Полный текст (381 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
لَا يَتَعَرَّضُ لِلسَّبْعَةِ، وَالْعَشَرَةِ، وَلَيْسَتْ الْأَعْدَادُ مَوْجُودَاتٍ فَيَكُونُ اسْمُ الصَّوْمِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكَ اسْمِ الزَّوْجَةِ بَيْنَ النِّسْوَةِ الزَّوْجَاتِ.
شُبَهُ الْمُخَالِفِينَ ثَلَاثَةٌ: الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يَعُمُّ قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ، فَقَوْلُهُ: " صُمْ، وَصَلِّ " يَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ كُلَّ زَمَانٍ لِأَنَّ إضَافَتَهُ إلَى جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وَاحِدٌ كَإِضَافَةِ لَفْظِ الْمُشْتَرَكِ إلَى جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ.
قُلْنَا: إنْ سَلَّمْنَا صِيغَةَ الْعُمُومِ فَلَيْسَ هَذَا نَظِيرًا لَهُ، بَلْ نَظِيرُهُ أَنْ يُقَالَ " صُمْ الْأَيَّامَ، وَصَلِّ فِي الْأَوْقَاتِ " أَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: " صُمْ " فَلَا يَتَعَرَّضُ لِلزَّمَانِ لَا بِعُمُومٍ، وَلَا بِخُصُوصٍ، لَكِنَّ الزَّمَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ كَالْمَكَانِ، وَلَا يَجِبُ عُمُومُ الْأَمَاكِنِ بِالْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إلَى كُلِّ مَكَان عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ الزَّمَانُ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ قَوْلَهُ: " صُمْ " كَقَوْلِهِ: " لَا تَصُمْ "، وَمُوجَبُ النَّهْيِ تَرْكُ الصَّوْمِ أَبَدًا، فَلْيَكُنْ مُوجَبُ الْأَمْرِ فِعْلُ الصَّوْمِ أَبَدًا، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَقَوْلُهُ: " قُمْ " وَقَوْلُهُ: " لَا تَقْعُدْ وَاحِدٌ، وَقَوْلُهُ: " تَحَرَّكْ " وَقَوْلُهُ: " لَا تَسْكُنْ " وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ " لَا تَسْكُنْ " لَزِمَتْ الْحَرَكَةُ دَائِمًا، فَقَوْلُهُ: " تَحَرَّكْ " تَضَمَّنَ قَوْلَهُ: " لَا تَسْكُنْ ".
قُلْنَا: أَمَّا قَوْلُكُمْ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَعُمُومُ النَّهْيِ الَّذِي هُوَ ضُمِّنَ بِحَسَبِ الْأَمْرِ الْمُتَضَمَّنِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ، فَلَوْ قَالَ " تَحَرَّكْ مَرَّةً وَاحِدَةً " كَانَ السُّكُونُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَقْصُورًا عَلَى الْمَرَّةِ وَقَوْلُهُ: " تَحَرَّكْ " كَقَوْلِهِ: " تَحَرَّكْ مَرَّةً وَاحِدَةً " كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ الْأَمْرَ عَلَى النَّهْيِ فَبَاطِلٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ بَاطِلٌ فِي اللُّغَاتِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ تَوْقِيفًا.
الثَّانِي: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ فِي النَّهْيِ لُزُومَ الِانْتِهَاءِ مُطْلَقًا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ لَوْ قِيلَ: لِلصَّائِمِ " لَا تَصُمْ " يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ " نَهَانِي عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ أَوْ عَنْ الصَّوْمِ أَبَدًا؟ " فَيَسْتَفْسِرُ، بَلْ التَّصْرِيحُ أَنْ يَقُولَ: " لَا تَصُمْ أَبَدًا، وَلَا تَصُمْ يَوْمًا وَاحِدًا " فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " لَا تَصُمْ " فَانْتَهَى يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ أَنْ يُقَالَ: قَضَى حَقَّ النَّهْيِ، وَلَا يُغْنِيهِمْ عَنْ هَذَا الِاسْتِرْوَاحُ إلَى الْمَنَاهِي الشَّرْعِيَّةِ، وَالْعُرْفِيَّةِ، وَحَمْلُهَا عَلَى الدَّوَامِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ: عَرَفْتُ ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ أَفَادَتْ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ الشَّرْعَ يُرِيدُ عَدَمَ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ مُطْلَقًا، وَفِي كُلِّ حَالٍ لَا بِمُجَرَّدِ صِيغَةِ النَّهْيِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّا نُوجِبُ الْإِيمَانَ دَائِمًا لَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: " آمِنُوا " لَكِنَّ الْأَدِلَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ دَوَامَ الْإِيمَانِ مَقْصُودٌ.
الثَّالِثُ: أَنَّا نُفَرِّقُ، وَلَعَلَّهُ الْأَصَحُّ، فَنَقُولُ: إنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ يَنْبَغِي أَنْ يُوجَدَ مُطْلَقًا، وَالنَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوجَدَ مُطْلَقًا، وَالنَّفْيَ الْمُطْلَقَ يَعُمُّ، وَالْوُجُودَ الْمُطْلَقَ لَا يَعُمُّ؛ فَكُلُّ مَا وُجِدَ مَرَّةً فَقَدْ وُجِدَ مُطْلَقًا، وَمَا انْتَفَى مَرَّةً فَمَا انْتَفَى مُطْلَقًا؛ وَلِذَلِكَ إذَا قَالَ فِي الْيَمِينِ " لَأَفْعَلَنَّ بَرَّ بِمَرَّةٍ، وَلَوْ قَالَ " لَا أَفْعَلُ حَنِثَ بِمَرَّةٍ، وَمَنْ قَالَ " لَأَصُومَنَّ " صَدَقَ، وَعْدُهُ بِمَرَّةٍ، وَمَنْ قَالَ " لَا أَصُومُ " كَانَ كَاذِبًا مَهْمَا صَامَ مَرَّةً.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى التَّكْرَارِ لَتَعَطَّلَتْ الْأَشْغَالُ كُلُّهَا، وَحَمْلُ النَّهْيِ عَلَى
стр. 212
التَّكْرَارِ لَا يُفْضِي إلَيْهِ إذْ يُمْكِنُ الِانْتِهَاءُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِشُغْلٍ لَيْسَ ضِدَّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلُّغَةِ بِمَا يَرْجِعُ إلَى الْمَشَقَّةِ، وَالتَّعَذُّرِ، وَلَوْ قَالَ: " افْعَلْ دَائِمًا " لَمْ يَتَغَيَّرْ مُوجَبُ اللَّفْظِ بِتَعَذُّرِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعَذُّرُ هُوَ الْمَانِعَ، فَلْيُقْتَصَرْ عَلَى مَا يُطَاقُ، وَيَشُقُّ دُونَ مَا يَتَيَسَّرُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْ الْقَبِيحِ كُلِّهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْحُسْنَ، وَلَا يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِالْحُسْنِ كُلِّهِ، وَهَذَا أَيْضًا فَاسِدٌ، فَإِنَّ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْقَبِيحِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ أَمْرًا فَتَقُولُ: أَمَرَ بِالْقَبِيحِ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ بِهِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ الشَّرْعِيُّ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُسْنِ، وَلَا النَّهْيُ عَلَى الْقُبْحِ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ بِالْإِضَافَةِ إلَى ذَوَاتِ الْأَشْيَاءِ بَلْ الْحُسْنُ مَا أُمِرَ بِهِ، وَالْقَبِيحُ مَا نُهِيَ عَنْهُ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ، وَالْقُبْحُ تَابِعًا لِلْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ لَا عِلَّةً، وَلَا مَتْبُوعًا.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ فِي الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ حُمِلَتْ عَلَى التَّكْرَارِ، فَتَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ. قُلْنَا: وَقَدْ حُمِلَ فِي الْحَجِّ عَلَى الِاتِّحَادِ فَلْيَدْلُلْ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ فَكَذَلِكَ هَذَا بِدَلِيلٍ وَقَرَائِنَ بَلْ بِصَرَائِحَ سِوَى مُجَرَّدِ الْأَمْرِ، وَقَدْ أَجَابَ قَوْمٌ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقَرِينَةَ فِيهِ إضَافَتُهَا إلَى أَسْبَابٍ، وَشُرُوطٍ، وَكُلُّ مَا أُضِيفَ إلَى شَرْطٍ، وَتَكَرَّرَ الشَّرْطُ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَى شَرْطٍ]
مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الصَّائِرُونَ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَى شَرْطٍ اخْتَلَفَ الصَّائِرُونَ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلتَّكْرَارِ فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَى شَرْطٍ
فَقَالَ قَوْمٌ: لَا أَثَرَ لِلْإِضَافَةِ وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلشَّرْطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " اضْرِبْهُ " أَمْرٌ لَيْسَ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، فَقَوْلُهُ: " اضْرِبْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا " أَوْ " إذَا كَانَ قَائِمًا " لَا يَقْتَضِيهِ أَيْضًا بَلْ لَا يُرِيدُ إلَّا اخْتِصَاصَ الضَّرْبِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ بِحَالَةٍ لِلْقِيَامِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِوَكِيلِهِ طَلِّقْ زَوْجَتِي إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ " لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ، بَلْ لَوْ قَالَ: " إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ " لَمْ يَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: " كُلَّمَا دَخَلْتِ الدَّارَ "، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلِّ، كَقَوْلِهِ: لِزَوْجَاتِهِ " فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُنَّ الشَّهْرَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَمَنْ زَالَتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ فَهِيَ طَالِقٌ "، وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّ الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْعِلَّةِ، وَالشَّرْطُ كَالْعِلَّةِ، فَإِنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ عَلَامَاتٌ.
قُلْنَا: الْعِلَّةُ إنْ كَانَتْ عَقْلِيَّةً فَهِيَ مُوجَبَةٌ لِذَاتِهَا، وَلَا يُعْقَلُ وُجُودُ ذَاتِهَا دُونَ الْمَعْلُولِ، وَإِنْ كَانَتْ شَرْعِيَّةً، فَلَسْنَا نُسَلِّمُ تَكَرُّرَ الْحُكْمِ بِمُجَرَّدِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الْعِلَّةِ مَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ قَرِينَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ، وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ الْعِلَّةِ، وَكَأَنَّ الشَّرْعَ يَقُولُ: الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِهَا فَاتَّبِعُوهَا.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ إنَّمَا تَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأَسْبَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَ ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجَبِ اللُّغَةِ، وَمُجَرَّدِ الْإِضَافَةِ بَلْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فِي كُلِّ شَرْطٍ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ بِتَكَرُّرِ
стр. 213
الِاسْتِطَاعَةِ. فَإِنْ أَحَالُوا ذَلِكَ عَلَى الدَّلِيلِ أَحَلْنَاهَا بِتَكَرُّرٍ أَيْضًا عَلَى الدَّلِيلِ، كَيْفَ، وَمَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ غَيْرَ مُحْدِثٍ فَلَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ جُنُبًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ، إذَا لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَتَكَرَّرْ مُطْلَقًا، لَكِنْ اُتُّبِعَ فِيهِ مُوجَبُ الدَّلِيلِ؟
[مَسْأَلَةٌ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ]
َ عِنْدَ قَوْمٍ مُطْلَقُ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ عِنْدَ قَوْمٍ، وَلَا يَقْتَضِيهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ قَوْمٌ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: التَّوَقُّفُ فِي الْمُؤَخِّرِ هَلْ هُوَ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا أَمَّا الْمُبَادِرُ فَمُمْتَثِلٌ قَطْعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا وَقَالَ: يُتَوَقَّفُ فِي الْمُبَادِرِ أَيْضًا.، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي إلَّا الِامْتِثَالَ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبِدَارُ، وَالتَّأْخِيرُ، وَنَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْوَقْفِ أَوَّلًا فَنَقُولُ لِلْمُتَوَقِّفِ: الْمُبَادِرُ مُمْتَثِلٌ أَمْ لَا؟ فَإِنْ تَوَقَّفْتَ فَقَدْ خَالَفْتَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ قَبْلَكَ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسَارِعَ إلَى الِامْتِثَالِ مُبَالِغٌ فِي الطَّاعَةِ مُسْتَوْجِبٌ جَمِيلَ الثَّنَاءِ، وَالْمَأْمُورُ إذَا قِيلَ لَهُ: قُمْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ مُمْتَثِلًا، وَلَا يُعَدُّ بِهِ مُخْطِئًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ؛ وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسَارِعِينَ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَقَالَ: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] ، وَإِذَا بَطَلَ هَذَا التَّوَقُّفُ فَنَقُولُ: لَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ فِي الْمُؤَخِّرِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " اغْسِلْ هَذَا الثَّوْبَ " مَثَلًا لَا يَقْتَضِي إلَّا طَلَبَ الْغُسْلِ، وَالزَّمَانُ مِنْ ضَرُورَةِ الْغُسْلِ كَالْمَكَانِ، وَكَالشَّخْصِ فِي الْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ، وَالسَّوْطِ، وَالسَّيْفِ فِي الضَّرْبِ، ثُمَّ لَا يَقْتَضِي الْأَمْرُ بِالضَّرْبِ مَضْرُوبًا مَخْصُوصًا، وَلَا سَوْطًا، وَلَا مَكَانًا لِلْأَمْرِ، فَكَذَلِكَ الزَّمَانُ؛ لِأَنَّ اللَّافِظَ سَاكِتٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ فَهُمَا سِيَّانِ، وَيَعْتَضِدُ هَذَا بِطَرِيقِ ضَرْبِ الْمِثَالِ لَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ بِصِدْقِ الْوَعْدِ إذَا قَالَ: " اغْسِلْ، وَاقْتُلْ " فَإِنَّهُ صَادِقٌ بَادَرَ أَوْ أَخَّرَ، وَلَوْ حَلَفَ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبِدَارُ.
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مُدَّعِيَ الْفَوْرِ مُتَحَكِّمٌ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَنْقُلَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَهُمْ: افْعَلْ لِلْبِدَارِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْلِ ذَلِكَ لَا تَوَاتُرًا، وَلَا آحَادًا، وَلَهُمْ شُبْهَتَانِ.
الْأُولَى: أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَفِي تَجْوِيزِ التَّأْخِيرِ مَا يُنَافِي الْوُجُوبَ إمَّا بِالتَّوَسُّعِ، وَإِمَّا بِالتَّخْيِيرِ فِي فِعْلٍ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ فِي الْأَوْقَاتِ، وَالتَّوَسُّعُ، وَالتَّخْيِيرُ كِلَاهُمَا يُنَاقِضُ الْوُجُوبَ. قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ، وَالْمُوَسَّعَ جَائِزٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: " اغْسِلْ الثَّوْبَ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتَ فَقَدْ أَوْجَبْتُهُ عَلَيْكَ " لَمْ يَتَنَاقَضْ. ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَلَوْ كَانَ لِلْوُجُوبِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِقَرِينَةٍ فَالتَّوَسُّعُ لَا يُنَافِيهِ كَمَا سَبَقَ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِعْلِ، وَاعْتِقَادَ الْوُجُوبِ، وَالْعَزْمَ عَلَى الِامْتِثَالِ ثُمَّ وُجُوبَ الِاعْتِقَادِ، وَالْعَزْمِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ الْفِعْلُ. قُلْنَا الْقِيَاسُ بَاطِلٌ فِي اللُّغَاتِ، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ: " افْعَلْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتَ " فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ، وَالْعَزْمَ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ دُونَ الْفِعْلِ. ثُمَّ نَقُولُ: وُجُوبُ الْفَوْرِ فِي الْعَزْمِ وَالِاعْتِقَادِ مَعْلُومٌ بِقَرِينَةٍ، وَأَدِلَّةٍ دَلَّتْ عَلَى التَّصْدِيقِ لِلشَّارِعِ، وَالْعَزْمِ عَلَى الِانْقِيَادِ لَهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ.
[مَسْأَلَةٌ وُجُوبُ الْقَضَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَمْرٍ مُجَدَّدٍ]
ٍ مَذْهَبُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَمْرٍ مُجَدَّدٍ، وَمَذْهَبُ الْمُحَصِّلِينَ أَنَّ الْأَمْرَ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ لَا يَقْتَضِي الْقَضَاءَ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعِبَادَةِ بِوَقْتِ الزَّوَالِ أَوْ شَهْرِ رَمَضَانَ كَتَخْصِيصِ الْحَجِّ بِعَرَفَاتٍ، وَتَخْصِيصِ الزَّكَاةِ بِالْمَسَاكِينِ، وَتَخْصِيصِ الضَّرْبِ، وَالْقَتْلِ بِشَخْصٍ، وَتَخْصِيصِ الصَّلَاةِ بِالْقِبْلَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّمَانِ، وَالْمَكَانِ، وَالشَّخْصِ فَإِنَّ
стр. 214
جَمِيعَ ذَلِكَ تَقْيِيدٌ لِلْمَأْمُورِ بِصِفَةٍ، وَالْعَارِي عَنْ تِلْكَ الصِّفَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ. فَإِنْ قِيلَ: الْوَقْتُ لِلْعِبَادَةِ كَالْأَجَلِ لِلدَّيْنِ، فَكَمَا لَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ لَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ فِي الذِّمَّةِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. قُلْنَا: مِثَالُ الْأَجَلِ الْحَوْلُ فِي الزَّكَاةِ لَا جَرَمَ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِانْقِضَائِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مُهْلَةٌ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ حَتَّى يُنَجَّزَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، وَأَمَّا الْوَقْتُ فَقَدْ صَارَ وَصْفًا لِلْوَاجِبِ كَالْمَكَانِ، وَالشَّخْصِ، وَمَنْ أُوجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِصِفَةٍ فَإِذَا أَتَى بِهِ لَا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا. نَعَمْ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الشَّرْعِ إمَّا بِنَصٍّ كَقَوْلِهِ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» أَوْ بِقِيَاسٍ، فَإِنَّا نَقِيسُ الصَّوْمَ إذَا نَسِيَهُ عَلَى الصَّلَاةِ إذَا نَسِيَهَا، وَنَرَاهُ فِي مَعْنَاهَا، وَلَا نَقِيسُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةَ، وَلَا الْأُضْحِيَّةَ فَإِنَّهُمَا لَا يُقْضَيَانِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِمَا، وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ تُرُدِّدَ أَنَّهُ بِأَيِّ الْأَصْلَيْنِ أَشْبَهُ، وَلَا نَقِيسُ صَلَاةَ الْحَائِضِ عَلَى صَوْمِهَا فِي الْقَضَاءِ لِفَرْقِ النَّصِّ، وَلَا نَقِيسُ صَلَاةَ الْكَافِرِ، وَزَكَاتَهُ عَلَى صَلَاةِ الْمُرْتَدِّ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي أَصْلِ الْأَمْرِ، وَالْوُجُوبِ عِنْدَنَا.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إذَا اُمْتُثِلَ]
مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إذَا اُمْتُثِلَ ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إذَا اُمْتُثِلَ
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ طَاعَةً وَقُرْبَةً، وَسَبَبَ ثَوَابٍ، وَامْتِثَالًا لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِامْتِثَالُ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِالْأَدَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِتْمَامِ، وَلَا يُجْزِئُهُ بَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ، وَمُمْتَثِلٌ إذَا صَلَّى، وَمُطِيعٌ، وَمُتَقَرِّبٌ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، فَلَا يُمْكِنُ إنْكَارُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا، وَلَا إنْكَارُ كَوْنِهِ مُمْتَثِلًا حَتَّى يَسْقُطَ الْعِقَابُ، وَلَا إنْكَارُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالْقَضَاءِ؛ فَهَذِهِ أُمُورٌ مَقْطُوعٌ بِهَا، وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا أَنْ نُفَصِّلَ، وَنَقُولَ: إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ، وَأَنَّهُ مِثْلُ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ فَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَمْنَعُ إيجَابَ مِثْلِهِ بَعْدَ الِامْتِثَالِ، وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْمِثْلَ إنَّمَا يُسَمَّى قَضَاءً إذَا كَانَ فِيهِ تَدَارُكٌ لِفَائِتٍ مِنْ أَصْلِ الْعِبَادَةِ أَوْ وَصْفِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَوَاتٌ، وَخَلَلٌ اسْتَحَالَ تَسْمِيَتُهُ قَضَاءً فَنَقُولُ: الْأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ الْمَأْمُورِ إذَا أُدِّيَ بِكَمَالِ وَصْفِهِ، وَشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ، وَإِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ خَلَلٌ كَمَا فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَدُلُّ الْأَمْرُ عَلَى إجْزَائِهِ بِمَعْنَى مَنْعِ إيجَابِ الْقَضَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَاَلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ مَأْمُورٌ بِالطَّهَارَةِ؟ فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالطَّهَارَةِ مَعَ تَنَجُّزِ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ عَلَى حَالَتِهِ فَقَدْ امْتَثَلَ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ، فَبِمَ عُقِلَ إيجَابُ الْقَضَاءِ؟ وَكَذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ أَتَمَّ كَمَا أُمِرَ. قُلْنَا: هَذَا مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْخَلَلِ بِضَرُورَةِ نِسْيَانِهِ فَقَدْ أَتَى بِصَلَاةٍ مُخْتَلَّةٍ فَاقِدَةٍ شَرْطَهَا لِضَرُورَةِ حَالِهِ فَعُقِلَ الْأَمْرُ لِتَدَارُكِ الْخَلَلِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْخَلَلُ لَا عَنْ قَصْدٍ، وَلَا عَنْ نِسْيَانٍ فَلَا تَدَارُكَ فِيهِ فَلَا يُعْقَلُ إيجَابُ قَضَائِهِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِإِجْزَائِهِ. كَذَلِكَ مُفْسِدُ الْحَجِّ مَأْمُورٌ بِحَجٍّ خَالٍ عَنْ فَسَادٍ وَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ فَيَقْضِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ]
ٌ الْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ
مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﵊: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى الْأُمَّةِ، وَرُبَّمَا ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛
стр. 215
لَكِنْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﵊ وَاجِبُ الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مَأْذُونِينَ فِي الْمَنْعِ لَكَانَ ذَلِكَ تَحْقِيرًا لِلنَّبِيِّ ﵇، وَتَنْفِيرًا لِلْأُمَّةِ عَنْهُ، وَذَلِكَ يَغُضُّ مِنْ قَدْرِهِ، وَيُشَوِّشُ مَقْصُودَ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ لِلزَّوْجِ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: " أَنْتِ بَائِنٌ عَلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ ". رَاجِعْهَا، وَطَالِبْهَا بِالْوَطْءِ، وَيُقَالُ لِلْحَنَفِيَّةِ الَّتِي تَرَى أَنَّهَا بَائِنَةٌ: يَجِبُ عَلَيْكِ الْمَنْعُ، وَيُقَالُ لِلْوَلِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ لِطِفْلِهِ عَلَى طِفْلِ غَيْرِهِ شَيْئًا: اُطْلُبْهُ، وَيُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى طِفْلِهِ: لَا تُعْطِهِ، وَمَانِعْهُ، وَيَقُولُ السَّيِّدُ لِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْمُرَ الْعَبْدَ الْآخَرَ، وَيَقُولُ لِلْآخَرِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ الْعِصْيَانَ لَهُ.
، وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﵇ «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» لَيْسَ خِطَابًا مِنْ الشَّرْعِ مَعَ الصَّبِيِّ، وَلَا إيجَابًا عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ لِلنَّبِيِّ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ أَنْ تُوجِبَ عَلَى الْأُمَّةِ وَقَالَ لِلْأُمَّةِ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ خِلَافَهُ. قُلْنَا: ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يَقُولَ: " أَوْجَبْتُ " لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيجَابِ، فَإِنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْإِيجَابِ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُهُ أَمْرُهُمْ بِالْمَنْعِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَالتَّسَلُّمُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ. قُلْنَا: لَا يَجِبُ التَّسَلُّمُ بَلْ يَجِبُ الطَّلَبُ فَقَطْ، ثُمَّ إنْ وَجَبَ التَّسَلُّمُ فَذَلِكَ يَتِمُّ بِالتَّسْلِيمِ الْمُحَرَّمِ، وَإِنَّمَا يُنَاقِضُ التَّسَلُّمَ انْتِفَاءُ التَّسْلِيمِ فِي نَفْسِهِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ، وَحُكْمِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ كَمَا أَنَّ مَنْ أَمَرَ زَيْدًا بِضَرْبِ عَمْرٍو فَلَا يَطْلُبُ مِنْ عَمْرٍو شَيْئًا فَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ يَأْمُرُ عَمْرًا فَلَا يَطْلُبُ مِنْ عَمْرٍو شَيْئًا.
[مَسْأَلَةٌ ظَاهِرُ الْخِطَابِ مَعَ جَمَاعَةٍ بِالْأَمْرِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ]
ٍ ظَاهِرُ الْخِطَابِ مَعَ جَمَاعَةٍ بِالْأَمْرِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ
إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ وَاحِدٍ أَوْ يَرِدُ الْخِطَابُ بِلَفْظٍ لَا يَعُمُّ الْجَمِيعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَإِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى التَّعْيِينِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا حَقِيقَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ؟ أَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْجَمِيعِ ثُمَّ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ أَوْ هُوَ فَرْضٌ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ أَيِّ وَاحِدٍ كَانَ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؟ أَوْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ حَضَرَ، وَتَعَيَّنَ، أَعْنِي: حَضَرَ الْجِنَازَةَ أَوْ الْمُنْكَرَ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَهُوَ نَدْبٌ فِي حَقِّهِ؟ قُلْنَا: الصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ عُمُومُ الْفَرْضِيَّةِ، فَإِنَّ سُقُوطَ الْفَرْضِ دُونَ الْأَدَاءِ يُمْكِنُ إمَّا بِالنَّسْخِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا بِأَجْمَعِهِمْ نَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَإِنْ امْتَنَعُوا عَمَّ الْحَرَجُ الْجَمِيعَ، وَلَوْ خَلَا بَعْضُهُمْ عَنْ الْوُجُوبِ لَانْفَكَّ عَنْ الْإِثْمِ.
أَمَّا الْإِيجَابُ عَلَى وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ فَمُحَالٌ، لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَإِذَا أُبْهِمَ الْوُجُوبُ تَعَذَّرَ الِامْتِثَالُ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ]
مَسْأَلَةٌ ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ.
وَذَهَبَ الْقَاضِي وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ الْحَقِّ إلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَفِي تَفْهِيمِ حَقِيقَةِ الْمَسْأَلَةِ غُمُوضٌ، وَسَبِيلُ كَشْفِ الْغِطَاءِ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ: إنَّمَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا مَهْمَا كَانَ مَأْمُورًا لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتْبَعُ الْمَعْلُومَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ
стр. 216
لِعَبْدِهِ: " صُمْ غَدًا "، وَأَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُحَقَّقٌ نَاجِزٌ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا بِبَقَاءِ الْعَبْدِ إلَى غَدٍ، وَلَكِنْ اتَّفَقَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِالشَّرْطِ أَمْرٌ حَاصِلٌ نَاجِزٌ فِي الْحَالِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ الشَّرْطِ مَجْهُولًا عِنْدَ الْآمِرِ، وَالْمَأْمُورِ، أَمَّا إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَلَا؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: " صُمْ إنْ صَعِدْتَ إلَى السَّمَاءِ أَوْ إنْ عِشْتَ أَلْفَ سَنَةٍ "، فَلَيْسَ هَذَا بِأَمْرٍ، أَيْ: هَذِهِ الصِّيغَةُ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى الَّذِي يَقُومُ بِالنَّفْسِ، وَيُسَمَّى أَمْرًا، وَلَوْ قَالَ: " صُمْ إنْ كَانَ الْعَالَمُ مَخْلُوقًا أَوْ كَانَ اللَّهُ مَوْجُودًا " فَهَذَا أَمْرٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِمُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الشَّرْطِ فِي شَيْءٍ فَإِنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ، وَلَا يُوجَدَ، فَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ عَدَمِهِ مُنَافِيًا وُجُودَ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالشَّرْطِ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِعَوَاقِبِ الْأَمْرِ فَالشَّرْطُ فِي أَمْرِهِ مُحَالٌ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ جَهْلَ الْمَأْمُورِ شَرْطٌ أَمَّا جَهْلُ الْآمِرِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ عَلِمَ السَّيِّدُ بِقَوْلِ نَبِيٍّ صَادِقٍ أَنَّ عَبْدَهُ يَمُوتُ قَبْلَ رَمَضَانَ فَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، مَهْمَا جَهِلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ لَهُ فِيهِ لُطْفٌ يَدْعُوهُ إلَى الطَّاعَاتِ، وَيَزْجُرُهُ عَنْ الْمَعَاصِي، وَرُبَّمَا كَانَ لُطْفًا لِغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِحَثٍّ أَوْ زَجْرٍ، وَرُبَّمَا كَانَ امْتِحَانًا لَهُ لِيَشْتَغِلَ بِالِاسْتِعْدَادِ فَيُثَابَ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَيُعَاقَبَ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ أَحَالُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: إذَا شَهِدَ الْعَبْدُ هِلَالَ رَمَضَانَ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِحُكْمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . لَكِنَّ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى ظَنِّ الْبَقَاءِ، وَدَوَامِ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ، وَالْقُدْرَةَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ فَإِذَا مَاتَ فِي مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالنِّصْفِ الثَّانِي.
وَيَدُلُّكَ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ مَسَالِكُ:
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الصَّبِيَّ كَمَا يَبْلُغُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ، وَيَعْتَقِدَ كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مَنْهِيًّا عَنْ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَتْلِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ وَقْتُ صَلَاةٍ، وَلَا زَكَاةٍ، وَلَا حَضَرَ مَنْ يُمْكِنُ قَتْلُهُ، وَالزِّنَا بِهِ، وَلَا حَضَرَ مَالٌ تُمْكِنُ سَرِقَتُهُ، وَلَكِنْ يَعْلَمُ نَفْسَهُ مَأْمُورًا مَنْهِيًّا بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِعَوَاقِبِ أَمْرِهِ، وَعِلْمُهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِهَا لَا يَدْفَعُ عَنْهُ وُجُوبَ هَذَا الِاعْتِقَادِ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ مَا لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَلَيْسَ بِمُتَقَرِّبٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ عَزَمَ عَلَى تَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورَاتِ كَانَ مُتَقَرِّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا أَوْ مَنْهِيًّا لِعِلْمِ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ التَّمَكُّنُ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَشُكَّ فِي كَوْنِهِ مُتَقَرِّبًا، وَنَتَوَقَّفَ، وَنَقُولَ: إنْ مِتَّ بَعْدَ هَذَا الْعَزْمِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ فَلَا ثَوَابَ لَكَ لِأَنَّهُ لَا تَقَرُّبَ مِنْكَ، وَإِنْ عِشْتَ، وَتَمَكَّنْتَ تَبَيَّنَّا عِنْدَ ذَلِكَ كَوْنَكَ مُتَقَرِّبًا، وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ: إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ،، وَلَا يُعْقَلُ تَثْبِيتُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَالْعَبْدُ يَنْوِي فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَرْضَ الظُّهْرِ، وَرُبَّمَا يَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَيُتَبَيَّنُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا فَلْيَكُنْ شَاكًّا فِي الْفَرْضِيَّةِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَمْتَنِعُ النِّيَّةُ فَإِنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا إلَى مَعْلُومٍ. فَإِنْ قِيلَ: إنْ نَوَى فَرْضِيَّةَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَلَوْ مَاتَ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ الْأَرْبَعُ فَرِيضَةً، وَهُوَ مُجَوِّزٌ لِلْمَوْتِ، فَكَيْفَ يَنْوِي فَرْضَ مَا هُوَ شَاكٌّ فِيهِ؟ قُلْنَا: لَيْسَ شَاكًّا فِيهِ بَلْ هُوَ قَاطِعٌ بِأَنَّ الْأَرْبَعَ فَرْضٌ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ، فَالْأَمْرُ بِالشَّرْطِ أَمْرٌ فِي الْحَالِ، وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ، وَالْفَرْضُ بِالشَّرْطِ فَرْضٌ أَيْ: أَنَّهُ مَأْمُورٌ أَمْرَ إيجَابٍ مَنْ عَزَمَ عَلَيْهِ يُثَابُ
стр. 217
ثَوَابَ مَنْ عَزَمَ عَلَى وَاجِبٍ، وَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: " صُمْ غَدًا " فَهُوَ أَمْرٌ فِي الْحَالِ بِصَوْمٍ فِي الْغَدِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ فِي الْغَدِ، وَإِذَا قَالَ لَهُ: " أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ بِشَرْطِ بَقَائِكَ وَقُدْرَتِكَ " فَهُوَ مُوجَبٌ فِي الْحَالِ لَكِنْ إيجَابًا بِشَرْطٍ، فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ حَقِيقَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ: " بِعْ دَارِي غَدًا " فَهُوَ مُوَكِّلٌ، وَآمِرٌ فِي الْحَالِ، وَالْوَكِيلُ مَأْمُورٌ، وَوَكِيلٌ فِي الْحَالِ حَتَّى يُعْقَلَ أَنْ يُعْزَلَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ؛ فَإِذَا قَالَ الْوَكِيلُ: " وَكَّلَنِي ثُمَّ عَزَلَنِي، وَأَمَرَنِي ثُمَّ مَنَعَنِي " كَانَ صَادِقًا فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ لَا يُتَبَيَّن أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا، وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذَا فِي مَسْأَلَةِ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ، وَفِي نَسْخِ الذَّبْحِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَلِهَذَا فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: " إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتَ وَكِيلِي " وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: " وَكَّلْتُكَ بِبَيْعِ دَارِي لَكِنْ تَبِيعُهَا رَأْسِ الشَّهْرِ " فَإِنَّ الْأَوَّلَ تَعْلِيقٌ، وَمَنْ مَنَعَ تَعْلِيقَ الْوَكَالَةِ رُبَّمَا جَوَّزَ تَنْجِيزَ الْوَكَالَةِ مَعَ تَأْخِيرٍ عِنْدَ التَّنْفِيذِ إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ.
الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ: إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى لُزُومِ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، أَعْنِي: أَوَّلَ يَوْمٍ مَثَلًا، وَلَوْ كَانَ الْمَوْتُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ يُبَيِّنُ عَدَمَ الْأَمْرِ فَالْمَوْتُ مُجَوِّزٌ فَيَصِيرُ الْأَمْرُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الشُّرُوعُ بِالشَّكِّ فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّهُ إنْ بَقِيَ كَانَ وَاجِبًا، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ، وَالْحَاصِلُ فِي الْحَالِ يُسْتَصْحَبُ وَالِاسْتِصْحَابُ أَصْلٌ تُبْنَى عَلَيْهِ الْأُمُورُ، كَمَا أَنَّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَبُعٌ يَهْرَبُ، وَإِنْ كَانَ يُحْتَمَلُ مَوْتُ السَّبُعِ قَبْلَ الِانْتِهَاءِ إلَيْهِ لَكِنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فَيَسْتَصْحِبُهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ يُتَصَوَّرْ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ الْمُضَيَّقَةِ أَوْقَاتُهَا كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْلَمُ تَمَامُ التَّمَكُّنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْيَوْمِ، وَيَكُونُ قَدْ فَاتَ. قُلْنَا: هَذَا يَلْزَمُكُمْ فِي الصَّوْمِ، وَمَذْهَبُكُمْ هُوَ الَّذِي يُفْضِي إلَى هَذَا الْمُحَالِ، وَمَا يُفْضِي إلَى الْمُحَالِ فَهُوَ مُحَالٌ، وَأَمَّا الْهَرَبُ مِنْ السَّبُعِ فَحَزْمٌ، وَأَخْذٌ بِأَسْوَأِ الْأَحْوَالِ، وَيَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَالُ الْبَعِيدُ، فَإِنَّ مَنْ شَكَّ فِي سَبُعٍ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ سَارِقٍ فَيَحْسُنُ مِنْهُ الْحَزْمُ وَالِاحْتِرَازُ، أَمَّا الْوُجُوبُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ الصَّوْمِ، وَمَاتَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاحْتِمَالِ الْآخَرِ، وَهُوَ احْتِمَالُ الْمَوْتِ فَلْيَكُنْ مَعْذُورًا بِهِ.
فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ظَنَّ الْبَقَاءِ بِالِاسْتِصْحَابِ أَوْرَثَ ظَنَّ الْوُجُوبِ، وَظَنُّ الْوُجُوبِ اقْتَضَى تَحَقُّقَ الْوُجُوبِ مِنْ الشَّرْعِ جَزْمًا قَطْعًا، فَهَذَا تَعَسُّفٌ، وَتَنَاقُضٌ.
الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَبَسَ الْمُصَلِّيَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَيَّدَهُ، وَمَنَعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ مُتَعَدٍّ عَاصٍ بِسَبَبِ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ، فَإِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ يَنْدَفِعُ بِهِ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَيْهِ إذَا مَنَعَ التَّكْلِيفَ عَنْهُ فَلِمَ عَصَى؟ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ عَصَى، لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْغَيْرِ بِضَبْطِهِ، وَمَنْعِهِ حَرَامٌ، وَإِنَّ مَنْعَهُ غَيْرُ مُبَاحٍ أَيْضًا؛ وَلِأَنَّ مَنْعَهُ صَارَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ عَلَى خَطَرٍ مِنْ فَوَاتِهِ، أَوْ يُحَرَّمُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يُكَلِّفَهُ، وَفِي التَّكْلِيفِ مَصْلَحَةٌ وَقَدْ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَيَّدَهُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَ الْبُلُوغِ إلَى أَنْ بَلَغَ، وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَصَى، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الصَّبِيِّ أَمْرٌ نَاجِزٌ لَا بِشَرْطٍ، وَلَا بِغَيْرِ شَرْطٍ. شُبَهُ الْمُعْتَزِلَةِ.
الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: إثْبَاتُ الْأَمْرِ بِشَرْطٍ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الشَّيْءِ مَشْرُوطًا بِمَا يُوجَدُ بَعْدَهُ، وَالشَّرْطُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَارَنَ أَوْ يَتَقَدَّمَ، أَمَّا تَأْخِيرُ الشَّرْطِ عَنْ الْمَشْرُوطِ فَمُحَالٌ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا شَرْطًا لِوُجُودِ ذَاتِ الْأَمْرِ وَقِيَامِهِ بِذَاتِ الْأَمْرِ، بَلْ الْأَمْرُ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِذَاتِ الْأَمْرِ وُجِدَ الشَّرْطُ
стр. 218
أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِكَوْنِ الْأَمْرِ لَازِمًا وَاجِبَ التَّنْفِيذِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِ مَوْجُودًا بِسَبِيلٍ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: الْأَمْرُ أَمْرٌ لِلْمَعْدُومِ بِتَقْدِيرِ الْوُجُودِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ فَلَيْسَ الْبُلُوغُ شَرْطًا لِقِيَامِ نَفْسِ الْأَمْرِ بِذَاتِ الْأَمْرِ بَلْ لِلُزُومِ تَنْفِيذِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: اخْتِلَافُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْغُرُوبِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؟ هَلْ يُلْتَفَتُ إلَى هَذَا الْأَصْلِ؟ قُلْنَا: أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّا نَتَبَيَّنُ عِنْدَ زَوَالِ الْحَيَاةِ انْتِفَاءَ الْأَمْرِ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّا لَا نَتَبَيَّنُ عَدَمَ الْأَمْرِ فَيُحْتَمَلُ مِنْهُ التَّرَدُّدُ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ قَدْ أَفْسَدَ بِالْجِمَاعِ الصَّوْمَ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَقَطَعَ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ بِحُكْمِ الْوَقْتِ، وَإِفْسَادُهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمٍ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْفَسَادِ وَالِانْقِطَاعِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَهَذَا مُتَعَرِّضٌ لَهُ فَيَكُونُ هَذَا مَانِعًا مِنْ الْإِلْحَاقِ بِالصَّوْمِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْجِمَاعُ لِإِفْسَادِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلَوْ عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ بِالْعَادَةِ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ أَوْ بِقَوْلِ نَبِيٍّ صَادِقٍ حَيْضًا أَوْ جُنُونًا أَوْ مَوْتًا فَهَلْ يَلْزَمُهَا الصَّوْمُ حَتَّى تَصُومَ بَعْضَ الْيَوْمِ؟ قُلْنَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ، لِأَنَّ بَعْضَ الْيَوْمِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُورَةٍ بِالْكُلِّ، أَمَّا عِنْدَنَا فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ لِأَنَّ الْمُرَخِّصَ فِي الْإِفْطَارِ لَمْ يُوجَدْ، وَالْأَمْرُ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَالْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَوْ قَالَ: إنْ صَلَّيْتُ أَوْ شَرَعْتُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، ثُمَّ شَرَعَ ثُمَّ أَفْسَدَ أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْإِتْمَامِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَهَلْ يَلْتَفِتُ هَذَا إلَى هَذَا الْأَصْلِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ قِيَاسُ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنْ لَا يَحْنَثَ لِأَنَّ بَعْضَ الصَّوْمِ لَيْسَ بِصَوْمٍ، وَالْفَاسِدُ لَيْسَ بِصَوْمٍ وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِالْآخَرِ، وَعَلَى مَذْهَبِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ، وَهَذِهِ صَلَاةٌ فِي الْحَالِ، وَتَمَامُهَا مُقَيَّدٌ بِالشَّرْطِ حَتَّى لَوْ قَالَ: " وَاَللَّهِ لَأَعْتَكِفَنَّ صَائِمًا " أَوْ " إنْ اعْتَكَفْتُ صَائِمًا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا " فَاعْتَكَفَ سَاعَةً صَائِمًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ مَاتَ لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ فِي تَرِكَتِهِ، وَلَمْ تَرِثْهُ زَوْجَتُهُ.
وَلَا تَخْلُو هَذِهِ الْمَسَائِلُ عَنْ الِالْتِفَاتِ إلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَلَوْ قَالَ: " إنْ أَمَرْتُ عَبْدِي فَزَوْجَتِي طَالِقٌ " ثُمَّ قَالَ: " صُمْ غَدًا " طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْغَدِ فَلَا يُتَبَيَّنُ انْتِفَاءُ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: " إنْ وَكَّلْتُ وَكِيلًا فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، وَإِنْ عَزَلْتُ وَكِيلًا فَعَبْدِي حُرٌّ ثُمَّ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ دَارِهِ غَدًا ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ الْغَدِ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، وَعَتَقَ عَبْدُهُ.
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ الْأَقْوَى: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ فَلَا يَقُومُ بِذَاتِ مَنْ يَعْلَمُ امْتِنَاعَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ، فَكَيْفَ يَقُومُ بِذَاتِ السَّيِّدِ طَلَبُ الْخِيَاطَةِ إنْ صَعِدَ الْعَبْدُ إلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصْعَدُ؟ نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: خِطْ إنْ صَعِدْتَ إلَى السَّمَاءِ لَكِنَّهُ صِيغَةُ أَمْرٍ، وَلَا يَقُومُ الطَّلَبُ بِذَاتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اصْعَدْ إلَى السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ أَمْرًا لِعَجْزِهِ، وَعِلْمِ الْآمِرِ بِامْتِنَاعِهِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَأَنْتُمْ قَدْ مِلْتُمْ إلَى مَنْعِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، وَبِهِ يُفَارِقُ الْآمِرُ الْجَاهِلَ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ عَجْزَ عَبْدِهِ عَنْ الْقِيَامِ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقُولَ: قُمْ، وَيَقُومُ بِذَاتِهِ الطَّلَبُ، أَمَّا إذَا عَلِمَ عَجْزَهُ فَلَا يَقُومُ بِذَاتِهِ طَلَبُ الْمُمْتَنِعِ.
وَهَذَا التَّحْقِيقُ، وَهُوَ أَنَّ الْجَهْلَ إذَا كَانَ شَرْطًا لِقِيَامِ هَذَا الْأَمْرِ بِذَاتِهِ فَالْمُؤَثِّرُ فِي صِفَةِ ذَاتِهِ جَهْلُهُ لَا جَهْلَ الْمَأْمُورِ، فَمَهْمَا عَلِمَ الْآمِرُ عَدَمَ الشَّرْطِ، فَكَيْفَ يَكُونُ طَالِبًا؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَالِبًا فَكَيْفَ يَكُونُ آمِرًا، وَالْأَمْرُ هُوَ الطَّلَبُ؟ وَهَذَا وَاقِعٌ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ إنْكَارِهِمْ كَلَامَ النَّفْسِ، أَمَّا
стр. 219
عِنْدَنَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالطَّلَبِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْأَمْرِ إرَادَةً، وَتَشَوُّقًا لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ عِنْدَنَا مُرَادَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا، وَالطَّاعَاتُ مَأْمُورٌ بِهَا وَقَدْ لَا تَكُونُ مُرَادَةً، فَإِنَّ مَا أَرَادَ اللَّهُ وَاقِعٌ، وَالتَّشَوُّقُ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اقْتِضَاءُ فِعْلِهِ لِمَصْلَحَةِ الْعَبْدِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ تَوْطِئَةً لِلنَّفْسِ عَلَى عَزْمِ الِامْتِثَالِ أَوْ التَّرْكِ لِمَا يُخَالِفُهُ لُطْفًا بِهِ فِي الِاسْتِعْدَادِ وَالِانْحِرَافِ عَنْ الْفَسَادِ، وَهَذَا لُطْفٌ مُتَصَوَّرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا مِنْ السَّيِّدِ أَنْ يَسْتَصْلِحَ عَبْدَهُ بِأَوَامِرَ يُنْجِزُهَا عَلَيْهِ مَعَ عَزْمِهِ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ الِامْتِثَالِ امْتِحَانًا لِلْعَبْدِ، وَاسْتِصْلَاحًا لَهُ وَكُلُّ أَمْرٍ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُنْسَخَ وَكُلُّ وَكَالَةٍ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعْزَلَ الْوَكِيلُ، وَقَوْلُهُ: " وَكَّلْتُكَ بِبَيْعِ الْعَبْدِ غَدًا " مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ سَيُعْتِقُ الْعَبْدَ قَبْلَ الْغَدِ وَكَالَةٌ فِي الْحَالِ يُقْصَدُ بِهَا اسْتِمَالَةُ الْوَكِيلِ مَثَلًا، وَامْتِحَانُهُ فِي إظْهَارِ الِاسْتِبْشَارِ بِأَمْرِهِ أَوْ الْكَرَاهِيَةِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مَعْقُولٌ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ، وَلَيْسَ تَحْتَ الْأَمْرِ إلَّا أَنَّهُ اقْتِضَاءٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَم.
[الْقَوْلُ فِي صِيغَةِ النَّهْيِ]
[مَسْأَلَةٌ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُفِيدَةِ لِلْأَحْكَامِ هَلْ يَقْتَضِي فَسَادَهَا]
الْقَوْلُ فِي صِيغَةِ النَّهْيِ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأَوَامِرِ تَتَّضِحُ بِهِ أَحْكَامُ النَّوَاهِي؛ إذْ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ وِزَانٌ مِنْ النَّهْيِ عَلَى الْعَكْسِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّكْرَارِ، وَلَكِنَّا نَتَعَرَّضُ لِمَسَائِلَ لَا بُدَّ مِنْ إفْرَادِهَا بِالْكَلَامِ
مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُفِيدَةِ لِلْأَحْكَامِ هَلْ يَقْتَضِي فَسَادَهَا؟
فَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ نَهْيًا عَنْهُ لِعَيْنِهِ دَلَّ عَلَى الْفَسَادِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَبَيَانُهُ أَنَّا نَعْنِي بِالْفَسَادِ تَخَلُّفُ الْأَحْكَامِ عَنْهَا، وَخُرُوجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَسْبَابًا مُفِيدَةً لِلْأَحْكَامِ، وَلَوْ صَرَّحَ الشَّارِعُ وَقَالَ: " حَرَّمْتُ عَلَيْكَ اسْتِيلَادَ جَارِيَةِ الِابْنِ، وَنَهَيْتُكَ عَنْهُ لِعَيْنِهِ لَكِنْ إنْ فَعَلْتَ مَلَكْتَ الْجَارِيَةَ، وَنَهَيْتُكَ عَنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِعَيْنِهِ لَكِنْ إنْ فَعَلْتَ بَانَتْ زَوْجَتُكَ، وَنَهَيْتُكَ عَنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ لَكِنْ إنْ فَعَلْتَ طَهُرَ الثَّوْبُ، وَنَهَيْتُكَ عَنْ ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ بِسِكِّينِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ لَكِنْ إنْ فَعَلْتَ حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ ". فَشَيْءٌ مِنْ هَذَا لَيْسَ يَمْتَنِعُ، وَلَا يَتَنَاقَضُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: " حَرَّمْتُ عَلَيْكَ الطَّلَاقَ، وَأَمَرْتُكَ بِهِ أَوْ أَبَحْتُهُ لَكَ، وَحَرَّمْتُ الِاسْتِيلَادَ لِجَارِيَةِ الِابْنِ، وَأَوْجَبْتُهُ عَلَيْكَ " فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَنَاقِضٌ لَا يُعْقَلُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يُضَادُّ الْإِيجَابَ، وَلَا يُضَادُّهُ كَوْنُ الْمُحَرَّمِ مَنْصُوبًا عَلَامَةً عَلَى حُصُولِ الْمِلْكِ، وَالْحِلِّ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، إذْ يَتَنَاقَضُ أَنْ يَقُولَ: " حَرَّمْتُ الزِّنَا، وَأَبَحْتُهُ " وَلَا يَتَنَاقَضُ أَنْ يَقُولَ: " حَرَّمْتُ الزِّنَا وَجَعَلْتُ الْفِعْلَ الْحَرَامَ فِي عَيْنِهِ سَبَبًا لِحُصُولِ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ " فَإِنَّ شَرْطَ التَّحْرِيمِ التَّعَرُّضُ لِعِقَابِ الْآخِرَةِ فَقَطْ دُونَ تَخَلُّفِ الثَّمَرَاتِ، وَالْأَحْكَامِ عَنْهُ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: " لَا تَبِعْ، وَلَا تُطَلِّقْ، وَلَا تَنْكِحْ لَوْ دَلَّ عَلَى تَخَلُّفِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْفَسَادِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَدُلَّ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَوْ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَدُلَّ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَنْهَى عَنْ الطَّاعَاتِ، وَعَنْ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ، وَتَعْتَقِدُ ذَلِكَ نَهْيًا حَقِيقِيًّا دَالًّا عَلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوجَدَ، أَمَّا الْأَحْكَامُ فَإِنَّهَا شَرْعِيَّةٌ لَا يُنَاسِبُهَا اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ وَضْعُ اللِّسَانِ إذْ يُعْقَلُ أَنْ يَقُولَ الْعَرَبِيُّ: هَذَا الْعَقْدُ الَّذِي يُفِيدُ الْمِلْكَ، وَالْأَحْكَامَ إيَّاكَ أَنْ تَفْعَلَهُ، وَتُقْدِمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهِ الشَّارِعُ أَيْضًا لَكَانَ مُنْتَظِمًا مَفْهُومًا.
أَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَلَوْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ
стр. 220
لِلْإِفْسَادِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ صَرِيحًا لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ تَصَرُّفًا فِي اللُّغَةِ بِالتَّغْيِيرِ أَوْ كَانَ صِيغَةُ النَّهْيِ مِنْ جِهَتِهِ مَنْصُوبًا عَلَامَةً عَلَى الْفَسَادِ، وَيَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الْحُجَّةِ، وَنَقْلِهَا، وَشُبَهُهُمْ الشَّرْعِيَّةُ أَرْبَعُ:
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَبِيحٌ، وَمَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ مَشْرُوعًا؟ قُلْنَا: إنْ أَرَدْتُمْ بِالْمَشْرُوعِ كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا فَذَلِكَ مُحَالٌ، وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ، وَإِنْ عَنَيْتُمْ بِهِ كَوْنَهُ مَنْصُوبًا عَلَامَةً لِلْمِلْكِ أَوْ الْحِلِّ أَوْ حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَفِيهِ وَقَعَ النِّزَاعُ، فَلِمَ ادَّعَيْتُمْ اسْتِحَالَتَهُ، وَلَمْ يُسْتَحَلَّ أَنْ يُحَرِّمَ الِاسْتِيلَادَ، وَيَنْصِبَ سَبَبًا لِمِلْكِ الْجَارِيَةِ، وَيُحَرِّمَ الطَّلَاقَ، وَيَنْصِبَ سَبَبًا لِلْفِرَاقِ بَلْ لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَيَنْصِبَ سَبَبًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَسُقُوطِ الْفَرْضِ؟
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ النَّهْيَ لَا يَرِدُ مِنْ الشَّارِعِ فِي الْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ إلَّا لِبَيَانِ خُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُمَلَّكًا أَوْ مَشْرُوعًا. قُلْنَا: فِي هَذَا وَقَعَ النِّزَاعُ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ وَكَمْ مِنْ بَيْعٍ، وَنِكَاحٍ نَهَى عَنْهُ، وَبَقِيَ سَبَبًا لِلْإِفَادَةِ فَمَا هَذَا التَّحَكُّمُ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﵇: «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ، وَمَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» .
قُلْنَا: مَعْنَى قَوْلِهِ: " رَدٌّ " أَيْ: غَيْرُ مَقْبُولٍ طَاعَةً وَقُرْبَةً، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يَقَعُ طَاعَةً أَمَّا أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا لِلْحُكْمِ فَلَا فَإِنَّ الِاسْتِيلَادَ، وَالطَّلَاقَ، وَذَبْحَ شَاةِ الْغَيْرِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا ثُمَّ لَيْسَ بِرَدٍّ بِهَذَا الْمَعْنَى.
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُمْ: أَجْمَعَ سَلَفُ الْأُمَّةِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَنَاهِي عَلَى الْفَسَادِ، فَفَهِمُوا فَسَادَ الرِّبَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] وَاحْتَجَّ ابْنُ عُمَرَ ﵁ فِي فَسَادِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وَفِي نِكَاحِ الْمَحَارِمِ بِالنَّهْيِ.
قُلْنَا: هَذَا يَصِحُّ مِنْ بَعْضِ الْأُمَّةِ أَمَّا مِنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ فَلَا يَصِحُّ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ الْبَعْضِ، نَعَمْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْمَنْعِ أَمَّا فِي الْإِفْسَادِ فَلَا.
مَسْأَلَةٌ: الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا؟
فَنَقَلَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالنَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى انْعِقَادِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَحَالَ انْعِقَادُهُ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ فَإِنَّ الْمُحَالَ لَا يُنْهَى عَنْهُ كَمَا لَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَلَا يُقَالُ لِلْأَعْمَى: " لَا تُبْصِرْ " كَمَا لَا يُقَالُ لَهُ: " أَبْصِرْ " فَزَعَمُوا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الزِّنَا يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمْرَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ، وَالصِّحَّةِ، فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّهْيُ؟ بَلْ الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ وَاقْتِضَاءِ التَّرْكِ فَقَطْ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ، وَالتَّحْرِيمِ فَقَطْ، أَمَّا حُصُولُ الْإِجْزَاءِ، وَالْفَائِدَةِ أَوْ نَفْيُهُمَا فَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ.
وَاللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِهَذِهِ الْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ فَلَوْ قَالَ الشَّارِعُ: " إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَمْرٍ أَرَدْتُ بِهِ صِحَّتَهُ لَتَلَقَّيْنَاهُ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ صَرِيحًا لَا بِالتَّوَاتُرِ، وَلَا بِنَقْلِ الْآحَادِ، وَلَيْسَ ضَرُورَةُ الْمَأْمُورِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا مُجْزِئًا، فَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ الْمَنْهِيِّ ذَلِكَ؟ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ شَرْعًا، وَلُغَةً، وَضَرُورَةً بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ تَحَكُّمٌ بَلْ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى فَسَادِهِ أَقْرَبُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى صِحَّتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُحَالُ لَا يُنْهَى عَنْهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا يَقْتَضِي مَأْمُورًا يُمْكِنُ امْتِثَالُهُ فَالنَّهْيُ يَقْتَضِي مَنْهِيًّا
стр. 221
يُمْكِنُ ارْتِكَابُهُ، فَصَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ إذَا نُهِيَ عَنْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ ارْتِكَابُهُ، وَيَكُونَ صَوْمًا، فَاسْمُ الصَّوْمِ لِلصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ لَا لِلْإِمْسَاكِ فَإِنَّهُ صَوْمٌ لُغَةً لَا شَرْعًا، وَالْأَسَامِي الشَّرْعِيَّةُ تُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعِ الشَّرْعِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وقَوْله تَعَالَى: ﴿، وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] لِأَنَّهُ حَمَلَ النِّكَاحَ، وَالصَّلَاةَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ عَلَى خِلَافِ الْوَضْعِيِّ بِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﵇: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ، وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ، وَلَيْسَ نَهْيًا، قُلْنَا: الْأَصْلُ أَنَّ الِاسْمَ لِمَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ إلَّا مَا صَرَفَهُ عَنْهُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الشَّرْعِ وَقَدْ أَلْفَيْنَا عُرْفَ الشَّرْعِ فِي الْأَوَامِرِ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الصَّوْمَ، وَالنِّكَاحَ، وَالْبَيْعَ لِمَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ، أَمَّا فِي الْمَنْهِيَّاتِ فَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْعُرْفُ، الْمُغَيِّرُ لِلْوَضْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» أَوْ ﴿ولَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَنَاهِي مِمَّا لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عُرْفُ اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ فَيَرْجِعُ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ، وَنَقُولُ: إذَا تَعَارَضَ فِيهِ عُرْفُ الشَّرْعِ، وَالْوَضْعِ فَمَنْ صَامَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ ارْتَكَبَ النَّهْيَ، وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ صَوْمُهُ، وَيَكُونُ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ يُفْضِي إلَى صَرْفِ النَّهْيِ عَنْ ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْهِيًّا فِي عَيْنِهِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مُنْعَقِدَةً، وَمُطْلَقُ النَّهْيِ عَنْ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ عَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ فَلَا مَعْنَى لِتَرْكِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا اخْتَرْتُمْ أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ، وَلَا عَلَى الْفَسَادِ فِي أَسْبَابِ الْمُعَامَلَاتِ فَمَا قَوْلُكُمْ فِي النَّهْيِ عَنْ الْعِبَادَاتِ؟ قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النَّهْيَ يُضَادُّ كَوْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قُرْبَةً، وَطَاعَةً؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُوَافِقُ الْأَمْرَ، وَالْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ مُتَضَادَّانِ، فَعَلَى هَذَا صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ لَا يَكُونُ مُنْعَقِدًا إنْ أُرِيدَ بِانْعِقَادِهِ كَوْنُهُ طَاعَةً وَقُرْبَةً، وَامْتِثَالًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يُضَادُّهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً لَمْ يَلْزَمْ بِالنَّذْرِ إذْ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ نَعَمْ لَوْ أَمْكَنَ صَرْفُ النَّهْيِ عَنْ عَيْنِ الصَّوْمِ إلَى تَرْكِ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادُهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا فَاسِدٌ كَمَا سَبَقَ فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ قِيلَ فَقَدْ حُمِلَ بَعْضُ الْمَنَاهِي فِي الشَّرْعِ عَلَى الْفَسَادِ دُونَ الْبَعْضِ فَمَا الْفَصْلُ؟ قُلْنَا: النَّهْيُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ فَسَادُ الْعَقْدِ، وَالْعِبَادَةِ بِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَرُكْنِهِ، وَيُعْرَفُ فَوَاتُ الشَّرْطِ إمَّا بِالْإِجْمَاعِ كَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَإِمَّا بِنَصٍّ، وَإِمَّا بِصِيغَةِ النَّفْيِ، كَقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ، وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» فَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْيِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ.
وَأَمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْصُوصٍ فَكُلُّ نَهْيٍ يَتَضَمَّنُ ارْتِكَابُهُ الْإِخْلَالَ بِالشَّرْطِ فَيَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مِنْ حَيْثُ الْإِخْلَالُ بِالشَّرْطِ لَا مِنْ حَيْثُ النَّهْيُ، وَشَرْطُ الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مَالًا مُتَقَوِّمًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مُعَيَّنًا، أَمَّا كَوْنُهُ مَرْئِيًّا فَفِي اشْتِرَاطِهِ خِلَافٌ، وَشَرْطُ الثَّمَنِ أَنْ يَكُونَ مَالًا مَعْلُومَ الْقَدْرِ، وَالْجِنْسِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ النِّكَاحِ الصَّدَاقُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْسُدْ بِكَوْنِ النِّكَاحِ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ، وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ، وَالْبِدْعِيِّ فِي شَرْطِ النُّفُوذِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّحْرِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: كُلُّ نَهْيٍ رَجَعَ إلَى عَيْنِ الشَّيْءِ فَهُوَ دَلِيلُ الْفَسَادِ دُونَ مَا يُرْجَعُ إلَى غَيْرِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ قُلْنَا: لَا لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ فِي حَالِ الْحَيْضِ، وَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لِأَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْ الطَّلَاقِ لِعَيْنِهِ، وَلَا عَنْ الصَّلَاةِ لِعَيْنِهَا بَلْ
стр. 222
لِوُقُوعِهِ فِي حَالِ الْحَيْضِ وَلِوُقُوعِهَا فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مِثْلِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي حَالِ الْحَيْضِ، فَلَا اعْتِمَادَ إلَّا عَلَى فَوَاتِ الشَّرْطِ، وَيُعْرَفُ الشَّرْطُ بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَعَلَى ارْتِبَاطِ الصِّحَّةِ بِهِ، وَلَا يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَضْعًا، وَشَرْعًا كَمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ فَإِنَّ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِحَقِيقَةِ الْوُجُوبِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَيُضَادُّهُمَا، وَيُوَافِقُهُمَا فَقَدْ مَيَّزْنَاهُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِمُقْتَضَى الصِّيغَةِ وَقَرَّرْنَاهُ فِي الْقُطْبِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَةِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ عَقْلِيٌّ، وَهَذَا نَظَرٌ لُغَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ فَلِذَلِكَ مَيَّزْنَاهُ عَلَى خِلَافِ عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ.
[الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ النَّظَرِ فِي الصِّيغَةِ الْقَوْلُ فِي الْعَامِّ وَالْخَاصِّ]
[الْمُقَدِّمَةُ الْقَوْلُ فِي حَدّ الْعَام وَالْخَاصِّ]
الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ النَّظَرِ فِي الصِّيغَةِ الْقَوْلُ فِي الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ، وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ، وَخَمْسَةِ أَبْوَابٍ:
الْمُقَدِّمَةُ: الْقَوْلُ فِي حَدِّ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ.
وَمَعْنَاهُمَا اعْلَمْ أَنَّ الْعُمُومَ، وَالْخُصُوصَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ لَا مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي، وَالْأَفْعَالِ،، وَالْعَامُّ عِبَارَةٌ عَنْ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الدَّالِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا مِثْلَ: الرِّجَالِ، وَالْمُشْرِكِينَ، " وَمَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا " وَنَظَائِرِهِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ قَوْلِهِمْ ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وَعَنْ قَوْلِهِمْ ضَرَبَ زَيْدًا عَمْرٌو؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ، وَلَكِنْ بِلَفْظَيْنِ لَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ جِهَتَيْنِ لَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ إمَّا خَاصٌّ فِي ذَاتِهِ مُطْلَقًا كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ، وَهَذَا الرَّجُلُ، وَإِمَّا عَامٌّ مُطْلَقًا كَالْمَذْكُورِ، وَالْمَعْلُومِ، إذْ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَوْجُودٌ، وَلَا مَعْدُومٌ، وَإِمَّا عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ كَلَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ " فَإِنَّهُ عَامٌّ بِالْإِضَافَةِ إلَى آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ خَاصٌّ بِالْإِضَافَةِ إلَى جُمْلَتِهِمْ إذْ يَتَنَاوَلُهُمْ دُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَأَنَّهُ يُسَمَّى عَامًّا مِنْ حَيْثُ شُمُولُهُ لِمَا شَمِلَهُ خَاصًّا مِنْ حَيْثُ اقْتِصَارُهُ عَلَى مَا شَمِلَهُ وَقُصُورُهُ عَمَّا لَمْ يَشْمَلْهُ.
، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَلَيْسَ فِي الْأَلْفَاظِ عَامٌّ مُطْلَقٌ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَعْلُومِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَجْهُولَ، وَالْمَذْكُورَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ لَا مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي، وَالْأَفْعَالِ؟ وَالْعَطَاءُ فِعْلٌ وَقَدْ تُعْطِي عَمْرًا، وَزَيْدًا، وَتَقُولُ: عَمَّمَهُمَا بِالْعَطَاءِ، وَالْوُجُودُ مَعْنًى يَعُمُّ الْجَوَاهِرَ، وَالْأَعْرَاضَ؟ قُلْنَا عَطَاءُ زَيْدٍ مُتَمَيِّزٌ عَنْ عَطَاءِ عَمْرٍو مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِعْلٌ، فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ فِعْلٌ وَاحِدٌ هُوَ عَطَاءٌ، وَتَكُونُ نِسْبَتُهُ إلَى زَيْدٍ، وَعَمْرٍو وَاحِدَةً. وَكَذَلِكَ وُجُودُ السَّوَادِ يُفَارِقُ وُجُودَ الْبَيَاضِ، وَلَيْسَ الْوُجُودُ مَعْنًى وَاحِدًا حَاصِلًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَتُهُ وَاحِدَةً فِي الْعَقْلِ، وَعُلُومُ النَّاسِ وَقَدْرُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً فِي كَوْنِهَا عِلْمًا وَقُدْرَةً لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عُمُومٌ، فَقَوْلُنَا: الرَّجُلُ لَهُ وُجُودٌ فِي الْأَعْيَانِ، وَفِي الْأَذْهَانِ، وَفِي اللِّسَانِ، أَمَّا وُجُودُهُ فِي اللِّسَانِ فَلَفْظُ الرَّجُلِ قَدْ وُضِعَ لِلدَّلَالَةِ، وَنِسْبَتُهُ فِي الدَّلَالَةِ إلَى زَيْدٍ، وَعَمْرٍو وَاحِدَةٌ يُسَمَّى عَامًّا بِاعْتِبَارِ نِسْبَةِ الدَّلَالَةِ إلَى الْمَدْلُولَاتِ الْكَثِيرَةِ، وَأَمَّا مَا فِي الْأَذْهَانِ مِنْ مَعْنَى الرَّجُلِ فَيُسَمَّى كُلِّيًّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْلَ يَأْخُذُ مِنْ مُشَاهَدَةِ زَيْدٍ حَقِيقَةَ الْإِنْسَانِ، وَحَقِيقَةَ الرَّجُلِ فَإِذَا رَأَى عَمْرًا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ صُورَةً أُخْرَى وَكَانَ مَا أَخَذَهُ مِنْ قَبْلِ نِسْبَتِهِ إلَى عَمْرٍو الَّذِي حَدَثَ الْآنَ كَنِسْبَتِهِ إلَى زَيْدٍ الَّذِي عَهِدَهُ أَوَّلًا؛ فَهَذَا مَعْنَى كُلِّيَّتِهِ؛ فَإِنْ سُمِّيَ
стр. 223
عَامًّا بِهَذَا فَلَا بَأْسَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ، وَهَذَا عَامٌّ قَدْ خُصِّصَ؟ قُلْنَا: لَا لِأَنَّ الْمَذَاهِبَ ثَلَاثَةٌ مَذْهَبَ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ، وَمَذْهَبَ أَرْبَابِ الْعُمُومِ، وَمَذْهَبَ الْوَاقِفِيَّةِ. أَمَّا أَرْبَابُ الْخُصُوصِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ مَثَلًا مَوْضُوعٌ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ، وَهُوَ لِلْخُصُوصِ، فَكَيْفَ يَقُولُونَ إنَّهُ عُمُومٌ قَدْ خُصِّصَ؟ وَأَمَّا أَرْبَابُ الْعُمُومِ فَيَقُولُونَ: هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ فَقَدْ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَوَضْعِهِ فَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْوَضْعِ، وَلَمْ يُغَيَّرْ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ خَصَّصَ الْعَامَّ أَوْ هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ؟ ، وَأَمَّا الْوَاقِفِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ، وَإِنَّمَا يُنَزَّلُ عَلَى خُصُوصٍ أَوْ عُمُومٍ بِقَرِينَةٍ، وَإِرَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ، كَلَفْظِ الْعَيْنِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ لَا لِأَنَّهُ عَامٌّ قَدْ خُصِّصَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ لَا أَنَّهُ خَاصٌّ قَدْ عَمَّ. فَإِذًا هَذَا اللَّفْظُ مُؤَوَّلٌ عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الْعُمُومُ فَقُصِدَ بِهِ الْخُصُوصُ؛ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْوَقْفِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الِاسْتِغْرَاقِ إنْ وَضَعَهُ لِلْعُمُومِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ وَضْعِهِ مَجَازًا فَهُوَ عَامٌّ بِالْوَضْعِ خَاصٌّ بِالْإِرَادَةِ، وَالتَّجَوُّزِ، وَإِلَّا فَالْعَامُّ، وَالْخَاصُّ بِالْوَضْعِ لَا يَنْقَلِبُ عَنْ وَضْعِهِ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: خَصَّصَ فُلَانٌ عُمُومَ الْآيَةِ، وَالْخَبَرِ إنْ كَانَ الْعَامُّ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ؟ قُلْنَا: تَخْصِيصُ الْعَامِّ مُحَالٌ كَمَا سَبَقَ، وَتَأْوِيلُ هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ بِالْوَضْعِ أَوْ الصَّالِحِ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ، فَيُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ لِمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ أَنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُومَ أَيْ: عَرَفَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، ثُمَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لَكِنْ اعْتَقَدَهُ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِلِسَانِهِ أَوْ نَصَبَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ يُسَمَّى مُخَصَّصًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُعَرِّفٌ، وَمُخْبِرٌ عَنْ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَمُسْتَدِلٌّ عَلَيْهِ بِالْقَرَائِنِ لَا أَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِنَفْسِهِ. " هَذِهِ هِيَ الْمُقَدِّمَةُ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْعُمُومَ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ أَمْ لَا]
أَمَّا الْأَبْوَابُ فَهِيَ خَمْسَةٌ: الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَنَّ الْعُمُومَ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ أَمْ لَا؟ وَاخْتِلَافُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ الْبَابُ الثَّانِي: فِي تَمْيِيزِ مَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ عَمَّا لَا يُمْكِنُ. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي تَفْصِيلِ الْأَدِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ. الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ. الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَالشَّرْطِ. الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَنَّ الْعُمُومَ هَلْ لَهُ صِيغَةٌ فِي اللُّغَةِ أَمْ لَا.
وَلْنَشْرَحْ أَوَّلًا صِيَغَ الْعُمُومِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا، ثُمَّ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ، ثُمَّ أَدِلَّةَ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ، ثُمَّ أَدِلَّةَ أَرْبَابِ الْعُمُومِ، ثُمَّ أَدِلَّةَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ، ثُمَّ الْمُخْتَارَ فِيهِ عِنْدَنَا، ثُمَّ حُكْمَ الْعَامِّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ إذَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ؛ فَهَذِهِ سَبْعَةُ فُصُولٍ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ:
الْأَوَّلُ: أَلْفَاظُ الْجُمُوعِ، إمَّا الْمُعَرَّفَةُ كَالرِّجَالِ، وَالْمُشْرِكِينَ، وَإِمَّا الْمُنَكَّرَةُ كَقَوْلِهِمْ: رِجَالٌ، وَمُشْرِكُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا﴾ [ص: ٦٢] ، وَالْمُعَرَّفَةُ لِلْعُمُومِ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا تَعْرِيفُ الْمَعْهُودِ، كَقَوْلِهِمْ: " أَقْبَلَ الرَّجُلُ، وَالرِّجَالُ " أَيْ: الْمَعْهُودُونَ الْمُنْتَظَرُونَ
الثَّانِي: مَنْ " " وَمَا " إذَا وَرَدَا لِلشَّرْطِ، وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ: ﵇ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَعَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» ، وَفِي مَعْنَاهُ " مَتَى " " وَأَيْنَ " لِلْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ كَقَوْلِهِ: مَتَى جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ، وَأَيْنَمَا كُنْتَ أَتَيْتُكَ
الثَّالِثُ: أَلْفَاظُ النَّفْيِ، كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَنِي أَحَدٌ، وَمَا فِي الدَّارِ دِيَارٌ.
الرَّابِعُ: الِاسْمُ الْمُفْرَدُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَلِفُ، وَاللَّامُ لَا لِلتَّعْرِيفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَقَوْلِهِ: ﴿، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] . أَمَّا النَّكِرَةُ
стр. 224
كَقَوْلِكَ: " مُشْرِكٌ، وَسَارِقٌ " فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا وَاحِدًا.
الْخَامِسُ: الْأَلْفَاظُ الْمُؤَكِّدَةُ، كَقَوْلِهِمْ: " كُلُّ " " وَجَمِيعُ " " وَأَجْمَعُونَ " " وَأَكْتَعُونَ ". تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ: اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، فَقَالَ قَوْمٌ يُلَقَّبُونَ بِأَرْبَابِ الْخُصُوصِ: إنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ، وَهُوَ إمَّا اثْنَانِ، وَإِمَّا ثَلَاثَةٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ وَقَالَ أَرْبَابُ الْعُمُومِ: هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِالْوَضْعِ إلَّا أَنْ يُتَجَوَّزَ بِهِ عَنْ وَضْعِهِ. وَقَالَتْ الْوَاقِفِيَّةُ: لَمْ يُوضَعْ لَا لِخُصُوصٍ، وَلَا لِعُمُومٍ بَلْ أَقَلُّ الْجَمْعِ دَاخِلٌ فِيهِ لِضَرُورَةِ صِدْقِ اللَّفْظِ بِحُكْمِ الْوَضْعِ، وَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى الِاسْتِغْرَاقِ لِلْجَمِيعِ أَوْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَقَلِّ أَوْ تَنَاوُلِ صِنْفٍ أَوْ عَدَدٍ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالِاسْتِغْرَاقُ مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ كَاشْتِرَاكِ لَفْظِ الْفِرْقَةِ، وَالنَّفَرِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَالْخَمْسَةِ، وَالسِّتَّةِ، إذْ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَيْسَ مَخْصُوصًا فِي الْوَضْعِ بِعَدَدٍ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِيَجُوزَ إطْلَاقُهُ. ثُمَّ أَرْبَابُ الْعُمُومِ اخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلِ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ:
الْأُولَى: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعَرَّفِ، وَالْمُنَكَّرِ.
فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا " اضْرِبُوا الرِّجَالَ " وَبَيْنَ قَوْلِنَا " اضْرِبُوا رِجَالًا " " وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " " وَاقْتُلُوا مُشْرِكِينَ " وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَقَالَ قَوْمٌ: يَدُلُّ الْمُنَكَّرُ عَلَى جَمْعٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَا مُقَدَّرٍ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ، وَاللَّامِ كَالسَّارِقِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ، وَالْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْعَامِلِينَ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَأَلْيَقُ بِمَذْهَبِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ الثَّالِثَةُ: الِاسْمُ الْمُفْرَدُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَلِفُ، وَاللَّامُ، كَقَوْلِهِمْ: الدِّينَارُ خَيْرٌ مِنْ الدِّرْهَمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ لِتَعْرِيفِ الْوَاحِدِ فَقَطْ، وَذَلِكَ فِي تَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَقَالَ قَوْمٌ: يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ، وَالْجِنْسِ وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ، وَمَذْهَبُ الْوَاقِفِيَّةِ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مُشْتَرَكَةٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ حَتَّى كُلُّ " " وَكُلَّمَا " " وَأَيُّ " " وَاَلَّذِي " " وَمَنْ " " وَمَا " وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: إنَّمَا التَّوَقُّفُ فِي الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَالْوَعْدِ، وَالْوَعِيدِ، أَمَّا الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ فَلَا، فَإِنَّا مُتَعَبَّدُونَ بِفَهْمِهِ، وَلَوْ كَانَ مُشْتَرَكًا لَكَانَ مُجْمَلًا غَيْرَ مَفْهُومٍ، وَهَذَا فَاسِدٌ لَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ الْوَاقِفِيَّةِ؛ لِأَنَّ دَلِيلَهُمْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ جِنْسٍ، وَجِنْسٍ، إذْ الْعَرَبُ تُرِيدُ بِصِيَغِ الْجَمْعِ الْبَعْضَ فِي كُلِّ جِنْسٍ كَمَا تُرِيدُ الْكُلَّ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: " فَعَلُوا، وَافْعَلُوا " وَقَوْلُهُمْ قُتِلَ الْمُشْرِكُونَ وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " وَلِأَنَّ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا تُعُبِّدَ بِفَهْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ، وَقَوْلِهِ: ﴿، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] .
تَنْبِيهٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ الْوَاقِفِيَّةُ: الْوَقْفُ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ جَائِزٌ، وَفِيمَا مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْعُمُومِ وَاجِبٌ فَقَدْ أَطْلَقَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ لَفْظُ الْعُمُومِ كَمَا لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ لَفْظُ الْخُصُوصِ إلَّا أَنْ يُعْنَى بِهِ أَنَّهُ لَفْظُ الْعُمُومِ عِنْدَ مُعْتَقِدِي الْعُمُومِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: التَّوَقُّفُ فِي صِيَغِ الْجُمُوعِ، وَأَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَاجِبٌ.
стр. 225
الْقَوْلُ فِي أَدِلَّةِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ، وَنَقْضِهَا، وَهِيَ خَمْسَةٌ:
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ بَلْ أَهْلُ جَمِيعِ اللُّغَاتِ كَمَا عَقَلُوا الْأَعْدَادَ، وَالْأَنْوَاعَ، وَالْأَشْخَاصَ، وَالْأَجْنَاسَ، وَوَضَعُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ اسْمًا لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ عَقَلُوا أَيْضًا مَعْنَى الْعُمُومِ، وَاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَاحْتَاجُوا إلَيْهِ، فَكَيْفَ لَمْ يَضَعُوا لَهُ صِيغَةً، وَلَفْظًا؟ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ، وَاسْتِدْلَالٌ فِي اللُّغَاتِ، وَاللُّغَةُ تَثْبُتُ تَوْقِيفًا، وَنَقْلًا لَا قِيَاسًا، وَاسْتِدْلَالًا بَلْ هِيَ كَسُنَنِ الرَّسُولِ ﵇، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الشَّارِعُ كَمَا عَرَّفَ الْأَشْيَاءَ السِّتَّةَ وَجَرَيَانَ الرِّبَا فِيهَا، وَمَسَّتْ إلَيْهِ حَاجَةُ الْخَلْقِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ عَلَى سَائِرِ الرِّبَوِيَّاتِ، وَهَذَا فَاسِدٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْحِكْمَةِ فَمَنْ يُسَلِّمُ عِصْمَةَ، وَاضِعِي اللُّغَةِ حَتَّى يُخَالِفُوا الْحِكْمَةَ فِي وَضْعِهَا، وَهُمْ فِي حُكْمِ مَنْ يَتْرُكُ مَالًا. تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ تَرْكَهُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا مَنْقُوضٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ عَقِلَتْ الْمَاضِيَ، وَالْمُسْتَقْبَلَ، وَالْحَالَ ثُمَّ لَمْ تَضَعْ لِلْحَالِ لَفْظًا مَخْصُوصًا حَتَّى لَزِمَ اسْتِعْمَالُ الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ اسْمِ الْفَاعِلِ فِيهَا، فَتَقُولُ: رَأَيْتُهُ يَضْرِبُ أَوْ ضَارِبًا ثُمَّ كَمَا عَقَلْتَ الْأَلْوَانَ عَقَلْتَ الرَّوَائِحَ ثُمَّ لَمْ تَضَعْ لِلرَّوَائِحِ أَسَامِيَ حَتَّى لَزِمَ تَعْرِيفُهَا بِالْإِضَافَةِ فَيُقَالُ: رِيحُ الْمِسْكِ، وَرِيحُ الْعُودِ، وَلَا يُقَالُ: لَوْنُ الدَّمِ، وَلَوْنُ الزَّعْفَرَانِ بَلْ أَصْفَرُ أَوْ أَحْمَرُ.
الرَّابِعُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوا لِلْعُمُومِ لَفْظًا كَمَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوا لِلْعَيْنِ الْبَاصِرَةِ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ الْعَيْنُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَشْيَاءَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَوْضُوعًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَيْهِ بَلْ صَالِحًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ صِيَغُ الْجُمُوعِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: " اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا زَيْدًا " " وَمَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَأَكْرِمْهُ إلَّا الْفَاسِقَ " " وَمَنْ عَصَانِي عَاقَبْتُهُ إلَّا الْمُعْتَذِرَ " وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ إخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ " أَكْرِمْ النَّاسَ إلَّا الثَّوْرَ ". الِاعْتِرَاضُ أَنَّ لِلِاسْتِثْنَاءِ فَائِدَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: مَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَهُوَ إخْرَاجُ مَا يَجِبُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً "
وَالثَّانِي: مَا يَصْلُحُ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَهُ، وَيُتَوَهَّمَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ، وَهَذَا صَالِحٌ لَأَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ اللَّفْظِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِقَطْعِ صَلَاحِيَّتِهِ لَا لِقَطْعِ وُجُوبِهِ بِخِلَافِ الثَّوْرِ، فَإِنَّ لَفْظَ النَّاسِ لَا يَصْلُحُ لِإِرَادَتِهِ.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَأْكِيدَ الشَّيْءِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَعْنَاهُ، وَمُطَابِقًا لَهُ، وَتَأْكِيدَ الْخُصُوصِ غَيْرُ تَأْكِيدِ الْعُمُومِ، إذْ يُقَالُ: اضْرِبْ زَيْدًا نَفْسَهُ، وَاضْرِبْ الرِّجَالَ أَجْمَعِينَ أَكْتَعِينَ، وَلَا يُقَالُ: اضْرِبْ زَيْدًا كُلَّهُمْ. الِاعْتِرَاضُ أَنَّ الْخَصْمَ يُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ قَوْمًا، وَهُوَ أَقَلُّ الْجَمْعِ فَمَا زَادَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: اضْرِبْ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ لِأَنَّ لِلْقَوْمِ كُلِّيَّةً، وَجُزْئِيَّةً، أَمَّا زَيْدٌ، وَالْوَاحِدُ الْمُعَيَّنُ لَيْسَ لَهُ بَعْضٌ، فَلَيْسَ فِيهِ كُلٌّ وَكَمَا أَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ لَا يَتَعَيَّنُ مَبْلَغُ الْمُرَادِ مِنْهُ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ أَقَلِّ الْجَمْعِ فَكَذَلِكَ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْكَلَامُ فِي أَنَّهُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ أَوْ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ أَوْ لِعَدَدٍ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَفْظُ الْكُلِّيَّةِ لَائِقٌ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا قَالَ: " أَكْرِمْ النَّاسَ أَكْتَعِينَ أَجْمَعِينَ كُلَّهُمْ وَكَافَّتَهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ هَذَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ ثُمَّ يَكُونَ
стр. 226
الدَّالُّ هُوَ الْمُؤَكِّدَ دُونَ التَّأْكِيدِ، فَإِنَّ التَّأْكِيدَ تَابِعٌ، وَإِنَّمَا يُؤَكَّدُ بِالِاسْتِغْرَاقِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ أَرَادَهُمْ بِلَفْظِ النَّاسِ. قُلْنَا: لَا يُشْعِرُ بِالِاسْتِغْرَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ الْفِرْقَةَ، وَالطَّائِفَةَ كُلَّهُمْ وَكَافَّتَهُمْ، وَجُمْلَتَهُمْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ مَفْهُومُ لَفْظِ الْفِرْقَةِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِلْأَكْثَرِ، بَلْ نَقُولُ: لَوْ كَانَ لَفْظُ النَّاسِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَقُولَ " كَافَّتَهُمْ، وَجُمْلَتَهُمْ " فَإِنَّمَا تُذْكَرُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِمَزِيدِ فَائِدَةٍ فَهُوَ مُشْعِرٌ بِنَقِيضِ غَرَضِهِمْ.
الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: أَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ بَاطِلٌ أَنْ تَكُونَ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ خَاصَّةً كَمَا سَيَأْتِي، وَبَاطِلٌ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَكًا إذْ يَبْقَى مَجْهُولًا، وَلَا يُفْهَمُ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَتِلْكَ الْقَرِينَةُ لَفْظٌ أَوْ مَعْنًى فَإِنْ كَانَ لَفْظًا فَالنِّزَاعُ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ قَائِمٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُ هَلْ وَضَعَ الْعَرَبُ صِيغَةً تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ مَعْنًى فَالْمَعْنَى تَابِعٌ لِلَّفْظِ فَكَيْفَ تَزِيدُ دَلَالَتُهُ عَلَى اللَّفْظِ؟ الِاعْتِرَاضُ أَنَّ قَصْدَ الِاسْتِغْرَاقِ يُعْلَمُ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ يَحْصُلُ عَنْ قَرَائِنِ أَحْوَالٍ، وَرُمُوزٍ، وَإِشَارَاتٍ، وَحَرَكَاتٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِ، وَتَغَيُّرَاتٍ فِي وَجْهِهِ، وَأُمُورٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ عَادَتِهِ، وَمَقَاصِدِهِ وَقَرَائِنَ مُخْتَلِفَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا فِي جِنْسٍ، وَلَا ضَبْطِهَا بِوَصْفٍ، بَلْ هِيَ كَالْقَرَائِنِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا خَجَلُ الْخَجِلِ، وَوَجَلُ الْوَجِلِ، وَجُبْنُ الْجَبَانِ وَكَمَا يُعْلَمُ قَصْدُ الْمُتَكَلِّمِ إذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ التَّحِيَّةَ أَوْ الِاسْتِهْزَاءَ، وَاللَّهْوَ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْقَرَائِنِ فِعْلُ الْمُتَكَلِّمِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ عَلَى الْمَائِدَةِ: هَاتِ الْمَاءَ فُهِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمَاءَ الْعَذْبَ الْبَارِدَ دُونَ الْحَارِّ الْمِلْحِ. وَقَدْ تَكُونُ دَلِيلَ الْعَقْلِ، كَعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، وَخُصُوصِ قَوْله تَعَالَى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) إذْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ تَكْرِيرُ الْأَلْفَاظِ الْمُؤَكِّدَةِ، كَقَوْلِهِ: " اضْرِبْ الْجُنَاةَ، وَأَكْرِمْ الْمُؤْمِنِينَ كَافَّتَهُمْ صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ شَيْخَهُمْ، وَشَابَّهُمْ ذَكَرَهُمْ، وَأُنْثَاهُمْ كَيْفَ كَانُوا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَصُورَةٍ كَانُوا، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ " وَلَا يَزَالُ يُؤَكِّدُ حَتَّى يَحْصُلَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ بِمُرَادِهِ. أَمَّا قَوْلُهُمْ: مَا لَيْسَ بِلَفْظٍ فَهُوَ تَابِعٌ لِلَّفْظِ، فَهُوَ فَاسِدٌ فَمَنْ سَلَّمَ أَنَّ حَرَكَةَ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَخْلَاقَهُ، وَعَادَتَهُ، وَأَفْعَالَهُ، وَتَغَيُّرَ لَوْنِهِ، وَتَقْطِيبَ وَجْهِهِ وَجَبِينِهِ، وَحَرَكَةَ رَأْسِهِ، وَتَقْلِيبَ عَيْنَيْهِ تَابِعٌ لِلَفْظِهِ بَلْ هَذِهِ أَدِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يُفِيدُ اقْتِرَانُ جُمْلَةٍ مِنْهَا عُلُومًا ضَرُورِيَّةً.
فَإِنْ قِيلَ: فَبِمَ عَرَفَتْ الْأُمَّةُ عُمُومَ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْهَمُوهُ مِنْ اللَّفْظِ؟ وَبِمَ عَرَفَ الرَّسُولُ مِنْ جِبْرِيلَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى عَمَّمُوا الْأَحْكَامَ؟ قُلْنَا: أَمَّا الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَقَدْ عَرَفُوهُ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَكْرِيرَاتِهِ، وَعَادَتِهِ الْمُتَكَرِّرَةِ، وَعَلِمَ التَّابِعُونَ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ، وَإِشَارَاتِهِمْ، وَرُمُوزِهِمْ، وَتَكْرِيرَاتِهِمْ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَمَّا جِبْرِيلُ ﵇، فَإِنْ سَمِعَ مِنْ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَاَللَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ لَهُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِمَا يُرِيدُهُ بِالْخِطَابِ بِكَلَامِهِ الْمُخَالِفِ لِأَجْنَاسِ كَلَامِ الْخَلْقِ، وَإِنْ رَآهُ جِبْرِيلُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَبِأَنْ يَرَاهُ مَكْتُوبًا بِلُغَةٍ مَلَكِيَّةٍ، وَدَلَالَةٍ قَطْعِيَّةٍ لَا احْتِمَالَ فِيهَا.
الدَّلِيلُ الْخَامِسُ وَهُوَ عُمْدَتُهُمْ: إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ بِأَجْمَعِهِمْ أَجْرَوْا أَلْفَاظَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ دَلِيلَ الْخُصُوصِ لَا دَلِيلَ الْعُمُومِ فَعَمِلُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]
стр. 227
وَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى إرْثِ فَاطِمَةَ ﵂، حَتَّى نَقَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» وَقَوْلُهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ، وَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وَ ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ، " وَ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، " وَ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَخَالَتِهَا» وَ «مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ» وَ «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ» وَ «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] الْآيَةُ، قَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَا قَالَ وَكَانَ ضَرِيرًا، فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فَشَمَلَ الضَّرِيرَ، وَغَيْرَهُ عُمُومُ لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قَالَ بَعْضُ الْيَهُودِ أَنَا أُخَصِّمُ لَكُمْ مُحَمَّدًا فَجَاءَهُ وَقَالَ: قَدْ عُبِدَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَعُبِدَ الْمَسِيحُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ حَصَبِ جَهَنَّمَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] تَنْبِيهًا عَلَى التَّخْصِيصِ، وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﵇، وَالصَّحَابَةُ ﵃ تَعَلُّقَهُ بِالْعُمُومِ، وَمَا قَالُوا لَهُ: لِمَ اسْتَدْلَلْتَ بِلَفْظٍ مُشْتَرَكٍ مُجْمَلٍ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَتْ الصَّحَابَةُ: فَأَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ ظُلْمَ النِّفَاقِ، وَالْكُفْرِ، وَاحْتَجَّ عُمَرُ ﵁ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ بِقَوْلِهِ: ﵇: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَدَفَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِقَوْلِهِ: «إلَّا بِحَقِّهَا» ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ التَّعَلُّقَ بِالْعُمُومِ، وَهَذَا، وَأَمْثَالُهُ لَا تَنْحَصِرُ حِكَايَتُهُ. الِاعْتِرَاضُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا إنْ صَحَّ مِنْ بَعْضِ الْأُمَّةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ فَلَا يَبْعُدُ مِنْ بَعْضِ الْأُمَّةِ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فَإِنَّهُ الْأَسْبَقُ إلَى أَكْثَرِ الْأَفْهَامِ، وَلَا يَسْلَمُ صِحَّةُ ذَلِكَ عَلَى كَافَّةِ الصَّحَابَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ نُقِلَ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ قَوْلُهُمْ: عَلَى التَّوَاتُرِ إنَّا حَكَمْنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِمُجَرَّدِ الْعُمُومِ لِأَجْلِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى قَرِينَةٍ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ قَضَى بِاللَّفْظِ مَعَ الْقَرِينَةِ الْمُسَوِّيَةِ بَيْنَ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ، وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ فِي التَّأْثِيرِ لِلْفَارِقِ بَيْنَ مَحَلِّ الْقَطْعِ، وَمَحَلِّ الشَّكِّ، وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ مُتَمَسَّكٌ بِهِ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ قَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ أَوْ بِشَرْطِ اقْتِرَانِ قَرِينَةٍ مُسَوِّيَةٍ بَيْنَ الْمُسَمَّيَاتِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ الصَّحَابَةُ بِحَقِيقَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَجْرَى الْخِلَافِ فِيهَا، وَأَنَّهُ مُتَمَسَّكٌ بِهِ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ لَا بِشَرْطِ وُجُودِ الْقَرِينَةِ الْمُسَوِّيَةِ شُبَهُ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ لَفْظَ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْمُشْرِكِينَ يُنَزَّلُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُسْتَيْقَنُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَالْبَاقِي مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ بِالشَّكِّ، وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ كَوْنَ هَذَا الْقَدْرِ مُسْتَيْقَنًا لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا فِي الزِّيَادَةِ، وَالْخِلَافُ. فِي أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الزِّيَادَةُ لَكَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ مُسْتَيْقَنَةٌ مِنْ لَفْظِ الْعَشَرَةِ، وَلَا يُوجِبُ مَجَازًا فِي الْبَاقِي، وَكَوْنُ ارْتِفَاعِ الْحَرَجِ مَعْلُومًا مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَجَازًا فِي الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ وَكَوْنُ الْوَاحِدِ مُسْتَيْقَنًا مِنْ لَفْظِ النَّاسِ
стр. 228
لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَجَازًا فِي الْبَاقِي وَكَوْنُ النَّدْبِ مُسْتَيْقَنًا مِنْ الْأَمْرِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَجَازًا فِي الْوُجُوبِ وَكَوْنُ الْفَعْلَةِ الْوَاحِدَةِ مُسْتَيْقَنَةً فِي الْأَمْرِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَجَازًا فِي التَّكْرَارِ وَكَوْنُ الْبِدَارِ مَعْلُومًا فِي الْأَمْرِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مَجَازًا فِي التَّرَاخِي ثُمَّ نَقُولُ: هَذَا مُتَنَاقِضٌ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ الثَّلَاثَةَ هُوَ الْمَفْهُومُ فَقَطْ يُنَاقِضُ قَوْلَهُمْ: الْبَاقِي مَشْكُوكٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الْمَفْهُومُ فَقَطْ فَالْبَاقِي غَيْرُ دَاخِلٍ قَطْعًا، وَإِنْ كَانُوا شَاكِّينَ فِي الْبَاقِي فَقَدْ شَكُّوا فِي نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْبَاقِي، وَأَخْطَئُوا فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الثَّلَاثَةَ مَفْهُومُهُ فَقَطْ شُبَهُ أَرْبَابِ الْوَقْفِ: قَدْ ذَهَبَ الْقَاضِي، وَالْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى الْوَقْفِ، وَلَهُمْ شُبَهٌ ثَلَاثٌ:
الْأُولَى: أَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الصِّيَغِ مَوْضُوعَةً لِلْعُمُومِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُعْرَفَ بِعَقْلٍ أَوْ نَقْلٍ، وَالنَّقْلُ إمَّا نَقْلٌ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ نَقْلٌ عَنْ الشَّارِعِ وَكُلُّ وَاحِدٍ إمَّا آحَادٌ، وَإِمَّا تَوَاتُرٌ، وَالْآحَادُ لَا حُجَّةَ فِيهَا، وَالتَّوَاتُرُ لَا يُمْكِنُ دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَأَفَادَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا، وَالْعَقْلُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي اللُّغَاتِ، وَهَلُمَّ جَرَّا إلَى تَمَامِ الدَّلِيلِ الَّذِي سُقْنَاهُ فِي بَيَانِ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْإِيجَابِ، وَالنَّدْبِ. الِاعْتِرَاضُ أَنَّ هَذَا مُطَالَبَةٌ بِالدَّلِيلِ، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، وَمُسَلَّمٌ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَسَنَذْكُرُ وَجْهَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
الثَّانِيَة: أَنَّا لَمَّا رَأَيْنَا الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ لَفْظَ الْعَيْنِ فِي مُسَمَّيَاتِهِ، وَلَفْظَ اللَّوْنِ فِي السَّوَادِ، وَالْبَيَاضِ، وَالْحُمْرَةِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا مُتَشَابِهًا قَضَيْنَا بِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي وَاحِدٍ، وَمَجَازٌ فِي الْآخَرِ فَهُوَ مُتَحَكِّمٌ وَكَذَلِكَ رَأَيْنَاهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الصِّيَغَ لِلْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ جَمِيعًا، بَلْ اسْتِعْمَالُهُمْ لَهَا فِي الْخُصُوصِ أَكْثَرُ، فَقَلَّمَا وُجِدَ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْكَلِمَاتِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْخُصُوصِ حَقِيقَةٌ فِي الْعُمُومِ كَانَ كَمَنْ قَالَ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْخُصُوصِ مَجَازٌ فِي الْعُمُومِ، وَالْقَوْلَانِ مُتَقَابِلَانِ فَيَجِبُ تَدَافُعُهُمَا وَالِاعْتِرَافُ بِالِاشْتِرَاكِ. الِاعْتِرَاضُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى الْمُطَالَبَةِ بِالدَّلِيلِ وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ كَمَا تَسْتَعْمِلُ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ، وَلَمْ تُقِيمُوا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ، وَالْحَقِيقَةِ بَلْ طَالَبْتُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُمْ: إنَّهُ كَمَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِ " افْعَلْ " أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فَيَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ فِي صِيَغِ الْجَمْعِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْبَعْضُ أَوْ الْكُلُّ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ مَنْ أَخَذَ مَالِي فَاقْتُلْهُ " يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ: " وَإِنْ كَانَ أَبَاك أَوْ، وَلَدَك؟ " فَيَقُولُ: لَا أَوْ نَعَمْ، وَيَقُولُ: مَنْ أَطَاعَنِي فَأَكْرِمْهُ " فَيَقُولُ: " وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا؟ " فَيَقُولُ: لَا أَوْ نَعَمْ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَحْسُنُ. فَلَوْ قَالَ " اُقْتُلْ كُلَّ مُشْرِكٍ فَيَقُولُ: وَالْمُؤْمِنَ أَيْضًا أَقْتُلُهُ أَمْ لَا فَلَا يَحْسُنُ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ لِظُهُورِ التَّجَوُّزِ بِهِ عَنْ الْخُصُوصِ قُلْنَا: الْمَجَازُ إذَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ كَانَ لِلْمُسْتَفْهِمِ الِاحْتِيَاطُ فِي طَلَبِهِ أَوْ يَحْسُنُ إذَا عَرَفَ مِنْ عَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَنَّهُ يُهِينُ الْفَاسِقَ، وَالْكَافِرَ، وَإِنْ أَطَاعَهُ، وَيُسَامِحُ الْأَبَ
стр. 229
فِي بَذْلِ الْمَالِ، وَالْقَرِينَةُ تَشْهَدُ لِلْخُصُوصِ، وَاللَّفْظُ يَشْهَدُ لِلْعُمُومِ، وَيَتَعَارَض مَا يُورِثُ الشَّكَّ فَيَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ.
بَيَانُ الطَّرِيقِ الْمُخْتَارِ عِنْدَنَا فِي إثْبَاتِ الْعُمُومِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّظَرَ لَا يَخْتَصُّ بِلُغَةِ الْعَرَبِ بَلْ هُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ اللُّغَاتِ؛ لِأَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ اللُّغَاتِ فَيَبْعُدُ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهَا جَمِيعُ أَصْنَافِ الْخَلْقِ فَلَا يَضَعُونَهَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا. وَيَدُلُّ عَلَى وَضْعِهَا تَوَجُّهُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَنْ عَصَى الْأَمْرَ الْعَامَّ، وَسُقُوطُ الِاعْتِرَاضِ عَمَّنْ أَطَاعَ، وَلُزُومُ النَّقْضِ، وَالْخُلْفِ عَنْ الْخَبَرِ الْعَامِّ وَجَوَازُ بِنَاءِ الِاسْتِحْلَالِ عَلَى الْمُحَلَّلَاتِ الْعَامَّةِ. فَهَذِهِ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْغَرَضِ، وَبَيَانُهَا أَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَنْ دَخَلَ الْيَوْمَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا أَوْ رَغِيفًا، فَأَعْطَى كُلَّ دَاخِلٍ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ عَاتَبَهُ فِي إعْطَائِهِ وَاحِدًا مِنْ الدَّاخِلِينَ مَثَلًا وَقَالَ: لِمَ أَعْطَيْت هَذَا مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَهُوَ قَصِيرٌ، وَإِنَّمَا أَرَدْت الطِّوَالَ، أَوْ هُوَ أَسْوَدُ، وَإِنَّمَا أَرَدْت الْبِيضَ؟ فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: مَا أَمَرْتنِي بِإِعْطَاءِ الطِّوَالِ، وَلَا الْبِيضِ بَلْ بِإِعْطَاءِ مَنْ دَخَلَ، وَهَذَا دَاخِلٌ فَالْعُقَلَاءُ إذَا سَمِعُوا هَذَا الْكَلَامَ فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا رَأَوْا اعْتِرَاضَ السَّيِّدِ سَاقِطًا، وَعُذْرَ الْعَبْدِ مُتَوَجِّهًا وَقَالُوا لِلسَّيِّدِ: أَنْتَ أَمَرْتَهُ بِإِعْطَاءِ مَنْ دَخَلَ، وَهَذَا قَدْ دَخَلَ، وَلَوْ أَنَّهُ أَعْطَى الْجَمِيعَ إلَّا وَاحِدًا فَعَاتَبَهُ السَّيِّدُ وَقَالَ: لِمَ لَمْ تُعْطِهِ؟ فَقَالَ الْعَبْدُ: لِأَنَّ هَذَا طَوِيلٌ أَوْ أَبْيَضُ وَكَانَ لَفْظُكَ عَامًّا فَقُلْتَ: لَعَلَّك أَرَدْت الْقِصَارَ أَوْ السُّودَ اسْتَوْجَبَ التَّأْدِيبَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ وَلِلنَّظَرِ إلَى الطُّولِ، وَاللَّوْنِ وَقَدْ أُمِرْتَ بِإِعْطَاءِ الدَّاخِلِ فَهَذَا مَعْنَى سُقُوطِ الِاعْتِرَاضِ عَنْ الْمُطِيعِ، وَتَوَجُّهِهِ عَلَى الْعَاصِي.
وَأَمَّا النَّقْضُ عَلَى الْخَبَرِ فَإِذَا قَالَ: مَا رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَحَدًا وَكَانَ قَدْ رَأَى جَمَاعَةً كَانَ كَلَامُهُ خُلْفًا مَنْقُوضًا وَكَذِبًا، فَإِنْ أَرَدْت أَحَدًا غَيْرَ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ كَانَ مُسْتَنْكَرًا، وَهَذِهِ كَصِيَغِ الْجَمِيعِ فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي النَّفْيِ تَعُمُّ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١] ، وَإِنَّمَا أُورِدَ هَذَا نَقْضًا عَلَى كَلَامِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا فَلِمَ وَرَدَ النَّقْضُ عَلَيْهِمْ؟ فَإِنْ هُمْ أَرَادُوا غَيْرَ مُوسَى فَلِمَ لَزِمَ دُخُولُ مُوسَى تَحْتَ اسْمِ الْبَشَرِ؟ ، وَأَمَّا الِاسْتِحْلَالُ بِالْعُمُومِ فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: أَعْتَقْتُ عَبِيدِي، وَإِمَائِي، وَمَاتَ عَقِيبَهُ، جَازَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُزَوِّجَ مِنْ أَيِّ عَبِيدِهِ شَاءَ، وَيَتَزَوَّجَ مِنْ أَيِّ جَوَارِيهِ شَاءَ بِغَيْرِ رِضَا الْوَرَثَةِ، وَإِذَا قَالَ: الْعَبِيدُ الَّذِينَ هُمْ فِي يَدِي مِلْكُ فُلَانٍ كَانَ ذَلِكَ إقْرَارًا مَحْكُومًا بِهِ فِي الْجَمِيعِ، وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ لَا يَنْحَصِرُ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْفِقْ عَلَى عَبْدِي غَانِمٍ أَوْ عَلَى زَوْجَتِي زَيْنَبَ، أَوْ قَالَ: غَانِمٌ حُرٌّ، وَزَيْنَبُ طَالِقٌ، وَلَهُ عَبْدَانِ اسْمُهُمَا غَانِمٌ، وَزَوْجَتَانِ اسْمُهُمَا زَيْنَبُ فَتَجِبُ الْمُرَاجَعَةُ وَالِاسْتِفْهَامُ لِأَنَّهُ أَتَى بِاسْمٍ مُشْتَرَكٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ.
فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْعُمُومِ فِيمَا وَرَاءَ أَقَلِّ الْجَمْعِ مُشْتَرَكًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ التَّوَقُّفُ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أَعْطَى ثَلَاثَةً مِمَّنْ دَخَلَ الدَّارَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاجَعَ فِي الْبَاقِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ كُلِّهِمْ فِي اللُّغَاتِ كُلِّهَا. فَإِنْ قِيلَ إنْ سَلِمَ لَكُمْ مَا ذَكَرْتُمُوهُ فَإِنَّمَا يَسْلَمُ بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ لَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، فَإِنْ عَرِيَ عَنْ الْقَرَائِنِ فَلَا يَسْلَمُ. قُلْنَا: كُلُّ قَرِينَةٍ قَدَّرْتُمُوهَا فَعَلَيْنَا أَنْ نُقَدِّرَ نَفْيَهَا، وَيَبْقَى حُكْمُ الِاعْتِرَاضِ، وَالنَّقْضِ كَمَا سَبَقَ، فَإِنَّ غَايَتَهُمْ أَنْ يَقُولُوا إذَا قَالَ أَنْفِقْ عَلَى عَبِيدِي وَجَوَارِيَّ فِي غَيْبَتِي، كَانَ
стр. 230
مُطِيعًا بِالْإِنْقَاقِ عَلَى الْجَمِيعِ، لِأَجْلِ قَرِينَةِ الْحَاجَةِ إلَى النَّفَقَةِ، أَوْ أَعْطِ مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَهُوَ بِقَرِينَةِ إكْرَامِ الزَّائِرِ فَهَذَا، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ إذَا قَدَّرُوهُ فَسَبِيلُنَا أَنْ نُقَدِّرَ أَضْدَادَهَا، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا تُنْفِقْ عَلَى عَبِيدِي، وَزَوْجَاتِي كَانَ عَاصِيًا بِالْإِنْفَاقِ مُطِيعًا بِالتَّضْيِيعِ، وَلَوْ قَالَ اضْرِبْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ثَلَاثَةٍ بَلْ إذَا ضَرَبَ جَمِيعَهُمْ عُدَّ مُطِيعًا، وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي، فَخُذْ مِنْهُ شَيْئًا بَقِيَ الْعُمُومُ بَلْ نُقَدِّرُ مَا لَا غَرَضَ فِي نَفْيِهِ، وَإِثْبَاتِهِ، فَلَوْ قَالَ: مَنْ قَالَ مِنْ عَبِيدِي: جِيمٌ فَقُلْ لَهُ: صَادٌ، وَمَنْ قَالَ مِنْ جَوَارِيَّ: أَلِفٌ فَأَعْتِقْهَا، فَامْتَثَلَ أَوْ عَصَى كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الِاعْتِرَاضِ، وَتَوَجُّهِهِ جَارِيًا، بَلْ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ مِنْ صَادِقٍ عُرِفَ صِدْقُهُ بِالْمُعْجِزَةِ، وَلَمْ يَعِشْ إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَالَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ: مَنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ، وَمَنْ زَنَى فَاضْرِبُوهُ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ بَالِغٍ وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَمَاتَ عَقِيبَ هَذَا الْكَلَامِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ عَادَةً، وَلَا أَدْرَكْنَا مِنْ أَحْوَالِهِ قَرِينَةً، وَلَا صَدَرَ مِنْهُ سِوَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إشَارَةً، وَرَمْزًا، وَلَا ظَهَرَ فِي وَجْهِهِ حَالَةً؛ لَكُنَّا نَحْكُمُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَنَتْبَعُهَا، وَلَا يُقَالُ: جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُشْتَرَكَةٍ مُجْمَلَةٍ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَهَا فَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِهَا.
وَلَوْ قَدَّرُوا قَرِينَةً فِي نُطْقِهِ وَصُورَةِ حَرَكَتِهِ عِنْدَ كَلَامِهِ فَلْيُقَدَّرْ أَنَّهُ كَتَبَ فِي كِتَابٍ، وَسَلَّمَهُ إلَيْنَا وَقَالَ: اعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، وَمَاتَ، وَإِنْ قَدَّرُوا قَرِينَةً مُنَاسِبَةً بَيْنَ هَذِهِ الْجِنَايَاتِ، وَالْعُقُوبَاتِ فَنُقَدِّرُ أُمُورًا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهَا كَحُرُوفِ الْمُعْجَمِ؛ فَإِذَا قَالَ مَنْ قَالَ لَكُمْ: أَلِفٌ فَقُولُوا: جِيمٌ، وَأَمْثَالَهُ، فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ مَفْهُومًا مَعْمُولًا بِهِ وَكُلُّ قَرِينَةٍ قَدَّرُوهَا فَنُقَدِّرُ نَفْيَهَا، وَيَبْقَى مَا ذَكَرْنَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّحَابَةَ إنَّمَا تَمَسَّكُوا بِالْعُمُومَاتِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَانْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ لَا أَنَّهُمْ طَلَبُوا قَرِينَةً مُعَمِّمَةً، وَتَسْوِيَةً بَيْنَ أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَالزِّيَادَةِ. فَإِنْ قِيلَ إذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ، فَيَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: وَلَوْ كَانَ كَافِرًا فَاسِقًا؟ فَرُبَّمَا يَقُولُ: نَعَمْ، وَرُبَّمَا يَقُولُ: لَا، فَلَوْ عَمَّ اللَّفْظُ فَلِمَ حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ؟ قُلْنَا: لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا أَوْ أَبْيَضَ أَوْ مُحْتَرِفًا، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ، وَإِنَّمَا حَسُنَ السُّؤَالُ عَنْ الْفَاسِقِ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ الْإِعْطَاءِ الْإِكْرَامُ، وَيُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرِمُ الْفَاسِقَ أَوْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ ذَلِكَ فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ يَقْتَدِي بِالنَّاسِ فِيهِ، فَلِتَوَهُّمِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ الْمُخَصِّصَةِ حَسُنَ مِنْهُ السُّؤَالُ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْسُنْ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُرَاجَعْ، وَأَعْطَى الْفَاسِقَ، وَعَاتَبَهُ السَّيِّدُ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: أَمَرْتَنِي بِإِعْطَاءِ كُلِّ دَاخِلٍ، وَهَذَا قَدْ دَخَلَ، فَيَقُولُ السَّيِّدُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْرِفَ بِعَقْلِك أَنَّ هَذَا إكْرَامٌ، وَالْفَاسِقُ لَا يُكْرَمُ فَيَتَمَسَّكَ بِقَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ، فَرُبَّمَا يَكُونُ مَقْبُولًا، فَلَوْ لَمْ يَقُلْ هَذَا، وَلَكِنْ قَالَ: كَانَ لَفْظِي مُشْتَرَكًا غَيْرَ مَفْهُومٍ فَلِمَ أَقْدَمْتَ قَبْلَ السُّؤَالِ؟ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْعِتَابُ مُتَوَجِّهًا قَطْعًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ فَرَضْتُمْ الْكَلَامَ فِي أَدَاةِ الشَّرْطِ وَقَدْ قَالَ بِعُمُومِهِ مَنْ أَنْكَرَ سَائِرَ الْعُمُومَاتِ، فَمَا الدَّلِيلُ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ؟ قُلْنَا: هَذَا يَجْرِي فِي مَنْ " " وَمَا " " وَمَتَى " " وَحَيْثُ " " وَأَيِّ وَقْتٍ " " وَأَيِّ شَخْصٍ "، وَنَظَائِرِهِ، وَيَجْرِي أَيْضًا فِي النَّكِرَةِ فِي النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ كُلُّ وَجَمِيعُ، وَأَجْمَعُونَ بَلْ هُوَ أَظْهَرُ، وَهُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ وَكَذَلِكَ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ، وَهِيَ صِيَغُ الْجُمُوعِ كَالْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا أَيْضًا جَارٍ فِيهِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَعْطِ الْفُقَرَاءَ وَاقْتُلْ الْمُشْرِكِينَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا، وَانْتَفَتْ الْقَرَائِنُ
стр. 231
جَرَى حُكْمُ الطَّاعَةِ، وَالْعِصْيَانِ، وَتَوَجَّهَ الِاعْتِرَاضُ، وَسُقُوطُهُ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ جَمْعٍ إلَّا فِي بَعْضِ الْجُمُوعِ الْمَبْنِيَّةِ لِلتَّقْلِيلِ كَمَا وَرَدَ عَلَى، وَزْنِ الْأَفْعَالِ كَالْأَثْوَابِ وَالْأَفْعِلَةِ كَالْأَرْغِفَةِ، وَالْأَفْعُلِ كَالْأَكْلُبِ، وَالْفِعْلَةِ كَالصِّبْيَةِ وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: جَمِيعُ هَذَا لِلتَّقْلِيلِ، وَمَا عَدَاهُ لِلتَّكْثِيرِ وَقِيلَ أَيْضًا جَمْعُ السَّلَامَةِ لِلتَّقْلِيلِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، لَا سِيَّمَا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ مَبْنِيٌّ لِلتَّكْثِيرِ وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَيْضًا لَا يُتَقَدَّرُ الْمُرَادُ مِنْهُ بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ، وَالْأَحْوَالِ؛ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلِاسْتِغْرَاقِ.
، وَأَمَّا النَّوْعُ الْخَامِسُ وَهُوَ الِاسْمُ الْمُفْرَدُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَلِفُ، وَاللَّامُ فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ لَفْظُ الْوَاحِدِ عَنْ الْجِنْسِ بِالْهَاءِ كَالتَّمْرَةِ، وَالتَّمْرِ، وَالْبُرَّةِ، وَالْبُرِّ فَإِنْ عُرِّيَ عَنْ الْهَاءِ فَهُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَقَوْلُهُ: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ،» يَعُمُّ كُلَّ بُرٍّ، وَتَمْرٍ، وَمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِالْهَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَشَخَّصُ، وَيَتَعَدَّدُ كَالدِّينَارِ، وَالرَّجُلِ، حَتَّى يُقَالَ: دِينَارٌ وَاحِدٌ، وَرَجُلٌ وَاحِدٌ، وَإِلَى مَا لَا يَتَشَخَّصُ وَاحِدٌ مِنْهُ كَالذَّهَبِ إذْ لَا يُقَالُ: ذَهَبٌ وَاحِدٌ فَهَذَا لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، أَمَّا الدِّينَارُ، وَالرَّجُلُ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَاحِدِ، وَالْأَلِفُ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ فَقَطْ وَقَوْلُهُمْ: الدِّينَارُ أَفْضَلُ مِنْ الدِّرْهَمِ يُعْرَفُ بِقَرِينَةِ التَّسْعِيرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: «لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ، وَلَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ» فُهِمَ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ حَيْثُ لَا مُنَاسَبَةَ فَلَا يَخْلُو عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْجِنْسِ
[الْقَوْلُ فِي الْعُمُومِ إذَا خُصَّ هَلْ يَصِيرُ مَجَازًا فِي الْبَاقِي]
الْقَوْلُ فِي الْعُمُومِ إذَا خُصَّ الْقَوْلُ فِي الْعُمُومِ إذَا خُصَّ هَلْ يَصِيرُ مَجَازًا فِي الْبَاقِي، وَهَلْ يَبْقَى حُجَّةً؟ ، وَهُمَا نَظَرَانِ:
أَمَّا صَيْرُورَتُهُ مَجَازًا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: فَقَالَ قَوْمٌ: يَبْقَى حَقِيقَةً لِأَنَّهُ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِمَا بَقِيَ حَقِيقَةً فَخُرُوجُ غَيْرِهِ عَنْهُ لَا يُؤَثِّرُ وَقَالَ قَوْمٌ: يَصِيرُ مَجَازًا لِأَنَّهُ وُضِعَ لِلْعُمُومِ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ بِالْقَرِينَةِ كَانَ مَجَازًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَجَازًا فَلَا يَبْقَى لِلْمَجَازِ مَعْنًى، وَلَا يَكْفِي تَنَاوُلُهُ مَعَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى مَا دُونَ أَقَلِّ الْجَمْعِ صَارَ مَجَازًا فَإِذَا قَالَ: لَا تُكَلِّمْ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ زَيْدًا خَاصَّةً كَانَ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ هُوَ دَاخِلًا فِيهِ وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي تَنَاوُلِهِ مَجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى الْوَاحِدِ كَانَ مَجَازًا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ وَضْعِهِ فِي الدَّلَالَةِ فَالسَّارِقُ مَهْمَا صَارَ عِبَارَةٌ عَنْ سَارِقِ النِّصَابِ خَاصَّةً فَقَدْ تَغَيَّرَ الْوَضْعُ وَاسْتُعْمِلَ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَضَعَتْهُ الْعَرَبُ وَقَدْ اخْتَارَ الْقَاضِي فِي التَّفْرِيعِ عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ أَنَّهُ صَارَ مَجَازًا، لَكِنْ قَالَ إنَّمَا يَصِيرُ مَجَازًا إذَا أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ مِنْ عَقْلٍ أَوْ نَقْلٍ، أَمَّا مَا خَرَجَ بِلَفْظٍ مُتَّصِلٍ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يَجْعَلُهُ مَجَازًا بَلْ يَصِيرُ الْكَلَامُ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ كَلَامًا آخَرَ مَوْضُوعًا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإِنَّا نَزِيدُ الْوَاوَ، وَالنُّونَ فِي قَوْلِنَا مُسْلِمٌ " فَنَقُولُ " مُسْلِمُونَ " فَيَدُلُّ عَلَى أَمْرٍ زَائِدٍ، وَلَا نَجْعَلُهُ مَجَازًا، وَنَزِيدُ الْأَلِفَ، وَاللَّامَ عَلَى قَوْلِنَا رَجُلٌ " فَنَقُولُ الرَّجُلُ " فَيَزِيدُ فَائِدَةً أُخْرَى، وَهِيَ التَّعْرِيفُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صَارَتْ صِيغَةً أُخْرَى بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فَجَازَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ نَزِيدَ حَرْفًا أَوْ كَلِمَةً، فَإِذَا قَالَ: يُقْطَعُ السَّارِقُ إلَّا مَنْ سَرَقَ دُونَ النِّصَابِ كَانَ مَجْمُوعُ هَذَا الْكَلَامِ مَوْضُوعًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] دَلَّ عَلَى تِسْعِمِائَةٍ، وَخَمْسِينَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ بَلْ
стр. 232
الْوَضْعُ كَذَلِكَ وُضِعَ وَكَأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ، وَخَمْسِينَ عِبَارَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَلْفُ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ، وَالْأُخْرَى تِسْعُمِائَةٍ، وَخَمْسُونَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَا صَارَ عِبَارَةً بِالْوَضْعِ عَنْ هَذَا الْقَدْرِ بَلْ بَقِيَ الْأَلْفُ لِلْأَلْفِ، وَالْخَمْسُونَ لِلْخَمْسِينَ، وَإِلَّا لِلرَّفْعِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ، وَنَحْنُ بِعِلْمِ الْحِسَابِ عَرَفْنَا أَنَّ هَذَا تِسْعُمِائَةٍ، وَخَمْسُونَ، فَإِنَّا إذَا وَضَعْنَا أَلْفًا، وَرَفَعْنَا خَمْسِينَ عَلِمْنَا مِقْدَارَ الْبَاقِي بِعِلْمِ الْحِسَابِ فَلَا نَقُولُ الْمَجْمُوعُ صَارَ عِبَارَةً مَوْضُوعَةً عَنْ هَذَا الْعَدَدِ، وَهَذَا أَدَقُّ، وَأَحَقُّ لَا كَزِيَادَةِ الْأَلِفِ، وَاللَّامِ، وَالْيَاءِ، وَالنُّونِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَإِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لَا مَعْنَى لَهَا بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ قِيلَ لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فاُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فَقَالَ الرَّسُولُ مُتَّصِلًا بِهِ: " إلَّا زَيْدًا " فَهَلْ يَكُونُ هَذَا كَالْمُتَّصِلِ الَّذِي لَا يَجْعَلُ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ مَجَازًا فِي الْبَاقِي؟ قُلْنَا: اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ غَيْرِ الْمُتَكَلِّمِ يَجْرِي مَجْرَى الدَّلِيلِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ قِيَاسِ الْعَقْلِ، وَالنَّقْلِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ زَيْدٌ وَقَالَ غَيْرُهُ قَامَ، لَا يَصِيرُ خَبَرًا حَتَّى يَصْدُرَ مِنْ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: " قَامَ " لِأَنَّ نَظْمَ الْكَلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ يَجْعَلُهُ خَبَرًا فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَخْرَجَ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَنْ لَفْظِ الْمُشْرِكِينَ الْجَمِيعَ إلَّا زَيْدًا فَهَلْ يَصِيرُ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ مَجَازًا؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ لِلْجَمْعِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ فَهُوَ عِنْدَ أَرْبَابِ الْعُمُومِ عِنْدَ الِاسْتِثْنَاءِ لِجَمْعٍ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ لِجَمْعٍ مُسْتَغْرِقٌ.
وَأَمَّا النَّظَرُ الثَّانِي فِي كَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْبَاقِي فَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ: إنَّهُ لَا يَبْقَى حُجَّةً بَلْ صَارَ مُجْمَلًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْقَدَرِيَّةُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُتْرَكْ عَلَى الْوَضْعِ فَلَا يَبْقَى لِلْفَهْمِ مُعْتَمَدٌ سِوَى الْقَرِينَةِ وَتِلْكَ الْقَرِينَةُ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ فَلَا يُهْتَدَى إلَيْهَا، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ الْجَمْعِ يَبْقَى لِأَنَّهُ مُسْتَيْقَنٌ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ مُجْمَلًا بِأَنَّ السَّارِقَ إذَا خَرَجَ مِنْهُ سَارِقُ مَا دُونَ النِّصَابِ، وَالسَّارِقُ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَبِمَ يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ وَقَدْ خَرَجَ الْوَضْعُ مِنْ أَيْدِينَا، وَلَا قَرِينَةَ تُفَصِّلُ، وَتَحْصُرُ فَيَبْقَى مُجْمَلًا؟ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَبْقَى حُجَّةً إلَّا إذَا اسْتَثْنَى مِنْهُ مَجْهُولًا، كَمَا لَوْ قَالَ " اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا رَجُلًا أَمَّا إذَا اُسْتُخْرِجَ مِنْهُ مَعْلُومٌ فَإِنَّهُ يَبْقَى دَلِيلًا فِي الْبَاقِي؛ وَلِأَجْلِهِ تَمَسَّكَ الصَّحَابَةُ بِالْعُمُومَاتِ.
وَمَا مِنْ عُمُومٍ إلَّا وَقَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ، وَهَذَا لِأَنَّ لَفْظَ السَّارِقِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ سَارِقٍ بِالْوَضْعِ لَوْلَا دَلِيلٌ مَخْصُوصٌ، وَالدَّلِيلُ الْمَخْصُوصُ صَرَفَ دَلَالَتَهُ عَنْ الْبَعْضِ، وَلَا مُسْقِطَ لِدَلَالَتِهِ فِي الْبَاقِي نَعَمْ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَى إخْرَاجِ مَا خَرَجَ فَافْتَقَرَ إلَى دَلِيلٍ مُخْرِجٍ وَقُصُورُهُ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى قُصُورِهِ عَنْ تَنَاوُلِ الْبَاقِي، فَمَنْ قَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً ثُمَّ قَالَ لَا تُعْتِقْ مَعِيبَةً، وَلَا كَافِرَةً، لَمْ يَخْرُجْ بِهِ كَلَامُهُ الْأَوَّلُ عَنْ كَوْنِهِ مَفْهُومًا، وَالرُّجُوعُ فِي هَذَا إلَى عَادَةِ اللِّسَانِ، وَأَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَادَاتِ الصَّحَابَةِ إذْ لَمْ يَطْرَحُوا جَمِيعَ عُمُومَاتِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ لِتَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إلَيْهَا، وَعَلَى الْجُمْلَةِ كَلَامُ الْوَاقِفِيَّةِ فِي الْعُمُومِ الْمُخَصَّصِ أَظْهَرُ لَا مَحَالَةَ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ سَلَّمْتُمْ أَنَّهُ صَارَ مَجَازًا فَيَفْتَقِرُ الْعَمَلُ بِهِ إلَى دَلِيلٍ إذْ الْمَجَازُ لَا يُعْمَلُ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ قُلْنَا: هُوَ حَقِيقَةٌ فِي وَضْعِهِ، وَالدَّلِيلُ الْمُخَصِّصُ هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ مَجَازًا، أَمَّا سُقُوطُ دَلَالَةِ الْمَجَازِ فَلَا وَجْهَ لَهُ لَا سِيَّمَا الْمَجَازُ الْمَعْرُوفُ، فَإِنَّا نَتَمَسَّكُ بِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ زَائِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فَهُوَ مَعْرُوفٌ وَكَذَلِكَ التَّفْهِيمُ بِالْعُمُومَاتِ الْمُخَصَّصَةِ مَعْرُوفٌ فِي اللِّسَانِ، وَلَا يُمْكِنُ اطِّرَاحُهُ.
стр. 233
[الْبَاب الثَّانِي فِي تَمْيِيزِ مَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ عَمَّا لَا يُمْكِنُ وَفِيهِ مَسَائِل]
[مَسْأَلَةٌ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِعُ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ]
الْبَاب الثَّانِي فِي تَمْيِيزِ مَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ عَمَّا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ مَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ عَمَّا لَا يُمْكِنُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
مَسْأَلَةٌ: إنَّمَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِعُ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ؛
أَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي جَوَابِ السَّائِلِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فَإِنْ أَتَى بِلَفْظٍ مُسْتَقِلٍّ لَوْ ابْتَدَأَ بِهِ كَانَ عَامًّا، كَمَا سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ» وَكَمَا سُئِلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» .
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ السَّائِلِ عَامًّا فَلَا يَثْبُتُ الْعُمُومُ لِلْجَوَابِ، كَمَا لَوْ قَالَ السَّائِلُ: تَوَضَّأْتُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: يُجْزِيكَ، أَوْ قَالَ: وَطِئْتُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً؛ فَهَذَا لَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّهُ خِطَابٌ مَعَ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَثْبُت الْحُكْمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ مُسْتَأْنَفٍ مِنْ قِيَاسٍ إذَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ أَوْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﵇ «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَالُ غَيْرِهِ مِثْلَ حَالِهِ فِي كُلِّ وَصْفٍ مُؤَثِّرٍ فِي الْحُكْمِ حَتَّى لَا يَفْتَرِقَا إلَّا فِي الشَّخْصِ، وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي التَّفْرِقَةِ مِنْ الطُّولِ، وَاللَّوْنِ، وَأَمْثَالِهِ، وَالذُّكُورَةُ، وَالْأُنُوثَةُ كَالطُّولِ، وَاللَّوْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَالْعِتْقِ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا حُكْمُهُ فِي الْعَبْدِ بِالسِّرَايَةِ حُكْمٌ فِي الْأَمَةِ، وَفِي بَابِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ لَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ عُرِفَ مِنْ الشَّرْعِ تَرْكُ الِالْتِفَاتِ إلَى الذُّكُورَةِ، وَالْأُنُوثَةِ فِي الْعِتْقِ، وَالرِّقِّ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ نَقُولُ: رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَمَّ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ ﵇ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَهَمَّ بِأَنْ يَتَخَلَّفَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَنْعِ، وَوَقَفَ بِجَانِبِهِ وَاقْتَدَى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ» ﵇ وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁ وَصَلَّى النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﵇.
، وَفِيهِ اقْتِدَاءُ الْإِمَامِ بِغَيْرِهِ وَاقْتِدَاءُ النَّاسِ بِالْمُقْتَدِي بِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَعْنَى النَّبِيِّ ﵇، فَإِنَّ التَّقَدُّمَ عَلَيْهِ مَعَ حُضُورِهِ مُسْتَبْعَدٌ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْإِمَامَةِ وَلِلنُّبُوَّةِ فِيهَا تَأْثِيرٌ، وَهَذَا فِعْلٌ خَاصٌّ لَا عُمُومَ لَهُ، وَدَعْوَى الْإِلْحَاقِ تَحَكُّمٌ مَعَ ظُهُورِ الْفَرْقِ، وَلَا عُمُومَ يَتَعَلَّقُ بِهِ، بَلْ قَوْلُهُ: لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «الْبَسْ الْحَرِيرَ» وَلِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ «بِجَذَعَةٍ مِنْ الضَّأْنِ: تُجْزِيك» ، وَإِذْنُهُ لِلْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَقَوْلُهُ: لِعُمَرَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» لَا عُمُومَ لِشَيْءٍ مِنْهُ فَيَفْتَقِرُ تَعْمِيمُهُ إلَى دَلِيلٍ مُسْتَأْنَفٍ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ أَمَّا مَا نُقِلَ مِنْ اقْتِدَاءِ النَّاسِ بِأَبِي بَكْرٍ مَعَ اقْتِدَائِهِ بِالنَّبِيِّ ﵇ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُقْتَدَى الْكُلِّ كَانَ بِالنَّبِيِّ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ سَفِيرًا بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرَاتِ.
أَمَّا إذَا كَانَ لَفْظُ السَّائِلِ عَامًّا نَزَلَ مَنْزِلَةَ عُمُومِ لَفْظِ الشَّارِعِ كَمَا لَوْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَمَّنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً، كَانَ كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَعْتَقَ رَقَبَةً لِأَنَّهُ يُجِيبُ عَنْ السُّؤَالِ فَلَا يَكُونُ الْجَوَابُ إلَّا مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ فَأَمَّا أَخَصَّ مِنْهُ فَلَا. أَمَّا لَوْ قَالَ السَّائِلُ: أَفْطَرَ زَيْدٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ قَالَ طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ زَوْجَتَهُ، فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» فَهَذَا لَا عُمُومَ لَهُ، فَلَعَلَّهُ عَرَفَ مِنْ حَالِهِ مَا يُوجِبُ الْعِتْقَ، وَالْمُرَاجَعَةُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَلَا نَعْرِفُ مَا تِلْكَ الْحَالُ، وَمَنْ الَّذِي يُسَاوِيهِ فِيهَا، وَلَا يُدْرَى أَنَّهُ أَفْطَرَ عَمْدًا، وَسَهْوًا أَوْ بِأَكْلٍ أَوْ جِمَاعٍ فَإِنْ قِيلَ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ مَعَ تَعَارُضِ الْأَحْوَالِ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ، وَهَذَا مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ تَحَقَّقَ
стр. 234
ذَلِكَ؟ وَلَعَلَّهُ ﵇ عَرَفَ خُصُوصَ الْحَالِ فَأَجَابَ بِنَاءً عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، فَهَذَا تَقْرِيرُ عُمُومٍ بِالْوَهْمِ الْمُجَرَّدِ.
[مَسْأَلَةٌ وُرُودُ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ لَا يُسْقِطُ دَعْوَى الْعُمُومِ]
ِ وُرُودُ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ لَا يُسْقِطُ دَعْوَى الْعُمُومِ،
كَقَوْلِهِ: ﷺ حَيْثُ مَرَّ بِشَاةِ مَيْمُونَةَ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَقَالَ قَوْمٌ: يُسْقِطُ عُمُومَهُ، وَهُوَ خَطَأٌ، نَعَمْ يَصِيرُ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ أَقْرَبَ، وَيُقْنَعُ فِيهِ بِدَلِيلٍ أَخَفَّ، وَأَضْعَفَ، وَقَدْ يُعْرَفُ بِقَرِينَةِ اخْتِصَاصِهِ بِالْوَاقِعَةِ كَمَا إذَا قِيلَ كَلِّمْ فُلَانًا فِي وَاقِعَةٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ أَبَدًا فَإِنَّهُ يُفْهَمُ بِالْقَرِينَةِ أَنَّهُ يُرِيدُ تَرْكَ الْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ لَا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى بَقَاءِ الْعُمُومِ أَنَّ الْحُجَّةَ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ لَا فِي السُّؤَالِ، وَالسَّبَبِ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مَعْدُولًا عَنْ سُنَنِ السُّؤَالِ حَتَّى لَوْ قَالَ السَّائِلُ: أَيَحِلُّ شُرْبُ الْمَاءِ، وَأَكْلُ الطَّعَامِ وَالِاصْطِيَادُ؟ فَيَقُولُ: الْأَكْلُ وَاجِبٌ، وَالشُّرْبُ مَنْدُوبٌ، وَالصَّيْدُ حَرَامٌ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَظْرٌ، وَوُجُوبٌ، وَالسُّؤَالُ وَقَعَ عَنْ الْإِبَاحَةِ فَقَطْ؛ وَكَيْفَ يُنْكَرُ هَذَا، وَأَكْثَرُ أُصُولِ الشَّرْعِ خَرَجَتْ عَلَى أَسْبَابٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] فِي سَرِقَةِ الْمِجَنِّ أَوْ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ فِي سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَآيَةُ اللِّعَانِ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ. وَشُبَهُ الْمُخَالِفِينَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّبَبِ تَأْثِيرٌ، وَالنَّظَرُ إلَى اللَّفْظِ خَاصَّةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إخْرَاجُ السَّبَبِ بِحُكْمِ التَّخْصِيصِ عَنْ عُمُومِ الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا لَوْ لَمْ يَرِدْ عَلَى سَبَبٍ قُلْنَا: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ كَلَامَهُ بَيَانٌ لِلْوَاقِعَةِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ خَاصَّةً أَوْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَاللَّفْظُ يَعُمُّهُ، وَيَعُمُّ غَيْرَهُ، وَتَنَاوُلُهُ لَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَتَنَاوُلُهُ لِغَيْرِهِ ظَاهِرٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَيُجِيبَ عَنْ غَيْرِهِ نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُجِيبَ عَنْ غَيْرِهِ بِمَا يُنَبِّهُ عَلَى مَحَلِّ السُّؤَالِ، كَمَا «قَالَ لِعُمَرَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ» وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ وَقَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ» .
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّبَبِ مَدْخَلٌ لِمَا نَقَلَهُ الرَّاوِي، إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. قُلْنَا: فَائِدَتُهُ مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ، وَالسِّيَرِ، وَالْقَصَصِ، وَاتِّسَاعُ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، وَأَيْضًا امْتِنَاعُ إخْرَاجِ السَّبَبِ بِحُكْمِ التَّخْصِيصِ بِالِاجْتِهَادِ؛ وَلِذَلِكَ غَلِطَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي إخْرَاجِ الْأَمَةِ الْمُسْتَفْرَشَةِ مِنْ قَوْلِهِ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» وَالْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي وَلِيدَةِ زَمْعَةَ إذْ قَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ هُوَ أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ ﵇: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَأَثْبَت لِلْأَمَةِ فِرَاشًا،، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَبْلُغْهُ السَّبَبُ فَأَخْرَجَ الْأَمَةَ مِنْ الْعُمُومِ.
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ السَّبَبِ لَمَا أَخَّرَ الْبَيَانَ إلَى وُقُوعِ الْوَاقِعَةِ، فَإِنَّ الْغَرَضَ إذَا كَانَ تَمْهِيدَ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ فَلِمَ أَخَّرَهَا إلَى وُقُوعِ وَاقِعَةٍ؟ قُلْنَا: وَلِمَ قُلْتُمْ لَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِفَائِدَتِهِ؟ وَلِمَ طَلَبْتُمْ لِأَفْعَالِ اللَّهِ فَائِدَةً؟ بَلْ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُنْشِئَ التَّكْلِيفَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، وَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ. ثُمَّ نَقُولُ: لَعَلَّهُ عَلِمَ أَنَّ تَأْخِيرَهُ إلَى الْوَاقِعَةِ لُطْفٌ، وَمَصْلَحَةٌ لِلْعِبَادِ دَاعِيَةٌ إلَى الِانْقِيَادِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ. ثُمَّ نَقُولُ: يَلْزَمُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ اخْتِصَاصُ الرَّجْمِ بِمَاعِزٍ، وَالظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ بِالْأَشْخَاصِ الَّذِينَ وَرَدَ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَّرَ الْبَيَانَ إلَى وُقُوعِ وَقَائِعِهِمْ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
стр. 235
[مَسْأَلَةٌ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ]
ُ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا الْعُمُومُ لِلْأَلْفَاظِ لَا لِلْمَعَانِي
فَتَضَمُّنُهَا مِنْ ضَرُورَةِ الْأَلْفَاظِ. بَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ» ظَاهِرُهُ يَنْفِي صُورَةَ الصَّوْمِ حِسًّا لَكِنْ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحُكْمِ، وَهُوَ نَفْيُ الْإِجْزَاءِ أَوْ الْكَمَالِ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ: مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مُجْمَلٌ وَقِيلَ: إنَّهُ عَامٌّ لِنَفْيِ الْإِجْزَاءِ، وَالْكَمَالِ، وَهُوَ غَلَطٌ نَعَمْ لَوْ قَالَ: لَا حُكْمَ لِصَوْمٍ بِغَيْرِ تَبْيِيتٍ لَكَانَ الْحُكْمُ لَفْظًا عَامًّا فِي الْإِجْزَاءِ، وَالْكَمَالِ، أَمَّا إذَا قَالَ لَا صِيَامَ، فَالْحُكْمُ غَيْرُ مَنْطُوقٍ بِهِ، وَإِنَّمَا أُثْبِتَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الضَّرُورَةِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﵇: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ» مَعْنَاهُ حُكْمُ الْخَطَإِ، وَالنِّسْيَانِ، وَلَا عُمُومَ لَهُ، وَلَوْ قَالَ لَا حُكْمَ لِلْخَطَإِ لَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ، وَالْغُرْمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا عَلَى الْعُمُومِ فِي الْإِجْزَاءِ، وَالْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ، وَالصِّحَّةَ إذَا انْتَفَيَا كَانَ انْتِفَاءُ الْكَمَالِ ضَرُورَةً، وَإِنَّمَا الْعُمُومُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ يُمْكِنُ انْتِفَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ
[مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي إلَى مَفْعُولٍ]
ٍ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَفْعُولَاتِهِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي إلَى مَفْعُولٍ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَفْعُولَاتِهِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ؟
فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا عُمُومَ لَهُ حَتَّى لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا آكُلُ، وَنَوَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ، أَوْ قَالَ: إنْ أَكَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَكَذَلِكَ إذَا نَوَى بِالضَّرْبِ آلَةً بِعَيْنِهَا. وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضَى فَلَا عُمُومَ لَهُ، لِأَنَّ الْأَكْلَ يَسْتَدْعِي مَأْكُولًا بِالضَّرُورَةِ لَا أَنَّ اللَّفْظَ تَعَرَّضَ لَهُ، فَمَا لَيْسَ مَنْطُوقًا لَا عُمُومَ لَهُ فَالْمَكَانُ لِلْخُرُوجِ، وَالطَّعَامُ لِلْأَكْلِ، وَالْآلَةُ لِلضَّرْبِ كَالْوَقْتِ لِلْفِعْلِ، وَالْحَالِ لِلْفَاعِلِ، وَلَوْ قَالَ: " أَنْتِ طَالِقٌ " ثُمَّ قَالَ: " أَرَدْت بِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ " أَوْ " أَرَدْت بِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " لَمْ يُقْبَلْ. وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ: " أَنْتِ طَالِقٌ " عَدَدًا لَمْ يُجْزِهِ وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ، وَالْإِنْصَافُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضَى، وَلَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْوَقْتِ، وَالْحَالِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمُتَعَدِّيَ إلَى الْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلَى الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ، وَوَضْعِهِ، فَأَمَّا الْحَالُ، وَالْوَقْتُ فَمِنْ ضَرُورَةِ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ لَكِنْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْأَلْفَاظِ، وَالْمُقْتَضَى هُوَ ضَرُورَةُ صِدْقِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ: لَا صِيَامَ، أَوْ ضَرُورَةُ وُجُودِ الْمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَنِّي فَإِنَّهُ عَلَى حُصُولِ الْمِلْكِ قَبْلَهُ لَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ كَوْنِ الْمِلْكِ شَرْطًا لِتَصَوُّرِ الْعِتْقِ شَرْعًا، أَمَّا الْأَكْلُ فَيَدُلُّ عَلَى الْمَأْكُولِ، وَالضَّرْبُ عَلَى الْآلَةِ، وَالْخُرُوجُ عَلَى الْمَكَانِ، وَتَتَشَابَهُ نِسْبَتُهُ إلَى الْجَمِيعِ فَهُوَ بِالْعُمُومِ أَشْبَهُ.
فَإِنْ قِيلَ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِالْأَكْلِ، وَالضَّرْبِ، وَالْخُرُوجِ كَانَ مُمْتَثِلًا بِكُلِّ طَعَامٍ، وَبِكُلِّ آلَةٍ وَكُلِّ مَكَان، وَلَوْ عُلِّقَ الْعِتْقُ حَصَلَ بِالْجَمِيعِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ. قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْعُمُومِ، وَلَكِنْ لِأَجْلِ أَنَّ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ وَجَدُوا الْآلَةَ، وَالْمَكَانَ، وَالْمَأْكُولَ غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لَهُ أَصْلًا، حَتَّى لَوْ تَصَوَّرَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ دُونَ الطَّعَامِ، وَالْآلَةِ، وَالْمَكَانِ، وَالْمَأْكُولِ يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ، وَهُوَ كَالْوَقْتِ، وَالْحَالِ فَإِنَّهُ إنْ أَكَلَ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الدَّارِ أَوْ خَارِجٌ وَرَاكِبٌ أَوْ رَاجِلٌ حَنِثَ وَكَانَ مُمْتَثِلًا لَا لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَكِنْ لِحُصُولِ الْمَلْفُوظِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْعُمُومِ فِي إرَادَةِ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ.، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا جَوَازُ نِيَّةِ الْبَعْضِ، وَأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْعُمُومِ، وَمُفَارِقٌ لِلْمُقْتَضَى كَمَا ذَكَرْنَا
[مَسْأَلَةٌ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي الْفِعْلِ]
مَسْأَلَةٌ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي الْفِعْلِ
دَعْوَى الْعُمُومِ فِي الْفِعْلِ
لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ لِأَنَّ سَائِرَ الْوُجُوهِ مُتَسَاوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى
стр. 236
مُحْتَمَلَاتِهِ، وَالْعُمُومُ مَا يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، بَلْ الْفِعْلُ كَاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ مَعَانٍ مُتَسَاوِيَةٍ فِي صَلَاحِ اللَّفْظِ.
وَمِثَالُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ» فَقَالَ قَائِلٌ: الشَّفَقُ شَفَقَانِ الْحُمْرَةُ، وَالْبَيَاضُ، وَأَنَا أَحْمِلُهُ عَلَى وُقُوعِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُمَا جَمِيعًا وَكَذَلِكَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ فَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْفَرْضِ فِي الْبَيْتِ مَصِيرًا إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَعُمُّ النَّفَلَ، وَالْفَرْضَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعُمُّ لَفْظُ الصَّلَاةِ لَا فِعْلُ الصَّلَاةِ، أَمَّا الْفِعْلُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا فَلَا يَكُونَ نَفْلًا أَوْ يَكُونَ نَفْلًا فَلَا يَكُونَ فَرْضًا.
[مَسْأَلَةٌ فِعْلُ النَّبِيِّ]
ِّ ﵇ كَمَا لَا عُمُومَ لَهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى أَحْوَالِ الْفِعْلِ فَلَا عُمُومَ لَهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى غَيْرِهِ
بَلْ يَكُونُ خَاصًّا فِي حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: أُرِيدُ بِالْفِعْلِ بَيَانُ حُكْمِ الشَّرْعِ فِي حَقِّكُمْ كَمَا قَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» بَلْ نَزِيدُ، وَنَقُولُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] يَخْتَصُّ بِهِ بِحُكْمِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ بِدَلِيلٍ لَا بِمُوجَبِ هَذَا اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ﴾ [الحجر: ٩٤] وَقَالَ قَوْمٌ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إذْ قُسِّمَتْ إلَى خَاصٍّ، وَعَامٍّ فَالْأَصْلُ اتِّبَاعُ مُوجَبِ الْخِطَابِ فَمَا ثَبَتَ بِمِثْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، وَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] ، وَ ﴿يَا عِبَادِي﴾ [الزمر: ٥٣] ، وَيَا ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] فَيَتَنَاوَلُ النَّبِيَّ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ بِدَلِيلٍ، وَمَا ثَبَتَ لِلنَّبِيِّ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] فَيَخْتَصُّ بِهِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِلْحَاقِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] عَامٌّ لِأَنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّ جَرَى فِي صَدْرِ الْكَلَامِ تَشْرِيفًا، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ: ﴿طَلَّقْتُمْ﴾ [الطلاق: ١] عَامٌّ فِي صِيغَتِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي هُرَيْرَةَ " افْعَلْ " وَلِابْنِ عُمَرَ " رَاجِعْهَا " خَاصٌّ إنَّمَا يَشْمَلُ الْحُكْمُ غَيْرَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِثْلِ قَوْلِهِ: «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَذَا]
مَسْأَلَةٌ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: " نَهَى النَّبِيُّ ﵇ عَنْ كَذَا " كَبَيْعِ الْغَرَرِ، وَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَغَيْرِهِ لَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي الْمَحْكِيِّ لَا فِي قَوْلِ الْحَاكِي، وَلَفْظِهِ، وَمَا رَوَاهُ الصَّحَابِيُّ مِنْ حَكَى النَّهْيِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لَا عُمُومَ لَهُ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﵇، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا خَاصًّا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا عَامًّا فَإِذَا تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ لَمْ يَكُنْ إثْبَاتُ الْعُمُومِ بِالتَّوَهُّمِ؛ فَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: " نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ " فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى شَخْصًا بَاعَ رُطَبًا بِتَمْرٍ فَنَهَاهُ فَقَالَ الرَّاوِي مَا قَالَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ الرَّسُولَ ﵇ يَنْهَى عَنْهُ، وَيَقُولُ: " أَنْهَاكُمْ عَنْ بِيَعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ "، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَنَهَى عَنْهَا فَالتَّمَسُّكُ بِعُمُومِ هَذَا تَمَسُّكٌ بِتَوَهُّمِ الْعُمُومِ لَا بِلَفْظٍ عُرِفَ عُمُومُهُ بِالْقَطْعِ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى هَذَا حُجَّةً فِي أَصْلِ النَّهْيِ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَحْكِيَ الصَّحَابِيُّ قَوْلَ الرَّسُولِ، وَلَفْظَهُ، وَإِلَّا فَرُبَّمَا سَمِعَ مَا يَعْتَقِدُهُ نَهْيًا بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا يَكُونُ نَهْيًا، فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لَا تَفْعَلْ " فِيهِ خِلَافٌ أَنَّهُ لِلنَّهْيِ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ فِي أَلْفَاظٍ أُخَرَ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ " نُسِخَ "
стр. 237
فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ مَا لَمْ يَقُلْ " سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ نُسِخَتْ آيَةُ كَذَا " لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَرَى مَا لَيْسَ بِنَسْخٍ نَسْخًا، وَهَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ، وَهُوَ أَصْلُ السُّنَّةِ فِي الْقُطْبِ الثَّانِي
[مَسْأَلَةٌ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ]
ِ» كَقَوْلِهِ: " نَهَى " فِي أَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ، وَالْحُجَّةُ فِي الْمَحْكِيِّ، وَلَعَلَّهُ حَكَمَ فِي عَيْنٍ أَوْ بِخِطَابٍ خَاصٍّ مَعَ شَخْصٍ فَكَيْفَ يُتَمَسَّكُ بِعُمُومِهِ فَيُقَالُ مَثَلًا يُقْضَى بِالشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ فِي الْبُضْعِ أَوْ فِي الدَّمِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ أَطْلَقَ مَعَ أَنَّ لِلرَّاوِي أَنْ يُطْلِقَ. هَذَا إذَا رَآهُ قَدْ قَضَى فِي مَالٍ أَوْ فِي بُضْعٍ بَلْ لَوْ قَالَ الصَّحَابِيُّ: " سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَضَيْتُ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ " فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْحِكَايَةَ عَنْ قَضَاءٍ لِجَارٍ مَعْرُوفٍ، وَيَكُونُ الْأَلِفُ، وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ وَقَوْلُهُ: " قَضَيْتُ " حِكَايَةُ فِعْلٍ مَاضٍ. فَأَمَّا لَوْ قَالَ " قَضَيْت بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ " فَهَذَا أَظْهَرُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِ دُونَ الْحِكَايَةِ، وَلَوْ قَالَ الرَّاوِي: " قَضَى النَّبِيُّ ﵇ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ " اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ عَامًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَضَى فِي وَاقِعَةٍ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ؛ فَدَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ حُكْمٌ بِالتَّوَهُّمِ.
[مَسْأَلَةٌ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي وَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ]
مَسْأَلَةٌ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي وَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ قَضَى فِيهَا النَّبِيُّ ﵇ بِحُكْمٍ، وَذَكَرَ عِلَّةَ حُكْمِهِ
أَيْضًا إذَا أَمْكَنَ اخْتِصَاصُ الْعِلَّةِ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ، مِثَالُهُ: حُكْمُهُ فِي أَعْرَابِيٍّ مُحْرِمٍ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إمَّا لِأَنَّهُ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مُحْرِمًا لَا بِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ أَوْ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَغَيْرُهُ لَا يُعْلَمُ مَوْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَضْلًا عَنْ الْإِخْلَاصِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ﵇ فِي قَتْلَى أُحُدٍ «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ، وَدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ، وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا» يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِقَتْلَى أُحُدٍ خَاصَّةً لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ أَوْ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ أَخْلَصُوا لِلَّهِ فَهُمْ شُهَدَاءُ حَقًّا، وَلَوْ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ خَاصِّيَّتُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَاللَّفْظُ خَاصٌّ، وَالتَّعْمِيمُ وَهْمٌ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ تَعَالَى عَمَّ هَذَا الْحُكْمَ نَظَرًا إلَى الْعِلَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ، وَالْإِحْرَامِ، وَأَنَّ الْعِلَّةَ حَشْرُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَعِلَةُ حَشْرِهِمْ الْجِهَادُ أَوْ الْإِحْرَامُ وَقَدْ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِي الْعِلَّةِ.
وَهَذَا أَسْبَقُ إلَى الْفَهْمِ، لَكِنَّ خِلَافَهُ - وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي - مُمْكِنٌ وَالِاحْتِمَالُ مُتَعَارِضٌ، وَالْحُكْمُ بِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ إلَى الْفَهْمِ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْعُمُومِ إنَّمَا أُخِذَ مِنْ الْعَادَةِ، وَمِنْ وَضْعِ اللِّسَانِ، وَلَمْ يَثْبُتْ هَهُنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ لَا وَضْعٌ، وَلَا عَادَةٌ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ.
[مَسْأَلَةٌ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ قَدْ يَظُنُّ لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا]
، وَيَتَمَسَّكُ بِهِ،
، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَفْظٌ تَتَشَابَهُ دَلَالَتُهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمُسَمَّيَاتِ، وَالْمُتَمَسِّكُ بِالْمَفْهُومِ، وَالْفَحْوَى لَيْسَ مُتَمَسِّكًا بِلَفْظٍ بَلْ بِسُكُوتٍ، فَإِذَا قَالَ ﵇: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» فَنَفْيُ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ لَيْسَ بِلَفْظٍ حَتَّى يَعُمَّ اللَّفْظُ أَوْ يَخُصُّ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ لَا بِلَفْظِهِ الْمَنْطُوقِ بِهِ حَتَّى يُتَمَسَّكَ بِعُمُومِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعُمُومَ لِلْأَلْفَاظِ لَا لِلْمَعَانِي، وَلَا لِلْأَفْعَالِ.
стр. 238
[مَسْأَلَةٌ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ الِاقْتِرَانَ بِالْعَامِّ وَالْعَطْفَ عَلَيْهِ]
مَسْأَلَةٌ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ الِاقْتِرَانَ بِالْعَامِّ، وَالْعَطْفَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ غَلَطٌ إذْ الْمُخْتَلِفَانِ قَدْ تَجْمَعُ الْعَرَبُ بَيْنَهُمَا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَفَ الْوَاجِبُ عَلَى النَّدْبِ، وَالْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عَامٌّ وَقَوْلُهُ: بَعْدُ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] خَاصٌّ وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إبَاحَةٌ وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إيجَابٌ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] اسْتِحْبَابٌ وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] إيجَابٌ
[مَسْأَلَةٌ الِاسْمُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ مُسَمَّيَيْنِ لَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ]
عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَمْ يُوضَعْ لِلْجَمْعِ، مِثَالُهُ الْقُرْءُ لِلطُّهْرِ، وَالْحَيْضِ، وَالْجَارِيَةُ لِلسَّفِينَةِ، وَالْأَمَةِ، وَالْمُشْتَرَى لِلْكَوْكَبِ السَّعْدِ وَقَابِلِ الْبَيْعِ، وَالْعَرَبُ مَا وَضَعَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَضْعًا يُسْتَعْمَلُ فِي مُسَمَّيَاتِهَا إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، أَمَّا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَلَا. نَعَمْ نِسْبَةُ الْمُشْتَرَكِ إلَى مُسَمَّيَاتِهِ مُتَشَابِهَةٌ، وَنِسْبَةُ الْعُمُومِ إلَى آحَادِ الْمُسَمَّيَاتِ مُتَشَابِهَةٌ، لَكِنَّ تَشَابُهَ نِسْبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْعُمُومِ عَلَى الْجَمْعِ، وَنِسْبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى الْبَدَلِ، وَتَشَابُهَ نِسْبَةِ الْمَفْهُومِ فِي السُّكُوتِ عَنْ الْجَمْعِ لَا فِي الدَّلَالَةِ، وَتَشَابُهَ نِسْبَةِ الْفِعْلِ فِي إمْكَانِ وُقُوعِهِ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ إذْ الصَّلَاةُ الْمُعَيَّنَةُ إذَا تُلُقِّيَتْ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا، وَنَفْلًا، وَأَدَاءً وَقَضَاءً، وَظُهْرًا، وَعَصْرًا، وَالْإِمْكَانُ شَامِلٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى عِلْمِنَا، أَمَّا الْوَاقِعُ فِي نَفْسِهِ، وَفِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاحِدٌ مُتَعَيِّنٌ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ فَهَذِهِ أَنْوَاعُ التَّشَابُهِ، وَالْوَهْمُ سَابِقٌ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَأَنْوَاعُ هَذَا التَّشَابُهِ مُتَشَابِهَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَرُبَّمَا يَسْبِقُ إلَى بَعْضِ الْأَوْهَامِ أَنَّ الْعُمُومَ كَانَ دَلِيلًا لِتَشَابُهِ نِسْبَةِ اللَّفْظِ إلَى الْمُسَمَّيَاتِ، وَالتَّشَابُهُ هَهُنَا مَوْجُودٌ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الْعُمُومِ، وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ تَفْصِيلِ هَذَا التَّشَابُهِ، وَإِنْ تَشَابَهَ نِسْبَةُ الْعُمُومِ إلَى مُسَمَّيَاتِهِ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْجَمْعِ بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ. احْتَجَّ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ اللَّفْظَ مَرَّتَيْنِ، وَأَرَادَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَعْنًى آخَرَ جَازَ، فَأَيُّ بُعْدٍ فِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَيُرِيدُ بِهِ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَعَ صَلَاحِ اللَّفْظِ لِلْكُلِّ؟ بِخِلَافِ مَا إذَا قُصِدَ بِلَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ جَمِيعًا فَإِنَّ لَفْظَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَصْلُحُ لِلْمُشْرِكِينَ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ. فَنَقُولُ: إنْ قَصَدَ بِاللَّفْظِ الدَّلَالَةَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فَهَذَا مُمْكِنٌ لَكِنْ يَكُونُ قَدْ خَالَفَ الْوَضْعَ كَمَا فِي لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ اسْمَ الْعَيْنِ لِلذَّهَبِ، وَالْعُضْوِ الْبَاصِرِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ فَإِنْ قِيلَ اللَّفْظُ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِي شَيْءٍ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ هَلْ يُطْلَقُ لِإِرَادَةِ مَعْنَيَيْهِ جَمِيعًا مِثْلُ النِّكَاحِ لِلْوَطْءِ، وَالْعَقْدِ، وَاللَّمْسِ لِلْمَسِّ وَلِلْوَطْءِ حَتَّى يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] عَلَى وَطْءِ الْأَبِ، وَعَقْدِهِ جَمِيعًا وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] عَلَى الْوَطْءِ، وَالْمَسِّ جَمِيعًا قُلْنَا: هَذَا عِنْدَنَا كَاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ.
وَإِنْ كَانَ التَّعْمِيمُ فِيهِ أَقْرَبَ قَلِيلًا وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: أَحْمِلُ آيَةَ اللَّمْسِ عَلَى الْمَسِّ، وَالْوَطْءِ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ هَذَا أَقْرَبُ لِأَنَّ الْمَسَّ مُقَدِّمَةُ الْوَطْءِ، وَالنِّكَاحُ أَيْضًا يُرَادُ لِلْوَطْءِ فَهُوَ مُقَدِّمَتُهُ وَلِأَجْلِهِ اُسْتُعِيرَ لِلْعَقْدِ اسْمُ النِّكَاحِ الَّذِي
стр. 239
وُضِعَ لِلْوَطْءِ وَاسْتُعِيرَ لِلْوَطْءِ اسْمُ اللَّمْسِ؛ فَلِتَعَلُّقِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ رُبَّمَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقْصَدَا جَمِيعًا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَنَا أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى خِلَافِ عَادَةِ الْعَرَبِ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ مَغْفِرَةٌ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالِاسْمُ مُشْتَرَكٌ وَقَدْ ذُكِرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨] ، وَسُجُودُ النَّاسِ غَيْرُ سُجُودِ الشَّجَرِ، وَالدَّوَابِّ بَلْ هُوَ فِي الشَّجَرِ مَجَازٌ قُلْنَا: هَذَا يُعَضِّدُ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَيُفْتَحُ هَذَا الْبَابُ فِي مَعْنَيَيْنِ يَتَعَلَّقُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَإِنَّ طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَغْفِرَةِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا إنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِإِزَاءِ مَعْنًى وَاحِدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهُوَ الْعِنَايَةُ بِأَمْرِ الشَّيْءِ لِشَرَفِهِ، وَحُرْمَتِهِ، وَالْعِنَايَةُ مِنْ اللَّهِ مَغْفِرَةٌ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، وَدُعَاءٌ، وَمِنْ الْأُمَّةِ دُعَاءٌ وَصَلَوَاتٌ، وَكَذَلِكَ الْعُذْرُ عَنْ السُّجُودِ.
[مَسْأَلَةٌ مَا وَرَدَ مِنْ الْخِطَابِ مُضَافًا إلَى النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْعَبْدُ]
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَأَمْثَالِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلْآدَمِيِّ بِتَمْلِيكِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا خِطَابٌ خَاصٌّ بِهِ، وَهَذَا هَوَسٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مُعْظَمِ التَّكَالِيفِ، وَخُرُوجُهُ عَنْ بَعْضِهَا كَخُرُوجِ الْمَرِيضِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُسَافِرِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ رَفْعَ الْعُمُومِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ
[مَسْأَلَةٌ يَدْخُلُ الْكَافِرُ تَحْتَ خِطَابِ النَّاسِ وَكُلِّ لَفْظٍ عَامٍّ]
لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ خِطَابَهُ بِفُرُوعِ الْعِبَادَاتِ مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ بَعْضِهَا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي أَحْكَامِ التَّكَالِيفِ
[مَسْأَلَةٌ يَدْخُلُ النِّسَاءُ تَحْتَ الْحُكْمِ الْمُضَافِ إلَى النَّاسِ]
ِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَالْمُسْلِمُونَ وَصِيَغُ جَمْعِ الذُّكُورِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ قَوْمٌ: تَدْخُلُ النِّسَاءُ تَحْتَهُ لِأَنَّ الذُّكُورَ، وَالْإِنَاثَ إذَا اجْتَمَعُوا غَلَّبَتْ الْعَرَبُ التَّذْكِيرَ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ فَجَمْعُ الذُّكُورِ مُتَمَيِّزٌ. نَعَمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي الْحُكْمِ، وَأَرَادَ الْإِخْبَارَ تُجَوِّزُ الْعَرَبُ الِاقْتِصَارَ عَلَى لَفْظِ التَّذْكِيرِ، أَمَّا مَا يَنْشَأُ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ، وَيَخُصُّهُ بِلَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِلْحَاقُ الْمُؤْمِنَاتِ إنَّمَا يَكُونُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ كَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَدْخُلُ النَّبِيُّ تَحْتَ الْخِطَابِ الْخَاصِّ بِالْأُمَّةِ]
مَسْأَلَةٌ كَمَا لَا تَدْخُلُ الْأُمَّةُ تَحْتَ خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ
فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] لَا يَدْخُلُ النَّبِيُّ تَحْتَ الْخِطَابِ الْخَاصِّ بِالْأُمَّةِ. أَمَّا الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، وَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] فَيَدْخُلُ النَّبِيُّ تَحْتَهُ لِعُمُومِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
وَقَالَ. قَوْمٌ: لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خُصَّ بِالْخِطَابِ فِي أَحْكَامٍ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْخِطَابُ الَّذِي يَخُصَّهُ، وَهُوَ فَاسِدٌ
стр. 240
لِأَنَّهُ قَدْ خَصَّ الْمُسَافِرَ، وَالْعَبْدَ، وَالْحَائِضَ، وَالْمَرِيضَ بِأَحْكَامٍ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، دُخُولَهُمْ تَحْتَ الْعُمُومِ حَيْثُ يَعُمُّ الْخِطَابُ كَذَلِكَ هَهُنَا.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخَاطَبَةُ شِفَاهًا لَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهَا]
بِالْإِضَافَةِ إلَى جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ، فَإِذَا قَالَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْحَاضِرَاتِ: " طَلَّقْتُكُنَّ " وَلِجَمِيعِ عَبِيدِهِ " أَعْتَقْتُكُمْ " فَإِنَّمَا يَكُونُ مُخَاطِبًا مِنْ جُمْلَتِهِمْ مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَقَصَدَ خِطَابَهُ، وَذَلِكَ يُعْرَفُ بِصُورَتِهِ، وَشَمَائِلِهِ، وَالْتِفَاتِهِ، وَنَظَرِهِ، فَقَدْ يَحْضُرُهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْغِلْمَانِ مِنْ الْبَالِغِينَ، وَالصِّبْيَانِ فَيَقُولُ " ارْكَبُوا مَعِي " وَيُرِيدُ بِهِ أَهْلَ الرُّكُوبِ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ، فَلَا يَتَنَاوَلُ خِطَابُهُ إلَّا مَنْ قَصَدَهُ، وَلَا يُعْرَفُ قَصْدُهُ إلَّا بِلَفْظِهِ أَوْ شَمَائِلِهِ الظَّاهِرَةِ فَلَا يُمْكِنُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهَا، فَنَقُولُ عَلَى هَذَا كُلُّ حُكْمٍ يَدُلُّ بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، وَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] فَهُوَ خِطَابٌ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِثْبَاتُهُ فِي حَقِّ مَنْ يُحَدِّثَ بَعْدَهُ بِدَلِيلٍ زَائِدٍ دَالٍّ عَلَى أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي زَمَانِهِ فَهُوَ دَائِمٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يَقْتَضِ مُجَرَّدَ اللَّفْظِ ذَلِكَ، وَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ أَفَادَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَائِدَةَ الْعُمُومِ لِاقْتِرَانِ الدَّلِيلِ الْآخَرِ بِهَا لَا بِمُجَرَّدِ الْخِطَابِ فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْخِطَابُ خَاصًّا مَعَ شَخْصٍ مُشَافَهَةً أَوْ مَعَ جَمْعٍ فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] وَقَوْلِهِ: ﵇: «بُعِثْتُ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى الْأَحْمَرِ، وَالْأَسْوَدِ» وَقَوْلِهِ: «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» .
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] ، وَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] ، وَأَمْثَالِهِ؟ قُلْنَا: لَا، بَلْ عَرَفَ الصَّحَابَةُ عُمُومَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي عَصْرِهِ لِلْأَعْصَارِ وَكُلُّهَا بِقَرَائِنَ كَثِيرَةٍ، وَعَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ ضَرُورَةً، وَمُجَرَّدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَيْسَتْ قَاطِعَةً فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مَبْعُوثًا إلَى الْكَافَّةِ فَلَا يَلْزَمُ تَسَاوِيهِمْ فِي الْأَحْكَامِ، فَهُوَ مَبْعُوثٌ إلَى الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالْحَائِضِ، وَالطَّاهِرِ، وَالْمَرِيضِ، وَالصَّحِيحِ لِيُعَرِّفَهُمْ أَحْكَامَهُمْ الْمُخْتَلِفَةَ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] أَيْ: يُنْذِرَ كُلَّ قَوْمٍ بَلْ كُلَّ شَخْصٍ بِحُكْمِهِ فَيَكُونُ شَرْعُهُ عَامًّا وَقَوْلُهُ: حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا عَصْرَهُ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَوْجُودِينَ فَلَا يَتَنَاوَلُ مَنْ بَعْدَهُ. فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ التَّخْصِيصَ خَصَّصَ وَقَالَ «تُجْزِئُ عَنْك، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» ، وَحَلَّلَ الْحَرِيرَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ خَاصَّةً؟ قُلْنَا: لَا، لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ حَيْثُ قَدَّمَ عُمُومًا أَوْ حَيْثُ تَوَهَّمَ أَنَّهُمْ يُلْحِقُونَ غَيْرَهُ بِهِ لِلتَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ مَعَهُ خِطَابٌ مَعَ الْأُمَّةِ لِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ الصِّيَغِ مَا يُظَنُّ عُمُومًا وَهِيَ إلَى الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ]
مِثْلُ مَنْ يَتَمَسَّكُ فِي إيجَابِ الْوِتْرِ بِقَوْلِهِ ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] مَصِيرًا إلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَالْخَيْرُ اسْمٌ عَامٌّ، وَإِخْرَاجُ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهِ لَا يَمْنَعُ التَّمَسُّكَ بِهِ وَكَمَنْ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَنْعِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ مَنْعَ السَّلْطَنَةِ إلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مِنْ الدِّيَةِ، وَالضَّمَانِ، وَالشَّرِكَةِ، وَطَلَبِ الثَّمَنِ، وَغَيْرِهِ أَوْ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]
стр. 241
وَأَنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ تَسْوِيَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَلٌ، وَلَفْظُ " الْخَيْرِ "، وَلَفْظُ " السَّبِيلِ " وَلَفْظُ " الِاسْتِوَاءِ " إلَى الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ.
وَيَنْضَمُّ إلَيْهِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ لَيْسَ دَاخِلًا تَحْتَ الْحَصْرِ، وَلَيْسَ مَضْبُوطًا بِضَابِطٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِضَوَابِطَ مَحْصُورَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرْ الْمُسْتَثْنَى كَانَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا، وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَا يُتَمَسَّكُ بِعُمُومِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْعُشْرِ، وَنِصْفِ الْعُشْرِ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ صِيغَةَ مَا صِيغَتُهُ شَرْطٌ وُضِعَ لِلْعُمُومِ بِخِلَافِ لَفْظِ السَّبِيلِ، وَالْخَيْرِ وَالِاسْتِوَاءِ. نَعَمْ تَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فِي أَنَّهُ عَامٌّ أَوْ مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَلِفَ، وَاللَّامَ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ، وَمَعْنَاهُ: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ الَّذِي عَرَّفَ الشَّرْعُ بِشَرْطِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُخَاطَبُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْخِطَابِ الْعَامِّ]
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ خِطَابِهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وَلَا يَدْخُلُ هُوَ تَحْتَهُ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِ الْقَائِلِ لِغُلَامِهِ: مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُعْطِيَ السَّيِّدَ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ، وَالْقَرِينَةَ هِيَ الَّتِي أَخْرَجَتْ الْمُخَاطَبَ مِمَّا ذَكَرُوهُ، وَيُعَارِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] ، وَهُوَ عَالِمٌ بِذَاتِهِ، وَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، وَمُجَرَّدُ كَوْنِهِ مُخَاطَبًا لَيْسَ قَرِينَةً قَاضِيَةً بِالْخُرُوجِ عَنْ الْعُمُومِ فِي كُلِّ خِطَابٍ بَلْ الْقَرَائِنُ فِيهِ تَتَعَارَضُ، وَالْأَصْلُ اتِّبَاعُ الْعُمُومِ فِي اللَّفْظِ.
[مَسْأَلَةٌ إفَادَة اسْم الْفَرْدِ الْعُمُومِ]
مَسْأَلَةٌ اسْمُ الْفَرْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ يُفِيدُ فَائِدَةَ الْعُمُومِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ
أَحَدُهَا: كَقَوْلِهِ: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ» ، وَالثَّانِي: النَّفْيُ فِي النَّكِرَةِ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي النَّفْيِ تَعُمُّ، كَقَوْلِك: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا لِأَنَّ النَّفْيَ لَا خُصُوصَ لَهُ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ فَإِذَا أُضِيفَ إلَى مُنَكَّرٍ لَمْ يُتَخَصَّصْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: رَأَيْتُ رَجُلًا فَإِنَّهُ إثْبَاتٌ، وَالْإِثْبَاتُ يَتَخَصَّصُ فِي الْوُجُودِ، فَإِذَا أُخْبِرَ عَنْهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ عُمُومُهُ، وَإِذَا أُضِيفَ إلَى مُفْرَدٍ اخْتَصَّ بِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ أَمْرٌ أَوْ مَصْدَرٌ، وَالْفِعْلُ بَعْدُ غَيْرُ وَاقِعٍ بَلْ مُنْتَظَرٌ كَقَوْلِهِ: " أَعْتِقْ رَقَبَةً " وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَإِنَّهُ مَا مِنْ رَقَبَةٍ إلَّا، وَهُوَ مُمْتَثِلٌ بِإِعْتَاقِهَا وَالِاسْمُ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُلِّ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَعْتَقْت رَقَبَةً فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ قَدْ تَمَّ وُجُودُهُ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ إلَّا فِعْلٌ خَاصٌّ
[مَسْأَلَةٌ صَرْفُ الْعُمُومِ إلَى غَيْرِ الِاسْتِغْرَاقِ]
جَائِزٌ، وَهُوَ مُعْتَادٌ، أَمَّا رَدُّهُ إلَى مَا دُونَ أَقَلِّ الْجَمْعِ فَغَيْرُ جَائِزٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَقَلِّ الْجَمْعِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إنَّهُ اثْنَانِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ثَلَاثَةٌ حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ حِينَ رَدَّ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِأَخَوَيْنِ: لَيْسَ الْأَخَوَانِ إخْوَةً فِي لُغَةِ قَوْمِك، فَقَالَ: حَجَبَهَا قَوْمُك يَا غُلَامُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا اقْتَدَى بِالْإِمَامِ ثَلَاثَةٌ اصْطَفُّوا خَلْفَهُ، وَإِذَا اقْتَدَى اثْنَانِ وَقَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ جَانِبٍ.، وَهَذَا يُشْعِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ بِأَنَّهُ يَرَى أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةً، وَلَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ هَذَا الْخِلَافِ مَنْعُ جَمْعِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظٍ يَعُمُّهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَمُعْتَادٌ، لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ لَفْظَ النَّاسِ، وَالرِّجَالِ، وَالْفُقَرَاءِ، وَأَمْثَالِهِ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَمَا زَادَ حَقِيقَةً،
стр. 242
وَهَلْ يُطْلَقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ حَقِيقَةً أَمْ لَا؟ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وَاسْتَدَلَّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى جَوَازِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَى اثْنَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ " فَعَلْتُمْ، وَفَعَلْنَا، وَتَفْعَلُونَ " وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى، وَهَارُونَ ﴿إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] وَقَالَ ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] ، وَهُمَا يُوسُفُ، وَأَخُوهُ وَقَالَ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، وَلَهُمَا قَلْبَانِ وَقَالَ ﴿وَدَاوُد وَسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ، وَهُمَا اثْنَانِ وَقَالَ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ، وَهُمَا طَائِفَتَانِ وَقَالَ ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١] ، وَهُمَا مَلَكَانِ.
فَإِنْ قِيلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا جَوَابٌ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] يَعْنِي: هَارُونَ، وَمُوسَى، وَفِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَقَوْلُهُ: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لِضَرُورَةِ اسْتِثْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْقُلُوبَ عَلَى وَزْنِ الْوَاحِدِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ وَقَوْلُهُ: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: ٨٣] أَرَادَ بِهِ يُوسُفَ، وَأَخَاهُ، وَالْأَخَ الْأَكْبَرَ الَّذِي تَخَلَّفَ عَنْ الْإِخْوَةِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] أَيْ: حُكْمُهُمَا مَعَ الْجَمْعِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] كُلُّ طَائِفَةٍ جَمْعٌ قُلْنَا: هَذِهِ تَعَسُّفَاتٌ، وَتَكَلُّفَاتٌ، إنَّمَا يُحْوِجُ إلَيْهَا ضَرُورَةُ نَقْلٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي اسْتِحَالَةِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَقْلٌ صَرِيحٌ فَيُحْمَلُ خِلَافُهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَمَا وَرَدَ فَإِنْ قِيلَ: هَهُنَا أَدِلَّةٌ أَرْبَعَةٌ.
الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاثْنَيْنِ لَوْ كَانَا جَمْعًا لَكَانَ قَوْلُنَا فَعَلَا اسْمُ جَمْعٍ فَلْيَجُزْ إطْلَاقُهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا كَقَوْلِهِ " فَعَلُوا " فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمُ جَمْعٍ جَازَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَمَا فَوْقَهَا.
قُلْنَا: " فَعَلُوا " اسْمُ جَمْعٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ سَائِرِ أَعْدَادِ الْجَمْعِ، وَ " فَعَلَا " اسْمُ جَمْعٍ خَاصٍّ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَا يَسْتَدْعِي إلَّا الِانْضِمَامَ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي الِاثْنَيْنِ، وَهُوَ كَالْعَشَرَةِ فَإِنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لَكِنْ جَمْعٍ خَاصٍّ فَلَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ، وَكَيْفَ يُنْكَرُ كَوْنُ الِاثْنَيْنِ جَمْعًا، وَيَقُولُ الرَّجُلَانِ: نَحْنُ فَعَلْنَا؟ فَإِنْ قِيلَ قَدْ يَقُولُ الْوَاحِدُ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] قُلْنَا: ذَلِكَ مَجَازٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَجَازٍ
الثَّانِي: قَوْلُهُمْ أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: تَوْحِيدٌ، وَتَثْنِيَةٌ وَجَمْعٌ، وَهُوَ رَجُلٌ، وَرَجُلَانِ، وَرِجَالٌ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُتَبَايِنَةً.
قُلْنَا: مَا قَالُوا الرَّجُلَانِ لَيْسَ اسْمُ جَمْعٍ لَكِنْ وَضَعُوا لِبَعْضِ أَعْدَادِ الْجَمْعِ اسْمًا خَاصًّا كَالْعَشَرَةِ وَجَعَلُوا اسْمَ الرِّجَالِ مُشْتَرَكًا.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: فَرْقٌ فِي اللِّسَانِ بَيْنَ الرِّجَالِ، وَالرَّجُلَيْنِ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ رَفْعٌ لِلْفَرْقِ. قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ اسْمُ جَمْعٍ خَاصٍّ، وَهُوَ لِلِاثْنَيْنِ، وَالرِّجَالَ اسْمُ جَمْعٍ مُشْتَرَكٍ لِكُلِّ جَمْعٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ فَمَا زَادَ.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: لَوْ صَحَّ هَذَا لَجَازَ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْت اثْنَيْنِ رِجَالٍ كَمَا يُقَالُ رَأَيْتُ ثَلَاثَةَ رِجَالٍ قُلْنَا: هَذَا مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَعَدِّي عُرْفِهِمْ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَمَنْ يَرُدَّ لَفْظَ الْجَمْعِ إلَى الِاثْنَيْنِ رُبَّمَا يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ أَظْهَرَ مِمَّنْ يَرُدُّهُ إلَى الثَّلَاثَةِ، وَإِذَا رَدَّهُ إلَى الْوَاحِدِ فَقَدْ غَيَّرَ اللَّفْظُ النَّصَّ بِقَرِينَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَتَخْرُجِينَ، وَتُكَلِّمِينَ الرِّجَالَ، وَرُبَّمَا يُرِيدُ رَجُلًا وَاحِدًا. قُلْنَا: ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْجَمْعِ بَدَلًا
стр. 243
عَنْ لَفْظِ الْوَاحِدِ لِتَعَلُّقِ غَرَضِ الزَّوْجِ لِجِنْسِ الرِّجَالِ لَا أَنَّهُ عَنَى بِلَفْظِ الرِّجَالِ رَجُلًا وَاحِدًا، أَمَّا إذَا أَرَادَ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَقَدْ تَرَكَ اللَّفْظَ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي يُخَصُّ بِهَا الْعُمُومُ]
ُ. لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِالدَّلِيلِ إمَّا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَكَيْفَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ، وَ ﴿يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ، وَ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ، وَ ﴿وأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وَقَوْلِهِ: ﴿فاُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، وَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ، وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] ، وَ ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] «وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» فَإِنَّ جَمِيعَ عُمُومَاتِ الشَّرْعِ مُخَصَّصَةٌ بِشُرُوطٍ فِي الْأَصْلِ، وَالْمَحَلِّ، وَالسَّبَبِ وَقَلَّمَا يُوجَدُ عَامٌّ لَا يُخَصَّصُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْعُمُومِ.
، وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي يُخَصُّ بِهَا الْعُمُومُ أَنْوَاعٌ عَشَرَةٌ: الْأَوَّلُ دَلِيلُ الْحِسِّ، وَبِهِ خُصِّصَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَإِنَّ مَا كَانَ فِي يَدِ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا، وَهُوَ شَيْءٌ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] خَرَجَ مِنْهُ السَّمَاءُ، وَالْأَرْضُ، وَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ بِالْحِسِّ.
الثَّانِي: دَلِيلُ الْعَقْلِ، وَبِهِ خُصِّصَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] إذْ خَرَجَ عَنْهُ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ إذْ الْقَدِيمُ يَسْتَحِيلُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] خَرَجَ مِنْهُ الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفِ مَنْ لَا يَفْهَمُ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ الْعَقْلُ مُخَصِّصًا، وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى أَدِلَّةِ السَّمْعِ، وَالْمُخَصِّصُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا، وَلِأَنَّ التَّخْصِيصَ إخْرَاجُ مَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَخِلَافُ الْمَعْقُولِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ؟ قُلْنَا: قَالَ قَائِلُونَ: لَا يُسَمَّى دَلِيلُ الْعَقْلِ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْحَالِ، وَهُوَ نِزَاعٌ فِي عِبَارَةٍ فَإِنَّ تَسْمِيَةَ الْأَدِلَّةِ مُخَصِّصَةً تَجَوُّزٌ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مُحَالٌ لَكِنَّ الدَّلِيلَ يُعَرِّفُ إرَادَةَ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْعُمُومِ مَعْنًى خَاصًّا، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ يَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] نَفْسَهُ، وَذَاتَهُ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ دَلِيلُ الْعَقْلِ فَهُوَ مَوْجُودٌ أَيْضًا عِنْدَ نُزُولِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى مُخَصِّصًا بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ لَا قَبْلَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: لَا يَجُوزُ دُخُولُهُ تَحْتَ اللَّفْظِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ اللِّسَانِ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَائِلُهُ كَاذِبًا، وَلَمَّا وَجَبَ الصِّدْقُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ مَعَ شُمُولِ اللَّفْظِ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ.
الثَّالِثُ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ، وَيُخَصَّصُ بِهِ الْعَامُّ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ، وَالْعَامُّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ، وَلَا تَقْضِي الْأُمَّةُ فِي بَعْضِ مُسَمَّيَاتِ الْعُمُومِ بِخِلَافِ مُوجَبِ
стр. 244
الْعُمُومِ إلَّا عَنْ قَاطِعٍ بَلَغَهُمْ فِي نَسْخِ اللَّفْظِ الَّذِي كَانَ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ أَوْ فِي عَدَمِ دُخُولِهِ تَحْتَ الْإِرَادَةِ عِنْدَ ذِكْرِ الْعُمُومِ، وَالْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ الْخَاصِّ لِأَنَّ النَّصَّ الْخَاصَّ مُحْتَمَلٌ نَسْخُهُ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ.
الرَّابِعُ: النَّصُّ الْخَاصُّ يُخَصِّصُ اللَّفْظَ الْعَامَّ فَقَوْلُهُ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ يَعُمُّ مَا دُونَ النِّصَابِ وَقَدْ خَصَّصَهُ قَوْلُهُ: ﵇:» لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] يَعُمُّ كُلَّ مَالٍ، وَخَرَجَ مَا دُونَ النِّصَابِ بِقَوْلِهِ: «لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا.» وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يَعُمُّ الْكَافِرَةَ، فَلَوْ وَرَدَ مَرَّةً أُخْرَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فِي الظِّهَارِ بِعَيْنِهِ لَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ الْعَامَّةِ هِيَ الْمُؤْمِنَةُ عَلَى الْخُصُوصِ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الْخَاصَّ، وَالْعَامَّ يَتَعَارَضَانِ، وَيَتَدَافَعَانِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ سَابِقًا وَقَدْ وَرَدَ الْعَامُّ بَعْدَهُ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ فَنُسِخَ الْخَاصُّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ سَابِقًا وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ ثُمَّ نُسِخَ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ بَعْدَهُ، فَعُمُومُ الرَّقَبَةِ مَثَلًا يَقْتَضِي إجْزَاءَ الْكَافِرَةِ مَهْمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤْمِنَةِ يَقْتَضِي مَنْعَ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ، وَإِذَا أَمْكَنَ النَّسْخُ، وَالْبَيَانُ جَمِيعًا فَلَمْ يَتَحَكَّمْ بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَيَانِ دُونَ النَّسْخِ، وَلَمْ يَقْطَعْ بِالْحُكْمِ عَلَى الْعَامِّ بِالْخَاصِّ، وَلَعَلَّ الْعَامَّ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ، وَيُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا تَقْدِيمُ الْخَاصِّ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مُمْكِنًا، وَلَكِنَّ تَقْدِيرَ النَّسْخِ مُحْتَاجٌ إلَى الْحُكْمِ بِدُخُولِ الْكَافِرَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ ثُمَّ خُرُوجِهِ عَنْهُ فَهُوَ إثْبَاتُ وَضْعٍ، وَرَفْعٍ بِالتَّوَهُّمِ، وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ غَالِبٌ مُعْتَادٌ بَلْ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَالنَّسْخُ كَالنَّادِرِ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ بِالتَّوَهُّمِ، وَيَكَادُ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سِيَرِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ كَثِيرٌ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ إلَى الْحُكْمِ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَمَا اشْتَغَلُوا بِطَلَبِ التَّارِيخِ، وَالتَّقَدُّمِ، وَالتَّأَخُّرِ.
الْخَامِسُ: الْمَفْهُومُ بِالْفَحْوَى، كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْأَبِ حَيْثُ فُهِمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّأْفِيفِ، فَهُوَ قَاطِعٌ كَالنَّصِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إلَى لَفْظٍ، وَلَسْنَا نُرِيدُ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ بَلْ لِدَلَالَتِهِ، فَكُلُّ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ قَاطِعٍ فَهُوَ كَالنَّصِّ، وَالْمَفْهُومُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَيْضًا كَالْمَنْطُوقِ حَتَّى إذَا وَرَدَ عَامٌّ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ ثُمَّ قَالَ الشَّارِعُ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» أُخْرِجَتْ الْمَعْلُوفَةُ مِنْ مَفْهُومِ هَذَا اللَّفْظِ عَنْ عُمُومِ اسْمِ الْغَنَمِ، وَالنَّعَمِ.
السَّادِسُ: فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ دَلِيل عَلَى مَا سَيَأْتِي بِشَرْطِهِ عِنْدَ ذِكْرِ دَلَالَةِ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا إذَا عُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ الْأَحْكَامِ، كَقَوْلِهِ ﵇ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْبَيَانَ فَإِذَا نَاقَضَ فِعْلُهُ لِحُكْمِهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فَلَا يُرْفَعُ أَصْلُ الْحُكْمِ بِفِعْلِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ لَكِنْ قَدْ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَنَذْكُرُ لَهُ ثَلَاثَةَ أَمْثِلَةٍ.
الْمِثَالُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ ثُمَّ وَاصَلَ فَقِيلَ لَهُ: نَهَيْتَ عَنْ الْوِصَالِ، وَنَرَاكَ تُوَاصِلُ فَقَالَ «إنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي، وَيَسْقِينِي» فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ يُرِيدُ بِفِعْلِهِ بَيَانَ الْحُكْمِ ثُمَّ تَحْرِيم الْوِصَال إنْ كَانَ بِقَوْلِهِ لَا تُوَاصِلُوا أَوْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْوِصَالِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الرَّسُولُ ﵇ لِأَنَّهُ مُخَاطِبٌ غَيْرَهُ.
стр. 245
وَالْمُخَاطِبُ إنَّمَا يَدْخُلُ تَحْتَ خِطَابِ نَفْسِهِ إذَا أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِلَفْظٍ عَامٍّ كَقَوْلِهِ " حُرِّمَ الْوِصَالُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَوْ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ أَوْ كُلِّ مُؤْمِنٍ " أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ عَامٍّ فَيَكُونُ فِعْلُهُ تَخْصِيصًا.
الْمِثَالُ الثَّانِي: أَنَّهُ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ ثُمَّ رَآهُ ابْنُ عُمَرَ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ عَلَى سَطْحٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِأَنَّهُ كَانَ وَرَاءَ سُتْرَةٍ، وَالنَّهْيُ كَانَ مُطْلَقًا، وَأُرِيدَ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ سَاتِر، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَثْنًى، وَمَخْصُوصًا فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ الْعُمُومِ إنْ كَانَ اللَّفْظُ الْمُحَرِّمُ عَامًّا لَهُ، وَلَا يَصْلُحُ هَذَا لَأَنْ يُنْسَخَ بِهِ تَحْرِيمُ الِاسْتِقْبَالِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ، وَخُفْيَةٍ فَلَا يَصْلُحُ لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَيَانُ، فَإِنَّ مَا أُرِيدَ بِهِ الْبَيَانُ يَلْزَمُهُ إظْهَارُهُ عِنْدَ أَهْلِ التَّوَاتُرِ إنْ تُعُبِّدَ فِيهِ الْخَلْقُ بِالْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يُتَعَبَّدُوا إلَّا بِالظَّنِّ، وَالْعَمَلِ فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِهِ لِعَدْلٍ أَوْ لِعَدْلَيْنِ.
الْمِثَالُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ ثُمَّ كَشَفَ فَخْذَهُ بِحَضْرَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ ﵃ فَسَتَرَهُ فَعَجِبُوا مِنْهُ فَقَالَ: «أَلَا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ» فَهَذَا لَا يَرْفَعُ النَّهْيَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِيهِ أَوْ لَعَلَّهُ كَشَفَهُ لِعَارِضٍ، وَعُذْرٍ، فَإِنَّهُ حِكَايَةُ حَالٍ، أَوْ أُرِيدَ بِالْفَخْذِ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ، وَلَيْسَ دَاخِلًا فِي حَدِّهِ أَوْ إبَاحَتُهُ خَاصَّةً لَهُ أَوْ نُسِخَ تَحْرِيمُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فَلَا يَرْتَفِعُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِالْوَهْمِ.
السَّابِعُ: تَقْرِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدًا مِنْ أُمَّتِهِ عَلَى خِلَافِ مُوجَبِ الْعُمُومِ، وَسُكُوتُهُ ﵇ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ نَسْخَ أَصْلِ الْحُكْمِ أَوْ تَخْصِيصَ ذَلِكَ الشَّخْصِ بِالنَّسْخِ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً لَهُ أَوْ تَخْصِيصَ وَصْفٍ، وَحَالٍ، وَوَقْتٍ ذَلِكَ الشَّخْصُ مَلَابِسُ لَهُ فَيُشَارِكُهُ فِي الْخُصُوصِ مَنْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ تَعَيَّنَ تَقْرِيرُهُ لِكَوْنِهِ نَسْخًا إمَّا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِمَّا فِي حَقِّهِ خَاصَّةً، وَالْمُسْتَيْقَنُ حَقُّهُ خَاصَّةً، لَكِنْ لَوْ كَانَ مِنْ خَاصِّيَّتِهِ لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ أَنْ يُبَيِّنَ اخْتِصَاصَهُ بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ أُمَّتَهُ أَنَّ حُكْمَهُ فِي الْوَاحِدِ كَحُكْمِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَيَدُلُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى النَّسْخِ الْمُطْلَقِ.
وَلَمَّا أَقَرَّ أَصْحَابُهُ عَلَى تَرْكِ زَكَاةِ الْخَيْلِ مَعَ كَثْرَتِهَا فِي أَيْدِيهِمْ دَلَّ عَلَى سُقُوطِ زَكَاةِ الْخَيْلِ، إذْ تَرْكُ الْفَرْضِ مُنْكَرٌ يَجِبُ إنْكَارُهُ. فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلَّهُمْ أَخْرَجُوا، وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي خَيْلِهِمْ سَائِمَةٌ قُلْنَا: الْعَادَةُ تُحِيلُ انْدِرَاسَ إخْرَاجِهِمْ الزَّكَاةَ طُولَ أَعْمَارِهِمْ، وَالسَّوْمُ قَرِيبٌ مِنْ الْإِمْكَانِ، وَيَجِبُ شَرْحُ مَا يَقْرُبُ وُقُوعُهُ؛ فَلَوْ وَجَبَ لَذَكَرَهُ. فَهَذِهِ سَبْعُ مُخَصِّصَاتٍ، وَوَرَاءَهَا ثَلَاثَةٌ تُظَنُّ مُخَصِّصَاتٍ، وَلَيْسَتْ مِنْهَا فَنَنْظُمُهَا فِي سِلْكِ الْمُخَصِّصَاتِ.
الثَّامِنُ: عَادَةُ الْمُخَاطَبِينَ. فَإِذَا قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أُمَّتِهِ: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ مَثَلًا وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ تَنَاوُلَهُمْ جِنْسًا مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يُقْتَصَرُ بِالنَّهْيِ عَلَى مُعْتَادِهِمْ بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ لَحْمُ السَّمَكِ، وَالطَّيْرِ، وَمَا لَا يُعْتَادُ فِي أَرْضِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي لَفْظِهِ، وَهُوَ عَامٌّ، وَأَلْفَاظُهُ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ شُرْبُ الْبَوْلِ، وَأَكْلُ التُّرَابِ، وَابْتِلَاعُ الْحَصَاةِ وَالنَّوَاةِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ خَاصَّةً لِعُرْفِ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي تَخْصِيصِ اللَّفْظِ، وَأَكْلُ النَّوَاةِ، وَالْحَصَاةِ يُسَمَّى أَكْلًا فِي الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْتَادُ فِعْلُهُ، فَفَرْقٌ
стр. 246
بَيْنَ أَنْ لَا يُعْتَادَ الْفِعْلُ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْتَادَ إطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَى الشَّيْءِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَعَادَةُ النَّاسِ تُؤَثِّرُ فِي تَعْرِيفِ مُرَادِهِمْ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ، حَتَّى إنَّ الْجَالِسَ عَلَى الْمَائِدَةِ يَطْلَبُ الْمَاءَ يُفْهَمُ مِنْهُ الْعَذْبُ الْبَارِدُ لَكِنْ لَا تُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ خِطَابِ الشَّارِعِ إيَّاهُمْ.
التَّاسِعُ: مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ بِخِلَافِ الْعُمُومِ فَيُجْعَلُ مُخَصِّصًا عِنْدَ مَنْ يَرَى قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَقَدْ أَفْسَدْنَاهُ وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الرَّاوِي يَرْفَعُ الْعُمُومَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ مَذْهَبَ الرَّاوِي إذَا خَالَفَ رِوَايَتَهُ يُقَدَّمُ مَذْهَبُهُ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا أَفْسَدْنَاهُ، بَلْ الْحُجَّةُ فِي الْحَدِيثِ، وَمُخَالَفَتُهُ، وَتَأْوِيلُهُ، وَتَخْصِيصُهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَنَظَرٍ لَا نَرْتَضِيهِ فَلَا نَتْرُكَ الْحُجَّةَ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، بَلْ لَوْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا، وَأَخَذَ الرَّاوِي بِأَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ فَلَا تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ مَا لَمْ يَقُلْ: إنِّي عَرَفْتُهُ مِنْ التَّوْقِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَوَاهُ رَاوِيَانِ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِاحْتِمَالٍ آخَرَ فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتْبَعَهُمَا أَصْلًا.
الْعَاشِرُ: خُرُوجُ الْعَامِّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى تَخَصُّصِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُرْضٍ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَاخْتِتَامُ هَذَا الْكِتَابِ بِذِكْرِ مَسْأَلَتَيْنِ فِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِالْقِيَاسِ.
[مَسْأَلَةٌ خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْقُرْآنِ]
اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ لِتَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: فَقَالَ بِتَقْدِيمِ الْعُمُومِ قَوْمٌ، وَبِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ قَوْمٌ، وَبِتَقَابُلِهِمَا، وَالتَّوَقُّفُ إلَى ظُهُورِ دَلِيلٍ آخَرَ قَوْمٌ وَقَالَ قَوْمٌ: إنْ كَانَ الْعُمُومُ مِمَّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ فَقَدْ ضَعُفَ وَصَارَ مَجَازًا فَالْخَبَرُ أَوْلَى مِنْهُ، وَإِلَّا فَالْعُمُومُ أَوْلَى، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَرْجِيحِ الْعُمُومِ بِمَسْلَكَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ عُمُومَ الْكِتَابِ مَقْطُوعٌ بِهِ، وَخَبَرَ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ؟ الِاعْتِرَاضُ مِنْ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ دُخُولَ أَصْلِ مَحَلِّ الْخُصُوصِ فِي الْعُمُومِ وَكَوْنَهُ مُرَادًا بِهِ مَظْنُونٌ ظَنًّا ضَعِيفًا يَسْتَنِدُ إلَى صِيغَةِ الْعُمُومِ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْوَاقِفِيَّةُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَكَيْفَ يَنْفَعُ كَوْنُ أَصْلِ الْكِتَابِ مَقْطُوعًا بِهِ فِيمَا لَا يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُرَادًا بِلَفْظِهِ؟
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَلَزِمَ تَكْذِيبُ الرَّاوِي قَطْعًا، وَلَا شَكَّ فِي إمْكَانِ صِدْقِهِ.
فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ نَقَلَ النَّسْخَ فَصِدْقُهُ أَيْضًا مُمْكِنٌ، وَلَا يُقْبَلُ. قُلْنَا: لَا جَرَمَ لَا يُعَلَّلُ رَدُّهُ بِكَوْنِ الْآيَةِ مَقْطُوعًا بِهَا لِأَنَّ دَوَامَ حُكْمِهَا إنَّمَا يُقْطَعُ بِهِ بِشَرْطِ أَلَّا يَرِدَ نَاسِخٌ فَلَا يَبْقَى الْقَطْعُ مَعَ وُرُودِهِ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ مَنَعَ مِنْ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّخْصِيصِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ مَقْطُوعٌ بِهَا ثُمَّ تُرْفَعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ، وَمَاءُ الْبَحْرِ مَقْطُوعٌ بِطَهَارَتِهِ إذَا جُعِلَ فِي كُوزٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ سَمْعٌ بِأَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْعُمُومُ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَرِدَ خَاصٌّ.
الرَّابِعُ: أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا الِاحْتِمَالُ فِي صِدْقِ الرَّاوِي، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْنَا فِي اعْتِقَادِ صِدْقِهِ؛ فَإِنَّ سَفْكَ الدَّمِ، وَتَحْلِيلَ الْبُضْعِ وَاجِبٌ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ قَطْعًا مَعَ أَنَّا لَا نَقْطَعُ بِصِدْقِهِمَا، فَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَكَوْنُ الْعُمُومِ مُسْتَغْرِقًا غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرٍ لَا يُقَابِلُ عُمُومَ الْقُرْآنِ. قُلْنَا: يُقَابِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومٍ لَا يُخَصِّصُهُ حَدِيثٌ نَصَّ بِنَقْلِهِ عَدْلٌ، وَلَا فَصْلَ بَيْن الْكَلَامَيْنِ
стр. 247
الْمَسْلَكُ الثَّانِي: قَوْلُهُمْ: إنَّ الْحَدِيثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَسْخًا أَوْ بَيَانًا، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بَيَانًا فَمُحَالٌ إذْ الْبَيَانُ مَا يَقْتَرِنُ بِالْمُبَيَّنِ، وَمَا يُعَرِّفُهُ الشَّارِعُ أَهْلَ التَّوَاتُرِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ بِهِ.
قُلْنَا: هُوَ بَيَانٌ، وَلَا يَجِبُ اقْتِرَانُ الْبَيَانِ بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عِنْدَنَا، وَمَا يُدْرِيهِمْ أَنَّهُ وَقَعَ مُتَرَاخِيًا فَلَعَلَّهُ كَانَ مُقْتَرِنًا، وَالرَّاوِي لَمْ يَرْوِ اقْتِرَانَهُ؟ كَيْفَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ وُرُودِ آيَةِ السَّرِقَةِ لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ مِنْ الْحِرْزِ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يُلْقِيَهُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَتَحَكُّمٌ، بَلْ إذَا لَمْ يُكَلِّفْهُمْ الْعَلْمَ بَلْ الْعَمَلَ جَازَ تَكْلِيفُهُمْ بِقَوْلِ عَدْلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ مَا يُدْرِيهِمْ فَلَعَلَّهُ أَلْقَاهُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ فَمَاتُوا قَبْلَ النَّقْلِ أَوْ نَسُوا أَوْ هُمْ فِي الْأَحْيَاءِ لَكِنَّا مَا لَقِينَا مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا. حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ أَنَّ الصَّحَابَةَ ذَهَبَتْ إلَيْهِ إذْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَخَالَتِهَا، فَخَصَّصُوا بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وَخَصَّصُوا عُمُومَ آيَةِ الْمَوَارِيثِ بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ، وَالْعَبْدُ، وَلَا أَهْلُ مِلَّتَيْنِ، وَرَفَعُوا عُمُومَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَرَفَعُوا عُمُومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] بِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى: «حَتَّى تَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا» إلَى نَظَائِرَ لِذَلِكَ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى. الِاعْتِرَاضُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَاطِعًا بِأَنَّهُمْ رَفَعُوا الْعُمُومَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الرَّاوِي، بَلْ رُبَّمَا قَامَتْ الْحُجَّةُ عِنْدَهُمْ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ بِأُمُورٍ وَقَرَائِنَ، وَأَدِلَّةٍ سِوَى مُجَرَّدِ قَوْلِهِ، كَمَا نُقِلَ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ تَحَوَّلُوا عَنْ الْقِبْلَةِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ، وَهُوَ نَسْخٌ لَكِنَّهُمْ لَعَلَّهُمْ عَرَفُوا صِدْقَهُ بِرَفْعِ صَوْتِهِ فِي جِوَارِ النَّبِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْكَذِبُ فِيهِ.
حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّ الْعُمُومَ وَحْدَهُ دَلِيلٌ مَقْطُوعُ الْأَصْلِ مَظْنُونُ الشُّمُولِ، وَالْخَبَرُ وَحْدَهُ مَظْنُونُ الْأَصْلِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى، وَهُمَا مُتَقَابِلَانِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّرْجِيحِ فَيَتَعَارَضَانِ، وَالرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ خَبَرَ الْعَدْلِ أَوْلَى لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إلَى عَدْلٍ وَاحِدٍ فِي الرِّوَايَةِ لِمَا هُوَ نَصٌّ كَسُكُونِهَا إلَى عَدْلَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ، أَمَّا اقْتِضَاءُ آيَةِ الْمَوَارِيثِ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ، وَالْكَافِرِ ضَعِيفٌ وَكَلَامُ مَنْ يَدَّعِي إجْمَالَ الْعُمُومِ قَوِيٌّ وَاقِعٌ وَكَلَامُ مَنْ يُنْكِرُ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً فِي غَايَةِ الضَّعْفِ؛ وَلِذَلِكَ تُرِكَ تَوْرِيثُ فَاطِمَةَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» الْحَدِيثَ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ تَقْدِيرَ كَذِبِ أَبِي بَكْرٍ وَكَذِبِ كُلِّ عَدْلٍ أَبْعَدُ فِي النَّفَسِ مِنْ تَقْدِيرِ كَوْنِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ مَسُوقَةً لِتَقْدِيرِ الْمَوَارِيثِ لَا لِلْقَصْدِ إلَى بَيَانِ حُكْمِ النَّبِيِّ ﵇، وَالْقَاتِلُ، وَالْعَبْدُ، وَالْكَافِرُ، وَهَذِهِ النَّوَادِرُ.
[مَسْأَلَة قِيَاسُ نَصٍّ خَاصٍّ إذَا قَابَلَ عُمُومَ نَصٍّ آخَرَ]
فَالذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ حُجَّةٌ لَوْ انْفَرَدَ، وَالْقِيَاسَ حُجَّةٌ لَوْ انْفَرَدَ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ إلَى تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ، وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ، وَابْنُهُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْفُقَهَاءِ إلَى تَقْدِيمِ الْعُمُومِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ إلَى التَّوَقُّفِ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَدَّمُ عَلَى الْعُمُومِ جَلِيُّ الْقِيَاسِ دُونَ خَفِيِّهِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ عَلَى عُمُومٍ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ دُونَ مَا لَمْ يَدْخُلْهُ حُجَجُ مَنْ قَدَّمَ الْعُمُومَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى: أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ، وَالْعُمُومَ أَصْلٌ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ فَرْعٌ
стр. 248
عَلَى أَصْلٍ؟
الِاعْتِرَاضُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ نَصٍّ آخَرَ لَا فَرْعُ النَّصِّ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَالنَّصُّ تَارَةً يُخَصَّصُ بِنَصٍّ آخَرَ، وَتَارَةً بِمَعْقُولِ نَصٍّ آخَرَ، وَلَا مَعْنَى لِلْقِيَاسِ إلَّا مَعْقُولُ النَّصِّ، وَهُوَ الَّذِي يُفْهِمُ الْمُرَادَ مِنْ النَّصِّ، وَاَللَّهُ هُوَ الْوَاضِعُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى مَعْنَى النَّصِّ إلَّا أَنَّهُ مَظْنُونُ نَصٍّ كَمَا أَنَّ الْعُمُومَ، وَتَنَاوُلَهُ لِلْمُسَمَّى الْخَاصِّ مَظْنُونُ نَصٍّ آخَرَ، فَهُمَا ظَنَّانِ فِي نَصَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِذَا خَصَّصْنَا بِقِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ عُمُومَ قَوْلِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لَمْ نُخَصِّصْ الْأَصْلَ بِفَرْعِهِ فَإِنَّ الْأُرْزَ فَرْعُ حَدِيثِ الْبُرِّ لَا فَرْعُ آيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُخَصَّصَ الْقُرْآنُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ فَرْعٌ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِأَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ، وَسُنَّةٍ فَيَكُونُ فَرْعًا لَهُ فَقَدْ سَلَّمَ التَّخْصِيصَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَنْ لَا يُسَلِّمُ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ فَهَذَا لَازِمٌ لَهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: خَبَر الْوَاحِد ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ. قُلْنَا: وَكَوْنُ الْقِيَاسِ حُجَّةً ثَبَتَ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ لَا مُسْتَنَدَ لِلْإِجْمَاعِ سِوَى النَّصِّ، فَهُوَ فَرْعُ الْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ فَرْعُ النَّصِّ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إنَّمَا يُطْلَبُ بِالْقِيَاسِ حُكْمُ مَا لَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ، فَمَا هُوَ مَنْطُوقٌ بِهِ كَيْفَ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ؟ الِاعْتِرَاضُ أَنَّهُ لَيْسَ مَنْطُوقًا بِهِ كَالنُّطْقِ بِالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ، لِأَنَّ زَيْدًا فِي قَوْلِهِ: ﴿فاُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لَيْسَ كَقَوْلِهِ اُقْتُلُوا زَيْدًا، وَالْأُرْزُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] لَيْسَ كَقَوْلِهِ: " يَحِلُّ بَيْعُ الْأُرْزِ بِالْأُرْزِ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا " فَإِذَا كَانَ كَوْنُهُ مُرَادًا بِآيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ مَشْكُوكًا فِيهِ كَانَ كَوْنُهُ مَنْطُوقًا بِهِ مَشْكُوكًا فِيهِ لِأَنَّ الْعَامَّ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَانَ ذَلِكَ نُطْقًا بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَمْ يَكُنْ نُطْقًا بِمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَوَازُ تَخْصِيصِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ الْقَاطِعِ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَابِلَ النُّطْقَ الصَّرِيحَ مِنْ الشَّارِعِ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَا تَتَعَارَضُ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا أَخْرَجَهُ الْعَقْلُ عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعُمُومِ قُلْنَا: تَحْتَ لَفْظِهِ أَوْ تَحْتَ الْإِرَادَةِ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: تَحْتَ اللَّفْظِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَيْءٌ، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ اللَّفْظِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ فَكَذَلِكَ دَلِيلُ الْقِيَاسِ يُعَرِّفُنَا ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ.
الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ لِمُعَاذٍ: بِمَ تَحْكُمُ؟ فَقَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي» .
فَجَعَلَ الِاجْتِهَادَ مُؤَخَّرًا، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى الْكِتَابِ؟ قُلْنَا: كَوْنُهُ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِهِ مُرَادًا بِالْعُمُومِ، وَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَكَوْنُهُ فِي الْكِتَابِ مَشْكُوكٌ فِيهِ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ لِمُعَاذٍ تَرْكُ الْعُمُومِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ، وَنَصُّ الْكِتَابِ لَا يُتْرَكُ بِالسُّنَّةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ بَيَانًا لِمَعْنَى الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ يُبَيِّنُ الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةُ تُبَيِّنُ السُّنَّةَ تَارَةً بِلَفْظٍ، وَتَارَةً بِمَعْقُولِ لَفْظٍ. ثُمَّ نَقُولُ: حُكْمُ الْعَقْلِ الْأَصْلِيِّ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ يُتْرَكُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِقِيَاسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْكُمُ بِهِ الْعَقْلُ مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ فَيَصِيرَ مَشْكُوكًا فِيهِ مَعَهُ، فَكَذَلِكَ الْعُمُومُ.
حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْقِيَاسِ اثْنَتَانِ الْأُولَى: أَنَّ الْعُمُومَ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ، وَالْخُصُوصَ وَالِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْقِيَاسُ لَا يَحْتَمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ بِالنَّصِّ الْخَاصِّ مَعَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مَجَازًا، وَمُؤَوَّلًا فَالْقِيَاسُ أَوْلَى. الِاعْتِرَاضُ أَنَّ احْتِمَالَ الْغَلَطِ فِي الْقِيَاسِ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ احْتِمَالِ مَا ذُكِرَ فِي الْعُمُومِ مِنْ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ، وَالْمَجَازِ، بَلْ ذَلِكَ
стр. 249
مَوْجُودٌ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَزِيَادَةُ ضَعْفِ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ، وَالْمَجَازِ إذْ الْقِيَاسُ رُبَّمَا يَكُونُ مُنْتَزَعًا مِنْ خَبَرِ وَاحِدٍ، فَيَتَطَرَّقُ الِاحْتِمَالُ إلَى أَصْلِهِ،، وَرُبَّمَا اسْتَنْبَطَهُ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا حُكْمَ لِاجْتِهَادِ غَيْرِ الْأَهْلِ، وَالْعُمُومُ لَا يَسْتَنِدُ إلَى اجْتِهَادٍ، وَرُبَّمَا يَسْتَدِلُّ عَلَى إثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِمَا يَظُنُّهُ دَلِيلًا، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، وَرُبَّمَا لَا يَسْتَوْفِي جَمِيعَ أَوْصَافِ الْأَصْلِ، فَيَشِذَّ عَنْهُ وَصْفٌ دَاخِلٌ فِي الِاعْتِبَارِ، وَرُبَّمَا يَغْلَطُ فِي إلْحَاقِ الْفَرْعِ بِهِ لِفَرْقٍ دَقِيقٍ بَيْنَهُمَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ فَمَظِنَّةُ الِاحْتِمَالِ، وَالْغَلَطِ فِي الْقِيَاسِ أَكْثَرُ.
الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُمْ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ جَمْعٌ بَيْنَ الْقِيَاسِ، وَبَيْنَ الْكِتَابِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا أَوْ تَعْطِيلِهِمَا، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّقَابُلُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ بَلْ رَفْعٌ لِلْعُمُومِ، وَتَجْرِيدٌ لِلْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ حُجَّةُ الْوَاقِفِيَّةِ: قَالُوا: إذَا بَطَلَ كَلَامُ الْمُرَجِّحِينَ كَمَا سَبَقَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيَاسِ، وَالْعُمُومِ دَلِيلٌ لَوْ انْفَرَدَ، وَقَدْ تَقَابَلَا، وَلَا تَرْجِيحَ، فَهَلْ يَبْقَى إلَّا التَّوَقُّفُ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ إمَّا أَنْ يُدْرَكَ بِعَقْلٍ أَوْ نَقْلٍ، وَالْعَقْلُ إمَّا نَظَرِيٌّ أَوْ ضَرُورِيٌّ، وَالنَّقْلُ إمَّا تَوَاتُرٌ أَوْ آحَادٌ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَيَجِبُ طَلَبُ دَلِيلٍ آخَرَ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّعْيِينِ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ قَبْلَ الْقَاضِي إلَى التَّوَقُّفِ، أَجَابَ الْقَاضِي: بِأَنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِبُطْلَانِ التَّوَقُّفِ قَطْعًا، وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ رَأَى تَرْجِيحًا.
وَالْإِجْمَاعُ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَيْفَ، وَمَنْ لَا يَقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ مُخَالِفِهِ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ كَيْفَ يَقْطَعُ بِخَطَئِهِ إنْ تَوَقَّفَ حُجَّةُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ جَلِيِّ الْقِيَاسِ، وَخَفِيِّهِ: وَهِيَ أَنَّ جَلِيَّ الْقِيَاسِ قَوِيٌّ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْعُمُومِ، وَالْخَفِيُّ ضَعِيفٌ.
ثُمَّ حُكِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْجَلِيَّ بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَالْخَفِيَّ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْجَلِيَّ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَقْضِ الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ» ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِمَا يُدْهِشُ الْعَقْلَ عَنْ تَمَامِ الْفِكْرِ حَتَّى يَجْرِيَ فِي الْجَائِعِ، وَالْحَاقِنِ، خَفِيٌّ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، فَإِنَّ الْعُمُومَ يُفِيدُ ظَنًّا، وَالْقِيَاسَ يُفِيدُ ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَقْوَى فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، فَيَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ الْأَقْوَى، وَالْعُمُومُ تَارَةً يَضْعُفُ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمُخْرَجُ مِنْهُ، وَيَتَطَرَّقَ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَإِنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِ ﵇: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ» عَلَى تَحْرِيمِ الْأُرْزِ، وَالتَّمْرِ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ هَذَا الْعُمُومِ عَلَى تَحْلِيلِهِ.
وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَخُصِّصَ بِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُ التَّعْلِيلُ بِالْإِسْكَارِ فَلَوْ لَمْ يَرِدْ خَبَرٌ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ مُسْكِرٍ لَكَانَ إلْحَاقُ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ بِقِيَاسِ الْإِسْكَارِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ بَقَائِهِ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَآيَةِ إحْلَالِ الْبَيْعِ لِكَثْرَةِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُمَا، وَلِضَعْفِ قَصْدِ الْعُمُومِ فِيهِمَا، وَلِذَلِكَ جَوَّزَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِي أَمْثَالِهِ دُونَ مَا بَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ، وَلَكِنْ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ عِنْدَنَا أَيْضًا فِيمَا بَقِيَ عَامًّا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ الْعُمُومَاتِ بِالْإِضَافَةِ إلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ تَخْتَلِفُ فِي الْقُوَّةِ لِاخْتِلَافِهَا فِي ظُهُورِ إرَادَةِ قَصْدِ ذَلِكَ
стр. 250
الْمُسَمَّى بِهَا، فَإِنْ تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَقْوَى الْعُمُومَيْنِ.
، وَكَذَلِكَ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ إذَا تَقَابَلَا قَدَّمْنَا أَجْلَاهُمَا، وَأَقْوَاهُمَا، فَكَذَلِكَ الْعُمُومُ، وَالْقِيَاسُ إذَا تَقَابَلَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قِيَاسٌ قَوِيٌّ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ عُمُومٍ ضَعِيفٍ أَوْ عُمُومٌ قَوِيٌّ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قِيَاسٍ ضَعِيفٍ فَنُقَدِّمُ الْأَقْوَى، وَإِنْ تَعَادَلَا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي إذْ لَيْسَ كَوْنُ هَذَا عُمُومًا أَوْ كَوْنُ ذَلِكَ قِيَاسًا مِمَّا يُوجِبُ تَرْجِيحًا لِعَيْنِهِمَا بَلْ لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِمَا فَمَذْهَبُ الْقَاضِي صَحِيحٌ بِهَذَا الشَّرْطِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي فِي تَخْصِيصٍ بِقِيَاسٍ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْكِتَابِ إذَا خُصِّصَ بِهِ عُمُومُ الْكِتَابِ، فَهَلْ يَجْرِي فِي قِيَاسٍ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْأَخْبَارِ؟ قُلْنَا: نِسْبَةُ قِيَاسِ الْكِتَابِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ كَنِسْبَةِ قِيَاسِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ إلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَكَنِسْبَةِ قِيَاسِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إلَى عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْكُلِّ، وَكَذَا قِيَاسُ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَقِيَاسُ نَصِّ الْكِتَابِ بِالْإِضَافَةِ إلَى عُمُومِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ؛ أَمَّا قِيَاسُ خَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا عَارَضَ عُمُومَ الْقُرْآنِ فَلَا يَخْفَى تَرْجِيحُ الْكِتَابِ عِنْدَ مَنْ لَا يُقَدِّمُ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْقُرْآنِ، أَمَّا مَنْ يُقَدِّمُ الْخَبَرَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي قِيَاسِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ ازْدَادَ ضَعْفًا، وَبُعْدًا، وَمَا فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، وَالْمَعْلُومُ بِالنَّظَرِ الْجَلِيِّ قَرِيبٌ مِنْ الْأَصْلِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى فِي النَّفْسِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْ ظَنِّ الْعُمُومِ فَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى الْمُجْتَهِدِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ جِنْسِ الْخِلَافِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ أَوْ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ؟ قُلْنَا: يَدُلُّ سِيَاقُ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِخَطَإِ الْمُخَالِفِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ، وَعِنْدِي أَنَّ إلْحَاقَ هَذَا بِالْمُجْتَهَدَات أَوْلَى فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ فِيهِ مُتَقَارِبَةٌ غَيْرُ بَالِغَةٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ وَوَقْتِ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ وَفِيهِ فُصُولٌ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي التَّعَارُضِ]
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي تَعَارُضِ الْعُمُومَيْنِ، وَوَقْتِ جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ، وَفِيهِ فُصُولٌ:
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي التَّعَارُضِ
اعْلَمْ أَنَّ الْمُهِمَّ الْأَوَّلَ مَعْرِفَةُ مَحَلِّ التَّعَارُضِ، فَنَقُولُ كُلُّ مَا دَلَّ الْعَقْلُ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَلَيْسَ لِلتَّعَارُضِ فِيهِ مَجَالٌ إذْ الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ يَسْتَحِيلُ نَسْخُهَا، وَتَكَاذُبُهَا، فَإِنْ وَرَدَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْعَقْلِ فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُتَوَاتِرًا فَيُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا، فَيَكُونَ مُؤَوَّلًا، وَلَا يَكُونَ مُتَعَارِضًا.
وَأَمَّا نَصٌّ مُتَوَاتِرٌ لَا يَحْتَمِلُ الْخَطَأَ، وَالتَّأْوِيلَ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلِ الْعَقْلِ فَذَلِكَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ، وَالْبُطْلَانَ، مِثَالُ ذَلِكَ الْمُؤَوَّلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] إذْ خَرَجَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ذَاتُ الْقَدِيمِ وَصِفَاتُهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] إذْ مَعْنَاهُ مَا لَا يَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا أَيْ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] إذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُجَاهَدَةَ كَائِنَةً، وَحَاصِلَةً، وَفِي الْأَزَلِ لَا يُوصَفُ عِلْمُهُ بِتَعَلُّقِهِ بِحُصُولِ الْمُجَاهَدَةِ قَبْلَ حُصُولِهَا.
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧] لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ؛ لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الْكَذِبُ دُونَ الْإِيجَادِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ تُقَدِّرُ
следующие страницы →