نأتي إلى المادة (الجيم والنون) نجد أنها كلها تدل على الاستتار، فتقول: هي في الأصل البستان الكثير الأشجار، ولنا أن نقول: إن الجنة في الأصل هي هذا المعنى، لكن نقلت شرعًا إلى الدار التي أعدها الله للمتقين كما نقلت الصلاة والزكاة والحج والعمرة إلى معناها الشرعي.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾:
سبق لنا أن قوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يدل على علو قصورها وأشجارها، وأن الأنهار أربعة، وأنها تجري بلا أخدود وبلا شق ساق، بل تجري حيث شاء صاحبها، يقول ابن القيم ﵀ في (النونية):
أنهارها من غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهلها.
يقول: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾:
الخلود: هو البقاء، باقون فيها أبدا كما قال الله تعالى في آيات أخرى متعددة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧].
﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
نزلًا: هذه منصوبة على الحال، أي: حال كون هذه الجنات نزلًا.
فإذا قال قائل: كيف تكون حالًا وصاحبها نكرة؛ لأن "جنات" نكرة والحال لا تأتي من النكرة، بل لابد أن يكون صاحبها معرفة؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: وإن كان صاحبها نكرة إلا أنه خصص بالنعت: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والنكرة المخصصة تأتي
стр. 1192
منها الحال كما تأتي من المعرفة، والنزل اسم جامد وليس بمشتق، فإن قيل: إن الحال لا يكون جامدًا بل لابد أن يكون مشتقًا.
فالجواب أن يقال: إنه قد تأتي الحال جامدة، لكنها مؤولة بالمشتق، يعني: أنهم مكرمين بهذا النزل.
والنزل اسم لأول ما يقدم للضيف من الطعام، ومعلوم أن أول يوم للضيف يقدم له أطيب وأحسن شيء، فجعل الله هذه الجنة كلها نزلًا لا يختلف آخرها عن أولها بخلاف نُزل الضيافة في الدنيا، فإنه يكون أول يوم من أطيب ما يكون ثم يقل في اليوم الثاني وهكذا.
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
أي: أن هذا النُزل ليس من فلان أو فلان بل من عند أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وهو الله، والنُزل من الأكبر يكون عظيمًا وكريمًا وكثيرًا.
قال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾:
(ما) اسم موصول، ولا يمكن أن تكون نافية؛ لأن المعنى يفسد كثيرًا، لو قلت (ما) نافية صار المعنى: ليس عند الله خير للأبرار، وهذا كذب، فهي (ما) الموصولة، يعني والذي عند الله خير فتكون مبتدأ "وخير" خبره.
يعني: وما عند الله خير مما ذكر من وصف الجنات، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ففي الجنة أكثر مما يتمناه الإنسان وأكثر مما يتصوره؛ وهو النظر إلى وجه الله ، فإن النظر إلى وجه الله أعظم ما يكون من النعيم،
стр. 1193
ولهذا سماه الله "زيادة" في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فقد فسَّر أعلم الخلق بالله وهو النبي ﷺ "الزيادة" بأنها النظر إلى وجه الله .
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾:
الأبرار: جمع بَر، والبَرُّ كثير الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أي كثير الخيرات، فالأبرار جمع بر، وهم كثيرو الخيرات، وذلك بفعلهم ما أمر الله به وتركهم ما نهى الله عنه.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين؛ لقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾.
٢ - فيه بيان فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله ، وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
٣ - أن هؤلاء المتقين ثوابهم عند الله أكثر بكثير مما يعطى هؤلاء الذين يتقلبون في البلاد؛ لأن الله قال في المتقلبين: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾، أما هؤلاء فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ دائمًا وأبدًا.
٤ - عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم؛ لأنه نُزل من عند أكرم الأكرمين وهو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
٥ - ما استنبطه بعض أهل العلم من أن قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يفيد العلو، وذلك لأنه لا يمكن أن يفيد السفلى؛ لأن ذلك
стр. 1194
نقص ينزه الله عنه، فتعيَّن أن يكون ذلك في العلو ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.
٦ - أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات كان لهم عند الله هذا النزل العظيم.
٧ - أن في الجنات أنهار عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
٨ - أن مَنْ مَنَّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة، حيث قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فتخصيص الربوبية هنا بهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة، وقد مرَّ علينا كثيرًا أن ربوبية الله لخلقه نوعان: "عامة، وخاصة"، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق. والخاصة هي الخاصة بالمؤمنين، كما أن "العبودية لله " أيضًا نوعان:
عامة: وهي التي لجميع الخلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
وخاصة: وهي للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وهذه الخاصة منها ما هو أخص كما في عبودية الرسول فهي أخص من العبودية العامة للمؤمنين المتقين، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق وعموم نسبي.
فالعموم المطلق: هو الذي يشمل جميع من في السموات والأرض.
والنسبي: هو عموم عبودية المؤمنين، فإنه عام بالنسبة لعبودية الرسول، خاص بالنسبة للعبودية المطلقة.
стр. 1195
٩ - أن هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نزلًا، وهو ما يقدم للضيف من الكرامة، فما بالك بما يكون بعد هذا؟ لا شك أنه سيكون خيرًا كثيرًا.
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]:
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ﴾:
"إن" للتوكيد و"اللام" أيضًا للتوكيد، ففي الآية مؤكدان "إنَّ" و"اللام"، وهنا لا يخفى أن في الجملة تقديمًا وتأخيرًا، فإن ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم و ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي للذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم.
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى.
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
وهؤلاء كثير في النصارى؛ لأن من آمن منهم كثير بمحمد ﷺ ، أما في اليهود فلم يبلغوا العشرة الذين آمنوا بمحمد ﷺ في حال حياته.
فمن اليهود الذين أسلموا (عبد الله بن سلام ﵁) فإنه كان حبرًا من أحبارهم فأسلم، ومن النصارى كثير مثل النجاشي ملك الحبشة.
стр. 1196
وقوله: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾:
ومن جملة ما أنزل إلينا، أي: يؤمنوا بعموم الرسالة رسالة النبي ﷺ وأنه مرسل إليهم كما أنه مرسل إلى العرب، فأما من قال: أنا أُومن برسالة محمد ﷺ لكن للعرب خاصة فإنه لم يؤمن بما أنزل إلينا، لا يمكن أن يتم إيمانه بما أنزل إلينا حتى يؤمن بمحمد ﷺ على أنه رسول لجميع الخلق، وأنه رسول إليهم يجب عليهم أن يتبعوه.
ولهذا أقسم النبي ﵊ أنه لا يسمع به أحد من هذه الأمة يعني (أمة الدعوة) يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار، إذا مات وهو لم يؤمن بما جاء به محمد ﷺ كان من أصحاب النار (١).
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾:
أما ما أنزل إليهم فظاهر أنهم سيؤمنون به، اليهود يؤمنون بالتوراة، والنصارى يؤمنون بالإنجيل، ولكن إذا لم يؤمنوا بمحمد ﷺ فإنهم لم يؤمنوا بالتوراة ولا بالإنجيل؛ لأن عيسى ﵊ قد بشَّرهم بمحمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ بعد أن جاءهم بالبينات وأنه الرسول الذي بشَّر به عيسى قالوا: هذا سحر مبين، ولم يؤمنوا به ولم يتبعوه، إذن الذين يؤمنون بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، يقول: لا يتم إيمانه بأن محمدًا أرسل إلى
стр. 1197
العرب، وأن القرآن كلام الله مثلًا، بل لا يتم إيمانه حتى يؤمن بمحمد ﷺ على أنه رسول الله إلى جميع البشر، وأنه ملزم باتباعه؛ يتبعه كما يتبعه غيره.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾:
قوله: ﴿خَاشِعِينَ﴾ يحتمل أن تكون حالًا مِن (مَن) في قوله: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ وبناء على ذلك يكون مراعًا بها المعنى؛ لأن (مَن) لفظها مفرد ومعناها الجمع؛ لأن اسم الموصول وإن كان مفردًا يصح للعموم مع أن (مَنْ) مِن الأسماء الموصولة للمفرد وللجماعة.
أقول: إن ﴿خَاشِعِينَ﴾ تحتمل أن تكون حالًا من (مَنْ) أي: للذي يؤمن حال كونه خاشعًا، أو من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ لمن يؤمن حال كونه خاشعًا، والمعنى لا يتغير.
والخشوع هو: الذل، أي: متذللًا لله ، يؤمن بالله متذللًا له خاشعًا له.
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾:
﴿لَا يَشْتَرُونَ﴾ أي: لا يأخذون ويطلبون بآيات الله ثمنًا قليلًا، فالشراء هنا بمعنى الأخذ؛ لأنه ليس هناك عقد بيع وشراء، لكن لما كان المشتري يأخذ السلعة طالبًا لها حريصًا عليها صار الذين يأخذون الحياة الدنيا بالآخرة بمنزلة المشترين، ولهذا قال: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهي الدنيا أو بمالها أو بجاهها أو بغير ذلك، وفيه إشارة إلى أن من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من يبقى على رئاسته وعلى جاهه وماله ليكفر بالرسل. فمثلا (أبو جهل) وغيره من زعماء العرب (قريش) ما الذي صدَّهم عن اتباع محمد ﷺ غير الكبر والإبقاء على الجاه
стр. 1198
وعلى الرئاسة؟ ! . ولهذا يقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، يعني هلا أنزل على رجل عظيم حتى نتبعه وهم يقولون ذلك وهم يعلمون أن محمدًا ﷺ من خيرهم، بل هو خيرهم نسبًا، وأنه أعظمهم وأشرفهم، وهم يسمونه قبل الرسالة (الأمين والصادق)، لكن لما جاءت الرسالة شرقوا بها والعياذ بالله وأنكروها وقالوا: هذه من رجل مهين، كما قال فرعون لموسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، فهؤلاء قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾:
والمراد بآيات الله هنا: الآيات الشرعية؛ لأن مِن الناس من يشتري ثمنًا قليلًا بالآيات الشرعية، ومعنى (يشتري ثمنًا قليلًا) أي يأخذ الجاه والرئاسة والمال وغير ذلك بدلًا عن آيات الله الشرعية واتباعها.
ووصف الله ذلك بأنه قليل؛ لأنه بالنسبة لما في الآخرة ليس بشيء كما صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١).
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾:
أولئك الذين عدلوا عن الدنيا ولم يأخذوها بدلًا عن طاعة الله والإيمان به:
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾:
стр. 1199
أجر، أي: ثواب، وإضافته إلى الله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يدل على عظمهِ وأنه عظيم جدًا، فإن الشيء من العظيم عظيم، ومن الكريم كثير، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: فيه إشارة كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد أنه باقٍ؛ لأن ما عند الله يبقى، ولهذا يخلد أهل الجنة فيها أبدًا، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ السرعة: عدم التباطؤ في الشيء، فالله تعالى سريع الحساب من وجهين، الوجه الأول: أن الدنيا قليلة وفانية وسريعة وما هي إلا لحظات ثم تنقضي بسرعة، فاليوم الجمعة مثلًا، أو السبت أو الأحد أو أحد أيام الأسبوع ما تأخذ إلا شيئًا قليلًا حتى يصل الإنسان إلى نهايته ويموت، فيجد الحساب أمامه، فهذه سرعة، والسرعة الثانية: يوم القيامة فإن الله تعالى يحاسب الخلائق كلها في نصف يوم؛ لقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] والقيلولة إنما تكون في نصف النهار، ويلزم من هذا أن الله يحاسب الخلائق كلهم في نصف يوم حتى إن كل واحد منهم يقيل في منزله ومستقره.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - الثناء على بعض أهل الكتاب؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (ومِنْ) هنا للتبعيض، وهم قليل.
٢ - كمال عدل الله بإسناد الفضل إلى أهله، فإن الله لما ذكر عقاب الكافرين وثواب المؤمنين قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ فأسَند الفضل إلى أهله .
стр. 1200
٣ - أن هؤلاء الذين يؤمنون بما أنزل الله على رسوله ﵊ مع إيمانهم بكتبهم إنما يفعلون ذلك تعظيمًا لله وذلًا له، لا طلبًا للدنيا، أو المدح أو ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾.
٤ - بيان إخلاص هؤلاء حيث لم يؤمنوا بالله وما أنزل إلينا من أجل الدنيا، فهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا؛ لقوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ فإنه يدل على أنهم مخلصون في إيمانهم بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم، يعني: لا يقصدون شيئًا من الدنيا أو جاهًا أو رئاسة أو رياء.
٥ - أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب عن إخلاص سوف يكون لهم الأجر، يعني: الثواب من الله، وإن فاتهم ما يفوتهم من الدنيا بسبب إسلامهم؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
٦ - بيان قدرة الله في سرعة حسابه حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقد أورد بعض الصحابة على الرسول ﷺ إشكالًا في هذا المعنى وقال: كيف يحاسبنا في ساعة ونحن جمع -يعني كثير-، فقال: "ألا أخبرك بشيء من آلاء الله -أي من آياته- يقرب لك هذا؟ " وذكر له القمر (١).
القمر مخلوق من مخلوقات الله، وكل الناس يرونه في ساعة واحدة لا يضامون في رؤيته، فإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله يضيء نوره على كل من رآه، ويشترك فيه من العالم ما لا يحصيه إلا الله، فما بالك بالخالق جلَّ وعلا؟ !
٧ - إثبات الحساب، وأن الإنسان سوف يحاسب على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
стр. 1201
وليعلم أن "الحقوق" نوعان:
(حق لله فهو مبني على المسامحة وعلى العفو والإحسان.
(وحق للخلق) بالاعتداء عليهم وعلى أعراضهم، فهذا لا يغفره الله ، بل قد قال النبي ﵊ حين بعث معاذًا إلى اليمن قال: "إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (١).
فالمظلوم يلجأ إلى الله ، فإذا لجأ إلى ربِّه فهو سيلجأ بصدق لأنه قد ضيم من الخلق، فإذا رجع إلى الله بهذا الصدق فإن الله يجيب دعوته، يقول : "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" (٢)، فلذلك يجب على الإنسان أن يحذر من ظلم نفسه بحق الله ، ومن ظلم غيره بالعدوان عليه بالقول أو الفعل، فإن الدنيا لن تدوم، لابد لها من زوال، ولابد من رجوع إلى الله .
* * *
• ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]:
стр. 1202
دائمًا نتكلم على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونستشهد بقول عبد الله بن مسعود ﵁: "إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك -يعني استمع لها- فإما خيرًا تؤمر به، وإما شرًّا تنهى عنه". وقلنا: إن الله تعالى إذا صدَّر الخطاب بهذا فهو دليل على العناية به.
ووجهه: أنه صدّره النداء الذي يفيد تنبيه المخاطب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم إذا كان النداء بوصف الإيمان كان دليلًا على أنَّ ما يأتي بعده من مقتضى الإيمان؛ لأنه لولا أنه من مقتضاه ما صدّر الخطاب لمن يوجه إليه بلفظ الإيمان. فكأنه قال: (يا أيها الذين آمنوا بإيمانكم افعلوا كذا وكذا)، أو: (لإيمانكم لا تفعلوا كذا وكذا).
ثانيًا: يدل على أن مخالفة ذلك من "نواقض الإيمان" أو من "نواقص الإيمان"، إن كان الشيء من "أصول الدين" مثل (يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله) فإن مخالفته من "نواقض الإيمان".
وإن كان في "فرع من فروع الدين" فإن مخالفته من "نواقص الإيمان"، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] لو لم يتفسح الإنسان لم نقل: إنه كافر، بل نقول: إنه مخالف للأمر، وإيمانه ناقص؛ لأن مقتضى الإيمان أن يفعل ما أمر الله به حيث وجّه الله له هذا الأمر بوصف الإيمان.
ثالثًا: أنه يفيد الإغراء، يعني: إغراء الإنسان وحثّه على أن يفعل ما وجِّه إليه من الأمر أو النهي؛ لأن الإنسان إذا وصف بوصف فإنه يغريه هذا الوصف، فإذا قيل لشخص: يا أيها الكريم "جُد" على هذا، فمعناه: أنك تغريه وأنه لكرمه لابد أن يجود، ولهذا لما قيل للمتنبي حين أحجم في مجال القتال: ألست القائل:
стр. 1203
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم؟
قال: الآن قتلتني ثم أقدم حتى قُتل.
وذلك لأن الوصف الذي يتصف به الإنسان ويفخر به إذا لم يطبقه فعلًا فإنه كاذب في دعواه، فكأن الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا بإيمانكم افعلوا كذا).
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾:
﴿اصْبِرُوا﴾ على كل ما يحتاج إلى صبر، ومعلوم أن الذي يحتاج إلى الصبر هو الذي يخالف هوى النفس؛ فالذي يخالف هواك هو الذي يحتاج إلى الصبر؛ لأنه يشق عليك تحمله، فطاعة الله ثقيلة على النفوس فاصبر عليها، والمعاصي ثقيل تركها على النفوس فاصبر على الترك، والآلام والمصائب التي تصيب الإنسان ثقيلة على النفس فاصبر عليها.
فالمصائب التي تصيب الإنسان هي بنفسها مكفرة للذنوب، فإذا احتسب الإنسان أجرها على الله وانتظر بذلك ثواب الله كانت مع التكفير زيادة حسنات، والإنسان في الدنيا لابد أن يبتلى كما قال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساء ويوم نُسر
لم تبقَ الدنيا لأحد زاهية مطلقًا أبدًا، وهذه من حكمة الله يبتلي الإنسان بالنعم ويبتليه بالمصائب، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، فعلى الإنسان أن يصبر على كل ما يخالف هواه، والصبر ثقيل على النفس متعب لها، ولكن الإنسان ينظر إذا صبر إلى ما أمامه، فإن النتيجة خير. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] إذا صبر فليبشر بالخير، وفي المثل (من صبر ظفر)، وفي الشعر:
стр. 1204
والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
وهذا شيء مجرب دائمًا، إذا صبر الإنسان ظفر، ولاسيما إذا قرن صبره باحتساب الأجر على الله ، فإنه يكون في ذلك الثواب والعاقبة الحميدة.
وقوله: ﴿وَصَابِرُوا﴾ المصابرة تكون من اثنين، ولهذا جاءت على وزن فاعل، كقاتل وجاهد، فصابر أيضًا لابد من شخص آخر يضادك فصابِرْه.
"الصبر الأول": لا أحد يضادك في الشيء إنما هو شيء بينك وبين نفسك تصبر.
"الصبر الثاني": إنسان يضادك ويثيرك ويعتدي عليك فصَابِرْه .. بمعنى غالبه بالصبر، وهذا يكون في ملاقاة الأعداء. فالعدو يصابرك وأنت تصابره، ولكن الله تعالى قد سلا عباده المؤمنين فى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، أنت إذا جُرِحت تتألم وهو إذا جرح يتألم بلا شك، ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] فرق عظيم، فالذي يرجو من الله هذا الثواب على ما حصل له يهون عليه هذا الشيء، حتى إنه أحيانًا لا يشعر به من شدة احتسابه الأجر على الله .
إذن الصبر: حبس النفس مع غير مصابر، وتكون على ما لا يلائم الإنسان وما يشق عليه. والمصابرة: مع شخص مضاد يصابِرُك ويصبر عليك على معاندتك وعلى مضادتك فأنت تصبر، وقد قال الله : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
أما قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ المرابطة: أخص المصابرة، يعني
стр. 1205
رابطوا على الطاعات، ومن ذلك ما بيَّنه النبي ﵊ حيث قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد" (١)، إسباغ الوضوء على المكاره، يعني: في أيام البرودة، فإن الإنسان إذا أسبغ الوضوء، يعني: أتمه وأكمله دلَّ هذا على إيمانه بالله وعلى شدة تصديقه ورجائه لثواب الله.
ثم قال ﷺ : (كثرة الخطا إلى المساجد) فإن الإنسان إذا ذهب إلى المسجد البعيد الذي يحتاج إلى كثرة الخطا دلَّ هذا على مرابطته في الخير ومثابرته عليه، وعلى صدق الإيمان في قلبه، ولهذا يذهب إلى المسجد ولو كان بعيدًا، ويتردد إليه على الأقل في اليوم والليلة خمس مرات، هذا أيضًا يدل على المرابطة على الخير.
ومن المرابطة: المرابطة في الثغور، لكنها غير موجودة في عهد النبي ﵊؛ لأنه في عهد النبي ﵊ "لم توجد مرابطة"، يخرج النبي ﵊ إلى العدو ويغزو ويرجع، لكن بعد ذلك لما فتحت الفتوحات وانتشر الإسلام في أقطار الأرض بعد ذلك صارت المرابطة، واحتاج المسلمون إلى مرابطة، ولهذا قال النبي ﵊: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط ثلانًا" (٢)، لأن الرباط على الحدود الإسلامية غير موجود في عهد الرسول ﵊.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي من أجل أن تفلحوا.
стр. 1206
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بتقوى الله ، وسبق لنا مرات كثيرة أن المراد "بالتقوى" اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أحسن ما قيل في التقوى، هذه هي التقوى، وعطفها على ما سبق إما أن يقال من باب عطف العام على الخاص، وهو كثير في القرآن. وإما أن يقال: إن ما سبق أوامر والتقوى للنواهي كما نقول في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، إن "البر" فعل الخير، و"التقوى" اجتناب الشر، وإذا ذكرت "التقوى" وحدها شملت فعل الخير وترك الشر.
والمعنيان لا يتنافيان؛ فهذه الأوصاف أو الأوامر الأربعة: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ كلها تشتمل على شيء واحد وهو فعل الأوامر واجتناب النواهي.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
لعل: هنا للتعليل وليست للرجاء، لأن كلام الله ليس فيه رجاء، فإنه على كل شيء قدير، ولا يصعب عليه شيء ولا يعسره شيء، لكنها للتعليل أي: لأجل أن تفلحوا.
و(الفلاح) قالوا: إنها كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، الفلاح: أن يفوز الإنسان بمطلوبه، وأن ينجو من مرهوبه، ولا شك أن كل واحد من الخلق يتمنى هذا.
من فوائد الآية الكريمة:
في هذه الآية الكريمة يوجِّه الله النداء إلى المؤمنين فيستفاد منه:
١ - فضيلة الإيمان، وأن أهل الإيمان هم أجدر الناس بتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
٢ - أنه ينبغي للإنسان أن يأتي في أسلوبه بما يحمل
стр. 1207
الإنسان على فعل ما طلب منه أو ترك ما نهي عنه؛ لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾.
٣ - الحث على الصبر بل الأمر بالصبر؛ لقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾ وهو في الحقيقة مشترك، قد يكون "واجبًا" وهو الصبر على الواجب وعلى ترك المحرم وعلى الأقدار المؤلمة.
وقد يكون "مستحبًا" وهو: الصبر على المستحبات أو على ترك المكروهات، فإن الصبر هنا ليس بواجب لكنه أكمل وأفضل.
٤ - الأمر بالمصابرة، وأن الإنسان يصابر من يضاده ويعد له، فإن العاقبة ستكون له عليه إذا صابره امتثالًا لأمر الله ورجاءً لثوابه، وتحسبًا للعاقبة الحميدة التي تكون فيها الدائرة على مَنْ ضاده.
٥ - الأمر بالمرابطة، والمرابطة إن كانت على واجب فهي واجبة، وإن كانت على مستحب فهي مستحبة، حسب الأمر المرابط عليه.
٦ - الأمر بالتقوى، و"التقوى" واجبة لأنها اتقاء الوقوع في المحرم إما بترك الواجب وإما بفعل المحرم.
٧ - النتائج الحميدة لمن قام بأوامر الله من الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى وهي -أي: العاقبة الحميدة- الفلاح؛ لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
* * *
وبذلك انتهت الدروس العلمية المسجلة التي كان يلقيها فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين في تفسير سورة آل عمران. تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جناته. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.