ زَيْدًا عَنْ رَأْيِهِ، وَثَنَيْتُ الْعِنَانَ، فَيُشْعِرُ الِاسْتِثْنَاءُ بِصَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ صَوْبِهِ الَّذِي كَانَ يَقْتَضِيهِ سِيَاقُهُ، فَإِذَا ذُكِرَ مَا لَا دُخُولَ لَهُ فِي الْكَلَامِ الْأَوَّلِ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ أَيْضًا فَمَا صَرَفَ الْكَلَامَ، وَلَا ثَنَاهُ عَنْ وَجْهِ اسْتِرْسَالِهِ، فَتَسْمِيَتُهُ اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزٌ بِاللَّفْظِ عَنْ مَوْضِعِهِ فَتَكُونُ " إلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى " لَكِنْ ". الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا، فَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً لَزِمَتْهُ الْعَشَرَةُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ الْإِقْرَارَ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَجُوزُ رَفْعُهُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْطُوقٍ بِهِ لَا يُرْفَعُ، وَلَكِنْ يُتَمَّمُ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى الْجُزْءِ مِنْ الْكَلَامِ، وَكَمَا أَنَّ الشَّرْطَ جُزْءٌ مِنْ الْكَلَامِ فَالِاسْتِثْنَاءُ جُزْءٌ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ رَفْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى لِلْكَلَامِ مَعْنًى. أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ قَالَ الْقَاضِي ﵀: وَقَدْ نُصِرْنَا فِي مَوَاضِعِ جَوَازِهِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَقْبِحُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، وَتَسْتَحْمِقُ قَوْلَ الْقَائِلِ: رَأَيْتُ أَلْفًا إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، بَلْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: لَا يُسْتَحْسَنُ اسْتِثْنَاءُ عَقْدٍ صَحِيحٍ بِأَنْ يَقُولَ: عِنْدِي مِائَةٌ إلَّا عَشَرَةً أَوْ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا بَلْ مِائَةٌ إلَّا خَمْسَةً، وَعَشَرَةٌ إلَّا دَانِقًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] فَلَوْ بَلَغَ الْمِائَةَ لَقَالَ فَلَبِثَ فِيهِمْ تِسْعَمِائَةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ كَسْرًا اسْتَثْنَاهُ. قَالَ، وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا نَدْرِي اسْتِقْبَاحَهُمْ اطِّرَاحٌ لِهَذَا الْكَلَامِ عَنْ لُغَتِهِمْ أَوْ هُوَ كَرَاهَةٌ، وَاسْتِثْقَالٌ؟ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ كَرَاهَتُهُمْ، وَإِنْكَارُهُمْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لُغَتِهِمْ، وَلَوْ جَازَ فِي هَذَا لَجَازَ فِي كُلِّ مَا أَنْكَرُوهُ، وَقَبَّحُوهُ مِنْ كَلَامِهِمْ. احْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ، وَهَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إذَا جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْبَعْضِ جَازَ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ، وَلَا قِيَاسَ فِي اللُّغَةِ. ثُمَّ كَيْفَ يُقَاسُ مَا كَرِهُوهُ، وَأَنْكَرُوهُ عَلَى مَا اسْتَحْسَنُوهُ؟ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَالْأَكْثَرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَقَلَّ وَقَالَ الشَّاعِرُ: أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ... ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّالَا ، وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] أَيْ: قُمْ نِصْفَهُ، وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَقَوْلَ الشَّاعِرِ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، إذْ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: أَسْقَطْت تِسْعِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْمِائَةِ؛ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَالْأَوْلَى عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَكْرَهًا، فَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً فَلَا يَلْزَمُهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إلَّا دِرْهَمٌ، وَلَا سَبَبَ لَهُ إلَّا أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا، كَقَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تُسْعَ سُدُسِ رُبْعِ دِرْهَمٍ، فَإِنَّ هَذَا قَبِيحٌ لَكِنْ يَصِحُّ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَحْسَنُ اسْتِثْنَاءُ الْكَسْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً فَلَيْسَ بِمُسْتَحْسَنٍ بَلْ

стр. 258

رُبَّمَا يُسْتَنْكَرُ أَيْضًا، لَكِنَّ الِاسْتِنْكَارَ عَلَى الْأَكْثَرِ أَشَدُّ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ قِلَّةً ازْدَادَ حُسْنًا. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَعَقُّبِ الْجُمَلِ بِالِاسْتِثْنَاءِ] ِ. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: مَنْ قَذَفَ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ، وَارْدُدْ شَهَادَتَهُ وَاحْكُمْ بِفِسْقِهِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ أَوْ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا، وَمَنْ دَخَلَ الدَّارَ أَوْ فَحَّشَ الْكَلَامَ، وَأَكَلَ الطَّعَامَ عَاقِبْهُ إلَّا مَنْ تَابَ. فَقَالَ قَوْمٌ: يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يُقْصَرُ عَلَى الْأَخِيرِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَحْتَمِلُ كِلَيْهِمَا، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَى قِيَامِ دَلِيلٍ. وَحُجَجُ الْقَائِلِينَ بِالشُّمُولِ ثَلَاثٌ الْأُولَى: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: اضْرِبْ الْجَمَاعَةَ الَّتِي مِنْهَا قَتَلَةٌ، وَسُرَّاقٌ، وَزُنَاةٌ إلَّا مَنْ تَابَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: عَاقِبْ مَنْ قَتَلَ، وَزَنَى، وَسَرَقَ إلَّا مَنْ تَابَ، فِي رُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْجَمِيعِ. الِاعْتِرَاضُ: أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ، وَلَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ اللَّفْظَ الْمُتَفَاضِلَ الْمُتَعَدِّدَ كَاللَّفْظِ الْمُتَّحِدِ؟ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ تَكْرَارَ الِاسْتِثْنَاءِ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ نَوْعٌ مِنْ الْعِيِّ، وَاللُّكْنَةِ، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلَ الدَّارَ فَاضْرِبْهُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَإِنْ أَكَلَ فَاضْرِبْهُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ فَاضْرِبْهُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ. وَهَذَا مَا لَا يَسْتَنْكِرُ الْخَصْمُ اسْتِقْبَاحَهُ بَلْ يَقُولُ ذَلِكَ وَاجِبٌ لِتَعَرُّفِ شُمُولِ الِاسْتِثْنَاءِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت الطَّعَامَ، وَلَا دَخَلْتُ الدَّارَ، وَلَا كَلَّمْتُ زَيْدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ وَكَذَلِكَ الشَّرْطُ عَقِيبَ الْجُمَلِ يَرْجِعُ إلَيْهَا كَقَوْلِهِ: أَعْطِ الْعَلَوِيَّةَ، وَالْعُلَمَاءَ إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، وَهَذَا مِمَّا لَا تُسَلِّمُهُ الْوَاقِفِيَّةُ بَلْ يَقُولُونَ: هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الشُّمُولِ، وَالِاقْتِصَارِ، وَالشَّكُّ كَافٍ فِي اسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فِي الْيَمِينِ، وَمَنْعِ الْإِعْطَاءِ إلَّا عِنْدَ الْإِذْنِ الْمُسْتَيْقَنِ، وَمَنْ سَلَّمَ مِنْ الْمُخَصِّصَةِ ذَلِكَ فَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُجِيبَ بِإِظْهَارِ دَلِيلٍ فِقْهِيٍّ يَقْضِي فِي الشَّرْطِ خَاصَّةً دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ. وَحُجَّةُ الْمُخَصِّصَةِ اثْنَتَانِ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُعَمِّمِينَ عَمَّمُوا؛ لِأَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ فَصَارَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ، وَنَحْنُ إذَا خَصَّصْنَا بِالْأَخِيرِ جَعَلْنَاهَا مُسْتَقِلَّةً، وَهَذَا تَقْرِيرُ عِلَّةٍ لِلْخَصْمِ، وَاعْتِرَاضٌ عَلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ لَا يُعَلِّلُونَ بِذَلِكَ. ثُمَّ عِلَّةُ عَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْ، وَهَذَا لَا يَنْدَفِعُ بِتَخْصِيصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ إطْلَاقُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ مَعْلُومٌ، وَدُخُولُهُ تَحْتَ الِاسْتِئْنَاءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ مَا دَخَلَ فِيهِ إلَّا بِيَقِينٍ. وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ إطْلَاقَ الْأَوَّلِ قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ، وَمَا تَمَّ الْكَلَامُ حَتَّى أَرْدَفَ بِاسْتِثْنَاءٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ عِنْدَ الْمُعَمِّمِ، وَيُحْتَمَلُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ الْمُتَوَقِّفِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ إلَى الْأَخِيرِ بَلْ يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ فَكَيْفَ نُسَلِّمُ الْيَقِينَ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الشَّرْطِ، وَالصِّفَةِ، وَيُسَلِّمُ أَكْثَرُهُمْ عُمُومَ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُهُمْ قَصْرُ لَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ الْمُسْتَيْقَنُ حُجَّةُ الْوَاقِفِيَّةِ: أَنَّهُ إذَا بَطَلَ التَّعْمِيمُ، وَالتَّخْصِيصُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ تَحَكَّمَ، وَرَأَيْنَا الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا حَقِيقَةٌ، وَالْآخَرَ مَجَازٌ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ لَا مَحَالَةَ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ نَقْلٌ مُتَوَاتِرٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهِمَا مَجَازٌ فِي الْآخَرِ. وَهَذَا هُوَ الْأَحَقُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ رَفْعِ التَّوَقُّفِ، فَمَذْهَبُ الْمُعَمِّمِينَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَاوَ ظَاهِرَةٌ فِي الْعَطْفِ

стр. 259

وَذَلِكَ يُوجِبُ نَوْعًا مِنْ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ، وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ " الْوَاوَ " مُحْتَمِلٌ أَيْضًا لِلِابْتِدَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٥] ، وَقَوْلِهِ : ﴿فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوَقُّفَ أَوْلَى أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْأَقْسَامُ كُلُّهَا مِنْ الشُّمُولِ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَخِيرِ، وَالرُّجُوعِ إلَى بَعْضِ الْجُمَلِ السَّابِقَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] لَا يَرْجِعُ إلَى الْجَلْدِ، وَيَرْجِعُ إلَى الْفِسْقِ، وَهَلْ يَرْجِعُ إلَى الشَّهَادَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] يَرْجِعُ إلَى الْأَخِيرِ، وَهُوَ الدِّيَةُ؛؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْإِعْتَاقِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المائدة: ٨٩] يَرْجِعُ إلَى الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنْ الْأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ﴾ [النساء: ٨٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣] فَهَذَا يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَتَّبِعَ الشَّيْطَانَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَشْمَلْهُ فَضْلُ اللَّهِ، وَرَحْمَتُهُ، فَقِيلَ إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] إلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لِتَقْصِيرٍ، وَإِهْمَالٍ، وَغَلَطٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْأَخِيرِ، وَمَعْنَاهُ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وَرَحْمَتُهُ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﵇ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلًا قَدْ كَانَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْعِصْمَةِ مِنْ الْكُفْرِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، كَأُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَقَسِّ بْنِ سَاعِدَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَوْحِيدِهِ، وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ قَبْلَهُ. الْقَوْلُ فِي دُخُولِ الشَّرْطِ عَلَى الْكَلَامِ دُخُولُ الشَّرْطِ عَلَى الْكَلَامِ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّرْطَ عِبَارَةٌ عَمَّا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِهِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُوجَدَ وُجُودَهُ، وَبِهِ يُفَارِقُ الْعِلَّةَ إذْ الْعِلَّةُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ الْمَعْلُولِ، وَالشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُهُ. وَالشَّرْطُ عَقْلِيٌّ، وَشَرْعِيٌّ، وَلُغَوِيٌّ، وَالْعَقْلِيُّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَالْعِلْمِ لِلْإِرَادَةِ، وَالْمَحَلِّ لِلْحَيَاةِ، إذْ الْحَيَاةُ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مَحَلٍّ، وَلَا يَلْزَمُ وُجُودُهَا بِوُجُودِ الْمَحَلِّ، وَالشَّرْعِيُّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَالْإِحْصَانِ لِلرَّجْمِ، وَاللُّغَوِيُّ كَقَوْلِهِ: " إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُك " فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ فِي اللِّسَانِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ اخْتِصَاصُ الْإِكْرَامِ بِالْمَجِيءِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ يُكْرِمُهُ دُونَ الْمَجِيءِ لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ اشْتِرَاطًا، فَنُزِّلَ الشَّرْطُ مَنْزِلَةَ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَمَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ عَهْدٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إنْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ يَدْخُلُ عَلَى الْكَلَامِ فَيُغَيِّرُهُ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيهِ لَوْلَا الشَّرْطُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَجْعَلَهُ مُتَكَلِّمًا بِالْبَاقِي لَا أَنَّهُ مُخْرِجٌ مِنْ كَلَامِهِ مَا دَخَلَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِيهِ لَمَا خَرَجَ؛ نَعَمْ كَانَ يُقْبَلُ الْقَطْعُ فِي الدَّوَامِ بِطَرِيقِ النَّسْخِ، فَأَمَّا رَفْعُ مَا سَبَقَ دُخُولُهُ فِي الْكَلَامِ فَمُحَالٌ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَمَعْنَاهُ: أَنَّكِ عِنْدَ الدُّخُولِ طَالِقٌ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالطَّلَاقِ إلَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى حَالِ الدُّخُولِ، أَمَّا أَنْ نَقُولَ: تَكَلَّمَ

стр. 260

بِالطَّلَاقِ عَامًّا مُطْلَقًا دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ثُمَّ أَخْرَجَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ. فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ أَوْ إنْ لَمْ يَكُونُوا ذِمِّيِّينَ، فَلَفْظُ الْمُشْرِكِينَ " مُتَنَاوِلٌ لِلْجَمِيعِ وَلِأَهْلِ الذِّمَّةِ لَكِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِإِخْرَاجِهِ بِالشَّرْطِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ. قُلْنَا: هُوَ كَذَلِكَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يَمْتَنِعُ الْإِخْرَاجُ بِالشَّرْطِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ مُنْفَصِلًا، وَلَوْ قُدِرَ عَلَى الْإِخْرَاجِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْمُنْفَصِلِ، وَالْمُتَّصِلِ، وَلَكِنْ إذَا لَمْ يُقْتَصَرْ، وَأُلْحِقَ بِهِ مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْهُ، وَإِتْمَامٌ لَهُ غَيَّرَ مَوْضُوعَ الْكَلَامِ فَجَعَلَهُ كَالنَّاطِقِ بِالْبَاقِي، وَدَفَعَ دُخُولَ الْبَعْضِ،، وَمَعْنَى الدَّافِعِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ لَوْلَا الشَّرْطُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ فَإِذَا لَحِقَا قَبْلَ الْوُقُوفِ دُفِعَا. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] لَا حُكْمَ لَهُ قَبْلَ إتْمَامِ الْكَلَامِ، فَإِذَا تَمَّ الْكَلَامُ كَانَ الْوَيْلُ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ وُجِدَ فِيهِ شَرْطُ السَّهْوِ، وَالرِّيَاءِ لَا أَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ مُصَلٍّ ثُمَّ خَرَجَ الْبَعْضُ، فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ حَقِيقَةُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالشَّرْطِ فَاعْلَمُوهُ تَرْشُدُوا. الْقَوْلُ فِي الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّقْيِيدَ اشْتِرَاطٌ، وَالْمُطْلَقُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ إنْ اتَّحَدَ الْمُوجِبُ، وَالْمُوجَبُ كَمَا لَوْ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَشُهُودٍ» ، وَقَالَ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَلَوْ قَالَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ثُمَّ قَالَ فِيهَا مَرَّةً أُخْرَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، فَيَكُونُ هَذَا اشْتِرَاطًا يُنَزَّلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَرَى بَيْنَ الْخَاصِّ، وَالْعَامِّ تَقَابُلَ النَّاسِخِ، وَالْمَنْسُوخِ كَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي، وَالْقَاضِي مَعَ مَصِيرِهِ إلَى التَّعَارُضِ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَنْزِيلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ. أَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ كَالظِّهَارِ، وَالْقَتْلِ فَقَالَ قَوْمٌ: يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى دَلِيلٍ، كَمَا لَوْ اتَّحَدَتْ الْوَاقِعَةُ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ مَحْضٌ يُخَالِفُ وَضْعَ اللُّغَةِ إذْ لَا يَتَعَرَّضُ الْقَتْلُ لِلظِّهَارِ فَكَيْفَ يُرْفَعُ الْإِطْلَاقُ الَّذِي فِيهِ، وَالْأَسْبَابُ الْمُخْتَلِفَةُ تَخْتَلِفُ فِي الْأَكْثَرِ شُرُوطُ وَاجِبَاتِهَا؟ كَيْفَ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا تَنَاقُضٌ؟ فَإِنَّ الصَّوْمَ مُقَيَّدٌ بِالتَّتَابُعِ فِي الظِّهَارِ، وَالتَّفْرِيقِ فِي الْحَجِّ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَمُطْلَقٌ فِي الْيَمِينِ فَلَيْتَ شِعْرِي عَلَى أَيِّ الْمُقَيَّدَيْنِ يُحْمَلُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَصْلًا، وَإِنْ قَامَ دَلِيلُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ نَسْخٌ، وَلَا سَبِيلَ إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إذْ جَعَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخًا. ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا فِي كِتَابِ النَّسْخِ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لَيْسَ هُوَ نَصًّا فِي إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ بَلْ هُوَ عَامٌّ يُعْتَقَدُ ظُهُورُهُ مَعَ تَجْوِيزِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خُصُوصِهِ، أَمَّا أَنْ يُعْتَقَدَ عُمُومُهُ قَطْعًا فَهَذَا خَطَأٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إنْ قَامَ دَلِيلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا تَخْصِيصُ الْعُمُومِ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ. فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يُطْلَبُ بِالْقِيَاسِ حُكْمُ مَا لَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَمُقْتَضَاهَا إجْزَاءُ الْكَفَّارَةِ. قُلْنَا بَيَّنَّا أَنَّ كَوْنَ الْكَفَّارَةِ مَنْطُوقًا بِهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ إذْ لَيْسَ تَنَاوُلُ عُمُومِ الرَّقَبَةِ لَهُ كَالتَّنْصِيصِ عَلَى: الْكَافِرَةِ، وَقَدْ كَشَفْنَا الْغِطَاءَ فِي مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِالْقِيَاسِ. هَذَا تَمَامُ الْقَوْلِ فِي الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ، وَلَوَاحِقِهِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالشَّرْطِ، وَالتَّقْيِيدِ، وَبِهِ تَمَّ الْكَلَامُ فِي الْفَنِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ، وَالْوَضْعُ.

стр. 261

[الْفَنُّ الثَّانِي فِيمَا يُقْتَبَسُ مِنْ الْأَلْفَاظِ مِنْ حَيْثُ فَحْوَاهَا وَإِشَارَتُهَا وَهِيَ خَمْسَةُ أَضْرُبٍ] [الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مَا يُسَمَّى اقْتِضَاءً] الْفَنُّ الثَّانِي: فِيمَا يُقْتَبَسُ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَا مِنْ حَيْثُ صِيغَتُهَا بَلْ مِنْ حَيْثُ فَحْوَاهَا، وَإِشَارَتُهَا، وَهِيَ خَمْسَةُ أَضْرُبٍ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مَا يُسَمَّى اقْتِضَاءً، وَهُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَلَا يَكُونُ مَنْطُوقًا بِهِ، وَلَكِنْ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ اللَّفْظِ إمَّا مِنْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقًا إلَّا بِهِ أَوْ مِنْ حَيْثُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ الْمَلْفُوظِ شَرْعًا إلَّا بِهِ أَوْ مِنْ حَيْثُ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ عَقْلًا إلَّا بِهِ. أَمَّا الْمُقْتَضَى الَّذِي هُوَ ضَرُورَةُ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ فَكَقَوْلِهِ ﵇: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» فَإِنَّهُ نَفَى الصَّوْمَ، وَالصَّوْمُ لَا يَنْتَفِي بِصُورَتِهِ، فَمَعْنَاهُ: لَا صِيَامَ صَحِيحٌ أَوْ كَامِلٌ، فَيَكُونُ حُكْمُ الصَّوْمِ هُوَ الْمَنْفِيَّ لَا نَفْسُهُ، وَالْحُكْمُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْهُ لِتَحْقِيقِ صِدْقِ الْكَلَامِ، فَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَا عُمُومَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ اقْتِضَاءً لَا لَفْظًا. وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُنْكِرُ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ، وَيَقُولُ لَفْظُ الصَّوْمِ بَاقٍ عَلَى مُقْتَضَى اللُّغَةِ فَيُفْتَقَرُ فِيهِ إلَى إضْمَارِ الْحُكْمِ، أَمَّا مَنْ " جَعَلَهُ عِبَارَةً عَنْ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ، فَيَكُونُ انْتِفَاؤُهُ بِطَرِيقِ النُّطْقِ لَا بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ، بَلْ مِثَالُهُ: لَا عَمَلَ إلَّا بِنِيَّةٍ «، وَرُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ» ، وَمَا سَبَقَتْ أَمْثِلَتُهُ فِي بَابِ الْمُجْمَلِ، وَأَمَّا مِثَالُ مَا ثَبَتَ اقْتِضَاءً لِتَصَوُّرِ الْمَنْطُوقِ بِهِ شَرْعًا فَقَوْلُ الْقَائِلِ: أَعْتِقْ عَبَدَك عَنِّي، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْمِلْكَ، وَيَقْتَضِيهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ، لَكِنَّ الْعِتْقَ الْمَنْطُوقَ بِهِ شَرْطُ نُفُوذِهِ شَرْعًا تَقَدُّمُ الْمِلْكِ فَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَشَارَ إلَى عَبْدِ الْغَيْرِ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأُعْتِقَنَّ هَذَا الْعَبْدَ، يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُ الْمِلْكِ فِيهِ إنْ أَرَادَ الْبِرَّ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِضَرُورَةِ الْمُلْتَزِمِ. وَأَمَّا مِثَالُ مَا ثَبَتَ اقْتِضَاءً لِتَصَوُّرِ الْمَنْطُوقِ بِهِ عَقْلًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إضْمَارَ الْوَطْءِ أَيْ: حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَطْءُ أُمَّهَاتِكُمْ؛؛ لِأَنَّ الْأُمَّهَاتِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَعْيَانِ، وَالْأَحْكَامُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ بَلْ لَا يُعْقَلُ تَعَلُّقُهَا إلَّا بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَاقْتَضَى اللَّفْظَ فِعْلًا وَصَارَ ذَلِكَ هُوَ الْوَطْءَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] أَيْ: الْأَكْلُ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ؛؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَهْلِ حَتَّى يُعْقَلَ السُّؤَالُ فَلَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُلَقَّبَ هَذَا بِالْإِضْمَارِ دُونَ الِاقْتِضَاءِ، وَالْقَوْلُ فِي هَذَا قَرِيبٌ [الضَّرْبُ الثَّانِي مَا يُؤْخَذُ مِنْ إشَارَةِ اللَّفْظِ] ِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ إشَارَةِ اللَّفْظِ لَا مِنْ اللَّفْظِ، وَنَعْنِي بِهِ: مَا يَتَّسِعُ اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ تَجْرِيدٍ قَصَدَ إلَيْهِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ يُفْهِمُ بِإِشَارَتِهِ، وَحَرَكَتِهِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْسُ اللَّفْظِ فَيُسَمَّى إشَارَةً، فَكَذَلِكَ قَدْ يُتْبَعُ اللَّفْظُ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ، وَيُبْنَى عَلَيْهِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ تَمَسُّكُ الْعُلَمَاءِ فِي تَقْدِيرِ أَقَلِّ الطُّهْرِ، وَأَكْثَرِ الْحَيْضِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا بِقَوْلِهِ ﵇: «إنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ، وَدِينٍ فَقِيلَ: مَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ فَقَالَ: تَقْعُدُ إحْدَاهُنَّ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي، وَلَا تَصُومُ» فَهَذَا إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ نُقْصَانِ الدِّينِ، وَمَا وَقَعَ النُّطْقُ قَصْدًا إلَّا بِهِ لَكِنْ حَصَلَ بِهِ إشَارَةٌ إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَأَقَلِّ الطُّهْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فَوْقَ شَطْرِ الدَّهْرِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ الشَّهْرِ، إذْ لَوْ تَصَوَّرَ الزِّيَادَةَ لَتَعَرَّضَ لَهَا عِنْدَ قَصْدِ الْمُبَالَغَةِ فِي نُقْصَانِ دِينِهَا، وَمِثَالُهُ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَنَجُّسِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِنَجَاسَةٍ لَا تُغَيِّرُهُ

стр. 262

بِقَوْلِهِ ﵇: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» إذْ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ يَقِينَ النَّجَاسَةِ يُنَجِّسُ لَكَانَ تَوَهُّمُهَا لَا يُوجِبُ الِاسْتِحْبَابَ. ، وَمِثَالُهُ تَقْدِيرُ أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] ، وَمِثَالُهُ الْمَصِيرُ إلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ بِاللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ فَأَصْبَحَ جُنُبًا لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وَقَالَ: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ثُمَّ مَدَّ الرُّخْصَةَ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ، فَتُشْعِرُ الْآيَةُ بِجَوَازِ الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالْجِمَاعِ فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي آخِرَ اللَّيْلِ اسْتَأْخَرَ غُسْلُهُ إلَى النَّهَارِ، وَإِلَّا وَجَبَ أَنْ يُحَرَّمَ الْوَطْءُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ بِمِقْدَارِ مَا يَتَّسِعُ لِلْغُسْلِ. فَهَذَا، وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَكْثُرُ، وَيُسَمَّى إشَارَةَ اللَّفْظِ. [الضَّرْبُ الثَّالِثُ فَهْمُ التَّعْلِيلِ مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢] فَإِنَّهُ كَمَا فُهِمَ وُجُوبُ الْقَطْعِ، وَالْجَلْدِ عَلَى السَّارِقِ، وَالزَّانِي، وَهُوَ الْمَنْطُوقُ بِهِ فُهِمَ كَوْنُ السَّرِقَةِ، وَالزِّنَا عِلَّةً لِلْحُكْمِ، وَكَوْنُهُ عِلَّةً غَيْرَ مَنْطُوقٍ بِهِ لَكِنْ يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] أَيْ: لِبِرِّهِمْ، وَفُجُورِهِمْ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الذَّمِّ، وَالْمَدْحِ، وَالتَّرْغِيبِ، وَالتَّرْهِيبِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: ذُمَّ الْفَاجِرَ، وَامْدَحْ الْمُطِيعَ، وَعَظِّمْ الْعَالِمَ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّعْلِيلُ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ بِهِ، وَهَذَا قَدْ يُسَمَّى إيمَاءً، وَإِشَارَةً كَمَا يُسَمَّى فَحْوَى الْكَلَامِ، وَلَحْنَهُ، وَإِلَيْك الْخِيَرَةُ فِي تَسْمِيَتِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى جِنْسِهِ، وَحَقِيقَتِهِ. [الضَّرْبُ الرَّابِعُ فَهْمُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ بِهِ مِنْ الْمَنْطُوقِ] بِدَلَالَةِ سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَمَقْصُودِهِ، كَفَهْمِ تَحْرِيمِ الشَّتْمِ، وَالْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وَفَهْمِ تَحْرِيمِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَإِحْرَاقِهِ، وَإِهْلَاكِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ، وَفَهْمِ مَا وَرَاءَ الذَّرَّةِ، وَالدِّينَارِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: مَا أَكَلْت لَهُ بُرَّةً، وَلَا شَرِبْتُ لَهُ شَرْبَةً، وَلَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ حَبَّةً، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَا وَرَاءَهُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مِنْ قَبِيلِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى. قُلْنَا: لَا حَجْرَ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُفْهَمَ أَنَّ مُجَرَّدَ ذِكْرِ الْأَدْنَى لَا يُحَصِّلُ هَذَا التَّنْبِيهَ مَا لَمْ يُفْهَمْ الْكَلَامُ، وَمَا سِيقَ لَهُ، فَلَوْلَا مَعْرِفَتُنَا بِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِتَعْظِيمِ الْوَالِدَيْنِ وَاحْتِرَامِهِمَا لَمَا فَهِمْنَا مَنْعَ الضَّرْبِ، وَالْقَتْلِ مِنْ مَنْعِ التَّأْفِيفِ، إذْ قَدْ يَقُولُ السُّلْطَانُ إذَا أَمَرَ بِقَتْلِ مَلِكٍ: لَا تَقُلْ لَهُ أُفٍّ لَكِنْ اُقْتُلْهُ، وَقَدْ يَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مَالَ فُلَانٍ، وَيَكُونُ قَدْ أَحْرَقَ مَالَهُ فَلَا يَحْنَثُ. فَإِنْ قِيلَ: الضَّرْبُ حَرَامٌ قِيَاسًا عَلَى التَّأْفِيفِ؛ لِأَنَّ التَّأْفِيفَ إنَّمَا حُرِّمَ لِلْإِيذَاءِ، وَهَذَا الْإِيذَاءُ فَوْقَهُ. قُلْنَا: إنْ أَرَدْتَ بِكَوْنِهِ قِيَاسًا أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى تَأَمُّلٍ، وَاسْتِنْبَاطِ عِلَّةٍ فَهُوَ خَطَأٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ أَنَّهُ مَسْكُوتٌ فُهِمَ مِنْ مَنْطُوقٍ فَهُوَ صَحِيحٌ بِشَرْطِ أَنْ يُفْهَمَ أَنَّهُ أَسْبَقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ أَوْ هُوَ مَعَهُ، وَلَيْسَ

стр. 263

مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، وَهَذَا قَدْ يُسَمَّى مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ، وَقَدْ يُسَمَّى فَحْوَى اللَّفْظِ وَلِكُلِّ فَرِيقٍ اصْطِلَاحٌ آخَرُ فَلَا تَلْتَفِتْ إلَى الْأَلْفَاظِ وَاجْتَهِدْ فِي إدْرَاكِ حَقِيقَةِ هَذَا الْجِنْسِ. [الضَّرْبُ الْخَامِسُ هُوَ الْمَفْهُومُ] ُ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِدْلَال بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَيُسَمَّى مَفْهُومًا؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مُجَرَّدٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى مَنْطُوقٍ، وَإِلَّا فَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمَنْطُوقُ أَيْضًا مَفْهُومٌ، وَرُبَّمَا سُمِّيَ هَذَا دَلِيلَ الْخِطَابِ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى الْأَسَامِي، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِأَحَدِ وَصْفَيْ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا يُخَالِفُهُ فِي الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] ، وَكَقَوْلِهِ ﵇: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» «، وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» «، وَمَنْ بَاعَ نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ» فَتَخْصِيصُ الْعَمْدِ، وَالسَّوْمِ وَالثُّيُوبَةِ، وَالتَّأْبِيرِ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِمَا: إنَّهُ يَدُلُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَشْعَرِيُّ إذْ احْتَجَّ فِي إثْبَاتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ بِخِلَافِهِ. وَاحْتَجَّ فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلًّا إنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِهِمْ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَمِنْهُمْ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٌ مِنْ حُذَّاقِ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ ابْنُ شُرَيْحٍ: إنَّ ذَلِكَ لَا دَلَالَةَ لَهُ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ عِنْدَنَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَسَالِكُ الْأَوَّلُ: أَنَّ إثْبَاتَ زَكَاةِ السَّائِمَةِ مَفْهُومٌ، أَمَّا نَفْيُهَا عَنْ الْمَعْلُوفَةِ اقْتِبَاسًا مِنْ مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِنَقْلٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مُتَوَاتِرٍ أَوْ جَارٍ مَجْرَى الْمُتَوَاتِرِ، وَالْجَارِي مَجْرَى الْمُتَوَاتِرِ كَعِلْمِنَا بِأَنَّ قَوْلَهُمْ " ضَرُوبٌ، وَقَتُولٌ "، وَأَمْثَالَهُ لِلتَّكْثِيرِ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ عَلِيمٌ، وَأَعْلَمُ، وَقَدِيرٌ، وَأَقْدَرُ " لِلْمُبَالَغَةِ، أَعْنِي: الْأَفْعَلَ. أَمَّا نَقْلُ الْآحَادِ فَلَا يَكْفِي إذْ الْحُكْمُ عَلَى لُغَةٍ يُنَزَّلُ عَلَيْهَا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِ الْآحَادِ مَعَ جَوَازِ الْغَلَطِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَنْ نَفَى الْمَفْهُومَ افْتَقَرَ إلَى نَقْلٍ مُتَوَاتِرٍ أَيْضًا. قُلْنَا: لَا حَاجَةَ إلَى حُجَّةٍ فِيمَا لَمْ يَضَعُوهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَنَاهَى، إنَّمَا الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْوَضْعَ. الثَّانِي: حُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: ضَرَبَكَ زَيْدٌ عَامِدًا فَاضْرِبْهُ حَسُنَ أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ ضَرَبَنِي خَاطِئًا أَفَأَضْرِبْهُ؟ ، وَإِذَا قَالَ: أَخْرِجْ الزَّكَاةَ مِنْ مَاشِيَتِكَ السَّائِمَةِ حَسُنَ أَنْ يَقُولَ: هَلْ أُخْرِجُهَا مِنْ الْمَعْلُوفَةِ، وَحُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَفْهُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ فِي الْمَنْطُوقِ، وَحَسُنَ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: حَسُنَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ مَجَازًا. قُلْنَا: الْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُرَدُّ إلَى الْمَجَازِ بِضَرُورَةِ دَلِيلٍ، وَلَا دَلِيلَ. الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: أَنَّا نَجِدُهُمْ يُعَلِّقُونَ الْحُكْمَ عَلَى الصِّفَةِ تَارَةً مَعَ مُسَاوَاةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِلْمَنْطُوقِ، وَتَارَةً مَعَ الْمُخَالَفَةِ فَالثُّبُوتُ لِلْمَوْصُوفِ مَعْلُومٌ مَنْطُوقٌ، وَالنَّفْيُ عَنْ الْمَسْكُوتِ مُحْتَمَلٌ، فَلْيَكُنْ عَلَى الْوَقْفِ إلَى الْبَيَانِ بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ، وَدَلِيلٍ آخَرَ. أَمَّا دَعْوَى كَوْنِهِ مَجَازًا عِنْدَ الْمُوَافَقَةِ حَقِيقَةً عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ فَتَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يُعَارِضُهُ عَكْسُهُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ. الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْخَبَرَ عَنْ ذِي الصِّفَةِ لَا يَنْفِي غَيْرَ الْمَوْصُوفِ، فَإِذَا قَالَ: قَامَ

стр. 264

الْأَسْوَدُ أَوْ خَرَجَ أَوْ قَعَدَ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَلَى الْأَبْيَضِ بَلْ هُوَ سُكُوتٌ عَنْ الْأَبْيَضِ، وَإِنْ مَنَعَ ذَلِكَ مَانِعٌ، وَقَدْ قِيلَ بِهِ لَزِمَهُ تَخْصِيصُ اللَّقَبِ، وَالِاسْمِ الْعَلَمِ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُكَ رَأَيْتُ زَيْدًا نَفْيًا لِلرُّؤْيَةِ عَنْ غَيْرِهِ، وَإِذَا قَالَ: رَكِبَ زَيْدٌ، دَلَّ عَلَى نَفْيِ الرُّكُوبِ عَنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَبِعَ هَذَا بَعْضُهُمْ، وَهُوَ بُهْتٌ، وَاخْتِرَاعٌ عَلَى اللُّغَاتِ كُلِّهَا، فَإِنَّ قَوْلَنَا: رَأَيْتُ زَيْدًا لَا يُوجِبُ نَفْيَ رُؤْيَتِهِ عَنْ ثَوْبِ زَيْدٍ، وَدَابَّتِهِ، وَخَادِمِهِ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ؛ إذْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: زَيْدٌ عَالِمٌ " كُفْرًا؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ لِلْعِلْمِ عَنْ اللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَقَوْلُهُ عِيسَى نَبِيُّ اللَّهِ " كُفْرًا؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ لِلنُّبُوَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵇، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا قِيَاسُ الْوَصْفِ عَلَى اللَّقَبِ، وَلَا قِيَاسَ فِي اللُّغَةِ. قُلْنَا: مَا قَصَدْنَا بِهِ إلَّا ضَرْبَ مِثَالٍ لِيُتَنَبَّهَ بِهِ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّ الصِّفَةَ لِتَعْرِيفِ الْمَوْصُوفِ فَقَطْ، كَمَا أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْلَامِ لِتَعْرِيفِ الْأَشْخَاصِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: " فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ " فِي نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ الْبَقَرِ، وَالْإِبِلِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» فِي نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفِ. الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: أَنَّا كَمَا أَنَّا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ لِلْعَرَبِ طَرِيقًا إلَى الْخَبَرِ عَنْ مُخْبِرٍ وَاحِدٍ، وَاثْنَيْنِ، وَثَلَاثَةٍ اقْتِصَارًا عَلَيْهِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْ الْبَاقِي، فَلَهَا طَرِيقٌ أَيْضًا فِي الْخَبَرِ عَنْ الْمَوْصُوفِ بِصِفَةٍ فَتَقُولُ: رَأَيْتُ الظَّرِيفَ، وَقَامَ الطَّوِيلُ، وَنَكَحْتُ الثَّيِّبَ، وَاشْتَرَيْتُ السَّائِمَةَ، وَبِعْتُ النَّخْلَةَ الْمُؤَبَّرَةَ، فَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: نَكَحْتُ الْبِكْرَ أَيْضًا، وَاشْتَرَيْتُ الْمَعْلُوفَةَ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ هَذَا مُنَاقِضًا لِلْأَوَّلِ، وَرَفْعًا لَهُ، وَتَكْذِيبًا لِنَفْسِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا نَكَحْتُ الثَّيِّبَ، وَمَا اشْتَرَيْتُ السَّائِمَةَ، وَلَوْ فُهِمَ النَّفْيُ كَمَا فُهِمَ الْإِثْبَاتُ لَكَانَ الْإِثْبَاتُ بَعْدَهُ تَكْذِيبًا، وَمُضَادًّا لِمَا سَبَقَ. وَقَدْ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ بِمَسَالِكَ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ مِنْ جُمْلَةِ الْعَرَبِ، وَمِنْ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ، وَقَدْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَكَذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَقَدْ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﵇: «لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ، وَعُقُوبَتَهُ» فَقَالَ: دَلِيلُهُ أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَفِي قَوْلِهِ: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» فَقِيلَ: إنَّهُ أَرَادَ الْهِجَاءَ، وَالسَّبَّ أَوْ هَجْوَ الرَّسُولِ ﵇ فَقَالَ: ذَلِكَ حَرَامٌ قَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ امْتَلَأَ بِهِ الْجَوْفُ أَوْ قَصُرَ، فَتَخْصِيصُهُ بِالِامْتِلَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُ بِخِلَافِهِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَتَجَرَّدْ لِلشِّعْرِ لَيْسَ مُرَادًا بِهَذَا الْوَعِيدِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا إنْ قَالَاهُ عَنْ اجْتِهَادٍ فَلَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُمَا، وَقَدْ صَرَّحَا بِالِاجْتِهَادِ إذْ قَالَا: لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى النَّفْيِ لَمَا كَانَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ.، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال مُعَرَّضٌ لِلِاعْتِرَاضِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَيْسَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ قَبُولُ قَوْلِ مَنْ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهُ عَنْ الْخَطَإِ فِيمَا يَظُنُّهُ بِأَهْلِ اللُّغَةِ، وَبِالرَّسُولِ، وَإِنْ كَانَ مَا قَالَاهُ عَنْ نَقْلٍ فَلَا يَثْبُتُ هَذَا بِقَوْلِ الْآحَادِ، وَيُعَارِضُهُ أَقْوَالُ جَمَاعَةٍ أَنْكَرُوهُ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَا تَثْبُتُ اللُّغَةُ بِنَقْلِ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ، وَالْآرَاءِ فَإِنَّهُمْ يَمِيلُونَ إلَى نُصْرَةِ مَذَاهِبِهِمْ فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِمْ الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فَقَالَ ﵇: «لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَا عَدَا

стр. 265

السَّبْعِينَ بِخِلَافِهِ، وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا خَبَرُ وَاحِدٍ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فِي إثْبَاتِ اللُّغَةِ،، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ ﵇ أَعْرَفُ الْخَلْقِ بِمَعَانِي الْكَلَامِ، وَذِكْرُ السَّبْعِينَ جَرَى مُبَالَغَةً فِي الْيَأْسِ، وَقَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ الْغُفْرَانِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: اشْفَعْ أَوْ لَا تَشْفَعْ، وَإِنْ شَفَعْت لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً لَمْ أَقْبَلْ مِنْكَ شَفَاعَتَكَ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: «لَأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِينَ» ، وَلَمْ يَقُلْ لِيُغْفَرَ لَهُمْ، فَمَا كَانَ ذَلِكَ لِانْتِظَارِ الْغُفْرَانِ بَلْ لَعَلَّهُ لِاسْتِمَالَةِ قُلُوبِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ لِمَا رَأَى مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِيهِمْ وَلِتَرْغِيبِهِمْ فِي الدِّينِ لَا لِانْتِظَارِ غُفْرَانِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْيَأْسِ، وَقَطْعِ الطَّمَعِ. الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَخْصِيصَ نَفْيِ الْمَغْفِرَةِ بِالسَّبْعِينَ أَدَلُّ عَلَى جَوَازِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ السَّبْعِينَ أَوْ عَلَى وُقُوعِهِ، فَإِنْ قُلْتُمْ عَلَى وُقُوعِهِ فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ قُلْتُمْ عَلَى جَوَازِهِ فَقَدْ كَانَ الْجَوَازُ ثَابِتًا بِالْعَقْلِ قَبْلَ الْآيَةِ فَانْتَفَى الْجَوَازُ الْمُقَدَّرُ بِالسَّبْعِينَ، وَالزِّيَادَةُ ثَبَتَ جَوَازُهَا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا بِالْمَفْهُومِ. الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ لَهُمْ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا: الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» فَلَوْ لَمْ يَتَضَمَّنْ نَفْيَ الْمَاءِ عَنْ غَيْرِ الْمَاءِ لَمَا كَانَ وُجُوبُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ نَسْخًا لَهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ وُجُوبُهُ بِالْمَاءِ بَلْ انْحِصَارُهُ عَلَيْهِ، وَاخْتِصَاصُهُ بِهِ، وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا نَقْلُ آحَادٍ، وَلَا تَثْبُتُ بِهِ اللُّغَةُ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ عَنْ قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ لَا عَنْ كَافَّةِ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَذْهَبًا لَهُمْ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَجِبُ تَقْلِيدُهُمْ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْهُ أَنَّ كُلَّ الْمَاءِ مِنْ الْمَاءِ، فَفَهِمُوا مِنْ لَفْظِ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا الْعُمُومَ، وَالِاسْتِغْرَاقَ لِجِنْسِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَفَهِمُوا أَخِيرًا كَوْنَ خَبَرِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ نَسْخًا لِعُمُومِ الْأَوَّلِ لَا لِمَفْهُومِهِ، وَدَلِيلِ خِطَابِهِ، وَكُلُّ عَامٍّ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ فَالْخَاصُّ بَعْدَهُ يَكُونُ نَسْخًا لِبَعْضِهِ، وَيَتَقَابَلَانِ إنْ اتَّحَدَتْ الْوَاقِعَةُ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «لَا مَاءَ إلَّا مِنْ الْمَاءِ» ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِطَرَفَيْ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ أَتَى بَابَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجَ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَقَالَ ﵇: عَجَّلْت عَجَّلْت، وَلَمْ تُنْزِلْ فَلَا تَغْتَسِلْ فَالْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالنَّفْيِ فَرَأَوْا خَبَرَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ نَاسِخًا لِمَا فُهِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةٍ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ: إنَّ هَذَا لِلْحَصْرِ، وَالنَّفْي، وَالْإِثْبَاتِ، وَلَا مَفْهُومَ لِلَّقَبِ، وَالْمَاءُ اسْمُ لَقَبٍ فَدَلَّ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَصْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْأَلِفُ، وَاللَّامُ، وَقَوْلُهُ: " إنَّمَا "، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إنَّ الْمَنْسُوخَ مَفْهُومُ هَذَا اللَّفْظِ، فَلَعَلَّ الْمَنْسُوخَ عُمُومُهُ أَوْ حَصْرُهُ الْمَعْلُومُ بِمُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ، وَالْكَلَامُ فِي مُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ. الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ «يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَالَ لِعُمَرَ ﵁: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ، وَقَدْ أَمِنَّا؟ فَقَالَ: تَعَجَّبْتُ مِمَّا تَعَجَّبْتَ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ - أَوْ عَلَى عِبَادِهِ - فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ، وَتَعَجُّبُهُمَا مِنْ بُطْلَانِ مَفْهُومِ تَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] قُلْنَا: لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَاسْتَثْنَى حَالَةَ الْخَوْفِ فَكَانَ الْإِتْمَامُ وَاجِبًا عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ لَا بِالتَّخْصِيصِ

стр. 266

الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» نَفْيَ رِبَا الْفَضْلِ، وَكَذَلِكَ عَقَلَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ أَخَوَانِ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، وَكَذَلِكَ قَالَ: " الْأَخَوَاتُ لَا يَرِثْنَ مَعَ الْأَوْلَادِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] فَإِنَّهُ لَمَّا جَعَلَ لَهَا النِّصْفَ بِشَرْطِ عَدَمِ الْوَلَدِ دَلَّ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ. الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ خَالَفُوهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ دَلَّ مَذْهَبُهُ عَلَيْهِ دَلَّ مَذْهَبُهُمْ عَلَى نَقِيضِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ دَفَعَ رِبَا الْفَضْلِ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ بَلْ رُبَّمَا دَفَعَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَقَرِينَةٍ أُخْرَى. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبَيْعَ أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَإِذَا كَانَ النَّهْيُ قَاصِرًا عَلَى النَّسِيئَةِ كَانَ الْبَاقِي حَلَالًا بِالْعُمُومِ، وَدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا بِالْمَفْهُومِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي النَّفْي، وَالْإِثْبَاتِ، وَقَوْلُهُ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» أَيْضًا قَدْ أَقَرَّ بِهِ بَعْضُ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَصْرِ. الْمَسْلَكُ السَّادِسُ: أَنَّهُ إذَا قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا أَسْوَدَ، يُفْهَمُ نَفْيُ الْأَبْيَضِ، وَإِذَا قَالَ: اضْرِبْهُ إذَا قَامَ: يُفْهَمُ الْمَنْعُ إذَا لَمْ يَقُمْ. قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، بَلْ الْأَصْلُ مَنْعُ الشِّرَاءِ، وَالضَّرْبِ إلَّا فِيمَا أَذِنَ، وَالْإِذْنُ قَاصِرٌ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى النَّفْيِ، وَتَوَلَّدَ مِنْهُ دَرْكُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَبْيَضِ، وَالْأَسْوَدِ، وَعِمَادُ الْفَرْقِ إثْبَاتٌ، وَنَفْيٌ، وَمُسْتَنَدُ النَّفْيِ الْأَصْلُ، وَمُسْتَنَدُ الْإِثْبَاتِ الْإِذْنُ الْقَاصِرُ، وَالذِّهْنُ إنَّمَا يَتَنَبَّهُ لِلْفَرْقِ عِنْدَ الْإِذْنِ الْقَاصِرِ عَلَى الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْأَبْيَضَ، فَيَسْبِقُ إلَى الْأَوْهَامِ الْعَامِّيَّةِ أَنَّ إدْرَاكَ الذِّهْنِ هَذَا الِاخْتِصَاصَ، وَالْفَرْقَ مِنْ الذِّكْرِ الْقَاصِرِ لَا بَلْ هُوَ عِنْدَ الذِّكْرِ الْقَاصِرِ لَكِنَّ أَحَدَ طَرَفَيْ الْفَرْقِ حَصَلَ مِنْ الذِّكْرِ، وَالْآخَرَ كَانَ حَاصِلًا فِي الْأَصْلِ، فَيَذْكُرُهُ عِنْدَ التَّخْصِيصِ فَكَانَ حُصُولُ الْفَرْقِ عِنْدَهُ لَا بِهِ؛ فَهَذَا مَزَلَّةُ الْقَدَمِ، وَهُوَ دَقِيقٌ وَلِأَجْلِهِ غَلِطَ الْأَكْثَرُونَ. ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ عَلَى الْبَيْعِ شَاةً، وَبَقَرَةً، وَغَانِمًا، وَسَالِمًا، وَقَالَ: اشْتَرِ غَانِمًا، وَالشَّاةَ لَسَبَقَ إلَى الْفَهْمِ الْفَرْقُ بَيْنَ غَانِمٍ، وَسَالِمٍ، وَبَيْنَ الْبَقَرَةِ، وَالشَّاةِ، وَاللَّقَبُ لَا مَفْهُومَ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ عِنْدَ كُلِّ مُحَصَّلٍ إذْ قَوْلُهُ: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ» لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الرِّبَا مِنْ غَيْرِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ دَلَّ لَانْحَسَمَ بَابُ الْقِيَاسِ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ فَائِدَتُهُ إبْطَالُ التَّخْصِيصِ، وَتَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مِنْ الْمَنْصُوصِ إلَى غَيْرِهِ؛ لَكِنَّ مَزَلَّةَ الْقَدَمِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَتَضَمَّنُ الِاقْتِطَاعَ مِنْ أَصْلٍ ثَابِتٍ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ؛ فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الطَّلَاقِ لَا لِتَخْصِيصِ الدُّخُولِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ فَلَسْتِ بِطَالِقٍ، فَلَا يَقَعُ إذَا لَمْ تَدْخُلْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْأَصْلُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ حَتَّى يَكُونَ تَخْصِيصُ النَّفْيِ بِالدُّخُولِ مُوجِبًا لِلرُّجُوعِ إلَى الْأَصْلِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ، وَهَذَا وَاضِحٌ. الْمَسْلَكُ السَّابِعُ: وَعَلَيْهِ تَعْوِيلُ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي وُقُوعِ هَذَا الْوَهْمِ: أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ فَإِنْ اسْتَوَتْ السَّائِمَةُ، وَالْمَعْلُوفَةُ، وَالثَّيِّبُ، وَالْبِكْرُ، وَالْعَمْدُ، وَالْخَطَأُ فَلِمَ خَصَّصَ الْبَعْضَ بِالذِّكْرِ، وَالْحُكْمُ شَامِلٌ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْبَيَانِ تَعُمُّ

стр. 267

الْقِسْمَيْنِ فَلَا دَاعِيَ لَهُ إلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ، وَإِلَّا صَارَ الْكَلَامُ لَغْوًا، وَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا عَكْسُ الْوَاجِبِ، فَإِنَّكُمْ جَعَلْتُمْ طَلَبَ الْفَائِدَةِ طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ وَضْعِ اللَّفْظِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ أَوَّلًا الْوَضْعُ ثُمَّ تُرَتَّبُ الْفَائِدَةُ عَلَيْهِ،، وَالْعِلْمُ بِالْفَائِدَةِ ثَمَرَةُ مَعْرِفَةِ الْوَضْعِ أَمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَضْعُ تَبَعَ مَعْرِفَةِ الْفَائِدَةِ فَلَا. الثَّانِي: هُوَ أَنَّ عِمَادَ هَذَا الْكَلَامِ أَصْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ إلَّا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ، وَالنَّتِيجَةُ أَنَّهُ الْفَائِدَةُ إذًا، وَمُسَلَّمٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَائِدَةٍ؛ لَكِنَّ الْأَصْلَ الثَّانِيَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ إلَّا هَذَا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ فَلَعَلَّ فِيهِ فَائِدَةً، فَلَيْسَتْ الْفَائِدَةُ مَحْصُورَةً فِي هَذَا بَلْ الْبَوَاعِثُ عَلَى التَّخْصِيصِ كَثِيرَةٌ، وَاخْتِصَاصُ الْحُكْمِ أَحَدُ الْبَوَاعِثِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ كَانَ لَهُ فَائِدَةٌ أَوْ عَلَيْهِ بَاعِثٌ سِوَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ لَعَرَفْنَاهُ. قُلْنَا وَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ كُلَّ فَائِدَةٍ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لَكُمْ؟ فَلَعَلَّهَا حَاضِرَةٌ، وَلَمْ تَعْثُرُوا عَلَيْهَا، فَكَأَنَّمَا جَعَلْتُمْ عَدَمَ عِلْمِ الْفَائِدَةِ عِلْمًا بِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَهَذَا خَطَأٌ فَعِمَادُ هَذَا الدَّلِيلِ هُوَ الْجَهْلُ بِفَائِدَةٍ أُخْرَى. الثَّالِثُ وَهُوَ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ عَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ: أَنَّ تَخْصِيصَ اللَّقَبِ لَا يَقُولُ بِهِ مُحَصِّلٌ فَلِمَ لَمْ تَطْلُبُوا الْفَائِدَةَ فِيهِ؟ فَإِذَا خَصَّصَ الْأَشْيَاءَ السِّتَّةَ فِي الرِّبَا، وَعَمَّمَ الْحُكْمَ فِي الْمَكِيلَاتِ، وَالْمَطْعُومَاتِ كُلِّهَا، وَخَصَّصَ الْغَنَمَ بِالزَّكَاةِ مَعَ وُجُوبِهَا فِي الْإِبِلِ، وَالْبَقَرِ فَمَا سَبَبُهُ مَعَ اسْتِوَاءِ الْحُكْمِ؟ فَيُقَالُ: لَعَلَّ إلَيْهِ دَاعِيًا مِنْ سُؤَالٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ سَبَبٍ لَا نَعْرِفُهُ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ فِي تَخْصِيصِ الْوَصْفِ. الرَّابِعُ: أَنَّ فِي تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالصِّفَةِ الْخَاصَّةِ فَوَائِدَ. الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ مَحَلِّ الْحُكْمِ لَمْ يَبْقَ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالٌ فَأَرَادَ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَلْقَابِ، وَالْأَوْصَافِ بِالذِّكْرِ أَنْ يُعَرِّضَ الْمُجْتَهِدِينَ لِثَوَابٍ جَزِيلٍ فِي الِاجْتِهَادِ إذْ بِذَلِكَ تَتَوَفَّرُ دَوَاعِيهِمْ عَلَى الْعِلْمِ، وَيَدُومُ الْعِلْمُ مَحْفُوظًا بِإِقْبَالِهِمْ، وَنَشَاطِهِمْ فِي الْفِكْرِ، وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَلَوْلَا هَذَا لَذَكَرَ لِكُلِّ حُكْمٍ رَابِطَةً عَامَّةً جَامِعَةً لِجَمِيعِ مَجَارِي الْحُكْمِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْقِيَاسِ مَجَالٌ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: " فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ "، وَلَمْ يُخَصِّصْ السَّائِمَةَ لَجَازَ لِلْمُجْتَهِدِ إخْرَاجُ السَّائِمَةِ عَنْ الْعُمُومِ بِالِاجْتِهَادِ الَّذِي يَنْقَدِحُ لَهُ، فَخَصَّ السَّائِمَةَ بِالذِّكْرِ لِتُقَاسَ الْمَعْلُوفَةُ عَلَيْهَا إنْ رَأَى أَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا أَوْ لَا تَلْحَقُ بِهَا فَتَبْقَى السَّائِمَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ " رُبَّمَا أَدَّى اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ إلَى إخْرَاجِ الْبُرِّ، وَالتَّمْرِ، فَنَصَّ عَلَى مَا لَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِهِ، وَتَرَكَ مَا هُوَ مَوْكُولٌ إلَى الِاجْتِهَادِ لَا سِيَّمَا، وَلَوْ ذُكِرَ الطَّعَامُ أَوْ الْغَنَمُ، وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ لَصَارَ عِنْدَ الْوَاقِفِيَّةِ مُحْتَمِلًا لِلْعُمُومِ وَلِلْبُرِّ خَاصَّةً أَوْ التَّمْرِ خَاصَّةً وَلِلْمَعْلُوفَةِ خَاصَّةً وَلِلسَّائِمَةِ خَاصَّةً، فَأَخْرَجَ الْمَخْصُوصَ عَنْ مَحَلِّ الْوَقْفِ، وَالشَّكِّ وَرَدَّ الْبَاقِيَ إلَى الِاجْتِهَادِ لِمَا رَأَى فِيهِ مِنْ اللُّطْفِ، وَالصَّلَاحِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى التَّخْصِيصِ لِلْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ عُمُومَ وُقُوعٍ أَوْ خُصُوصَ سُؤَالٍ أَوْ وُقُوعَ وَاقِعَةٍ أَوْ اتِّفَاقَ مُعَامَلَةٍ فِيهَا خَاصَّةٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابٍ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهَا، فَعَدَمُ عِلْمِنَا بِذَلِكَ لَا يُنَزَّلُ بِمَنْزِلَةِ عِلْمِنَا بِعَدَمِ ذَلِكَ، بَلْ نَقُولُ: لَعَلَّ إلَيْهِ دَاعِيًا لَمْ نَعْرِفْهُ فَكَذَلِكَ فِي الْأَوْصَافِ. الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ: قَوْلُهُمْ إنَّ التَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ كَالتَّعْلِيقِ بِالْعِلَّةِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الثُّبُوتَ بِثُبُوتِ الْعِلَّةِ، وَالِانْتِفَاءَ بِانْتِفَائِهَا، وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْعِلَّةِ، وَالصِّفَةُ وَاحِدَةٌ فَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ يُوجِبُ ثُبُوتَهُ بِثُبُوتِهَا أَمَّا انْتِفَاؤُهُ بِانْتِفَائِهَا فَلَا بَلْ يَبْقَى بَعْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ عَلَى مَا

стр. 268

يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ، وَكَيْفَ، وَنَحْنُ نُجَوِّزُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ؟ فَلَوْ كَانَ إيجَابُ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ نَافِيًا لِلْقَتْلِ عِنْدَ انْتِفَائِهَا لَكَانَ إيجَابُ الْقِصَاصِ نَسْخًا لِذَلِكَ النَّفْيِ، بَلْ فَائِدَةُ ذِكْرِ الْعِلَّةِ مَعْرِفَةُ الرَّابِطَةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ مِنْ فَائِدَتِهِ أَيْضًا تَعْدِيَةُ الْعِلَّةِ مِنْ مَحَلِّهَا إلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا فَإِنَّ ذَلِكَ عُرِفَ بِوُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، وَلَوْلَاهُ لَكَانَ قَوْلُهُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْخَمْرُ لِشِدَّتِهَا، لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ النَّبِيذِ الْمُشْتَدِّ بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ شِدَّةَ الْخَمْرِ خَاصَّةً إلَى أَنْ يَرِدَ دَلِيلٌ، وَتَعَبَّدَ بِاتِّبَاعِ الْعِلَّةِ، وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَحَلِّ. الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ: اسْتِدْلَالُهُمْ بِتَخْصِيصَاتٍ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ خَالَفَ الْمَوْصُوفُ فِيهَا غَيْرَ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَسَبِيلُ الْجَوَابِ عَنْ جَمِيعِهَا إمَّا لِبَقَائِهَا عَلَى الْأَصْلِ أَوْ مَعْرِفَتِهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ أَوْ بِقَرِينَةٍ، وَلَوْ دَلَّ مَا ذَكَرُوهُ لَدَلَّتْ تَخْصِيصَاتٌ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ لَا أَثَرَ لَهَا عَلَى نَقِيضِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ إذْ يَجِبُ عَلَى الْخَاطِئِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إذْ تَجِبُ عَلَى الْعَامِدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَقَوْلِهِ: ﴿فلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] الْآيَةِ، وَقَوْلِهِ فِي الْخُلْعِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥] ، وَقَوْلِهِ ﵇: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» إلَى أَمْثَالٍ لَهُ لَا تُحْصَى. [الْقَوْلُ فِي دَرَجَاتِ دَلِيلِ الْخِطَابِ] ِ اعْلَمْ أَنَّ تَوَهُّمَ النَّفْيِ مِنْ الْإِثْبَاتِ عَلَى مَرَاتِبَ، وَدَرَجَاتٍ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْأُولَى وَهِيَ أَبْعَدُهَا، وَقَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهَا كُلُّ مُحَصِّلٍ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ، وَهُوَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ كَتَخْصِيصِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فِي الرِّبَا. الثَّانِيَةُ: الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ الدَّالُّ عَلَى جِنْسٍ، كَقَوْلِهِ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» ، وَهَذَا أَيْضًا يَظْهَرُ إلْحَاقُهُ بِاللَّقَبِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَقَبٌ لِجِنْسِهِ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِمَّا يُطْعَمُ، إذْ لَا تُدْرَكُ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: «فِي الْغَنَمِ زَكَاةٌ، وَفِي الْمَاشِيَةِ زَكَاةٌ» وَإِنْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ مُشْتَقَّةً مَثَلًا. الثَّالِثَةُ: تَخْصِيصُ الْأَوْصَافِ الَّتِي تَطْرَأُ، وَتَزُولُ، كَقَوْلِهِ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» «وَالسَّائِمَةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ» فَلِأَجْلِ أَنَّ السَّوْمَ يَطْرَأُ، وَيَزُولُ رُبَّمَا يَتَقَاضَى الذِّهْنُ طَلَبَ سَبَبِ التَّخْصِيصِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ حَمَلَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ، وَمَنْشَؤُهُ الْجَهْلُ بِمَعْرِفَةِ الْبَاعِثِ عَلَى التَّخْصِيصِ. الرَّابِعَةُ: أَنْ يُذْكَرَ الِاسْمُ الْعَامُّ ثُمَّ تُذْكَرَ الصِّفَةُ الْخَاصَّةُ فِي مَعْرَضِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَالْبَيَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ: «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» ، وَكَقَوْلِهِ: «مَنْ بَاعَ نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ» «وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الْحَرْبِيِّينَ» ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْغَنَمَ، وَالنَّخْلَةَ، وَالْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ عَامَّةٌ، فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَعُمُّهَا لَمَا أَنْشَأَ بَعْدَهُ اسْتِدْرَاكًا، لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا التَّخْصِيصِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَا مَفْهُومَ لَهُ، فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْكَلَامِ إلَى سَبَبِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ سِوَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ لَمْ نَعْرِفْهُ. وَوَجْهُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ تَخْصِيصَ اللَّقَبِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهُ ذِكْرُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْأَشْيَاءَ السِّتَّةَ، فَهَذَا احْتِمَالٌ، وَهُوَ الْغَفْلَةُ عَنْ غَيْرِ

стр. 269

الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ الْبِكْرِ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِلثَّيِّبِ أَبْعَدُ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الصِّفَةِ بِذِكْرِ ضِدِّهَا يُضْعِفُ هَذَا الِاحْتِمَالَ فَصَارَ احْتِمَالُ الْمَفْهُومِ أَظْهَرَ، وَعِنْدَ الِاسْتِدْرَاكِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ انْقَطَعَ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِالْكُلِّيَّةِ فَظَهَرَ احْتِمَالُ الْمَفْهُومِ لِانْحِسَامِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَاتِ الْبَاعِثَةِ عَلَى التَّخْصِيصِ، لَكِنَّ وَرَاءَ هَذِهِ احْتِمَالَاتٌ دَاعِيَةٌ إلَى التَّخْصِيصِ، وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْهَا فَلَا يُحْتَجُّ بِمَا لَا يُعْلَمُ فَيُنْظَرُ إلَى لَفْظِهِ. ، وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلْغَنَمِ السَّائِمَةِ، وَالنَّخْلَةِ الْمُؤَبَّرَةِ فَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ، وَغَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: فِي السَّائِمَةِ، وَفِي الْمُؤَبَّرَةِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ. الْخَامِسَةُ: الشَّرْطُ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: إنْ كَانَ كَذَا فَافْعَلْ كَذَا، وَ «إنْ جَاءَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وَقَدْ ذَهَبَ ابْنُ شُرَيْحٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُنْكِرِينَ لِلْمَفْهُومِ إلَى أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي إنْكَارُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ؛؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَقَطْ، فَيَقْصُرُ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، أَمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى عَدَمِهِ عِنْدَ الْعَدَمِ فَلَا، وَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى الْوُجُودِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الذِّكْرِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى النَّفْيِ، فَيَتَغَيَّرُ عَمَّا كَانَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ كَمَا يَجُوزُ بِعِلَّتَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: اُحْكُمْ بِالْمَالِ لِلْمُدَّعِي إنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَاحْكُمْ لَهُ بِالْمَالِ إنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ، لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ، وَالْيَمِينِ، وَالشَّاهِدِ، وَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِالْحُكْمِ بِالْإِقْرَارِ، وَالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ نَسْخًا لَهُ، وَرَفْعًا لِلنَّصِّ أَصْلًا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى جَوَّزْنَاهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ مَفْهُومَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَيَجُوزُ أَنْ نُوَافِقَ الشَّافِعِيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ خَالَفْنَاهُ فِي الْمَفْهُومِ مِنْ حَيْثُ إنَّ انْقِطَاعَ مِلْكِ النِّكَاحِ يُوجِبُ سُقُوطَ النَّفَقَةِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، وَالْحَامِلُ هِيَ الْمُسْتَثْنَى، فَيَبْقَى الْحَائِلُ عَلَى أَصْلِ النَّفْيِ، وَانْتَفَتْ نَفَقَتُهَا لَا بِالشَّرْطِ؛ لَكِنْ بِانْتِفَاءِ النِّكَاحِ الَّذِي كَانَ عِلَّةَ النَّفَقَةِ السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ ﵇: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ، وَ «إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» ، وَ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، وَ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَهَذَا قَدْ أَصَرَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ الْمُنْكِرِينَ لِلْمَفْهُومِ عَلَى إنْكَارِهِ، وَقَالُوا: إنَّهُ إثْبَاتٌ فَقَطْ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وَأَقَرَّ الْقَاضِي بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَصْرِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْكِيدِ إذْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] ، وَ ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] يُشْعِرُ بِالْحَصْرِ، وَلَكِنْ قَدْ يَقُولُ: إنَّمَا النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ، وَإِنَّمَا الْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ يُرِيدُ بِهِ الْكَمَالَ، وَالتَّأْكِيدَ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَيْضًا، وَلَكِنْ خَصَّصَ الْقَاضِي هَذَا بِقَوْلِهِ: " إنَّمَا "، وَلَمْ يُطْرِدْهُ فِي قَوْلِهِ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» ، وَ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ، وَالْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ زَيْدٌ، وَعِنْدَنَا أَنَّ هَذَا يُلْحَقُ بِقَوْلِهِ " إنَّمَا "، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحَصْرِ أَيْضًا، فَإِنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ زَيْدٌ صَدِيقِي، وَبَيْنَ قَوْلِهِ؛ صَدِيقِي زَيْدٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ زَيْدٌ عَالِمٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: الْعَالِمُ زَيْدٌ. وَهَذَا التَّحْقِيقُ، وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ الْمُبْتَدَإِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ؛ فَإِذَا جَعَلَ زَيْدًا مُبْتَدَأ، وَقَالَ زَيْدٌ صَدِيقِي، جَازَ أَنْ تَكُونَ الصَّدَاقَةُ

стр. 270

أَعَمَّ مِنْ زَيْدٍ، وَزَيْدٌ أَخَصَّ مِنْ الصَّدِيقِ؛؛ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ الْخَبَرِ، أَمَّا إذَا جَعَلَ الصَّدِيقَ مُبْتَدَأً فَقَالَ: صَدِيقِي زَيْدٌ، فَلَوْ كَانَ لَهُ صَدِيقٌ آخَرُ كَانَ الْمُبْتَدَأُ أَعَمَّ مِنْ الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ أَخَصَّ، وَكَانَ كَقَوْلِهِ: اللَّوْنُ سَوَادٌ، وَالْحَيَوَانُ إنْسَانٌ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ عَكْسُهُ جَائِزًا. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: صَدِيقِي زَيْدٌ، وَعَمْرٌو أَيْضًا، وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَلِمَنْ كَاتَبَ وَلِمَنْ بَاعَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ، وَلَوْ كَانَ لِلْحَصْرِ لَكَانَ هَذَا نَقْضًا لَهُ. قُلْنَا: هُوَ لِلْحَصْرِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْكَلَامِ مَا يُغَيِّرُهُ، كَمَا أَنَّ الْعَشَرَةَ لِمَعْنَاهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَّصِلَ بِهَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَقَوْلُهُ: ﴿فاُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ظَاهِرٌ فِي الْجَمِيعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقُولَ إلَّا زَيْدًا. السَّابِعَةُ: مَدُّ الْحُكْمِ إلَى غَايَةٍ بِصِيغَةِ " إلَى "، وَ " حَتَّى " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] ، وَقَدْ أَصَرَّ عَلَى إنْكَارِ هَذَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ الْمُنْكِرِينَ لِلْمَفْهُومِ، وَقَالُوا: هَذَا نُطْقٌ بِمَا قَبْلَ الْغَايَةِ، وَسُكُوتٌ عَمَّا بَعْدَ الْغَايَةِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ النُّطْقِ. وَأَقَرَّ الْقَاضِي بِهَذَا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، وَ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لَيْسَ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا، فَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، فَيَكُونَ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا صَحَّ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْمَارٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: حَتَّى يَطْهُرْنَ فَاقْرُبُوهُنَّ، وَحَتَّى تَنْكِحَ فَتَحِلَّ، وَلِهَذَا يَقْبُحُ الِاسْتِفْهَامُ إذَا قَالَ: لَا تُعْطِ زَيْدًا حَتَّى يَقُومَ، وَلَوْ قَالَ: أَعْطِهِ إذَا قَامَ فَلَا يَحْسُنُ، إذْ مَعْنَاهُ: أَعْطِهِ إذَا قَامَ؛ وَلِأَنَّ الْغَايَةَ نِهَايَةٌ، وَنِهَايَةُ الشَّيْءِ مَقْطَعُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطَعًا فَلَا يَكُونُ نِهَايَةً، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: اضْرِبْهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَلَا يَحْسُنُ مَعَهُ أَنْ يَقُولَ: وَهَلْ أَضْرِبُهُ، وَإِنْ تَابَ؟ وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ لَهُ ظُهُورٌ مَا، وَلَكِنْ لَا يَنْفَكُّ عَنْ نَظَرٍ، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَا لَهُ ابْتِدَاءٌ فَغَايَتُهُ مَقْطَعٌ لِبِدَايَتِهِ، فَيَرْجِعُ الْحُكْمُ بَعْدَ الْغَايَةِ إلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْبِدَايَةِ، فَيَكُونُ الْإِثْبَاتُ مَقْصُورًا أَوْ مَمْدُودًا إلَى الْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَكُونُ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ كَمَا قَبْلَ الْبِدَايَةِ؛ فَإِذًا هَذِهِ الرُّتْبَةُ أَضْعَفُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ مِمَّا قَبْلَهَا الرُّتْبَةُ الثَّامِنَةُ: لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إلَّا زَيْدٌ، وَهَذَا قَدْ أَنْكَرَهُ غُلَاةُ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ، وَقَالُوا: هَذَا نُطْقٌ بِالْمُسْتَثْنَى عَنْهُ، وَسُكُوتٌ عَنْ الْمُسْتَثْنَى، فَمَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ " إلَّا " فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْكَلَامِ فَصَارَ الْكَلَامُ مَقْصُورًا عَلَى الْبَاقِي، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ، فَمَنْ قَالَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى النَّفْيِ بَلْ أَثْبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى الْأُلُوهِيَّةَ، وَنَفَاهَا عَنْ غَيْرِهِ، وَمَنْ قَالَ: لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ، وَلَا فَتًى إلَّا عَلِيٌّ، وَلَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفِقَارِ، فَقَدْ نَفَى، وَأَثْبَتَ قَطْعًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ» ، وَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَ «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» هَذَا صِيغَةُ الشَّرْطِ، وَمُقْتَضَاهَا نَفْيُ الْمَنْفِيِّ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ فَلَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ بَلْ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ مَعَ الطَّهَارَةِ لِسَبَبٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ النِّكَاحُ مَعَ الْوَلِيِّ، وَالْبَيْعُ مَعَ الْمُسَاوَاةِ، وَهَذَا عَلَى وَفْقِ قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ فَإِنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ عِنْدَ ثُبُوتِ وَصْفٍ لَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِهِ عِنْدَ انْتِفَائِهِ بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ النُّطْقِ، وَكَذَلِكَ نَفْيُهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ شَيْءٍ لَا يَدُلُّ عَلَى

стр. 271

إثْبَاتِهِ عِنْدَ ثُبُوتِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ النُّطْقِ، وَيَكُونُ الْمَنْطُوقُ بِهِ النَّفْيَ عِنْدَ الِانْتِفَاءِ فَقَطْ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ "، وَلَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ وَرَدَ عَلَى النَّفْيِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ. وَقَوْلُهُ: «لَا صَلَاةَ» لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلطَّهَارَةِ بَلْ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: «إلَّا بِطُهُورٍ» لَيْسَ إثْبَاتًا لِلصَّلَاةِ بَلْ لِلطَّهُورِ الَّذِي لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الْكَلَامِ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الشَّرْطُ مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالْمَفْهُومِ أَقَرُّوا بِأَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: ﴿، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] ، وَلَا لِقَوْلِهِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» ؛ لِأَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى التَّخْصِيصِ الْعَادَةُ،؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَجْرِي إلَّا عِنْدَ الشِّقَاقِ، وَالْمَرْأَةَ لَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا إلَّا إذَا أَبَى الْوَلِيُّ، وَكَذَلِكَ الْقَائِلُونَ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ قَالُوا: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: «صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُمَا لِكَوْنِهِمَا غَالِبَيْنِ، وَإِذَا كَانَ يَسْقُطُ الْمَفْهُومُ بِمِثْلِ هَذَا الْبَاعِثِ فَحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا الْبَاعِثُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ بَاعِثٌ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا فَكَيْفَ يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى عَدَمِ ظُهُورِ الْبَاعِثِ لَنَا؟ فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ انْتَفَى الْبَاعِثُ الْمُخَصِّصِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتَوَتْ الْحَاجَةُ فِي الْمَذْكُورِ، وَالْمَسْكُوتِ، وَاسْتَوَيَا فِي الذِّكْرِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مَنْسِيًّا فَهَلْ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ ﵇ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِالذِّكْرِ؟ فَإِنْ جَوَّزْتُمْ فَهُوَ نِسْبَةٌ إلَى اللَّغْوِ، وَالْعَبَثِ، وَكَانَ كَقَوْلِهِ: يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الطَّوِيلِ، وَالْأَبْيَضِ، فَقُلْنَا: وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَصِيرِ، وَالْأَسْوَدِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قُلْنَا: فَلِمَ خَصَصْتَ هَذَا بِالذِّكْرِ؟ فَقَالَ: بِالتَّشَهِّي، وَالتَّحَكُّمِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى خِلَافِ الْجَدِّ، وَيَصْلُحُ ذَلِكَ لَأَنْ يُلَقَّبُ بِهِ لِيُضْحَكَ مِنْهُ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ الْيَهُودِيُّ إذَا مَاتَ لَا يُبْصِرُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُزُؤًا، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ إنْ لَمْ يَكُنْ بَاعِثٌ فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. أَمَّا إسْقَاطُ دَلَالَتِهِ لِتَوَهُّمِ بَاعِثٍ عَلَى التَّخْصِيصِ سِوَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ فَهُوَ رَفْعٌ لِلدَّلَالَةِ بِالتَّوَهُّمِ. قُلْنَا: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُسَلَّمٌ، وَهُوَ أَيْضًا جَارٍ فِي تَخْصِيصِ اللَّقَبِ، وَالْيَهُودِيُّ اسْمُ لَقَبٍ، وَيُسْتَقْبَحُ تَخْصِيصُهُ، وَلَا مَفْهُومَ لِلَّقَبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْسِمُ سَبِيلَ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا أُسْقِطَ مَفْهُومُ اللَّقَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ بَلْ هُوَ نُطْقٌ بِشَيْءٍ، وَسُكُوتٌ عَنْ شَيْءٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: فَلِمَ سَكَتَ عَنْ الْبَعْضِ، وَنَطَقَ بِالْبَعْضِ؟ فَنَقُولُ: لَا نَدْرِي، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَا يَثْبُتُ الِاخْتِصَاصُ بِمُجَرَّدِ احْتِمَالٍ، وَوَهْمٍ، وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الْوَصْفِ، وَلَا فَرْقَ، فَإِذًا لَسْنَا نَدْرَأُ الدَّلِيلَ بِالْوَهْمِ بَلْ الْخَصْمُ يَبْنِي الدَّلِيلَ عَلَى الْوَهْمِ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يَنْتَفِ سَائِرُ الْبَوَاعِثِ لَا يَتَعَيَّنُ بَاعِثُ اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ، وَتَقْدِيرُ انْتِفَاءِ الْبَوَاعِثِ وَهْمٌ مُجَرَّدٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ الْيَهُودِيِّ إذَا مَاتَ لَا يُبْصِرُ، فَلَيْسَ اسْتِقْبَاحُهُ لِلتَّخْصِيصِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مَا هُوَ جَلِيٌّ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: الْإِنْسَانُ إذَا مَاتَ لَمْ يُبْصِرْ أَوْ الْحَيَوَانُ إذَا مَاتَ لَا يُبْصِرُ، اُسْتُقْبِحَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِمَا هُوَ وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ تَعَرَّضَ لِمُشْكِلٍ فَلَا يُسْتَقْبَحُ التَّخْصِيصُ فِي كُلِّ مَقَامٍ كَقَوْلِهِ: الْعَبْدُ إذَا وَاقَعَ فِي الْحَجِّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، فَهَذَا لَا يُسْتَقْبَحُ، وَإِنْ شَارَكَهُ الْحُرُّ، وَكَقَوْلِهِ: الْإِنْسَانُ لَا يَتَحَرَّكُ إلَّا بِالْإِرَادَةِ، وَلَا يُرِيدُ إلَّا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ، فَلَا يُسْتَقْبَحُ، وَإِنْ كَانَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ شَارَكَهُ فِيهِمَا. هَذَا تَمَامُ التَّحْقِيقِ فِي الْمَفْهُومِ، وَبِهِ تَمَامُ النَّظَرِ فِي الْفَنِّ الثَّانِي، وَهُوَ اقْتِبَاسُ الْحُكْمِ مِنْ

стр. 272

اللَّفْظِ لَا مِنْ حَيْثُ صِيغَتُهُ، وَوَضْعُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ فَحْوَاهُ، وَإِشَارَتُهُ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْفَنُّ الثَّالِثُ، وَهُوَ اقْتِبَاسُ الْحُكْمِ مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهُ، وَمَعْقُولُهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَالْقَوْلُ فِيهِ طَوِيلٌ. وَنَرَى أَنْ نُلْحِقَ بِآخَرِ الْفَنِّ الثَّانِي الْقَوْلَ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسُكُوتِهِ، وَوَجْهَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُظَنّ أَنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ فِي الدَّلَالَةِ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ نَخُوضُ فِي الْفَنِّ الثَّالِثِ، وَهُوَ شَرْحُ الْقِيَاسِ. [الْقَوْلُ فِي دَلَالَةِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇ وَسُكُوتِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ وَفِيهِ فُصُولٌ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي دَلَالَةِ الْفِعْلِ] الْقَوْلُ فِي دَلَالَةِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇، وَسُكُوتِهِ، وَاسْتِبْشَارِهِ، وَفِيهِ فُصُولٌ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي دَلَالَةِ الْفِعْلِ وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ مُقَدَّمَةً فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ، فَنَقُولُ: لَمَّا ثَبَتَ بِبُرْهَانِ الْعَقْلِ صِدْقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَصْدِيقُ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ، فَكُلُّ مَا يُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْمُعْجِزَةِ فَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَيُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْمُعْجِزَةِ جَوَازُ الْكُفْرِ، وَالْجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَكِتْمَانِ رِسَالَةِ اللَّهِ، وَالْكَذِبِ، وَالْخَطَإِ، وَالْغَلَطِ فِيمَا يُبَلِّغُ، وَالتَّقْصِيرِ فِي التَّبْلِيغِ، وَالْجَهْلِ بِتَفَاصِيلِ الشَّرْعِ الَّذِي أُمِرَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ. أَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى مُفَارَقَةِ الذَّنْبِ فِيمَا يَخُصُّهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسَالَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْهُ، عِنْدَنَا دَلِيلُ الْعَقْلِ بَلْ دَلِيلُ التَّوْقِيفِ، وَالْإِجْمَاعُ قَدْ دَلَّ عَلَى عِصْمَتِهِمْ عَنْ الْكَبَائِرِ، وَعِصْمَتِهِمْ أَيْضًا عَمَّا يُصَغِّرُ أَقْدَارَهُمْ مِنْ الْقَاذُورَاتِ كَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَاللِّوَاطِ، أَمَّا الصَّغَائِرُ فَقَدْ أَنْكَرَهَا جَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: الذُّنُوبُ كُلُّهَا كَبَائِرُ فَأَوْجَبُوا عِصْمَتَهُمْ عَنْهَا. ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مِنْ الذُّنُوبِ صَغَائِرَ، وَهِيَ الَّتِي تُكَفِّرُهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ، وَكَمَا قَرَّرْنَا حَقِيقَتَهُ فِي كِتَابِ التَّوْبَةِ مِنْ كِتَابِ " إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ ". فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ تَثْبُتْ عِصْمَتُهُمْ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ؟ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُعْصَمُوا لَنَفَرَتْ قُلُوبُ الْخَلْقِ عَنْهُمْ. قُلْنَا: لَا يَجِبُ عِنْدَنَا عِصْمَتُهُمْ مِنْ جَمِيعِ مَا يُنَفِّرُ فَقَدْ كَانَتْ الْحَرْبُ سِجَالًا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْكُفَّارِ، وَكَانَ ذَلِكَ يُنَفِّرُ قُلُوبَ قَوْمٍ عَنْ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يُعْصَمْ عَنْهُ، وَإِنْ ارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ مَعَ أَنَّهُ حُفِظَ عَنْ الْخَطِّ، وَالْكِتَابَةِ كَيْ لَا يَرْتَابُ الْمُبْطِلُونَ، وَقَدْ ارْتَابَ جَمَاعَةٌ بِسَبَبِ النَّسْخِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ [النحل: ١٠١] ، وَجَمَاعَةٌ بِسَبَبِ الْمُتَشَابِهَاتِ فَقَالُوا: كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَشْفِ الْغِطَاءِ لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَخَلَّصَ الْخَلْقَ مِنْ كَلِمَاتِ الْجَهْلِ، وَالْخِلَافِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ، وَهَذَا لِأَنَّ نَفْيَ الْمُنَفِّرَاتِ لَيْسَ بِشَرْطِ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ. هَذَا حُكْمُ الذُّنُوبِ أَمَّا النِّسْيَانُ، وَالسَّهْوُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَخُصُّهُمْ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَلَا خِلَافَ فِي عِصْمَتِهِمْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الشَّرْعِ، وَالرِّسَالَةِ فَإِنَّهُمْ كُلِّفُوا تَصْدِيقَهُ جَزْمًا، وَلَا يُمْكِنُ التَّصْدِيقُ مَعَ تَجْوِيزِ الْغَلَطِ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ فِيمَا شَرَعَهُ بِالِاجْتِهَادِ لَكِنْ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، أَمَّا مَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْخَطَأُ عِنْدَهُ فِي اجْتِهَادِ غَيْرِهِ فَكَيْفَ فِي اجْتِهَادِهِ. رَجَعْنَا إلَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَفْعَالُهُ ﵇، فَمَا عُرِفَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ تَعَاطَاهُ بَيَانًا لِلْوَاجِبِ كَقَوْلِهِ ﵇: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» «وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» أَوْ عُلِمَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ أَنَّهُ إمْضَاءٌ لِحُكْمٍ نَازِلٍ كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ، فَهَذَا دَلِيلٌ، وَبَيَانٌ، وَمَا عُرِفَ أَنَّهُ

стр. 273

خَاصِّيَّتُهُ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ بَيَانٌ فِي نَفْيٍ، وَلَا إثْبَاتٍ فَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ بَلْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ، وَالنَّدْبِ، وَالْوُجُوبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ بَلْ يُحْتَمَلُ الْحَظْرُ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ عَلَيْهِمْ الصَّغَائِرَ، وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهُ عَلَى الْحَظْرِ، وَقَالَ قَوْمٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ عَلَى النَّدْبِ، وَقَالَ قَوْمٌ عَلَى الْوُجُوبِ إنْ كَانَ فِي الْعِبَادَاتِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَادَاتِ فَعَلَى النَّدْبِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّأَسِّي بِهِ، وَهَذِهِ تَحَكُّمَاتٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا صِيغَةَ لَهُ، وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ مُتَعَارِضَةٌ، وَنَحْنُ نُفْرِدُ كُلَّ وَاحِدٍ بِالْإِبْطَالِ. أَمَّا إبْطَالُ الْحَمْلِ عَلَى الْحَظْرِ فَهُوَ أَنَّ هَذَا خَيَالُ مَنْ رَأَى الْأَفْعَالَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْحَظْرِ قَالَ: وَهَذَا الْفِعْلُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَرْعٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِنَفْسِهِ لِإِبَاحَةٍ، وَلَا لِوُجُوبٍ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ. فَلَقَدْ صَدَقَ فِي إبْقَاءِ الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ، وَأَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْحَظْرِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَا ذَلِكَ، وَيُعَارِضُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ الْحَظْرِ. ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ تَنَاقُضٌ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِفِعْلَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي وَقْتَيْنِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُحَرِّمَ الشَّيْءَ، وَضِدَّهُ، وَهُوَ تَكْلِيفُ الْمُحَالِ. أَمَّا إبْطَالُ الْإِبَاحَةِ فَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَنَا مِثْلَ ذَلِكَ فَهُوَ تَحَكُّمٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَقْلٌ، وَلَا سَمْعٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَفْعَالِ نَفْيُ الْحَرَجِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الشَّرْعِ فَهُوَ حَقٌّ، وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ قَبْلَ فِعْلِهِ فَلَا دَلَالَةَ إذًا لِفِعْلِهِ. أَمَّا إبْطَالُ الْحَمْلِ عَلَى النَّدْبِ فَإِنَّهُ تَحَكُّمٌ إذَا لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْوُجُوبِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ نَدْبًا فَلَا يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ وَاجِبًا بَلْ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُبَاحًا. تَمَسَّكُوا بِشُبْهَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّ فِعْلَهُ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ، وَالنَّدْبَ، وَالنَّدْبُ أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَصِحُّ مَا ذَكَرُوهُ لَوْ كَانَ النَّدْبُ دَاخِلًا فِي الْوُجُوبِ، وَيَكُونُ الْوُجُوبُ نَدْبًا، وَزِيَادَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ يَدْخُلُ جَوَازُ التَّرْكِ فِي حَدِّ النَّدْبِ دُونَ حَدِّ الْوُجُوبِ، وَأَقْرَبُ مَا قِيلَ فِيهِ الْحَمْلُ عَلَى النَّدْبِ لَا سِيَّمَا فِي الْعِبَادَاتِ، أَمَّا فِي الْعَادَاتِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي كُلِّ فِعْلٍ لَهُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَيَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ يَدُلُّ هَذَا عَلَى نَفْيِ الصَّغَائِرِ عَنْهُ، وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الْعَادَاتِ، لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِقَاطِعٍ إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِدْلَالُهُمْ بِذَلِكَ مَعَ قَرَائِنَ حَسَمَتْ بَقِيَّةَ الِاحْتِمَالَاتِ، وَكَلَامُنَا فِي مُجَرَّدِ الْأَفْعَالِ دُونَ قَرِينَة، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا رَآهُ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ مُبَاحًا إذَا كَانَ فِي بِنَاءٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْبِنَاءِ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ،؛ لِأَنَّهُ خَلَا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ إظْهَارَهُ لِيُعْلَمَ بِالْقَرِينَةِ قَصْدُهُ الدُّعَاءَ إلَى الِاقْتِدَاءِ. فَتَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا أَنَّ مَا فَعَلَهُ مُبَاحٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُجَوِّزُوا عَلَيْهِ الصَّغَائِرَ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا الِاقْتِدَاءَ فِي كُلِّ فِعْلٍ بَلْ مَا تَقْتَرِنُ بِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ. الثَّانِيَةُ: التَّمَسُّك بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] . فَأَخْبَرَ أَنَّ لَنَا التَّأَسِّي، وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْكُمْ التَّأَسِّي فَيُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ. قُلْنَا: الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ التَّأَسِّي بِهِ فِي إيقَاعِ الْفِعْلِ الَّذِي أَوْقَعَهُ عَلَى مَا أَوْقَعَهُ، فَمَا أَوْقَعَهُ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا إذَا أَوْقَعْنَاهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ لَمْ نَكُنْ مُقْتَدِينَ بِهِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا قَصَدَ النَّدْبَ فَأَوْقَعْنَاهُ وَاجِبًا خَالَفْنَا التَّأَسِّي، فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّأَسِّي بِهِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ قَصْدِهِ

стр. 274

وَلَا يُعْرَفُ قَصْدُهُ إلَّا بِقَوْلِهِ أَوْ بِقَرِينَةٍ. ثُمَّ نَقُولُ: إذَا انْقَسَمَتْ أَفْعَالُهُ إلَى الْوَاجِبِ، وَالنَّدْبِ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَحْمِلُ الْكُلَّ عَلَى الْوُجُوبِ مُتَأَسِّيًا، وَمَنْ يَجْعَلُ الْكُلَّ أَيْضًا نَدْبًا مُتَأَسِّيًا، بَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَفْعَلُ مَا لَا يَدْرِي فَمَنْ فَعَلَ مَا لَا يَدْرِي عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَسِّيًا. أَمَّا إبْطَالُ الْحَمْلِ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ بِضَرُورَةِ عَقْلٍ، وَلَا نَظَرٍ، وَلَا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَعِنْدَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عِصْمَتَهُ مِنْ الصَّغَائِرِ يُحْتَمَلُ الْحَظْرُ أَيْضًا فَلَمْ يَتَحَكَّم بِالْحَمْلِ عَلَى الْوُجُوبِ. شُبَهٌ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: لَا بُدَّ مِنْ وَصْفِ فِعْلِهِ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ، وَمَصْلَحَةٌ، وَلَوْلَاهُ لَمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَلَا تَعَبَّدَ بِهِ. قُلْنَا: جُمْلَةُ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لِيَخْرُجَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ مَحْظُورًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي حَقِّنَا، وَلَيْسَ يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِأَنَّ مَا كَانَ فِي حَقِّهِ حَقًّا وَصَوَابًا، وَمَصْلَحَةً كَانَ فِي حَقِّنَا كَذَلِكَ بَلْ لَعَلَّهُ مَصْلَحَةٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى صِفَةِ النُّبُوَّةِ أَوْ صِفَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا، وَلِذَلِكَ خَالَفَنَا فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْجَائِزَاتِ، وَالْوَاجِبَاتِ، وَالْمَحْظُورَاتِ، بَلْ اخْتَلَفَ الْمُقِيمُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْحَائِضُ، وَالطَّاهِرُ فِي الصَّلَوَاتِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ اخْتِلَافُ النَّبِيِّ، وَالْأُمَّةِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَتَعْظِيمُ النَّبِيِّ وَاجِبٌ، وَالتَّأَسِّي بِهِ تَعْظِيمٌ. قُلْنَا: تَعْظِيمُ الْمَلِكِ فِي الِانْقِيَادِ لَهُ فِيمَا يَأْمُرُ، وَيَنْهَى لَا فِي التَّرَبُّعِ إذَا تَرَبَّعَ، وَلَا فِي الْجُلُوسِ عَلَى السَّرِيرِ إذَا جَلَسَ عَلَيْهِ، فَلَوْ نَذَرَ الرَّسُولُ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ فِي أَنْ نَنْذِرَهَا مِثْلَ مَا نَذَرَهَا، وَلَوْ طَلَّقَ أَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ فِي التَّشَبُّهِ بِهِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتَابَعْ فِي أَفْعَالِهِ لَجَازَ أَنْ لَا يُتَابَعَ فِي أَقْوَالِهِ، وَذَلِكَ تَصْغِيرٌ لِقَدْرِهِ، وَتَنْفِيرٌ لِلْقُلُوبِ عَنْهُ قُلْنَا: هَذَا هَذَيَان فَإِنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْقَوْلِ عِصْيَانٌ لَهُ، وَهُوَ مَبْعُوثٌ لِلتَّبْلِيغِ حَتَّى يُطَاعَ فِي أَقَاوِيلِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مُتَعَدٍّ إلَى غَيْرِهِ، وَفِعْلَهُ قَاصِرٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا التَّنْفِيرُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِهِ تَصْغِيرًا لَكَانَ تَرْكُنَا لِلْوِصَالِ، وَتَرْكُنَا نِكَاحَ تِسْعٍ بَلْ تَرْكُنَا دَعْوَى النُّبُوَّةِ تَصْغِيرًا؛ فَاسْتَبَانَ أَنَّ هَذِهِ خَيَالَاتٌ، وَأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْفِعْلَ مُتَرَدِّدٌ كَمَا أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ كَالْقُرْءِ مُتَرَدِّدٌ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ. الرَّابِعَةُ: تَمَسُّكُهُمْ بِآيٍ مِنْ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، وَأَنَّهُ يَعُمُّ الْأَقْوَالَ، وَالْأَفْعَالَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] ، وَقَوْلِهِ ﴿، وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ، وَأَمْثَالِهِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى قَبُولِ أَقْوَالِهِ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَعُمَّ الْأَقْوَالَ، وَالْأَفْعَالَ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ مُمْكِنٌ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْحَائِضِ، وَالْمَرِيضِ مُوَافَقَتُهُ مَعَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالِاتِّبَاعِ، وَالطَّاعَةِ. الْخَامِسَةُ وَهِيَ أَظْهَرُهَا: تَمَسُّكُهُمْ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ أَنَّهُمْ وَاصَلُوا الصِّيَامَ لَمَّا وَاصَلَ، وَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا خَلَعَ، وَأَمَرَهُمْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالتَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ فَتَوَقَّفُوا فَشَكَا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ اُخْرُجْ إلَيْهِمْ، وَاذْبَحْ، وَاحْلِقْ فَفَعَلَ، فَذَبَحُوا، وَحَلَقُوا مُسَارِعِينَ، وَأَنَّهُ خَلَعَ خَاتَمَهُ فَخَلَعُوا، وَبِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﵇ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، وَبِأَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابِ مَنْ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ فَقَالَ: «أَلَا أَخْبَرْتِيهِ أَنِّي أُقَبِّلُ، وَأَنَا صَائِمٌ» ، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ ﵃ بِأَجْمَعِهِمْ اخْتَلَفُوا فِي الْغُسْلِ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «فَعَلْتُهُ أَنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ فَاغْتَسَلْنَا» ، فَرَجَعُوا إلَى ذَلِكَ. الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ

стр. 275

الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ أَخْبَارُ آحَادٍ، وَكَمَا لَا يَثْبُتُ الْقِيَاسُ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَكَذَلِكَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ. مِنْ الْأُصُولِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَعِبَادَاتِهِ فَكَيْفَ صَارَ اتِّبَاعُهُمْ لِلْبَعْضِ دَلِيلًا، وَلَمْ تَصِرْ مُخَالَفَتُهُمْ فِي الْبَعْضِ دَلِيلَ جَوَازِ الْمُخَالَفَةِ. الثَّالِثُ وَهُوَ التَّحْقِيقُ: أَنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ تَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ، وَالْوُضُوءِ، وَقَدْ كَانَ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ شَرْعَهُ، وَشَرْعَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ فَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وَعَلَّمَهُمْ الْوُضُوءَ، وَقَالَ: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» ، وَأَمَّا الْوِصَالُ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالصَّوْمِ، وَاشْتَغَلَ مَعَهُمْ بِهِ أَنَّهُ قَصَدَ بِفِعْلِهِ امْتِثَالَ الْوَاجِبِ، وَبَيَانِهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُمْ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ الْمُوَافَقَةَ، وَكَذَلِكَ فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ رُبَّمَا كَانَ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ مُسَاوَاةَ الْحُكْمِ فِي الْمُفْطِرَاتِ، وَأَنَّ شَرْعَهُ شَرْعُهُمْ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَحْدَاثِ قَدْ عَرَّفَهُمْ مُسَاوَاةَ الْحُكْمِ فِيهَا فَفَهِمُوا لَا بِمُجَرَّدِ حِكَايَةِ الْفِعْلِ، كَيْفَ، وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» ؟ وَأَمَّا خَلْعُ الْخَاتَمِ فَهُوَ مُبَاحٌ فَلَمَّا خَلَعَ أَحَبُّوا مُوَافَقَتَهُ لَا لِاعْتِقَادِهِمْ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، أَوْ تَوَهَّمُوا أَنَّهُ لَمَّا سَاوَاهُمْ فِي سُنَّةِ التَّخَتُّمِ فَيُسَاوِيهِمْ فِي سُنَّةِ الْخَلْعِ. فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ عَامٌّ إلَّا مَا اسْتَثْنَى قُلْنَا: لَا بَلْ الْأَصْلُ أَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ فَهُوَ خَاصٌّ إلَّا مَا عَمَّمَهُ. فَإِنْ قِيلَ التَّعْمِيمُ أَكْثَرُ فَلْيُنْزَلْ عَلَيْهِ. قُلْنَا وَلِمَ يَجِبْ التَّنْزِيلُ عَلَى الْأَكْثَرِ، وَإِذَا اُشْتُبِهَتْ أُخْتٌ بِعَشْرِ أَجْنَبِيَّاتٍ فَالْأَكْثَرُ حَلَالٌ، وَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ؟ كَيْفَ، وَالْمُبَاحَاتُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، فَلْتُلْحَقْ بِهَا؟ وَالْمَنْدُوبَاتُ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَلْتُلْحَقْ بِهَا بَلْ رُبَّمَا قَالَ الْقَائِلُ: الْمَحْظُورَاتُ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَلْتُنَزَّلْ عَلَيْهَا [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي شُبُهَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي أَحْكَامِ الْأَفْعَالِ] ِ الْأُولَى: قَالَ قَائِلٌ: إذَا نُقِلَ إلَيْنَا فِعْلُهُ ﵇ فَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ، وَمَا الَّذِي يُسْتَحَبُّ؟ قُلْنَا: لَا يَجِبُ إلَّا أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْبَحْثُ عَنْهُ هَلْ وَرَدَ بَيَانًا لِخِطَابٍ عَامٍّ أَوْ تَنْفِيذًا لِحُكْمٍ لَازِمٍ عَامٍّ، فَيَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ، أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ قَاصِرًا عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ بَيَانًا لِحُكْمٍ عَامٍّ فَالْبَحْثُ عَنْ كَوْنِهِ نَدْبًا فِي حَقِّهِ أَوْ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَحْظُورًا أَوْ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً مُوَسَّعًا أَوْ مُضَيَّقًا، لَا يَجِبُ بَلْ هُوَ زِيَادَةُ دَرَجَةٍ، وَفَضْلٌ فِي الْعِلْمِ يُسْتَحَبُّ. لِلْعَالَمِ أَنْ يَعْرِفَهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَمْ أَصْنَافُ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ سِوَى الْفِعْلِ؟ قُلْنَا: مَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالٌ، كَالْمُجْمَلِ، وَالْمَجَازِ، وَالْمَنْقُولِ عَنْ وَضْعِهِ، وَالْمَنْقُولِ بِتَصَرُّفِ الشَّرْعِ، وَالْعَامِّ الْمُحْتَمِلِ لِلْخُصُوصِ، وَالظَّاهِرِ الْمُحْتَمِلِ لِلتَّأْوِيلِ، وَنَسْخُ الْحُكْمِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِ افْعَلْ أَنَّهُ لِلنَّدَبِ أَوْ الْوُجُوبِ أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي أَوْ أَنَّهُ لِلتَّكْرَارِ أَوْ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَالْجُمَلُ الْمَعْطُوفَةُ إذَا أُعْقِبَتْ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا يَتَعَارَضُ فِيهِ الِاحْتِمَالُ، وَالْفِعْلُ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ بَيَّنَ لَنَا بِفِعْلِهِ نَدْبًا فَهَلْ يَكُونُ فِعْلُهُ وَاجِبًا قُلْنَا: نَعَمْ هُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيَانُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّهُ تَبْلِيغٌ لِلشَّرْعِ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ نَدْبٍ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ إلَى أَنَّ بَيَانَ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَبَيَانَ النَّدْبِ نَدْبٌ، وَبَيَانَ الْمُبَاحِ مُبَاحٌ، وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ الْمَحْظُورِ مَحْظُورًا، فَإِذَا كَانَ بَيَانُ الْمَحْظُورِ وَاجِبًا فَلِمَ لَا يَكُونُ بَيَانُ النَّدْبِ وَاجِبًا؟ وَكَذَلِكَ بَيَانُ الْمُبَاحِ، وَهِيَ أَحْكَامُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، وَالرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ

стр. 276

وَبَيَانُهُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْل، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا أَتَى بِالْفِعْلِ فَقَدْ أَتَى بِإِحْدَى خَصْلَتَيْ الْوَاجِبِ، فَيَكُونُ فِعْلُهُ وَاقِعًا عَنْ الْوَاجِبِ. فَإِنْ قِيلَ:، وَبِمَ يُعْرَفُ كَوْنُ فِعْلِهِ بَيَانًا؟ قُلْنَا: إمَّا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ بِقَرَائِنَ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ إحْدَاهَا: أَنْ يَرِدَ خِطَابٌ مُجْمَلٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ بِقَوْلِهِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ ثُمَّ فَعَلَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَالتَّنْفِيذُ لِلْحُكْمِ فِعْلًا صَالِحًا لِلْبَيَانِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ بَيَانٌ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَانَ مُؤَخِّرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ عَقْلًا عِنْدَ قَوْمٍ، وَسَمْعًا عِنْدَ آخَرِينَ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَكِنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مُتَعَيِّنًا لِلْبَيَانِ يَظْهَرُ لِلصَّحَابَةِ إذْ قَدْ عَلِمُوا عَدَمَ الْبَيَانِ بِالْقَوْلِ، أَمَّا نَحْنُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَيَّنَ بِالْقَوْلِ، وَلَمْ يُبْلِغْنَا، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْفِعْلَ بَيَانٌ؛ فَقَطْعُ يَدِ السَّارِقِ مِنْ الْكُوعِ، وَتَيَمُّمه إلَى الْمِرْفَقَيْنِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ، وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْقَلَ فِعْلٌ غَيْرُ مُفَصَّلٍ كَمَسْحِهِ رَأْسَهُ، وَأُذُنَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِمَا مَسْحًا بِمَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ بِمَاءٍ جَدِيدٍ ثُمَّ يُنْقَلُ أَنَّهُ أَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا، فَهَذَا فِي الظَّاهِرِ يُزِيلُ الِاحْتِمَالَ عَنْ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَاءٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مَاءٌ جَدِيدٌ، فَيَكُونُ أَحَدُ الْفِعْلَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَالثَّانِي عَلَى الْأَكْمَلِ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُتْرَكَ مَا لَزِمَهُ، فَيَكُونُ بَيَانًا لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا فِي حَقِّهِ أَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ إلَّا بِبَيَانِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ، نَعَمْ لَوْ تَرَكَ غَيْرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُنْكِرْ مَعَ مَعْرِفَتِهِ، فَيَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إذَا أُتِيَ بِسَارِقِ ثَمَرٍ أَوْ مَا دُونَ النِّصَابِ فَلَمْ يَقْطَعْ، فَيَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْآيَةِ؛ لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ انْتِقَاءُ شُبْهَةٍ أُخْرَى تَدْرَأُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُتِيَ بِسَارِقِ سَيْفٍ فَلَمْ يَقْطَعْهُ فَلَا يَتَبَيَّنُ لَنَا سُقُوطُ الْقَطْعِ فِي السَّيْفِ، وَلَا فِي الْحَدِيدِ لَكِنْ يُبْحَثُ عَنْ سَبَبِهِ، فَكَذَلِكَ الثَّمَرُ، وَمَا دُونَ النِّصَابِ، وَكَذَلِكَ تَرْكُهُ الْقُنُوتَ، وَالتَّسْمِيَةَ، وَالتَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ إذْ يُحْمَلُ عَلَى نِسْيَانٍ أَوْ عَلَى بَيَانِ جَوَازِ تَرْكِ السُّنَّةِ، وَإِنْ تَرَكَ مَرَّاتٍ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْفَخْذَ مَكْشُوفًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَوْرَةِ. الْخَامِسَةُ: إذَا فَعَلَ فِي الصَّلَاةِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَأَفْسَدَ الصَّلَاةَ دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ، كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ فِي الْخُسُوفِ، وَكَحَمْلِ أُمَامَةَ فِي الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ لَا يَبْطُلُ، وَأَنَّهُ فِعْلٌ قَلِيلٌ، هَذَا مَعَ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» يَكُونُ بَيَانًا فِي حَقِّنَا. السَّادِسَةُ: إذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ، وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، وَالزَّكَاةِ مُجْمِلًا ثُمَّ أَنْشَأَ الصَّلَاةَ، وَابْتَدَأَ بِأَخِذِ الْجِزْيَةِ، فَيَظْهَرُ كَوْنُهُ بَيَانًا، وَتَنْفِيذًا، لَكِنْ إنْ لَمْ تَكُنْ الْحَاجَةُ مُتَنَجِّزَةً بِحَيْثُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فَلَا يَتَعَيَّنُ لِكَوْنِهِ بَيَانًا بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا أَمَرَ بِهِ خَاصَّةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِذًا لَا يَصِيرُ بَيَانًا لِلْحُكْمِ الْعَامِّ إلَّا بِقَرِينَةٍ أُخْرَى. السَّابِعَةُ أَخْذُهُ مَالًا مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلًا أَوْ إيقَاعُهُ ضَرْبًا أَوْ نَوْعَ عُقُوبَةٍ فَإِنَّهُ لَهُ خَاصَّةً مَا لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ

стр. 277

الْفِعْلُ فَلَا يَتَعَيَّنُ لِكَوْنِهِ مُوجِبَ أَخْذِ الْمَالِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وُجُودُ سَبَبٍ آخَرَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْمَالِ وَلِلْعُقُوبَةِ. أَمَّا قَضَاؤُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَ فِعْلًا بِعُقُوبَةٍ أَوْ مَالٍ، كَقَضَائِهِ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُوجِبُ ذَلِكَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ لَا يَقُولُ قُضِيَ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا لَمَّا فَعَلَ كَذَا إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالْقَرِينَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا، وَكَانَ بَيَانًا، وَوَقَعَ فِي زَمَانٍ، وَمَكَانٍ، وَعَلَى هَيْئَةٍ، فَهَلْ يَتْبَعُ الزَّمَانَ، وَالْمَكَانَ، وَالْهَيْئَةَ؟ فَيُقَالُ: أَمَّا الْهَيْئَةُ، وَالْكَيْفِيَّةُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الزَّمَانُ، وَالْمَكَانُ فَهُوَ كَتَغَيُّمِ السَّمَاءِ وَصَحْوِهَا، وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّمَانُ، وَالْمَكَانُ لَائِقًا بِهِ بِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَيْهِ، كَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِعَرَفَاتٍ، وَالْبَيْتِ، وَاخْتِصَاصِ الصَّلَوَاتِ بِأَوْقَاتٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اتَّبَعَ الْمَكَانَ لَلَزِمَ مُرَاعَاةُ تِلْكَ الرِّوَايَةِ بِعَيْنِهَا، وَوَجَبَ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ انْقَضَى، وَلَا يُمْكِنُ إعَادَتُهُ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَيْسَ مِثْلًا، فَيَجِبُ إعَادَةُ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، وَهُوَ مُحَالٌ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إنْ تَكَرَّرَ فِعْلُهُ فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَزَمَانٍ وَاحِدٍ دَلَّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ فَاسِدٌ لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا فَتَقْرِيرُهُ عَلَى الْفِعْلِ، وَسُكُوتُهُ عَلَيْهِ، وَتَرْكُهُ الْإِنْكَارَ، وَاسْتِبْشَارُهُ بِالْفِعْلِ أَوْ مَدْحُهُ لَهُ، هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَهَلْ يَكُونُ بَيَانًا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، سُكُوتُهُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ، وَتَرْكُهُ الْإِنْكَارَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ، إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْإِنْكَارِ لَوْ كَانَ حَرَامًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِبْشَارُ بِالْبَاطِلِ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْجَوَازِ كَمَا نُقِلَ فِي قَاعِدَةِ الْقِيَافَةِ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ دَلَالَتُهُ عِنْدَ مَنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَيُجَوِّزُ عَلَيْهِ الصَّغِيرَةَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى إنْكَارِ ذَلِكَ، وَإِحَالَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ مَنَعَ مِنْ الْإِنْكَارِ مَانِعٌ كَعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ فَلِذَلِكَ فَعَلَهُ، أَوْ بَلَغَهُ الْإِنْكَارُ مَرَّةً فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ فَلَمْ يُعَاوِدْهُ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا مَانِعًا؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ، فَيَلْزَمُهُ تَبْلِيغُهُ، وَنَهْيُهُ حَتَّى لَا يَعُودَ، وَمَنْ بَلَغَهُ، وَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ، فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ، وَتَكْرَارُهُ كَيْ لَا يُتَوَهَّمَ نَسْخُ التَّحْرِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ صَبِيحَةَ كُلِّ سَبْتٍ، وَأَحَدٍ عَلَى الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى إذَا اجْتَمَعُوا فِي كَنَائِسِهِمْ، وَبِيَعِهِمْ؟ قُلْنَا:؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُصِرُّونَ مَعَ تَبْلِيغِهِ، وَعَلِمَ الْخَلْقُ أَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ دَائِمًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِمَّا يُوهِمُ النَّسْخَ، بِخِلَافِ فِعْلٍ يَجْرِي بَيْنَ يَدَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ مَرَّاتٍ فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ يُوهِمُ النَّسْخَ [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَعَارُضِ الْفِعْلَيْنِ] ِ فَنَقُولُ: مَعْنَى التَّعَارُضِ التَّنَاقُضُ، فَإِنْ وَقَعَ فِي الْخَبَرِ أَوْجَبَ كَوْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَذِبًا، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ التَّعَارُضُ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَسُولِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ، وَالْأَحْكَامِ، فَيَتَنَاقَضُ، فَيَرْفَعُ الْأَخِيرُ الْأَوَّلَ، وَيَكُونُ نَسْخًا، وَهَذَا مُتَصَوَّرٌ، وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ التَّعَارُضَ هُوَ التَّنَاقُضُ فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّعَارُضُ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَرْضِ الْفِعْلَيْنِ فِي زَمَانَيْنِ أَوْ فِي شَخْصَيْنِ، فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ وُجُوبِ أَحَدِهِمَا، وَتَحْرِيمِ الْآخَرِ، فَلَا تَعَارُضَ. فَإِنْ قِيلَ: فَالْقَوْلُ أَيْضًا لَا يَتَنَاقَضُ، إذْ يُوجَدُ الْقَوْلَانِ فِي حَالَتَيْنِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاقَضُ حُكْمُهُمَا فَكَذَلِكَ يَتَنَاقَضُ حُكْمُ الْفِعْلَيْنِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَتَنَاقَضُ حُكْمُ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ اقْتَضَى حُكْمًا دَائِمًا، فَيَقْطَعُ الْقَوْلُ الثَّانِي دَوَامَهُ، وَالْفِعْلُ لَا يَدُلُّ أَصْلًا عَلَى حُكْمٍ، وَلَا عَلَى دَوَامِ حُكْمٍ، نَعَمْ لَوْ أَشْعَرَنَا الشَّارِعُ بِأَنَّهُ يُرِيدُ بِمُبَاشَرَةِ فِعْلٍ بَيَانَ دَوَامِ وُجُوبِهِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ الْفِعْلَ بَعْدَهُ كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا، وَقَطْعًا لِدَوَامِ حُكْمٍ ظَهَرَ بِالْفِعْلِ مَعَ تَقَدُّمِ الْإِشْعَارِ، فَهَذَا الْقَدْرُ مُمْكِنٌ. وَأَمَّا التَّعَارُضُ بَيْنَ الْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ

стр. 278

فَمُمْكِنٌ بِأَنْ يَقُولَ قَوْلًا يُوجِبُ عَلَى أُمَّتِهِ فِعْلًا دَائِمًا، وَأَشْعَرَهُمْ بِأَنَّ حُكْمَهُ فِيهِ حُكْمُهُمْ ابْتِدَاءً، وَنَسْخًا ثُمَّ فَعَلَ خِلَافَهُ أَوْ سَكَتَ عَلَى خِلَافِهِ كَانَ الْأَخِيرُ نَسْخًا، وَإِنْ أَشْكَلَ التَّارِيخُ وَجَبَ طَلَبُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَعَارِضٌ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ فِي السَّارِقِ: «وَإِنْ سَرَقَ خَامِسَةً فَاقْتُلُوهُ» ثُمَّ «أُتِيَ بِمَنْ سَرَقَ خَامِسَةً فَلَمْ يَقْتُلْهُ» ، فَهَذَا إنْ تَأَخَّرَ فَهُوَ نَسْخُ الْقَوْلِ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْقَوْلُ فَهُوَ نَسْخُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إذَا تَعَارَضَا، وَأَشْكَلَ التَّارِيخُ يُقَدَّمُ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بَيَانٌ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخُصَّهُ، وَالْقَوْلُ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ يَتَأَكَّدُ بِالتَّكْرَارِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ. فَنَقُولُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّ الْفِعْلَ لَيْسَ بَيَانًا بِنَفْسِهِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ كَلَامَنَا فِي فِعْلٍ صَارَ بَيَانًا لِغَيْرِهِ وَبَعْدَ أَنْ صَارَ بَيَانًا لِغَيْرِهِ، فَلَا يَتَأَخَّرُ عَمَّا كَانَ بَيَانًا بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا خُصُوصُ الْفِعْلِ فَمُسَلَّمٌ أَيْضًا، وَلَكِنَّ كَلَامَنَا فِي فِعْلٍ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى خَاصِّيَّتِهِ، وَأَمَّا تَأْكِيدُ الْقَوْلِ بِالتَّكْرَارِ، إنْ عُنِيَ بِهِ أَنَّهُ إذَا تَوَاتَرَ أَفَادَ الْعِلْمَ، فَهَذَا مُسَلَّمٌ إذَا تَوَاتَرَ مِنْ أَشْخَاصٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ تَكْرَارًا، وَتَكْرَارُهُ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ لَا أَثَرَ لَهُ كَتَكْرَارِ الْفِعْلِ. هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ فِي الْأَفْعَالِ الْمُلْحَقَةِ بِالْأَقْوَالِ، وَبَيَانُ مَا فِيهَا مِنْ الْبَيَانِ، وَالْإِجْمَالِ، وَلْنَشْتَغِلْ بَعْدَهَا بِالْفَنِّ الثَّالِثِ مِنْ الْقَطْبِ، وَهُوَ الْمَرْسُومُ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ بِمَعْقُولِهَا، وَمَعْنَاهَا، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى قِيَاسًا، فَلْنَخُضْ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْقِيَاسِ مُسْتَعِينِينَ بِاَللَّهِ . [الْفَنُّ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْ مَعْقُولِ الْأَلْفَاظِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ] [مُقَدِّمَةٌ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ] الْفَنُّ الثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْ مَعْقُولِ الْأَلْفَاظِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ. وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ، وَأَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ: فِي إثْبَاتِ أَصْلِ الْقِيَاسِ عَلَى مُنْكِرِيهِ. الثَّانِي: فِي طَرِيقِ إثْبَاتِ الْعِلَّةِ. الثَّالِثُ: فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ. الرَّابِعُ: فِي أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَالْعِلَّةُ، وَالْحُكْمُ، وَبَيَانُ شُرُوطِ كُلِّ رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ. مُقَدِّمَةٌ: فِي حَدِّ الْقِيَاسِ.، وَحَدُّهُ أَنَّهُ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا مِنْ إثْبَاتِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا عَنْهُمَا. ثُمَّ إنْ كَانَ الْجَامِعُ مُوجِبًا لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى الْحُكْمِ كَانَ قِيَاسًا صَحِيحًا، وَإِلَّا كَانَ فَاسِدًا، وَاسْمُ الْقِيَاسِ يَشْتَمِلُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْفَاسِدِ فِي اللُّغَةِ، وَلَا بُدَّ فِي كُلِّ قِيَاسٍ مِنْ فَرْعٍ، وَأَصْلٍ، وَعِلَّةٍ، وَحُكْمٍ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْفَرْعِ، وَالْأَصْلِ كَوْنُهُمَا مَوْجُودَيْنِ بَلْ رُبَّمَا يُسْتَدَلُّ بِالنَّفْيِ عَلَى النَّفْيِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ نَقُلْ حَمْلُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَنَا، وَأَبْدَلْنَا لَفْظَ الشَّيْءِ بِالْمَعْلُومِ، وَلَمْ نَقُلْ حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْبُو هَذَا اللَّفْظُ عَنْ الْمَعْدُومِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَبْعُدُ إطْلَاقُ هَذَا الِاسْمِ عَلَيْهِ بِتَأْوِيلٍ مَا، وَالْحُكْمُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتًا، وَالنَّفْيُ كَانْتِفَاءِ الضَّمَانِ، وَالتَّكْلِيفِ، وَالِانْتِفَاءُ أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً فَلِذَلِكَ أَدْرَجْنَا الْجَمِيعَ فِي الْحَدِّ، وَدَلِيلُ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِّ اطِّرَادُهُ، وَانْعِكَاسُهُ. أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ: " إنَّهُ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ إلَى الْحَقِّ، أَوْ الْعِلْمُ الْوَاقِعُ بِالْمَعْلُومِ عَنْ نَظَرٍ أَوْ رَدِّ غَائِبٍ إلَى شَاهِدٍ "، فَبَعْضُ هَذَا أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ، وَبَعْضُهُ أَخَصُّ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطْنَابِ فِي إبْطَالِهِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ إطْلَاقُ الْفَلَاسِفَةِ

стр. 279

اسْمَهُ عَلَى تَرْكِيبِ مُقَدِّمَتَيْنِ يَحْصُلُ مِنْهُمَا نَتِيجَةٌ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَكُلُّ نَبِيذٍ مُسْكِرٌ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ نَبِيذٍ حَرَامٌ فَإِنَّ لُزُومَ هَذِهِ النَّتِيجَةِ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ لَا نُنْكِرُهُ؛ لَكِنَّ الْقِيَاسَ يَسْتَدْعِي أَمْرَيْنِ يُضَافُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِنَوْعٍ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، إذْ تَقُولُ الْعَرَبُ: لَا يُقَاسُ فُلَانٌ إلَى فُلَانٍ فِي عَقْلِهِ، وَنَسَبِهِ،، وَفُلَانٌ يُقَاسُ إلَى فُلَانٍ، فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى إضَافِيٍّ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الْقِيَاسُ هُوَ الِاجْتِهَادُ. ، وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ فِي الْعُمُومَاتِ، وَدَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ، وَسَائِرِ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ سِوَى الْقِيَاسِ، ثُمَّ إنَّهُ لَا يُنْبِئُ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ إلَّا عَنْ بَذْلِ الْمُجْتَهِدِ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ، وَلَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَنْ يُجْهِدُ نَفْسَهُ، وَيَسْتَفْرِغُ الْوُسْعَ، فَمَنْ حَمَلَ خَرْدَلَةً لَا يُقَالُ اجْتَهَدَ، وَلَا يُنْبِئُ هَذَا عَنْ خُصُوصِ مَعْنَى الْقِيَاسِ، بَلْ عَنْ الْجَهْدِ الَّذِي هُوَ حَالُ الْقِيَاسِ فَقَطْ. [حَصْرِ مَجَارِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَلِ] مُقَدِّمَةٌ أُخْرَى: فِي حَصْرِ مَجَارِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَلِ. اعْلَمْ أَنَّا نَعْنِي: بِالْعِلَّةِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ مَنَاطَ الْحُكْمِ، أَيْ: مَا أَضَافَ الشَّرْعُ الْحُكْمَ إلَيْهِ، وَنَاطَهُ بِهِ، وَنَصَبَهُ عَلَامَةً عَلَيْهِ.، وَالِاجْتِهَادُ فِي الْعِلَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، أَوْ فِي تَنْقِيحِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، أَوْ فِي تَخْرِيجِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ. أَمَّا الِاجْتِهَادُ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي جَوَازِهِ، مِثَالُهُ الِاجْتِهَادُ فِي تَعْيِينِ الْإِمَامِ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ قُدْرَةِ الشَّارِعِ فِي الْإِمَامِ الْأَوَّلِ عَلَى النَّصِّ، وَكَذَا تَعْيِينُ الْوُلَاةِ، وَالْقُضَاةِ، وَكَذَلِكَ فِي تَقْدِيرِ الْمُقَدَّرَاتِ، وَتَقْدِيرِ الْكِفَايَاتِ فِي نَفَقَةِ الْقَرَابَاتِ، وَإِيجَابِ الْمِثْلِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَطَلَبِ الْمِثْلِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَإِنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ الْكِفَايَةُ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ، أَمَّا أَنَّ الرِّطْلَ كِفَايَةٌ لِهَذَا الشَّخْصِ أَمْ لَا؛ فَيُدْرَكُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالتَّخْمِينِ، وَيَنْتَظِمُ هَذَا الِاجْتِهَادُ بِأَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْكِفَايَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الرِّطْلَ قَدْرُ الْكِفَايَةِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَى الْقَرِيبِ. أَمَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فَمَعْلُومٌ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمَعْلُومٌ بِالظَّنِّ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ: يَجِبُ فِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَنَقُولُ: الْمِثْلُ وَاجِبٌ، وَالْبَقَرَةُ مِثْلٌ فَإِذًا هِيَ الْوَاجِبُ، وَالْأَوَّلُ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ، وَهِيَ الْمِثْلِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ الْحُكْمِ، أَمَّا تَحَقُّقُ الْمِثْلِيَّةِ فِي الْبَقَرَةِ فَمَعْلُومٌ بِنَوْعٍ مِنْ الْمُقَايَسَةِ، وَالِاجْتِهَادِ. ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَتْلَفَ فَرَسًا فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَالضَّمَانُ هُوَ الْمِثْلُ فِي الْقِيمَةِ، أَمَّا كَوْنُ مِائَةِ دِرْهَمٍ مِثْلًا فِي الْقِيمَةِ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَاسِ فِي شَيْءٍ، بَلْ الْوَاجِبُ اسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ، أَمَّا أَنَّ هَذِهِ جِهَةُ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالْأَمَارَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلظَّنِّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْيَقِينِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الشُّهُودِ ظَنِّيٌّ، لَكِنَّ الْحُكْمَ بِالصِّدْقِ وَاجِبٌ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالنَّصِّ، وَقَوْلُ الْعَدْلِ صِدْقٌ مَعْلُومٌ بِالظَّنِّ، وَأَمَارَاتِ الْعَدَالَةِ، وَالْعَدَالَةُ لَا تُعْلَمُ إلَّا بِالظَّنِّ، فَلْنُعَبِّرْ عَنْ هَذَا الْجِنْسِ بِتَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْمَنَاطَ مَعْلُومٌ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ لَا حَاجَةَ إلَى اسْتِنْبَاطِهِ، لَكِنْ تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْيَقِينِ فَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِأَمَارَاتٍ ظَنِّيَّةٍ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَهُوَ نَوْعُ اجْتِهَادٍ، وَالْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَكَيْف يَكُونُ هَذَا قِيَاسًا، وَكَيْفَ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَهُوَ ضَرُورَةُ كُلِّ شَرِيعَةٍ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى عَدَالَةِ الْأَشْخَاصِ، وَقَدْرِ كِفَايَةِ كُلِّ شَخْصٍ مُحَالٌ، فَمَنْ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ يُنْكِرُهُ حَيْثُ يُمْكِنُ التَّعْرِيفُ

стр. 280

لِلْحُكْمِ بِالنَّصِّ الْمُحِيطِ بِمَجَارِي الْحُكْمِ الِاجْتِهَادُ الثَّانِي فِي تَنْقِيحِ مَنَاطِ الْحُكْمِ: وَهَذَا أَيْضًا يُقِرُّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، مِثَالُهُ: أَنْ يُضِيفَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ إلَى سَبَبٍ، وَيَنُوطُهُ بِهِ، وَتَقْتَرِنُ بِهِ أَوْصَافٌ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْإِضَافَةِ، فَيَجِبُ حَذْفُهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ حَتَّى يَتَّسِعَ الْحُكْمُ، مِثَالُهُ: إيجَابُ الْعِتْقِ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ حَيْثُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِالْوِقَاعِ مَعَ أَهْلِهِ، فَإِنَّا نُلْحِقُ بِهِ أَعْرَابِيًّا آخَرَ بِقَوْلِهِ ﵇: «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» أَوْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ يَعُمُّ الْأَشْخَاصَ، وَلَكِنَّا نُلْحِقُ التُّرْكِيَّ، وَالْعَجَمِيَّ بِهِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ وِقَاعُ مُكَلَّفٍ لَا وِقَاعُ أَعْرَابِيٍّ، وَنُلْحِقُ بِهِ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ؛؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَنَاطَ هَتْكُ حُرْمَةِ رَمَضَانَ لَا حُرْمَةُ ذَلِكَ الرَّمَضَانِ، بَلْ نُلْحِقُ بِهِ يَوْمًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَضَانِ. وَلَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ كَوْنَ الْمَوْطُوءَةِ مَنْكُوحَةً لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَلْ يُلْحَقُ بِهِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ فِي هَتْكِ الْحُرْمَةِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْحَالَاتِ مَعْلُومَةٌ تُنْبِئُ عَلَى تَنْقِيحِ مَنَاطِ الْحُكْمِ بِحَذْفِ مَا عُلِمَ بِعَادَةِ الشَّرْعِ فِي مَوَارِدِهِ، وَمَصَادِرِهِ، وَفِي أَحْكَامِهِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّأْثِيرِ. وَقَدْ يَكُونُ حَذْفُ بَعْضِ الْأَوْصَافِ مَظْنُونًا، فَيَنْقَدِحُ الْخِلَافُ فِيهِ، كَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ؛ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَنَاطُ الْكَفَّارَةِ كَوْنُهُ مُفْسِدًا لِلصَّوْمِ الْمُحْتَرَمِ، وَالْجِمَاعُ آلَةُ الْإِفْسَادِ، كَمَا أَنَّ مَنَاطَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ كَوْنُهُ مُزْهِقًا رُوحًا مُحْتَرَمَةً، وَالسَّيْفُ آلَةٌ، فَيُلْحَقُ بِهِ السِّكِّينُ، وَالرُّمْحُ، وَالْمُثَقَّلُ، فَكَذَلِكَ الطَّعَامُ، وَالشَّرَابُ آلَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْجِمَاعُ مِمَّا لَا تَنْزَجِرُ النَّفْسُ عَنْهُ عِنْدَ هَيَجَانِ شَهْوَتِهِ لِمُجَرَّدِ وَازِعِ الدِّينِ، فَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَفَّارَةٍ وَازِعَةٍ بِخِلَافِ الْأَكْلِ. وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ بَعْدَ أَنْ عُرِفَ الْمَنَاطُ بِالنَّصِّ لَا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَلِذَلِكَ أَقَرَّ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، بَلْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: لَا قِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَأَثْبَتَ هَذَا النَّمَطَ مِنْ التَّصَرُّفِ، وَسَمَّاهُ اسْتِدْلَالًا، فَمَنْ جَحَدَ هَذَا الْجِنْسَ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ لَمْ يَخْفَ فَسَادُ كَلَامِهِ. الِاجْتِهَادُ الثَّالِثُ فِي تَخْرِيجِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَاسْتِنْبَاطِهِ: مِثَالُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِتَحْرِيمٍ فِي مَحَلٍّ، وَلَا يَذْكُرَ إلَّا الْحُكْمَ، وَالْمَحَلَّ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِمَنَاطِ الْحُكْمِ، وَعِلَّتِهِ، كَتَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَالرِّبَا فِي الْبُرِّ، فَنَحْنُ نَسْتَنْبِطُ الْمَنَاطَ بِالرَّأْيِ، وَالنَّظَرِ، فَنَقُولُ: حَرَّمَهُ لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا، وَهُوَ الْعِلَّةُ، وَنَقِيسُ عَلَيْهِ النَّبِيذَ، وَحَرَّمَ الرِّبَا فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا، وَنَقِيسُ عَلَيْهِ الْأُرْزَ، وَالزَّبِيبَ، وَيُوجِبُ الْعُشْرَ فِي الْبُرِّ، فَنَقُولُ: أَوْجَبَهُ لِكَوْنِهِ قُوتًا، فَنُلْحِقُ بِهِ الْأَقْوَاتَ، وَلِكَوْنِهِ نَبَاتَ الْأَرْضِ، وَفَائِدَتَهَا، فَنُلْحِقُ بِهِ الْخَضْرَاوَاتِ، وَأَنْوَاعَ النَّبَاتِ. فَهَذَا هُوَ الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ الَّذِي عَظُمَ الْخِلَافُ فِيهِ، أَنْكَرَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ، وَجَمِيعُ الشِّيعَةِ، وَالْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ أَيْضًا عِنْدَنَا لَا يَجُوزُ التَّحَكُّمُ بِهَا، بَلْ قَدْ تُعْلَمُ بِالْإِيمَاءِ، وَإِشَارَةِ النَّصِّ، فَتُلْحَقُ بِالْمَنْصُوصِ، وَقَدْ تُعْلَمُ بِالسَّبْرِ حَيْثُ يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّعْلِيلِ، وَتَنْحَصِرُ الْأَقْسَامُ فِي ثَلَاثَةٍ مَثَلًا، وَيَبْطُلُ قِسْمَانِ، فَيَتَعَيَّنُ الثَّالِثُ، فَتَكُونُ الْعِلَّةُ ثَابِتَةً بِنَوْعٍ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ فَلَا تُفَارِقُ تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ، وَتَنْقِيحَ الْمَنَاطِ، وَقَدْ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ الْمُسْتَنْبَطِ مُؤَثِّرًا بِالْإِجْمَاعِ، فَيُلْحَقُ بِهِ مَا لَا يُفَارِقُهُ إلَّا فِيمَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّأْثِيرِ، كَقَوْلِنَا: الصَّغِيرُ يُوَلَّى عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لِصِغَرِهِ، فَيُلْحَقُ بِالْمَالِ الْبُضْعُ إذْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ تَأْثِيرُ الصِّغَرِ فِي جَلْبِ الْحُكْمِ، وَلَا يُفَارِقُ الْبُضْعُ الْمَالَ فِي مَعْنًى مُؤَثِّرٍ فِي الْحُكْمِ. فَكُلُّ ذَلِكَ اسْتِدْلَالٌ قَرِيبٌ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ

стр. 281

وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ مِنْ الْأَكْثَرِينَ. هَذَا شَرْحُ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلْنَشْرَعْ الْآنَ فِي الْأَبْوَابِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ عَلَى مُنْكِرِيهِ] ِ وَقَدْ قَالَتْ الشِّيعَةُ، وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: يَسْتَحِيلُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا، وَقَالَ قَوْمٌ فِي مُقَابَلَتِهِمْ: يَجِبُ التَّعَبُّدُ بِهِ عَقْلًا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ، وَلَا إيجَابٍ، وَلَكِنَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ فَأَنْكَرَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وُقُوعَهُ بَلْ ادَّعَوْا حَظْرَ الشَّرْعِ لَهُ. ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃ بِأَجْمَعِهِمْ، وَجَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ بَعْدَهُمْ ﵏ وُقُوعَ التَّعَبُّدِ بِهِ شَرْعًا، فَفِرَقُ الْمُبْطِلَةِ لَهُ ثَلَاثٌ: الْمُحِيلُ لَهُ عَقْلًا، وَالْمُوجِبُ لَهُ عَقْلًا، وَالْحَاظِرُ لَهُ شَرْعًا، فَنَفْرِضُ عَلَى كُلِّ فَرِيقٍ مَسْأَلَةً، وَنُبْطِلُ عَلَيْهِمْ خَيَالَهُمْ، وَنَقُولُ لِلْمُحِيلِ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا: بِمَ عَرَفْت إحَالَتَهُ أَبِضَرُورَةٍ أَوْ نَظَرٍ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَعْوَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَهُمْ مَسَالِكُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُمْ كُلُّ مَا نَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَلَا نُحِيلُ التَّعَبُّدَ بِهِ، إنَّمَا نُحِيلُ التَّعَبُّدَ بِمَا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ؛ لِأَنَّ رَجْمَ الظَّنِّ جَهْلٌ، وَلَا صَلَاحَ لِلْخَلْقِ فِي إقْحَامِهِمْ وَرْطَةَ الْجَهْلِ حَتَّى يَتَخَبَّطُوا فِيهِ، وَيَحْكُمُوا بِمَا لَا يَتَحَقَّقُونَ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، بَلْ يَجُوزُ أَنَّهُ نَقِيضُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى. فَهَذَانِ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّلَاحَ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا صَلَاحَ فِي التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، فَفِي أَيِّهِمَا النِّزَاعُ؟ وَالْجَوَابُ: إنَّنَا نُنَازِعُكُمْ فِي الْأَصْلَيْنِ جَمِيعًا، أَمَّا إيجَابُ صَلَاحِ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فَلَا نُسَلِّمُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَقَدْ جَوَّزَ التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاحَ، وَقَالَ: لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ لُطْفًا بِعِبَادِهِ فِي الرَّدِّ إلَى الْقِيَاسِ لِتَحَمُّلِ كُلْفَةِ الِاجْتِهَادِ، وَكَدِّ الْقَلْبِ، وَالْعَقْلِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ لِنَيْلِ الْخَيْرَاتِ الْجَزِيلَةِ ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ، وَتَجَشُّمُ الْقَلْبِ بِالْفِكْرِ لَا يَتَقَاعَدُ عَنْ تَجَشُّمِ الْبَدَنِ بِالْعِبَادَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الشَّارِعُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُمْ بِالتَّنْصِيصِ كَلِمَاتِ الظَّنِّ، وَذَلِكَ ` أَصْلَحُ قُلْنَا: مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاحَ لَا يُوجِبُ الْأَصْلَحَ، ثُمَّ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ مِنْ عِبَادِهِ أَنَّهُ لَوْ نَصَّ عَلَى جَمِيعِ التَّكَالِيفِ لَبَغَوْا، وَعَصَوْا، وَإِذَا فَوَّضَ إلَى رَأْيِهِمْ انْبَعَثَ حِرْصُهُمْ لِاتِّبَاعِ اجْتِهَادِهِمْ، وَظُنُونِهِمْ. ثُمَّ نَقُولُ: أَلَيْسَ قَدْ أَقْحَمَهُمْ وَرْطَةَ الْجَهْلِ فِي الْحُكْمِ بِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ، وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقِبْلَةِ، وَتَقْدِيرِ الْمِثْلِ، وَالْكِفَايَاتِ فِي النَّفَقَاتِ، وَالْجِنَايَاتِ؟ وَكُلُّ ذَلِكَ ظَنٌّ، وَتَخْمِينٌ. فَإِنْ قِيلَ: مَا تَعَبَّدَ الْقَاضِي بِصِدْقِ الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، بَلْ أَوْجَبَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ عِنْدَ ظَنِّ الصِّدْقِ، وَأَوْجَبَ اسْتِقْبَالَ جِهَةٍ يَظُنُّ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِيهَا لَا اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ. قُلْنَا:، وَكَذَلِكَ تَعَبُّدُ الْمُجْتَهِدِ بِأَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُ لَهُ، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ فِي تَحْقِيقِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ، بَلْ هُوَ مُكَلَّفٌ بِظَنِّهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ الشَّهَادَةُ، كَمَا كُلِّفَ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بِظَنِّهِ، وَإِنْ كَانَ كَذِبُ الشُّهُودِ مُمْكِنًا، وَلَا فَرْقَ، وَلِذَلِكَ نَقُولُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَالْخَطَأُ مُحَالٌ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُكَلَّفَ إصَابَةَ مَا لَمْ يُنْصَبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَمَا أَنْكَرُوهُ إنَّمَا يُشْكِلُ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ. ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ

стр. 282

لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: حَرَّمْت كُلَّ مُسْكِرٍ أَوْ حَرَّمْت الْخَمْرَ لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا، لَمْ يَكُنْ التَّعَبُّدُ بِهِ مُمْتَنِعًا؛ فَلَوْ قَالَ: مَتَى حَرَّمْتُ الرِّبَا فِي الْبُرِّ فَاسْبُرُوا، وَقَسِّمُوا صِفَاتِهِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّكُمْ بِأَمَارَةٍ أَنِّي حَرَّمْتُهُ لِكَوْنِهِ قُوتًا، وَحَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِكَوْنِهِ مُسْكِرًا، فَقَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ كُلَّ قُوتٍ، وَكُلَّ مُسْكِرٍ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنِّي حَرَّمْتُهُ لِكَوْنِهِ مَكِيلًا فَقَدْ حَرَّمْتُ كُلَّ مَكِيلٍ. لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: " إذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْكُمْ الْقِبْلَةُ فَكُلُّ جِهَةٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّكُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ فِيهَا فَاسْتَقْبِلُوهَا " فَرْقٌ حَتَّى لَوْ غَلَبَ جِهَتَانِ عَلَى ظَنِّ رَجُلَيْنِ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مُصِيبًا، وَكَمَا لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يُلْحَقَ ظَنُّ الْقِبْلَةِ بِمُشَاهَدَتِهَا، وَظَنُّ صِدْقِ الْعَدْلِ بِتَحْقِيقِ صِدْقِ الرَّسُولِ الْمُؤَيَّدِ بِالْمُعْجِزَةِ، وَصِدْقِ الرَّاوِي الْوَاحِدِ بِتَحْقِيقِ صِدْقِ التَّوَاتُرِ فَكَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُلْحَقَ ظَنُّ ارْتِبَاطِ الْحُكْمِ بِمَنَاطٍ بِتَحَقُّقِ ارْتِبَاطِهِ بِهِ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ مَصْلَحَةٍ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ مَكِيلًا أَوْ قُوتًا أَوْ مَطْعُومًا؟ قُلْنَا: وَمَنْ أَوْجَبَ الْأَصْلَحَ لَمْ يَشْتَرِطْ كَوْنَ الْمَصْلَحَةِ مَكْشُوفَةً لِلْعِبَادِ، وَأَيُّ مَصْلَحَةٍ فِي تَقْدِيرِ الْمَغْرِبِ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَالصُّبْحِ بِرَكْعَتَيْنِ، وَفِي تَقْدِيرِ الْحُدُودِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ بِمَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ؟ لَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّعَبُّدِ لُطْفًا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ، يُقَرِّبُ الْعِبَادَ بِسَبَبِهِ مِنْ الطَّاعَةِ، وَيَبْعُدُونَ بِهِ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَأَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ. حَتَّى لَوْ أَضَافَ الْحُكْمَ إلَى اسْمٍ مُجَرَّدٍ ثَبَتَ، وَاعْتَقَدْنَا فِيهِ لُطْفًا لَا نُدْرِكُهُ فَكَيْفَ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْأَوْصَافِ. الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: لَا يَسْتَقِيمُ قِيَاسٌ إلَّا بِعِلَّةٍ، وَالْعِلَّةُ مَا تُوجِبُ الْحُكْمَ لِذَاتِهَا، وَعِلَلُ الشَّرْعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ التَّعْلِيلُ مَعَ أَنَّ مَا نُصِبَ عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلتَّحْلِيلِ؟ قُلْنَا: لَا مَعْنَى لِعِلَّةِ الْحُكْمِ إلَّا عَلَامَةٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ الشَّرْعُ السُّكْرَ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَيَقُولُ: اتَّبِعُوا هَذِهِ الْعَلَامَةَ وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَهُ عَلَامَةً لِلتَّحْلِيلِ أَيْضًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلتَّحْلِيلِ فَقَدْ حَلَّلْتُ لَهُ كُلَّ مُسْكِرٍ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلتَّحْرِيمِ فَقَدْ حَرَّمْت عَلَيْهِ كُلَّ مُسْكِرٍ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي هَذِهِ الظُّنُونِ، وَكُلُّهُمْ مُصِيبُونَ. الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى خَبَرُهُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ، فَإِذَا لَمْ يُخْبِرْ اللَّهُ عَنْ حُكْمِ الزَّبِيبِ، فَكَيْفَ يُقَالُ حُكْمُ اللَّهِ فِي الزَّبِيبِ التَّحْرِيمُ، وَالنَّصُّ لَمْ يَنْطِقْ إلَّا بِالْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ؟ قُلْنَا: إذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ تَعَبَّدْتُكُمْ بِالْقِيَاسِ فَإِذَا ظَنَنْتُمْ أَنِّي حَرَّمْت الرِّبَا فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا، فَقِيسُوا عَلَيْهِ كُلَّ مَطْعُومٍ، فَيَكُونُ هَذَا خَبَرًا عَنْ حُكْمِ الزَّبِيبِ. وَمَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عِنْدَنَا، فَالْقِيَاسُ عِنْدَنَا حُكْمٌ بِالتَّوْقِيفِ الْمَحْضِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي كِتَابِ أَسَاسُ الْقِيَاسِ لَكِنَّ هَذَا النَّصَّ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فَقَدْ دَلَّ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى أَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا ذَلِكَ إلَّا، وَقَدْ فَهِمُوا مِنْ الشَّارِعِ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفَاظٍ، وَقَرَائِنَ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلُوهَا إلَيْنَا. الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ: إذَا اشْتَبَهَتْ رَضِيعَةٌ بِعَشْرِ أَجْنَبِيَّاتٍ، أَوْ مَيْتَةٌ بِعَشْرِ مُذَكَّيَاتٍ، لَمْ يَجُزْ مَدُّ الْيَدِ إلَى وَاحِدَةٍ، وَإِنْ وُجِدَتْ عَلَامَاتٌ لِإِمْكَانِ الْخَطَأِ، وَالْخَطَأُ مُمْكِنٌ فِي كُلِّ اجْتِهَادٍ، وَقِيَاسٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الْهُجُومُ مَعَ إمْكَانِ الْخَطَأِ؟ وَلَا يَلْزَمُ هَذَا عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، وَعَدَالَةِ الشَّاهِدِ، وَالْقَاضِي، وَالْإِمَامِ، وَمُتَوَلِّي الْأَوْقَافِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ فِي الْأَشْخَاصِ، وَالْأَعْيَانِ، وَلَا نِهَايَةَ لَهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا بِالنَّصِّ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛؛ لِأَنَّهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِظُنُونِهِمْ لَا بِصِدْقِ الشُّهُودِ. قُلْنَا: وَكَذَلِكَ

стр. 283

نَحْنُ نَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ لَا خَلَاصَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ إلَّا بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ، وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ، وَإِنْ خَالَفَ النَّصَّ فَهُوَ مُصِيبٌ، إذْ لَمْ يُكَلَّفْ إلَّا بِمَا بَلَغَهُ، فَالْخَطَأُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي حَقِّهِ. أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، فَيَلْزَمُهُ هَذَا الْإِشْكَالُ. وَأَمَّا اخْتِلَاطُ الرَّضِيعَةِ بِأَجْنَبِيَّاتٍ فَلَسْنَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَانِعَ مُجَرَّدُ إمْكَانِ الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي رِضَاعِ امْرَأَةٍ حَلَّ لَهُ نِكَاحُهَا، وَالْخَطَأُ مُمْكِنٌ، لَكِنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ بِيَقِينٍ، وَحَكَمَ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَنْدَفِعُ بِالشَّكِّ الطَّارِئِ، أَمَّا إذَا تَعَارَضَ يَقِينَانِ، وَهُوَ يَقِينُ التَّحْرِيمِ، وَالتَّحْلِيلِ فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْيَقِينِ الصَّافِي عَنْ الْمُعَارَضَةِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْيَقِينِ الَّذِي لَمْ يُعَارِضْهُ إلَّا الشَّكُّ الْمُجَرَّدُ، فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ اتِّبَاعًا لِمُوجِبِ الدَّلِيلِ، وَلَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالرُّخْصَةِ فِيهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا. [مَسْأَلَةٌ التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ وَاجِبٌ عَقْلًا] مَسْأَلَةٌ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ وَاجِبٌ عَقْلًا مُتَحَكِّمُونَ فَمُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ، وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَأْمُورُونَ بِتَعْمِيمِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ، وَالصُّوَرُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَكَيْفَ تُحِيطُ النُّصُوصُ بِهَا؟ ، فَيَجِبُ رَدُّهُمْ إلَى الِاجْتِهَادِ ضَرُورَةً، فَنَقُولُ: هَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَشْخَاصِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَنَاهِيَةً إنَّمَا يَتِمُّ بِمُقَدِّمَتَيْنِ: كُلِّيَّةٍ، كَقَوْلِنَا: كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٌّ، وَجُزْئِيَّةٍ، كَقَوْلِنَا: هَذَا النَّبَاتُ مَطْعُومٌ أَوْ الزَّعْفَرَانُ مَطْعُومٌ، وَكَقَوْلِنَا: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَهَذَا الشَّرَابُ بِعَيْنِهِ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ عَدْلٍ مُصَدَّقٌ، وَزَيْدٌ عَدْلٌ، وَكُلُّ زَانٍ مَرْجُومٌ، وَمَاعِزٌ قَدْ زَنَى فَهُوَ إذًا مَرْجُومٌ،، وَالْمُقَدِّمَةُ الْجُزْئِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَا تَتَنَاهَى مَجَارِيهَا فَيُضْطَرُّ فِيهَا إلَى الِاجْتِهَادِ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ اجْتِهَادٌ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْكُلِّيَّةُ فَتَشْتَمِلُ عَلَى مَنَاطِ الْحُكْمِ وَرَوَابِطِهِ، وَذَلِكَ يُمْكِنُ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ بِالرَّوَابِطِ الْكُلِّيَّةِ، كَقَوْلِهِ: كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٌّ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَكَقَوْلِهِ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ، وَإِذَا أَتَى بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ وَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ اسْتِنْبَاطِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، وَاسْتُغْنِيَ عَنْ الْقِيَاسِ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ مُنَازَعَةُ هَذَا الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ الصُّوَرِ بِالْحُكْمِ، وَلَمْ يَسْتَحِلْ خُلُوُّ بَعْضِهَا عَنْ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْجُزْئِيَّةِ أَيْضًا يُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ فِيهِ إلَى الْيَقِينِ، فَيُقَالُ: مَنْ تَيَقَّنْتُمْ صِدْقَهُ، وَمَا تَيَقَّنْتُمْ كَوْنَهُ مَطْعُومًا أَوْ مُسْكِرًا فَاحْكُمُوا بِهِ، وَمَا لَمْ تَتَيَقَّنُوا بِهِ فَاتْرُكُوهُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ، إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَجْرِي فِي جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَيَقُّنِ صِدْقِ الشُّهُودِ، وَعَدَالَةِ الْقُضَاةِ، وَالْوُلَاةِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ، وَكَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِ مُتَيَقَّنٍ فِي كِفَايَةِ الْأَقَارِبِ، وَأُرُوشِ الْمُتْلَفَاتِ، فَإِنَّ التَّكْثِيرَ فِيهِ إلَى حُصُولِ الْيَقِينِ رُبَّمَا يَضُرُّ بِجَانِبِ الْمُوجَبِ عَلَيْهِ كَمَا يَضُرُّ التَّقْلِيلُ بِجَانِبِ الْمُوجَبِ لَهُ، فَالِاجْتِهَادُ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ ضَرُورَةٌ أَمَّا فِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، وَتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ فَلَا. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَقْلَ كَمَا دَلَّ عَلَى الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ دَلَّ عَلَى الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَمُنَاسَبَةُ الْحُكْمِ مُنَاسَبَةً عَقْلِيَّةً مَصْلَحَةٌ يَتَقَاضَى الْعَقْلُ وُرُودَ الشَّرْعِ بِهَا، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ لِخُصُوصِ النَّصِّ بِبَعْضِ مَجَارِي الْحُكْمِ، وَكُلُّ حُكْمٍ قُدِّرَ خُصُوصُهُ فَتَعْمِيمُهُ مُمْكِنٌ، فَلَوْ عَمَّ لَمْ يَبْقَ لِلْقِيَاسِ مَجَالٌ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْعِلَلِ مَا لَا يُنَاسِبُ، وَمَا تَنَاسَبَ لَا تُوجِبُ الْحُكْمَ لِذَاتِهَا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا، فَيَجُوزُ أَنْ لَا يُحَرِّمَ الْمُسْكِرَ، وَأَنْ لَا يُوجِبَ الْحَدَّ بِالزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَكَذَا سَائِرُ الْعِلَلِ، وَالْأَسْبَابِ.

стр. 284

[مَسْأَلَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ حَسَمَ سَبِيلَ الِاجْتِهَادِ بِالظَّنِّ] مَسْأَلَةٌ الرَّدُّ عَلَى مَنْ حَسَمَ سَبِيلَ الِاجْتِهَادِ بِالظَّنِّ وَلَمْ يُجَوِّزْ الْحُكْمَ فِي الشَّرْعِ إلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ، كَالنَّصِّ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ. فَأَمَّا الْحُكْمُ بِالرَّأْيِ، وَالِاجْتِهَادِ فَمَنَعُوهُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِإِظْهَارِ الدَّلِيلِ، وَمَا عِنْدِي أَنَّ أَحَدًا يُنَازِعُ فِي الِاجْتِهَادِ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطِ الْحُكْمِ، فَلَا تُصْرَفُ الزَّكَاةُ إلَّا إلَى فَقِيرٍ، وَيُعْلَمُ فَقْرُهُ بِأَمَارَةٍ ظَنِّيَّةٍ، وَلَا يُحْكَمُ إلَّا بِقَوْلِ عَدْلٍ، وَتُعْرَفُ عَدَالَتُهُ بِالظَّنِّ، وَكَذَلِكَ الِاجْتِهَادُ فِي الْوَقْتِ، وَالْقِبْلَةِ، وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَكِفَايَةِ الْقَرِيبِ. وَإِنْ اعْتَذَرُوا عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِأَنَّ كُلَّ عَبْدٍ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ ظَنِّهِ فِي ذَلِكَ، وَظَنُّهُ مَوْجُودٌ قَطْعًا، وَالْحُكْمُ عِنْدَ الظَّنِّ وَاجِبٌ قَطْعًا، فَنَحْنُ كَذَلِكَ نَقُولُ فِي سَائِرِ الِاجْتِهَادَاتِ، وَإِنْ اعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّمَا نِزَاعُنَا فِي مَعْرِفَةِ مَنَاطِ الْأَحْكَامِ بِالرَّأْيِ، وَالِاجْتِهَادِ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ لَهُمْ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا نَصًّا، وَهَذَا مِمَّا تَوَاتَرَ إلَيْنَا عَنْهُمْ تَوَاتُرًا لَا شَكَّ فِيهِ، فَنَنْقُلُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَقْلُ الْجَمِيعِ. فَمِنْ ذَلِكَ حُكْمُ الصَّحَابَةِ بِإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ انْتِفَاءِ النَّصِّ، وَنَعْلَمُ قَطْعًا بُطْلَانَ دَعْوَى النَّصِّ عَلَيْهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ، وَعَلَى الْعَبَّاسِ، إذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ، وَلَتَمَسَّكَ بِهِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْمَشُورَةِ مَجَالٌ حَتَّى أَلْقَى عُمَرُ ﵁ الشُّورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، وَفِيهِمْ عَلِيٌّ ﵁، فَلَوْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَقَدْ اسْتَصْلَحَهُ لَهُ، فَلِمَ تَرَدَّدَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ؟ وَمِنْ ذَلِكَ قِيَاسُهُمْ الْعَهْدَ عَلَى الْعَقْدِ، إذْ وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ عَقْدُ الْإِمَامَةِ بِالْبَيْعَةِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ عَهِدَ إلَى عُمَرَ خَاصَّةً، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَلَكِنْ قَاسُوا تَعْيِينَ الْإِمَامِ عَلَى تَعْيِينِ الْأُمَّةِ لِعَقْدِ الْبَيْعَةِ فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ: " هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ "، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. ، وَمِنْ ذَلِكَ رُجُوعُهُمْ إلَى اجْتِهَادِ أَبِي بَكْرٍ وَرَأْيِهِ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: فَكَيْفَ تُقَاتِلُهُمْ، وَقَدْ قَالَ ﵇ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: " أَلَمْ يَقُلْ «إلَّا بِحَقِّهَا؟» فَمِنْ حَقِّهَا إيتَاءُ الزَّكَاةِ كَمَا أَنَّ مِنْ حَقِّهَا إقَامَ الصَّلَاةِ، فَلَا أُفَرِّقُ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللَّهُ. وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْا النَّبِيَّ ﵇ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ "، وَبَنُو حَنِيفَةَ الْمُمْتَنِعُونَ مِنْ الزَّكَاةِ جَاءُوا إلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ مُتَمَسِّكِينَ بِدَلِيلِ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ فِي اتِّبَاعِ النَّصِّ، وَقَالُوا: إنَّمَا أُمِرَ النَّبِيُّ ﵇ بِأَخْذِ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ سَكَنًا لَنَا، وَصَلَاتُكَ لَيْسَتْ بِسَكَنٍ لَنَا، إذْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ، وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] . فَأَوْجَبُوا تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِمَحَلِّ النَّصِّ، وَقَاسَ أَبُو بَكْرٍ، وَالصَّحَابَةُ خَلِيفَةَ الرَّسُولِ عَلَى الرَّسُولِ، إذْ الرَّسُولُ إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ لِلْفُقَرَاءِ لَا لِحَقِّ نَفْسِهِ، وَالْخَلِيفَةُ نَائِبٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ بَعْدَ طُولِ التَّوَقُّفِ فِيهِ، كَكَتْبِ الْمُصْحَفِ، وَجَمْعِ الْقُرْآنِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ، فَاقْتَرَحَ عُمَرُ ذَلِكَ أَوَّلًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﵇؟ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ، وَكَذَلِكَ جَمَعَهُ عُثْمَانُ عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ بَعْدَ أَنْ كَثُرَتْ الْمَصَاحِفُ مُخْتَلِفَةُ التَّرْتِيبِ، وَمِنْ ذَلِكَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدِّ، وَالْإِخْوَةِ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ قَطْعِهِمْ بِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الِاجْتِهَادِ فِيهَا.

стр. 285

وَنَنْقُلُ الْآنَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمْ بِالرَّأْيِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لَمَّا سُئِلَ، عَنْ الْكَلَالَةِ: " أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي، وَمِنْ الشَّيْطَانِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ: الْكَلَالَةُ مَا عَدَا الْوَالِدَ، وَالْوَلَدَ ".، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَّثَ أُمَّ الْأُمِّ دُونَ أُمِّ الْأَبِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَنْصَارِ: لَقَدْ وَرَّثْتَ امْرَأَةً مِنْ مَيِّتٍ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ لَمْ يَرِثْهَا، وَتَرَكْتَ امْرَأَةً لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ وَرِثَ جَمِيعَ مَا تَرَكَتْ فَرَجَعَ إلَى الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي السُّدُسِ. وَمِنْ ذَلِكَ حُكْمُهُ بِالرَّأْيِ فِي التَّسْوِيَةِ فِي الْعَطَاءِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا نَجْعَلُ مَنْ تَرَكَ دِيَارَهُ، وَأَمْوَالَهُ مُهَاجِرًا إلَى النَّبِيِّ ﵇ كَمَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ كُرْهًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا أَسْلَمُوا لِلَّهِ، وَأُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ، وَلَمَّا انْتَهَتْ الْخِلَافَةُ إلَى عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ، وَوَزَّعَ عَلَى تَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ. وَاجْتِهَادُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْعَطَاءَ إذَا لَمْ يَكُنْ جَزَاءً عَلَى طَاعَتِهِمْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِهَا، وَاجْتِهَادُ عُمَرَ أَنَّهُ لَوْلَا الْإِسْلَامُ لَمَا اسْتَحَقُّوهَا، فَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفُوا، وَأَنْ يَجْعَلَ مَعِيشَةَ الْعَالِمِ أَوْسَعَ مِنْ مَعِيشَةِ الْجَاهِلِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁: " أَقْضِي فِي الْجَدِّ بِرَأْيِي، وَأَقُولُ فِيهِ بِرَأْيِي "، وَقَضَى بِآرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَقَوْلُهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَحِمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ فَلْيَقْضِ فِي الْجَدِّ بِرَأْيِهِ " أَيْ: الرَّأْيِ الْعَارِي عَنْ الْحُجَّةِ، وَقَالَ لَمَّا سَمِعَ الْحَدِيثَ فِي الْجَنِينِ: " لَوْلَا هَذَا لَقَضَيْنَا فِيهِ بِرَأْيِنَا "، وَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكَةِ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَلَسْنَا مِنْ أُمٍّ وَاحِدَةٍ؟ أَشْرَكَ بَيْنَهُمْ بِهَذَا الرَّأْيِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ: إنَّ سَمُرَةَ أَخَذَ مِنْ تُجَّارِ الْيَهُودِ الْخَمْرَ فِي الْعُشُورِ، وَخَلَّلَهَا، وَبَاعَهَا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ أَمَا عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» ؟ فَقَاسَ عُمَرُ الْخَمْرَ عَلَى الشَّحْمِ، وَأَنَّ تَحْرِيمَهَا تَحْرِيمٌ لِثَمَنِهَا. ، وَكَذَلِكَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ لَمَّا لَمْ يُكَمِّلْ نِصَابَ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهُ جَاءَ شَاهِدًا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لَا قَاذِفًا، لَكِنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الْقَاذِفِ، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: " اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ أَنْ لَا تُبَاعَ وَرَأَيْتُ الْآنَ بَيْعَهُنَّ " فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالْقَوْلِ بِالرَّأْيِ. وَكَذَلِكَ عَهِدَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: " اعْرِفْ الْأَشْبَاهَ، وَالْأَمْثَالَ ثُمَّ قِسْ الْأُمُورَ بِرَأْيِكَ ". وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُثْمَانَ لِعُمَرَ ﵄ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ: " إنْ اتَّبَعْتَ رَأْيَكَ فَرَأْيُكَ أَسَدُّ، وَإِنْ تَتَّبِعْ رَأْيَ مَنْ قَبْلَكَ فَنِعْمَ الرَّأْيُ كَانَ "، فَلَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لَمَا صَوَّبَهُمَا جَمِيعًا، وَقَالَ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵄ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ: " أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ، وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ ". ، وَقَضَى عُثْمَانُ بِتَوْرِيثِ الْمَبْتُوتَةِ بِالرَّأْيِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ فِي حَدِّ الشُّرْبِ مَنْ شَرِبَ هَذَى، وَمَنْ هَذَى افْتَرَى، فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ الْمُفْتَرِي "، وَهُوَ قِيَاسٌ لِلشُّرْبِ عَلَى الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْقَذْفِ، الْتِفَاتًا إلَى أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ يُنَزِّلُ مَظِنَّةَ الشَّيْءِ مَنْزِلَتَهُ، كَمَا أَنْزَلَ النَّوْمَ مَنْزِلَةَ الْحَدِيثِ، وَالْوَطْءَ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ مَنْزِلَةَ حَقِيقَةِ شُغْلِ الرَّحِمِ، وَنَظَائِرِهِ. ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُفَوَّضَةِ بِرَأْيِهِ بَعْدَ أَنْ اسْتَمْهَلَ شَهْرًا، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُوصِي مَنْ يَلِي الْقَضَاءَ بِالرَّأْيِ، وَيَقُولُ: " الْأَمْرُ فِي الْقَضَاءِ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَقَضَايَا الصَّالِحِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاجْتَهِدْ رَأْيَكَ "، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «أَجْتَهِدُ رَأْيِي عِنْدَ فَقْدِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ فَزَكَّاهُ النَّبِيُّ ﵇» . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِمَنْ قَضَى بِتَفَاوُتِ الدِّيَةِ فِي الْأَسْنَانِ لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا: " كَيْفَ لَمْ يَعْتَبِرُوا الْأَصَابِعَ؟ ".
следующие страницы →