← Тафсир

Тафсир · id 545

تفسير العثيمين: آل عمران

ابن عثيمين

Полный текст (1 207 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الإسلام إلَّا اسمه فقط، ولا من القرآن إلَّا رسمه، ولذلك تجد الواحد منهم يعظِّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، ولكنه تعظيم رسم؛ يُقَبِّل القرآن، يضعه على جبهته، لكن لا يعمل بما فيه إلَّا نادرًا، حتَّى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله ويدعو غير الله. أين العمل بالقرآن؟ ! وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنَّه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، ووجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش؛ فأين الإسلام؟ ليس هو إلَّا اسم، ومن ثَمَّ لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم الآن السيطرة على العالم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، فنحن اليوم لم نُصْدِقِ الله حتَّى يكون لنا النصر: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾: في الدنيا تغلبون، وفي الآخرة تحشرون إلى جهنم -والعياذ بالله- يجمعون إليها، ويدخلونها، ويخلدون فيها، فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا والآخرة؛ خسروا الدنيا بالغلبة والذل، وخسروا الآخرة، بأنهم يحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].

стр. 72

وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: هذا ذمّ للنار والعياذ بالله، وأنها بئس المهاد، يعني بئس ما يتمهد به الإنسان، كالذي يتمهد في فراشه، ويلتحف بلحافه، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، أي شيء يغشيهم ويغطيهم من العذاب، فهم في حال لا يمكن أن يتصورها الإنسان لعظمها ولشدتها، وهم خالدون فيها أبدًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن رسول الله ﷺ عبدٌ توجَّه إليه الأوامر؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ فهو عبدٌ لا يُعْبَد، ورسولٌ لا يُكَذَّب. ٢ - أهمية هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين. ٣ - تقوية المؤمنين حيث يقال لأعدائنا الكفار: ستغلبون في الدنيا، وليس لكم عاقبة في الآخرة، فإنكم ستحشرون إلى جهنم. ٤ - إرعاب الكفار وتحذيرهم؛ لقوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. ٥ - أن الله يجمع للكفار بين العقوبتين؛ عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، أما عقوبة الدنيا ففي قوله: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ حتَّى وإن بذلوا أموالًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]. وأما العقوبة الثانية فهي قوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. أما المؤمن فإن الله تعالى إذا عاقبه في

стр. 73

الدنيا لم يعاقبه في الآخرة، لن يجمع الله له بين عقوبتين ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. ٦ - البشرى لنا نحن في هذا الزمن؛ وهي أننا لو صدقنا الله تعالى بالإيمان لكان الكفار مغلوبين ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، والذي يَغْلِبُ هم مَنْ قال الله فيهم: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١]. فلو أننا رجعنا إلى الإيمان حقًا في العقيدة والقول والعمل والأخلاق والآداب وجميع ما يتعلق بالشريعة الإسلامية لكان الكفار أمامنا مغلوبين، ويشهد لهذا الواقع الذي حصل في سلف هذه الأمة حيث ملكوا مشارق الأرض ومغاربها. ٧ - إثبات عذاب النار؛ لقوله: ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين، ومن أنكره فقد كفر. ٨ - إنشاء الذم بل غاية الذم للنار؛ لقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. * * * • ثم قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]. ﴿قَدْ كَانَ﴾: يحتمل أن تكون هذه من جملة مقول القول

стр. 74

السابق، يعني: قل لهم اعتبروا بمَثَلٍ أضربه لكم ﴿آيَةٌ﴾، أي علامة على أنكم ستغلبون، لأن الآية في اللغة: العلامة، ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: يعني: لقي بعضهما بعضًا للقتال بينهما، والفئة بمعنى الطائفة. وهل المراد بالفئتين فئتان حقيقيتان واقعتان أو هو على سبيل المثال؟ أكثر المفسرين على أنهما حقيقيتان في أمر واقع. وقال بعض المفسرين: إن ذلك على ضرب المثل، يعني: ولنفرض أن هناك فئتين على هذا الوجه؛ فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة. وإذا قلنا: إنهما فئتان في قضية واقعة، فقد قال هؤلاء القائلون بهذا القول: إن المراد بهما فئة الكفار والمؤمنين في بدر، فهما فئتان: فئة تقاتل في سبيل الله، وهم النبي ﷺ ومن معه، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، والخطاب في الآية للمؤمنين، سبحان الله! لو أخذنا بهذه الآية ونحن مؤمنون حقيقة، نقاتل في سبيل الله، لكان هؤلاء بين أيدينا كالفراش! فئة: مبتدأ، وتقاتل: خبره، وجاز كون المبتدأ نكرة لأنه للتقسيم، فجاز الابتداء بالنكرة. ومنه قول الشاعر: فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نُساء ويوم نسر فبدأ بالنكرة لأن المقام مقام تفصيل. ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في طريقه، والقتال في سبيل الله يتضمن أمورًا:

стр. 75

الأول: إخلاص النية لله. الثاني: أن يكون موافقًا فيه أمر الله. الثالث: أن تتجنب فيه محارم الله. الأول: أن يكون مرادًا به وجه الله، وأن تكون كلمته العليا، وهذا الإخلاص، فلا يقاتل للقومية، وللشجاعة. ولهذا سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل ليرى مكانه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١). الثاني: أن يكون القتال في حدود شريعته، بحيث لا يكون فيه عدوان على أحد، فإن كان فيه عدوان على أحد فإنه ليس في سبيل الله. ومثاله: أن يكون بيننا وبين المشركين عهد، ثم ننقضه ونقاتل، فهذا حرام، وليس هذا قتالًا في سبيل الله، بل هو معصية لله ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]. ونهى أن نقاتل في حال العهد، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: إذا عاهدت قومًا من الكفار، وخفت أن يخونوا، فلا يجوز أن تنقض العهد، ولكن انبذ إليهم على سواء، يعني قل لهم: لا عهد بيننا وبينكم، حتَّى تكون أنت وهم على سواء، يعني على علم بأن العهد قد نُقض. أما أن تقاتل مع العهد فهذا ليس في سبيل الله.

стр. 76

الثالث: أن تجتنب فيه محارم الله، فإن لم تجتنب فيه محارم الله، فإنه وإن كان أصله في سبيل الله لكن لا تتحقق فيه الغلبة والنصر. بدليل ما وقع للمسلمين في غزوة أُحد؛ فإن المسلمين في غزوة أُحد كان الأمر في أول النهار بأيديهم، والغلبة لهم، ولكنهم عصوا الرسول ﵊، فخذلوا، فكانت الدائرة للمشركين. يقول الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾: يعني حصلت الهزيمة للمشركين ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ أي: صرف الله المسلمين عنهم فلم يقاتلوهم. ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾: بعد هذا التقريع والتوبيخ الذي يتعظ به من يأتي بعدهم قال بعده: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ونحن لو فعلنا كما فعلوا، هل نحن ضامنون أن يعفو الله عنا؟ لكن الصحابة عفا الله عنهم، وصار ما فعلوه كأن لم يكن. وقوله: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: ولم يقل الله تقاتل في سبيل كذا. وهذا من باب الاكتفاء بأحد الوصفين عن الآخر، الأولى: قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولم يقل: فئة (مؤمنة) تقاتل في سبيل الله. والأخرى قال: ﴿كَافِرَةٌ﴾ ولم يقل: تقاتل في سبيل الطاغوت. فحذف من الأولى مقابل ما ذكر في الثانية. حذف من الأولى

стр. 77

(مؤمنة) التي تقابلها ﴿كَافِرَةٌ﴾، وحذف من الثانية ضد ما ذكر في الأولى؛ فحذف (في سبيل الطاغوت)، وقد ذكر في الأولى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وهذا من باب الاكتفاء بذكر أحد الوصفين عن الآخر، وهو من البلاغة الإيجازية. وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: وفي قراءة سبعية: (ترونهم) والرائي هم المقاتلون في سبيل الله، أو الكفار. فالضمير يصلح لهذا وهذا، لكن (ترونهم) واضح أنَّها تعود إلى الكفار؛ ترون الفئة التي تقاتل في سبيل الله مثلي الكفار، لكن رؤيا فقط ليست حقيقية كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤]. ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾: يعني يشاهدونهم بأعينهم أنهم مثليهم سواء كانوا مؤمنين أم كفارًا، فإن كانوا مؤمنين يرون الكفار مثليهم. فواضح أن الفئة القليلة هي المؤمنة وإن كان الكفار يرونهم مثليهم رأي العين، ففيها إشكال؛ لأن الكفار إذا كانوا يرون المؤمنين رأي العين مثليهم صارت الغلبة للأكثر! لكنهم قالوا: إن رؤيتهم إياهم مثليهم من باب إراءة الله إياهم كذلك، وإن كانوا في الواقع دون ذلك. والأقرب أن الرائي هم الطائفة المؤمنة، وأن المثلين الطائفة الكافرة، يعني: أن الطائفة المؤمنة ترى الطائفة الكافرة مثليهم، وتحقق أن هؤلاء الكفار يبلغون ضعفيهم، إذا كان المؤمنون مائة فالكفار يكونون مائتين، فإذا قلنا: إن هذه الآية في قضية واقعة وهي في يوم بدر، صار عندنا إشكال كبير في قوله

стр. 78

﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ لأن عدد المؤمنين في بدر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وعدد الكفار ما بين تسعمائة إلى الألف، ثلاثة أمثال أو أكثر. فذهب بعض العلماء إلى أنهم يرونهم مثليهم وإن كانوا في الحقيقة أكثر، وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالمثل هنا: الزائد وجعل معنى قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ أي يرونهم أكثر منهم. أما إذا قلنا: إنها ضرب مثل فلا إشكال فيه، وهذا هو المطابق لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]. ويوجد رأي ثالث وهو أن المراد بمثلين: أي ضعفين، وعليه يكون مطابقًا للواقع، لأن ضعف الشيء مثله مرتين، فإذا كان ضعفين صار ضعفه ثلاث مرات، والمشركون ما بين تسعمائة إلى ألف والمسلمون ثلاثمائة وبضعة عشر. وقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: ﴿رَأْيَ﴾: مصدر مؤكد لقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ إذا جعلنا الرؤية بصرية. وأما إذا جعلناها علمية، أي: يعلمونهم ﴿مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، فهي أيضًا من باب التوكيد المعنوي، يعني: يعلمونهم علمًا يقينيًا كما يرونهم بأعينهم. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: ﴿يُؤَيِّدُ﴾: يقوي، والباء هنا باء الوسيلة، أي: يؤيد بسبب نصره من يشاء، كما يقال: ذبحت بالسكين وضربت بالعصا، فالنصر إذن وسيلة التأييد، فهو يقوي بنصره من يشاء.

стр. 79

﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: ممن تقتضي الحكمة نصره أو تأييده. ويجب أن نقرن كل آية جاءت بلفظ المشيئة، أو جاءت معلقة بالمشيئة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: المشار إليه ما سبق من ذكر هذه القضية أي: إن في ذلك المذكور لعبرة، يعني: لاعتبارًا، والاعتبار: مأخوذ من العبور من شيء إلى شيء، يعني: كأن الإنسان يعبر بعقله من المذكور إلى المعقول، فهنا ذكرت لنا قصة نأخذ منها عبرة بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة فيكون تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]. فإذا افتخر الكفار بكثرتهم، نقول لهم: إن كثرتكم لا تغني عنكم شيئًا، فهذه فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، ومع ذلك صارت الغلبة للتي تقاتل في سبيل الله. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: جمع بصر، كأسباب جمع سبب، ويشمل بصر الرؤية الحسية وبصر العقل مادام أنهم يرونهم رأي العين، فيكون فيه عبرة لأولي الأبصار الذين رأوا بأعينهم، وكذلك هو عبرة لأولي الأبصار بعقولهم، ولو كانوا لم يروا ذلك رأي العين، لأنهم إذا سمعوا اعتبروا؛ فكان في ذلك عبرة لهم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - ضرب الأمثال بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة، ويتفرع على ذلك أنَّه ينبغي للواعظ والداعي

стр. 80

إلى الله أن يضرب المثل للمدعوين بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ. ٢ - أن الإنسان مهما بلغ من الصدق فإنّ عَرْضَه الأمثال الواقعة تجعل كلامه حق اليقين. والمراتب ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. علم اليقين: هو خبره الصادق. وعين اليقين: ما تراه بعينك مشاهدًا. وحق اليقين: ما تدركه بحسك. فإذا قال لك قائل: في جيبي تفاحة، وهو رجل صادق، فالذي أدركت من وجود التفاحة علم اليقين، فإذا أخرجها ونظرت إليها فهذا عين اليقين، فإذا أكلتها فهو حق اليقين، لأن هذا هو الواقع. ٣ - أن النصر ليس بكثرة العدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله؛ لأن الله لما ضرب هذا المثل قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ والوسيلة الحقيقية لنصر الله الذي به التأييد ما ذكره الله بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ -إلى الآن لم يأت سبب النصر- ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. هذا واحد، إخلاص العبادة لله ، هذا من أسباب النصر. وهناك أسباب أخرى ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١]

стр. 81

٤ - أن القتال لا يكون سببًا للنصر إلَّا إذا كان في سبيل الله، إخلاصًا، وموافقةً للشرع، واجتنابًا للمحارم، فإذا تمت هذه الأمور الثلاثة فهذا هو الذي في سبيل الله. ٥ - أنَّه لا ألفة بين المؤمنين والكافرين؛ لقوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فمن حاول أن يجمع بين المؤمنين والكافرين فقد حاول الجمع بين النار والماء. وهذا شيء غير ممكن؛ لا يمكن لأولياء الله أن يكونوا متآلفين مع أعداء الله، ومن حاول أن يؤلف بين أولياء الله وأعداء الله فمعنى ذلك أنَّه سوف يقضي على ولاية الله؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] واتخاذهم أولياء معناه: أن يتولاهم وينصرهم، لا أن يتقرب إليهم لدعوتهم، وكيف يمكن لشخص يقول إنه من أولياء الله، وإنه مؤمن بالله أن يوالي أعداء الله الكافرين بالله؟ ! هذا لا يمكن. ولهذا نجد أن الصراع بين أتباع الرسل وأعداء الرسل قائم دائم، إما بالقول، وإما بالفعل؛ إما بالقول: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]. وإما بالصراع المسلح كما هو معروف. ٦ - أن الله تعالى قد يري المجاهدين الأمر على الواقع، أو على خلاف الواقع؛ لحكمة. كما تشهد بذلك آية الأنفال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، لأن الإنسان إذا رأى عدوه قليلًا نشط على القتال، وإذا رآه كثيرًا تخاذل، فالله أرى المؤمنين الكفار

стр. 82

قليلًا، وأرى الكافرين المؤمنين قليلًا، لأجل أن يتقدم كل واحد على القتال. ٧ - إثبات أفعال الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. ٨ - الرد على الجبرية في قوله: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فأضاف الفعل إليها، والجبرية يقولون: إنه لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلَّا على سبيل المجاز، كما نقول: أكلت النار الحطب. ٩ - إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. ١٠ - أنَّه لا يعتبر بالأمور إلَّا أولو البصائر؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ١١ - أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظ بما يجري، فاعلم أنك ضعيف البصيرة؛ لأن الله إذا أثبت العبرة لأولي الأبصار، فإن انتفاء العبرة يدل على ضعف البصيرة أو عدمها بالكلية. ١٢ - الثناء على أهل البصيرة؛ لأن السياق فيهم، ويتضمن القدح في عُمْي القلوب. * * * • ثم قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤]. هذه سبعة: النساء، والبنون، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث.

стр. 83

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾: أي جعلت هذه الأشياء مزيَّنة في قلوبهم. والمزيِّن هو الله، وقد أضاف الله التزيين إلى نفسه في عدة آيات: قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]. وأضاف التزيين إلى الشيطان، فقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]. لكن تزيين الشيطان إنما كان بالنسبة لأعمال هؤلاء، يعني: زين لهم الأعمال، أما الأشياء المخلوقة فالذي يزينها هو الله ابتلاء واختبارًا، لأنه لولا تزيين هذه الأشياء في قلوب الناس ما عرف المؤمن حقًا. لو كان الإنسان لا يهتم بمثل هذه الأمور، لم يكن ما يصده عن دين الله. فإذا ألقي في قلبه حب هذه الشهوات، فإن قَوِيَّ الإيمان لا يقدمها على محبة الله . ألم تروا إلى قول الرسول ﵊: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" (١). هذا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله، والمرأة ذات المنصب والجمال هي من أشد ما يتعلق به الإنسان في النساء، ودعته في موضع خال ليس فيه أحد، لكن قال: إني أخاف الله، فالموانع منتفية، وأسباب الفاحشة موجودة متوفرة، ومع ذلك قال: إني أخاف الله. إذن فهذا التزيين ابتلاء واختبار من الله . قال الله تعالى: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ولم يقل حب

стр. 84

النساء، يعني: أن يتزوج الإنسان المرأة لمجرد الشهوة، لا لأمر آخر، ولهذا لا يدخل في هذا رسول الله ﷺ ، ولا يقال: إنه ممن زين له حب الشهوات، لأنه ﵊ لم يتزوج المرأة بكرًا سوى عائشة ﵂، ولو كان يريد الشهوة لاختار الأبكار الجميلات، ولا يمنعه مانع من ذلك. ولكنه قال: "حبَّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب" (١) لما في اختيار النساء من قِبَلِه ﵊ من المصالح العظيمة، كاتصاله بالناس وقبائل العرب، وكذلك نشر العلم عن طريق النساء، لاسيما العلوم البيتية التي لا يطلع عليها إلَّا النساء، إلى غير ذلك من المصالح، لأن تزيين حب النساء إذا كان لغير مجرد الشهوة قد يحمد عليه الإنسان، لكن إذا كان لمجرد الشهوة فهذا من الفتنة، ولهذا قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾. وقولى: ﴿وَالْبَنِينَ﴾: يحب البنين لا ليكونوا عونًا له على طاعة الله، ولكن ليفتخر بهم، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالبنين، ويتشاءمون بالبنات. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] يختفي منهم مخافة المسبة، ثم يفكر ويقدر ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يعني: أيمسك هذا المولود وهو أنثى على هون وذل وهضم لحقها أم يدسه في التراب، أي: يدفنها حية في التراب؟ قال تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُوُنَ﴾ [النحل: ٥٩].

стр. 85

ولا شك أن كثيرًا من الناس زيّن لهم حب البنين شهوةً، وليس الشهوة الجنسية، ولكن شهوة الفخر والشرف. وقال تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار، قيل: المراد به ألف مثقال ذهب، فإذا صارت قناطير تكون آلافًا، و ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ أي: المعتنى بها، وقيل: إن القنطار ما يملأ مسك الثور -يعني: جلد الثور- من الذهب، وهذا أكثر من ألف مثقال، وقد ذكر الله تعالى هذه المبالغ من الذهب والفضة لأنه كلما كثر المال في الغالب افتتن به الإنسان، فإذا كانت قناطير مقنطرة من الذهب صارت الفتنة بها أشد. وقوله: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ نصَّ عليهما لأنهما أغلى ما يكون من الأموال، ولذلك تتعلق الرغبات بهذين الجوهرين الذهب والفضة، حتَّى لو وجدت جواهر نفيسة لا تجد تعلق القلوب بهذه الجواهر كتعلقها بالذهب والفضة. وقوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: ﴿وَالْخَيْلِ﴾: هي هذه الحيوانات المعروفة، وسميت خيلًا لأن صاحبها غالبًا يبتلى بالخيلاء، لأنها أفخر المراكب، فالراكب لها يكون في قلبه خيلاء، أو لأنها هي تختال في مشيتها، ولهذا ترى الخيل عند مشيتها ليست كغيرها، تشعر بأن فيها ترفعًا واختيالًا. قال بعضهم: أو لأنها يخيل إليها أنَّه لا شيء يساميها، وهذا لا ندري عنه، اللهم إلَّا ما يظهر من أثر ذلك مثل اختيالها في مشيتها، وأصحابها لا شك أنهم يرون أنهم فوق الناس، لأنها أفخر المراكب في ذلك الوقت وإلى الآن، قال النبي عليه الصلاة

стр. 86

والسلام: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (١). ومن المعلوم أن الآية هنا في سياق مَنْ أحب شهوة الخيل، يعني: اتخذها شهوة. فهذا هو محل التزيين المذموم، أما من اتخذها ليجاهد بها في سبيل الله فهذا لا شك أنَّه خير له، كما أن من أحب الذهب والفضة لا للشهوة وجمع المال، ولكن لما يترتب على المال من المصالح فهذا محمود. والخيل قسَّمها الرسول ﷺ إلى أقسام ثلاثة (٢): الأول: من اتخذها فخرًا وخيلاء وليناوئ بها المسلمين، فهذا عليه وزر. الثاني: من اتخذها ليجاهد عليها في سبيل الله، فهذا له أجر. الثالث: من اتخذها للركوب والتنمية والاستفادة من ورائها، فهي له ستر. وقوله: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ قيل: معنى المسومة هي التي تسوم، أي: تطلق لترعى كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، وقيل: المسومة المعلمة التي جعل عليها أعلام للزينة والفخر مثل أن يجعل عليها ريش النعام أو أشياء أخرى تحسنها.

стр. 87

وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾: قوله ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: جمع نَعم، كأسباب جمع سبب، وهي الإبل والبقر والغنم، وهذه الأنواع من الحيوانات هي محل رغبة الناس أيضًا، أكثر الناس يقتنون الإبل والبقر والغنم، لا تجدهم يقتنون الظباء أو ما أشبهها من الحيوانات، وإنَّما يعتنون باقتناء هذه الأنواع الثلاثة في البادية وفي الحاضرة، لكنها في البادية أكثر، وأغلى هذه الأنواع هي: الحُمْر من الإبل، ولذلك يضرب بها المثل في الغلاء والمحبة، قال ﵊ لعلي بن أبي طالب وقد وجّهه إلى خيبر قال: "انفذ على رسلك، ثم ادعهم إلى الإسلام، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعَم" (١). وقوله: ﴿وَالْحَرْثِ﴾: يعني حرث الأرض للزراعة. فهذه سبعة أشياء: النساء، والبنون، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، ولو فتشت عامة رغبات الناس في هذه الدنيا لوجدتها لا تخرج عن هذه الأشياء السبعة في الغالب، وإلا فهناك أشياء أخرى محل رغبة عند الناس مثل: القصور المشيدة، والمنازل الفاخرة. وقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: أعاد اسم الإشارة على مفرد مذكر على تقدير:

стр. 88

ذلك المذكور، فطوى ذكر هذه السبعة كلها، وكنَّى عنها بالمذكور، وذلك لاحتقارها بالنسبة لنعيم الآخرة. وقوله: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: المتعة التي يتمتع بها الناس في الحياة الدنيا، وغايتها الزوال، فإما أن تزول عنها، وإما أن تزول عنك، أما أن تخلد لك أو تخلد لها، فذلك مستحيل، لابد أن تفارقها أو أن تفارقك هي، وهذا أمر لا يحتاج إلى إقامة برهان، فهذه الأشياء لو اجتمعت كلها للمرء فما هي إلَّا متاع الحياة الدنيا، يتمتع بها الإنسان ثم يفارقها أو تفارقه هي. وقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بخلاف الحياة الأخرى، وهي الحياة الحقيقية، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، أما الدنيا فهي حياة بسيطة ليست بشيء، قال النبي ﷺ : "لموضع سوط أحدكم في الجنَّةَ خير من الدنيا وما فيها" (١)، وموضع السوط حوالي متر، و (خير من الدنيا وما فيها) الدنيا منذ خلقت إلى يوم القيامة بكل ما فيها من نعيم، وذلك لأن نعيم الدنيا في الحقيقة كأحلامنا، واعتبر الأمر بما مضى من عمرك. و(دنيا): مؤنث أدنى، ووصفت بهذا الوصف لدنو مرتبتها بالنسبة للآخرة، فليست بشيء بالنسبة للآخرة. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، وكذلك سميت دنيا لأنها أدنى من الآخرة باعتبار الترتيب الزمني، فهي دنيا، أي: قريبة للناس.

стр. 89

إذن ما دمنا نعرف أن هذا متاع الحياة الدنيا فلننظر إلى هذه الأشياء نظرة جدٍّ لا نظرة شهوة، فإذا كان ذلك ينفعنا في الآخرة فالنظر إليه طيب ونافع، ويكون من حسنة الدنيا والآخرة. أما إذا نظرنا إليه مجرد نظر الشهوة فإنه يخشى على المرء أن يغلب جانب الشهوة على جانب الحق، ولهذا أدنى الله مرتبة هذه الأشياء ووضعها حيث قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: يعني: حسن المرجع في الدار الآخرة؛ لأن مرجع كل إنسان إلى الآخرة، إما إلى جنة، وإما إلى نار، وليس ثمة دار أخرى ثالثة، كل الناس، بل كل الجن والإنس مآلهم في الآخرة إلى الجنَّةَ أو إلى النار، وليس ثمة دار أخرى. من فوائد الآية الكريمة: ١ - حكمة الله في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات لهم في هذه الأمور السبعة. ووجه الحكمة: أنَّه لولا هذه الشهوات التي تنازع الإنسان في اتجاهه إلى ربه لم يكن للاختبار في الدين فائدة. فلو كان الإنسان لم يغرس في قلبه أو في فطرته هذا الحب لم يكن في الابتلاء في الدين فائدة؛ لأن الانقياد إلى الدين إذا لم يكن له منازع يكون سهلًا ميسرًا، ولهذا أول من يستجيب إلى الرسل الفقراء الذين -غالبًا- حرموا من الدنيا، لأنه ليس لديهم شيء ينازعهم لا مال ولا رئاسة ولا غير ذلك. ٢ - أنَّه لا يذم من أحب هذه الأمور على غير هذا الوجه، وهو محبة الشهوة، وذلك لأنه إذا زينت له محبة هذه الأمور لا

стр. 90

لأجل الشهوة لم يكن ذلك سببًا لصده عن دين الله، لأن أكثر ما يفتن الإنسان الشهوة إذا لم يكن هناك شبهة، فإن كان هناك شبهة واجتمع عليه شبهة وشهوة حصلت له الفتنتان. ويدل لذلك أن النبي ﷺ قال: "حبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب" (١)، ويدل لذلك أيضًا أن النبي ﷺ رغَّب في النكاح وحثَّ عليه وأمر به الشباب (٢)، والنبي ﷺ حثّ على تزوج المرأة الولود (٣)، والولود كثيرة الولادة، وإذا كانت ولودًا كثر نسلها، ومن نسلها البنون. فالمهم أن محبة هذه الأشياء لا من أجل الشهوة أمر لا يذم عليه الإنسان. ٣ - قوة التعبير القرآني، وأنه أعلى أنواع الكلام في الكمال، ولهذا قال: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ولم يقل: حبّ النساء، أو حبّ البنين، أو حبّ القناطير المقنطرة، بل قال: حبّ الشهوات من هذه الأشياء، فسلّط الحب على الشهوات، لا على هذه الأشياء، لأن هذه الأشياء حبها قد يكون محمودًا. ٤ - تقديم الأشد فالأشد، ولهذا قدَّم النساء، ففتنة شهوة النساء أعظم فتنة، ولهذا قال النبي ﵊: "ما

стр. 91

تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" (١). ولهذا بدأ بها فقال: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾. ٥ - أن البنين قد يكونون فتنة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، والأولاد أعم من البنين. ٦ - أن الذهب والفضة من أشد الأموال خطرًا على الإنسان، ولهذا قدَّمها على بقية الأموال، فقال: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ لأنها أعظم المال فتنة، لاسيما الموصوفة بهذه الصفة، أنَّها قناطير مقنطرة. ٧ - أنَّه كلما كَثُرَ المال ازدادت الفتنة في شهوته؛ لقوله: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾. ولهذا نجد بعض الفقراء يجود بكل ماله، والغني لا يجود بكل ماله، بل بعض الأغنياء -نسأل الله العافية- يبتلون كلما كَثُر مالهم اشتد بخلهم ومَنْعهم. ٨ - أن الخيل أعظم المركوبات فخرًا، ولاسيما إذا كانت مسومة أي: معلمة معتنى بها، أو مسومة مطلقة في المراعي معتنى بها في رعيها، فإنها تكون أعظم المركوبات فتنة. ٩ - أنَّ فتنة الأنعام -الإبل والبقر والغنم- دون فتنة الخيل بناءً

стр. 92

على الترتيب، والترتيب في هذه الآية يكون من الأعلى إلى الأدنى. ١٠ - أن من الناس من يفتن في الحرث بالزراعة، فيفتن بها ويزرع على الوجه المشروع وغير المشروع. ١١ - أن هذه الأشياء كلها لا تعدو أن تكون متاع الحياة الدنيا؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ١٢ - التزهيد في التعلق بهذه الأشياء؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وكل ما كان للدنيا فلا ينبغي للإنسان أن يتبعه نفسه لأنه زائل، فلا تتبع نفسك شيئًا من الدنيا إلَّا شيئًا تستعين به على طاعة الله. وأنت سوف تنال منه ما يناله من أتبع نفسه متاع الحياة الدنيا للدنيا، فمثلًا: الطَّعام، من الناس من يأكله لأجل أن يحفظ بدنه امتثالًا لأمر الله، واستعانة به على طاعة الله، فيؤجر على ذلك، ومن الناس من يأكله لمجرد شهوة ليملأ بطنه فيحرم هذا الأجر، لأنه نوى به مجرد الشهوة فقط. ١٣ - تنقيص هذه الحياة؛ لقوله: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فوالله إنها لناقصة، إن دارًا لا يدري الإنسان مدة إقامته فيها، وإن دارًا لا يكون صفوها إلَّا منغصًا بكدرٍ، وإن دارًا فيها الشحناء والعداوة والبغضاء بين الناس وغير ذلك من المنغصات؛ إنها لدنيا. ١٤ - أن ما عند الله خير من هذه الدنيا؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. ١٥ - ما أشار إليه بعضهم من أن من تعلق بهذه الأشياء تعلُّق شهوة فإن عاقبته لا تكون حميدة؛ لأن الله عندما ذكر التعلق على وجه الشهوة بهذه الأشياء قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ فكأنه

стр. 93

يقول: ولا حسن مآب لهذا المتعلِّق بهذه الأشياء أي: إن عاقبته ليست حميدة، هكذا ذكره بعضهم، ولكن في النفس منه شيء. والذي يظهر لي أن الآية ختمت بهذا: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ من أجل ترغيب الإنسان فيما عند الله ، وأن لا يتعلق بمتاع الحياة الدنيا، ويدل لما ذكرتُ قوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]. * * * • ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥]. قوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ يعني: أَأُخبركم بخير من ذلكم؛ يعني: المشار إليه في الآية السابقة. والاستفهام يفيد تنبيه المخاطب وحضور قلبه لما سيلقَى إليه، فهو كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، ثم إن في هذا الاستفهام معنى غير التنبيه وهو: التشويق، يعني: بعد أن قصّ الله علينا متاع الحياة الدنيا أمر نبيَّه أن يقول للناس: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾؛ ليشوقهم إلى ذلك الخير. وقال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ولم يقل: "أأخبركم"، لأن النبأ إنما يقال في الأمور الهامة، كقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ [النبأ: ١ - ٢]، ولهذا قيل للنبي: "نبي"، ولم يُقَل: "مخبِر". فهذا أمر هام يحتاج إلى الإنباء عنه. وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ فيها قراءة (أؤنبئكم) بتحقيق الهمزتين

стр. 94

بدون مدٍّ، وفيها قراءة ثانية (آؤنبئكم) أي: بتحقيق الهمزتين بالمد. وقوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾، ولم يقل: "من ذلك"، لأن المخاطب جميع الناس، والمشار إليه ما سبق من متاع الحياة الدنيا بأنواعها السبعة، وأشير إليها بلفظ المفرد المذكر من أجل طي ذكره بشيء واحد، كأنه قال: بخير من ذلكم المذكور حتَّى لا يشار إلى التفصيل فيه؛ لأن الدنيا كلها في الواقع ينبغي أن يزهد فيها الإنسان ولا يحتسبها شيئًا، كقوله ﷺ : "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (١) ولم يذكرها تحقيرًا لها. وجواب الاستفهام هو مضمون قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾، وقوله ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ خبر مقدم، و ﴿جَنَّاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن من القواعد المعروفة في البلاغة: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. والتقوى أحيانًا توجه لله كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وأحيانًا نؤمر باتقاء يوم القيامة كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]. وأحيانًا نؤمر باتقاء النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية، فإنها تختلف؛

стр. 95

لأن تقوى الله تستلزم الخوف منه وتعظيمه. أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط، لكنها ليست تقوى عبادة وإنابة وتعلق بها، بل تقوى فرار منها، وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه إلى الله، وهو يوم القيامة. فقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها، وهي تقوى الله ، لا تقوى اليوم الآخر، ولا تقوى النار؛ لأن تقوى الله تحمِل على تقوى اليوم الآخر، وعلى تقوى النار. قال بعض العلماء في تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. وهذا يتضمن الإخلاص والعلم. (العلم) من قوله: على نور من الله. و (الإخلاص) من قوله: ترجو ثواب الله، وتخشى عقاب الله. يعني: لا يحملك على هذا حب الدنيا أو الجاه أو الرئاسة، أو ما أشبه ذلك. وقال بعض العلماء: إن تقوى الله أن يخلي الإنسان جميع الذنوب صغيرها وكبيرها. وعلى هذا قول الشاعر (١): خلِّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى واعمل كماشٍ فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة ... إن الجبال من الحصى وقال بعض العلماء: تقوى الله : اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وهذا أجمع ما قيل في التقوى.

стр. 96

ثم اعلم أن التقوى أحيانًا تقرن بالبر، وأحيانًا تفرد، فإن قرنت بالبر صار معناها: اجتناب المعاصي. والبر: فعل الطاعات، وإن أفردت عنه صارت شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهي، ولهذا الاستعمال في الكلمات نظائر كثيرة، كالفقير والمسكين، الفقير والمسكين إن ذكرا جميعًا صار لكل واحد منهما معنى، وإن أفرد أحدهما صارا بمعنى واحد. كذلك الإيمان والإسلام؛ عند الإفراد يدخل أحدهما في الآخر، وعند الجمع يكون لكل واحد منهما معنى غير الآخر. قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: العندية هنا: تفيد فضلًا عظيمًا؛ لأنها هي القرب من الله . كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]. فثواب المتقين عند الله، والعندية تفيد القرب، ولا أقرب من شيء يكون سقفه عرش الله ، كالفردوس الأعلى. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها. وقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾: الرب كما سبق هو الخالق المالك المدبر، وسبق أيضًا أن ربوبية الله تنقسم إلى عامة وخاصة، والربوبية هنا: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ربوبية خاصة؛ لأن الله وفقهم لما حرمه كثيرًا من عباده. وقوله: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحتِهَا الأَنْهَارُ﴾:

стр. 97

﴿جَنَّاتٌ﴾: كثيرة ومتنوعة ذكر الله تعالى في سورة الرحمن أن أجنانها أربعة، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]. وأخبر النبي ﵊: أنَّها جنتان من ذهب وجنتان من فضة (١)، وهذا باعتبار الجنس. أما الأنواع فكثيرة؛ لأن لكل أمة ما يختص بها من الثواب، ولكل فرد من الأمة ما يختص به من الثواب. ونحن نعرف الآن أن الفواكه في الدنيا اسمها واحد، ولكنها تختلف؛ فالرمان مثلًا في هذا البستان يكون جيدًا، وفي هذا البستان يكون رديئًا، وكذلك بقية الفواكه. كذلك الجنَّةَ تختلف حتَّى وإن اشتركت في أن كلها رمان، وكلها فواكه وما أشبه ذلك، فإنها تختلف من شخص لآخر، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢]. وأخبر النبي ﵊ أن أهل الجنَّةَ يتراءون أصحاب الغرف العالية كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق (٢). فهي درجات عظيمة، فهنا قال: ﴿جَنَّاتٌ﴾ بالجمع لتعدد أجناسها وأنواعها وأفرادها.

стр. 98

والجنة في الأصل: البستان الكثير الأشجار، ولكن المراد بالجنات التي وعد الله بها المتقين: هي دار النعيم المقيم التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ليس من تحت أرضها، بل من فوق أرضها، لكن من تحت أشجارها وقصورها، أنهار مطردة، وأنهار مختلفة الأنواع، أربعة أنواع: أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى. هذا الماء لم يخرج من الآبار، ولم يذب من الجليد، وهذا العسل لم يخرج من نحل، وهذا اللبن لم يخرج من بهيمة، ولكن الذي خلق هذا في الدنيا من هذه الأشياء المعلومة قادر على أن يخلقه في الآخرة ابتداء. فهذه الأنواع الأربعة تجري من تحت هذه القصور، والأشجار اليانعة التي تبهج الناظرين وتسر القلب لا يتصور الإنسان ما فيها من النعيم. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: هذا أيضًا من كمال النعيم (الخلد)، لا يذوقون فيها الموت، بل يقال لهم: "خلود ولا موت" (١)، فيسرون، بل يقال لهم: "إن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدًا، وأن تصحوا فلا تسقموا

стр. 99

أبدًا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدًا" (١). كل الآفات المنغصة للنعيم في الدنيا، كلها تنفى عنه ولهذا قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. وقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: معطوفة على جنات، وعطفها عليها لاختلاف في نوع التلذذ؛ فالتلذذ بالجنات تلذذ شهوة بطن، والتلذذ بالأزواج تلذذ من نوع آخر، والإنسان الذي له زوجة في الدنيا، تبقى زوجةً له في الآخرة، وإذا كانت ذات زوجين، فإنها تخيَّر بينهما، وإذا لم يكن للرجل زوجة، ولا للمرأة زوج في الدنيا، فإنه في الجنة يزوَّج هذا من هذه. وهناك أزواج أيضًا من نوع آخر، وهن الحور العين، داخلة في قوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من كل رجس حسي أو معنوي. فالحسي: مثل البول والغائط والحيض والعرق المنتن والمخاط وما أشبه ذلك. والمعنوي: مثل الغل والحقد والفجور وكراهية الزوج وما أشبه ذلك. وذلك لأن الله أطلق فقال: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ ولم يقل من كذا وكذا، فَدَلَّ على العموم؛ لأن من القواعد المعروفة أن حذف المعمول يؤذن بعموم العامل.

стр. 100

ولهذا أمثلة كثيرة منها قوله تعالى للرسول ﷺ : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]. قال: ألم يجدك يتيمًا ولم يقل: فآواك، ووجدك ضالًا ولم يقل: فهداك، مع أن الخطاب له، ووجدك عائلًا ولم يقل: فأغناك، بل حذف المفعول ليؤذن بعموم العامل. فالرسول ﵊: وجده ربه يتيمًا فآواه، وآوى به، حتى جعله فئة لكل مؤمن، ووجده ضالًا فهداه وهدى به، وكذا وجده عائلًا فأغناه وأغنى به. وقال: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ ولم يقل: مطهرات؛ لأن نعت الجمع يجوز أن يكون مجموعًا ويجوز أن يكون مفردًا، إلا جمع المؤنث السالم فإنه يكون مجموعًا؛ فتقول مثلًا: مررت بنساء مؤمنات، ولا تقول: بنساء مؤمنة، ومررت بمسلمات صالحات، ولا تقول: بمسلمات صالحة. وقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ﴾ جمع تكسير؛ فيجوز في وصفه الإفراد والجمع، يجوز أزواج مطهرات، وأزواج مطهرة. قال ابن مالك: (والله يقضي بهبات وافرة)، ولو قال: وافرات لصحَّ. وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾: هذا من أعظم شيء؛ أن الله يحل عليهم رضاه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا، كما قال الله تعالى لما عدد نعيم أهل الجنة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وأعظم من ذلك النظر إلى وجه الله ، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فلا ألذ ولا أمتع ولا أحسن لأهل الجنة من النظر إلى وجه الله

стр. 101

سبحانه وتعالى، فأعلى شيء هو النظر إلى وجه الله ، والرضوان يليه، ثم المتع الجسدية في الجنة تلي هذا، ولهذا قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فأفرده بالذكر؛ لأنه نعيم قلب، وما سبقه نعيم بدن وجسد، ولهذا يقول الله : "إني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا" (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: أي: الذين يريدون الدنيا، والذين يريدون الآخرة، فهو بصير بهم بصر نظر وبصر علم، أما بصر النظر فلا يغيب عن نظره شيء، وأما بصر العلم فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. وقوله: ﴿بِالْعِبَادِ﴾ أي: العبودية العامة، فهو بصير بكل العباد، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، متقيهم وعاصيهم، وهو بصير بمن يستحق أن يكون من المتقين، وبصير بمن يستحق أن يكون من العاصين، المعصية بحكمته وعدله، والطاعة برحمته وفضله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أهمية هذا النبأ، وذلك من وجهين: الأول: تصديره بـ ﴿قُل﴾، فهو أمر بتبليغه على وجه الخصوص، وهذا يدل على العناية به، وإلا فكل القرآن قد أمر النبي ﷺ أن يقوله للأمة. والثاني: إتيانه بصيغة الاستفهام الدالة على التشويق.

стр. 102

٢ - أن النبي ﷺ عبدٌ يُؤمر ويُنهى؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ وليس له حقٌّ في الربوبية أبدًا، فهو لا يحيي ولا يميت، ولا يرزق ولا يدفع الضر عن نفسه ولا عن غيره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. ٣ - عناية الله بخلقه؛ فإنه لما ذكر ما زُيِّن لهم من الشهوات في الأمور السبعة، أمر الله رسوله ﷺ أن ينبئهم بما هو خير من ذلك. ٤ - حسن أسلوب التعليم والدعوة، وأنه ينبغي للإنسان في مقام الدعوة أن يأتي بالألفاظ التي توجب الانتباه؛ لأن الإنسان إذا قيل له: ألا أنبئك بكذا وكذا، سوف يتشوق وينتبه، بخلاف ما لو جاء الكلام مرسلًا. ٥ - جواز المفاضلة بين شيئين بينهما فرق عظيم؛ لقوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾؛ ومعلوم أن كل ما ذكر من الشهوات السبع لا يساوي شيئًا أبدًا بالنسبة لثواب الآخرة. ومن ذلك قول النبي ﵊: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١). ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وفي مقام موافقة الخصم بدعواه قال الله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. ٦ - أن هذا الخير الذي شوَّق الله العباد إليه ثابت للمتقين؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفي ذلك الحث على تقوى الله.

стр. 103

٧ - أن هذا الخير لهؤلاء المؤمنين في أكرم جوار، وهو جوار رب العالمين؛ لقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾. ٨ - عظم هذه الجنات لكونها عند الله بجواره . ٩ - عناية الله بهؤلاء القوم، حيث أضافهم إليه بالربوبية الخاصة في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. ١٠ - أن هؤلاء المتقين يتنعمون في ثواب الله بكل أنواع النعيم، بالأكل والشرب والنكاح، وهذه أصول لذائذ البدن. ١١ - فضيلة الأزواج في الجنة بكونهن مطهرات حسًّا ومعنى. ١٢ - أن تمام نعيم هؤلاء برضوان الله؛ لقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، وقد بيّن الله سبحانه في سورة التوبة أن هذا الرضوان أكبر النعيم فقال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]. ١٣ - إثبات صفة الرضا لله تعالى، وهو من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته؛ متى وجد سبب الرضا وجد الرضا، وكل صفة تكون معلقة بسبب فإنها من الصفات الفعلية. ١٤ - إحاطة الله بالعباد علمًا ورؤية؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾. ١٥ - بيان حكمة الله ؛ حيث قسَّم الناس قسمين: متقين وعصاة، أخذًا من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، بعد قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤]. ١٦ - أن الله حكيم؛ حيث جعل التقوى في

стр. 104

أهلها؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فمن بصره بعباده أن جعل هؤلاء متقين والآخرين عصاة، وهؤلاء ثوابهم الجنة، وأولئك ثوابهم النار. ١٧ - أن كل الخلق عباد لله، المتقي منهم وغير المتقي؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، بعد قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾. ١٨ - التحذير من مخالفة أمره؛ لأنه متى علم الإنسان أن الله بصير به، فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه؛ لأنه إذا خالف ربه فالله بصير به، وسوف يجازيه بحسب مخالفته. * * * • ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧]. قوله : ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: هذا بيان للذين اتقوا ربهم، لا للعباد؛ لأن العباد كلَّهم لا يتصفون بهذه الصفات، لكن المتقين منهم هم الذين يتصفون بهذه الصفات. وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ يريد بذلك القول باللسان والاعتقاد بالجنان؛ لأن الله تعالى إذا أطلق القول بالإيمان ولم يتعقبه، كان المراد به القول باللسان، والعقد بالجنان. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. لما كان المراد بهذا القول، القول باللسان فقط، قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. أما إذا أطلق الله قول اللسان

стр. 105

﴿آمَنَتْ﴾ فإنه يريد به القول باللسان والعقد بالجنان؛ ولهذا قال الله : ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، فلا يريد منا أن نقول ذلك بألسنتنا فقط، بل بألسنتنا وقلوبنا. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ توسلوا إلى الله بربوبيته، للإخبار بحالهم في الإيمان به، كأنهم يقولون: ربنا آمنا، ولكننا لم نصل إلى الإيمان إلا بربوبيتك لنا، تلك الربوبية الخاصة المقتضية للعناية التامة. وقوله: ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾ مؤكد بـ (إنَّ) وقد سأل جبريل النبي ﷺ : ما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١). وقال الله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. فالإيمان هنا يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، وهو ستة أنواع: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. والإيمان ليس هو مجرد التصديق؛ ولهذا يقال: (آمنا به) ويقال: (آمنا له) وبينهما فرق، والإيمان لابد أن يكون مقرونًا بقبول وإذعان؛ يعني: يصدق، ثم يقبل، ثم يذعن، فهذا هو الإيمان، ولهذا يقال: (آمنت به) ولا يقال: (آمنته). ولو كان الإيمان مرادفًا للتصديق لصحَّ أن يقال: (آمنته) كما يقال: (صدقته).

стр. 106

ولهذا كلنا يعلم أن أبا طالب مصدق لرسول الله ﷺ ، ويرى أن ما أخبر به مثل الشمس، حتى إنه يقر بذلك في قصائده ويقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحًا بذاك مبينا إذن هو مصدق، لكن لم يكن تصديقه هذا متضمنًا للقبول والإذعان، فلم يقبل منه. وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: الفاء هنا للسببية، أي: بسبب إيماننا فاغفر لنا؛ لأن الإيمان لا شك أنه وسيلة للمغفرة، وكلما قوي الإيمان قويت أسباب المغفرة، حتى إنه إذا أخلص الإنسان إيمانه صارت حسناته تذهب سيئاته، ولهذا قال: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾، أي: بسبب الإيمان اغفر لنا، وهذا من باب التوسل بالطاعة لقبول الدعاء. وقوله: (اغفر): فعل دعاء وليس فعل أمر؛ لأن العبد لا يأمر الله لكنه يدعوه. إذن كل فعل بصيغة الأمر موجَّه إلى الله، يسمى فعل دعاء، ولا يسمى فعل أمر. والمغفرة: مأخوذة من الغفر، وهو الستر مع الوقاية، ومنه (المِغْفَر) الذي يلبسه المقاتل في رأسه ليستر الرأس ويقيه السهام، فليست المغفرة مجرد الستر، بل هي ستر ووقاية، ولهذا نقول: مغفرة الذنوب سترها عن الناس، والعفو عن عقوباتها. ويدل لهذا أن الله يخلو يوم القيامة بعبده

стр. 107

المؤمن، ويقرره بذنوبه؛ يقول: عملت كذا، وعملت كذا وكذا، وعملت كذا حتى يقر، فيقول الله : "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١). يعني: لا أجازيك عليها. ويقال: إن بني إسرائيل كان الواحد منهم إذا أذنب ذنبًا أصبح وذنبه مكتوب على بابه -والعياذ بالله- فضيحة. أما هذه الأمة فستر الله عليها ولله الحمد، ولكن فتح لها أبواب التوبة كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. والله يمهل الإنسان ويحلم عليه، وإذا وفق اتعظ من نفسه بنفسه؛ فيستحي من الله ، ويخشى أن يفضحه الله؛ لأن الإنسان إذا تجرأ على ربِّه في السر، فربما يفضحه في العلانية إذا لم يتب إلى الله ، فإن تاب تاب الله عليه، وأبدل سيئاته حسنات. وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾: الذنوب: هي المعاصي، وهي إما كبائر، وإما دون ذلك وهي الصغائر، وكلها تحتاج إلى مغفرة. والصغائر إما أن تكفر بالحسنات أو بالتوبة، فإذا كفرت بالحسنات فإنها تمحى فقط، ولا تبدل بحسنات، وإذا كفرت بتوبة أبدلت بحسنات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال: ﴿إِلَّا

стр. 108

مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]. وقوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: من الوقاية، والمراد: قنا العذاب عند استحقاقنا له، وقنا العذاب حتى لا نعمل العمل الذي يوصلنا إلى العذاب. ثم هؤلاء إذا هم عملوا عمل أهل النار، فالله تعالى يقيهم ذلك بأمور متعددة. وقد ذكر العلماء أسباب مغفرة الذنب فبلغت نحو عشرة أسباب؛ منها: أن يوفّق الإنسان للتوبة، فإن تاب الإنسان من الذنب، وقاه الله تعالى عقاب ذلك الذنب كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. ومنها الأعمال الصالحة، والصدقة، ودعاء المؤمنين، ومشيئة الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾: نعت لقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥] والصابر: اسم فاعل من الصبر، وهو في الأصل: الحبس، والمراد به شرعا: حبس النفس عن محارم الله، وأنواعه ثلاثة: ١ - صبر على طاعة الله . ٢ - صبر عن معصية الله. ٣ - صبر على أقدار الله المؤلمة. أما الصبر على الطاعة: فإن الإنسان يجد منه معاناة عظيمة عندما يهمُّ بالطاعة؛ لأنه يجد نفسه الأمّارة بالسوء والشيطان

стр. 109

يحاولان أن يصداه عن طاعة الله، حتى إذا أعانه الله على ذلك تغلب على هذين العدوين، وفعل ما أمر الله به. وأما الصبر عن المعصية، لاسيما مع قوة الداعي لها، وعدم المعارض؛ فإنه لا ينجو منها إلا من عصمه الله؛ ولهذا قال النبي ﵊ في جملة من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" (١). ومن ذلك صبر يوسف ﵊، عندما دعته امرأة العزيز، وهي سيدته، لكنه ﵊ رأى برهان ربه، فعصمه الله . ومن ذلك الرجل الإسرائيلي الذي كان يراود ابنة عمه عن نفسها، وتأبى عليه. فلما ألمّت بها سَنَةٌ جاءت إليه، ومكَّنته من نفسها، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته، قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه، لكن لما ذكرته بالله اتقى الله (٢). وأما الصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا كثير، ومن ذلك صبر أيوب ﵊، فإنه صبر صبرًا عظيمًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] ومن ذلك أيضًا: الصبر على أقدار الله المؤلمة المترتبة على طاعة الله، كصبر الرسل على أذية الناس من أجل الدعوة إلى الله. فهؤلاء

стр. 110

صبروا على الأقدار المؤلمة المترتبة على فعل اختياري منهم وهو طاعة الله بتبليغ رسالته. ونضرب مثلًا بصبر سيد الخلق ﵊، مع الحلم والأناة والعفو والتسامح، كما حصل له مع أهل الطائف (١)، وقبل ذلك مع أهل مكة؛ فقد كان ذات يوم ﵊ يصلي حول الكعبة في آمَنِ مكانٍ على وجه الأرض، ساجدًا لله ، فجاءه سفهاء قومه، فوضعوا سلا جزور على ظهره ﷺ وهو ساجد، حتى جاءته ابنته فاطمة ﵂ فأزالت الأذى عن ظهره (٢). ومع ذلك صبر وصابر، ولم يخرج من مكة إلا بعد أن أذن الله له. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾: الصدق: هو المطابقة للواقع، والصادق هو الذي يكون خبره مطابقًا للواقع. والكاذب خلاف ذلك. والصدق: يكون بالقول ويكون بالفعل، ويكون مع الله ويكون مع عباد الله. أما الصدق بالقول: فهو مطابقة القول للواقع؛ فإذا قيل لك: جاء زيد، وكان قد جاء، فهو مطابق للواقع، فيكون صدقًا. والصدق من صفات المؤمنين، والكذب من صفات المنافقين، وقد حثّ النبي ﵊ على الصدق،
следующие страницы →