المجلد الأول
مقدمة
...
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الذي شرح صدر من شاء من عباده للفقه في الدين، ووفق لاتباع آثار السلف الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا معين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الأمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فهذا شرح على كتاب: "دليل الطالب لنيل المطالب" الذي ألفه
الشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي
تغمده الله برحمته، وأباحه بحبوحة جنته، ذكرت فيه ما حضرني من الدليل والتعليل، ليكون وافياً بالغرض من غير تطويل، وزدت في بعض الأبواب مسائل يحتاح إليها النبيل، وربما ذكرت رواية ثانية أو وجهاً ثانياً لقوة الدليل، نقلته من كتاب الكافي لموفق الدين عبد الله بن اًحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي.
стр. 2
من شرح المقنع الكبير لشمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة وغالب نقلي من مختصره، ومن فروع ابن مفلح وقواعد ابن رجب وغيرها من الكتب.
وقد أفرغت في جمعه طاقتي وجهدي، وبذلت فيه فكري وقصدي، ولم يكن في ظني أن اًتعرض لذلك، لعلمي بالعجز عن الخوض في تلك المسالك، فما كان فيه من صواب فمن الله، أو خطأ فمني، وأسأله سبحانه العفو عني، ولما تكففته من أبواب العلماء وتطفلت به على موائد الفقهاء تمثلت بقول بعض الفضلاء:
أسير خلف ركاب النجب ذا عرج ... مؤملاً كشف ما لا قيت من عوج
فإن لحقت بهم من بعد ما سبقوا ... فكم لرب الورى في ذاك من فرج
وإن بقيت بظهر الأرض منقطعاً ... فما على عرج في ذاك من حرج
وإنما علقته لنفسي، ولمن فهمه قاصر كفهمي، عسى أن يكون تذكرة في الحياة، وذخيرة بعد الممات، وسميته "منار السبيل في شرح الدليل" أسأل الله العظيم أن يجعله لوجهه خالصاً، وإليه مقرباً، وأن يغفر لي ويرحمني والمسلمين، إنه غفور رحيم.
стр. 3
مقدمة صاحب المتن مع شرحها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"الحمد لله رب العالمين" ابتدأ كتابه بالبسملة ثم بالحمدلة اقتداء بكتاب الله ، وعملاً بحديث "كل أمر ذي بال، لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر"، أي ذاهب البركة، رواه الخطيب والحافظ عبد القادر الرهاوي، وبحديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع" وفي رواية: "بحمد الله". وفي رواية: "بالحمد". وفي رواية "فهو أجذم". رواها الحافظ الرهاوى في الأربعين له.
"وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مالك يوم الدين" قال ابن عباس ومقاتل: قاضي يوم الحساب، وقال قتادة: الدين الجزاء. وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكاً للأيام كلها، لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر الا له.
"وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبين لأحكام شرائع الدين" بأقواله وأفعاله وتقريراته، والدين هنا الإسلام، قال تعالى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] وقال ﷺ في حديث عمر: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم".
"الفائز بمنتهى الإرادات من ربه" كالحوض المورود، والمقام المحمود،
стр. 4
وغير ذلك من خصائصه. قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى١﴾ ، والفوز والنجاة والظفر بالخير، قاله في القاموس.
"فمن تمسك بشريعته" بفعل المأمورات، واجتناب المنهيات.
"فهو من الفائزين" في الدنيا والآخرة.
"صلى الله وسلم عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين" حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية الصلاة من الله تعالى ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى وقيل الرحمة، وقيل رحمة مقرونة بتعظيم. وتستحب الصلاة عليه ﷺ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً٢﴾ ولقوله ﷺ : "أكثروا علي من الصلاة" وتتأكد في ليلة الجمعة ويومها، وعند ذكره، وقيل تجب لقوله ﷺ : "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" وحديث: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي" وهي ركن في التشهد الأخير وخطبتي الجمعة كما يأتي - والنبي إنسان أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتبليغه فهو رسول.
"وعلى آل كل وصحبه أجمعين" وآل النبي أتباعه على دينه الصحيح عندنا، وقيل أقاربه المؤمنون، والصحب اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي، وهو من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً ومات على ذلك. وجمع بين الآل والصحب رداً على الشيعة المبتدعة، حيث يوالون الآل دون الصحب.
стр. 5
"وبعد" يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر استحباباً، في الخطب والمكاتبات، لفعله ﵇.
"فهذا مختصر" وهو ما قل لفظه وكثر معناه، قال علي ﵁: خير الكلام ما قل ودل ولم يطل فيمل.
"في الفقه" وهو لغةً الفهم، واصطلاحاً معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالاستدلال بالفعل أو بالقوة القريبة.
"على المذهب الأحمد مذهب الإمام أحمد" بن محمد بن حنبل الشيباني ﵁ وأرضاه، ولد ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، ومات بها في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، وفضائله ومناقبه شهيرة.
"بالغت في إيضاحه رجاء الغفران" من الله جل وعلا.
"وبينت فيه الأحكام أحسن بيان" والأحكام خمسة: الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة.
"لم أذكر فيه إلا ما جزم بصحته أهل التصحيح والعرفان وعليه الفتوى فيما بين أهل الترجيح والإتقان" من المتأخرين.
"وسميته بدليل الطالب لنيل المطالب والله أسأل أن ينفع به من اشتغل به من المسلمين"
"وأن يرحمني والمسلمين إنه أرحم الراحمين" آمين.
стр. 6
كتاب الطهارة
مدخل
مدخل
...
كتاب الطهارة
[وهي رفع الحدث] أي زوال الوصف القائم بالبدن، المانع من الصلاة ونحوها.
[وزوال الخبث] أي النجاسة، أو زوال حكمها بالاستجمار أو التيمم [وأقسام الماء ثلاثة، أحدها طهور وهو الباقي على خلقته] التي خلق عليها سواء نبع من نبع من الأرض، أو نزل من السماء، على أي لون كان.
[يرفع الحدث ويزيل الخبث] لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] وقول النبي ﷺ : "اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد" متفق عليه، وقوله في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
وهو أربعة أنواع:
١ -[ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث ويزيل الخبث وهو ما ليس مباحاً] كمغصوب ونحوه، لقوله ﷺ ، في خطبته يوم النحر بمنى "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" رواه مسلم من حديث جابر.
٢-[وماء يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى، وهو ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث] لحديث الحكم بن عمرو الغفاري
стр. 7
رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ "نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة" رواه الخمسة. وقال أحمد: جماعة كرهوه. وخصصناه بالخلوة، لقول عبد الله بن سرجس: توضأ أنت ها هنا وهي ها هنا، فأما إذا خلت به، فلا تقربنه.
٣ -[وماء يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه وهو ماء بئر بمقبرة] قال في الفروع في الأطعمة: وكره أحمد ماء بئر بين القبور، وشوكها وبقلها. قال ابن عقيل: كما سمد بنجس والجلالة، انتهى.
[وماء اشتد حره أو برده] لأنه يؤذي ويمنع كمال الطهارة.
[أو سخن بنجاسة أو بمغصوب] لأنه لا يسلم غالباً من صعود أجزاء لطيفة إليه، وفي الحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه النسائي والترمذي وصححه.
[أو استعمل في طهارة لم تجب] لتجديد وغسل جمعة.
[أو في غسل كافر] خروجاً من خلاف من قال: يسلبه الطهورية.
[أو تغير بملح مائي] كالملح البحري لأنه منعقد من الماء.
[أو بما لا يمازجه، كتغيره بالعود القماري، وقطع الكافور والدهن] على اختلاف أنواعه لأنه تغير عن مجاوره لأنه لا يمازج الماء وكراهته خروجاً من الخلاف، قال في الشرح: وفي معناه ما تغير بالقطران والزفت والشمع لأن فيه دهنية يتغير بها الماء.
[ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث] تعظيماً له ولا يكره الوضوء والغسل منه، لحديث أسامة أن رسول الله ﷺ "دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ" رواه أحمد عن علي،
стр. 8
وعنه يكره الغسل لقول العباس "لا أحلها لمغتسل". وخص الشيخ تقي الدين الكراهة بغسل الجنابة.
[وماء لا يكره إستعماله كماء البحر] لما تقدم.
[والآبار والعيون والأنهار] لحديث أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة - وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن - فقال ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شئ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وحديث "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شئ؟..".
[والحمام] لأن الصحابة دخلوا الحمام ورخصوا فيه، ومن نقل عنه الكراهة علل بخوف مشاهدة العورة أو قصد التنعم به، ذكره في المبدع. وروى الدارقطني بإسناد صحيح عن عمر أنه كان يسخن له ماء في قمقم فيغتسل به. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يغتسل بالحميم.
[ولا يكره المسخن بالشمس] وقال الشافعي: تكره الطهارة بما قصد تشميسه لحديث "لا تفعلي فإنه يورث البرص" رواه الدارقطني وقال: يرويه خالد بن إسماعيل، وهو متروك، وعمرو الأعسم، وهو منكر الحديث، ولأنه لو كره لأجل الضرر لما اختلف بقصد تشميسه وعدمه.
[والمتغير بطول المكث] وهو الآجن قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن الوضوء بالماء الآجن جائز سوى ابن سيرين. وكذلك ما تغير في آنية الأدم والنحاس، لأن الصحابة كانوا يسافرون
стр. 9
وغالب أسقيتهم الأدم وهي تغير أوصاف الماء عادة، ولم يكونوا يتيممون معها، قاله في الشرح.
[أو بالريح من نحو ميتة] قال في الشرح: لا نعلم في ذلك خلافاً.
[أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب، وورق شجر ما لم يوضعا] وكذلك ما تغير بممره على كبريت وقار وغيرهما، وورق شجر على السواقي والبرك، وما تلقيه الريح والسيول في الماء، من الحشيش والتبن ونحوهما، لأنه لا يمكن صون الماء عنه، قاله في الكافي.
[الثاني طاهر يجوز استعماله في غير رفع الحدث وزوال الخبث، وهو ما تغير كثير من لونه أو طعمه أو ريحه، بشئ طاهر] غير اسمه حتى صار صبغاً، أو خلاً، أو طبخ فيه فصار مرقاً، فيسلبه الطهورية، قال في الكافي: بغير خلاف لأنه أزال عنه اسم الماء فأشبه الخل.
[فإن زال تغيره بنفسه: عاد إلى طهوريته، ومن الطاهر ما كان قليلاً واستعمل في رفع حدث] لأن النبي ﷺ "صب عليه جابر من وضوئه" رواه البخاري. وفي حديث صلح الحديبية: "وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه" ويعفى عن يسيره. وهو ظاهر حال النبي، ﷺ وأصحابه، لأنهم يتوضؤن من الأقداح.
[أو انغمست فيه كل يد المسلم المكلف، النائم ليلاً نوماً ينقض الوضوء قبل غسلها ثلاثاً بنية وتسمية وذلك واجب] لقوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه، قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" رواه مسلم. ويفتقر
стр. 10
للنيًة لحديث عمر "إنما الأعمال بالنيات" وللتسمية قياساً على الوضوء قاله: أبو الخطاب.
[الثالث نجس يحرم استعماله إلا للضرورة، ولا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، وهو ما وقعت فيه نجاسة وهو قليل] لحديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض، وما ينو به من السباع والدواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" رواه الخمسة وفي لفظ ابن ماجه وأحمد لم ينجسه شئ يدل على أن ما لم يبلغهما ينجس. وقول النبي ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" متفق عليه يدل على نجاسة من غير تغير، ولأن الماء اليسير يمكن حفظه في الأوعية، فلم يعف عنه. قاله في الكافي. وحمل حديث بئر بضاعة على الكثير جمعاً بين الكل. قاله في المنتقى.
[أو كان كثيراً وتغير بها أحد أوصافه] قال في الكافي: بغيرخلاف. وقال في الشرح: حكاه ابن المنذر إجماعاً.
[فإن زال تغيره بنفسه أو بإضافة طهور إليه أو بنزح منه ويبقى بعده كثير طهر] أي عاد إلى طهوريته.
[والكثير قلتان [من قلال هجر] ١ تقريباً، واليسير ما دونهما] وإنما خصت القلتان بقلال هجر، لوروده في بعض ألفاظ الحديث، ولأنها كانت مشهورة الصفة، معلومة المقدار. قال ابن جريج: رأيت قلال هجر، فرأيت القلة تسع قربتين وشيئاً، والاحتياط أن يجعل الشئ نصفاً، فكانت
стр. 11
القلتان خمس قرب تقريباً، والقربة مائة رطل بالعراقي، والرطل العراقي تسعون مثقالاً.
[وهما خمسمائة رطل بالعراقي، وثمانون رطلاً وسبعان ونصف سبع بالقدسي، ومساحتهما] [أي القلتان]
[ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً. فإذا كان الماء الطهور كثيراً ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور، ولو مع بقائها فيه] .
لحديث بئر بضاعة السابق، رواه أحمد وغيره.
[وإن شك في كثرته فهو نجس]
[وإن اشتبه ما تجوز به الطهارة، بما لا تجوز به الطهارة لم يتحر ويتيمم بلا إراقة] لأنه اشتبه المباح بالمحظور، فيما لا تبيحه الضرورة، فلم يجز التحري، كما لو كان النجس بولاً أو كثر عدد النجس، أو اشتبهت أخته بأجنبيات، قاله في الكافي.
[ويلزم من علم بنجاسة شئ إعلام من أراد أن يستعمله] لحديث "الدين النصيحة".
стр. 12
باب الانية
مدخل
...
باب الآنية
[يباح اتخاذ كل إناء طاهر واستعماله ولو ثميناً] في قول عامة أهل العلم، قاله في الشرح لأن النبي ﷺ اغتسل من جفنة وتوضأ من تور من صفر وتور من حجارة، ومن قربةً وإداوة.
[إلا آنية الذهب والفضة والمموه بهما] لما روى حذيفة أن النبي ﷺ قال: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" وقال "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" متفق عليهما. وما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالطنبور، ويستوي في ذلك الرجال والنساء، لعموم الخبر.
[وتصح الطهارة بهما وبالإناء المغصوب] هذا قول الخرقي. لأن الوضوء جريان الماء على العضو، فليس بمعصية. إنما المعصية استعمال الإناء.
[ويباح إناء ضبب بضبة يسيرة من الفضة لغير زينة] لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. رواه البخاري.
[وآنية الكفار وثيابهم طاهرة] لأن النبي ﷺ أضافه يهودي بخبز وإهالة سنخة رواه أحمد وتوضأ من مزادة
стр. 13
مشركة وتوضأ عمر ﵁ من جرة نصرانية. ومن يستحل الميتات والنجاسات منهم فما استعملوه من آنيتهم فهو نجس لما روى أبو ثعلبة الخشني قال: قلت يارسول الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال: "لا تاكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها" متفق عليه. وما نسجوه، أو صبغوه، أو علا من ثيابهم، فهو طاهر، وما لاقى عوراتهم، فقال أحمد: أحب إلي أن يعيد إذا صلى فيها.
[ولا ينجس شئ بالشك ما لم تعلم نجاسته] لأن الأصل الطهارة.
[وعظم الميتة وقرنها وظفرها وحافرها وعصبها وجلدها نجس. ولا يطهر بالدباغ] في ظاهر المذهب لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ١ والجلد جزء منها. وروى أحمد عن يحيى بن سعيد عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول الله ﷺ في أرض جهينة وأنا غلام شاب أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب قال أحمد: ما أصلح إسناده.
[والشعر والصوف والريش طاهر] لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ ٢ والريش مقيس عليه، ونقل الميموني عن أحمد: صوف الميتة لا أعلم أحداً كرهه.
[إذا كان من ميتة طاهرة في الحياة ولو غير مأكولة كالهر والفأر. ويسن تغطية الآنية وإيكاء الأسقية] لحديث جابر أن النبي ﷺ
стр. 14
قال: "أوك سقاءك، واذكر اسم الله وخمر إناءك، واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه عوداً" متفق عليه.
стр. 15
باب الاستنجاء وآداب التخلي
مدخل
...
باب الاستنجاء وآداب التخلي
[الاستنجاء هو ازالة ما خرج من السبيلين بماء طهور أو حجر طاهر مباح منق] قال في الشرح: والاستجمار بالخشب والخرق وما في معناهما مما ينقي جائز في قول الأكثر، وفي حديث سلمان عند مسلم: نهانا أن نستنجي برجيع أو عظم وتخصيصها بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها.
[فالإنقاء بالحجر ونحوه أن يبقى أثر لا يزيله إلا الماء] بأن تزول النجاسة وبلتها، فيخرح آخرها نقياً لا أثر به.
[ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات تعم كل مسحة المحل] لقول سلمان نهانا - يعني النبي ﷺ أن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برجيع أو عظم رواه مسلم.
[والإنقاء بالماء عود خشونة المحل كما كان، وظنه كاف] دفعاً للحرج.
[ويسن الاستنجاء بالحجر ونحوه، ثم بالماء] لقول عائشة ﵂ مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة بالماء من أثر الغائط والبول، فإني أستحييهم، وإن النبي ﷺ كان يفعله صححه الترمذي.
стр. 16
[فإن عكس كره] نص عليه لأن الحجر بعد الماء يقذر المحل.
[ويجزئ أحدهما] أي الحجر أو الماء لحديث أنس كان النبي ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوةً من ماء وعنزةً فيستنجي بالماء متفق عليه. وحديث عائشة مرفوعاً "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه" رواه أحمد وأبو داود.
[والماء أفضل] لأنه أبلغ في التنظيف ويطهر المحل. وروى أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعاً "نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ١ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية".
[ويكره استقبال القبلة، واستدبارها في الاستنجاء] تعظيماً لها.
[ويحرم بروث وعظم] لحديث سلمان المتقدم.
[وطعام ولو لبهيمة] لحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن" رواه مسلم. علل النهي بكونه زاداً للجن، فزادنا وزاد دوابنا أولى لأنه أعظم حرمة.
[فإن فعل لم يجزه بعد ذلك إلا الماء] لأن الاستجمار رخصة، فلا تستباح بالمحرم، كسائر الرخص. قاله في الكافي.
[كما لو تعدى الخارج موضع العادة] فلا يجزئ إلا الماء لأن
стр. 17
الاستجمار في المعتاد رخصة للمشقة في غسله لتكرار النجاسة فيه، بخلاف غيره.
[ويجب الاستنجاء لكل خارج] وهو قول أكثر أهل العلم، قاله في الشرح، لقوله ﷺ في المذي: "يغسل ذكره ويتوضأ" وقال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه".
[إلا الطاهر] كالمني، وكالريح، لأنها ليست نجسة، ولا تصحبها نجاسة، قاله في الشرح والكافي لحديث: "من استنجى من الريح فليس منا". رواه الطبراني في المعجم الصغير. قال أحمد: ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله.
[والنجس الذي لم يلوث المحل] لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة هنا.
стр. 18
فصل مايسن لداخل الخلاء
[يسن لداخل الخلاء تقديم اليسرى] لأنها لما خبث.
[وقول بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث] لحديث علي مرفوعاً "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول: بسم الله " رواه ابن ماجه. وعن أنس كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهمً إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" رواه الجماعة.
[وإذا خرج قدم اليمنى] لأنها تقدم إلى الأماكن الطيبة.
[وقال غفرانك الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني] لحديث عائشة كان ﷺ إذا خرح من الخلاء قال: "غفرانك".
стр. 19
حسنه الترمذي. وعن أنس: كان ﷺ إذا خرح من الخلاء يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" رواه ابن ماجه.
[ويكره في حال التخلي استقبال الشمس والقمر] تكريماً لهما.
[ومهب الريح] لئلا ترد البول عليه.
[والكلام] نص عليه لقول ابن عمر مر رجل بالنبي ﷺ فسلم عليه، وهو يبول، فلم يرد عليه رواه مسلم.
[والكلام والبول في إناء] بلا حاجة نص عليه. فإن كانت لم يكره لحديث أميمة بنت رقية. رواه أبو داود.
[وشق] لأنها مساكن الجن، لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر قال يقال إنها مساكن الجن رواه أحمد، وأبو داود. وروي أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام، ثم استلقى ميتاً.
[ونار] لأنه يورث السقم، وذكر في الرعاية: ورماد.
[ولا يكره البول قائماً] لقول حذيفة انتهى النبي ﷺ إلى سباطة قوم فبال قائماً رواه الجماعة. وروى الخطابي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ بال قائماً من جرح كان بمأبضه. قال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم في البول قائماً، وحملوا النهي على التأديب، لا على التحريم. قال ابن مسعود: "إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم".
[ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء بلا حائل] لقول
стр. 20
أبي أيوب قال رسول الله ﷺ : "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا". قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها، ونستغفر الله متفق عليه.
[ويكفي إرخاء ذيله] لقول مروان الأصغر أناخ ابن عمر بعيره مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليه فقلت أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نهي عن هذا في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس رواه أبو داود.
[وأن يبول، أو يتغوط، بطريق مسلوك، وظل نافع] أو مورد ماء، لما روى معاذ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق، والظل" رواه أبو داود.
[وتحت شجرة عليها ثمر يقصد] لما تقدم. ولئلا ينجس ما سقط منها.
[وبين قبور المسلمين] لحديث عقبة بن عامر مرفوعاً - وفيه - "ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق" رواه ابن ماجه.
[وأن يلبث فوق قدر حاجته] قال في الكافي: وتكره الإطالة أكثر من الحاجة لأنه يقال: إن ذلك يدمي الكبد ويتولد منه الباسور، وهو كشف للعورة بلا حاجة، وروى الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم، إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم".
стр. 21
باب السواك
مدخل
...
باب السواك
[يسن بعود رطب لا يتفتت] ولا يجرح الفم وكان النبي ﷺ يستاك بعود أراك قاله في الكافي.
[وهو مسنون مطلقاً] لقوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" رواه أحمد قال في الشرح ولا نعلم في استحبابه خلافاً، ولا نعلم أحداً قال بوجوبه إلا إسحاق وداود.
[إلا بعد الزوال للصائم فيكره] لحديث علي مرفوعاً: "إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي" أخرجه البيهقي. ولأنه يزيل خلوف فم الصائم، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، لأنه أثر عبادة مستطاب فلم تستحب إزالته كدم الشهداء.
[ويسن له قبله بعود يابس ويباح برطب] لقول عامر بن ربيعة رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم حسنه الترمذي.
[ولم يصب السنة من استاك بغير عود] وقيل بلى بقدر ما يحصل من الإنقاء. قال في الشرح: وهو الصحيح لحديث أنس مرفوعاً: "يجزئ من السواك الأصابع" رواه البيهقي، قال محمد بن عبد الواحد الحافظ: هذا إسناد لا أرى به بأساً.
[ويتأكد عند وضوء وصلاة] لقوله ﷺ : "لولا أن
стр. 22
أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" متفق عليه، وفي رواية لأحمد "لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" وللبخاري تعليقاً "عند كل وضوء".
[وانتباه من نوم وعند تغير رائحة فم] لأن السواك شرع لإزالة الرائحة وقراءة تطييباً للفم لئلا يتأذى الملك عند تلقي القراءة منه، وعن حذيفة كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك متفق عليه.
[وكذا عند دخول مسجد ومنزل] لما روى شريح بن هانئ قال: سألت عائشة بأي شئ كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت بالسواك رواه مسلم. والمسجد أولى من البيت.
[وإطالة سكوت وصفرة أسنان] لأن ذلك مظنة تغير الفم.
[ولا بأس أن يتسوك بالعود الواحد اثنان فصاعداً] لأن عائشة ﵂ لينت السواك للنبي ﷺ فاستاك به.
стр. 23
فصل في سنن الفطرة
[يسن حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الاظافر] لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الابط" متفق عليه.
[والنظر في المرآة] وقول "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي" رواه البيهقي عن عائًشة، ورواه ابن مردويه وزاد "وحرم وجهي على النار".
[والتطيب بالطيب] لحديث أبي أيوب مرفوعاً "أربع من سنن المرسلين، الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح" رواه أحمد.
стр. 24
[والاكتحال كل ليلة في كل عين ثلاثاً] لحديث ابن عباس كان النبي ﷺ يكتحل بالإثمد كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.
[وحف الشارب وإعفاء اللحية] لحديث ابن عمر مرفوعاً "خالفوا المشركين أحفوا الشوارب، وأوفوا اللحى" متفق عليه.
[وحرم حلقها] ذكره الشيخ تقي الدين، قاله في الفروع.
[ولا بأس بأخذ ما زاد على القبضة منها] لأن ابن عمر كان يفعله إذا حج أواعتمر، رواه البخاري.
[والختان واجب على الذكر والأنثى] لأنه من ملة إبراهيم ﵇، وفي الحديث "اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة" متفق عليه وقد قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ ١ وقال ﷺ لرجل أسلم: "ألق عنك شعر الكفر واختتن" رواه أبو داود. وفي قوله ﷺ "إذا التقى الختانان وجب الغسل" دليل على أن النساء كن يختتن. وقال أحمد: كان ابن عباس يشدد في أمره حتى قد روي عنه أنه لا حج له ولا صلاة.
[عند البلوغ وقبله أفضل] لأنه أقرب إلى البرء، ولأنه قبل ذلك ليس مكلفاً. ونقل في الفروع عن الشيخ تقي الدين أنه قال: يجب إذا وجبت الطهارة والصلاة.
стр. 25
باب الوضوء
مدخل
...
باب الوضوء
[تجب فيه التسمية] لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
[وتسقط سهوا] نص عليه لحديث "عفي لأمتى عن الخطأ والنسيان".
[وإن ذكرها في أثنائه ابتداء] صححه في الانصاف وقيل: يأتي بها حيث ذكرها ويبني على وضوئه، قطع به في الإقناع، وحكاه في حاشية التنقيح عن أكثر الأصحاب.
[وفروضه ستة: غسل الوجه] لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ١
[ومنه المضمضة والاستنشاق] لحديث عثمان ﵁ في صفة وضوئه ﷺ وفيه: فمضمض واستنثر متفق عليه.
[وغسل اليدين مع المرفقين] لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ١
[ومسح الرأس كله] لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ١
[ومنه الأذنان] لقوله ﷺ : "الأذنان من الرأس". رواه ابن ماجه.
[وغسل الرجلين مع الكعبين] لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١
стр. 26
[والترتيب] لأن الله تعالى ذكره مرتباً. وتوضأ رسول الله ﷺ مرتباً وقال "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" أي بمثله.
[والموالاة] لحديث خالد بن معدان أن النبي ﷺ رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدميه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء رواه أحمد وأبو داود وزاد والصلاة ولو لم تجب الموالاة لأمره بغسل اللمعة فقط.
[وشروطه ثمانية: انقطاع ما يوجبه] قبل ابتدائه ليصح.
[والنية] لحديث "إنما الأعمال بالنيات".
[والإسلام والعقل والتمييز] وهذه شروط في كل عبادة إلا التمييز في الحج.
[والماء الطهور المباح] لما تقدم في المياه فلا يصح بنحو مغصوب لحديث "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
[وإزالة ما يمنع وصوله] إلى البشرة ليحصل الإسباغ المأمور به.
[والاستجمار] وتقدم.
стр. 27
فصل في النية
[فالنية هنا قصد رفع الحدث أو قصد ما تجب له الطهارة كصلاة وطواف ومس مصحف أو قصد ما تسن له كقراءة وذكر وأذان ونوم ورفع شك وغضب وكلام محرم وجلوس بمسجد وتدريس علم وأكل فمتى نوى شيئاً من ذلك ارتفع حدثه ولا يضر سبق لسانه بغير مانوى] لأن محل النية القلب.
[ولا شكه فى النية. أو في فرض بعد فراغ كل عبادة وإن شك فيها
стр. 28
في الأثناء استأنف] ليأتي بالعبادة بيقين ما لم يكثر الشك فيصير كالوسواس فيطرحه.
стр. 29
فصل في صفة الوضوء
[في صفة الوضوء وهى أن ينوي ثم يسمي] لما تقدم.
[يغسل كفيه ثم يتمضمض ويستنشق ثم يغسل وجهه من منابت شعر الرأس المعتاد] إلى الذقن. لما روى عن عثمان ﵁ أنه دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا الحديث متفق عليه.
[ولا يجزئ غسل ظاهر شعر اللحية] وكذا الشارب والعنفقة والحاجبان ونحوها إذا كانت تصف البشرة فيغسلها وما تحتها.
[إلا أن لا يصف البشرة] فيجزئ غسل ظاهره.
[ثم يغسل يديه مع مرفقيه] لحديث عثمان المتقدم.
[ولا يضر وسخ يسير تحت ظفر ونحوه] لأنه يسير عادة فلو كان واجباً لبينه ﷺ ، قال في الإنصاف: وهو الصحيح، واختاره الشيخ تقي الدين، وألحق به كل يسير منع حيث كان من البدن كدم وعجين ونحوهما.
[ثم يمسح جميع ظاهر رأسه من حد الوجه إلى ما يسمى قفاً والبياض فوق الأذنين منه] لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ١ والباء
стр. 30
للإلصاق فكأنه قال وامسحوا رؤوسكم، ولأن الذين وصفوا وضوءه ﷺ ذكروا أنه مسح برأسه كله، ولا يجب مسح ما استرسل من شعره، قال في الكافي والشرح: وظاهر قول أحمد أن المرأة يجزئها مسح مقدم رأسها، لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها.
[ويدخل سبابتيه في صماخي١ أذنيه ويمسح بإبهاميه ظاهرهما] لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما صححه الترمذي وللنسائي باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه.
[ثم يغسل رجليه مع كعبيه وهما العظمان الناتئان] في أسفل الساق لحديث عثمان.
стр. 31
فصل في سننه
[وسننه ثمانية عشر: استقبال القبلة] قال في الفروع: وهو متجه في كل طاعة إلا لدليل.
[والسواك] لما تقدم.
[وغسل الكفين ثلاثاً] لحديث عثمان.
[والبداءة قبل غسل الوجه بالمضمضة والاستنشاق] لحديث عثمان المتقدم.
[والمبالغة فيهما لغير الصائم] لقوله ﷺ للقيط بن صبرة: "اسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
стр. 32
[والمبالغة في سائر الأعضاء مطلقاً] لقوله أسبغ الوضوء قال ابن عمر الإسباغ الإنقاء.
[والزيادة في ماء الوجه] لأن فيه غضوناً وشعوراً، ولقول علي لابن عباس ألا أتوضأ لك وضوء النبي ﷺ قال: بلى. فداك أبي وأمي. قال: فوضع إناء، فغسل يديه، ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه، وألقم ابهاميه ما أقبل من أذنيه. قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثاً، ثم أخذ كفاً من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته، ثم أرسلها تسيل على وجهه، وذكر بقية الوضوء رواه أحمد وأبو داود.
[وتخليل اللحية الكثيفة] لحديث أنس أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال هكذا أمرني ربي رواه أبو داود.
[وتخليل الأصابع] لحديث لقيط المتقدم.
[وأخذ ماء جديد للأذنين] كالعضو المنفرد، وإنما هما من الرأس على وجه التبع.
[وتقديم اليمنى على اليسرى] لأنه ﷺ كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وفى شأنه كله متفق عليه.
[ومجاوزة محل الفرض] لأن أبا هريرة توضأ فغسل يده حتى أشرع في العضد، ورجله حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول ﷺ يتوضأ وقال: قال رسول الله صلى
стр. 33
الله عليه وسلم: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة، من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله" متفق عليه.
[والغسلة الثانية والثالثة] لأن النبي صلى لله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاةً. ثم توضأ مرتين، ثم قال: هذا وضوئي، ووضوء المرسلين قبلي" أخرجه ابن ماجه.
[واستصحاب ذكر النية إلى آخر الوضوء] لتكون أفعاله مقرونةً بالنية.
[والإتيان بها عند غسل الكفين] لأنه أول مسنونات الطهارة.
[والنطق بها سرا] كذا قال تبعاً للمنقح وغيره، ورده عليه الحجاوي بأنه لم يرد فيه حديث، فكيف يدعى سنيته؟ ! بل هو بدعة، وكذا قال الشيخ تقي الدين في الفتاوى المصرية: التلفظ بالنية بدعة.
[وقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله مع رفع بصره إلى السماء: بعد فراغه] لحديث عمر مرفوعاً "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكً له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" رواه أحمد ومسلم وأبو داود. ولأحمد وأبي داود في رواية "من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء فقال:...." وساق الحديث.
[وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاون] روي عن أحمد أنه قال: ما أحب أن يعينني على وضوئي أحد لأن عمر قال ذلك ولا بأس بها لحديث المغيرة أنه أفرغ على النبي ﷺ في وضوئه رواه مسلم. وقول عائشة كنا نعد له طهوره وسواكه.
стр. 34
باب المسح على الخفين
مدخل
...
باب المسح على الخفين
قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين اختلاف. وقال أحمد: ليس في قلبي من المسح على الخفين شئ. فيه أربعون حديثاً عن رسول الله ﷺ ، وقال: هو أفضل من الغسل لأنه ﷺ وأصحابه إنما طلبوا الأفضل. وعن جرير قال: رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير بعد نزول المائدة: متفق عليه.
[يجوز بشروط سبعة لبسهما بعد كمال الطهارة بالماء] لما روى المغيرة قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما" متفق عليه.
[وسترهما لمحل الفرض ولو بربطهما] فإن ظهر منه شئ لم يجز المسح، لأن حكم ما استتر المسح، وحكم ما ظهر الغسل، ولا سبيل إلى الجمع، فغلب الغسل. قاله في الكافي.
[وإمكان المشي بهما عرفاً] لأنه الذي تدعو الحاجة إليه.
[وثبوتهما بنفسهما] فإن لم يثبتا إلا بنعلين كالجوربين ونحوهما مسح عليهما وعلى سيور النعلين. لما روى المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الجوربين والنعلين رواه أبو داود والترمذي.
[وإباحتهما] فلا يجوز المسح على المغصوب ونحوه. ولا الحرير لرجل لأن لبسه معصية، فلا تستباح به الرخصة.
стр. 35
[وطهارة عينهما، وعدم وصفهما البشرة] فإن وصفها لم يجز المسح عليه، لأنه غير ساتر لمحل الفرض أشبه النعل.
[فيمسح للمقيم، والعاصى بسفره]- لأن سفر المعصية لا تستباح به الرخص.
[من الحدث بعد اللبس يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن] لا نعلم فيه خلافاً في المذهب. قاله في الشرح، لحديث علي. رواه مسلم. وعن عوف بن مالك أن النبي ﷺ أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم رواه أحمد وقال: هذا أجود حديث في المسح على الخفين. لأنه في غزوة تبوك آخر غزوة غزاها النبي ﷺ .
[فلو مسح في السفر ثم أقام، أو في الحضر ثم سافر، أو شك في ابتداء المسح، لم يزد على مسح المقيم] لأنه اليقين وما زاد لم يتحقق شرطه.
[ويجب مسح أكثر أعلى الخف] فيضع يده على مقدمه، ثم يمسح إلى ساقه، لحديث المغيرة بن شعبة، رواه الخلال.
[ولا يجزئ مسح أسفله، وعقبه، ولا يسن] لقول علي ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي ﷺ يمسح على ظاهر خفيه رواه أبو داود.
[ومتى حصل ما يوجب الغسل] بطل الوضوء لحديث صفوان بن عسال قال: كان النبي ﷺ يأمرنا إذا كنا سفراً أن
стр. 36
لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
[أو ظهر بعض محل الفرض] بطل الوضوء ونزع أحد الخفين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم، قاله في الشرح.
[أو انقضت المدة بطل الوضوء] لمفهوم أحاديث التوقيت.
стр. 37
فصل في المسح على الجبيرة
[وصاحب الجبيرة إن وضعها على طهارة لم تتجاوز محل الحاجة] وهو الجرح أو الكسر وماحوله مما يحتاج إلى شده.
[غسل الصحيح ومسح عليهما بالماء وأجزأ] لحديث صاحب الشجة "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعضد أو يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها ويغسل سائر جسده" رواه أبو داود.
[وإلا وجب مع الغسل أن يتيمم لها] إذا كان يتضرر بنزعها.
[ولا مسح ما لم توضع على طهارة وتجاوز المحل فيغسل] الصحيح
[ويمسح، ويتيمم] خروجاً من الخلاف. وعن أحمد لا يشترط تقدم الطهارة لها لحديث صاحب الشجة لأنه لم يذكر الطهارة، ويحتمل أن يشترط التيمم عند العجز عن الطهارة لأن فيه إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليها ومثلها دواء ألصق على الجرح ونحوه فخاف من نزعه نص عليه، وقد روى الأثرم عن ابن عمر أنه خرج بإبهامه قرحة فألقمها مرارة فكان يتوضأ عليها وقال مالك في الظفر يسقط: يكسوه مصطكى ويمسح عليه. وتفارق الجبيرة الخف في ثلاثة أشياء: وجوب مسح جميعها، وكون مسحها لا يوقت، وجوازه في الطهارة الكبرى، قاله في الكافي.
стр. 38
باب نواقض الوضوء
مدخل
...
باب نواقض الوضوء
[وهي ثمانية أحدها: الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيراً طاهراً كان أو نجساً] لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] ولقوله ﷺ : "ولكن من غائط وبول ونوم" رواه أحمد والنسائي، والترمذي وصححه. وقوله: "فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" وقوله في المذي: "يغسل ذكره ويتوضأ" متفق عليهما. وقوله للمستحاضة: "توضئي لكل صلاة" رواه أبو داود.
[الثاني: خروج النجاسة من بقية البدن فإن كان بولاً أو غائطاً نقض مطلقاً] لدخوله في النصوص السابقة.
[وإن كان غيرهما كالدم والقئ نقض إن فحش في نفس كل أحد بحسبه] لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "إنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة" رواه الترمذي. وروى معدان بن طلحة عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه رواه أحمد والترمذي وقال: هذا أصح شئ في هذا الباب. ولا ينقض اليسير لقول ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة قال أحمد: عدة من الصحابة تكلموا فيه ابن عمر عصر بثرة فخرج دم وصلى ولم يتوضأ وابن أبي أوفى عصر دملاً وذكر غيرهم ولم
стр. 39
يعرف لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعاً قال في الكافي: والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا، قال أحمد: هما أخف علي حكماً من الدم.
[الثالث: زوال العقل أو تغطيته بإغماء أو نوم] لقوله ﷺ : "ولكن من غائط وبول ونوم" وقوله "العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" رواه أبو داود. وأما الجنون والإغماء والسكر ونحوه فينقض إجماعاً. قاله في الشرح.
[ما لم يكن النوم يسيراً عرفاً من جالس وقائم] لما روى أنس أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينتظرون العشاء فينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون رواه مسلم بمعناه.
وفي حديث ابن عباس فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني رواه مسلم.
[الرابع مسه بيده - لا ظفره - فرج الآدمي المتصل بلا حائل أو حلقة دبره] لحديث بسرة بنت صفوان أن النبي ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ" قال أحمد: هو حديث صحيح. وفي حديث أبي أيوب وأم حبيبة "من مس فرجه فليتوضأ" قال أحمد: حديث أم حبيبة صحيح وهذا عام ونصه على نقض الوضوء بمس فرج نفسه ولم يهتك به حرمة، تنبيه على نقضه بمسه من غيره.
[لا مس الخصيتين ولا مس محل الفرج البائن] لأن تخصيص الفرج به دليل على عدمه فيما سواه.
[الخامس لمس بشرة الذكر لأنثى اًو الأنثى الذكر، لشهوة من غير حائل، ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً أو محرماً] لقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ١، وقرئ ﴿أولمستم﴾ قال ابن مسعود: القبلة من اللمس
стр. 40
وفيها الوضوء رواه أبو داود، فإن لمسها من وراء حائل، لم ينقض في قول أكثر أهل العلم، وسئل أحمد عن المرأة إذا لمست زوجها قال: ما سمعت فيه شيئاً، ولكن هي شقيقة الرجال، أحب إلي أن تتوضأ، قاله في الشرح.
[لا لمس من دون سبع] وقال في الكافي لا فرق بين الصغيرة والكبيرة وذوات المحارم وغيرهن لعموم الأدلة.
[ولا لمس سن وظفر وشعر ولا اللمس بذلك] لأنه لا يقع عليه اسم امرأة.
[ولا ينتقض وضوء الممسوس فرجه ولا الملموس بدنه، ولو وجد شهوة] لعدم تناول النص له.
[السادس: غسل الميت أو بعضه] لأن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء قال أبو هريرة: أقل ما فيه الوضوء ولا نعلم لهم مخالفاً في الصحابة، وقيل لا ينقض. وهو قول أكثر العلماء، قال الموفق: وهو الصحيح، لأنه لم يرد فيه نص ولا هو في معنى المنصوص عليه وكلام أحمد يدل على أنه مستحب فإنه قال: أحب إلي أن يتوضأ. وعلل نفي الوجوب، بكون الخبر موقوفاً على أبي هريرة، قاله في الشرح.
[والغاسل، هو من يقلب الميت ويباشره، لا من يصب الماء] ونحوه.
[السابع: أكل لحم الإبل ولو نيئاً] لحديث جابر بن سمرة أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "إن شئت توضأ، وإن شئت لا تتوضا". قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم توضأ من لحوم الإ بل" رواه مسلم.
[فلا نقض ببقية أجزائها ككبد وقلب وطحال وكرش وشحم وكلية