← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كلاهما يدخل الجنة" (١)، لو سألته وقلت: يا رسول الله، ما معنى يضحك؟ قال: لا أدري! ! وقوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر" (٢)، لو سألته: ما معنى ينزل؟ قال: لا أدري! ! . هكذا زعموا! ! وهو أمر يدعو للعجب، وزَعْمٌ بعيدٌ عن الصواب. إذن نقول: آيات الصفات من المتشابه في الحقيقة والكيفية التي هي عليها؛ لأن الإنسان بشر لا يمكن أن يدرك هذه الصفات العظيمة، لكن في المعنى محكمة معلومة لا تخفى على كل أحد، كلنا يعرف ما معنى العلم، كلنا يعرف ما معنى الاستواء، كلنا يعرف ما معنى الوجه، وما معنى اليد. لهذا قال الإمام مالك ﵀ قوله المشهور الذي روي عن شيخه أيضًا قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (٣)، فمثلًا: نحن نعلم معنى (العين)،

стр. 37

لكن حقيقة عين الله وكيفيتها غير معلومة، عين المخلوق معروفة مكونة من طبقات متعددة، ومن عروق، ومن كذا. . . لكن عين الله لا يمكن أن نقول فيها هكذا لأنها مجهولة لنا. إذن حقيقتها غير معلومة، لكن معنى العين وهي التي يحصل بها النظر والرؤية أمر معلوم. وكذا يد الله ، فاليد معروفة، والأصابع معروفة، والقبض باليد معروف، والأخذ باليد معروف؛ لكن حقيقة هذه اليد وكيفيتها لا نستطيع أن نتكلم فيها، ومن ادَّعى العلم بها فهو كاذب. هذه معنى الحقائق، فالحقائق شيء والمعنى شيء آخر، وثقوا بأننا لو نقول: إننا لا نعلم معاني آيات الصفات أنه سيفوتنا ثلاثون في المائة من معاني القرآن أو أكثر؛ لأننا ما نكاد نجد آية إلا وفيها اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته. وقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، أي: صدَّقنا به، بالمحكم وبالمتشابه، أما المحكم: فظاهر، وأنهم عرفوا معناه واطمأنوا إليه، وأما المتشابه: فإيمانهم به هو التسليم، ولهذا قال فيه: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ولا يمكن أبدًا أن يكون فيه تعارض أو تناقض. في هذه الآية قسَّم الله القرآن إلى قسمين، ولكنه في موضع آخر جعله قسمًا واحدًا، فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]

стр. 38

وقال في آية أخرى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]. وقال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. ولم يذكر التشابه، وهذا أيضًا من المتشابه، فكيف يوصف القرآن بأوصاف ظاهرها التعارض؟ ! فالراسخون في العلم يعلمون أنه لا تعارض، فيقولون: المتشابه الذي وصف به القرآن غير مقرون بالمحكم، فيراد به التشابه في الكمال والجودة والهداية. فهو متشابه أي: كل آياته متشابهة، كلها كاملة البلاغة، كلها كاملة في الخبر، كاملة في الأمر والنهي، فهي متشابهة من حيث الكمال والجودة والإحكام والإخبار وغير ذلك. وإذا ذكر محكم بغير ذكر المتشابه فالمعنى: أنه واضح متقن، ليس فيه تناقض ولا تعارض، ولا كذب في خبر، ولا جور في حكم، فيحمل الإحكام على معنىً، والتشابه على معنى آخر. قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ﴿وَمَا﴾: نافية، ﴿يَذَّكَّرُ﴾: أصلها يتذكر، لكن قلبت التاء ذالًا وأدغمت في الذال الأخرى، فصارت ﴿يَذَّكَّرُ﴾ أي: لا يتعظ وينتفع بالقرآن إلا أولو الألباب، أي: إلا أصحاب العقول؛ لأن الألباب جمع لب، واللب هو العقل، والمراد بالعقل هنا عقل الإدراك الذي ضده الجنون، وعقل التصرف الذي ضده السَّفه. فالذي يتذكر بالقرآن هو الإنسان الذي أعطاه الله عقلًا يدرك به الأشياء، وأعطاه الله رشدًا يحسن به التصرف. وأما من أعطاه الله

стр. 39

عقلًا يدرك به الأشياء وهو العقل المضاد للجنون ولم يعطه عقلًا يحسن به التصرف وهو العقل المضاد للسفه، فهو لا ينتفع بالقرآن. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن هذا القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، ولا يَرِدُ مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام: ٩٩] لأن الكلام صفة لا تقوم بذاتها، لا تقوم إلا بمتكلم، بخلاف الحديد والماء فإنهما عين قائمة بنفسها؛ فتكون مخلوقة، وأما القرآن فليس بمخلوق، لأنه صفة الخالق ، والمخلوق شيء بائن عن الخالق منفصل عنه. ٢ - إثبات علو الله ، لقوله: ﴿أَنزَلَ﴾ والإنزال لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل، فإذا كان القرآن كلامه ونزل فالله تعالى فوق، وهو كذلك. ومذهب أهل السنّة والجماعة بل مذهب الرسل كلهم أن الله تعالى فوق كل شيء، ألم تروا إلى فرعون قال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، وهذا يدل على أن موسى قال له: إن الله فوق. فالعلو لله ثابت بخمسة أنواع من الأدلة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل والفطرة. أما الكتاب فأدلته أكثر من أن تحصى، أدلة متنوعة تارة بذكر العلو، وتارة بالفوقية، وتارة بنزول الأشياء، وتارة بصعود الأشياء، وتارة بذكر كونه في السماء.

стр. 40

والسنّة كذلك متواترة فى علو الله، ومتنوعة. فتارة بقول الرسول ﵊، وتارة بفعله، وتارة بإقراره. أما قوله: فكان يقول في كل صلاة: "سبحان ربي الأعلى" (١). وأما فعله: فقد أشار إلى السماء غير مرة، يشير إلى السماء في الدعاء، يرفع يديه إلى السماء (٢)، وأشار إلى السماء حين أشهد ربه على أمته أنهم أقروا بإبلاغه الرسالة في حجة الوداع في يوم عرفة (٣)، في أكبر مجمع للمسلمين في عهد الرسول ﵊. وأما إقراره: فسأل الجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٤). وأما الإجماع: فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى بعدهم على أن الله تعالى فوق كل شيء، ولم يُنقل عن واحد منهم أنه قال: إنَّ الله في كل مكان، ولا أنه قال:

стр. 41

إن الله لا يوصف بأنه فوق العالم ولا تحته، ولا داخله ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا مباين ولا محايث. وأما العقل: فإننا لو سألنا أي إنسان: ماذا تقول في العلو؟ أهو صفة كمال أو نقص؟ لقال: هو صفة كمال، والعقل يقول: كل صفة كمال فهي ثابتة لله ، فيثبت العلو لله بدلالة العقل من هذه الناحية. وأما الفطرة: فحدِّث ولا حرج، الإنسان الذي لم يتعلم ولا يدري عن كلام العلماء في هذا إذا سأل الله يرفع يديه إلى السماء، وما رأينا أحدًا لما أراد أن يدعو ركز يديه إلى الأرض، ولا ذهب يمينًا ولا يسارًا، بل يرفعهما إلى السماء. ولهذا استدل أبو العلاء الهمداني على أبي المعالي الجويني بهذا الدليل الفطري، حتى إن الجويني لم يتمالك أن صرخ وضرب على رأسه وقال: حيرني؛ لأن أبا المعالي الجويني غفر الله لنا وله كان يحدث الناس، ويقول: كان الله ولا شيء -وهذا صحيح؛ لأن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء-، ويقول: وهو الآن على ما كان عليه! ! وهذه الكلمة موهمة. يعني: غير مستوٍ على العرش؛ لأن العرش لم يكن وقد كان الله ولا شيء، وهو الآن على ما كان عليه، إذن فلم يستو على العرش. فقال له أبو العلاء الهمداني: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش -لأن الاستواء على العرش دليله غير عقلي بل دليله سمعي، فلولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا ذلك- أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال

стр. 42

عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو! ! فصرخ أبو المعالي، وضرب على رأسه، وقال: حيّرني! ! لأنه لا يجد جوابًا عن هذه الفطرة. فعلوُّ الله -ولله الحمد- دل عليه الكتاب والسنّة والإجماع والعقل والفطرة. ولولا قول من اجتالتهم الشياطين ما كان يفكر الإنسان أن الله تعالى في كل مكان أبدًا! ! ولا يطرأ على باله، ولا يفكر أننا نسلب عنه كل صفة، فنقول: لا فوق العالم ولا تحته، ولا يمين العالم ولا شمال العالم، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم! ! أين يكون! ؟ فهذا هو العدم والعياذ بالله. والغريب أن هؤلاء يرون أنهم نزهوا الله! وهم لو قيل لهم: صفوا لنا العدم ما وجدوا أحسن من هذا الوصف. نسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا. ٣ - أن هذا القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه؛ لقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. ٤ - وجوب الرجوع إلى المحكم إزاء المتشابه؛ لقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني: مرجعه، وهذا لا يختص بالقرآن، بل حتى في السنّة، إذا وجدت أحاديث متشابهة وأحاديث واضحة محكمة، فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا، سواء كان التشابه في مدلولات الألفاظ، أو كان التشابه في ثبوت الخبر، وهذا الأخير يختص بالسنّة، لأن القرآن ليس فيه اشتباه بالنسبة إلى ثبوته، أو كان الاشتباه بأقوال أهل العلم، بمعنى أن العلماء يكون أكثرهم على قول وهو يكون مشتبه عليك. وأمَّا بالنسبة للأدلة فإن الغالب أن الحق يكون مع من هو أوثق

стр. 43

وأقرب إلى الكتاب والسنّة إما بالعلم أو بالأمانة أو بالكثرة. ٥ - حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين، ووجه الحكمة أنه بهذا يحصل الابتلاء والامتحان، فالمؤمن لا يضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل، فكما أن الله يمتحن العباد بالأوامر والنواهي فهو يمتحنهم أيضًا بالأدلة؛ فيجعل هذا محكمًا وهذا متشابهًا، ليتبين المؤمن من غير المؤمن، ولو كان القرآن كله محكمًا لم يحصل الابتلاء، ولو كان كله متشابهًا لم يحصل البيان، والله جعل القرآن بيانًا، وجعله محكمًا متشابهًا للاختبار والامتحان. ٦ - أن من علامة الزيغ أن يتبع الإنسان المتشابه من القرآن سواء تبعه بالنسبة لتصوره فيما بينه وبين نفسه، وصار يورد على نفسه آيات متشابهات، أو كان يتبع ذلك بالنسبة لعرض القرآن على غيره، فيقول للناس مثلًا: ماذا تقولون في كذا وكذا، ويأتي بالآيات المتشابهات بدون أن يحلها. ولهذا من الخطر العظيم أن تورد -سواء للطلبة أو للعامة- آيات متشابهة دون أن تبين حل إشكالها، لأنك إذا فعلت هذا أوقعتهم في الحيرة والشك، وصرت كمن ألقى إنسانًا في بحر لا يستطيع الخلاص منه ولم يخلصه، وهذا يقع من بعض المتحذلقين من طلبة العلم أنه يورد الآيات المتشابهات ثم يقف ولا يبين للناس وجه هذا التشابه، فيوقع الناس في حيرة وهو لا يشعر. ٧ - أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه تارة يبتغون الفتنة، وصدّ الناس عن دينهم، ونزع الثقة من قلوبهم بالنسبة للقرآن، لقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. وتارة يريدون بذلك أن يحرفوه إلى المعنى

стр. 44

الذي يريدون، وذلك لأنهم لو أرادوا أن يحرفوا المحكم، ما قبلوا، لكن يأتون بالمتشابه ليتمكنوا من تحريفه على ما يريدون، لأنه إذا كان متشابهًا فإن المخاطب الذي يخاطبونه يكون قد اشتبه عليه الأمر، فيقبل ما جاءوا به من التحريف، وبهذا يزول الإشكال الذي قد يعرض للإنسان في قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، لأن ابتغاء التأويل على الوجه المراد أمر مطلوب، وليس من شأن ذوي الزيغ، بل هو من شأن أهل الإيمان، لكن ذوي الزيغ يأتون بهذا المتشابه من أجل أن يحرّفوه على ما يريدون، لأنه ليس محكمًا واضحًا حتى يعارضهم الناس، لكنه متشابه، فيحصل بذلك ما يريدون من التحريف. وهنا مسألة: وهي أن كثيرًا من المتكلمين قالوا: إن آيات الصفات من المتشابه، وقالوا: إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، فصارت النتيجة أن آيات الصفات لا يُعرف معناها، ولهذا قالوا: إن القول الحق في آيات الصفات هو التفويض. فقولهم: إن الحق هو التفويض وأن لا تتكلم فيها بشيء ناتج عن هذين الأمرين: الأول: أن آيات الصفات من المتشابه. والثاني: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله. فتكون النتيجة أن لا نخوض في معاني آيات الصفات، لأنها من المتشابه، ولا يعلم تأويله إلا الله، وما لا يمكن الوصول إلى علمه لا يجوز الخوض فيه. ولكن نقول: إن هذا القول قول باطل، فماذا تعنون بالتشابه في آيات الصفات؟ إن قالوا: نريد اشتباه المعنى -وهو الذي

стр. 45

يريدونه- قلنا: هذا خطأ، لأن معاني آيات الصفات واضحة ومعلومة، وليس فيها اشتباه إطلاقًا. كما قال الإمام مالك ﵀: (الاستواء غير مجهول)، أي: هو معلوم لكل أحد. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، يعني علا عليه. وإن أرادوا بالتشابه اشتباه الحقيقة والكيفية، فهم صادقون، ولكنهم لا يريدون هذا، لأنهم لو قالوا: نحن نعلم المعنى ونجهل الكيفية والحقيقة، قلنا: هذا مذهب صحيح. لكنهم يقولون: نحن نجهل المعنى والكيفية والحقيقة، لهذا سموا أهل التفويض، وأهل التجهيل، لأنهم يقولون: كل آيات الصفات وأحاديثها غير معلومة لأحد، وقراءتنا لها بمنزلة قراءة الأعجمي للخطاب العربي، أو بمنزلة قراءة العربي للخطاب العجمي، أو بمنزلة قراءة الحروف الهجائية: أ، ب، ت. . . إلخ، هذا نظرهم بالنسبة لآيات الصفات، وهو نظر -بلا شك- خاطئ. كيف نعلم معنى آيات الوضوء والصلاة والبيع وما أشبهه مما لا تعد شيئًا بالنسبة لصفات الله ، ونجهل معاني آيات الصفات؟ ! هي أولى بالعلم من غيرها، ولا تكمل العبادة حقًا إلا بمعرفة صفات الله . ٨ - فضيلة الرسوخ في العلم، وهو الثبات فيه والتعمق فيه، حتى نصل إلى جذوره؛ لقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وضد الرسوخ في العلم السطحية في العلم، وما أكثر السطحية اليوم فينا! ! أكثر الناس اليوم علومهم سطحية. ولهذا تجدهم إذا أَلَّفوا أو كتبوا يكثرون من النقول، بسبب أنه ليس عندهم حصيلة علمية، فيجعل نفسه في حل من الكلام. وأما أهل العلم حقًا

стр. 46

فتجدهم يتكلمون بالعلم من صدورهم بدون نقل، ولهذا عباراتهم أحيانًا تخالف عبارات العلماء الآخرين، ومن أوضح ما يكون كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، تجد أنهما يتكلمان عن علم راسخ، وأمثالهما كثير. ٩ - أنه ينبغي للإنسان أن يحرص أن يكون راسخًا في العلم، لا جامعًا كثيرًا منه، لأن العبرة بالرسوخ في العلم، لأن الإنسان إذا كان عنده رسوخ في العلم صار عنده ملكة يستطيع أن يقرب العلم بعضه من بعض، ويقيس ما لم يُنَصَّ عليه على ما نُصَّ عليه، ويكون العلم لديه كالطبيعة الراسخة. ١٠ - أن الراسخين في العلم يعلمون أن الذي يكون من عند الله لا يكون فيه تناقض، لقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ١١ - أن مقتضى الربوبية أن الله ينزل على عباده كتابًا لا يكون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه، لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته، فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف. ١٢ - أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول، لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. ١٣ - أنه كلما ازداد الإنسان عقلًا ازداد تذكرًا بكلام الله . وكلما نقص تذكره بالقرآن دلَّ على نقص عقله، لأنه إذا كان الله حصر التذكر بأولي الألباب، فإنه يقتضي انتفاء هذا التذكر عَمَّن ليس عنده لبٌّ. ١٤ - أن العقل غير الذكاء، لأننا نجد كثيرًا من الناس

стр. 47

أذكياء، ولكن لا يتذكرون بالقرآن، وهؤلاء لا نسميهم عقلاء، لكن الذي انتفى عنهم من العقل هو عقل التصرف والرشد، أما الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحجة. ١٥ - أن من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله، على قراءة الوقف: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، والفائدة امتحان العباد بتأدبهم مع الله . هل يحاولون أن يصلوا إلى شيء لا تدركه عقولهم، أو يقفون على حدود ما تدركه عقولهم، لأن من الناس من يذهب ويتجرأ على محاولة إدراك ما لا يصل إليه العقل، ومن الناس من يتأدب، فإذا وصل إلى ما لا يبلغه العقل وقف. ١٦ - سعة علم الله ؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، على قراءة الوقف. ١٧ - أن كلام الله يختلف؛ منه محكم، ومنه متشابه، ومنه أمر، ومنه نهي، ومنه خبر، ومنه استخبار، إلى أنواع لا يحصيها إلا الله، خلافًا لمن قال: إن كلام الله نوع واحد، وأن اختلاف الصور أو الصيغ لا يدل على تنوعه واختلافه، مثل الأشاعرة الذين يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأنه شيء واحد، إن عُبِّرَ عنه بالعربية صار قرآنًا، وإن عُبِّرَ عنه بالعبرية صار توراة، وإن عُبِّرَ عنه بالسريانية صار إنجيلًا، وإن عُبِّرَ عنه بصيغة النهي صار نهيًا، وإن عُبِّرَ عنه بصيغة الأمر صار أمرًا، وإلا فهو شيء واحد، ولا شك أن هذا قول يبطله العقل والسمع.

стр. 48

• ثم قال : ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. الظاهر أن هذا من جملة قول الراسخين في العلم. يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ويقولون أيضًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. والدعاء غالبًا يُصَدَّر بالربِّ، لأن الدعاء يتطلب الإجابة، والإجابة من الأفعال، والأفعال علاقتها بالربوبية أكثر من علاقتها بالألوهية، ولهذا غالب الأدعية يأتي مُصَدَّرًا بالربِّ ﴿رَبِّنَا﴾. وقوله: ﴿رَبِّنَا﴾: منصوبة بيا النداء المحذوفة. وأصل الكلام (يا ربنا) لكن حذفت يا النداء تخفيفًا، وتيمنًا بالبداءة باسم الله . وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: ﴿لَا تُزِغْ﴾: هذه جملة دعائية وإن كانت بصيغة النهي؛ لأن النهي لا يمكن أن يرد من المخلوق للخالق. إذ النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، ولا يمكن للمخلوق أن يطلب من ربه أن يكف على وجه الاستعلاء أبدًا. وإذا وُجِّهَ الطلبُ من أدنى إلى أعلى سُمِّيَ دعاءً، فلهذا نقول: (لا): دعائية، ولا نقول: (لا): ناهية، لأنه لا نهي من المخلوق للخالق. وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: أي: لا تزغها عن الهداية، بل اهدها هداية دلالة وهداية توفيق. وقوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ سلط الفعل على القلب؛ لأن القلب عليه مدار العمل، لقول النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا

стр. 49

صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١)، والقلب هو هذا الجزء المستقر في الصدر، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وبهذا القلب يكون العقل؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وبناء على هذه الأدلة يتبين أن العقل في القلب وليس في الدماغ، والعلماء اختلفوا قديمًا وحديثًا، هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ والذي دلَّ عليه القرآن أنَّه في القلب، والقرآن كلام الخالق، والخالق أعلم بما خلق. فالعقل بالقلب لكن عقل القلب هو عقل التصرف والتدبير، ليس عقل الإدراك والتصور، فإن عقل الإدراك والتصور يكون في المخ. فالمخ يتصور ويعقل، وهو بمنزلة المترجم للقلب يشرح ما يريد رفعه إلى القلب، ثم يرفعه إلى القلب، ثم يصدر القلب الأوامر، والذي يبلغ الأوامر الدماغ. ولهذا تنشط العضلات كلها بنشاط الدماغ، فصارت المسألة سلسلة، والذي يتصور ويدرك وفيه عقل الإدراك هو الدماغ، وأما عقل التصرف والتدبير والرشاد والفساد فهو عقل القلب. وحينئذ يزول الإشكال، وتجتمع الأدلة الحسية والشرعية، فالعقل الإدراكي محله هو الدماغ، والعقل التصرفي الإرشادي الذي به الرشاد والفساد هو القلب. يقول الله : ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وإذا استقامت

стр. 50

القلوب ولم تمل، استقامت الجوارح عقيدةً وقولًا وعملًا. وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: هذه الجملة لا يراد بها الافتخار، وإنَّما يراد بها التوسل بالنعم السابقة إلى النعم اللاحقة، فكأنهم يقولون: ربنا إنك مننت علينا بالهداية أولًا، فنسألك أن تمن علينا بثبوت هذه الهداية فلا تزغها، فيكون في هذا الدعاء ثناء على الله بالهداية السابقة، وأنه أهل للفضل والإنعام. وقوله: ﴿هَدَيْتَنَا﴾: هداية دلالة وتوفيق. فهداية الدلالة أن بيّن لهم الحق، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وهداية التوفيق أن وفَّقهم لسلوك الحق، فمن الناس من يحرم الهدايتين كالنصارى، فهم ضالون لم يعرفوا الحق، ولم يعملوا به. ومن الناس من يحرم الهداية الثانية، هداية التوفيق كاليهود؛ فاليهود علموا لكن لم يعملوا به. ومن الناس من يرزق الهدايتين كالمؤمنين الذين أنعم الله عليهم، فهم هدوا إلى الحق بالدلالة عليه، واهتدوا إلى الحق بالتوفيق. وقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: (هب): بمعنى أعط، والهبة: هي العطاء بلا عوض، وكمالها بلا منة. والله له المنة علينا، كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧]. والصيغة هنا للدعاء. ﴿وَهَبْ لَنَا﴾: يعني أعطنا ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي من عندك،

стр. 51

وأضافوا هذه الهبة إلى الله لئلا يكون لأحد عليهم منّة سواه، هذا من وجه، ولأنها إذا كانت من عند الله وهو أكرم الأكرمين صارت هبة عظيمة، لأن العطاء على قدر المعطي، ولهذا قال النبي ﷺ لأبي بكر حين سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني" (١). ﴿رَحْمَةً﴾: الرحمة صفة من صفات الله ، وتطلق على نِعَمِه، لأنها من آثار رحمته، كما قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. وقال الله تعالى للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، فتطلق الرحمة على هذا وهذا. وفي هذه الآية: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ هي النعم وهي من آثار رحمته. والرحمة يحصل بها المطلوب، وينجو بها الإنسان من المرهوب، فإن جمعت مع المغفرة صار بالرحمة حصول المطلوب، وبالمغفرة النجاة من المرهوب.

стр. 52

وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: الجملة هنا استئنافية للتعليل والتوسل. يعني إننا إنما طلبنا منك هبة الرحمة لأنك أنت الوهاب، وأُتي بالضمير (أنت) ويسمى ضمير الفصل لثلاث فوائد: ١ - الفصل بين الصفة والخبر. ٢ - التوكيد. ٣ - الحصر. و﴿الْوَهَّابُ﴾ يعني الكثير العطاء، وهذه صفة لازمة له، والذين يعطيهم الله كثيرون لا يحصون. قال النبي ﷺ : "يد الله ملأى، سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يَغِضْ ما في يمينه" (١). وقال الله تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلَّا كما ينقص المخيط إذا غُمس في البحر" (٢). وهذا لا ينقص البحر شيئًا! فالله لا يحصي أحد هباته أبدًا حتَّى بالنسبة لك أنت بنفسك لا تحصي هبات الله لك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤].

стр. 53

من فوائد الآية الكريمة: ١ - مشروعية الدعاء بهذه الصيغة، لأنه دعاء الراسخين في العلم وأولي الألباب. ٢ - مشروعية تصدير الدعاء باسم الرب ﴿رَبَّنَا﴾. ٣ - أن الإنسان لا يملك قلبه، ولهذا تسأل الله أن لا يزيغ قلبك، فلا تغتر بنفسك أنك مؤمن، فكم من إنسان مؤمن زلَّ والعياذ بالله. ولكن اسأل الله دائمًا أن يثبتك، وأن لا يزيغ قلبك. وقد أخبر النبي ﵊: "أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أزاغه وإن شاء هداه، يصرفها كيف يشاء" (١). ٤ - الدلالة على أن في صلاح القلب صلاح جميع الجسد، لأنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. ٥ - أن للقلب حالين: حال استقامة، وحال زيغ. والإنسان مضطر إلى أن يسأل الله أن لا يزيغ قلبه، حتَّى يكون مستقيمًا. ٦ - التوسل إلى الله تعالى بنعمه؛ لقولهم: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. ٧ - الثناء على هؤلاء الراسخين حيث اعترفوا لله تعالى بالنعمة في قولهم: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. ٨ - أن التخلية تكون قبل التحلية، يعني يُفرغ المكان من

стр. 54

الشوائب والأذى ثم يطهر، من قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ثم قال: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾. ٩ - أن الإنسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع، وإن شئت فقل في الجلب والدفع، لأنهم سألوا أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وسألوا أن يهب لهم منه رحمة. فدعاؤهم أن لا يزيغ قلوبهم دعاء بالرفع، ودعاؤهم بـ ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ دعاء بالدفع، يعني هب لنا من لدنك رحمة ندفع بها السوء، ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا ترفع عنا الهداية بعد أن اهتدينا. ١٠ - أن العطاء يكون على قدر المعطي، لقوله: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ هذا من باب التوسل بحال المدعو، ومن باب التوسل بصفات الله . ١١ - التوسل بأسماء الله؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فإنه من مقتضى كونه وهابًا أن يهب لنا من لدنه رحمة. ١٢ - أن الإنسان مفتقر إلى رحمة الله ، ولهذا سأل الله أن يهب له من لدنه رحمة. * * * • قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. ﴿جَامِعُ﴾: اسم فاعل. وهنا لم يعمل لأنه أضيف، ولولا الإضافة لكان يقول: ربنا إنك جامعٌ الناسَ، لكن بالإضافة لا يعمل إلَّا الجر. وقوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ المعنى: أنَّه يجمعهم لهذا الوقت. فاللام هنا للتوقيت، فهي كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: وقت دلوكها. أو

стр. 55

كقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: وقت عدتهن. فالله تعالى جامع الناس لهذا الوقت، ليوم لا ريب فيه، أي لا شك. ولكن الريب أبلغ من الشك، وإن كان معناهما متقاربًا، لأن الريب فيه زيادة قلق واضطراب مع الشك، والشك خال من ذلك. ولهذا جاءت كلمة (ريب) الدالة بمفهومها اللفظي على أن هناك نوعًا من القلق والاضطراب الحاصل بالشك، لأن من الشكوك ما لا يولد همًا، ولا غمًا، ولا اضطرابًا، ولا يهتم به الإنسان، ومن الشكوك ما يهتم به الإنسان، ويضطرب، ويقلق، مثل هذه الأمور العظيمة الواردة في الأخبار باليوم الآخر، فإن الإنسان لابد أن يطمئن اطمئنانًا كاملًا. و﴿لَا﴾: نافية للجنس، و ﴿رَيْبَ﴾ اسمها. و ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبرها، وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ تأكيد لما سبق من كونه تعالى جامع الناس ليوم لا ريب فيه. في هذه الآية يقول الله تعالى عن هؤلاء الراسخين: إنهم بعد أن يدعوا الله بما سبق يخبروا هذا الخبر المعبر عن إيمانهم ويقينهم بأنهم يؤمنون بأن الله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومن ثَمَّ دعوا الله أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يهب لهم منه رحمة، لأنهم يؤمنون بأن هناك يوما يجمع الله فيه الناس، فيجازيهم بعملهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. ما أكثر الناس الذين سبقونا! وما أكثر الناس الذين يلحقون بنا! والله أعلم.

стр. 56

ومع هذا كل هؤلاء الناس سوف يجمعون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، يسمعهم الداعي؛ لأنه لا يحول بينهم وبين صوته لا شجر ولا جدر ولا جبال ولا أودية، وكذلك ينفذهم البصر؛ لأنهم في أرض مبسوطة غير كروية، فيكون البصر يرى أقصاهم مثلما يرى أدناهم، وهذا ظاهر، فالأرض كلها مبسوطة بسط الأديم كما أخبر بذلك النبي ﷺ (١)، وأخبر الله تعالى أنَّه يجمع الناس كلهم في ذلك اليوم من أولهم إلى آخرهم، ويجمع الجن، بل ويجمع الوحوش والبهائم: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٤ - ٥]، ويجمع الملائكة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. وهذا اليوم العظيم دلَّ عليه السمع، ودلَّ عليه العقل، ودلَّت عليه الفطرة، ودلَّ عليه إجماع المسلمين واليهود والنصارى وكل متدين بدين. فالأدلة مجتمعة على وجوب الإيمان باليوم الآخر؛ ولهذا قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيْهِ﴾. أما دلالة الكتاب فهي دلالة واضحة في عدة آيات لا تحصى، ودلالة السنّة أيضًا بأحاديث كثيرة لا تحصى. وأما دلالة العقل فهي ليست على إمكانه فحسب، بل دلَّ العقل على وجوبه. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]، إن الذي فرض عليك القرآن، وأوجبه

стр. 57

عليك، لابد أن يردك إلى معاد، فلا يمكن أن يدعك سدى. إذ لا فائدة في قرآن ينزل، ورسل ترسل، ودماء تراق للمخالفين، والنتيجة لا شيء! ! فالعقل يدل على أنَّه لابد من أن نحشر إلى الله ، وأن نجازى بعملنا، وأنه لا يمكن أن تخلق السموات والأرض، ويرسل الرسل، وتنزل الكتب، وتكون النتيجة والغاية أن نُرْمَسَ (١) في الأرض ولا نعود، لابد من عودة. ولهذا نقول: إن العقل دلَّ على وجود اليوم الآخر ووقوعه. ودلَّت عليه الفطرة: فإن الإنسان لو ترك وفطرته لعَلِمَ أن له ربًّا يجازيه، وأن الجزاء يكون في الآخرة، ويكون في الدنيا. ودلَّ عليه الإجماع، فإجماع المسلمين أمر متواتر معلوم بالضرورة من الدين، بل وإجماع اليهود والنصارى؛ ولهذا إلى يومنا هذا إذا مات منهم ميت يصلون عليه ويدعون له بالرحمة والمغفرة؛ لأنهم يؤمنون بيوم الحساب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: هذه الجملة موقعها مما قبلها لتأكيد وقوع ذلك اليوم. ووجه ذلك: أن الله وعد به وهو لا يخلف الميعاد، أي: لا يخلف ما وعد به من وقوع هذا اليوم. وهذه الجملة أيضًا إذا تأملتها وجدتها أنَّها تخالف ما قبلها في السياق؛ لأن ما قبلها السياق فيه للمخاطب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وأما السياق هنا فهو للغائب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، ولم يقل: (إنك لا تخلف الميعاد)، فهل هذا

стр. 58

من باب الالتفات والكلام من متكلم واحد، أو هذا من باب الاستئناف وهو من الله لا من قول الراسخين في العلم؟ على قولين للمفسرين: ١ - منهم من قال: إن قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ من كلام الله، وليس فيه التفات على هذا التقدير. ٢ - ومنهم من قال: إنه من كلام الراسخين في العلم، وعلى هذا التقدير يكون فيه التفات. ولكل منهما مرجح، فمن رجَّح الأول قال: إن الالتفات خروج بالكلام عن المألوف، والأصل عدمه، وعليه فيكون الكلام من كلام الله. ومن قال: إنه من كلام الراسخين وفيه التفات قال: لأن الأصل أن الكلام من متكلم واحد، لاسيما وأن بعضهم مرتبط ببعض ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فهو مرتبط بعضه ببعض، وهذا القول عند التأمل أرجح، وتكون فائدة الالتفات: أولًا: تنبيه المخاطب، لأنه إذا كان الكلام على نسق واحد بقي الإنسان منسجمًا معه لا يتفطن، وتمرُّ به الأشياء، فإذا اختلف أسلوب الكلام وتغيَّر عليه الأسلوب فحينئذ ينتبه. ثانيًا: أما من حيث المعنى فلأن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم، كأنَّ الربَّ الذي هو الله، وهو ملك عظيم يتحدث عنه بصيغة الغائب تعظيمًا وتفخيمًا، كما يقول الملك الذي يعظم نفسه للجنود: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، أو يقول القائد: إن القائد يأمركم بكذا وكذا، بدل أن

стр. 59

يقول: إني آمركم. وعلى كل تقدير فالصفة هنا من باب الصفات السلبية، لأنها صفة نفي، ولا يوجد في صفات الله صفة سلبية محضة، والنفي الموجود في صفات الله متضمن لثبوت كمال ضده، وأنه لكمال ضده لا يوجد هذا الشيء، فهنا ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لأنَّ إخلاف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد أو لعجزه، والله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه، وكمال قدرته . من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن يوم القيامة آت لا ريب فيه؛ لقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. ٢ - تمام قدرة الله بجمع الناس كلهم في هذا اليوم، ومع هذا فإن هذا الجمع لا يحتاج إلى مدة ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤]. ٣ - حكمة الله في جمع الناس لهذا اليوم، لأن هذا الجمع له ما بعده، وهو جزاء كل عامل بما عمل، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٩ - ١٠]. ٤ - أنَّه يجب علينا أن نؤمن إيمانًا لا شك فيه بهذا اليوم، فإن شكَّ أحدٌ، أو أنكر، فليس بمؤمن بل هو كافر، والناس في هذا المقام أربعة أقسام: مؤمن إيمانًا لا ريب فيه، وشاك، وكافر منكر، وكافر مجادل، كما هي حال كفار قريش.

стр. 60

٥ - انتفاء صفة خلف الوعد عن الله ؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لكمال صدق الله ، وكمال قدرته. * * * • قال تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: كفروا بما يجب الإيمان به؛ فكفروا بالله أو باليوم الآخر أو بالملائكة أو بالكتاب أو بالنبيين أو بالقدر، إذا كفروا بأي واحد من هذه الأشياء الستة فهم كفار؛ لأن الإيمان لا يتبعض، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥]. فالذين كفروا بما يجب الإيمان به، وهي الأركان الستة التي بيَّنها الرسول ﷺ جوابًا لجبريل (١) حين سأله عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره" إذا كفر بواحد منها فهو كافر. الكفار لهم أموال ولهم أولاد، وربما يعطيهم الله من

стр. 61

الأولاد والأموال أكثر مما يعطي المؤمنين، لكن لا ينتفعون بهذا. يِقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ﴿تُغْنِيَ﴾: لها معنيان: تمنع أو تدفع. فهذه الأموال والأولاد لا تمنع عن هؤلاء الكفار شيئًا، ولا تدفع عنهم شيئًا، فهم إن وقع بهم شيء من عذاب الله ما استطاع هؤلاء الأولاد أو هذه الأموال أن ترفعه، وإن قضى الله عليهم بشيء لم يستطيعوا أن يمنعوه ويدفعوه. ولهذا تجد الواحد منهم عنده من الأموال الشيء الكثير، ولكن لو جاءه ملك الموت ما منعته هذه الأموال، وعنده من الأولاد والحشم والخدم الشيء الكثير ولا تغني عنهم شيئًا، والولد شامل للذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾: (أولاء): مبتدأ، و ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ثانٍ أو ضمير فصل، ﴿وَقُوُدُ النَّارِ﴾، وقود: خبر إما للمبتدأ الثاني وإما للمبتدأ الأول، فإن جعلت (هم) مبتدأً ثانيًا فـ (وقود) خبر للمبتدأ الثاني، وإن جعلت (هم) ضمير فصل، فـ (وقود): خبر للمبتدأ الأول. والوَقود بفتح الواو، ما يُوقد به كالطَّهور ما يُتطهر به، والسَّحور ما يُتسحر به، والفَطور ما يُفطر به، بخلاف الضم فُطُور، وسُحُور، وطُهُور، ووُضُوء؛ فهذه يراد بها نفس الفعل. فهؤلاء الكفار هم وقود النار، وللنار وقود آخر وهي الحجارة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ

стр. 62

نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. فهؤلاء وقود النار، وإذا كانوا -والعياذ بالله- وقودها فإنها تسعر بهم، وفي نفس الوقت تحرقهم. و﴿النَّارَ﴾: اسم من أسماء جهنم، وهي الدار التي أعدها الله تعالى للمكذبين برسله، وحرها شديد، وفيها زمهرير برده شديد، قال النبي ﷺ : "إنما فُضِّلت على ناركم هذه بتسعة وستين جزءًا" (١). * * * • قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١]. قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾: الكاف للتشبيه، والجار والمجرور: خبر لمبتدأ مقدر، أي: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون. والدأب: يطلق على الشأن مثل هذه الآية، أي: كشأن، ويطلق على العادة، فإذا قلت: فلان هذا دأبه أي: هذه عادته. وقوله: ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أتباعه. وفرعون: اسم علم لكل من ملك مصر كافرًا، كما أن كل من ملك الروم يسمى قيصرًا، ومن ملك الفرس يسمى كسرى. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: وكان قبل آل فرعون أمم، مثل: قوم نوح، وقوم عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، ثم بيّن الله شأن آل فرعون والذين من قبلهم، بقوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبوا بالآيات الكونية، والآيات الشرعية. وأكثر ما يكون

стр. 63

أن يكذبوا بالآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية قلَّ من يكذب بها. فالآيات الكونية مخلوقات الله، وقلَّ من ينكر أن يكون الخالق هو الله، ولكن الآيات الشرعية التي هي الوحي الذي جاءت به الرسل هي التي يقع فيها التكذيب، فآل فرعون كذبوا بآيات الله، قال فرعون عن موسى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. وقال: إنه ساحر، ووصفه بأوصاف بالغة، وهدده: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. وكان يذبح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، ويقول لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. ويقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥٢ - ٥٣]. وقد ذكر الله قصته في كتابه كثيرًا من أجل اليهود الذين كانوا في المدينة، ومن أجل الأنصار الذين تلقوا من علوم اليهود شيئًا كثيرًا. وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: (أخذهم): يعني أهلكهم بذنوبهم: أي بسبب ذنوبهم، والذنب: هو المعصية، ومعاصي هؤلاء كلها كفر والعياذ بالله. ولهذا أخذوا بالغرق، فأهلك بما كان يفتخر به، كان يقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١] فأهلك بالماء الذي كان يجري جنسه من تحته، وكان مفخرة له. فأهلكه الله بالماء، والقصة معروفة، فإن فرعون جمع جميع أهل المدائن من أجل الكيد لموسى، فخرج موسى من

стр. 64

مصر هو وقومه، واتجهوا بأمر الله إلى جهة بحر القُلزم، وهو البحر الأحمر المعروف الذي يفصل بين قارة إفريقيا وآسيا من ناحية جدة، فلما وصلوا إلى البحر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] لأن البحر أمامهم، وفرعون وقومه خلفهم. فهم هالكون على كل حال، إن ذهبوا إلى البحر هلكوا في البحر، وإن بقوا هلكوا بفرعون وجنوده، فقال موسى ﵊: ﴿كَلَّا﴾ يعني لستم بمدركين، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، الله أكبر! انظر إلى الإيمان عند الشدائد كيف يكون؟ فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب البحر بعصاه فانفلق في الحال، في لحظة، بدليل قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾، وانظر كيف حذف الله الفعل الذي حصل به الانفلاق؟ لأن هذا البحر لما أمر الله تعالى موسى أن يضربه تهيأ للانفلاق بمجرد هذه الضربة التي وقعت عليه، فكان اثني عشر طريقًا يبسًا، وصاروا يمشون عليه على أقدامهم، وكانت المياه ككتل الجبال، وذكر بعض المفسرين من خبر بني إسرائيل أن الله جعل في هذه الكتل نوافذ يرى بعضهم بعضًا ليطمئن بعضهم على بعض، فلما تكامل موسى وقومه خارجين، وإذا فرعون قد دخل هو وقومه، أمر الرب البحر فانطبق عليهم في الحال، فغرقوا عن آخرهم، ولما أدرك فرعون الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]، ولكن لم ينفعه ذلك كما قال الله تعالى في أمثاله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]. ولهذا قيل لفرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، وهذا الاستفهام

стр. 65

للإنكار عليه، ونفي انتفاعه بذلك الإيمان. ولكن قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، لا لمصلحتك لكن ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢]، والذين خلفه بنو إسرائيل، لأن بني إسرائيل قد أرعبهم فرعون، ولو لم يظهر لهم بدنه على سطح الماء لكانوا يَشُكُّون؛ لعله ما دخل في قومه، أو لعله سَلِمَ، فأبقى الله جسده فقط، لا روحه، حتَّى يعلموا أنَّه قد مات. وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: والباء هنا للسببية من وجه، وللعوض من وجه آخر، للسببية يعني أنَّه بسبب ذنوبهم، لأن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ولم يأخذ الله أحدًا إلَّا بذنب. وللعوض من جهة أخرى أنَّه لم يظلمهم، بل جعل جزاءهم من جنس العمل ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: خَتْم الآية بهذا الوصف مناسب جدًا؛ لأن هؤلاء الذين أخذوا بذنوبهم أخذوا بالعقاب الشديد الذي لا أشد منه. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - أن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا. ٢ - أن المؤمنين ينتفعون بأموالهم وأولادهم، فالمؤمن يتصدق بماله فينتفع، ويدعو له ولده في حياته وبعد موته فينتفع. أما الكافر فلا ينتفع ولو دعا له ولده، ولا يحل لولده أن يدعو له إلَّا إذا كان حيًّا، فيحل له أن يدعو له بالهداية.

стр. 66

٣ - أن الكافر يملك؛ لقوله: ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ فأضاف المال إليهم وهو دليل على أن الكافر يملك ماله. واختلف العلماء في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه هل يزول ملكه عمّا تحت يده أو لا؟ فمن العلماء من قال: إنه إذا ارتد الإنسان زال ملكه عمَّا تحت يده، وعلى هذا لا يصح أن يتصرف فيه، ولكن القول الراجح أنَّه لا يزول ملكه إلَّا إذا مات على ردته، فإن ملكه لا ينتقل إلى ورثته بل إلى بيت المال. ومن المعلوم أننا لو قلنا: إن المرتد يزول ملكه لحصل إشكال عظيم في عصرنا هذا، وهو أن بعض الناس لا يصلي، والذي لا يصلي مرتد. فإذا قلنا بزوال ملك المرتد لزم من ذلك أن كل تصرف يتصرف به في ماله فهو تصرف غير صحيح، إن باع شيئًا لم يصح البيع، وإن اشترى شيئًا لم يصح الشراء، وإن استأجر شيئًا لم يصح الاستئجار، وإن أجَّر شيئًا لم يصح التأجير. وهذا وإن قال به بعض العلماء: لكن الراجح أن ملكه باق على ماله حتَّى يموت، فإذا مات فإننا نصرف ماله إلى بيت المال، ولا يرثه أحد من ورثته؛ لقول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (١). ٤ - بيان قدرة الله وأنه لا ينفع مال ولا بنون من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وأما من غير الله فقد تغني، فيمكن أن يدفع شيئًا من ماله

стр. 67

ويسلم من القتل. ويمكن أن يكون عنده أولاد شجعان إذا أراده أحد بسوء دافعوا عنه، لكن من الله لا يغني عنهم لا مال ولا ولد. ٥ - تشجيع قلوب المؤمنين على الكافرين. ووجهه: أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم من الله شيئًا، فإذا انتصرنا بالله فإنَّ ما عندهم من الأسلحة والذخائر والأموال والأولاد لا يغنيهم من الله شيئًا. ولهذا لو شاء الله أن يبطل جميع ما فعلوا لأبطله، وما يحصل من الزلازل التي تدمر كثيرًا مما صنعوا أكبر دليل، وكذلك ما صنعوه قد يفسد بأيديهم. فكم من انفجارات حصلت في مخازن القنابل الذرية والنووية وحصل بذلك شر عليهم وعلى من حولهم، لو شاء الله لأعتم عليهم الجو فقط إعتامًا بالضباب ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا؛ لأن الله لا يقهر قدرتَه وقوتَه شيءٌ، ولهذا قال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ٦ - إثبات النار؛ لقوله: ﴿وَقُوُد النَّارِ﴾. ٧ - أن الكفار في النار؛ لقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ ولكن لا نشهد لكل كافر بعينه أنَّه في النار، ولكن نشهد على سبيل العموم، فنقول: كل كافر في النار، كما نقول: كل مؤمن في الجنَّةَ، ولا نشهد لواحد معين بالجنة، ففرق بين العموم وبين الخصوص. ٨ - أن الكافرين قد يرزقون الأموال والأولاد. ٩ - أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنّة الله تعالى في الخلق واحدة، فليس بينه وبين الخلق نسب يراعيه

стр. 68

ويحابي من يتصل به، فالناس عنده تعالى سواء، أكرمُهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ١٠ - أن فرعون وآله قد عُذِّبوا في الدنيا كما سيعذبون في الآخرة، لقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. ١١ - الردُّ على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة. ولو كان تائبًا توبة تنفعه ما ذكر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدل لا يذكر أحدًا بذنب تاب منه، إلَّا أن يبين توبته، فآدم ﵊ لما أكل من الشجرة، وحصل له ما حصل، وتاب إلى الله ذكر الله تعالى معصيته، وذكر أنَّه تاب، فقال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، بل ذكر أنَّه بعد التوبة كان خيرًا منه قبلها ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]. ١٢ - إثبات الآيات لله، وهي العلامات الدالة على الله ، على وجوده، وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته، فمثلأ: نزول الغيث آية على وجود الله وعلى رحمته. ونزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه. وهكذا كل آية تدل على وجود الله وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات، سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب. ١٣ - أن الله لا يظلم الناس شيئًا، وإنَّما يؤاخذهم بالذنوب ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ١٤ - الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه،

стр. 69

لقوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأضاف الذنوب إليهم. والفعل لا ينسب إلَّا لمن قام به حقيقة، والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة. ١٥ - إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢]. هذه الآية مصدرة بـ ﴿قُلْ﴾ تدل على أن الله أمر رسوله ﷺ بإبلاغها إلى الكفار، فيدل على أهميته، وأنه أمر أن يبلغه أمرًا خاصًا، مع أن الرسول ﷺ أُمر أن يبلغ القرآن كله، لكن هذا يدل على أنَّه معتنى به، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]، ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، والخطاب هنا للنبي ﷺ . واعلم أن الخطاب الموجه للنبي ﷺ تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًا به، وتارة يكون عامًا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة. يعني ليس في الخطاب ما يدل على العموم، لكن باعتبار أنَّه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمُه يشمله ويشمل الأمة. مثال الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ولم يقل إذا طلقت، فدلَّ هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته.

стр. 70

ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: ٦]، هذا خاص بالرسول ﵊. ومثال الثالث: أكثر الخطابات الموجهة للرسول ﵊ من هذا القسم، مثل هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، هذا شامل له وللأمة، حتَّى نحن نقول للذين كفروا: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم. على وجه الاقتداء به والتأسي به. وقوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾، في قراءة: (سيُغلبون ويُحشرون) قراءة سبعية. ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾: يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، وقال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]، المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا، وقام بالعمل الصالح، ليس الإيمان هو مجرد القول باللسان. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، لابد من إيمان صادق يشهد له العمل، فيكون صالحًا، والله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًا مصدقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك الكفار. ولكن إذا قال قائل: ماذا تقول في الأمة الإسلامية اليوم، فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلونها غاية الذل، ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟ فجوابنا أن نقول: إنَّ الأمة الإسلامية ليس لهم من

стр. 71

الإسلام إلَّا اسمه فقط، ولا من القرآن إلَّا رسمه، ولذلك تجد الواحد منهم يعظِّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، ولكنه تعظيم رسم؛ يُقَبِّل القرآن، يضعه على جبهته، لكن لا يعمل بما فيه إلَّا نادرًا، حتَّى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله ويدعو غير الله. أين العمل بالقرآن؟ ! وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنَّه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، ووجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش؛ فأين الإسلام؟ ليس هو إلَّا اسم، ومن ثَمَّ لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم الآن السيطرة على العالم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، فنحن اليوم لم نُصْدِقِ الله حتَّى يكون لنا النصر: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾: في الدنيا تغلبون، وفي الآخرة تحشرون إلى جهنم -والعياذ بالله- يجمعون إليها، ويدخلونها، ويخلدون فيها، فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا والآخرة؛ خسروا الدنيا بالغلبة والذل، وخسروا الآخرة، بأنهم يحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].

стр. 72

وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: هذا ذمّ للنار والعياذ بالله، وأنها بئس المهاد، يعني بئس ما يتمهد به الإنسان، كالذي يتمهد في فراشه، ويلتحف بلحافه، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، أي شيء يغشيهم ويغطيهم من العذاب، فهم في حال لا يمكن أن يتصورها الإنسان لعظمها ولشدتها، وهم خالدون فيها أبدًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن رسول الله ﷺ عبدٌ توجَّه إليه الأوامر؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ فهو عبدٌ لا يُعْبَد، ورسولٌ لا يُكَذَّب. ٢ - أهمية هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين. ٣ - تقوية المؤمنين حيث يقال لأعدائنا الكفار: ستغلبون في الدنيا، وليس لكم عاقبة في الآخرة، فإنكم ستحشرون إلى جهنم. ٤ - إرعاب الكفار وتحذيرهم؛ لقوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. ٥ - أن الله يجمع للكفار بين العقوبتين؛ عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، أما عقوبة الدنيا ففي قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ حتَّى وإن بذلوا أموالًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]. وأما العقوبة الثانية فهي قوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. أما المؤمن فإن الله تعالى إذا عاقبه في

стр. 73

الدنيا لم يعاقبه في الآخرة، لن يجمع الله له بين عقوبتين ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ٦ - البشرى لنا نحن في هذا الزمن؛ وهي أننا لو صدقنا الله تعالى بالإيمان لكان الكفار مغلوبين ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، والذي يَغْلِبُ هم مَنْ قال الله فيهم: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]. فلو أننا رجعنا إلى الإيمان حقًا في العقيدة والقول والعمل والأخلاق والآداب وجميع ما يتعلق بالشريعة الإسلامية لكان الكفار أمامنا مغلوبين، ويشهد لهذا الواقع الذي حصل في سلف هذه الأمة حيث ملكوا مشارق الأرض ومغاربها. ٧ - إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين، ومن أنكره فقد كفر. ٨ - إنشاء الذم بل غاية الذم للنار؛ لقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]. ﴿قَدْ كَانَ﴾: يحتمل أن تكون هذه من جملة مقول القول

стр. 74

السابق، يعني: قل لهم اعتبروا بمَثَلٍ أضربه لكم ﴿آيَةٌ﴾، أي علامة على أنكم ستغلبون، لأن الآية في اللغة: العلامة، ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: يعني: لقي بعضهما بعضًا للقتال بينهما، والفئة بمعنى الطائفة. وهل المراد بالفئتين فئتان حقيقيتان واقعتان أو هو على سبيل المثال؟ أكثر المفسرين على أنهما حقيقيتان في أمر واقع. وقال بعض المفسرين: إن ذلك على ضرب المثل، يعني: ولنفرض أن هناك فئتين على هذا الوجه؛ فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة. وإذا قلنا: إنهما فئتان في قضية واقعة، فقد قال هؤلاء القائلون بهذا القول: إن المراد بهما فئة الكفار والمؤمنين في بدر، فهما فئتان: فئة تقاتل في سبيل الله، وهم النبي ﷺ ومن معه، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، والخطاب في الآية للمؤمنين، سبحان الله! لو أخذنا بهذه الآية ونحن مؤمنون حقيقة، نقاتل في سبيل الله، لكان هؤلاء بين أيدينا كالفراش! فئة: مبتدأ، وتقاتل: خبره، وجاز كون المبتدأ نكرة لأنه للتقسيم، فجاز الابتداء بالنكرة. ومنه قول الشاعر: فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساء ويوم نسر فبدأ بالنكرة لأن المقام مقام تفصيل. ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في طريقه، والقتال في سبيل الله يتضمن أمورًا:

стр. 75

الأول: إخلاص النية لله. الثاني: أن يكون موافقًا فيه أمر الله. الثالث: أن تتجنب فيه محارم الله. الأول: أن يكون مرادًا به وجه الله، وأن تكون كلمته العليا، وهذا الإخلاص، فلا يقاتل للقومية، وللشجاعة. ولهذا سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل ليرى مكانه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١). الثاني: أن يكون القتال في حدود شريعته، بحيث لا يكون فيه عدوان على أحد، فإن كان فيه عدوان على أحد فإنه ليس في سبيل الله. ومثاله: أن يكون بيننا وبين المشركين عهد، ثم ننقضه ونقاتل، فهذا حرام، وليس هذا قتالًا في سبيل الله، بل هو معصية لله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]. ونهى أن نقاتل في حال العهد، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: إذا عاهدت قومًا من الكفار، وخفت أن يخونوا، فلا يجوز أن تنقض العهد، ولكن انبذ إليهم على سواء، يعني قل لهم: لا عهد بيننا وبينكم، حتَّى تكون أنت وهم على سواء، يعني على علم بأن العهد قد نُقض. أما أن تقاتل مع العهد فهذا ليس في سبيل الله.
следующие страницы →