← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 5463

منار السبيل في شرح الدليل

ابن ضويان

Полный текст (1 165 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

باب الهبة مدخل ... باب الهبة "وهي التبع بالمال في حال الحياة" خرج الوصية. "وهي مستحبة" لقوله ﷺ : "تهادوا تحابوا" وهي أفضل من الوصية، لحديث أبي هريرة سئل النبي، ﷺ ، أي الصدقة أفضل؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا" رواه مسلم بمعناه. "منعقدة بكل قول" يدل على الهبة بأن يقول: وهبتك أو أهديتك أو أعطيتك ونحوه. "أو فعل يدل عليها" لأنه ﷺ ، كان يهدي ويهدى إليه، ويعطي ويعطى، ويفرق الصدقات، ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها، وكان أصحابه يفعلون ذلك، ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول، ولو كان شرطاً لنقل عنهم نقلاً متواتراً أو مشهوراً، ولأن دلالة الرضى بنقل الملك تقوم مقام الإيجاب والقبول. "وشروطها ثمانية:" "١- كونها من جائز التصرف" وهو الحر المكلف الرشيد. "٢- كونه مختاراً غير هازل" فلا تصح من مكره ولا هازل. "٣- كون الموهوب يصح بيعه" اختاره القاضي وقدمه في الفروع،

стр. 562

لأنه عقد يقصد به تمليك العين، أشبه البيع. قال في الكافي: وتجوز هبة الكلب وما يجوز الانتفاع به من النجاسات، لأنه تبرع فجاز في ذلك كالوصية، ولا تجوز في مجهول ولا عجوز عن تسليمه. "٤- كون الموهوب له يصح تمليكه" فلا تصح لحمل، لأن تمليكه تعليق على خروجه حياً، والهبة لا تقبل التعليق. "٥- كونه يقبل ما وهب له بقول أو فعل يدل عليه" لما تقدم. "قبل تشاغلهما بما يقطع البيع عرفاً" على ما تقدم تفصيله. "٦- كون الهبة منجزة" فلا تصح معلقه كإذا قدم زيد فهذا لعمرو، لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع إلا تعليقها بموجب الواهب فيصح، وتكون وصية، وأما قوله ﷺ ، لأم سلمة - "إني قد أهديت إلى النجاشي حلةً، وأواقي مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودةً علي، فإن ردت فهي لك" الحديث رواه أحمد - فوعد لا هبة. "٧- كونها غير مؤقتة" كوهبتكه شهراً أو سنة، لأنه تعليق لانتهاء الهبة، فلا تصح معه كالبيع. "لكن لو وقتت بعمر أحدهما" كقوله جعلتها لك عمرك أو حياتك أو عمري. "لزمت ولغى التوقيت" لقوله ﷺ : "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه" رواه أحمد ومسلم. وفي لفظ قضى رسول الله، ﷺ ، بالعمرى لمن وهبت له متفق عليه. وعن جابر أن رجلاً

стр. 563

من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخل حياتها فماتت، فجاء إخوته، فقالوا نحن فيه شرع سواء. قال: فأبى، فاختصموا إلى النبي، ﷺ ، فقسمها بينهم ميراثاً رواه أحمد. والرقبى: أن يقول: إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك. قال مجاهد: هي أن يقول: هي للآخر منى ومنك موتاً سميت رقبى، لأن كلاً منهما يرقب موت صاحبه. ففيها روايتان. إحداهما: هي لازمة لا تعود إلى الأول، لعموم الأخبار، ولقوله ﷺ : "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئاً أو أرقبه فهو له حياته ومماته" رواه أحمد ومسلم وفي حديث جابر مرفوعاً: "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها" رواه الخمسة. وهو قول جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس ومعاوية وزيد بن ثابت، وقضى بها طارق بالمدينة بأمر عبد الملك. قال في الشرح. ولأن الأملاك المستقرة كلها مقدرة بحياة المالك، وتنتقل إلى الورثة فلم يكن تقديره بحياته منافياً لحكم الأملاك، ولأنه شرط رجوعها على غير الموهوب له، وهو وارثه بعد ما زال ملك الموهوب له فلم يؤثر، كما لو شرط بعد لزوم العقد شرطاً ينافي مقتضاه. وعنه: ترجع إلى المعمر والمرقب، لقوله ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم" وسئل القاسم عنها، فقال: ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم، وما أعطوا. وقال جابر: إنما العمرى الذي أجاز رسول الله، ﷺ ، أن يقول: هي لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها متقق عليه. وأجيب عنه بأنه من قول جابر نفسه، فلا يعارض ما روي عن النبي، ﷺ ، وقول القاسم لا يقبل في مقابلة من

стр. 564

سمينا من الصحابة والتابعين، فكيف في مخالفة سيد المرسلين؟! قاله في الشرح. "وكونها بغير عوض فإن كانت بعرض معلوم فبيع" يثبت فيها الخيار، والشفعة، وضمان العهدة. وعنه: يغلب فيها حكم الهبة، فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به، لقول عمر: من وهب هبةً أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها رواه مالك في الموطأ. وعن أبي هريرة مرفوعاً "الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها" ١ رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي. وقال أحمد: إذا وهب على وجه الإثابة فلا يجوز له إلا أن يثيبه منها. "وبعوض مجهول فباطلة" كالبيع بثمن مجهول، فترد بزيادتها المتصلة والمنفصلة. وإن تلفت ضمنها ببدلها. وعنه: تصح، ويعطيه ما يرضيه، أو يردها، ويحتمل أن يعطيه قيمتها، فإن لم يفعل فللواهب الرجوع، لما روى عن عمر. قاله في الكافي. "ومن أهدى ليهدى له أكثر فلا بأس" لحديث "المستعذر يثاب من هبة" لغير النبي، صلى الله عليه وسلم٢، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ٣ ولما فيه من الحرص والمضنة.

стр. 565

"ويكره رد الهبة وإن قلت" لحديث ابن مسعود مرفوعاً: "لا تردوا الهدية" رواه أحمد. "بل السنة أن يكافى أو يدعو" لحديث "من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه" رواه أحمد وغيره. وحكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال: ترك المكافآت من التطفيف، وقاله مقاتل. "وإن علم أنه أهدى حياء وجب الرد" قاله ابن الجوزي. قال في الآداب: وهو قول حسن، لأن المقاصد في العقود عندنا معتبرة.

стр. 566

فصل وتملك الهبة بالعقد لما روي عن علي وابن مسعود أنهما قالا: الهبة إذا كانت معلومة فهي جائزة قبضت أو لم تقبض فيصح تصرف الموهوب له فيها قبل القبض على المذهب. نص عليه. والنماء للمتهب. قاله في الإنصاف. "وتلزم بالقبض بشرط أن يكون القبض بأذن الواهب" قال المروزي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. وقال الصديق لما حضرته الوفاة لعائشة: يا بنية إني كنت نحلتك جاد١ عشرين وسقاً، ولو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث فاقتسموه على كتاب الله تعالى رواه مالك في الموطأ.

стр. 567

وتبطل بموت متهب قبل قبضها، لقوله ﷺ لأم سلمة: "إني قد أهديت إلى النجاشي حلةً وأواقي مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودةً علي، فإن ردت فهي لك". قالت: فكان ما قال رسول الله، ﷺ وردت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة رواه أحمد. "فقبض ما وهب بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك، وقبض الصبرة، وما ينقل بالنقل، وقبض ما يتناول بالتناول، وقبض غير ذلك بالتخلية" كقبض مبيع. "ويقبل ويقبض لصغير ومجنون وليهما" وهو أب، أو وصيه، أو الحاكم، أو أمينه كالبيع والشراء. قال أحمد: لا أعرف للأم قبضاً. ولا يحتاح أب وهب موليه إلى توكيل، لانتفاء التهمة قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه أن الرجل إذا وهب لولده الطفل داراً بعينها، أو عبداً بعينه، وقبض له من نفسه، وأشهد عليه: أنها تامة، وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض. وصحح في المغني: أن الأب وغيره في هذا سواء لانتفاء التهمه هنا بخلاف البيع. "ويصح أن يهب شيئاً ويستثني نفعه مدة معلومة" نحو شهر وسنة كالبيع. "وأن يهب حاملاً، ويستثني حملها" كالعتق. "وإن وهبه وشرط الرجوع متى شاء لزمت ولغى الشرط" لأنه شرط ينافيها، فتصح هي مع فساد الشرط، كالبيع بشرط أن لا يخسر.

стр. 568

"وإن وهب دينه لمدينه، أًو أبرأه منه، أو تركه له صح، ولزم بمجرده، ولو قبل حلوله" لأن تأجيله لا يمنع ثبوته في الذمة. "وتصح البراءة ولو مجهولاً" لهما أو لأحدهما، لقوله ﷺ للرجلين: "اقتسما وتوخيا الحق، واستهما، ثم تحالا". "ولا تصح هبة الدين لغير من هو عليه" لأنه غير مقدور على تسليمه "إلا إن كان ضامناً" فإنها تصح لتعلقه في ذمته.

стр. 569

فصل ولكل واهب أن يرجع في هبته قبل إقباضها لبقاء ملكه مع الكراهة خروجاً من خلاف من قال: تلزم بالعقد، لحديث "العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه" متفق عليه. ولأنه يروى عن علي، وابن مسعود. "ولا يصح الرجوع إلا بالقول" نحو رجعت في هبتي أو إرتجعتها، أو رددتها، لأن الملك ثابت للموهوب له يقيناً، فلا يزول إلا بيقين، وهو صريح الرجوع. "وبعد إقباضها يحرم ولا يصح" لحديث ابن عباس مرفوعاً: "العائد في هبته كالكلب يقيء القيء، ثم يعود في قيئه" متفق عليه. قال أحمد في رواية: قال قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراماً. "ما لم يكن أباً فإن له أن يرجع" فيما وهبه لولده، قصد التسوية أو لا، لقوله ﷺ "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" رواه الخمسة، وصححه الترمذي.

стр. 570

" بشروط أربعة": "١- أن لا يسقط حقه من الرجوع" فإن أسقطه سقط. "٢- أن لا تزيد زيادة متصلة" كالسمن والتعلم فإن زادت فلا رجوع. وأما الزيادة المنفصلة فهي للابن، ولا تمنع الرجوع. "٣- أن تكون باقيةً في ملكه" لأن الرجوع فيها بعد خروجها عن ملكه إبطال لملك غيره. "٤- أن لا يرهنها" الولد فإن رهنها أو حجر عليه لفلس سقط الرجوع، لما فيه من إسقاط حق المرتهن والغرماء. "وللأب الحر أن يتملك من مال ولده ما شاء" لقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" رواه سعيد وابن ماجه، ورواه الطبراني في معجمه مطولاً وعن عائشة مرفوعاً: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" رواه سعيد والترمذي وحسنه. "بشروط خمسة:" "١- أن لا يضره" لحديث "لا ضرر ولا ضرار" ولأنه أحق بما تعلقت به حاجته. "٢- أن لا يكون في مرض موت أحدهما" المخوف فلا يصح فيه، لانعقاد سبب الإرث. "٣- أن لا يعطيه لولد آخر" نص عليه، لأنه ممنوع من التخصيص من مال نفسه فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذه من مال ولده الآخر أولى. "٤- أن يكون التملك بالقبض مع القول أو النية" لأن القبض يكون للتملك وغيره فاعتبر ما يعين وجهه.

стр. 571

"٥- أن يكون ما تملكه عيناً موجودة، فلا يصح أن يتملك ما في ذمته من دين ولده، ولا أن يبرئ نفسه" كإبرائه غريمه، لأن الولد لا يملكه إلا بقبضه. "وليس لولده أن يطالبه بما في ذمته من الدين" وقيمة المتلف وغير ذلك، لحديث "أنت ومالك لأبيك". "بل إذا مات أخذه من تركته من رأس المال" لأنه حق ثابت عليه لا تهمة فيه، كدين الأجنبي، وله مطالبته بنفقته الواجبة، لفقره وعجزه عن التكسب، لضرورة حفظ النفس.

стр. 572

فصل يباح للإنسان أن يقسم ماله بين ورثته في حال حياته على فرائض الله ، لعدم الجور فيها. "ويعطي من حدث حصته وجوباً" ليحصل التعديل الواجب. "ويجب عليه التسوية بينهم على قدر إرثهم" إقتداء بقسمة الله تعالى. وقياساً لحال الحياة على حال الموت. وسائر الأقارب في ذلك كالأولاد. قال عطاء: ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى، وقال إبراهيم: كانوا يستحبون التسوية بينهم حتى في القبلة فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وما ذكر عن ابن عباس مرفوعاً: "سووا بين أولادكم ولو كنت مؤثراً لآثرت النساء" الصحيح أنه مرسل، ذكره في الشرح. "فإن زوج أحدهم أو خصصه بلا إذن البقية حرم عليه" لقوله ﷺ ، في حديث النعمان "لا تشهدني على جور" متفق عليه.

стр. 573

والجور حرام. وكان الحسن يكرهه، ويجيزه في القضاء، وأجازه مالك والشافعي، لخبر أبي بكر لما نحل عائشة ولنا حديث النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي. فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا"؟ فقال: لا. فقال: "فأرجعه" متفق عليه. ذكره في الشرح. "ولزمه أن يعطيهم حتى يستووا" نص عليه، لقوله ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" رواه مسلم. "فإن مات قبل التسوية، وليس التخصيص بمرض موته المخوف ثبت للآخذ" فلا رجوع لبقية الورثة عليه. نص عليه، لقول الصديق: وددت لو أنك حزتيه وقول عمر: لا عطية إلا ما حازه الولد.. وهو قول أكثر أهل العلم. قاله في الشرح. "وإن كان بمرض موته لم يثبت له شيء زائد عنهم إلا بإجازتهم" لأن حكمه كالوصية، وفي الحديث: "لا وصية لوارث". "ما لم يكن وقفاً، فيصح بالثلث كالأجنبي" احتج أحمد بحديث عمر، وتقدم في الوقف، وبأن الوقف لا يباع، ولا يورث، ولا يصير ملكاً للورثة. وقال أحمد: إن كان على طريق الأثرة١ فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال، أو به حاجة فلا بأس، لأن الزبير خص المردودة من بناته ذكره في الشرح.

стр. 574

فصل في المرض المخوف وغيره: "المرض غير المخوف كالصداع، ووجع الضرس" والرمد، وحمى ساعة، ونحوها "تبرع صاحبه نافذ في جميع ماله كتصرف الصحيح" لأن مثل هذه لا يخاف منها في العادة. "حتى ولو صار مخوفاً، ومات منه بعد ذلك" اعتبارا بحال العطية لأنه إذ ذاك في حكم الصحيح. "والمرض المخوف كالبرسام" وهو: وجع في الدماغ يختل به العقل. وقال عياض: هو ورم في الدماغ يتغير منه عقل الإنسان ويهذي. "وذات الجنب" قروح بباطن الجنب. "والرعاف الدائم" لأنه يصفي الدم فتذهب القوة. "والقيام المتدارك" أي: الإسهال معه دم، لأنه يضعف القوة. وأول فالج - وهو: داء معروف يرخي بعض البدن - وآخر سل، والحمى المطبقة، وحمى الربع، ومن أخذها الطلق مع ألم حتى تنجو، نص عليه. وما قال طبيبان مسلمان أنه مخوف. "وكذلك" أي: وألحق بالمرض المخوف "من بين الصفين وقت الحرب" وكل من الطائفتين مكافئ أو كان من المقهورة.

стр. 575

"أو كان باللجة وقت الهيجان" أي: ثوران البحر بريح عاصف، لأن الله وصف من في هذه الحالة بشدة الخوف، فقال: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ ١. "أو وقع الطاعون ببلده" لأن توقع التلف من أولئك كتوقع المريض وأكثر. قال أبو السعادات فيه: هو المرض العام، والوباء الذي يفسد له الهوى، فتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال عياض: هو قروح تخرج من المغابن٢ لا يلبث صاحبها، وتعم إذا ظهرت. وقال النووي في شرح مسلم: هو بثر وورم مؤلم جداً يخرج معه لهب، ويسود ما حوله، ويخضر، ويحمر حمرة بنفسجية، ويحصل معه خفقان القلب. انتهى. وعن أبي موسى مرفوعاً: "فناء أمتي بالطعن والطاعون". فقيل: يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: "وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة" رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني. وفي حديث عائشة "غدة كغدة البعير، المقيم به كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف" رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني. "أو قدم للقتل أو حبس له" لظهور التلف وقربه. "أو جرح جرحاً موحياً" أي: مهلكاً مع ثبات عقله لأن عمر، ﵁، لما جرح سقاه الطبيب لبناً فخرج من جرحه، فقال له الطبيب: اعهد إلى الناس، فعهد إليهم ووصى، فاتفق الصحابة على قبول

стр. 576

عهده ووصيته وعلي، ﵁، بعد ضرب ابن ملجم أوصى وأمر ونهى فإن لم يثبت عقله فلا حكم لعطيته، بل ولا لكلامه. "فكل من أصابه شيء من ذلك، ثم تبرع ومات نفذ تبرعه بالثلث فقط" أي: ثلث ماله عند الموت، لقوله ﷺ : "إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادةً في أعمالكم" رواه ابن ماجة. "للأجنبي فقط" لحديث: "لا وصية لوارث" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. "وإن لم يمت" من مرضه المخوف. "فكالصحيح" في نفوذ عطاياه كلها، وصحة تصرفه لعدم المانع.

стр. 577

كتاب الوصايا مدخل ... كتاب الوصايا: الأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ الآية١ وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢ وأما السنة فحديث ابن عمر وسعد وغيرهما، وأجمعوا على جوازها، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنها غير واجبة، إلا على من عليه حق بغير بينة، إلا طائفة شذت فأوجبتها، روي عن الزهري وأبي مجلز، وهو قول داود. ولنا: أن أكثر الصحابة لم يوصوا، ولم ينقل بذلك نكير. وأما الآية: قال ابن عباس وابن عمر: نسختها آية الميراث وحيث ابن عمر: محمول على من عليه واجب. قاله في الشرح. "تصح الوصية من كل عاقل لم يعاين الموت" لأن أبا بكر وصى بالخلافة لعمر، ووصى بها عمر لأهل الشورى ولم ينكره من الصحابة منكر. وعن سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة قال: أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة: منهم عثمان، والمقداد، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، فكان يحفظ عليهم أموالهم، وينفق على أيتامهم من ماله.

стр. 578

فإن عاين الموت لم تصح وصيته، لأنه لا قول له. وفي الحديث "ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" قال في شرح مسلم: - إما من عنده، أو حكاية عن الخطابي - والمراد: قاربت بلوغ الحلقوم، إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته، ولا صدقته، ولا شيء من تصرفاته باتفاق الفقهاء١. "ولو مميزاً" لأن صبياً من غسان أوصى إلى أخواله فرفع إلى عمر فأجاز وصيته رواه سعيد. وفي الموطأ نحوه وفيه أن الوصية بيعت بثلاثين ألفاً وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر. وقال شريح وعبد الله بن عتبة: من أصاب الحق أجزنا وصيته. "أو سفيهاً" لأنه إنما حجر عليه، لحفظ ماله وليس في وصيته إضاعة له، لأنه إن عاش فهو له، وإن مات لم يحتج إلى غير الثواب، وقد حصله. وأما الطفل والمجنون فلا تجوز وصيتهما في قول أكثر أهل العلم. قاله في الشرح. وتصح الوصية بلفظ مسموع من الموصي بلا خلاف، وبخط، لحديث ابن عمر - ويأتي - وكتب، ﷺ ، إلى عماله. وكذا الخلفاء إلى ولاتهم بالأحكام التي فيها الدماء والفروج مختومة، لا يدرى حاملها ما فيها وذكر أبو عبيد استخلاف سليمان عمر بن عبد

стр. 579

العزيز، قال: ولا نعلم أحداً أنكر ذلك مع شهرته فيكون إجماعاً. قاله في الشرح. وعن أنس كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به فلان ابن فلان: يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ رواه سعيد ورواه الدارقطني بنحوه. ويجب العمل بالوصية إذا ثبتت، ولو طالت مدتها ما لم يعلم رجوعه عنها، لأن حكمها لا يزول بتطاول الزمان. "فتسن" الوصية. "بخمس من ترك خيراً - وهو المال الكثير عرفاً" قال ابن عباس وددت لو أن الناس غضوا من الثلث لقول النبي ﷺ "والثلث كثير" متفق عليه. وعن إبراهيم: كانوا يقولون: صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع رواه سعيد. وأوصى أبو بكر الصديق بالخمس، وقال: رضيت بما رضي الله به لنفسه يريد قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ ٢ وقال علي، رضي الله

стр. 580

عنه لأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع وعن العلاء قال: أوصى أبي أن أسال العلماء أي الوصية أعدل؟ فما تتابعوا عليه فهو وصية، فتتابعوا على الخمس. "وتكره لفقير له ورثة" محتاجون، لقوله ﷺ : "إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس". "وتباح له إن كانوا أغنياء" نص عليه في رواية ابن منصور. "وتجب على من عليه حق بلا بينة" لحديث ابن عمر مرفوعاً: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" متفق عليه. "وتحرم على من له وارث بزائد عن الثلث" لنهيه، ﷺ ، سعداً عن ذلك متفق عليه. وعن عمران بن حصين أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فجزأهم النبي ﷺ ، أثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولاً شديداً رواه الجماعة إلا البخاري. "ولوارث ب شيء" مطلقاً نص عليه، لقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" رواه اًحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه. "وتصح" الوصية بزائد عن الثلث، ولوارث مع الحرمة. "وتقف على إجازة الورثة" لحديث ابن عباس مرفوعاً: "لا تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً نحوه، رواهما الدارقطني. ولأن المنع لحق الورثة فإذا رضوا بإسقاطه نفذ. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها تبطل فيما زاد

стр. 581

على الثلث برد الورثة، وبردهم في الوصية للوارث، وإن أجازوا جازت في قول الأكثر. ذكره في الشرح. وتصح الوصية ممن لا وارث له بجميع ماله. روي عن ابن مسعود، وعبيدة، ومسروق، لأن المنع من الزيادة على الثلث لحق الوارث، وهو معدوم. "والاعتبار بكون ممن وصى أو وهب وارثاً أو لا عند الموت" أي: موت موص، وواهب. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً. "وبالإجازة أو الرد بعده" أي: بعد موته، وما قبله لا عبرة به. نص عليه. "فإن امتنع الموصى له بعد موت الموصي من القبول ومن الرد، حكم عليه بالرد وسقط حقه" من الوصية لعدم قبوله، ولأن الملك متردد بينه وبين الورثة، فأشبه من تحجر مواتاً، وامتنع من إحيائه. "وإن قبل، ثم رد لزمت ولم يصح الرد" لأن ملكه قد استقر عليها بالقبول كسائر أملاكه إلا أن يرضى الورثة بذلك، فتكون هبةً منه لهم تعتبر شروطها. "وتدخل في ملكه من حين قبوله" كسائر العقود، لأن القبول سبب دخوله في ملكه، والحكم لا يتقدم سببه، فلا يصح تصرفه في العين الموصى بها قبل القبول ببيع، ولا هبة ولا غيرهما، لعدم ملكه لها. "فما حدث من نماء منفصل قبل ذلك فلورثته" أي: ورثة الموصي. والنماء المتصل يتبعها كسائر العقود والفسوخ.

стр. 582

"وتبطل الوصية بخمسة أشياء:" "١- برجوع الموصي" لقول عمر، ﵁: يغير الرجل ما شاء في وصيته. "بقول" كرجعت في وصيتي، أو أبطلتها ونحوه. "أو فعل يدل عليه" أي: على الرجوع، كبيعه ما وصى به، ورهنه وهبته. قال في الشرح: واتفق أهل العلم على أن له أن يرجع في كل ما أوصى به، وفي بعضه إلا العتق، فالأكثر على جواز الرجوع. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أنه إذا أوصى لرجل بطعام، أو ب شيء فأتلفه، أو وهبه، أو بجارية فأحبلها، أنه رجوع. "٢- بموت الموصى له قبل الموصي" في قول الأكثر. قاله في الشرح، لأنها عطية صادفت المعطى ميتاً فلم تصح، إلا إن كانت بقضاء دينه، لبقاء اشتغال الذمة حتى يؤدى الدين. "٣- بقتله للموصي" قتلاً مضموناً ولو خطأً، لأنه يمنع الميراث، وهو آكد منها فهي أولى. "٤- برده للوصية" بعد موت الموصي، لأنه أسقط حقه في حال يملك قبوله وأخذه. "٥- بتلف العين المعينه الموصى بها" قبل قبول موصى له، لأن حقه لم يتعلق بغيرها. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه على أن الرجل إذا أوصي له ب شيء فهلك الشيء، أنه لا شيء له في مال الميت.

стр. 583

باب الموصى له مدخل ... باب الموصى له: "تصح الوصية لكل من يصح تمليكه، ولو مرتداً أو حربياً" قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافاً، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ ١ قال محمد بن الحنفية، وعطاء، وقتادة: هو وصية المسلم لليهودي والنصراني. "أو لا يملك، كحمل" قال في الشرح: ولا نعلم خلافاً في صحة الوصية للحمل. أي: إذا علم وجوده حين الوصية. فإن انفصل ميتاً بطلت، لأنه لا يرث. "وبهيمة ويصرف في علفها" لأن الوصية لها أمر بصرف المال في مصلحتها، فإن ماتت البهيمة الموصى لها قبل صرف جميع الموصى به في علفها، فالباقي للورثة، لتعذر صرفه إلى الموصى له، كما لو رد موصى له الوصية. "وتصح للمساجد، والقناطر ونحوها" كالثغور، ويصرف في مصالحها الأهم فالأهم عملاً بالعرف. "ولله ورسوله، وتصرف في المصالح العامة" كالفيء. "وإن وصى بإحراق ثلث ماله صح، وصرف في تجمير الكعبة، وتنوير المساجد، وبدفنه في التراب: صرف في تكفين الموتى. وبرميه في الماء:

стр. 584

صرف في عمل سفن للجهاد" في سبيل الله تصحيحاً لكلامه حسب الإمكان. "ولا تصح لكنيسة، أو بيت نار" أو مكان من أماكن الكفر، لأنه معصية. "أو كتب التوراة والإنجيل" لأنهما منسوخان، وفيهما تبديل وقد غضب النبي، ﷺ ، حين رأى مع عمر شيئاً مكتوباً من التوراة. "أو ملك أو ميت أو جني" لأنهم لا يملكون، أشبه ما لو وصى لحجر. "ولا لمبهم كأحد هذين" لأن التعيين شرط، فإن كان ثم قرينة أو غيرها: أنه أراد معيناً منهما، وأشكل صحت الوصية، وأخرج المستحق بقرعة في قياس المذهب. قاله ابن رجب في القاعدة الخامسة بعد المائة. "فلو وصى بثلث ماله لمن تصح له الوصية، ولمن لا تصح له كان الكل لمن تصح له" نص عليه، لأن من أشركه معه لا يملك، فلا يصح التشريك. "لكن لو أوصى لحي وميت" علم موته أو لا. "كان للحي النصف فقط" لأنه أضاف الوصية إليهما، فإذا لم يكن أحدهما أهلاً للتمليك بطلت الوصية في نصيبه دون نصيب الحي، لخلوه عن المعارض، كما لو كان لحيين فمات أحدهما.

стр. 585

فصل في الوصية لأهل صفة: "وإذا أوصى لأهل سكته فلأهل زقاقه حال الوصية" نص عليه، لأنه قد يلحظ أعيان سكانها الموجودين لحصرهم. "ولجيرانه تناول أربعين داراً من كل جانب" نص عليه، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "الجار: أربعون داراً هكذا، وهكذا، وهكذا" وقال أبو بكر: مستدار أربعين داراً من كل جانب، والحديث محتمل. قاله في الشرح. "والصغير، والصبي، والغلام، واليافع، واليتيم: من لم يبلغ" فتطلق هذه الأسماء على الولد من ولادته إلى بلوغه. "والمميز: من بلغ سبعاً. والطفل: من دون سبع. والمراهق: من قارب البلوغ" قال في القاموس: راهق الغلام: قارب الحلم. "والشاب، الفتى: من البلوغ إلى ثلاثين" سنة. "والكهل: من الثلاثين إلى الخمسين" قال في القاموس: الكهل: من وخطه الشيب، ورأيت له بجالة، أو من جاوز الثلاثين، أو أربعاً وثلاثين إلى إحدى وخمسين. "والشيخ من الخمسين إلى السبعين، ثم بعد ذلك هرم" إلى آخر عمره. "والأيم، والعزب: من لا زوج له من رجل أو امرأة" قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا

стр. 586

الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ ١ الآية قال في الكافي: ويحتمل أن يختص العزاب بالرجال، والأيامى بالنساء، لأن الاسم في العرف له دون غيرهم. "والبكر: من لم يتزوج" من رجل وامرأة. "ورجل ثيب وامرأة ثيبة: إذا كانا قد تزوجا. والثيوبة: زوال البكارة، ولو من غير زوج" كزوالها بيد، أو وطء شبهة، أو زنى. "والأرامل: النساء اللاتي فارقهن أزواجهن بموت أو حياة" لأنه المعروف بين الناس. "والرهط: ما دون العشرة من الرجال خاصة" قال في كشف المشكل: الرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة وكذا النفر من ثلاثة إلى عشرة. فإذا أوصى لصنف ممن ذكر دخل غنيهم وفقيرهم، لشمول الاسم لهم، ولم يدخل غيرهم.

стр. 587

باب الموصى به "تصح الوصية حتى بما لا يصح بيعه، كالآبق والشارد والطير بالهواء والحمل بالبطن واللبن بالضرع" لأنها تصح بالمعدوم فهذا أولى، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث، وهذه تورث عنه. وللموصى له السعي في تحصيله، فإن قدر عليه أخذه إن خرج من الثلث. "وبالمعدوم، ك: بما تحمل أمته أو شجرته أبداً أو مدة معلومة، فإن حصل شيء فللموصى له" بمقتضى الوصية.

стр. 588

"إلا حمل الأمة فقيمته يوم وضعه" قال ابن قندس: لعله لحرمة التفريق، وإن لم يحصل شيء بطلت الوصية، لأنها لم تصادف محلاً. "وتصح بغير مال ككلب مباح النفع" ١ لأن فيه نفعاً مباحاً وتقر اليد عليه. "وزيت متنجس" لغير مسجد، لأنه يستصبح به، بخلاف المسجد فإنه يحرم فيه. "وتصح بالمنفعة المفردة كخدمة عبد وأجرة دار ونحوهما" لصحة المعارضة عنها كالأعيان. "وتصح بالمبهم، كثوب" وعبد وشاة لأنها إذا صحت بالمعدوم فالمجهول أولى. "ويعطى ما يقع عليه الاسم" لأنه اليقين كالإقرار. "فان اختلف الاسم بالعرف والحقيقة" اللغوية. "غلبت الحقيقة" لأنها الأصل، ولهذا يحمل عليها كلام الله تعالى، وكلام رسوله، ﷺ . واختار الموفق وجماعة: يقدم العرف لأنه المتبادر إلى الفهم. "فالشاة والبعير والثور: اسم للذكر والأنثى من صغير وكبير" ويشمل لفظ الشاة الضأن والمعز، لعموم حديث "في أربعين شاةً شاة" ويقولون: حلبت البعير: يريدون الناقة. "والحصان والجمل والحمار والبغل والعبد: اسم للذكر خاصة"

стр. 589

لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١ والعطف للمغايرة. وقيل في العبد للذكر والأنثى. "والحجر" الأنثى من الخيل. "والأتان والناقة والبقرة: اسم للأنثى" قاله في الإنصاف. "والفرس والرقيق: اسم لهما" أي: لذكر وأنثى. "والنعجة: اسم للأنثى من الضأن، والكبش: اسم للذكر الكبير منه" أي: من الضأن. "والتيس: اسم للذكر الكبير من المعز" "والدابة عرفاً: اسم للذكر والأنثى من الخيل والبغال والحمير" لأن ذلك هو المتعارف. ولم تغلب الحقيقة هنا لأنها صارت مهجورة فيما عدا الأجناس الثلاثة، أشار إليه الحارثي.

стр. 590

باب الموصى إليه مدخل ... باب الموصى إليه: لا بأس بالدخول في الوصية لمن قوي عليه ووثق من نفسه، لفعل الصحابة، ﵃. روي عن أبي عبيدة أنه لما عبر الفرات أوصى إلى عمر، وأوصى إلى الزبير ستة من الصحابة وقياس قول أحمد أن عدم الدخول فيها أولى، لما فيها من الخطر. "تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلف رشيد عدل" إجماعاً. "ولو ظاهراً" أي: مستوراً ظاهر العدالة. "أو أعمى" لأنه من أهل الشهادة والتصرف، فأشبه البصير.

стр. 591

"أو امرأة" لأن عمر أوصى إلى حفصة. "أو رقيقاً" له أو لغيره، لأنه يصح توكيله، فأشبه الحر. "لكن لا يقبل إلا بإذن سيده" لأن منافعه مستحقة له، فلا يفوتها عليه بغير إذنه. ولا تصح وصية المسلم إلى كافر بغير خلاف. قاله في الشرح. "وتصح من كافر إلى" كافر. "عدل في دينه" لأنه يلي على غيره بالنسب، فيلي بالوصية كالمسلم. "ويعتبر وجود هذه الصفات عند الوصية" لأنها شروط للعقد فاعتبرت حال وجوده. "والموت" لأنه إنما يتصرف بعد موت الموصي، فاعتبر وجودها عنده. "وللموصى إليه أن يقبل. وأن يعزل نفسه متى شاء" لأنه متصرف بالإذن كالوكيل. "وتصح الوصية معلقة: كإذا بلغ أو حضر أو رشد أو تاب من فسقه" فهو وصيي وتسمى الوصية لمنتظر. "أو: إن مات زيد فعمرو مكانه. وتصح مؤقتة: كزيد وصيي سنة ثم عمرو" لقوله ﷺ "أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحه" رواه أحمد والنسائي. والوصية كالتأمير. ويجوز أن يوصي إلى نفسين، لما روي أن ابن مسعود كتب في وصيته أن مرجع وصيتي إلى الله، ثم إلى الزبير وابنه عبد الله وإن

стр. 592

وصى إلى رجل وبعده إلى آخر فهما وصيان، إلا أن يعزل الأول، وليس لأحدهما الإنفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه. "وليس للوصي أن يوصي إلا إن جعل له ذلك" كالوكيل، اختاره أبو بكر، وهو ظاهر كلام الخرقي. وعنه: له أن يوصي لأنه قائم مقام الأب فملك ذلك كالأب، قال معناه في الكافي. "ولا نظر للحاكم مع الوصي الخاص إذا كان كفأ" وإنما للوالي العام الاعتراض لعدم أهليته أو فعله محرما قاله الشيخ تقي الدين.

стр. 593

فصل ولا تصح الوصية إلا في شيء معلوم ليعلم الموصى إليه ما وصي به إليه ليحفظه ويتصرف فيه كما أمر. "يملك الموصي فعله" لأنه أصيل والوصي فرعه، ولا يملك الفرع ما لا يملكه الأصل. "كقضاء الدين وتفريق الوصية ورد الحقوق إلى أهلها" كغصب ورعاية وأمانة، وكإمام أعظم يوصي بالخلافة كما أوصى أبو بكر لعمر، وعهد عمر إلى أهل الشورى١. "والنظر في أمر غير مكلف" من أولاده وتزويج مولياته ويقوم وصيه مقامه في الإجبار. ولا تصح وصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر،

стр. 594

ولا وصية الرجل بالنظر على بالغ رشيد لعدم ولاية الموصي حال الحياة. قال في الشرح: وأما من لا ولاية له عليهم كالإخوة والأعمام وسائر من عدا الأولاد، فلا تصح الوصية عليهم. لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن أبا حنيفة والشافعي قالا: للجد ولاية على ابن ابنه وإن سفل. انتهى. "لا باستيفاء الدين مع رشد وارثه" وبلوغه، لانتقال المال إلى من لا ولاية له عليه. "ومن وصي في شيء لم يصر وصياً في غيره" لأنه استفاد التصرف بالإذن، فكان مقصوراً على ما أذن له فيه كالوكيل. "وإن صرف أجنبي" أي: من ليس بوارث ولا وصي. "الموصى به لمعين في جهته" الموصى به فيها "لم يضمنه" لمصادفة الصرف مستحقه. "وإذا قال له: ضع ثلث مالي حيث شيء ت، أو أعطه، أو تصدق به على من شيء ت، لم يجز له أخذه" لأنه منفذ، كالوكيل في تفرقة مال. "ولا دفعه إلى أقاربه الوارثين" ولو كانوا فقراء. نص عليه، لأنه متهم في حقهم. "ولا إلى ورثة الموصي" نص عليه، لأنه قد وصى بإخراجه فلا يرجع إلى ورثته. "ومن مات ببرية ونحوها" كجزائر لا عمران بها. "ولا حاكم" حضر موته. "ولا وصي" له بأن لم يوص إلى أحد.

стр. 595

"فلكل مسلم أخذ تركته وبيع ما يراه" منها كسريع الفساد والحيوان، لأنه موضع ضرورة بحفظ مال المسلم عليه، إذ في تركه إتلاف له. "وتجهيزه منها إن كانت" ١ موجودة. "وإلا جهزه من عنده وله الرجوع بما غرمه" على تركته حيث وجدت. أو على من تلزمه نفقته غير الزوج إن لم تكن له تركة. "إن نوى الرجوع" لأنه قام عنه بواجب، ولئلا يمتنع الناس من فعله مع الحاجة إليه.

стр. 596

كتاب الفرائض مدخل مدخل ... كتاب الفرائض: "وهي: العلم بقسمة المواريث" أي فقه المواريث، ومعرفة الحساب الموصل إلى قسمتها بين مستحقيها. ويسمى العارف بهذا العلم: فارضاً، وفريضاً، وفرضياً. وقد حث ﷺ ، على تعلمه وتعليمه في أحاديث منها: حديث ابن مسعود مرفوعاً: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف اثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما" رواه أحمد والترمذي والحاكم، ولفظه له. وعن أبي هريرة مرفوعاً: "تعلموا الفرائض وعلموها، فإنها نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول علم ينزع من أمتي" رواه ابن ماجه والدارقطني من حديث حفص بن عمر، وقد ضعفه جماعة. وقال عمر، ﵁: إذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض، وإذا لهوتم فالهوا بالرمي. "وإذا مات الإنسان بدئ من تركته بكفنه وحنوطه ومؤنة تجهيزه من رأس ماله، سواء كان قد تعلق به حق رهن أو أرش جناية أو لا" كما يقدم المفلس بنفقته على غرمائه. "وما بقي بعد ذلك تقتضى منه ديون الله" تعالى كالزكاة، والكفارة، والحج الواجب، والنذر. "وديون الآدميين" كالقرض، والثمن، والأجرة، وقيم المتلفات،

стр. 597

لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ١ قال علي، ﵁ إن النبي، ﷺ ، قضى أن الدين قبل الوصية رواه الترمذي وابن ماجه. "وما بقي بعد ذلك تنفذ وصاياه من ثلثه" للآية، إلا أن يجيزها الورثة، فتنفذ من جميع الباقي. "ثم يقسم ما بقي بعد ذلك على ورثته" للآيات في سورة النساء٢.

стр. 598

فصل أسباب الإرث ثلاثة: "١- النسب" أي: القرابة قربت أو بعدت، لقولة تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ١. والنكاح الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ٢ الآية. "والولاء" لحديث ابن عمر مرفوعاً: "الولاء لحمة كلحمة النسب" رواه ابن حبان والحاكم وصححه. ولا يورث بغير هذه الثلاثة. نص عليه. قال في الكافي: فأما المؤاخاة في الدين، والموالاة في النصرة،

стр. 599

وإسلام الرجل على يد الآخر، فلا يورث بها، لأن هذا كان في بدء الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ١ الآية انتهى. ولا يرث المولى من أسفل، وقيل: بلى عند عدم غيره ذكره الشيخ تقي الدين، لخبر عوسجة مولى ابن عباس عنه: أن رجلاً مات ولم يترك وارثاً إلا عبداً هو أعتقه، فأعطاه النبي ﷺ ، ميراثه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه. قال: والعمل عند أهل العلم في هذا الباب: أن من لا وارث له فميراثه في بيت المال. وعوسجة وثقه أبو زرعة، وقال البخاري في حديثه: لا يصح. "وموانعه ثلاثة:" "١- القتل" لما روي عن عمر، ﵁: أنه أعطى دية ابن قتادة المدلجي لأخيه دون أبيه، وكان حذفه بسيف فقتله. وقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "ليس لقاتل شيء " رواه مالك في الموطأ ولأحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده نحوه. وعن ابن عباس مرفوعاً: "من قتل قتيلاً فإنه لا يرثه، وإن لم يكن له وارث غيره، وإن كان والده أو ولده، فليس لقاتل ميراث" رواه أحمد. فكل قتل يضمن بقتل أو دية أو كفارة يمنع الميراث لذلك وما لا يضمن كالقصاص، والقتل في الحد لا يمنع، لأنه فعل مباح، فلم يمنع الميراث. "٢- والرق" فلا العبد قريبه، لأنه لو ورث شيئاً لكان لسيده،

стр. 600

فيكون التوريث لسيده دونه. وأجمعوا على أن المملوك لا يورث، لأنه لا ملك له، وإن ملك فملكه ضيف يرجع إلى سيده ببيعه، لقوله ﷺ : "من باع عبداً وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" فكذلك بموته. وكذا المكاتب، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". رواه أبو داود. "٣- واختلاف الدين" فلا يرث مسلم كافراً، ولا كافر مسلماً، لحديث أسامة بن زيد مرفوعاً: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر" متفق عليه. "والمجمع على توريثهم من الذكور - بالاختصار - عشرة: الابن، وابنه وإن نزل" بمحض الذكور، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ... ﴾ الآية١. وابن الابن ابن لما تقدم في الوقف. "والأب وأبوه وإن علا" بمحض الذكور، لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ... ﴾ ١ والجد أب، وقيل ثبت إرثه بالسنة، لأنه ﷺ أعطاه السدس. "والأخ مطلقا ً" أي: لأب أو لأم أو لهما، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ... ﴾ ٢. وقوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ... ﴾ ٣.
следующие страницы →