أهون، فإن أبيع على كافر لم يصح. رواية واحدة، لأن النبي ﷺ نهى عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم رواه مسلم. فلم يجز تمليكهم إياه، وتمكينهم منه.
[والأمة التي يطؤها قبل استبرائها فحرام] لأن عمر، ﵁ أنكر على عبد الرحمن بن عوف حين باع جارية له كان يطؤها قبل استبرائها، وقال: ما كنت لذلك بخليق.. وفيه قصة رواه عبد الله بن عبيد بن عمير. ولأن فيه حفظ مائه، وصيانة نسبه فوجب الاستبراء قبل البيع.
[ويصح العقد] لأنه يجب الاستبراء على المشتري، لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ ، نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة رواه أحمد وأبو داود.
[ولا يصح التصرف في المقبوض بعقد فاسد، يضمن هو وزيادته كمغصوب] لأنه قبضه على وجه الضمان ولا بد. قاله فى القواعد. وكذلك المقبوض على وجه السوم. قال ابن أبى موسى: إن أخذه مع تقدير الثمن ليريه، فإن رضوه ابتاعه، فهو مضمون بغير خلاف. قاله في القواعد. ويضمن بالقيمة. نص عليه في رواية ابن منصور، وأبي طالب، وقال أبو بكر عبد العزيز: يضمن بالمسمى، واختاره الشيخ تقي الدين.
стр. 352
باب الشروط في البيع
مدخل
...
باب الشروط في البيع
[وهي قسمان: صحيح لازم، وفاسد مبطل للعقد. فالصحيح: كشرط تأجيل الثمن أو بعضه] لقوله تعالى: ﴿ ... إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ... ﴾ الآية١.
[أو رهن أو ضمين معينين] لأن ذلك من مصلحة العقد.
[أو شرط صفة في المبيع، كالعبد كاتباً أو صانعاً أو مسلماً، والأمة بكراً أو تحيض، والدابة هملاجة أو لبوناً أو حاملاً، والفهد أو البازي صيوداً، فإن وجد المشروط لزم البيع] لصحة الشرط قال في الشرح: لا نعلم في صحته خلافاً.
[وإلا فللمشتري الفسخ] لفقد الشرط، ولحديث: "المسلمون على شروطهم" وقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه. ذكره البخاري.
[أو أوش فقد الصفة] المشروطة إن لم يفسخ. كأرش عيب ظهر عليه، وإن تعذر رد تعين أرش كمعيب تعذر رده.
[ويصح أن يشترط البائع على المشتري منفعة ما باعه مدة معلومة كسكنى الدار شهراً، وحملان الدابة إلى محل معين] نص عليه، لحديث جابر أنه باع النبى ﷺ جملاً واشترط ظهره إلى المدينة. متفق عليه.
стр. 353
[ويصح أن يشترط المشتري على البائع حمل ما باعه] إلى موضع معلوم، فإن لم يكن معلوماً لم يصح الشرط، فلو شرط الحمل إلى منزله والبائع لا يعرفه لم يصح الشرط.
[أو تكسيره، أو خياطته، أو تفصيله] احتج أحمد في جواز الشرط بأن محمد ابن مسلمة اشترى من نبطي حزمة حطب، وشارطه على حملها واشتهر ذلك فلم ينكر. قاله في الكافي، ولأن ذلك بيع وإجارة، ولا يجمع بين شرطين مع ذلك وإن جمع بين شرطين من غير النوعين الأولين: كحمل حطب وتكسيره، وخياطة ثوب وتفصيله، بطل البيع، لما روي عن النبي ﷺ ، في حديث ابن عمرو، رواه الترمذي. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط، فنفض يده وقال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما نهى رسول الله ﷺ ، عن شرطين في البيع: أي في حديث عبد الله بن عمرو. رواه أبو داود والترمذي وصححه. وروي عن أحمد في تفسير الشرطين المنهي عنهما: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد أي: ولا مقتضاه.
стр. 354
فصل في الفاسد المبطل
[والفاسد المبطل، كشرط بيع آخر، أو سلف، أو قرض، أو إجارة، أو شركة، أو صرف للثمن، وهو بيعتان في بيعة، المنهي عنه] في الحديث، وهذا منه. قاله أحمد، ولحديث: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع" صححه الترمذي.
[وكذا كل ما كان في معنى ذلك مثل] بعتك هذا على.
[أن تزوجني ابنتك، أوأزوجك ابنتي، أو تنفق على عبدي، أو دابتي] لأنه شرط عقد في عقد فلم يصح، كنكاح الشغار. وقال ابن مسعود: صفقتان في صفقة ربا وهذا قول الجمهور. قاله في الشرح. وإن شرط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو أن لا يبيعه، أو لا يهبه، ولا يعتقه، أو إن عتق فالولاء له بطل الشرط وحده، لقوله ﷺ " من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" متفق عليه. والبيع صحيح لأنه ﷺ ، في حديث بريرة أبطل الشرط، ولم يبطل العقد وللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط. قاله في الشرح.
[ومن باع ما يذرع على أنه عشرة، فبان أكثر أو أقل صح البيع] والزيادة للبائع والنقص عليه.
[ولكل الفسخ] لضرر الشركة، ما لم يعط البائع الزيادة للمشتري
стр. 355
مجاناً في المسألة الأولى، أو يرضى المشتري بأخذه بكل الثمن في الثانية فلا فسخ، لعدم فوات الغرض، وإن كان المبيع نحو صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أقل، أو أكثر صح البيع ولا خيار، والزيادة للبائع، والنقص عليه، لعدم الضرر. قال معناه في الشرح.
стр. 356
باب الخيار
مدخل
...
باب الخيار
[وأقسامه سبعة أحدها: خيار المجلس، ويثبت للمتعاقدين من حين العقد إلى أن يتفرقا من غير إكراه] لأن فعل المكره كعدمه، ويثبت في البيع عند أكثر أهل العلم، ويروى عن عمر وابنه وابن عباس وأبي برزة الأسلمي، لحديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" متفق عليه.
[ما لم يتبايعا على أن لا خيار] فيلزم البيع بمجرد العقد.
[أو يسقطاه بعد العقد] فيسقط لأن الخيار حق للعاقد، فسقط بإسقاطه.
[وان أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر] لحديث: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا، أو يخير أحدهما صاحبه، فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلكً فقد وجب البيع" وفي لفظ "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أًن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار فقد وجبً البيع". متفق عليهما.
[وينقطع الخيار بموت أحدهما] لأن الموت أعظم الفرقتين
[لا بجنونه] في المجلس.
[وهو على خياره إذا أفاق] حتى يجتمعا، ثم يفترقا.
стр. 357
[وتحرم الفرقة من المجلس خشية الاستقالة] لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً، وفيه: "ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" رواه النسائي والأثرم والترمذي وحسنه. وما روي عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئاً يعجبه مشى خطوات ليلزم البيع محمول على أنه لم يبلغه الخبر.
[الثاني: خيار الشرط: وهو أن يشرطا، أو أحدهما الخيار إلى مدة معلومة فيصح وإن طالت المدة] بالإجماع قاله في الكافي، لحديث "المسلمون على شروطهم" ولم يثبت ما روى عن ابن عمر من تقديره بثلاث، وروي عن أنس خلافه، قاله في الشرح.
[لكن يحرم تصرفهما في الثمن والمثمن مدة الخيار] إلا بما يحصل به تجربة المبيع، إلا أن يكون الخيار للمشتري وحده فينفذ تصرفه، ويبطل خياره كالمعيب.
[وينتقل الملك من حين العقد] للمشترى، لقوله ﷺ : "من باع عبداً وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" رواه مسلم. فجعل المال للمبتاع باشتراطه، وهو عام في كل بيع، فيشمل بيع الخيار.
[فما حصل في تلك المدة من النماء المنفصل فللمنتقل له ولو أن الشرط للآخر فقط] ولو فسخ البيع، لحديث عائشة أن النبي ﷺ ، قضى أن الخراج بالضمان رواه الخمسة وصححه الترمذي.
[ولا يفتقر فسخ من يملكه إلى حضور صاحبه ولإرضائه] لأنه عقد جعل إلى اختياره، فجاز مع غيبة صاحبه وسخطه كالطلاق.
стр. 358
ونقل أبو طالب له الفسخ برد الثمن، وجزم به الشيخ تقي الدين كالشفيع، وصوبه في الإنصاف، ويحمل كلام من أطلق عليه.
[فإن مضى زمن الخيار ولم يفسخ صار لازماً] لئلا يفضي إلى بقاء الخيار أكثر من مدته المشروطة.
[ويسقط الخيار بالقول] لما تقدم.
[وبالفعل، كتصرف المشتري في المبيع بوقف، أوهبة، أو سوم، أو لمس لشهوة] لأن ذلك دليل على الرضى.
[وينفذ تصرفه إن كان الخيار له فقط] وإلا لم ينفذ، لأن علق البائع لم تنقطع عنه إلا عتق المشتري، لقوة العتق وسرايته.
[الثالث: خيار الغبن: وهو أن يبيع ما يساوي عشرة بثمانية، أو يشتري ما يساوي ثمانية بعشرة] وقيل يقدر بالثلث، اختاره أبو بكر، وجزم به في الإرشاد، لقوله ﷺ : "الثلث والثلث كثير" وظاهر كلام الخرقي أن الخيار يثبت بمجرد الغبن، وإن قل، والأولى أن يقيد بما يخرج عن العادة. قاله في الشرح.
[فيثبت الخيار ولا أرش مع الإمساك] لأن الشرع لم يجعله له، ولم يفت عليه جزء من المبيع يأخذ الأرش في مقابلته، وله ثلاث صور. إحداها: تلقي الركبان، لقوله ﷺ : "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار" رواه مسلم. الثانية: النجش: وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها ليغر المشتري لنهيه ﷺ ، عن النجش متفق عليه.
стр. 359
والشراء صحيح في قول أكثر العلماء لأن النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد، لكن له الخيار إذا غبن، قال معناه في الشرح. الثالثة: المسترسل وهو من جهل القيمة من بائع ومشتر ولا يحسن يماكس فله الخيار إذا غبن لجهله بالمبيع أشبه القادم من سفر.
[الرابع: خيار التدليس: وهو أن يدلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن، كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير الوجه، وتسويد الشعر فيحرم] لقوله ﷺ : "من غشنا فليس منا".
[ويثبت للمشتري الخيار] في قول عامة أهل العلم. قاله في الشرح. لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعاً من تمر" متفق عليه. وكل تدليس يختلف به الثمن، يثبت خيار الرد قياساً على التصرية، قاله في الكافي.
[حتى ولو حصل التدليس من البائع بلا قصد] قاله القاضي لدفع ضرر المشتري أشبه العيب.
[الخامس: خيار العيب] والعيوب: النقائص الموجبة لنقص المالية في عادة التجار، ويحرم على البائًع كتمه، لحديث عقبة بن عامر مرفوعاً: "المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بينه له" رواه أحمد وأبو داود والحاكم
[فإذا وجد المشتري بما اشتراه عيباً يجهله، خير بين رد المبيع بنمائه المتصل وعليه أجرة الرد] لأن الملك ينتقل عنه باختياره الرد، فتعلق به حق التوفية.
[ويرجع بالثمن كاملاً] لأنه بذل الثمن ليسلم له مبيع سليم ولم
стр. 360
يسلم له فثبت له الرجوع بالثمن كما في المصراة. وأما النماء المنفصل كالكسب والأجرة وما يوهب له، فهو للمشتري في مقابلة ضمانه، لا نعلم فيه خلافاً. قاله في الشرح.
[وبين إمساكه. ويأخذ الأرش] لأن الجزء الفائت بالعيب يقابله جزء من الثمن، فإذا لم يسلم له كان له ما يقابله، وهو الأرش. والأرش: قسط ما بين قيمته صحيحاً ومعيباً من ثمنه. نص عليه. ومن اشترى ما يعلم عيبه أو مدلساً أو مصراة وهو عالم فلا خيار له. لا نعلم فيه خلافاً. قاله في الشرح.
[ويتعين الأرش مع تلف المبيع عند المشتري] لتعذر الرد، وعدم وجود الرضى به ناقصاً. وقال في الشرح: وإذا زال ملك المشتري بعتق أو موت أو وقف، أو تعذر الرد قبل علمه بالعيب، فله الأرش، وبه قال مالك والشافعى. وكذا إن باعه غير عالم بعيبه. انتهى.
[ما لم يكن البائع علم بالعيب وكتمه تدليساً على المشتري، فيحرم ويذهب على البائع، ويرجع المشتري بجميع ما دفعه له] نص عليه لأنه غر المشتري.
[وخيار العيب على التراخي] لأنه لدفع ضرر متحقق، فلم يبطل بالتأخير. وقال الشيخ تقي الدين: يجبر المشتري على رده أو أخذ أرشه، لأن البائع يتضرر بالتأخير.
[لا يسقط إلا إن وجد من المشتري ما يدل على رضاه، كمتصرفه واستعماله لغير تجربة] قال في المنتهى وشرحه: فيسقط رد كأرش، لقيام دليل الرضى مقام التصريح. انتهى. وقال في الشرح: قال ابن المنذر: لأن الحسن وشريحاً وعبيد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري
стр. 361
وأصحاب الرأي يقولون: إذا اشترى سلعة فعرضها للبيع بعد علمه بالعيب بطل خياره. وهذا قول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً. انتهى. وقال في الفروع: وإن فعله عالماً بعيبه، أو تصرف فيه بما يدل على الرضى أو عرضه للبيع، أو استغله، فلا. أي: فلا أرش. ذكره ابن أبي موسى والقاضي، واختلف كلام ابن عقيل. وعنه: له الأرش. وهو أظهر، لأنه وإن دل على الرضى فمع الأرش كإمساكه. اختاره الشيخ، قال وهو قياس المذهب، وقدمه في المستوعب. انتهى.
[ولا يفتقر الفسخ إلى حضور البائع] كالطلاق.
[ولا لحكم الحاكم] لأنه مجمع عليه فلم يحتج إلى حاكم، كفسخ المعتقة للنكاح: قاله في الكافي.
[والمبيع بعد الفسخ أمانة بيد المشتري] لحصوله بيده بلا تعد، لكن إن قصر في رده فتلف ضمنه لتفريطه.
[وإن اختلفا عند من حدث العيب مع الاحتمال ولا بينة، فقول المشتري بيمينه] لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت، فيحلف على البت أنه اشتراه وبه العيب، أو أنه ما حدث عنده ويرده، وعنه القول قول البائع مع يمينه على البت، لأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد، ولأن المشتري يدعي استحقاق الفسخ والبائع ينكره. قضى به عثمان ﵁، وهو مذهب الشافعي، واستظهره ابن القيم في الطرق الحكمية.
[وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما] كالإصبع الزائدة والجرح الطري.
[قبل بلا يمين] لعدم الحاجة إليها.
стр. 362
[السادس: خيار الخلف في الصفة، فإذا وجد المشتري ما وصف له، أو تقدمت رؤيته العقد بزمن يسير متغيراً فله الفسخ] وتقدم في السادس من شروط البيع.
[ويحلف إن اختلفا] لأنه غارم، قاله في الشرح.
[السابع: خيار الخلف في قدر الثمن، فإذا اختلفا في قدره حلف البائع: ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، ثم المشتري: ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا، ويتفاسخان] وبه قال شريح والشافعي، ورواية عن مالك، لحديث ابن مسعود مرفوعاً: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة، أو يترادان" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وزاد فيه: "والبيع قائم بعينه" ولأحمد في رواية: "والسلعة كما هي" وفي لفظ "تحالفا". وروي عن ابن مسعود أنه باع الأشعث رقيقاً من رقيق الإمارة فقال: بعتك بعشرين ألفاً، وقال الأشعث: اشتريت منك بعشرة، فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه فالقول قول البائع، أو يترادان البيع". قال: فإني أرد البيع وعن عبد الملك بن عبدة مرفوعاً "إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع، ثم كان للمشتري الخيار إن شاء أخذ، وإن شاء ترك" رواهما سعيد. وظاهر هذه النصوص أنه يفسخ من غير حاكم. قاله في الشرح.
стр. 363
فصل في تملك المشتري للمبيع
[ويملك المشتري المبيع مطلقاً بمجرد العقد] لقول ابن عمر: مضت السنة أن ما ادركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المشتري رواه البخاري.
[ويصح تصرفه فيه قبل قبضه] لقول ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالنقيع١ بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس، فسألنا رسول الله ﷺ ، فقال: "لا باس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفرقا وبينكما شئ" رواه الخمسة. وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه. وقال النبي ﷺ ، في البكر: "هو لك يا عبد الله بن عمر فاصنع به ما شئت" إلا المبيع بصفة، أو رؤية متقدمة فلا يصح التصرف فيه قبل قبضه، وإن تلف فمن ضمان البائع، قاله في الشرح.
[وإن تلف فمن ضمانه] أي للمشتري، لقوله ﷺ "الخراج بالضمان" وهذا نماؤه للمشتري فضمانه عليه.
[إلا المبيع بكيل، أو وزن، أوعد، أو ذرع، فمن ضمان بائعه حتى يقبضه مشتريه] لتلفه قبل تمام ملك المشتري عليه، فأشبه ما تلف قبل تمام البيع. قاله في الكافي.
стр. 364
[ولا يصح تصرفه فيه ببيع، أو هبة، أو رهن قبل قبضه] قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً إلا ما روي عن البتي، قال ابن عبد البر: وأظنه لم يبلغه الحديث١ أي قوله ﷺ "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه" متفق عليه. وقال ابن عمر رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة على عهد رسول الله ﷺ ، ينهون أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم متفق عليه. دل بصريحه على منع بيعه قبل قبضه، وبمفهومه على حل بيع ما عداه.
[وإن تلف بآفة سماوية قبل قبضه انفسخ العقد] لأنه من ضمان بائعه.
[وبفعل بائع، أو أجنبي، خيرالمشتري بين الفسخ، ويرجع بالثمن] على البائع لأنه مضمون عليه إلى قبضه.
[أو الإمضاء. ويطالب من أتلفه ببدله] بمثل مثلي، وقيمة متقوم.
[والثمن كالمثمن في جميع ما تقدم] إذا كان معيناً وإن كان في الذمة فله أخذ بدله إن تلف قبل قبضه، لاستقراره في ذمته.
стр. 365
فصل في قبض المبيع
[ويحصل قبض المكيل بالكيل، والموزون بالوزن، والمعدود بالعد، والمذروع بالذرع] لحديث عثمان، ﵁، أن رسول الله صلى
стр. 366
الله عليه وسلم قال: "إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل" رواه أحمد، ورواه البخاري تعليقاً. وحديث "إذا سميت الكيل فكل" رواه الأثرم وقيس العد والذرع على الكيل والوزن. وروي عن أحمد: أن القبض في كل شئ بالتخلية مع التميز، وما بيع جزافاً فقبضه نقله، لحديث ابن عمر: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله ﷺ ، أن نبيعه حتى ننقله من مكانه رواه مسلم. وقبض الذهب، والفضة، والجواهر باليد، وقبض الحيوان أخذه بزمامه، أو تمشيته من مكانه، وما لا ينقل قبضه التخلية بين مشتريه وبينه، لأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف. قاله في الكافي.
[بشرط حضور المستحق أو نائبه] لأنه يقوم مقامه، لقوله ﷺ : "وإذا ابتعت فاكتل".
[وأجرة الكيال، والوزان، والعداد، والذراع، والنقاد على الباذل] لأنه تعلق به حق توفية، ولا تحصل إلا بذلك، أشبه السقي على بائع الثمرة.
[وأجرة النقل على القابض] نص عليه، لأنه لا يتعلق به حق توفية.
[ولا يضمن ناقد حاذق أمين خطأ] سواء كان متبرعاً، أو بأجرة لأنه أمين.
[وتسن الإقالة للنادم من بائع ومشتر] لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة" رواه ابن ماجه وأبو داود. وليس فيه ذكر يوم القيامة. وهي فسخ لا بيع لإجماعهم على جوازها في السلم قبل قبضه، مع النهي عن بيع الطعام قبل قبضه.
стр. 367
باب الربا
مدخل
...
باب الربا
وهو محرم لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ الآيات ١ وعن أبي هريرة مرفوعاً: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: "الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحًق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغًافلات المؤمنات" وحديث "لًعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه" متفق عليهما. وهو نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة.
وأجمعت الأمة على تحريمهما، وقد روي في ربا الفضل عن ابن عباس ثم رجع، قاله الترمذي وغيره، وقوله لا ربا إلا في النسيئة محمول على الجنسين، قاله في الشرح. والأعيان الستة المنصوص عليها في حديث أبي سعيد مرفوعاً: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد. فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء" رواه أحمد والبخاري. ثبت الربا فيها بالنص والاجماع واختلف فيما سواه، قاله في الشرح.
[يجري الربا في كل مكيل وموزون ولو لم يؤكل] على أشهر الروايات عن أحمد. أن علة الربا في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس،
стр. 368
وعلة الأعيان الأربعة كونهن مكيلات جنس: وبه قال النخعي والزهري والثوري. قاله في الشرح. ولقوله ﷺ : "لا تفعل بع الجمع١ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيباً٢" وقال في الميزان مثل ذلك رواه البخاري. قال المجد في المنتقى: وهو حجة في جريان الربا في الموزونات كلها، لأن قوله في الميزان، أي في الموزون، وإلا فنفس الميزان ليست من أموال الربا. انتهى.
[فالمكيل: كسائر الحبوب والأبازير والمائعات، لكن الماء ليس بربوي] لعدم تموله عادة ولأن الأصل إباحته.
[ومن الثمار: كالتمر والزبيب والفستق والبندق واللوز والبطم والزعرور والعناب والمشمش والزيتون والملح] لأنها مكيلة مطعومة. وقد روى معمر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام، إلا مثلاً بمثل رواه مسلم. والمماثلة المعتبرة هي المماثلة في الكيل والوزن، فدل على أنه لا يجري إلا في مطعوم يكال أو يوزن. قاله في الكافي. وقال في الشرح: فالحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل أو الوزن، والطعم من جنس واحد، ففيه الربا - رواية واحدة - كالأرز والدخن والذرة ونحوها. وهذا قول الأكثر. قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث. انتهى.
[والموزون: كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد وغزل
стр. 369
الكتان والقطن والحرير والشعر والقنب والشمع والزعفران والخبز والجبن] لجريان العادة بوزنها عند أهل الحجاز، لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ ، قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة" رواه أبو داود والنسائي.
[وما عدا ذلك فمعدود لا يجري فيه الربا ولو مطعوماً، كالبطيخ والقثاء والخيار والجوز والبيض والرمان] لما روى سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ ، قال: "لا ربا إلا فيما كيل أو وزن مما يؤكل أو يشرب" أخرجه الدارقطني. وقال: الصحيح أنه من قوله، ومن رفعه فقد وهم.
[ولا فيما أخرجته الصناعة عن الوزن] لزيادة ثمنه بصناعته.
[كالثياب] قال أحمد: لا بأس بالثوب بالثوبين، وهذا قول أكثر أهل العلم. قاله في الشرح، لقول عمار: العبد خير من العبدين والثوب خير من الثوبين، فما كان يداً بيد فلا بأس به، إنما الربا في النسء إلا ما كيل أو وزن.
[والسلاح والفلوس] ولو نافقة.
[والأوانى] لخروجها عن الكيل والوزن، ولعدم النص، والإجماع. وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، وهذا هو الصحيح. قاله في الشرح.
[غير الذهب والفضة] فيجرى فيهما، للنص عليهما.
стр. 370
فصل: في بيع المكيل بجنسه
[فإذا بيع المكيل بجنسه: كتمر بتمر، أوالموزون بجنسه: كذهب بذهب، صح بشرطين: المماثلة في القدر، والقبض قبل التفرق] لقوله فيما تقدم "مثلاً بمثل يداً بيد" رواه أحمد ومسلم. وعن أبي سعيد مرفوعاً: "لا تبيعوا الذهب بالذًهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا١ بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز" متفق عليه.
[وإذا بيع بغير جنسه، كذهب بفضة، وبر بشعير، صح بشرط القبض قبل التفرق، وجاز التفاضل] لقوله ﷺ ، في حديث عبادة: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد" رواه أحمد ومسلم. وعن عمر مرفوعاً "الذهب بالورق ربا إلا هاءً وهاءً، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، وًالتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" متفق عليه. وقال ﷺ : "لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد" رواه أبو داود.
[وإن بيع الًمكيل بالموزون كبر بذهب مثلاً جاز التفاضل والتفرق قبل
стр. 371
القبض] رواية واحدة، لأن العلة مختلفة، فجاز التفرق كالثمن بالمثمن. قاله في الشرح.
[ولا يصح بيع المكيل بجنسه وزناً ولا الموزون بجنسه كيلاً] لقوله ﷺ : " الذهب بالذهب وزناً بوزن، والفضة بالفضة وزناً بوزن، والبر بالبر كيلاً بكيل، والشعير بالشعير كيلاً بكيل" رواه الأثرم. ولأنه لا يحصل العمل بالتساوي مع مخالفة المعيار الشرعي للتفاوت في الثقل والخفة، فإن كيل المكيل، أو وزن الموزون فكانا سواء، صح البيع للعلم بالتماثل.
[ويصح بيع اللحم بمثله إذا نزع عظمه] رطباً ويابساً. فإن لم ينزع عظمه لم يصح للجهل بالتساوي، أو بيع يابس منه برطب لم يصح لعدم التماثل.
[وبحيوان من غير جنسه] كقطعة من لحم إبل بشاة، لأنه ليس أصله ولا جنسه، فجاز كما لو بيع بغير مأكول. وفيه وجه لا يصح، لحديث: نهي عن بيع الحيً بالميت ذكره أحمد واحتج به. وقال الشيخ تقي الدين: يحرم به نسيئة عند جمهور الفقهاء. قاله في الفروع. وعلم منه أنه لا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه، لما روى سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ ، نهى عن بيع اللحم بالحيوان رواه مالك في الموطأ. ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز، كالزيت بالزيتون. قاله في الكافي.
[ويصح بيع دقيق ربوي بدقيقه، إذا استويا نعومة أو خشونة] لتساويهما في الحال على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان في ثاني الحال.
стр. 372
[ورطبه برطبه] كرطب برطب، وعنب بعنب، مثلاً بمثل، يداً بيد.
[ويابسه بيابسه] كتمر بتمر، وزبيب بزبيب، مثلاً بمثل، يداً بيد.
[وعصيره بعصيره] كمد ماء عنب بمثله يداً بيد.
[ومطبوخه بمطبوخه] كسمن بقري بسمن بقري، مثلاً بمثل، يداً بيد. ويصح بيع خبز بر بخبز بر وزناً، مثلاً بمثل.
[إذا استويا نشافاً أو رطوبة] لا إن اختلفا.
[ولا يصح بيع فرع بأصله: كزيت بزيتون، وشيرج بسمسم، وجبن بلبن. وخبز بعجين، وزلابية بقمح] لعدم التساوي أو الجهل به. ولا يصح بيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب. وبه قال ابن المسيب، لحديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ ، سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك رواه مالك وأبو داود.
[ولا بيع الحب المشتد في سنبله بجنسه] لحديث أنس أن النبي ﷺ نهى عن المحاقلة رواه البخاري. قال جابر: المحاقلة: بيع الزرع بمائة فرق من الحنطة ولأن بيع الحب بجنسه جزافاً من أحد الجانبين فلم يصح للجهل بالتساوي.
[ويصح بغير جنسه] من حب وغيره، كبيع بر مشتد في سنبله بشعير أو فضة، لعدم اشتراط التساوي، ولمفهوم حديث ابن عمر أن النبي ﷺ ، نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة رواه مسلم.
стр. 373
[ولا يصح بيع ربوي بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما، كمد عجوة ودرهم بمثلهما] أو بمدين أو بدرهمين.
[أو دينار ودرهم بدينار] حسماً لمادة الربا. نص عليه أحمد في مواضع، لما روى فضالة، قال أتي النبي ﷺ ، بقلادة فيها ذهب وخرز اشتراها رجل بتسعة دنانير، أو سبعة. فقال: ﷺ : "لا حتى تميز بينهما"، قال: فرده حتى ميز بينهما رواه أبو داود. ولمسلم أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال: "الذهب بالذهب وزناً بوزن" فإن كان ما مع الربوي يسيراً لا يقصد، كخبز فيه ملح بمثله أو بملح، فوجوده كعدمه، لأن الملح لا يؤثر في الوزن، وكحبات شعير في حنطة.
[ويصح: أعطني بنصف هذا الدرهم فضة وبالآخر فلوساً] لوجود التساوي في الفضة، والتقابض فى الفلوس. ويحرم ربا النسيئة بين مبيعين اتفقا في علة ربا الفضل، فلا يباع أحدهما بالآخر نسيئة. قال في الشرح: بغير خلاف نعلمه عند من يعلل به، لقوله ﷺ : "فإن اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم يداً بيد" إلا إن كان أحد العوضين نقداً أي: ذهباً أو فضة كسكر بدراهم، وخبز بدنانير، وحديد أو رصاص أو نحاس بذهب أو فضة فيصح، وإلا لا نسد باب السلم في الموزونات غالباً، وقد أرخص فيه الشرع، وأصل رأس ماله النقدان، قال في الشرح: ومتى كان أحد العوضين ثمناً، والآخر مثمناً جاز النساء فيهما، بغير خلاف. وقال في الكافي: ولا خلاف في جواز الشراء بالأثمان نساء من سائر الأموال موزوناً كان
стр. 374
أو غيره، لأنها رؤوس الأموال، فالحاجة داعية إلى الشراء بها نساء وناجزاً. انتهى. إلا صرف فلوس نافقة بنقد، فيشترط فيه الحلول والقبض. نص عليه إلحاقاً لها بالنقد، خلافاً لجمع، منهم ابن عقيل والشيخ تقي الدين، وتبعهم في الإقناع. وما لا يدخله ربا الفضل، كالثياب والحيوان، لا يحرم النسء فيه، لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ ، أمره أن يجهز جيشاً، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه.
[ويصح صرف الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، ومتماثلاً وزناً لا عداً، بشرط القبض قبل التفرق] لحديث أبي سعيد السابق متفق عليه. وقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد. قاله في الشرح.
[ويصح أن يعوض أحد النقدين عن الآخر بسعر يومه] ويكون صرفاً بعين وذمة في قول الأكثرين، ومنع منه ابن عباس وغيره. قال في الشرح: ولنا حديث ابن عمر قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: إني أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم فآخذ الدنانير، فقال: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفرقا وبينكما شئ" رواه الخمسة. وفي لفظ بعضهم "أبيع بالدنانير، وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق وآخذ مكانها الدنانير".
стр. 375
باب بيع الأصول والثمار
مدخل
...
باب بيع الأصول والثمار
[من باع أو وهب أو رهن، أو وقف داراً، أو أقر أو أوصى بها] أو جعلها صداقاً ونحوه.
[تناول أرضها] إن لم تكن موقوفة، كمصر والشام والعراق. ذكره في المبدع.
[وبناءها وفناءها إن كان] لأن غالب الدور ليس لها فناء: وهو ما اتسع أمامها.
[ومتصلاً بها لمصلحتها، كالسلاليم، والرفوف المسمرة، والأبواب المنصوبة، والخوابي المدفونة] لأنها لمصلحتها كحيطانها.
[وما فيها من شجر وعرش] لاتصالها بها.
[لا كنزاً وحجراً مدفونين] لأن ليس من أجزائها، إنما هو مودع فيها للنقل عنها، فهو كالقماش. قاله في الكافي.
[ولا منفصل كحبل ودلو وبكرة وفرش ومفتاح] لعدم اتصالها، واللفظ لا يتناولها. وقيل إن البيع يشمل ما جرت العادة بتبعيته، ولا يدخل ما فيها من معدن جار وماء نبع، لأنه يجري من تحت الأرض إلى ملكه. ويدخل ما فيها من معدن جامد، كمعدن الذهب والفضة والكحل، لأنه من أجزائها أو متروك للبقاء فيها، فهو كالبناء. وإن ظهر ذلك بالأرض، ولم يعلم به بائع فله الخيار، لما روي أن ولد بلال بن الحارث باعوا
стр. 376
عمر بن عبد العزيز أرضاً، فظهر فيها معدن، فقالوا: إنما بعنا الأرض، ولم نبع المعدن، وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه قطيعة النبي ﷺ لأبيهم فأخذه وقبله ورد عليهم المعدن. وعنه إذا ظهر المعدن في ملكه ملكه، وظاهره أنه لم يجعله للبائع ولا جعل له خياراً، قاله في الشرح.
[وإن كان المباع ونحوه أرضاً، دخل ما فيها من غراس وبناء] ولو لم يقل بحقوقها، لأنهما من حقوقها. وكذا إن باع بستاناً، لأنه إسم للأرض والشجر والحائط.
[لا ما فيها من زرع لا يحصد إلا مرة، كبر وشعير وبصل ونحوه] لأنه مودع في الأرض يراد للنقل، أشبه الثمرة المؤبرة. قال في الشرح: وإن أطلق البيع فهو للبائع. لا أعلم فيه خلافاً.
[ويبقى للبائع إلى أول وقت أخذه بلا أجرة] لأن المنفعة مستثناة له.
[ما لم يشترطه المشتري لنفسه] فيكون له، ولا تضر جهالته لأنه دخل في البيع تبعاً للأرض فأشبه الثمرة بعد تأبيرها.
[وإن كان يجز مرة بعد أخرى: كرطبة١ وبقول، أو تكرر ثمرته: كقثاء، وباذنجان، فالأصول للمشتري] لأنه يراد للبقاء، أشبه الشجر.
[والجزة الظاهرة واللقطة الأولى للبائع] لأنه يؤخذ مع بقاء أصله أشبه الشجر المؤبر.
[وعليه قطعهما في الحال] لأنه ليس له حد ينتهي إليه، وربما ظهر غير ما كان ظاهراً فيعسر التمييز ما لم يشترط المشترى دخوله في المبيع، فإن شرطه كان له، لحديث "المسلمون عند شروطهم".
стр. 377
فصل اذا بيع النخل
[وإذا بيع شجر النخل بعد تشقق طلعه، فالثمر للبائع متروكاً إلى أول وقت أخذه] إلا أن يشترطه المبتاع، لقوله ﷺ : "من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترطها المبتاع" متفق عليه. والتأبير: التلقيح. إلا أنه لا يكون حتى يتشقق، فعبر به عن ظهور الثمرة. وهذا قول الأكثر. وحكى ابن أبي موسى رواية عن أحمد أنه إذا تشقق ولم يؤبر، أنه للمشتري، لظاهر الحديث. قاله في الشرح، واختارها الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق.
[وكذا إن بيع شجر ما ظهر من عنب وتين وتوت وكرمان وجوز، أو ظهر من نوره] مما له نور يتناثر.
[كمشمش وتفاح وسفرجل ولوز] وخوخ.
[أو خرج من أكمامه] جمع كم وهو: الغلاف.
[كورد] وياسمين ونرجس وبنفسج وقطن يحمل في كل سنة، فما بدا من عنب ونحوه، أو ظهر من نوره، أو خرج من أكمامه فهو للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، لأن ذلك كتشقق الطلع في النخل، فقيس عليه.
[وما بيع قبل ذلك فللمشتري] لمفهوم الحديث السابق في النخل، وما عداه فبالقياس عليه، فإن أبر بعضه، فما أبر فللبائع، وما لم يؤبر
стр. 378
فللمشتري. نص عليه للخبر، وقال ابن حامد: الكل للبائع لأن اشتراكهما في الثمرة يؤدي إلى الضرر واختلاف الأيدي، فجعل ما لم يظهر تبعاً للظاهر. قاله في الكافي.
[ولا تدخل الأرض تبعاً للشجر] إذا باع شجراً.
[فإذا باد، لم يملك] ١ المشتري.
[غرس مكانه] لأنه لم يملكه، وللمشتري الدخول. لمصلحة الشجر، لثبوت حق الاجتياز له، ولا يدخل لتفرج ونحوه.
стр. 379
فصل: لايباع التمر فبل صلاحه
[ولا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ ، نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. نهى البائع والمبتاع متفق عليه. والنهي يقتضي الفساد. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث.
[لغير مالك الأصل] فإن كان له صح لحصول التسليم للمشتري على الكمال، كبيعها مع أصلها. قال في الشرح: وبيع الثمرة قبل الصلاح مع الأصل جائز بالإجماع.
[ولا بيع الزرع قبل اشتداد حبه] لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. نهى البائع والمشترى رواه مسلم. قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً يعدل عن القول به.
[لغير مالك الأرض] فإن باعه لمالك الأرض صح، لحصول التسليم
стр. 380
للمشتري على الكمال، فإن بيعت الثمرة قبل بدو الصلاح، أو الزرع قبل اشتداده بشرط القطع في الحال، صح إن انتفع بهما، وليسا مشاعين، لأن المنع لخوف التلف وحدوث العاهة قبل الأخذ، بدليل قوله ﷺ ، في حديث أنس "أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ " رواه البخاري. وهذا مأمون فيما يقطع فيصح بيعه. فإن باعها بشرط القطع ثم تركه المشتري حتى بدا الصلاح، أو طالت الجزة، أو حدثت ثمرة أخرى فلم تتميز، أو اشترى عرية١ ليأكلها رطباً فأتمرت، بطل البيع، وعنه: لا يبطل، ويشتركان في الزيادة، وعنه: يتصدقان بها، قاله في الشرح. وإن اشترى خشباً فأخر قطعه فزاد، صح البيع، ويشتركان في زيادته. نص عليه في رواية ابن منصور. وقدم في الفائق: أن الزيادة للبائع، واختار ابن بطة أن الزيادة للمشتري وعليه الأجرة. حكى ذلك في الإنصاف.
[وصلاح بعض ثمرة شجر صلاح] لجميعها. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً. وصلاح،
[لجميع نوعها الذي بالبستان] لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشق. ولأنه يتتابع غالباً، هذا إذا اشترى جميعه، فإن اشترى بعضه فلكل شجرة حكم بنفسها على الصحيح من المذهب. قاله في الإنصاف، وقدمه في المغني وغيره.
[فصلاح البلح، أن يحمر أو يصفر] لأنه ﷺ ، نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو، قيل لأنس: وما زهوها؟ قال: "تحمار وتصفار" أخرجاه.
стр. 381
[والعنب أن يتموه بالماء الحلو] لحديث أنس مرفوعاً "نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد" رواه الخمسة إلا النسائي.
[وبقية الفواكه طيب أكلها وظهور نضجها] لحديث جابر أن النبي ﷺ ، نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب. وفي رواية: حتى تطعم متفق عليه.
[وما يظهر فماً بعد فم كالقثاء والخيار أن يؤكل عادة] كالثمر. قال في الشرح: ويجوز لمشترى الثمرة بيعها في شجرها. روي ذلك عن الزبير بن العوام، والحسن البصري، وأبي حنيفة، والشافعي، وابن المنذر. وكرهه ابن عباس وعكرمة وأبو سلمة، لأنه بيع له قبل قبضه، ولنا أنه يجوز له التصرف فيه، فجاز بيعه كما لو قطعه، وقولهم لم يقبضه ممنوع، فإن قبض كل شئ بحسبه، وهذا قبضه التخلية، وقد وجدت. انتهى.
[وما تلف من الثمرة قبل أخذها، فمن ضمان البائع] وهو قول أكثر أهل المدينة قاله في الشرح، لحديث جابر أن النبي ﷺ ، أمر بوضع الجوائح. وفي لفظ قال: "إن بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " رواهما مسلم. ولأن مؤنته على البائع إلى تتمة صلاحه.
[ما لم تبع مع أصلها] فمن ضمان المشتري، وكذا لو بيعت لمالك أصلها، لحصول القبض التام، وانقطاع علق البائع عنه.
[أو يؤخر المشتري أخذها عن عادته] فإن أخره عن عادته فمن
стр. 382
ضمانه لتلفه بتقصيره. قال فى الإنصاف: على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب،. والجائحة: ما لا صنع لآدمي فيها، فإن أتلفها آدمي فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن على البائع، وبين الإمساك، ومطالبة المتلف بالقيمة. قاله في الكافي وغيره.
стр. 383
باب السلم
مدخل
...
باب السلم
السلم: لغة أهل الحجاز، والسلف: لغة أهل العراق. سمي سلماً لتسليم رأس ماله في المجلس، وسلفاً لتقديمه، ويقال السلف للقرض. وهو جائز بالإجماع. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن السلم جائز. وقال ابن عباس أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ... ﴾ الآية ١. رواه سعيد.
[ينعقد بكل ما بدل عليه] من سلم وسلف ونحوه.
[وبلفظ البيع] لأنه بيع إلى أجل بثمن حال.
[وشروطه سبعة] زائدة على شروط البيع.
[أحدها: انضباط صفات المسلم فيه: كالمكيل، والموزون، والمذروع] لقول عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبزى: كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب. فقيل: أكان لهم زرع، أم لم يكن؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك أخرجاه٢. فثبت جواز السلم في ذلك بالخبر، وقسنا عليه ما يضبط بالصفة لأنه في معناه، قاله في الكافي.
стр. 384
[والمعدود من الحيوان ولو آدمياً] لحديث أبي رافع استسلف النبي ﷺ ، من رجل بكراً رواه مسلم. وعن علي أنه باع جملاً له يدعى عصيفيراً بعشرين بعيراً إلى أجل معلوم رواه مالك والشافعي. قال ابن المنذر: وممن روينا عنه ذلك: ابن مسعود وابن عباس وابن عمر. ولأنه يثبت في الذمة صداقاً، فصح السلم فيه كالنبات. وعنه: لا يصح لأن الحيوان لا يمكن ضبطه، لأنه يختلف اختلافاً متبايناً مع ذكر أوصافه الظاهرة، فربما تساوى العبدان وأحدهما يساوي أمثال صاحبه، وإن استقصى صفاته كلها تعذر تسليمه. قاله في الكافي. وقال ابن عمر: إن من الربا أبواباً لا تخفى، وإن منها السلم في السن رواه الجوزجاني. ومن قال بالرواية الأولى، حمل حديث ابن عمرعلى أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان. قال الشعبي: إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان، لأنهم اشترطوا إنتاج فحل بني فلان. فحل معلوم رواه سعيد.
[فلا يصح في المعدود من الفواكه] كرمان وخوخ ونحوهما، لاختلافها بالصغر والكبر. قال أحمد: لا أرى السلم إلا فيما يكال أو يوزن أو يوقف عليه، فأما الرمان والبيض، فلا أرى السلم فيه. ونقل ابن منصور جواز السلم في الفواكه والخضراوات، لأن كثيراً من ذلك يتقارب. قاله في الشرح.
[ولا فيما لا ينضبط كالبقول] لأنها تختلف ولا يمكن تقديرها بالحزم.
[والجلود] لاختلافها، ولا يمكن ذرعها، لاختلاف أطرافها.
стр. 385
[والرؤوس والأكارع] لأنه أكثرها العظام والمشافر١ ولحمها قليل، وليست موزونة.
[والبيض] لما تقدم.
[والأواني المختلفة رؤوساً وأوساطاً كالقماقم ونحوها] فإن لم تختلف رؤوسها وأوساطها صح السلم فها. ولا يصح في الجواهر واللؤلؤ والعقيق ونحوها، لأنها تختلف اختلافاً متبايناً صغراً وكبراً وحسن تدوير وزيادة ضوء وصفاء.
[الثاني: ذكر جنسه ونوعه بالصفات التي يختلف بها الثمن] كحداثته وجودته، وضدهما.
[ويجوز أن يأخذ دون ما وصف له، ومن غير نوعه من جنسه] لأن الحق له وقد رضي بدونه، ولأنهما كالشئ الواحد لتحريم التفاضل بينهما، ولا يلزمه ذلك، لأن العقد تناول ما وصفاه على شرطهما وإن كان من غير جنسه: كلحم بقرعن ضأن، وشعيرعن بر، لم يجز ولو رضيا، لحديث: "من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره" رواه أبو داود وابن ماجة. ولأنه بيع بخلاف غير نوعه من جنسه. وذكر ابن أبي موسى رواية: أنه يجوز أن يأخذ مكان البر شعيراً مثله.
[الثالث: معرفة قدره بمعياره الشرعي، فلا يصح في مكيل وزناً، ولا فى موزون كيلاً] نص عليه، لحديث "من أسلف في شئ فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" متفق عليه. ونقل المروزي عن أحمد: أن السلم في اللبن يجوز إذا كان كيلاً، أو وزناً.
стр. 386
وهذا يدل على إباحة السلم في المكيل وزناً، وفي الموزون كيلاً. اختاره الموفق والشارح وابن عبدوس في تذكرته، وجزم به في الوجيز والمنور ومنتخب الآدمي. قال في الشرح: وهو قول الشافعي وابن المنذر، وقال مالك: ذلك جائز إذا كان الناس يتبايعون التمر وزناً. وهذا الصحيح، ولأن الغرض معرفة قدره، ولا بد أن يكون المكيال معلوماً، فإن شرط مكيالاً بعينه، أو صنجة١ بعينها غير معلومة، لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم في الطعام لا يجوز بقفيز لا يعلم معياره، ولا بثوب بذرع فلان، لأن المعيار لو تلف، أو مات فلان بطل السلم. انتهى.
[الرابع: أن يكون في الذمة] فإن أسلم في عين لم يصح لأنه ربما تلف قبل تسليمه، ولأنه يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السلم فيه. قاله في الشرح.
[إلى أجل معلوم] للحديث السابق.
[له وقع في العادة، كشهر ونحوه] لأن الأجل إنما اعتبر ليتحقق الرفق الذي شرع من أجله السلم، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن، ولا يصح إلى الحصاد والجذاذ وقدوم الحاج ونحوه، لأنه يختلف فلم يكن معلوماً. وعن ابن عباس قال: لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تتبايعوا إلا إلى أجل معلوم أي: إلى شهر معلوم. وعنه أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال مالك. وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يبايع إلى العطاء ولا يصح أن
стр. 387
يسلم في شئ يأخذ كل يوم جزءاً معلوماً، سواء بين ثمن كل قسط أو لا، لدعاء الحاجة إليه. ومتى قبض البعض، وتعذر الباقي رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل للمقبوض فضلاً على الباقي، لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فقسط الثمن على أجزائه بالسوية، كما لو اتفق أجله. وإذا جاء بالسلم قبل محله، ولا ضرر فيه قبضه، وإلا فلا. فإن امتنع رفع الأمر إلى الحاكم ليأخذه، لما روى الأثرم أن أنساً كاتب عبداً له على مال إلى أجل، فجاءه به قبل الأجل، فأبى أن يأخذه، فأتى عمر بن الخطاب فأخذه منه، وقال: اذهب فقد عتقت وروى سعيد في سننه نحوه عن عمر، وعثمان جميعاً، ولأنه زاده خيراً. قاله في الكافي.
[الخامس: أن يكون مما يوجد غالباً عند حلول الأجل] لوجوب تسليمه إذاً، لأن القدرة على التسليم شرط، فلو أسلم في العنب إلى شباط لم يصح، لأنه لا يوجد فيه إلا نادراً، وكبيع الآبق بل أولى، ولا يشترط وجوده حال العقد لأنه ﷺ ، قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال: "من أسلم في شئ فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم" أخرجاه. ولو كان الوجود شرطاً لذكره، ولنهاهم عن سلف سنين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلم فيه أوسط السنة، قاله في الشرح. ولا يصح السلم في ثمرة بستان بعينه. قال ابن المنذر: هو كالإجماع من أهل العلم، لما روي عن النبي ﷺ أنه أسلف إليه رجل من اليهود دنانير في تمر مسمى، فقال اليهودي: من تمر حائط بني فلان. فقال النبي
стр. 388
صلى الله عليه وسلم: "أما من حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمًى إلى أجل مسمًى" رواه ابن ماجه وغيره، ورواه الجوزجاني في المترجم، وابن المنذر، ولأنه لا يؤمن تلفه فلم يصح.
[السادس: معرفة قدر رأس مال السلم وانضباطه] لأنه لا يؤمن فسخ السلم لتأخر المعقود عليه - كما يأتي - فوجب معرفة رأس ماله، ليرد بدله كالقرض، والشركة فعلى هذا: لا يجوز أن يكون رأس المال إلا ما يجوز أن يكون مسلماً فيه، لأنه يعتبر ضبط صفاته، فأشبه المسلم فيه. قاله في الكافي.
[فلا تكفي مشاهدته] كما لو عقداه بصبرة لا يعلمان قدرها ووصفها.
[ولا يصح بما لا ينضبط] كجوهر ونحوه، لما تقدم.
[السابع: أن يقبضه قبل التفرق من مجلس العقد] تفرقاً يبطل خيار المجلس، لئلا يصير بيع دين بدين، لحديث ابن عمر مرفوعاً: "نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" رواه الدارقطني. واستنبطه الشافعي من قوله ﷺ : "من أسلف في شئ فليسلف" أي: فليعط. قال: لأنه لا يقع إسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارقه. وإن كان له في ذمة رجل ديناً فجعله سلماً في طعام إلى أجل لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، وروي عن ابن عمر أنه قال: لا يصح ذلك قاله في الشرح.
[ولا يشترط ذكر مكان الوفاء] لأنه لم يذكر في الحديث، وكباقي البيوع.
[لأنه يجب مكان العقد] لأن مقتضى العقد التسليم في مكانه.
стр. 389
[مالم يعقد١ ببرية ونحوها] كسفينة ودار حرب.
[فيشترط] ذكره، لأنه لا يمكن التسليم في ذلك المكان، ولا قرينة، فوجب تعيينه بالقول والزمان. وإن أحضره قبل محله أو في غير مكان الوفاء، فاتفقا على أخذه جاز، وإن أعطاه عوضاً عن ذلك، أو نقصه من السلم لم يجز، لأنه بيع الأجل والمحل. قاله في الكافي.
[ولا يصح أخذ رهن أو كفيل بمسلم فيه] رويت كراهته عن علي وابن عباس وابن عمر، لأنه لا يمكن الاستيفاء من عين الرهن، ولا من ذمة الضامن، لقوله ﷺ : "من أسلم في شئ فلا يصرفه إلى غيره" ونقل حنبل جوازه، وهو قول عطاء ومجاهد ومالك والشافعي، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ... ﴾ ٢ وروي عن ابن عباس وابن عمر: أن المراد به السلم، واختاره جمع من الأصحاب، وحملوا قوله: لا يصرفه إلى غيره أي: لا يجعله رأس مال سلم آخر.
[وإن تعذر حصوله خير رب السلم بين صبر أو فسخ، ويرجع برأس ماله أو بدله إن تعذر] لحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسلف في شئ فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه، أو رأس ماله" رواه الدارقطني. ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه. بغير خلاف علمناه، لأنه ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح مالم يضمن صححه الترمذي. قاله في الشرح. وقال ابن
стр. 390
المنذر: ثبت عن ابن عباس، قال: "إذا أسلمت في شئ إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عرضاً أنقص منه، ولا تربح مرتين" رواه سعيد.
[ومن أراد قضاء دين عن غيره، فأبى ربه، لم يلزم بقبوله] لما فيه من المنة، ولأنه إن كان المديون يقدر على الوفاء وجب عليه، وإلا لم يلزمه شئ، فإن ملكه لمدين، فقبضه ودفعه لرب الدين، أجبر على قبوله.