← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

يتضمن القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن. وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد؟ وهو الإيمان بالله. فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به ومنه بقية الأصول الستة: "ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره". فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص، فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله. ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: يعني أقررنا بذلك مع الانقياد والقبول والإذعان. ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾: أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا. و"المغفرة": هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز لأنها مأخوذة من "المِغْفَر" وهو ما يلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا "المِغْفَر" فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة هي الستر فإن تفسيره لها ناقص، لابد أن يقال: الستر مع الوقاية. وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: الذنوب: هي المعاصي، وأصلها "النصيب" كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام والعياذ بالله.

стр. 1157

وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: السيئات طلبوا تكفيرها، والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات: هي "الصغائر" وهي تكفّر بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات. إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون "تامة" بقدر المستطاع، ولهذا قالوا: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ بما نفعله من الأعمال الصالحة. ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معيَّنًا من قبل الشرع، أي: ما يكفَّر به قد يكون معينًا من قبل الشرع مثل كفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الجماع في نهار رمضان. فهذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًا كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، وبالوضوء، وبالجمعة إلى الجمعة، وبرمضان إلى رمضان، وبالعمرة إلى العمرة. فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام. وهناك فرق بين الكبائر والصغائر؛ فإن الكبيرة أحسن ما قيل فيها: هي ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀. وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدّون مثل هذا. فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل، ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛

стр. 1158

لقول النبي ﵊ في حديث أبي بكرة: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر" (١). وهم طلبوا من الله تكفير الكبائر والصغائر؛ لأن الكبائر لا تكفَّر، وإنما تحتاج إلى مغفرة من الله ، إما مجرد فضل منه ، وإما بعمل أسباب كالاستغفار والتوبة حتى ترفع حكم هذه الكبائر. ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: "توفنا" يعني "اقبضنا إليك" "والتوفية" بمعنى "القبض"، ومنه قولهم: تَوَفَّى فلان حقّه أي قبضه وافيًا. وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَار﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذر اجتماع وفاة الأبرار في آنٍ واحد، لكنها معية حكمية ومصاحبة حكمية. يعني: أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم. و(الأبرار) جمع بَرْ؛ والبَرُّ هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم مكثرون لفعل الخيرات، وعليه فإنهم أبرار. فإن قال قائل: هل في هذا الدعاء جواز الدعاء بالموت؟ الجواب: ليس كذلك، فمعلوم أن الله لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيها أنهم يتمنون تقديم الوفاة،

стр. 1159

وهذا نظير قول يوسف ﵊: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني معناه نقول: "يا ليتني مت وأنا ما رأيته". من فوائد الآية الكريمة: ١ - أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾. ٢ - أن دعوة النبي ﷺ دعوة إلى الإيمان: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾. ٣ - بيان أن رسول الله ﷺ بذل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول ﵊ يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان. ٤ - أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به وصدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله . ٥ - الإشارة إلى بيان علة الإيمان؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان لأنه رب خالق، مالك، مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد. ٦ - أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصليت، أو بالزكاة فزكيت، أو بالحج

стр. 1160

فحججت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾. ٧ - جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا. ففي قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم؛ فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح عمله انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث انفرجت كلها فخرجوا يمشون. هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل: التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز. فالممنوع: ما لم يرد به الشرع. والجائز: ما ورد به الشرع، هذا هو الضابط. فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل التوسل بجاه الرسول ﷺ يقول أحدهم: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل "جعل الشيء وسيلة" وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه ﵊ مما يختص هو نفسه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه. أما الجائز فهو ما جاء به الشرع وهو أنواع منها:

стр. 1161

الأول: التوسل بأسماء الله، أن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليله حديث ابن مسعود ﵁ في دعاء الكرب والغم: "أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي .. إلخ" (١). فهذا توسل بأسماء الله: "بكل اسم هو لك". الثاني: التوسل بصفات الله ، ومن ذلك قول النبي ﵊: "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي" (٢). فقوله: "بعلمك الغيب" هذا توسل لله بصفته، ومن ذلك: (اللهم برحمتك أستغيث) (٣)، فإن هذا ليس استغاثة بالرحمة ولكن استغاثة بالله لصفته وهي الرحمة، فإن الرحيم يغيث. الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله وإن كان من الصفات، لكن هو صفة ليست أزلية أبدية، ومنه قولنا في التشهد: "اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (٤).

стр. 1162

فقوله: "كما صليت على إبراهيم" المراد بذلك التوسل إلى الله، يعني: مثل ما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد، فإذا قلنا بهذا صارت الكاف للتعليل. وبهذا التقرير يرتفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء وقالوا: من المعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم، والقاعدة: "أن المشبه دون مرتبة المشبه به" وهنا قال: "صلِّ على محمد كما صليت على إبراهيم"، وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني: أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، بل نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا يرتفع ولا يبقى في هذا إشكال. الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالايمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. الخامس: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، وليس بالإيمان بالأعمال الصالحة، ومن ذلك قصة أصحاب الغار الثلاثة حين انطبقت عليهم صخرة فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، توسل أحدهم بكمال برِّه لوالديه، وتوسل الثاني بكمال عفته، وتوسل الثالث بكمال أمانته، ففرّج الله عنهم. فإذا قال قائل: التوسل بهذا والذي قبله فيه إشكال؛ لأنه قد يقول قائل: أليس هذا إدلالًا على الله ، وإعجابًا وفخرًا بالعمل؟ كأنه يقول: يا رب إني فعلت كذا وفعلت كذا، فاغفر لي مثلًا.

стр. 1163

فالجواب: لا، بل هذا من باب التذلل له وأنني يا رب قد ذللت لك وعلمت أنك الملجأ فعبدتك وآمنت بك، فأسألك أن تغفر لي مثلًا. السادس: التوسل إلى الله بذكر حال الداعي، أن تذكر حالك، فتقول: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي. الأول توسل بالعمل الصالح، وهنا على العكس بالحال، ومن ذلك قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ما ذكر إلا هذا، وهذا توسل بذكر الحال؛ لأن الإنسان إذا ذكر حاله وأنه مفتقر إلى الله أوجب ذلك له أن يلجأ إلى ربه ، ويكون هذا من أسباب إجابة الدعاء. السابع: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح، ومنه قول عكاشة بن محصن للنبي ﷺ لما قال: "إن من أمته سبعين ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، قال: ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم" (١). ومنه قول الأعرابي: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادعُ الله يغيثنا فدعا (٢).

стр. 1164

ومنه قول عمر للعباس: قم فادعُ الله، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا (١). وهذا النوع السابع ينبغي أن يُلاحَظ منه ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه إذا طلب منه أن يدعو له فإنما يقصد بهذا منفعة الداعي وأجره؛ لأن الداعي يؤجر إذا دعا لأخيه، وإنما قال ذلك احترازًا مما إذا أراد الطالب نفع نفسه فقط. قال: فإن هذا من المسألة المذمومة، أن تقول: ادعُ الله لي. وقصدك منفعة نفسك. بل قل: ادعُ الله لي، وتقصد أن ينتفع هو أيضًا بدعائه لك؛ لأنه يؤجر على الإحسان إليك؛ لأنه إذا دعا لك بظهر الغيب، قال الملك: آمين ولك بمثله. هذا إذا أردت أن تطلب من شخص أن يدعو لك أنت خاصة، أما إذا طلبت منه أن يدعو للمسلمين عمومًا فهذا ليس من المسألة المذمومة، حتى وإن لم تلاحظ نفعه هو. ونظيره: لو أنك سألت رجلًا درهمًا لنفسك، أو قلت: أعطني درهمًا لفلان الفقير، كان الأول من السؤال المذموم، والثاني من الإحسان إلى المعطي وإلى المعطى؛ لأنك تنفع المعطي في الآخرة، وتنفع المعطى في الدنيا. فهذه سبعة أنواع من التوسل كلها جاءت بها السنة وهي جائزة، لأنها حقيقة سبب من الأسباب، والوسيلة هي أصلًا تشبه الوصيلة، والسين والصاد يتناوبان كثيرًا. كما في قوله تعالى:

стр. 1165

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و (اهدنا السراط المستقيم)، كلاهما قراءتان سبعيتان. إذن نأخذ من هذه الآية جواز التوسل بالإيمان، واستطردنا بذكر أقسام التوسل. وهنا مسألة: هل شرك المشركين بآلهتهم من باب التوسل الممنوع أم ماذا؟ الجواب: ليس من التوسل، بل هو عبادة؛ لأنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم يقصدون العبادة، يدعون هذه الأصنام ويركعون لها ويسجدون لها، وينذرون لها ويذبحون لها، فهذا ليس من باب التوسل، بل من باب القصد والغاية أن هذه الأصنام تعبد. ٨ - أن كل أحد محتاج لمغفرة الذنوب؛ لقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. فلا تغرنك كثرة الطاعات، فالإنسان كلما كثرت طاعاته ينبغي أن يكون أخوف على نفسه من أن تُرد هذه الطاعات ويذهب عمله سدىً. ٩ - التفريق بين المعاصي؛ بعضها ذنوب، وبعضها سيئات، وهو كقولنا: إنها تنقسم إلى كبائر وصغائر، والكبائر والصغائر تختلف في ذاتها وتختلف فيما بينها، فالكبائر منها كبرى، ومنها صغرى. والصغائر منها ما يقرب من الكبائر، ومنها ما هو دون ذلك. ١٠ - جواز سؤال الموت على طريق أهل الخير؛ لقولهم: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، وقد ذكرنا فيما سبق أن هذا ليس من باب الدعاء بالموت العاجل، وإنما من باب الدعاء بالموت على صفة مطلوبة، وهي أن يموت على ما مات عليه الأبرار، وذكرنا لهذا

стр. 1166

نظائر، مثل قول مريم: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. والمعنى: يا ليتني مت قبل المصاب، وكذلك قول يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. ١١ - الثناء على أهل البر والإحسان؛ لقوله: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]: انظر إلى التكرار في قوله: "ربنا"، لأنهم يتلذذون بهذا التعبير أن يكون الله ربهم، وإذا كان الله ربهم فهم عبيده، وتلذذ الإنسان بعبوديته لله دليل على كمال إيمانه؛ لأنه كلما كان الإنسان أذل لله كان أكمل إيمانًا، ولهذا يكررون "ربنا" تلذذًا بهذا الاسم الكريم. وقوله: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾. آتنا: بمعنى أعطنا، بخلاف ائتنا: بمعنى جئنا، آتِ بمعنى أعطِ، وأتى بمعنى جاء. والمصدر من آتى: إيتاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]. أما المصدر من أتى فهو إتيان. يقول: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾: "ما": هذه موصولة ومحلها من الإعراب مفعول ثانٍ لآتِ، لأن "آتِ" تنصب مفعولين وهي من أخوات أعطى، بمعنى ليس أصلهما من المبتدأ والخبر، فالذي ينصب مفعولين ينظر فيه: إن

стр. 1167

كان أصلهما المبتدأ والخبر فهو من أخوات ظن، وإن لم يكن أصلهما المبتدأ والخبر فهو من أخوات أعطى وكسا، وهذه من أخوات أعطى وكسا. قوله: ﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي عهدت به إلينا من الثواب الجزيل على أعمالنا، وقوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ تحتمل معنيين: أحدهما: على الإيمان برسلك. والثاني: على أيدي رسلك. فعبَّر بالرسل عن أيدي الرسل؛ لأن الذين وعدوهم هم الرسل أنفسهم، وعدوا المؤمنين بما وعدهم الله به، ووعدوا المخالفين بما توعدهم الله به. ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: "تخزنا": أي تفضحنا وتذلنا يوم القيامة، أي يوم يقوم الناس من قبورهم لله ، وسمِّي هذا اليوم يوم القيامة لأمور ثلاثة: الأول: أنه يقوم الناس فيه من قبورهم لله. الثاني: أنه يقام فيه العدل. الثالث: أنه يقوم فيه الأشهاد. وقولهم: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: تعليل لسؤالهم، يعني: سألناك يا ربنا أن تعطينا هذا لأنك لا تخلف الميعاد، وإنما انتفى عنه إخلاف الوعد لكمال صدقه وكمال قدرته؛ لأن إخلاف الوعد، إما أن يكون لكذِب الواعد، كميعاد أهل النفاق، وإما أن يكون لعجز الواعد أي أنه يفي لكنه عجز، والله قد انتفى في حقِّه الأمران، أعني الكذب

стр. 1168

والعجز، فهو لكمال صدقه وكمال قدرته لا يخلف الميعاد، وهذه الصفة من الصفات السلبية، والسلب بمعنى النفي. وقد قررنا غير مرة أن الصفات السلبية يراد بها شيئان: الأول: انتفاء الصفة التي نفيت. الثاني: إثبات كمال ضدها، يعني: انتفى عنه هذا لكمال ضده، هذا هو المعنى. فإذا قلت: فلان لا يكذب، فالمعنى أنه كامل الصدق لا يوجد في كلامه كذب، ولهذا نقول: إن الصفات المنفية عن الله سبحانه لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها إثبات كمال الضد. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أنه ينبغي للداعي أن يكثر من الثناء على الله تعالى بأسمائه وصفاته؛ لأن هذا من وسائل إجابة الدعاء. ٢ - كمال إيمان هؤلاء بوعد الله؛ لقوله: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ إذ لو كان عندهم شك ما سألوا هذا السؤال. ٣ - أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه؛ لقوله: ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ ولا شك أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه؛ ومن حكمة الله أن جعلهم من البشر؛ لأنه لا يمكن التلاؤم بينهم وبين البشر إذا لم يكونوا من جنسهم، ولهذا قال الله تعالى رادًا على الكفار الذين قالوا: لو كان محمدٌ ملكًا لآمنا به، قال الله : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٨، ٩] وحينئذ تعود المشكلة على زعمهم ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩].

стр. 1169

٤ - إثبات أن الخلق لهم أكثر من رسول ﴿عَلَى رُسُلِكَ﴾ لأن رسل جمع رسول، وهذا أمر معلوم باليقين القطعي، فالقرآن كله مملوء بقصص الأنبياء، فإذا قال قائل: قد ورد الجمع ويراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ومعلوم أن قوم نوح لم يكذبوا إلا نوحًا، فالجواب عن ذلك أن نقول: إن هذه الآية قد دلت على أن المرسل إليهم واحد، ولكن لما كان تكذيب الرسول الواحد تكذيب لجميع الرسل، قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] لأن المقصود التكذيب بالجنس لا بالواحد، فكأنهم كذبوا بجنس الرسالة وقالوا: لا يمكن أن يبعث الله الرسل كما قال تعالى في بيان تكذيب الأمم أنهم يقولون لرسلهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥]. ٥ - أن هؤلاء الأبرار يؤمنون بيوم القيامة وبما يلحق الناس به من الذل والخزي؛ لقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ٦ - أن الخوف من عذاب الله لا ينافي البر؛ لقولهم: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بل إن الخوف من عذاب الله يزيد البر؛ لأنه يزيد تصديقًا بما أخبر الله به. ٧ - كمال صدق الله وقدرته، تؤخذ من قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. ٨ - أن الله تعالى لا يخلف الميعاد أبدًا. فإن قال قائل: يرد على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقد توعد الله العصاة بما يستحقون من الذنوب مثل قوله: (لا يدخل

стр. 1170

الجنة قتات) (١) أي: نمام. فالجواب: أن نقول: إن النفي يراد به بيان كمال الله في الصدق والقدرة، فإن عفوه عمن استحق العقاب لا يعد إخلافًا للوعد لأنه قادر، ولكنه كمال فوق كمال، فإن العفو عن الانتقام مع القدرة كمال، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]. * * * • قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]: استجاب بمعنى أجاب كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الشورى: ٣٨]. وقوله: ﴿رَبُّهُم﴾ ولم يقل (الله) لأنهم كانوا يدعون بقولهم: (ربنا) فالموقع هنا يقتضي الربوبية، وهي هنا ربوبية خاصة؛ لأن ربوبية الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]. ومقتضى الربوبية العامة مطلق التصرف، ومقتضى الربوبية

стр. 1171

الخاصة النصر والتأييد واللطف، وغير ذلك مما يقتضي عناية خاصة. الربوبية هنا من الخاصة. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ﴾ هذا بيان المستجاب. فما الذي استجاب لهم؟ قال: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ ﴿لَا أُضِيعُ﴾ يعني لا أهدره بل أحتسبه. وقوله: ﴿عَمَلَ عَامِلٍ﴾ (عمل) هنا مضاف فيقتضي العموم يعني: أي عمل قلَّ أو كثر فإن الله لا يضيعه، وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: هذه بيان لـ"عاملٍ" فـ"مِن" هنا بيانية؛ بيان للعامل، يعني سواء أكان العامل ذكرًا أم أنثى، ثم قال: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني في الدعاء واستجابته، أما فى المناصرة فقد قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] لكن في باب العمل والاستجابة له والثواب بعضهم من بعض فرق بين الذكر والأنثى. ثم قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾: هذه خمسة أوصاف: "هاجروا" يعني هجروا بلادهم وخرجوا منها إلى بلاد الإسلام. ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾:

стр. 1172

إما مباشرة بأن طردوا من البلاد، أو بالتضييق عليهم حتى يخرجوا؛ لأن الإخراج من البلاد، إما أن يكون مباشرة بالطرد، وإما أن يكون بالتضييق عليه حتى يخرج، فأيهما أشد؟ الجواب: الأول أشد؛ لأن الثاني يمكنه أن يصبر ويتحمل ولا يخرج، يختفي أحيانًا ويهرب أحيانًا، ويبقى في بلده، لكن الطرد بأن يمسك ويطرد لا شك أنه أشد، ولهذا قال أهل العلم خصوصًا الحنابلة فيمن فعل ما يوجب الحد من زنا أو غيره، ثم لجأ إلى مكة إلى الحرم فإنه لا يخرج من الحرم ولا يقام عليه الحد في الحرم، لأنه لجأ إليه، ومن دخله كان آمنًا، ولكنه يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يبايع ولا يكلّم، حتى تضيق عليه الأرض ويخرج، أما أن يخرج بالقوة ليقام عليه الحد فلا. إذن هناك فرق بين من أُخرج بالفعل أي بالقوة مباشرة ومن أُخرج بواسطة التضييق عليه. ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: ديارهم: يعني التي يسكنونها سواء بأجرة أو بغير أجرة، فإن الدار المستأجرة مثلًا تسمى دار الإنسان. وقال : ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾: مع أنهم أخرجوا حصل لهم أذية في سبيل الله، أي في دين الله كما حصل للنبي ﷺ حين كان ساجدًا تحت الكعبة، فذهب قوم من قريش وأتوا بسلا الجزور ووضعوه على ظهره (١)،

стр. 1173

هذا إيذاء ولم يضره ولكنه أذية له، وفعل أيضًا في كثير من الصحابة من الأذى ما هو معروف بالسيرة. وقال تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾: وفي قراءة: (قَاتَلوا وَقُتِّلوا) وقراءة ثالثة: (وقُتِلُوا وقَاتَلوا) فالقراءات هنا ثلاث: الأولى: قَاتَلُوا وقُتِلوا، والثانية: قَاتَلُوا وقُتِّلُوا، والثالثة: قُتِلُوا وقَاتَلُوا. والمعنى لا يختلف اختلافًا كبيرًا؛ أما قوله: (قَاتَلُوا) فهذا يعني الجهاد، هم قاتَلُوا الكفار. وأما قوله: (قُتِلُوا) فهذا يعني الاستشهاد، قتلهم الكفار في سبيل الله. وأما قوله: (قُتِلُوا وقَاتَلُوا) فهي هي ولكن فيها تقديم وتأخير، وأما قوله: (قَاتَلوا وقُتِّلُوا) فهي أشد. كما قال تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]؛ فالتقتيل أشد من مجرد القتل. وقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾: الجملة في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ خبر المبتدأ في قوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ ولكنها جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، والقسم، ونون التوكيد. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أي بما حصل لهم من هذه الأشياء من هجرة، وإخراج من ديار، والإيذاء في سبيل الله، والمقاتلة في سبيل الله والقتل ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، وقد مرَّ علينا أن الفرق بين مغفرة الذنوب وتكفير السيئات عند الجمع بينهما: أن المغفرة في الكبائر، والتكفير في الصغائر؛ تكفّرها الأعمال الصالحة وتكفّرها المصائب.

стр. 1174

﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: أي صغائر ذنوبهم، ويجوز أن يراد بالسيئات هنا ما هو أعم؛ لأنها لم تقرن بالذنوب حتى نقول: كل واحدة لها معنى، وهذا له نظائر كثيرة؛ تجد بعض الكلمات يكون لها معنى وحدها ولها معنى إذا اقترنت بغيرها. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ﴾ الجملة أيضًا فيها تأكيد باللام، والقسم، والنون، وهي معطوفة على قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ فمحلها الرفع على أنها خبر المبتدأ كالأولى. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: ﴿جَنَّاتٍ﴾ بالجمع، وأحيانًا يقال: بالإفراد، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات، وفي القرآن في سورة الرحمن أن أنواع الجنات أربع، وربما يكون هناك أنواع أخرى لا نعلم بها. المهم أن الجمع باعتبار الأنواع، والإفراد باعتبار الجنس. فما هذه الجنات؟ ! . أصل الجنة البستان الكثير الأشجار، وسُمِّيَ بذلك لأنه يجنّ مَنْ فيه؛ أي يستره، والمادة هذه "ج ن ن" كلها دالة على الستر والخفاء، ومنه الْجُنَّة للمقاتل يأخذها يستتر بها عن السهام، ومنها الجَنَان يعني القلب لاختفائه، ومنه الجِنَّة أي: (الجن) لاستتارهم. يقول : ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: الجريان معروف، والأنهار جمع نهر، وجمعت لأنها أربعة أنواع مذكورة في سورة محمد: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ

стр. 1175

لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، ولا تحتاج إلى حفر ولا إلى إقامة جدر. قال ابن القيم في النونية: أنهارها في غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: هل المراد من تحت الأرض أم من تحت الأشجار الساترة؟ الجواب: الثاني من تحت الأشجار الساترة والقصور، فهي أنهار مطردة، لكنها لا تؤذي لأنها تنقاد لأمر مالكها، إذا أمر هذا النهر أن ينصرف يمينًا أو شمالًا فعل بأمر الله ، وإذا أمره أن يقف وقف. وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: قوله: ﴿ثَوَابًا﴾ في نصبه ثلاثة أوجه: الأول: أنه نصب على المصدرية، فيكون مصدرًا مؤكدًا لعامل محذوف؛ لأن معنى الجملة قبله يقتضيه، والتقدير: (لأثيبنهم إثابة أو تثويبًا) فوضع ثوابًا موضع أحد هذين المصدرين؛ لأن الثواب في الأصل اسم لما يثاب به كالعطاء اسم لما يعطى، ثم قد يقعان في موقع مصدر، وهو نظير قوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ و ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ في كونهما مؤكدين. الثاني: أن يكون منصوبًا على الحال من جنات أي: مثابًا بها، وجاز ذلك وإن كانت نكرة لتخصصها بصفة. الثالث: أنه حال من الضمير المفعول به، أي حال كونه مثابًا. يعني مع الحال أو مصدر، لكنه مصدر غريب، يكون

стр. 1176

العامل فيه لأكفرن ولأدخلن على اعتبار أن التكفير والإدخال ثواب، وفي النفس من هذا شيء، فالظاهر أنه مصدر لعامل محذوف. وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: الثواب يطلق على العطاء الذي يعطاه الإنسان كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أي هل أعطي؟ ويطلق على الإثابة التي هي فعل المثيب. والأصل الأول، أن الثواب اسم لما يثاب به، كالعطاء اسم لما يعطى، وقد يراد به الإثابة. وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: العندية هنا تقتضي تعظيم هذا الثواب؛ لأن الثواب من العظيم يكون عظيمًا، كقول النبي ﷺ في الدعاء الذي علمه أبا بكر: "اغفر لي مغفرة من عندك وارحمني" (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾: الجملة هذه مؤكدة لما سبق، أي أن الله يثيبهم الثواب الحسن؛ لأن هذا هو الذي عند الله، ولهذا يجازي المحسن بحسنته عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان فضل الله بإجابة هؤلاء الذين دعوا بما سبق؛ لقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ﴾.

стр. 1177

٢ - بيان ثبوت سمع الله لأنه لم يثبهم إلا حين سمع دعاءهم. ٣ - أن تكرار الدعاء من أسباب الإجابة، ونأخذ منها بناء على ما سبق أن الدعاء باسم الربوبية أقرب إلى الإجابة من الدعاء باسم آخر؛ لأن أكثر الأدعية الواردة في القرآن جاءت باسم الربوبية. ٤ - عناية الله بهؤلاء الأبرار؛ لقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ لأن هذه الربوبية، قلنا: إنها ربوبية خاصة. ٥ - أن الله يعطي الأجر كاملًا؛ لقوله: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ﴾، وهذا النفي يتضمن إثباتًا، فإذا كان لا يضيع عمل عامل فمقتضاه أنه يعطي العامل كل ما عمل، أي أجر كل ما عمل. ٦ - استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات وإجابة الدعوات؛ لقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. فمعناه أنهم إذا دعوا الله استجاب للذكر والأنثى، يعني لا يستجيب للذكر فقط دون الأنثى، وكذلك في ثواب الأعمال الصالحة يشتركان فيه؛ لا يفضل الذكر على الأنثى في الثواب على عمل عمله. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قد قال: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبِّ الرجل الحازم من إحداكن" (١) وذكر من نقصان دينها أنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ . فالجواب: بلى. ولكنها إذا صلت في الوقت الذي

стр. 1178

تطالب بالصلاة فيه، فإن أجرها وأجر الرجل سواء، فإذا صلت امرأة صلاة الظهر، وصلى الرجل صلاة الظهر، فهما في الأجر سواء. ٧ - فضيلة الهجرة فى قوله: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ وقد قال العلماء: إن الهجرة تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: هجر ما حرم الله، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، وهذا يعني أن المهاجر هو الذي قام بفعل الواجبات وترك المحرمات. القسم الثاني: الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، كما فعل المهاجرون من مكة إلى المدينة، وهذه هي التي يكون فيها المدح الذي جاء في القرآن. القسم الثالث: الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الاستقامة، فإن بعض البلاد تكون بلادًا إسلامية تقام فيها الشعائر الإسلامية، وينادى فيها بالأذان، وتقام الجماعات، وتقام الجُمُعات، فهي بلاد إسلامية، ولكنها بلاد فسق من جهة أخرى لكثرة المعاصي والفواحش وغيرها في هذا البلد، فيهاجر الإنسان منها إلى بلد الاستقامة، فلننظر ما هو الواجب من هذه الأنواع الثلاثة؟ ! نقول: أما الأول: (وهو هجر ما حرم الله) فهو واجب على كل إنسان، حتى في بلاد الإسلام المستقيمة يجب عليه أن يهجر ما حرم الله. وأما الثاني: (المهاجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام) فان العلماء ﵏ يقولون: إن كان قادرًا على إظهار دينه لم

стр. 1179

تجب الهجرة، وإن كان عاجزًا وجبت عليه الهجرة، فإذا كان في بلاد يحبسون الحريات ويمنعون المسلمين من إقامة شعائر دينهم كالصلوات في الجماعة مثلًا؛ فالهجرة هنا واجبة؛ لأن المسلم لا يقدر على إظهار دينه. وإن كان في بلد تعتبر نفسها بلد حرية فإن الهجرة ليست بواجبة، لكن مع هذا نقول: هي أكمل وأحسن مما لو بقي. وعليه فإذا كان يمنع من إظهار الدين وجب عليه الهجرة حتى لو كان من أهل البلد أصلًا، أما إذا كان في بلد الحرية فالهجرة أكمل، خوفًا من الفتنة. وأما الثالث: (الهجرة من بلد الفسق إلى بلد الاستقامة) هذه فيها تفصيل أيضًا: إن كان يخشى على نفسه من الفتنة وجبت عليه الهجرة، وإن كان لا يخشى لم تجب عليه الهجرة، وربما يكون بقاؤه أحسن في هذه البلاد إذا كان يدعو إلى الله. ٨ - الإخراج من الديار سبب لتكفير السيئات؛ لقوله: ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وكذلك أيضًا قوله: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. لكن لو قال قائل: إن التكفير للسيئات مرتب على كل الأوصاف الخمسة؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: إن تعليق التكفير بهذه الأوصاف الخمسة دليل على أن لكل وصف منها تأثيرٌ في الحكم، ولولا التأثير لكل واحد منها ما صحَّ أن تكون تكفيرًا للسيئات، وهذه فائدة مهمة؛ لأن بعض المجادلين قد يقولون: إن الحكم مرتب على أسباب خمسة أو أكثر فنقول: نعم إذا رتب على أسباب أكثر من واحد فإن هذه الأسباب تدل على أن لكل

стр. 1180

واحد منها تأثيرًا، ولولا أن له تأثيرًا ما ترتب الحكم أصلًا، لو أننا قلنا: رقم واحد ليس له تأثير، ورقم اثنين ليس له تأثير، ورقم ثلاثة ليس له تأثير، ورقم أربعة ليس له تأثير، لم يثبت الحكم. لكن نقول: كل واحد له تأثير بنفسه، لكن قد يقوى على حصول الحكم وقد لا يقوى إلا على حصول بعضه. ٩ - أن الإيذاء في سبيل الله يزداد الإنسان فيه أجرًا، ويتفرع على هذه القاعدة أنه ينبغي للإنسان أن يصبر على الإيذاء في سبيل الله مادام ينتظر الأجر به؛ لأن الإنسان كلما علم أنه ينال أجرًا وثوابًا بإيذائه، فإنه لابد أن يصبر عليه. ١٠ - فضيلة القتال في سبيل الله؛ لقوله: (وقاتَلوا). ١١ - فضيلة القتل في سبيل الله وذلك أن القتل في سبيل الله من الشهادة. ١٢ - أن الأعمال الصالحة تكفر بها السيئات، أي: تستر؛ لأن التكفير مأخوذ من الكفر وهو من الستر، ومنه الكُفُرَّى: الغلاف الذي يكون على طلع النخل لأنه يستره، لهذا سمي ستر السيئات بالحسنات تكفيرًا. ١٣ - أن الله ضمن ضمانًا مؤكدًا لهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الخمس، ضمن لهم ضمانين: الضمان الأول: تكفير السيئات. والضمان الثاني: إدخال الجنات. وهذا الضمان مؤكد بثلاثة مؤكدات: اللام، والقسم، ونون التوكيد. ١٤ - التشويق إلى الجنة ليزداد الإنسان قوة في العمل لها؛

стр. 1181

لقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والجنات في الأصل البساتين الكثيرة، لأنها أي البساتين الكثيرة الأشجار تجن مَنْ فيها، أي تستره وتغطيه، فيستفاد منها التشويق إلى هذا الثواب العظيم. ١٥ - أن في الجنة قصورًا؛ لقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ والتحت لا يكون إلا في مقابل الفوق العالي، وهو كذلك. ١٦ - أن الجنة فيها عدة أنهار وهي مجملة هنا، مفصلة في سورة محمد على أنها أربعة أنهار، قال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]. ١٧ - أن هذا الجزاء مثوبة لهم من الله، فلله فيه المنة عليهم، وليس لهم المنة على الله بعملهم؛ لقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولو شاء الله لم يثبهم، ولو شاء لأثابهم دون ذلك، ولكنه بفضله جعل الثواب لهم، هذا الثواب العظيم ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ١٨ - الإشارة إلى عظم هذا الثواب من قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وذلك لأن العطية تعظُم بحسب معطيها، والهبة تعظُم بحسب واهبها، وإذا كان ذلك من عند الله كان هذا دليلًا على أنه ثواب عظيم؛ لأن الثواب من العظيم عظيم. ١٩ - أنه لا يتلقى حصول الثواب إلا من الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ -أي: وحده- حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ فلا تذهب تتلقى الثواب إلا من عنده؛ لأنه مهما آتاك الخلق من ثواب، فإنه لن يكون مثل ثواب الله تعالى.

стр. 1182

فحسن الثواب إنما هو عند الله وحده، وفي هذه الجملة ما سبق بيانه من أن فيها تأكيدًا لعظم هذا الثواب، لأنه لما قال من عند الله استفدنا منه عظم الثواب. ٢٠ - وفيها فائدة أخرى وهي تأكيد لما سبق أن هذا الثواب ثواب عظيم، وأنه أحسن مثوبة يثاب بها الإنسان ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾. وهل يستفاد من هذه الآية الكريمة علو الله؟ . الجواب: أن هناك من العلماء من يقرر: أنه كلما جاءت العندية في القرآن فإنها دليل على العلو، ولكنها في بعض المواضع ليست واضحة وفي بعض المواضع واضحة مثل ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] ومثل قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩] فهنا الفوقية واضحة، لكن في مثل هذه الآية ليست ظاهرة جدًا. * * * • قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧]. لا يخفى أن ﴿لَا﴾ أي في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ ناهية، ولكن سيقول قائل: كيف تكون ناهية والفعل مفتوح ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ لأن النون هي آخر الفعل؟ ! . والجواب عن هذا: أنه إذا اتصلت نون التوكيد بالفعل المضارع لفظًا وتقديرًا صار مبنيًا على الفتح. فإن اتصلت به لفظًا لا تقديرًا لم يكن مبنيًا مثل ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فهي نون التوكيد متصلة بالمضارع لفظًا لا تقديرًا،

стр. 1183

لهذا نقول عند الإعراب: (يغرن) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ الخطاب هنا يحتمل أن يكون للرسول ﷺ ، ويحتمل أن يكون لكل من يتأتى خطابه، والقاعدة في التفسير: أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين متباينين لكن لا يتناقضان حملت عليهما جميعًا، وإذا احتملت معنيين أحدهما أعم حملت على الأعم؛ لأن الأخص يدخل في الأعم ولا عكس، فهنا إذا قلنا: إن الخطاب خاص بالنبي ﷺ أخرجنا عنه بقية الأمة، وإذا قلنا: إن الخطاب عام لكل من يتأتى خطابه صار شاملًا للرسول ﷺ ولغيره، وعلى هذا فيكون الخطاب هنا عام يعني ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ أيها الرائي الذي ترى تقلب الكفار في البلاد، لا يغرنك هذا. وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التقلب يعني التردد، أي ترددهم في البلاد وتقلبهم من بلد إلى آخر، وتقلبهم في التجارات وفي أنواع الصناعات وفي غيرها مما فتح الله عليهم، فهذا لا يغرك، ووجه الغرور الذي قد يحصل هو أن الإنسان قد يغتر بهذا الذي أعطاهم الله ، فيصنع مثل صنيعهم، أو يظن أن إعطاء الله إياهم هذا الشيء دال على أنه لا ينكر ما هم عليه، ولو أنكر ما هم عليه لم يمكِّنهم مِن التقلب في البلاد. وعلى هذا فيكون وجه الغرور من وجهين: الوجه الأول: ظن أن ما هم عليه حق؛ لأنه يقول: لو كان باطلًا ما مكَّنهم الله تعالى من هذا التقلب. الوجه الثاني: أن يفعل مثل فعلهم، كما انخدع كثير من

стр. 1184

الناس اليوم حيث ظنوا أن الكفار وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أجل تحللهم من دينهم، فصار يرى أن الالتزام بالدين -ولو كان هو الدين الحق وهو الإسلام- سبب للتأخر والتقهقر -والعياذ بالله-. إذن الغرور له وجهان: الأول: أن الله مكّنهم من هذا التقلب، ولو كان ما هم عليهم باطلًا لم يمكنهم. والثاني: أن يفعل مثل فعلهم ظنًا منه أن ما فعلوه سبب لهذا التقلب والاتساع في التجارات وغيرها. والحقيقة أن هذا لا يغر المؤمن؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨] ويقول تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٥]، فلا تغتر، هذا ليس إلا زيادة حسرة فيما عليهم. وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: البلاد: جمع؛ والمفرد بلد، ويجمع البلد أيضًا على بلدان، وكيف التقلب في البلاد؟ الجواب: يذهبون من هذا البلد إلى هذا البلد يتنقلون ويحملون تجارتهم في أمن وطمأنينة يتاجرون ويربحون، فيغتر الإنسان بذلك. وقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو متاع، هو: أي تقلبهم ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ والمتاع ما تقوم به المتعة سواء كانت متعة نفسية أو متعة جسدية، وكل متعة أضيفت إلى الدنيا أو إلى الكفار فهي

стр. 1185

متعة جسدية، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، والمتاع ما تحصل به المتعة، والمتعة نوعان: الأولى: متعة قلبية روحية، وهذه لا تكون إلا للمؤمن؛ يتمتع بذكر الله وبما أنعم الله عليه من الإيمان. والثانية: متعة جسدية يشترك فيها الإنسان والبهائم، وهي ما يحصل للجسد من اللذة والنعيم وغير ذلك. يقول تعالى: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ فهو قليل في زمنه، قليل في كميته، قليل في كيفيته، قليل في كل شيء، فالزمن قليل محدود وهو عمر الإنسان؛ ذلك العمر المجهول الذي لا يدري الإنسان متى ينتهي. قليل أيضًا في الكمية؛ لأن الإنسان لا يملك كل شيء، قليل في الكيفية، لأن الإنسان قد يحرم التمتع في هذه الدنيا بأمراض تعتريه ولا يتمتع بها، قد يحرم بفَقْدِ بعض الأشياء والله أعلم. قال الله : ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يعني ثم بعد هذا المتاع القليل مأواهم جهنم، وأتى بـ"ثم" وإن كانت دالة على التراخي للإشارة إلى أنه مهما طالت بهم المدة في هذه الحياة فإن مآلهم هذا المآل الخبيث والعياذ بالله. والمأوى بمعنى: ما يأوي إليه الإنسان، فهو اسم مكان، أي: المصير الذي يصيرون إليه وهو جهنم؛ وجهنم اسم من أسماء النار -أعاذنا الله منها- وسميت بذلك؛ لأنها مشتقة من التجهم، أو من الجهمة وهي السواد، وقيل: إنه اسم أعجمي

стр. 1186

وأصله "كهنام" لكن عرِّب إلى جهنم، وهو اسم من أسماء النار فهو غير مشتق، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ "بئس" فعل من أفعال الذم له فاعل وله مخصوص، فالفاعل هو "المهاد" والمخصوص محذوف والتقدير: وبئس المهاد هي، وإنما احتاج النحويون إلى هذا التقدير لأن المهاد غير النار، والذم للنار، فكان لابد من ذكر مخصوص بالذم غير فاعل الفعل، والمخصوص بالذم هو الضمير المحذوف، أي: وبئس المهاد هي، هذا ما قدره النحاة. و"المهاد" ما يكون مهدًا للإنسان، أي: مقرًا له، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] "مهادًا" أي مقرًا تستقرون فيه. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - نهي الإنسان أن يغتر بما أُوتي الكفار من النعم والرفاهية؛ لقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾. ٢ - أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض يمينًا وشمالًا ليس دليلًا على رضاه عن العبد، وإنما المقياس لرضا الله عن العبد هو اتباع العبد لشرع الله. ٣ - أن الله قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، ووجه ذلك أن الله مكَّن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كما يشاؤون فتنة لهم، ليستمروا على ما هم عليه فيكون ذلك شرًا -والعياذ بالله- كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨].

стр. 1187

٤ - أن المؤمن قد يضيِّق الله عليه في الرزق أحيانًا ليرجع إليه بخلاف الكافر، وإنما قلت ذلك لئلا يقول قائل: أفليس قد قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]، نقول: إن المؤمنين هم الذين يبتلون بالضراء من أجل أن يرجعوا إلى الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، أما الكفار فقد تمهد لهم الدنيا ويعطون ما يريدون وتكون جنتهم دنياهم بخلاف المؤمنين. ٥ - أن الدنيا مهما أعطي الإنسان فيها من النعيم فإنها متاع قليل، قليل في زمنه، وفي كميته، وفي كيفيته، لكن الآخرة خلاف ذلك، قال النبي ﷺ : "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١)، "السوط" متر أو أقل، خير من الدنيا وما فيها، وليست الدنيا الحاضرة فقط بل خير من كل الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها. وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٩]. ٦ - الحذر من لعب أعداء المسلمين بالمسلمين حيث يغرونهم بوسائل الترفيه، ويفتحون لهم وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزة والكرامة، فإن هذه الوسائل "الترفيهية" هي في الحقيقة حَبٌّ مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به؛ تجده حبًّا

стр. 1188

منتفخًا لينًا فتفرح به وتأخذه بطرف مناقيرها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداؤنا فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية، من أجل أن ننغمس فيها ولا يكون لنا هَمٌّ إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾. ٧ - أنه لا يمكن للكافر أن يدخل الجنة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، لا يمكن أن تكون مأواهم الجنة أبدًا لأنهم كفار. ٨ - الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف ينسى بهذا المأوى السيئ، فإذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء كما جاء في الحديث: "أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة من أهل النار من أنعم أهل الدنيا -يعني أكثرهم نعمة ورفاهية- فيغمس في النار غمسة واحدة فيقال: هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا، ما رأيت خيرًا قط". لأنه نسيه بهذه الغمسة الواحدة، فقد نسي كل ما حصل له في الدنيا من نعيم. "ويؤتى بأبئس أهل الدنيا من أهل الجنة -أي أشدهم بؤسًا- فيغمس في الجنة غمسة واحدة، فيقال: هل رأيت شرًّا قط؟ فيقول: ما رأيت شرًّا قط" (١)، لأنه نسيه بهذا النعيم الذي هو لحظة، فقد نسي كل ما حصل له في الدنيا من بؤس وفقر وأذى، وهذه الحقائق نحن نؤمن بها لكن الغفلة تستولي علينا، نسأل الله العافية، وأن يوقظ قلوبنا بذكره.

стр. 1189

٩ - بيان قبح هذا المأوى؛ لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء فقال: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله السلامة منها. * * * • ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]: وهنا قد يقول قائل: ما وجه مجيء الاستدراك في هذه الآية: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، لأن الاستدراك إنما يكون فيما يتوقع دخوله فيما سبق، (قام القوم لكن فلان لم يقم) ممن يتوقع أن يكون فيهم قائم، فهنا ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ ما وجه الاستدراك؟ وجه الاستدراك أن الذين اتقوا ربهم لو حصل لهم في الدنيا مثل ما حصل لهؤلاء الكفار لم يكن ذلك حائلًا بينهم وبين ما عند الله، يعني قد يحصل تقلب المؤمنين في البلاد كتقلب الكفار، فهل يكون مأوى المتقين كمأوى الكافرين؟ الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فالاستدراك هنا من ألطف ما يكون لئلَّا يظن الظان أن الله لو مكَّن للمؤمنين أن يتقلبوا في البلاد تقلب الكفار لفاتهم ما عند الله، فبيَّن أنه لن يفوتهم فقال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾. والتقوى تمرُّ بنا كثيرًا، وأحسن ما فسِّرت به أنها: (اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه)، هذا أجمع ما قيل في التقوى: اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾:

стр. 1190

ولم يقل: (اتقوا الله) إشارة إلى أن ربوبية الله لهم ربوبية خاصة أعانهم فيها على التقوى، ووفَّقهم لها، فكانت ربوبيته لهم ربوبية خاصة بهم كربوبيته لبعض الأنبياء مثل ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢]، فهي ربوبية خاصة لا يشركهم فيها أحد. ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾: إذا رجعنا إلى الإعراب بعد معرفة المعنى نقول: (لكن): حرف استدراك غير عاملة، و ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، و ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾: مبتدأ وخبر، والمبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول. ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: جنات: جمع جنة، وأصلها: البستان الكثير الأشجار، سمي بذلك لأنه يجن مَنْ كان فيه أي يستره، ولكننا لا نفسر "جنات" أو "جنة" التي في القرآن، والتي يريد الله بها جنة الخلد، بهذا التفسير (عند العامة)، لأنك لو فسرتها هذا التفسير عندهم لنزلت رغبتهم في الجنة نزولًا كثيرًا. بل نقول -وهو المراد-: الجنة هي: الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. لهذا أقول: ينبغي لطالب العلم أن يفسر القرآن بمعناه، ولكن إذا خاف فتنة فليفسره بما يوافق العقول ولا يخالف النصوص. فإذا قلت عند العامة: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فالتفسير هذا صحيح. لكن عندما تتكلم مع طالب علم يقول: ما معنى الجنة؟ ولماذا سميت بهذا؟

стр. 1191

نأتي إلى المادة (الجيم والنون) نجد أنها كلها تدل على الاستتار، فتقول: هي في الأصل البستان الكثير الأشجار، ولنا أن نقول: إن الجنة في الأصل هي هذا المعنى، لكن نقلت شرعًا إلى الدار التي أعدها الله للمتقين كما نقلت الصلاة والزكاة والحج والعمرة إلى معناها الشرعي. ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: سبق لنا أن قوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يدل على علو قصورها وأشجارها، وأن الأنهار أربعة، وأنها تجري بلا أخدود وبلا شق ساق، بل تجري حيث شاء صاحبها، يقول ابن القيم ﵀ في (النونية): أنهارها من غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهلها. يقول: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود: هو البقاء، باقون فيها أبدا كما قال الله تعالى في آيات أخرى متعددة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧]. ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: نزلًا: هذه منصوبة على الحال، أي: حال كون هذه الجنات نزلًا. فإذا قال قائل: كيف تكون حالًا وصاحبها نكرة؛ لأن "جنات" نكرة والحال لا تأتي من النكرة، بل لابد أن يكون صاحبها معرفة؟ فالجواب عن ذلك أن نقول: وإن كان صاحبها نكرة إلا أنه خصص بالنعت: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والنكرة المخصصة تأتي

стр. 1192

منها الحال كما تأتي من المعرفة، والنزل اسم جامد وليس بمشتق، فإن قيل: إن الحال لا يكون جامدًا بل لابد أن يكون مشتقًا. فالجواب أن يقال: إنه قد تأتي الحال جامدة، لكنها مؤولة بالمشتق، يعني: أنهم مكرمين بهذا النزل. والنزل اسم لأول ما يقدم للضيف من الطعام، ومعلوم أن أول يوم للضيف يقدم له أطيب وأحسن شيء، فجعل الله هذه الجنة كلها نزلًا لا يختلف آخرها عن أولها بخلاف نُزل الضيافة في الدنيا، فإنه يكون أول يوم من أطيب ما يكون ثم يقل في اليوم الثاني وهكذا. وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: أن هذا النُزل ليس من فلان أو فلان بل من عند أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وهو الله، والنُزل من الأكبر يكون عظيمًا وكريمًا وكثيرًا. قال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾: (ما) اسم موصول، ولا يمكن أن تكون نافية؛ لأن المعنى يفسد كثيرًا، لو قلت (ما) نافية صار المعنى: ليس عند الله خير للأبرار، وهذا كذب، فهي (ما) الموصولة، يعني والذي عند الله خير فتكون مبتدأ "وخير" خبره. يعني: وما عند الله خير مما ذكر من وصف الجنات، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] ففي الجنة أكثر مما يتمناه الإنسان وأكثر مما يتصوره؛ وهو النظر إلى وجه الله ، فإن النظر إلى وجه الله أعظم ما يكون من النعيم،

стр. 1193

ولهذا سماه الله "زيادة" في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فقد فسَّر أعلم الخلق بالله وهو النبي ﷺ "الزيادة" بأنها النظر إلى وجه الله . ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾: الأبرار: جمع بَر، والبَرُّ كثير الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أي كثير الخيرات، فالأبرار جمع بر، وهم كثيرو الخيرات، وذلك بفعلهم ما أمر الله به وتركهم ما نهى الله عنه. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين؛ لقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾. ٢ - فيه بيان فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله ، وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ٣ - أن هؤلاء المتقين ثوابهم عند الله أكثر بكثير مما يعطى هؤلاء الذين يتقلبون في البلاد؛ لأن الله قال في المتقلبين: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾، أما هؤلاء فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ دائمًا وأبدًا. ٤ - عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم؛ لأنه نُزل من عند أكرم الأكرمين وهو الله ؛ لقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ٥ - ما استنبطه بعض أهل العلم من أن قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يفيد العلو، وذلك لأنه لا يمكن أن يفيد السفلى؛ لأن ذلك

стр. 1194

نقص ينزه الله عنه، فتعيَّن أن يكون ذلك في العلو ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾. ٦ - أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات كان لهم عند الله هذا النزل العظيم. ٧ - أن في الجنات أنهار عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. ٨ - أن مَنْ مَنَّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة، حيث قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فتخصيص الربوبية هنا بهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة، وقد مرَّ علينا كثيرًا أن ربوبية الله لخلقه نوعان: "عامة، وخاصة"، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق. والخاصة هي الخاصة بالمؤمنين، كما أن "العبودية لله " أيضًا نوعان: عامة: وهي التي لجميع الخلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]. وخاصة: وهي للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وهذه الخاصة منها ما هو أخص كما في عبودية الرسول فهي أخص من العبودية العامة للمؤمنين المتقين، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق وعموم نسبي. فالعموم المطلق: هو الذي يشمل جميع من في السموات والأرض. والنسبي: هو عموم عبودية المؤمنين، فإنه عام بالنسبة لعبودية الرسول، خاص بالنسبة للعبودية المطلقة.

стр. 1195

٩ - أن هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نزلًا، وهو ما يقدم للضيف من الكرامة، فما بالك بما يكون بعد هذا؟ لا شك أنه سيكون خيرًا كثيرًا. * * * • ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]: قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ﴾: "إن" للتوكيد و"اللام" أيضًا للتوكيد، ففي الآية مؤكدان "إنَّ" و"اللام"، وهنا لا يخفى أن في الجملة تقديمًا وتأخيرًا، فإن ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم و ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي للذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم. وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: وهؤلاء كثير في النصارى؛ لأن من آمن منهم كثير بمحمد ﷺ ، أما في اليهود فلم يبلغوا العشرة الذين آمنوا بمحمد ﷺ في حال حياته. فمن اليهود الذين أسلموا (عبد الله بن سلام ﵁) فإنه كان حبرًا من أحبارهم فأسلم، ومن النصارى كثير مثل النجاشي ملك الحبشة.
следующие страницы →