بريدة عن النبي ﷺ ، قال في العقيقة: "تذبح لسبع ولأربع عشرة ولإحدى وعشرين" أخرجه الحسين بن يحيى بن عباس القطان، ويروى عن عائشة نحوه.
[ولا تعتبر الأسابيع بعد ذلك] فيعق أي يوم أراد، لأنه قد تحقق سببها.
[وكره لطخه من دمها] أنكره سائر أهل العلم، وكرهوه، لقوله ﷺ : "أهرقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى" رواه أبو داود. وروى أبو داود أيضاً عن بريدة كنا نلطخ رأس الصبي بدم العقيقة، فلما جاء الإسلام كنا نلطخه بزعفران فأما من روى ويدمي فقال أبو داود: وهم همام، إنما الرواية ويسمى مكان يدمي، وكذا قال الإمام أحمد: ما أراه إلا خطأ.
[ويسن الأذان في أذن المولود اليمنى حين يولد، والاقامة في اليسرى] لقول أبي رافع رأيت رسول الله ﷺ ، أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة بالصلاة رواه أحمد وغيره. وروى ابن السني عن الحسن بن علي مرفوعاً: "من ولد له ولد فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان" يعني القرينة.
[وسن أن يحلق رأس الغلام في اليوم السابع، ويتصدق بوزنه فضة ويسمى فيه] لحديث سمرة السابق. وقال ﷺ لفاطمة لما ولدت الحسن: "احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضةً على المساكين" رواه أحمد.
[وأحب الأسماء عبد الله وعبد الرحمن] للحديث رواه مسلم.
стр. 317
[وتحرم التسمية بعبد غير الله كعبد النبي، وعبد المسيح] قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى، وعبد هبل، وعبد عمر عبد الكعبة، حاشا عبد المطلب. قاله في الفروع.
[وتكره بحرب ويسار ومبارك ومفلح وخير وسرور] ونحوها قال القاضي: وكل اسم فيه تفخيم أو تعظيم، لحديث سمرة مرفوعاً: "لا تسم غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح، فإنك تقول: أثم هو فلا يكون، فيقول لا" رواه مسلم. ولأنه ربما كان طريقاً إلى التشاؤم.
[ولا بأس بأسماء الملائكة والأنبياء] لحديث وهب الجشمي مرفوعاً "تسموا بأسماء الأنبياء" الحديث رواه أحمد. وقال ابن القاسم عن مالك: سمعت أهل مكة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمد إلا رزقوا ورزق خيراً.
[إن اتفق وقت عقيقة وأضحية أجزأت إحداهما عن الأخرى] كما لو اتفق يوم عيد، ويوم جمعة، فاغتسل لأحدهما، وكذا ذبح متمتع، أو قارن يوم النحر شاة فتجزئ عن الهدي الواجب، والأضحية. ويستحب أن يفصلها عظاماً ولا يكسر عظامها تفاؤلاً بسلامة أعضائه. وفى حديث عائشة: "تطبخ جدولاً١ ولا يكسر لها عظم" ويأكل ويطعم ويتصدق، ولا تسن الفرعة: ذبح أول ولد الناقة، ولا العتيرة: ذبيحة رجب. قال في الشرح: هذا قول علماء الأمصار سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة، ويروي فيها شيئاً، ولنا حديث أبي هريرة
стр. 318
مرفوعاً: "لا فرع ولا عتيرة" متفق عليه. ولا يحرمان، ولا يكرهان، والمراد بالخير: نفي، كونهما سنة لا النهي، لحديث عمرو بن الحارث أنه لقي رسول الله ﷺ ، في حجة الوداع، قال: فقال رجل: يا رسول الله، الفرائًع والعتائر؟ قال: "من شاء فرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم الأضحية" رواه أحمد والنسائي.
стр. 319
كتاب الجهاد
مدخل
مدخل
...
كتاب الجهاد
[وهو فرض كفاية] لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ... ﴾ ١ وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ﴾ ٢ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ... ﴾ ٣ قال ابن عباس: إنها ناسخة لقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ٤ رواه أبو داود. فإذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإلا أثموا كلهم.
[ويسن مع قيام من يكفي به] للآيات والأحاديث، منها حديث أنس أن النبي ﷺ ، قال: "لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها" متفق عليه. وعن أبي عبس الحارثي مرفوعاً: "من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار" رواه أحمد والبخاري. وعن ابن أبي أوفى مرفوعا: "إن الجنة تحت ظلال السيوف" رواه أحمد والبخاري.
[ولا يجب إلا على ذكر] لحديث عائشة قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: "جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" وفي لفظ "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" رواه أحمد والبخاري.
стр. 320
[مسلم مكلف] كسائر العبادات، وعن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني أي: في المقاتلة. متفق عليه. وفي لفظ وعرضت عليه يوم الخندق فأجازني.
[الصحيح] أي: سليم من العمى والعرج والمرض، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ... ﴾ ١ وقوله: ﴿ ... غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ... ﴾ ٢ وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ ٣ الآية.
[واجد من المال ما يكفيه ويكفي أهله في غيبته] للآية.
[ويجد مع مسافة قصر ما يحمله] لقوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ ٤ ولا يجب على العبد، لأنه لا يجد ما ينفق، فيدخل فى عموم الآية. ويتعين إذا تقابل الصفان، وإذا نزل العدو ببلدة، لقوله تعالي: ﴿ ... إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ الآية٥ وقوله: ﴿ ... فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ... ﴾ الآية ٦ وقوله:
стр. 321
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ ١ وإذا استنفرهم الإمام، لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ٢ وقوله ﷺ : "وإذا استنفرتم فانفروا" متفق عليه.
[وسن تشيع الغازي لا تلقيه] نص عليه لأن علياً، ﵁، شيع النبي ﷺ ، في غزوة تبوك ولم يتلقه احتج به أحمد. وعن سهل بن معاذ عن أبيه عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لأن أشيع غازياً، فأكفيه٣ في رحلة غدوة أو روحة أحب إلي من الدنيا وما فيها" رواه أحمد وابن ماجه. وعن أبي بكر الصديق أنه شيع يزيد بن أبي سفيان حين بعثه إلى الشام ... الخبر. وفيه: "إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله" وشيع الإمام أحمد أبا الحارث ونعلاه في يده. ذهب إلى فعل أبي بكر أراد أن تغبر قدماه في سبيل الله وشيع النبي ﷺ النفر الذين وجههم إلى كعب ابن الأشرف إلى بقيع الغرقد٤ رواه أحمد. وفي التلقي وجه كالحاج، لحديث السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول الله ﷺ ، من غزوة تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع. قال السائب: فخرجت مع الناس وأنا غلام رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وللبخاري نحوه.
[وأفضل متطوع به الجهاد] لما تقدم. وعن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: "مؤمن يجاهد في سبيل
стр. 322
الله بنفسه وماله" متفق عليه. وذكر للإمام أحمد أمر الغزو، فجعل يبكي ويقول: ما من أعمال البر أفضل منه، ولأن نفعه عظيم وخطره كبير، فكان أفضل مما دونه.
[وغزو البحر أفضل] لأنه أعظم خطراً، ولحديث أم حرام مرفوعاً: "المائد في البحر - أي الذي يصيبه القئ - له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين" رواه أبو داود. وعن أبي أمامة سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "شهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كًقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله وكل ملك الموت بقًبض الأرواح، إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين" رواه ابن ماجه.
[وتكفر الشهادة جميع الذنوب سوى الدين] لحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال: "يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدين" رواه مسلم. قال الشيخ تقى الدين: وغير مظالم العباد: كقتل، وظلم، وزكاة، وحج أخرهما.
[ولا يتطوع به مدين لا وفاء له إلا بإذن غريمه] لحديث أبي قتادة وفيه "أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال ﷺ : "نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك" رواه أحمد ومسلم.
[ولا من أحد أبويه حر مسلم إلا بإذنه] لقول ابن مسعود سألت رسول الله ﷺ : "أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة
стр. 323
على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال "الجهاد في سبيل الله" متفق عليه. وعن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد، فقال: "أحي والداك؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" رواه البخاري والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه.
[ويسن الرباط: وهو لزوم الثغر للجهاد] سمي بذلك لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء كذلك، لحديث سلمان مرفوعاً: "رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر، وقيامه، فإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري علًيه رزقه، وأمن الفًتان" ١ رواه مسلم.
[وأقله ساعة] قال الإمام أحمد: يوم رباط، وليلة رباط، وساعة رباط.
[وتمامه أربعون يوماً] يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "تمام الرباط أربعون يوماً" أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب. ويروى ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة.
[وهو أفضل من المقام بمكة] ذكره الشيخ تقي الدين إجماعاً. والصلاة بالمساجد الثلاثة أفضل من الصلاة بالثغر. قال الإمام أحمد: فأما فضل الصلاة فهذا شئ خاصة لهذه المساجد.
[وأفضله ما كان أشد خوفاً] قال الإمام أحمد: أفضل الرباط أشدهم كلباً، ولأن المقام به أنفع، وأهله أحوج.
[ولا يجوز للمسلمين الفرار من مثليهم ولو واحداً من اثنين] لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى
стр. 324
فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ... ﴾ الآية ١ وعد النبي ﷺ ، الفرار من الزحف من الكبائر والتحرف للقتال: هو أن ينصرف من ضيق إلى سعة، أو من سفل إلى علو، أو من استقبال ريح أو شمس إلى استدبارهما، ونحو ذلك. والتحيز إلى فئة: ينضم إليها ليقاتل معها سواء قربت أو بعدت، لحديث ابن عمر، وفيه: فلما خرج رسول الله ﷺ ، قبل صلاة الفجر قمنا فقلنا له: نحن الفرارون؟ فقال: "لا بل أنتم العكارون٢. أنا فئة كل مسلم" رواه الترمذي. وعن عمر قال: أنا فئة كل مسلم وقال لو أن أبا عبيدة تحيز إلي لكنت له فئة، وكان أبو عبيدة بالعراق رواه سعيد.
[فإن زادوا على مثليهم جاز] لمفهوم قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ ٣ وقال ابن عباس: من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فما فر يعني: فراراً محرماً.
[والهجرة واجبة على كل من عجز عن إظهار دينه بمحل يغلب فيه حكم الكفر، والبدع المضلة] بحيث يمنع من فعل الواجبات، لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب، وكذا إن خاف الإكراه على الكفر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 325
تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ١ وعنه ﷺ : "أنا برئ من مسلم بين ظهري مشركين لا تراءى نارهما" رواه أبو داود والترمذي. وعن معاوية وغيره مرفوعاً: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" رواه أبو داود. وأما حديث "لا هجرة بعد الفتح" أي: من مكة. ومثلها كل بلد فتح لأنه لم يبق بلد كفر.
[فإن قدرعلى إظهار دينه فمسنون] أي استحب له الهجرة ليتمكن من الجهاد وتكثير عدد المسلمين. قاله في الشرح.
стр. 326
فصل في حكم الأسارى
[والأسارى من الكفارعلى قسمين: قسم يكون رقيقاً بمجرد السبي: وهم النساء والصبيان] لأنهم مال لا ضرر في اقتنائه فأشبهوا البهائم، ولأن النبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان رواه الجماعة إلا النسائي. ولحديث سبي هوازن رواه أحمد والبخاري. وحديث عائشة في سبايا بني المصطلق رواه أحمد.
[وقسم لا: وهم الرجال البالغون المقاتلون. والإمام فيهم مخير بين قتل، ورق، ومن، وفداء بمال، أو بأسير مسلم] لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ قتل النبي ﷺ ، رجال بني قريظة وهم بين الست مائة والسبع مائة وقتل يوم بدر النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط صبراً وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحي
стр. 327
وأما الرق فلأنه يجوز إقرارهم بالجزية فبالرق أولى، لأنه أبلغ في صغارهم. وأما المن فلقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ الآية١ ولأنه ﷺ ، من على ثمامة بن أثال، وعلى أبي عزة الشاعر، وعلى أبي العاص بن الربيع وأما الفداء فلأنه ﷺ ، فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل رواه أحمد والترمذي وصححه. وفدى أهل بدر بمال رواه أبو داود.
[ويجب عليه فعل الأصلح] فمتى رأى المصلحة للمسلمين في إحدى الخصال تعينت عليه، لأنه ناظر للمسلمين، وتخييره تخيير اجتهاد لا شهوة.
[ولا يصح بيع مسترق منهم لكافر] نص عيله، لما روي أن عمر بن الخطاب، ﵁، كتب إلى أمراء الأمصار ينهاهم عنه ولأن في بقائهم رقيقاً للمسلمين تعريضاً لهم بالإسلام.
[ويحكم بإسلام من لم يبلغ من أولاد الكفار عند وجود أحد ثلاثة أسباب: أحدها: أن يسلم أحد أبويه خاصة] لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ٢
[الثاني: أن يعدم أحدهما بدارنا] لمفهوم حديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" رواه مسلم. وقد انقطعت تبعيته لأبويه بانقطاعه عن أحدهما وإخراجه من دارهما إلى دار الإسلام.
стр. 328
[الثالث: أن يسبيه مسلم منفرداً عن أحد أبويه] قال في الشرح: والسبي من الأطفال منفرداً يصير مسلماً إجماعاً.
[فإن سباه ذمي فعلى دينه] قياساً على المسلم.
[أوسبي مع أبويه فعلى دينهما] للحديث السابق.
стр. 329
[وأما نفقته ورحله وخيمته وجنيبه فغنيمة] لأن السلب ما عليه حال قتله، أو ما يستعان به في القتال.
[وتقسم الغنيمة بين الغانمين، فيعطى لهم أربعة أخماسها] إجماعاً. قاله في الشرح لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ... ﴾ ١ ولأن النبي ﷺ ، قسم الغنائم كذلك.
[للراجل سهم، وللغازي على فرس هجين سهمان، وعلى فرس عربي ثلاثة] قال ابن المنذر: للراجل سهم، وللفارس ثلاثة. هذا قول عوام أهل العلم في القديم، والحديث. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم سهمان لفرسه وسهم له متفق عليه. وعن ابن عباس أن النبي ﷺ ، أعطى الفارس ثلاثة أسهم، وأعطى الراجل سهماً رواه الأ ثرم. والهجين: الذي أبوه عربي وأمه برذونة، يكون له سهم. وبه قال الحسن، لحديث أبي الأقمر قال: أغارت الخيل على الشام، فأدركت العراب من يومها، وأدركت الكودان ضحى الغد، وعلى الخيل رجل من همدان يقال له: المنذر بن أبي حميضة، فقال: لا أجعل التى أدركت من يومها مثل التي لم تدرك، ففصل الخيل، فقال عمر: هبلت٢ الوادعي أمه، أمضوها على ما قال رواه سعيد. وعن مكحول أن النبي ﷺ ، أعطى الفرس العربي سهمين، وأعطى الهجين سهماً أخرجه سعيد. ولا يسهم لأكثر من فرسين، لما روى الأوزاعي أن
стр. 330
رسول الله ﷺ ، كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس وعن أزهر بن عبيد الله أن عمر كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن أسهم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبهما سهماً، فذلك خمسة أسهم رواه سعيد. وروى الدارقطني عن بشير بن عمرو بن محصن قال أسهم لي رسول الله ﷺ ، لفرسي أربعة أسهم، ولي سهماً، فأخذت خمسة أسهم.
[ولا يسهم لغير الخيل] لأنه لم يقل عنه ﷺ ، أنه أسهم لغير الخيل وكان معه يوم بدر سبعون بعيراً، ولم تخل غزوة من غزواته من الإبل، بل هما غالب دوابهم، ولو أسهم لها لنقل، وكذا أصحابه من بعده. وعنه فيمن غزا على بعير لا يقدر على غيره: قسم له ولبعيره سهمان، لقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ ١.
[ولا يسهم إلا لمن فيه أربعة شروط: البلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، فإن اختل شرط رضخ لهم، ولم يسهم] أما المجنون فلا سهم له وإن قاتل، لأنه من غيرأهل القتال وضرره أكثر من نفعه. وأما الصبي، فلقول سعيد بن المسيب. كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الأمة. وقال تميم بن فرع المهري كنت في الجيش الذين فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة، فلم يقسم لي عمرو شيئاً، وقال: غلام لم يحتلم. فسألوا أبا بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر، فقالا: انظروا فإن كان قد أشعر فأقسموا له، فنظر إلي بعض
стр. 331
القوم فإذا أنا قد أنبت، فقسم لي قال الجوزجاني: هذا من مشاهير حديث مصر وجيده. وأما العبد فلما تقدم، وعن عمير مولى آبي اللحم قال: شهدت [خيبراً] ١ مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ ، فأخبر أنى مملوك، فأمر لي من خرثي المتاع رواه أبو داود. وعنه: يسهم له إذا قاتل. روي عن الحسن والنخعي، لحديث الأسود بن يزيد أسهم لهم يوم القادسية يعني العبيد. وأما النساء، فلحديث ابن عباس كان رسول الله ﷺ ، يغزو بالنساء فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، فأما بسهم فلم يضرب لهن رواه أحمد ومسلم. وعنه كان رسول الله ﷺ ، يعطي المرأة والمملوك من الغنائم دون ما يصيب الجيش رواه أحمد. وحمل حديث حشرج بن زياد عن جدته أن النبي ﷺ ، أسهم لهن يوم خيبر رواه أحمد وأبو داود. وخبر أسهم أبو موسى يوم غزوة تستر لنسوة معه٢ على الرضخ٣.
[ويقسم الخمس الباقي خمسة أسهم] لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية٤.
стр. 332
[سهم لله ولرسوله يصرف مصرف الفئ] في مصالح المسلمين، لحديث جبير بن مطعم أن النبي ﷺ ، تناول بيده وبرة من بعير، ثم قال: "والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" وعن عمرو بن عبسة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: نحوه. رواهما أحمد وأبو داود. فجعله لجميع المسلمين، ولا يمكن صرفه إلى جميعهم إلا بصرفه في مصالحهم الأهم فالأهم، وقيل: للخليفة بعده، لحديث: "إذا أطعم الله نبياً طعمةً، ثم قبضه فهو للذي يقوم بها من بعده" رواه أبو بكر عنه، وقال: "قد رأيت أن أرده على المسلمين" فاتفق هو وعمر وعلي والصحابة على وضعه في الخيل والعدة في سبيل الله. قاله في الشرح.
[وسهم لذي القربى وهم: بنو هاشم وبنو المطلب حيث كانوا، للذكر مثل حظ الأنثيين] لحديث جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر قسم رسول الله ﷺ ، سهم ذوي القربى بين بني هاشم، وبني المطلب، فأتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله: أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم، وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال: إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد، وشبك بين أصابعه رواه أحمد والبخاري. ولأنهم يستحقونه بالقرابة أشبه الميراث. ويعطى الغني والفقير، والذكر والأنثى، لعموم الآية. وكان ﷺ ، يعطي منه العباس، وهو غني ويعطي صفية.
[وسهم لفقراء اليتامى] للآية.
стр. 333
[وهم من لا أب له ولم يبلغ] لحديث: "لا يتم بعد احتلام" واعتبر فقرهم، لأن الصرف إليهم لحاجتهم.
[وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل] فيعطون كما يعطون من الزكاة، للآية.
стр. 334
فصل في احكام الفيء
[والفيء: هو ما أخذ مال الكفار بحق] فأما ما أخذ من كافر ظلماً كمال المستأمن، فليس بفيء.
[من غير قتال] وما أخذ بقتال غنيمة.
[كالجزية والخراج وعشر التجارة من الحربي، ونصف العشر من الذمي، وما تركوه فزعاً، أوعن ميت ولا وراث له] منهم، وأطلقه بعضهم.
[ومصرفه في مصالح المسلمين] لعموم نفعها، ودعاء الحاجة إلى تحصيلها. قال عمر ﵁: ما من أحد من المسلمين إلا له في هذا المال نصيب، إلا العبيد فليس لهم فيه شئ وقرأ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (الحشر: من الآية٧) [الآية حتى بلغ] ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١.
فقال: هذه استوعبت المسلمين ولئن عشت ليأتين الراعي بسرو٢
стр. 335
حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه وقال أحمد: الفيء فيه حق لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير.
[ويبدأ بالأهم فالأهم من سد ثغر وكفاية أهله] لأن أهم الأمور حفظ بلاد المسلمين وأمنهم من عدوهم.
[وحاجة من يدفع عن المسلمين، وعمارة القناطر، ورزق القضاة، والفقهاء وغير ذلك] كعمارة المساجد، وأرزاق الأئمة، والمؤذنين، وغيرها مما يعود نفعه على المسلمين.
[فإن فضل شئ قسم بين أحرار المسلمين غنيهم وفقيرهم] لما تقدم.
[وبيت المال ملك للمسلمين] لأنه لمصالحهم.
[ويضمنه متلفه] كغيره من التلفات.
[ويحرم الأخذ منه بلا إذن الإمام] لأنه افتئات عليه فيما هو مفوض إليه.
стр. 336
باب عقد الذمة
مدخل
...
باب عقد الذمة
عقد الذمة جائز لأهل الكتاب ومن تدين بدينهم على أن تجرى بيسر عليهم أحكام المسلمين.
[لا تعقد إلا لأهل الكتاب] وهم: اليهود والنصارى، ومن تدين بدينهم كالسامرة يتدينون بشريعة موسى، ويخالفون اليهود في فروع دينهم.
وكالفرنج: وهم الروم، ويقال لهم بنو الأصفر والأشبه أنها لفظة مولدة نسبة إلى فرنجة: بفتح أوله وسكون ثالثه: هي جزيرة من جزائر البحر، النسبة إليها: فرنجي، فروع.١ والصابئين، والروم، والأرمن وغيرهم ممن انتسب إلى شريعة موسى. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٢ وقوله المغيرة يوم نهاوند: أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية رواه البخاري. وفي حديث بريدة: "ادعهم إلى أحد خصال ثلاث: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فادعهم
стр. 337
إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" رواه مسلم.
[أو لمن لهم شبهة كتاب كالمجوس] لأنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع، فذلك شبهة أوجبت حقن دمائهم بأخذ الجزية منهم. وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ ، قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" رواه الشافعي ولأنه ﷺ ، أخذ الجزية من مجوس هجر رواه البخاري وغيره. ولا يجوز عقدها إلا من الإمام أو نائبه، قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً، ولأنه عقد مؤبد، فعقده من غير الإمام افتئات عليه.
[ويجب على الإمام عقدها] لعموم ما سبق.
[حيث أمن مكرهم] فإن خاف غائلتهم إذا تمكنوا بدار الإسلام فلا، لحديث "لا ضرر ولا ضرار".
[والتزموا لنا بأربعة أحكام. أحدها: أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] في كل حول، للآية.
[الثاني: أن لا يذكروا دين الإسلام إلا بالخير] لما روي أنه قيل لابن عمر: إن راهباً يشتم رسول الله ﷺ ، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعط الأمان على هذا.
[الثالث: أًن لا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلمين] لحديث "لا ضرر ولا ضرار".
[الرابع: أن تجري عليهم أحكام الإسلام] في حقوق الآدميين في العقود، والمعاملات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات، لقوله تعالى:
стр. 338
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١ قيل، الصغار: جريان أحكام المسلمين عليهم.
[في نفس، ومال، وعرض، وإقامة حد فيما يحرمونه كالزنى، لا فيما يحلونه كالخمر] لحديث أنس أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها، فقتله رسول الله ﷺ متفق عليه. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ ، أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما وقيس الباقي. ولأنهم التزموا أحكام الإسلام، وهذه أحكامه. ويقرون على ما يعتقدون حله كخمر، ونكاح ذات محرم، لكن يمنعون من إظهاره لتأذي المسلمين، لأنهم يقرون على كفرهم وهو أعظم جرماً.
[ولا تؤخذ الجزية من امراة، وخنثى، وصبي، ومجنون] قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً، لقوله ﷺ ، لمعاذ: "خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافري" رواه الشافعي في مسنده. وروى أسلم أن عمر، ﵁، كتب إلى أمراء الأجناد لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربرها إلا على من جرت عليه المواسي أي من نبتت عانته، لأن المواسي إنما تجري على من أنبت: أراد من بلغ الحلم من الكفار، رواه سعيد. والخنثى: لا يعلم كونه رجلاً فلا تجب عليه مع الشك، والمجنون فما معنى الصبي فقيس عليه.
[وقن] لما روي عن عمر أنه قال: لا جزية على مملوك.
[وزمن، وأعمى، وشيخ فان، وراهب بصومعته] لأن دماءهم محقونة أشبهوا النساء والصبيان.
стр. 339
[ومن أسلم منهم بعد الحول سقطت عنه الجزية] نص عليه، لحديث ابن عباس مرفوعاً: "ليس على المسلم جزية" رواه أحمد وأبو داود. وقال أحمد: قد روي عن عمر أنه قال: إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها وروى أبوعبيد: أن يهودياً أسلم، فطولب بالجزية وقيل: إنما أسلمت تعوذاً. قال إن في الإسلام معاذاً فرفع إلى عمر، فقال عمر: إن في الإسلام معاذاً، وكتب أن لا تؤخذ منه الجزية وفي قدر الجزية ثلاث روايات:
إحداهن يرجع إلى ما فرضه عمر على الموسر: ثمانية وأربعون درهماً، وعلى المتوسط: أربعة وعشرون، وعلى الفقير المعتمل: اثنا عشر. فرضها عمر كذلك بمحضر من الصحابة، وتابعه سائر الخلفاء بعده، فصار إجماعاً وقال ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار رواه البخاري. والثانية يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان. والثالثة: تجوز الزيادة لا النقصان لأن عمر زاد على ما فرض رسول الله ﷺ ، ولم ينقص ويجوز أن يشرط عليهم مع الجزية ضيافة من يمر بهم من المسلمين، لما روى الأحنف بن قيس أن عمر شرط على أهل الذمة ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته رواه أحمد. وروى أسلم أن أهل الجزية من أهل الشام أتوا عمر، رضى الله عنه، فقالوا: إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج في ضيافتهم. فقال: أطعموهم مما تأكلون، ولا تزيدوهم على ذلك.
стр. 340
فصل في احكام اهل الذمة
[ويحرم قتال أهل الذمة، وأخذ مالهم، ويجب على الإمام حفظهم، ومنع من يؤذيهم] لأنهم إنما بذلوا الجزية لحفظهم، وحفظ أموالهم. روي عن علي ﵁ أنه قال: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا.
[ويمنعون من ركوب الخيل، وحمل السلاح، ومن إحداث الكنائس، ومن بناء ما انهدم منها، ومن إظهار المنكر، والعيد، والصليب، وضرب الناقوس، ومن الجهر بكتابهم، ومن الاكل والشرب نهار رمضان، ومن شرب الخمر، وأكل الخنزير] لما روى إسماعيل بن عياش عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم: إنا شرطنا على أنفسنا أن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير في أوساطنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمل، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشد الطريق، ونقوم لهم عن المجالس إذا أرادوا المجالس، ولا نطلع عليهم في منازلهم، وأن لا نضرب ناقوساً إلا ضرباً خفيفاً في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في الصلاة فيما يحضره المسلمون،
стр. 341
وأن لا نخرج صليباً، ولا كتاباً في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثاً١، ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالجنائز، ولا نظهر شركاً، ولا نرغب في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً، وأن لا نحدث في مدينتنا كنيسة، ولا فيما حولها ديراً، ولا قلاية، ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا، ولا ما كان منها في خطط المسلمين، وفي آخره: فإن نحن غيرنا، أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما يحل من أهل المعاندة، والشقاق رواه الخلال بإسناده، وذكر في آخره فكتب بذلك عبد الرحمن بن غنم إلى عمر بن الخطاب، ﵁، فكتب إليه عمر أن أمض لهم ما سألوا وعن ابن عباس: أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة، ولا أن يضربوا فيه ناقوساً، ولا يشربوا فيه خمراً ولا يتخذوا فيه خنزيراً رواه أحمد، واحتج به. وأمر عمر، ﵁، بجز نواصي أهل الذمة، وأن يشدوا المناطق، وأن يركبوا الأكف بالعرض رواه الخلال. وقيس عليه إظهار المنكر، وإظهار الأكل في نهار رمضان، لأنه يؤذينا.
[ويمنعون من قراءة القرآن، وشراء المصحف، وكتب الفقه والحديث] لأنه يتضمن ابتذال ذلك بأيديهم، فإن فعلوا لم يصح.
[ومن تعلية البناء على المسلمين] لقولهم في شروطهم: ولا نطلع
стр. 342
عليهم في منازلهم، ولقول النبي ﷺ : "الإسلام يعلو ولا يعلى".
[ويلزمهم التميز عنا بلبسهم] لما تقدم.
[ويكره لنا التشبه بهم] لحديث: "من تشبه بقوم فهو منهم" وحديث: "ليس منا من تشبه بغيرنا".
[ويحرم القيام لهم، وتصديرهم في المجالس] لأنه تعظيم لهم كبداءتهم السلام.
[وبداءتهم بالسلام، بكيف أصبحت أو أمسيت؟ أو كيف أنت، أوحالك؟ وتحرم تهنئتهم، وتعزيتهم، وعيادتهم] لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقها" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. وما عدا السلام مما ذكر في معناه فقبس عليه. وعنه: تجوز عيادتهم لمصلحة راجحة كرجاء الإسلام. اختاره الشيخ تقي الدين، والآجري، وصوبه في الإنصاف، لأنه ﷺ عاد صبياً كان يخدمه، وعرض عليه الإسلام فأسلم وعاد أبا طالب، وعرض عليه الإسلام فلم يسلم.
[ومن سلم على ذمي، ثم علمه سن قوله: رد علي سلامي] لأن ابن عمر مر على رجل فسلم عليه، فقيل له إنه كافر فقال: رد على ما سلمت عليك، فرد عليه، فقال: أكثر الله مالك وولدك، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أكثر للجزية.
[وإن سلم الذمي لزم رده، فيقال: وعليكم] لحديث أبي بصرة قال:
стр. 343
قال رسول الله ﷺ : "إنا غادون فلا تبدؤوهم بالسلام، فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم" وعن أنس قال: "نهينا، أو أمرنا أن لا نزيد أهل الذمة على: وعليكم" رواه أحمد.
[وإن شمت كافر مسلماً أجابه] يهديك الله. وكذا إن عطس الذمي، لحديث أبي موسى أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ ، رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله. فكان يقول لهم: "يهديكم الله ويصلح بالكم" رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه.
[وتكره مصافحته] نص عليه، لأنها شعار المسلمين.
стр. 344
النبي ﷺ ، فقال لو سمعته لقتلته، إنا لم نعط الأمان على هذا.
[أو تعدى على مسلم بقتل، أو فتنة عن دينه انتقض عهده] لأنه ضرر يعم المسلمين، أشبه ما لو قاتلهم، ومثل ذلك إن تجسس، أو آوى جاسوساً.
[ويخير الإمام فيه كالأسير] الحربي بين رق وقتل ومن وفداء، لأنه كافر لا أمان له، قدرنا عليه فى دارنا بغير عقد ولا عهد.
[وماله فيء] في الأصح. قاله في الإنصاف.
[ولا ينقض عهد نسائه وأولاده] نص عليه، لوجود النقض منه دونهم، فاختص حكمه به.
[فإن أسلم حرم قتله، ولو كان سب النبي ﷺ ] لعموم حديث "الإسلام يجب ما قبله" وقياساً على الحربي إذا سبه ﷺ ، ثم تاب بإسلام قبلت توبته إجماعاً. قال في الفروع: وذكر ابن أبي موسى: أن ساب الرسول يقتل ولو أسلم. اقتصر عليه في المستوعب، وذكره ابن البنا في الخصال. قال الشيخ تقي الدين: وهو الصحيح من المذهب.
стр. 345
كتاب البيع
مدخل
مدخل
...
كتاب البيع
وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١ وحديث "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" متفق عليه.
[وينعقد لا هزلاً] أما الهزل بلا قصد لحقيقته فلا ينعقد به لعدم الرضى، وكذا التلجئة، لحديث "وإنما لكل امرئ ما نوى".
[بالقول الدال على البيع والشراء] وهو الإيجاب، والقبول، فيقول البائع: بعتك، أو ملكتك ونحو ذلك، ثم يقول المشتري: ابتعت، أو قبلت أو اشتريت ونحوها.
[وبالمعاطاة كأعطني بهذا خبزاً، فيعطيه ما يرضيه] لأن الشرع ورد بالبيع، وعلق عليه أحكاماً، ولم يبين كيفيته فيجب الرجوع فيه إلى العرف، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولم ينقل عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه استعمال الإيجاب والقبول، ولو اشترط ذلك لبينه بياناً عاماً، وكذلك في الهبة والهدية والصدقة، فإنه لم ينقل عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه استعمال ذلك فيها. قاله في الشرح.
[وشروطه سبعة: أحدها: الرضى] لقوله تعالى: ﴿ ... إِلَّا أَنْ تَكُونَ
стр. 346
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ... ﴾ ١ وحديث "إنما البيع عن تراض" رواه ابن حبان.
[فلا يصح بيع المكره بغير حق] فإن أكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه صح، لأنه حمل عليه بحق.
[الثاني الرشد] يعني: أن يكون العاقد جائز التصرف، لأنه يعتبر له الرضى فاعتبر فيه الرشد كالإقرار.
[فلا يصح بيع المميز والسفيه مالم يأذن وليهما] فيصح لقوله تعالى: ﴿ ... وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ... ﴾ ٢ معناه: اختبروهم لتعلموا رشدهم. وإنما يتحقق بتفويض البيع والشراء إليهما، وينفذ تصرفهما في اليسير بلا إذن لأن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله ذكره ابن أبى موسى وغيره.
[الثالث: كون المبيع مالاً] وهو: ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة كالمأكول، والمشروب، والملبوس، والمركوب، والعقار، والعبيد والإماء، لقوله تعالى: ﴿ ... وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ... ﴾ ٣ وقد اشترى النبي ﷺ ، من جابر بعيراً، ومن أعرابي فرساً، ووكل عروة في شراء شاة، وباع مدبراً وحلساً وقدحاً، وأقر أصحابه على بيع هذه الأعيان وشرائها.
[فلا يصح بيع الخمر، والكلب والميتة] لحديث جابر أنه سمع النبي ﷺ ، يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير
стр. 347
والأصنام.." لحديث رواه الجماعة. وعن أبي مسعود قال: نهى النبي ﷺ ، عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن رواه الجماعة.
ولا يصح بيع الكلب عندنا مطلقاً، وكذا الميته حتى الجلد، ولو قلنا بطهارته بالدباغ. أفاده والدي أمتع الله به آمين.
[الرابع: أن يكون المبيع ملكاً للبائع، أومأذوناً له فيه وقت العقد] من مالكه أوالشارع كالوكيل وولي الصغير، وناظر الوقف ونحوه، لقوله ﷺ ، لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" رواه الخمسة. قال في الشرح: ولا نعلم فيه خلافاً.
[فلا يصح بيع الفضولي ولو أجيز بعد] لأنه غير مالك، ولا مأذون له حال العقد، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر، وعنه: يصح مع الإجازة. وهو قول مالك وإسحاق، وأبي حنيفة، وإن باع سلعة، وصاحبها ساكت، فحكمه حكم ما لو باعها بغير إذنه في قول الأكثرين. قاله في الشرح.
[الخامس: القدرة على تسليمه. فلا يصح بيع الآبق، والشارد، ولو لقادر على تحصيلهما] لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى عن شراء العبد وهو آبق رواه أحمد. ولمسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ، نهى عن بيع الغرر وفسره القاضي وجماعته: بما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر.
[السادس: معرفة الثمن والمثمن] لأن جهالتهما غرر، فيشمله النهي عن بيع الغرر ومعرفته.
стр. 348
[إما بالوصف] بما يكفي في السلم فيما يجوز السلم فيه خاصة فيصح البيع به، ثم إن وجده متغيراً فله الفسخ. قاله في الشرح.
[أو المشاهدة حال العقد، أو قبله بيسير] لا يتغير فيه المبيع عادة لحصول العلم بالمبيع بتلك المشاهدة.
[السابع: أن يكون منجزاً لا معلقاً، كبعتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضى زيد] لأنه غرر، ولأنه عقد معاوضة فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل كالنكاح. قاله في الكافي.
[ويصح بعت وقبلت إن شاء الله] لعدم الغرر، ولأنه يقصد للتبرك لا للتردد.
[ومن باع معلوماً ومجهولاً لم يتعذر علمه] كهذا العبد وثوب ونحوه.
[صح في المعلوم بقسطه] من الثمن، لصدور البيع فيه من أهله، وعدم الجهالة، لإمكان معرفته بتقسيط الثمن على كل منهما، وبطل في المجهول للجهالة.
[وإن تعذر معرفة المجهول] كبعتك هذه الفرس، وحمل الأخرى بكذا.
[ولم يبين ثمن المعلوم فباطل] بكل حال. قال في الشرح: لا أعلم فيه خلافاً.
стр. 349
فصل مايحرم ومالايحرم بيعه
[ويحرم، ولا يصح بيع، ولا شراء في المسجد] وقال في الشرح: يكره، والبيع صحيح، وكراهته لا توجب الفساد كالغش والتصرية، وفي قوله ﷺ : "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك" دليل على صحته. انتهى.
[ولا ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الذي عند المنبر] لأنه الذي كان على عهده ﷺ ، فاختص به الحكم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ١ والنهي يقتضي الفساد، وأما النداء الأول فزاده عثمان ﵁، لما كثر الناس.
[وكذا لو تضايق وقت المكتوبة] أي: فلا يصح البيع، ولا الشراء قياساً على الجمعة.
[ولا بيع العنب، والعصير لمتخذه خمراً، ولا بيع البيض، والجوز ونحوهما للقمار، ولا بيع السلاح في الفتنة، ولأهل الحرب، أو قطاع الطريق] لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٢ ولأنه عقد على عين معصية الله تعالى بها فلم يصح، كإجارة الأمة للزنى والزمر، ولأنه ﷺ نهى عن بيع السلاح في الفتنة قاله أحمد.
стр. 350
[ولا بيع قن مسلم لكافر لا يعتق عليه] لأنه لا يجوز استدامة الملك للكافر على المسلم إجماعاً. قاله في الشرح، لقوله تعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ ١ كان يعتق عليه كأبيه وابنه وأخيه صح، لأنه وسيلة إلى حريته، ولأن ملكه لا يستقر عليه بل يعتق في الحال.
[ولا بيع على بيع المسلم لقوله لمن اشترى شيئاً بعشرة أعطيك مثله بتسعة] لقوله ﷺ : "ولا يبع بعضكم على بيع بعض".
[ولا شراؤه على شرائه، كقوله لمن باع شيئاً بتسعة: عندي فيه عشرة] لأن الشراء يسمى بيعاً، فيدخل في الحديث السابق، لأنه في معناه، ولما فيه من الإضرار بالمسلم، وهو محرم.
[وأما السوم على سوم المسلم مع الرضى الصريح] فحرام، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه" رواه مسلم. ويصح العقد، لأن المنهى عنه السوم لا البيع، فإن وجد منه ما يدل على عدم الرضى لم يحرم السوم لأن النبي ﷺ ، باع فيمن يزيد حسنه الترمذي. قال في الشرح: وهذا إجماع، لأن المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة.
[وبيع المصحف] حرام قال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة. وقال ابن عمر: وددت أن الأيدي تقطع في بيعها، قال في الشرح: وممن كره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم. ويصح العقد، لأن أحمد رخص في شرائه وقال: هو
стр. 351
أهون، فإن أبيع على كافر لم يصح. رواية واحدة، لأن النبي ﷺ نهى عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم رواه مسلم. فلم يجز تمليكهم إياه، وتمكينهم منه.
[والأمة التي يطؤها قبل استبرائها فحرام] لأن عمر، ﵁ أنكر على عبد الرحمن بن عوف حين باع جارية له كان يطؤها قبل استبرائها، وقال: ما كنت لذلك بخليق.. وفيه قصة رواه عبد الله بن عبيد بن عمير. ولأن فيه حفظ مائه، وصيانة نسبه فوجب الاستبراء قبل البيع.
[ويصح العقد] لأنه يجب الاستبراء على المشتري، لحديث أبي سعيد أن النبي ﷺ ، نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة رواه أحمد وأبو داود.
[ولا يصح التصرف في المقبوض بعقد فاسد، يضمن هو وزيادته كمغصوب] لأنه قبضه على وجه الضمان ولا بد. قاله فى القواعد. وكذلك المقبوض على وجه السوم. قال ابن أبى موسى: إن أخذه مع تقدير الثمن ليريه، فإن رضوه ابتاعه، فهو مضمون بغير خلاف. قاله في القواعد. ويضمن بالقيمة. نص عليه في رواية ابن منصور، وأبي طالب، وقال أبو بكر عبد العزيز: يضمن بالمسمى، واختاره الشيخ تقي الدين.
стр. 352
باب الشروط في البيع
مدخل
...
باب الشروط في البيع
[وهي قسمان: صحيح لازم، وفاسد مبطل للعقد. فالصحيح: كشرط تأجيل الثمن أو بعضه] لقوله تعالى: ﴿ ... إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ... ﴾ الآية١.
[أو رهن أو ضمين معينين] لأن ذلك من مصلحة العقد.
[أو شرط صفة في المبيع، كالعبد كاتباً أو صانعاً أو مسلماً، والأمة بكراً أو تحيض، والدابة هملاجة أو لبوناً أو حاملاً، والفهد أو البازي صيوداً، فإن وجد المشروط لزم البيع] لصحة الشرط قال في الشرح: لا نعلم في صحته خلافاً.
[وإلا فللمشتري الفسخ] لفقد الشرط، ولحديث: "المسلمون على شروطهم" وقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه. ذكره البخاري.
[أو أوش فقد الصفة] المشروطة إن لم يفسخ. كأرش عيب ظهر عليه، وإن تعذر رد تعين أرش كمعيب تعذر رده.
[ويصح أن يشترط البائع على المشتري منفعة ما باعه مدة معلومة كسكنى الدار شهراً، وحملان الدابة إلى محل معين] نص عليه، لحديث جابر أنه باع النبى ﷺ جملاً واشترط ظهره إلى المدينة. متفق عليه.
стр. 353
[ويصح أن يشترط المشتري على البائع حمل ما باعه] إلى موضع معلوم، فإن لم يكن معلوماً لم يصح الشرط، فلو شرط الحمل إلى منزله والبائع لا يعرفه لم يصح الشرط.
[أو تكسيره، أو خياطته، أو تفصيله] احتج أحمد في جواز الشرط بأن محمد ابن مسلمة اشترى من نبطي حزمة حطب، وشارطه على حملها واشتهر ذلك فلم ينكر. قاله في الكافي، ولأن ذلك بيع وإجارة، ولا يجمع بين شرطين مع ذلك وإن جمع بين شرطين من غير النوعين الأولين: كحمل حطب وتكسيره، وخياطة ثوب وتفصيله، بطل البيع، لما روي عن النبي ﷺ ، في حديث ابن عمرو، رواه الترمذي. قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط، فنفض يده وقال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما نهى رسول الله ﷺ ، عن شرطين في البيع: أي في حديث عبد الله بن عمرو. رواه أبو داود والترمذي وصححه. وروي عن أحمد في تفسير الشرطين المنهي عنهما: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد أي: ولا مقتضاه.
стр. 354
فصل في الفاسد المبطل
[والفاسد المبطل، كشرط بيع آخر، أو سلف، أو قرض، أو إجارة، أو شركة، أو صرف للثمن، وهو بيعتان في بيعة، المنهي عنه] في الحديث، وهذا منه. قاله أحمد، ولحديث: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع" صححه الترمذي.
[وكذا كل ما كان في معنى ذلك مثل] بعتك هذا على.
[أن تزوجني ابنتك، أوأزوجك ابنتي، أو تنفق على عبدي، أو دابتي] لأنه شرط عقد في عقد فلم يصح، كنكاح الشغار. وقال ابن مسعود: صفقتان في صفقة ربا وهذا قول الجمهور. قاله في الشرح. وإن شرط أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع وإلا رده، أو أن لا يبيعه، أو لا يهبه، ولا يعتقه، أو إن عتق فالولاء له بطل الشرط وحده، لقوله ﷺ " من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" متفق عليه. والبيع صحيح لأنه ﷺ ، في حديث بريرة أبطل الشرط، ولم يبطل العقد وللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط. قاله في الشرح.
[ومن باع ما يذرع على أنه عشرة، فبان أكثر أو أقل صح البيع] والزيادة للبائع والنقص عليه.
[ولكل الفسخ] لضرر الشركة، ما لم يعط البائع الزيادة للمشتري
стр. 355
مجاناً في المسألة الأولى، أو يرضى المشتري بأخذه بكل الثمن في الثانية فلا فسخ، لعدم فوات الغرض، وإن كان المبيع نحو صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أقل، أو أكثر صح البيع ولا خيار، والزيادة للبائع، والنقص عليه، لعدم الضرر. قال معناه في الشرح.