"وبخلوته بها عن مميز، إن كان يطأ مثله" كابن عشر فأكثر
"ويوطأ مثلها" كبنت تسع فأكثر، مع علمه بها ولم تمنعه، وإن لم يطأها. روي عن الخلفاء الراشدين، وزيد وابن عمر. روى الإمام أحمد والأثرم عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باباً، أو أرخى ستراً، فقد وجب المهر، ووجبت العدة ورواه أيضاً عن الأحنف عن ابن عمر وعلي. وهذه قضايا اشتهرت، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، فكان كالإجماع. ولأنها سلمت نفسها التسليم الواجب عليها، فاستقر صداقها. وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ... ﴾ ١ فيحتمل أنه كنى بالمسبب عن السبب الذي هو الخلوة، بدليل ما سبق. وأما قوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ٢ فعن الفراء أنه قال: الإفضاء: الخلوة، دخل بها أو لم يدخل، لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو: الخالي، فكأنه قال: وقد خلا بعضكم إلى بعض.
стр. 772
فصل وإذا اختلفا في قدر الصداق:
"أو جنسه، أو ما يستقر به، فقول الزوج أو وارثه" بيمينه لأنه منكر، لحديث: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" ولأن الأصل براءته مما يدعى عليه.
"وفي القبض أو تسمية المهر" بأن قال: لم أسم لك مهراً، وقالت: بل سميت لي قدر مهر المثل.
стр. 773
"فقولها أو وارثها" لأن الأصل عدم القبض، ولأن الظاهر تسميته.
"وإن تزوجها بعقدين على صداقين: سر، وعلانية، أخذ بالزائد" مطلقاً، لأنه إن كان السر أكثر فقد وجب بالعقد، ولم يسقطه العلانية، وإن كان العلانية أكثر فقد بذل لها الزائد فلزمه، كما لو زادها في صداقها بعد تمام العقد، لقوله تعالى: ﴿ ... فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ... ﴾ ١
"وهدية الزوج ليست من المهر" نص عليه.
"فما قبل العقد إن وعدوه لم يفوا رجع بها" قاله الشيخ تقي الدين. فإن كان الإعراض منه أو ماتت فلا رجوع له.
"وترد الهدية في كل فرقة اختيارية مسقطة للمهر" كفسخ لعيب ونحوه قبل الدخول، لدلالة الحال على أنه وهب بشرط بقاء العقد، فإذا زال ملك الرجوع، كالهبة بشرط الثواب.
"وتثبت كلها" أي: الهدية
"مع مقرر له" أي: المهر، كوطء، وخلوة
"أو لنصفه" كطلاق ونحوه، لأنه المفوت على نفسه.
стр. 774
فصل لمن زوجت بلا مهر:
وهي: المفوضة. والتفويض: الإهمال، كأن المهر أهمل حيث لم يسم - قال الشاعر:
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم١
أي: مهملين مهر مثلها، والعقد صحيح في قول عامة أهل العلم.
قاله في الشرح، لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ... ﴾ ٢. وعن ابن مسعود: أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: قضى رسول الله ﷺ ، في بروع بنت واشق - امرأة منا - مثل ما قضيت. رواه أبو داود والترمذي، وصححه. وعن عقبة بن عامر أن النبي، ﷺ قال لرجل: "أترضى أن أزوجك فلانة؟ " قال: نعم. وقال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلاناً؟ " قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يعطها شيئاً. فلما حضرته الوفاة، قال: إن رسول الله، ﷺ
стр. 775
زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقاً. ولم أعطها شيئاً فأشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر فأخذت سهماً، فباعته بمائة ألف. رواه أبو داود
"أو بمهر فاسد" كخمر، أو خنزير.
"فرض مهر مثلها عند الحاكم" قبل الدخول وبعده، لأن النكاح لا يخلو من مهر. قال في الشرح: ولا نعلم فيه مخالفاً. انتهى. ولأن الزيادة على مهر المثل ميل على الزوج، والنقص عنه ميل على الزوجة، والميل حرام.
"فإن تراضيا فيما بينهما، ولوعلى قليل صح، ولزم" لأن الحق لا يعدوهما.
"فإن حصلت لها فرقة منصفة للصداق في فرضه، أو تراضيهما وجبت لها المتعة" نص عليه. وهو قول ابن عمر، وابن عباس، لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ... ﴾ ١. والأمر يقتضي الوجوب، وأداء الواجب من الإحسان، فلا تعارض ولا متعة لغيرها في ظاهر المذهب، لأنه لما خص بالآية من لم يفرض لها، ولم يمسها دل على أنها لا تجب لمدخول بها ولا مفروض لها. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ٢. فخص الأولى بالمتعة، والثانية بنصف المفروض، مع
стр. 776
تقسيمه النساء قسمين، فدل على اختصاص كل قسم بحكمه. وروى عنه حنبل: لكل مطلقة متاع. روي عن علي وغيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ٢. قال أبو بكر: العمل عندي على هذه الرواية، لولا تواتر الروايات عنه بخلافها، فتعين حمل هذه الرواية على الاستحباب، جمعاً بين دلالة الآيات. ذكر معناه في الكافي والشرح، قال في الكافي: فأما المتوفى عنها فلا متعة لها، بغير خلاف، لأن الآية لم تتناولها، ولا هي في معنى المنصوص عليه، والمتعة معتبرة بحال الزوج
"على الموسر قدره، وعلى المقتر قدره" نص عليه، للآية.
"فأعلاها خادم" إذا كان الزوج موسراً.
"وأدناها: كسوة تجزئها في صلاتها إذا كان معسراً" وأوسطها: ما بين ذلك، لقول ابن عباس: أعلى المتعة: خادم، ثم دون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة. وهذا تفسير من الصحابي، فيجب الرجوع إليه. قاله في الكافي.
стр. 777
فصل ولا مهر في النكاح الفاسد إلا بالخلوة أو الوطء:
لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه ولم يستوف المعقود عليه، أشبه البيع الفاسد والإجارة الفاسدة إذا لم يتسلم.
"فإن حصل أحدهما" أي: الخلوة، أو الوطء.
"استقر المسمى إن كان" نص عليه، لأن في بعض ألفاظ حديث عائشة: " ... ولها الذي أعطاها بما أصاب منها" قال القاضي: حدثناه أبو بكر البرقاني، وأبو محمد الخلال بإسنادهما. ولاتفاقهما على أن المهر واستقراره بالخلوة بقياسه على النكاح الصحيح.
"وإلا فمهر المثل" وقال في الشرح: ولا يستقر بالخلوة في قول الأكثر.
"ولا مهر في النكاح الباطل" بالإجماع، كنكاح خامسة، أو ذات زوج، أو معتدة،
"إلا بالوطء في القبل" لقوله ﷺ : "فلها المهر بما استحل من فرجها" أي: نال منه، وهو: الوطء. ولأنه إتلاف لبضع بغير رضى مالكه، فأوجب القيمة، وهو: المهر، كسائر المتلفات.
"وكذا الموطوءة بشبهة، والمكرهة على الزنى" فيجب لكل منهما مهر المثل بالوطء لذلك.
стр. 778
"لا المطاوعة" على الزنى، فلا يجب لها المهر، لأنه إتلاف بضع برضى مالكه، فلم يجب له شيء كسائر المتلفات.
"ما لم تكن أمة" فيجب لسيدها مهر مثلها على زان بها، ولو مطاوعة، لأنها لا تملك بضعها، فلا يسقط حق سيدها بطواعيتها.
"ويتعدد المهر بتعدد الشبهة" كأن وطئها ظاناً أنها زوجته خديجة، ثم وطئها ظاناً أنها زوجته زينب، ثم وطئها ظاناً أنها سريته، فيجب لها ثلاثة مهور.
"و" يتعدد المهر بتعدد.
"الإكراه" فإن اتحدت الشبهة أو الإكراه، وتعدد الوطء فمهر واحد.
"وعلى من أزال بكارة أجنبية بلا وطء أرش البكارة" لأنه إتلاف جزء لم يرد الشرع بتقدير عوضه، فيرجع فيه إلى أرشه كسائر المتلفات، وهو ما بين مهرها بكراً وثيباً.
وقيل: أرشه حكومة.
"وإن أزالها الزوج، ثم طلق قبل الدخول لم يكن عليه إلا نصف المسمى إن كان" لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ... ﴾ ١ الآية. وهذه مطلقة قبل المسيس والخلوة، فليس لها إلا نصف المسمى.
"وإلا فالمتعة" لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ... ﴾ ٢.
"ولا يصح تزويج من نكاحها فاسد" كالنكاح بلا ولي.
стр. 779
"قبل الفرقة" بطلاق أو فسخ لأنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد، فاحتاج إلى إيقاع فرقة، كالصحيح المختلف فيه، بخلاف النكاح الباطل.
"فإن أباها الزوج فسخها الحاكم" نص عليه، لقيامه قيام الممتنع. وللزوجة قبل الدخول منع نفسها من زوجها، حتى تقبض مهرها الحال، مسمى لها كانت، أو مفوضة. حكاه ابن المنذر إجماعاً. ولها النفقة زمن منع نفسها، لقبضه، لأن المنع من قبل الزوج. نص عليه. لا مهرها المؤجل، ولو حل، لأنها رضيت بتأخيره.
стр. 780
باب الوليمة وآداب الأكل
مدخل
...
باب الوليمة وآداب الأكل:
"وليمة العرس سنة مؤكدة" لأنه ﷺ ، فعلها - كما في حديث أنس - وأمر بها عبد الرحمن بن عوف حين قال له: تزوجت. فقال له: "أولم ولو بشاة" متفق عليهما.
قال في الشرح: وليست واجبة في قول الأكثر.
"والإجابة إليها في المرة الأولى واجبة، إن كان لا عذر ولا منكر" قال ابن عبد البر: لا خلاف في وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها، إذا لم يكن فيها لهو، لقوله ﷺ : "شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء، ويترك الفقراء. ومن لم يجب، فقد عصى الله ورسوله". وعن ابن عمر مرفوعاً: "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها". وكان ابن عمر يأتي الدعوى في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم. متفق عليهما. وإن علم أن في الدعوى منكراً:
стр. 781
كزمر وخمر وآلة لهو، وأمكنه الإنكار، حضر وأنكر، لأنه يجمع بين واجبين: إجابة أخيه المسلم، وإزالة المنكر. وإن لم يمكنه الإنكار لم يحضر، لحديث ابن عمر مرفوعاً: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر" رواه أحمد.
"وفي الثانية: سنة. وفي الثالثة: مكروهة" لحديث: "الوليمة أول يوم: حق، والثاني: معروف، والثالث: رياء وسمعة". رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه.
"وإنما تجب" الإجابة للوليمة،
"إذا كان الداعي مسلماً يحرم هجره" بخلاف، نحو رافضي، ومتجاهر بمعصية.
"وكسبه طيب. فإن كان في ماله حرام، كرهت إجابته، ومعاملته، وقبول هديته" وهبته، وصدقته.
"وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته" جزم به في المغني والشرح وغيرهما.
"وإن دعاه اثنان فأكثر، وجبت عليه إجابة الكل، إن أمكنه الجمع" بأن اتسع الوقت،
"وإلا" يمكن الجمع،
"أجاب: الأسبق قولاً" لوجوب إجابته بدعائه، فلا يسقط بدعاء من بعده،
"فالأدين" لأنه الأكرم عند الله،
"فالأقرب رحماً" لما في تقديمه من صلته،
стр. 782
"فجواراً" لقوله ﷺ : "إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما باباً، فإن أقربهما باباً أقربهما جواراً، فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق". رواه أحمد، وأبو داود.
"ثم يقرع" إن استويا، أو استووا في ذلك، فيقدم من خرجت له القرعة، لأنها تميز المستحق عند استواء الحقوق.
"ولا يقصد بالإجابة نفس الأكل، بل ينوي الإقتداء بالسنة، وإكرام أخيه المؤمن، ولئلا يظن به التكبر" رجاء أن يثاب على نيته.
"ويستحب أكله ولو صائماً" تطوعاً، لما روي أنه ﷺ : كان في دعوة، وكان معه جماعة، فاعتزل رجل من القوم ناحية، فقال ﷺ : "دعاكم أخوكم وتكلف لكم. كل يوماً، ثم صم يوماً مكانه إن شئت".
"إلا صوماً واجباً" فلا، لأنه يحرم قطعه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ ١ وعن أبي هريرة مرفوعاً: "إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليدع، وإن كان مفطراً فليطعم" رواه أبو داود. ويستحب إعلامهم بصيامه، لأنه يروى عن عثمان وابن عمر. وليعلموا عذره، وتزول التهمة.
"وينوي بأكله وشربه التقوي على الطاعة" لتنقلب العادة عبادة.
"ويحرم الأكل بلا إذن صريح أو قرينة، ولو من بيت قريبه أو صديقه" لحديث ابن عمر مرفوعاً: "من دخل على غير دعوة، دخل سارقاً، وخرج مغيراً" رواه أبو داود. وقال في الآداب: ويباح الأكل من بيت القريب
стр. 783
والصديق من مال غير محرز عنه، إذا علم أو ظن رضي صاحبه بذلك، نظراً إلى العادة والعرف.
"والدعاء إلى الوليمة، وتقديم الطعام إذن في الأكل" حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إذا دعي أحدكم إلى طعام، فجاء مع الرسول، فذلك إذن لك". رواه أحمد وأبو داود، وقال ابن مسعود: "إذا دعيت فقد أذن لك" رواه أحمد.
"ويقدم ما حضر من الطعام من غير تكلف" لما روى أحمد في المسند: أن سلمان دخل عليه رجل، فدعا له بما كان عنده، فقال: لولا أن رسول الله، ﷺ ، نهانا - أو قال: لولا أنا نهينا - أن يتكلف أحدنا لصاحبه، لتكلفنا لك. ويباح النثار والتقاطه، لأنه ﷺ : نحر خمس بدنات، وقال: "من شاء اقتطع" رواه أحمد وأبو داود. وهذا جار مجرى النثار، لأنه نوع إباحة. وعنه: يكره، لأنه ﷺ نهى عن النهبى والمثلة. رواه أحمد والبخاري. ولأن فيه دناءة. وخبر البدنات يدل على إباحته في الجملة. ومن أخذ منه شيئاً ملكه، لأنه نوع إباحة، أشبه ما يأكله الضيفان. وإن قسم على الحاضرين كان أولى بلا خلاف، لقول أبي هريرة: قسم النبي، ﷺ ، يوماً بين أصحابه تمراً، فأعطى كل إنسان سبع تمرات ... الحديث، رواه البخاري. وفرق الإمام أحمد على الصبيان الجوز، لكل واحد خمسة خمسة، لما حذق ابنه حسن.
"ولا يشرع تقبيل الخبز" لحديث عائشة: دخل علي رسول الله، ﷺ ، فرأى كسرة ملقاة، فأخذها فمسحها ثم أكلها، وقال: "يا عائشة، أكرمي كريمك، فإنها ما نفرت عن قوم، فعادت إليهم".
стр. 784
رواه ابن ماجه. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر له بنحوه، ولفظه: "أحسني جوار نعم الله عليك". قال في الآداب: فهذا الخبر يدل على عدم التقبيل، لأن هذا محله كما يفعل في هذا الزمان.
"وتكره إهانته، ومسح يديه به، ووضعه تحت القصعة" نص عليه، لما تقدم، وكره أحمد الخبز الكبار، وقال: ليس فيه بركة. ويجوز قطع اللحم بالسكين، لما روى البخاري: أنه ﷺ كان يحتز من كتف شاة ... الحديث. احتج به أحمد. وسئل عن حديث النهي عنه، فقال: ليس بصحيح.
стр. 785
فصل ويستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده:
لحديث أنس مرفوعاً: "من أحب أن يكثر خير بيته، فليتوضأ إذا حضر غداؤه، وإذا رفع". إسناده ضعيف. رواه ابن ماجه وغيره. وعن سلمان مرفوعاً: "بركة الطعام: الوضوء قبله وبعده". قال جماعة من العلماء: المراد بالوضوء هنا: غسل اليدين، لا الوضوء الشرعي. وعنه: يكره قبله. اختاره القاضي. قال الشيخ تقي الدين: من كرهه، قال: هذا من فعل اليهود، فيكره التشبه بهم.
"وتسن التسمية جهراً على الطعام والشراب" لحديث عائشة مرفوعاً: "إذا أكل أحدكم، فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوله، فليقل: بسم الله أوله وآخره". وقيس عليه الشرب.
стр. 786
"وأن يجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى" لأنه ﷺ جثا عند الأكل، وقال: "أما أنا فلا آكل متكأً". رواه مسلم. أي: بل مستوفزاً بحسب الحاجة. وعن أنس: أنه ﷺ أكل مقعياً تمراً - وفي لفظ - يأكل منه أكلاً ذريعاً رواه مسلم.
"أو يتربع" وجعل بعضهم التربع من الاتكاء.
"ويأكل بيمينه بثلاثة أصابع مما يليه" لقوله ﷺ ، لعمر بن أبي سلمة: "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك". متفق عليه. وعن كعب بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ ، يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يده حتى يلعقها" رواه الخلال.
"ويصغر اللقمة، ويطيل المضغ" قال الشيخ تقي الدين: على أن هذه المسألة لم أجدها مأثورة، ولا عن أبي عبد الله، لكن فيها مناسبة. وقال أيضاً: نظير هذا ما ذكره الإمام أحمد من استحباب تصغير الأرغفة. نقله عنه في الآداب.
"ويمسح الصحفة" لحديث جابر: أمر رسول الله، ﷺ ، بلعق الأصابع والصحفة، وقال: "إنكم لا تدرون في أية البركة" رواه مسلم.
"ويأكل ما تناثر" لحديث جابر مرفوعاً: "إذا وقعت لقمة أحدكم، فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذىً، ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ... ". الحديث، رواه مسلم.
"ويغض طرفه عن جليسه" لئلا يستحي.
стр. 787
"ويؤثر المحتاج" لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ ١ الآية.
"ويأكل مع الزوجة والمملوك والولد ولو طفلاً" لقول عائشة "كنت أتعرق العرق، فأناوله النبي، ﷺ ، فيضع فاه على موضع في..". الحديث. "وأكل معه ﷺ عمر بن أبي سلمة وهو صغير".
"ويعلق أصابعه" لما تقدم.
"ويخلل أسنانه" لما روي عن ابن عمر: "ترك الخلال يوهن الأسنان" ورفعه بعضهم. وفي حديث: "تخللوا من الطعام، فإنه ليس شيء أشد على الملك الذي على العبد أن يجد من أحدكم ريح الطعام".
"ويلقي ما أخرجه الخلال، ويكره أن يبتلعه، فإن قلعه بلسانه لم يكره" لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "من أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبلع. من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
"ويكره نفخ الطعام" والشراب. قال في الآداب: أطلقه الأصحاب، لظاهر الخبر. انتهى. وعن ابن عباس مرفوعاً: "نهى أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه".
"وكونه حاراً" لأنه لا بركة فيه. وقال أبو هريرة: "لا يؤكل طعام حتى يذهب بخاره" رواه البيهقي بإسناد حسن.
"وأكله بأقل" من ثلاث أصابع لأنه كبر،
стр. 788
"أو أكثر من ثلاث أصابع" لأنه شره. ولم يصحح الإمام أحمد حديث أكله ﷺ بكفه كلها.
"أو بشماله" بلا ضرورة، لأنه تشبه بالشيطان. وذكره النووي في الشرب إجماعاً. وذكر ابن عبد البر وابن حزم: أن الأكل بالشمال محرم، لظاهر الأخبار.
"أو من أعلى الصحفة: أو وسطها" لقوله: " ... وكل مما يليك ... ". وعن ابن عباس مرفوعاً: "إذا أكل أحدكم طعاماً، فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإن البركة تنزل من أعلاها" وفي لفظ آخر "كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها، يبارك فيها" رواهما ابن ماجه.
"ونفض يده في القصعة، وتقديم رأسه إليها عند وضع اللقمة في فمه" لأنه ربما سقط منه شيء فيها فيقذرها.
"وكلامه بما يستقذر" إذا أكل مع غيره، أو بما يضحكهم أو يحزنهم. قاله الشيخ عبد القادر. وكذا فعله ما يستقذر: كتمخط.
"وأكله متكئاً، أو مضطجعاً" لما تقدم. وقال ابن هبيرة: أكل الرجل متكئاً يدل على استخفافه بنعمة الله. وعن ابن عمر نهى رسول الله، ﷺ ، عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل وهو منبطح على بطنه رواه أبو داود.
"وأكله كثيراً بحيث يؤذيه" لحديث: "ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن..". الحديث، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وعن سمرة بن جندب أنه قيل له: إن ابنك بات البارحة بشماً، فقال: أما لو مات
стр. 789
لم أصل عليه قال الشيخ تقي الدين: يعني: أنه أعان على قتل نفسه. انتهى. فإن لم يؤذه جاز، لقوله، ﷺ ، لأبي هريرة "اشرب" - أي: من اللبن - فشرب، ثم أمره ثانياً، وثالثاً، حتى قال: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغاً" رواه البخارى.
"أو قليلاً بحيث يضره" لحديث "لاضرر ولا ضرار" وقيل لأحمد هؤلاء الذين يأكلون قليلاً، ويقللون طعامهم. قال: ما يعجبني، سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: فعل قوم هكذا فقطعهم عن الفرض. رواه الخلال.
"ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب والمروءة، ومع الفقراء بالإيثار، ومع العلماء بالتعليم، ومع الإخوان بالانبساط، وبالحديث الطيب والحكايات التي تليق بالحال" إذا كانوا منقبضين. قال معناه الإمام أحمد. وقال جعفر بن محمد: قال لي أحمد: كل. فلما رأى ما نزل بي قال: إن الحسن كان يقول: والله لتأكلن، وكان ابن سيرين
يقول: إنما وضع الطعام ليؤكل، وكان إبراهيم بن أدهم يبيع ثيابه، وينفقها على أصحابه. قال: فانبسطت فأكلت، فقال: لتأكلن هذه، انتهى.
"وما جرت به العادة من إطعام السائل ونحو الهر، ففي جوازه وجهان" قال في الآداب والفروع: والأولى جوازه، لحديث أنس في الدباء وفيه "فجعلت أجمع الدباء بين يديه" رواه البخاري. وقال: قال ابن المبارك: لا بأس أن يناول بعضهم بعضاً، ولا يناول من هذه المائدة إلى مائدة أخرى.
стр. 790
فصل ويسن أن يحمد الله إذا فرغ من أكله أو شربه:
لحديث: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم.
"ويقول: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة" لحديث معاذ بن أنس الجهني مرفوعاً: "من أكل طعاماً فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه" رواه ابن ماجه.
"ويدعو لصاحب الطعام" لقول جابر: صنع أبو الهيثم بن التيهان للنبي، ﷺ طعاماً، فدعاه وأصحابه، فلما فرغوا، قال: "أثيبوا أخاكم". قالوا: يا رسول الله: وما إثابته؟ قال: "إن الرجل إذا دخل بيته، وأكل طعامه، وشرب شرابه، فدعوا له، فذلك إثابته" رواه أبو داود. ويؤيده حديث: "ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه".
"ويفضل منه شيئاً ولا سيما إن كان ممن يتبرك بفضلته" أو كان ثم حاجة. قال أبو أيوب كان رسول الله، ﷺ : إذا أتي بطعام أكل، وبعث بفضله إلي. فيسأل أبو أيوب عن موضع أصابعه، فيتبع موضع أصابعه.
"ويسن إعلان النكاح والضرب عليه بدف لا حلق فيه ولا صنوج"
стр. 791
لحديث عائشة مرفوعاً: "أعلنوا هذا النكاح، واضربوا عليه بالغربال" رواه ابن ماجه. وحديث "فصل ما بين الحلال والحرام: الدف، والصوت في النكاح" رواه الخمسة، إلا أبا داود. قال الموفق:
"للنساء" وفي الرعاية:
"ويكره للرجال" مطلقاً. قال في الفروع: وظاهر نصوصه، وكلام الأصحاب: التسوية. انتهى. وهو ظاهر النصوص.
"ولا بأس بالغزل في العرس" لقوله، ﷺ ، للأنصار.
"أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
ولولا الذهب الأحمر ... لما حلت بواديكم
ولولا الحبة السوداء ... ما سرت عذاريكم"
وكان ﷺ ، يكره نكاح السر حتى يضرب بدف، ويقال:
"أتيناكم أتيناكم ... فحيونا نحييكم"
رواه عبد الله بن أحمد في المسند.
стр. 792
باب عشرة النساء
مدخل
...
باب عشرة النساء:
"يلزم كلاً من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف من الصحبة الجميلة وكف الأذى، وأن لا يمطله بحقه" لقوله تعالى: ﴿ ... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ... ﴾ ١ وقوله: ﴿ ... وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ... ﴾ ٢ قال بعضهم: التماثل هنا في تأدية كل منهما ما عليه لصاحبه. وفي حديث: "استوصوا بالنساء خيراً" رواه مسلم.
"وحق الزوج عليها أعظم من حقها عليه" لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ٣ وحديث: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" رواه الترمذي.
"وليكن غيوراً من غير إفراط" لحديث جابر بن عتيك مرفوعاً: "إن من الغيرة ما يحب الله، ومن الغيرة ما يبغض الله. ومن الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله: فالغيرة في الريبة. وأما الغيرة التي يبغض الله: فالغيرة في غير الريبة..". الحديث، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي.
"وإذا تم العقد وجب على المرأة أن تسلم نفسها لبيت زوجها إذا
стр. 793
طلبها وهي حرة" وأما الأمة مع الإطلاق، فلا يجب تسليمها إلا ليلاً. نص عليه.
"يمكن الاستمتاع بها كبنت تسع" نص عليه في رواية أبي الحارث. وذهب في ذلك إلى أن النبي، ﷺ بني بعائشة وهي بنت تسع سنين.
"إن لم تشترط دارها" فإن شرطتها فلها الفسخ إن نقلها عنها للزوم الشرط.
"ولا يجب عليها التسليم إن طلبها وهي محرمة" بحج أو عمرة.
"أو مريضة، أو صغيرة، أو حائض، ولو قال: لا أطأ" هذه الأعذار تمنع الاستمتاع بها، ويرجى زوالها، أشبه ما لو طلب تسليمها في نهار رمضان. فإن طرأ الإحرام، أو المرض، أو الحيض بعد الدخول فليس لها منع نفسها من زوجها مما يباح له منها.
стр. 794
فصل وللزوج أن يستمتع بزوجته كل وقت:
على أي صفة كانت" لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ١ قال جابر: من بين يديها، ومن خلفها، غير أن لا يأتيها إلا في المأتى متفق عليه. وحديث: "إذا باتت المرأة هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" متفق عليه.
стр. 795
"ما لم يضرها أو يشغلها عن الفرائض" لحديث: "لا ضرر ولا ضرار".
"ولا يجوز لها أن تتطوع بصلاة أو صوم وهو حاضر إلا بإذنه" لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" متفق عليه.
"وله الاستمناء بيدها" كذا قال. وقال في شرح الإقناع في باب التعزير: لأنه كتقبيلها.
"والسفر بلا إذنها" لأنه لا ولاية لها عليه.
"ويحرم وطؤها في الدبر" في قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، لحديث: "إن الله لا يستحي من الحق. لا تأتوا النساء في أعجازهن" رواه ابن ماجه.
"ونحو الحيض" يحرم وطؤها فيه إجماعاً، لقوله تعالى: ﴿ ... فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ١. وحديث أبي هريرة مرفوعاً: "من أتى حائضاً أو امرأةً في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد، ﷺ " رواه الأثرم.
"وعزله عنها بلا إذنها" نص عليه. وهو: أن ينزل الماء خارجاً عن الفرج، لما فيه من تقليل النسل، ومنع الزوجة من كمال الاستمتاع. وعن ابن عمر: "نهى رسول الله، ﷺ ، أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها" رواه أحمد وابن ماجه.
"ويكره أن يقبلها أو يباشرها عند الناس" لأنه دناءة.
"أو يكثر الكلام حال الجماع" قياساً على التخلي، ولحديث: "لا تكثروا
стр. 796
الكلام عند مجامعة النساء فإنه منه يكون الخرس والفأفأة" رواه أبو حفص. وكره الوطء متجردين، لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر، ولا يتجرد تجرد العيرين" رواه ابن ماجه. ويكره بحيث يراه أو يسمعه غير طفل لا يعقل. قال أحمد: كانوا يكرهون الوجس، وهو: الصوت الخفي. وكره نزعه قبل فراغها، لحديث أنس مرفوعاً، وفيه: "ثم إذا قضى حاجته فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها" رواه أحمد وأبو حفص.
"أو يحدثا بما جرى بينهما" لنهيه ﷺ ، عنه رواه أبو داود وغيره.
"ويسن أن يلاعبها قبل الجماع" لتنهض شهوتها، وتنال من لذة الجماع مثل ما يناله.
"وأن يغطي رأسه" عند الجماع، وعند الخلاء. قال في الفروع: ذكره جماعة.
"وأن لا يستقبل القبلة" عند الجماع، لأن عمرو بن حزم وعطاء كرها ذلك. قاله في الشرح.
"وأن يقول عند الوطء: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا" قال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ ١. هي التسمية عند الجماع. وعن ابن عباس مرفوعاً: "لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فولد بينهما ولد، لم يضره الشيطان أبداً" متفق عليه.
"وأن تتخذ المرأة خرقة تناولها للزوج بعد فراغه من الجماع" ليمسح بها. وهو مروي عن عائشة.
стр. 797
فصل وليس عليها خدمة زوجها في عجن وخبز وطبخ ونحوه:
نص عليه، لأن المعقود عليه منفعة البضع، فلا يملك غيره من منافعها.
"لكن الأولى لها فعل ما جرت به العادة" وأوجب الشيخ تقي الدين المعروف من مثلها لمثله. وفي حديث عائشة مرفوعاً: "ولو أن رجلاً أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر، لكان نولها أن تفعل" رواه أحمد وابن ماجه.
"وله أن يلزمها بغسل نجاسة عليها، وبالغسل من الحيض. والنفاس والجنابة" واجتناب المحرمات إذا كانت مكلفة.
"وبأخذ ما يعاف من ظفر وشعر" قال القاضي: رواية واحدة، لأنه يمنع كمال الاستمتاع.
"ويحرم عليها الخروج بلا إذنه، ولو لموت أبيها" لحديث أنس أن رجلاً سافر، ومنع زوجته من الخروج، فمرض أبوها: فاستأذنت رسول الله، ﷺ ، في حضور جنازته، فقال لها: "اتقي الله ولا تخالفي زوجك". فأوحى الله إليه: "أني قد غفرت لها بطاعتها زوجها". رواه ابن بطة في أحكام النساء. وقال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة زوجها أوجب عليها من أمها، إلا أن يأذن لها. ويستحب إذنه لها في عيادتهما، وشهود جنازتهما، لما فيه من صلة
стр. 798
الرحم، والمعاشرة بالمعروف. ومنعها يؤدي إلى النفور، ويغري بالعقوق.
"لكن لها أن تخرج لقضاء حوائجها" التي لا بد لها منها، للضرورة.
"ولا يملك منعها من كلام أبويها، ولا منعهما من زيارتها" لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
"ما لم يخف منهما الضرر" فله المنع دفعاً للضرر.
"ولا يلزمها طاعة أبويها" في فراقه ومخالفته.
"بل طاعة زوجها أحق" لوجوبها عليها.
стр. 799
فصل ويلزمه أن يبيت عند الحرة بطلبها ليلة من أربع ليال:
إن لم يكن له عذر. لقوله، ﷺ ، لعبد الله بن عمرو: "إن لزوجك عليك حقاً" متفق عليه. وروى الشعبي أن كعب بن سوار كان جالساً عند عمر بن الخطاب، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي. والله إنه ليبيت ليله قائماً، ويظل نهاره صائماً. فاستغفر لها، وأثنى عليها، واستحيت المرأة، وقامت راجعة. فقال كعب: يا أمير المؤمنين: هلا أعديت المرأة على زوجها فلقد أبلغت إليك في الشكوى. فقال لكعب: اقض بينهما، فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهم. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن. فأقضي بثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن، ولها يوم
стр. 800
وليلة. فقال عمر: والله ما رأيك الأول بأعجب من الآخر، اذهب فأنت قاض على البصرة وفي لفظ: نعم القاضي أنت رواه سعيد. وهذه قضية اشتهرت فلم تنكر، فكانت إجماعاً.
"والأمة ليلة من سبع" لأن أكثر ما يمكنه جمعه معها ثلاث حرائر، لهن ست، ولها السابعة. والصحيح: أن لها ليلة من ثمان، نصف ما للحرة، لأن زيادتها على ذلك تخل بالتنصيف. وزيادة الحرة على ليلة من أربع زيادة على الواجب، فتعين ما ذكرنا. قاله في الكافي.
"وأن يطأ في كل ثلث سنة مرة إن قدر" وطلبته، لأن الله تعالى قدر ذلك بأربعة أشهر في حق المؤلي، فكذلك في حق غيره، لأن اليمين لا توجب ما حلف عليه، فدل أن الوطء واجب بدونها.
"فإن أبى" الوطء أو البيتوتة الواجبين.
"فرق الحاكم بينهما إن طلبت" نص عليه في رواية ابن منصور، في رجل تزوج امرأة، ولم يدخل بها، يقول: غداً أدخل بها، غداً أدخل بها إلى شهر، هل يجبر على الدخول؟ قال: أذهب إلى أربعة أشهر إن دخل بها، وإلا فرق بينهما. فجعله كالمؤلي. ولا يصح الفسخ هنا إلا بحكم حاكم، لأنه مختلف فيه.
"وإن سافر فوق نصف سنة في غير أمر واجب" كحج، وغزو واجبين،
"أو طلب رزق يحتاج إليه وطلبت قدومه، لزمه" فإن أبى بلا عذر فرق بينهما بطلبها، لما تقدم.
"ويجب عليه التسوية بين زوجاته في المبيت" قال في الشرح:
стр. 801
ولا نعلم خلافاً في وجوب التسوية بين الزوجات في القسم. انتهى. لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ١. وزيادة إحداهن في القسم ميل. وعن أبي هريرة مرفوعا "من كان له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل" وعن عائشة كان رسول الله، ﷺ ، يقسم بيننا فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" رواهما أبو داود.
"ويكون ليلة وليلة" لفعله ﷺ .
"إلا أن يرضين بأكثر" لأن الحق لا يعدوهن، ولقوله، ﷺ ، لأم سلمة: "فإن سبعت لك سبعت لنسائي". رواه أحمد، ومسلم. وعماد القسم الليل، إلا لمن معيشته بالليل، كحارس، والنهار يدخل تبعاً، لأن سودة وهبت يومها لعائشة متفق عليه. وقالت عائشة قبض رسول الله، ﷺ ، في بيتي، وفي يومي، وإنما قبض نهاراً. ولزوجة أمة مع حرة، ليلة من ثلاث ليال رواه الدارقطني عن علي، واحتج به أحمد. وقال ابن المنذر: أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم أن القسم بين المسلمة والذمية سواء.
"ويحرم دخوله في نوبة واحدة إلى غيرها إلا لضرورة" كأن تكون منزولاً بها، فيريد أن يحضرها، أو توصي إليه.
"وفي نهارها إلا لحاجة" كعيادة، وسؤال عن أمر يحتاج إليه. فإن لم يلبث، لم يقض، لأنه زمن يسير.
"وإن لبث أو جامع لزمه القضاء" بأن يدخل على المظلومة في ليلة
стр. 802
الأخرى، فيمكث عندها بقدر ما مكث عندها تلك الليلة، أو يجامعها إن كان جامع ليعدل بينهما. وليس عليه قضاء قبلة ونحوها، لقول عائشة كان رسول الله، ﷺ ، يدخل علي في يوم غيرى، فينال مني كل شيء إلا الجماع.
"وإن طلق واحدة وقت نوبتها أثم" لأنه تسبب بالطلاق إلى إبطال حقها من القسم.
"ويقضيها متى نكحها" لتمكنه من إيفائها حقها، كالمعسر بالدين إذا أيسر.
"ولا يجب أن يسوي بينهن في الوطء ودواعيه" لا نعلم فيه خلافاً قاله في الشرح. لأن الداعي إليه الشهوة والمحبة، ولا سبيل إلى التسوية في ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ ١. قال ابن عباس: في الحب والجماع، وقال ﷺ : "اللهم هذا قسمي فيما أمللك، فلا تلمني فيما لا أملك".
"ولا في النفقة والكسوة، حيث قام بالواجب، وإن أمكنه ذلك" وفعله،
"كان حسناً" لأنه أكمل.
стр. 803
فصل وإذا تزوج بكراً أقام عندها سبعاً وثيباً ثلاثاً:
"ثم يعود إلى القسم بينهن" وتصير الجديدة آخرهن نوبة، لحديث أبي قلابة عن أنس قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً، وقسم. وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً، ثم قسم. قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنساً رفعه إلى النبي، ﷺ أخرجاه.
"وله تأديبهن على ترك الفرائض" قال أحمد: أخشى أن لا يحل للرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن. وعن معاذ مرفوعاً: "أنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدباً، وأخفهم في الله" رواه أحمد.
"ومن عصته وعظها" أي: خوفها الله ، وذكر لها ما أوجب عليها من الحق والطاعة، وما يلحقها بالمخالفة من الإثم وسقوط النفقة والكسوة، وما يباح من هجرها وضربها، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ... ﴾ ١.
"فإن أصرت، هجرها في المضجع ما شاء" ما دامت كذلك. قال ابن عباس: لا تضاجعها في فراشك. وقد هجر النبي، ﷺ نساءه، فلم يدخل عليهن شهراً متفق عليه.
стр. 804
"وفي الكلام ثلاثة أيام فقط" لحديث أبي هريرة مرفوعاً: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" متفق عليه.
"فإن أصرت ضربها ضرباً غير شديد" لحديث عمرو بن الأحوص مرفوعاً وفيه: " ... فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح" الحديث، رواه ابن ماجه والترمذي. وصححه. قال ثعلب: غير مبرح، أي: غير شديد. وفي حديث: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يضاجعها في آخر اليوم".
"بعشرة أسواط لا فوقها" لحديث "لا يجلد أحدكم فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله تعالى" متفق عليه. ويجتنب الوجه والمواضع المخوفة والمستحسنة، لأن القصد التأديب، لا الإتلاف. ولقوله ﷺ : "ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" رواه أحمد وأبو داود. وقال أحمد في الرجل يضرب امرأته: لا ينبغي لأحد أن يسأله، ولا أبوها: لم يضربها؟ للخبر. رواه أبو داود.
"ويمنع من ذلك إن كان مانعاً لحقها" حتى يوفيه، لأنه يكون ظالماً بطلبه حقه مع منعه حقها.
стр. 805
كتاب الخلع:
وهو: فراق الزوجة بعوض يأخذه الزوج منها، أو من غيرها، بألفاظ مخصوصة. سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس من بدنها. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ١.
يباح لسوء العشرة لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ٢. وإذا كرهت زوجها، وظنت أن لا تؤدي حق الله في طاعته جاز الخلع على عوض، للآية. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدا خالف فيه، إلا بكر بن عبد الله المزني: فإنه زعم أنها منسوخة بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية٣. ولا يفتقر إلى حاكم. روى البخاري ذلك عن عمر وعثمان ويكره مع استقامة الحال، لحديث: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة". رواه الخمسة، إلا النسائي. ويقع، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسا﴾ ٤. ويستحب إجابتها إلى
стр. 806
الخلع حيث أبيح، لقوله، ﷺ ، لثابت بن قيس: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" رواه البخاري. واختلف كلام الشيخ تقي الدين في وجوب إجابته، وألزم بها بعض حكام الشام المقادسة الفضلاء. قاله في الفروع والإنصاف، لأمره ﷺ ، لثابت بها. ولا بأس به في الحيض والطهر الذي أصابها فيه، "لأنه ﷺ لم يسأل المختلعة عن حالها".
"وشروطه سبعة:"
"١- أن يقع من زوج يصح طلاقه" مسلما كان أو ذميا، حرا كان أو عبدا، كبيرا أو صغيرا يعقله، لأنه إذا ملك الطلاق - وهو: مجرد إسقاط لا تحصيل فيه - فلأنه يملكه محصلا لعوض أولى.
"٢- أن يكون على عوض" فإن خالعها بغير عوض لم يصح. حكاه الشيخ تقي الدين إجماعا. وعنه: يصح بلا عوض. اختارها الخرقي. لكن إن كان بلفظ الطلاق، أو نواه به فهو طلاق رجعي، وإلا لم يقع به شيء.
"ولو مجهولا" كـ: على ما بيدها أو بيتها، كالوصية، لأنه إسقاط لحقه من البضع، وليس بتمليك شيء. والإسقاط تدخله المسامحة، ويكره بأكثر مما أعطاها. روي عن عثمان، لقوله، ﷺ ، في حديث جميلة: "ولا تزدد" رواه ابن ماجه. وعن علي أن النبي، ﷺ "كره أن يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها" رواه أبو حفص. ولا يحرم ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ١ وقالت الربيع: اختلعت من زوجي بما دون عقاص رأسي،
стр. 807
فأجاز ذلك علي عثمان، ﵁ ومثل هذا يشتهر، فيكون إجماعا.
"ممن يصح تبرعه" وهو: المكلف غير المحجور عليه.
"من أجنبي وزوجة" لأنه بذل مال في مقابلة ما ليس بمال ولا منفعة، أشبه التبرع. قال في الشرح: ويصح من الأجنبي من غير إذن المرأة في قول الأكثر.
"لكن لو عضلها ظلما لتختلع لم يصح" والزوجية بحالها، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ١. ولا يستحق العوض، لأنها أكرهت عليه بغير حق، للنهي عنه وهو يقتضي الفساد. فإن كان بلفظ الطلاق وقع رجعيا، فإن عضلها لنشوزها، أو تركها فرضا أبيح الخلع وعوضه، لأنه بحق، وكذا مع زناها. نص عليه، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ٢ والاستثناء من النهي إباحة.
"٣- أن يقع منجزا" فلا يصح تعليقه على شرط، كـ: إن بذلت لي كذا فقد خالعتك، إلحاقا له بعقود المعاوضات، لاشتراط العوض فيه. وقال في الكافي: يصح الخلع منجزا ومعلقا على شرط، لما فيه من معنى الطلاق.
"٤- أن يقع على جميع الزوجة" لأنه فسخ، فلا يصح خلع جزء منها، مشاعا كان: كنصفها، أو معينا، كيدها.
стр. 808
"٥- أن لا يقع حيلة لإسقاط يمين الطلاق" أي: فرارا من وقوع الطلاق المعلق على مستقبل، فيحرم خلع الحيلة، ولا يصح، لأن الحيل خداع لا تحل ما حرم الله. قال الشيخ تقي الدين: خلع الحيلة لا يصح على الأصح، كما لا يصح نكاح المحلل، لأنه ليس المقصود منه الفرقة، وإنما يقصد منه بقاء المرأة مع زوجها، والعقد لا يقصد به نقيض مقصوده. انتهى. واختار ابن القيم في إعلام الموقعين أنه: يحرم ويصح، أي: يقع، ونصره من عشرة أوجه.
"٦- أن لا يقع بلفظ الطلاق، بل بصيغته الموضوعة له" وتأتي:
"٧- أن لا ينوي به الطلاق" فإن كان بلفظ الطلاق، أو نيته وقع رجعيا إن كان دون الثلاث، وبائنا إن كان بعوض يدفع له لبذل العوض في إبانتها، أشبه الخلع.
"فمتى توفرت الشروط كان فسخا بائنا لا ينقض به عدد الطلاق"
روي ذلك عن: ابن عباس، ﵄، وطاوس وعكرمة وإسحاق وأبي ثور، وهو: أحد قولي الشافعي. واحتج ابن عباس بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ١ ثم قال: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ١ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ﴾ ٢ فذكر تطليقتين، والخلع، وتطليقة بعدهما، فلو كان الخلع طلاقا لكان رابعا، ولا خلاف في تحريمها بثلاث، ولأنه ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فصار فسخا كسائر الفسوخ. وعنه: أنه طلقة
стр. 809
بائنة بكل حال. وروي ذلك عن عثمان وعلي وابن مسعود، لكن ضعف أحمد الحديث عنهم فيه، وقال: ليس في الباب شيء أصح من حديث ابن عباس.
"وصيغته الصريحة لا تحتاج إلى نية" لأن الصريح لا يحتاح إليها.
"وهي: خلعت، وفسخت، وفاديت" لأنه ثبت للخلع عرف الاستعمال، والفسخ حقيقة فيه، وورد القرآن بالافتداء.
"والكناية بـ: أريتك، وأبرأتك، وأبنتك" لأنها تحتمل الخلع وغيره.
"فمع سؤال الخلع وبذل العوض يصح بلا نية" لأن قرينة الحال مع الكناية تقوم مقام النية.
"وألا" يكن سؤال، ولا بذل عوض.
"فلا بد منها" أي: النية ممن أتى بكناية خلع، كطلاق ونحوه.
"ويصح بكل لغة من أهلها كالطلاق" لعدم التعبد بلفظه، ولا يحصل بمجرد بذل المال وقبوله من غير لفظ من الزوح، لقوله: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة". رواه البخاري. وفي رواية: فأمره، ففارقها ومن لم يذكر الفرقة فقد اقتصر على بعض القصة، وعليه يحمل كلام أحمد وغيره، وليس في الخلع رجعة في قول الأكثر. قاله في الشرح. ويلغى شرط رجعة فيه دونه، كالبيع بشرط فاسد. ولا يقع بمعتدة من خلع طلاق، ولو واجهها به، لأنه قول ابن عباس وابن الزبير، ولا يعرف لهما مخالف في عمرهما، فكان إجماعا، ولأنها لا تحل له إلا بعقد جديد، فلم يلحقها طلاقه، كالمطلقة قبل الدخول، وحديث: "المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة" لا يعرف له أصل.
стр. 810
كتاب الطلاق
مدخل
مدخل
...
كتاب الطلاق:
"يباح لسوء عشرة الزوجة" كسوء خلقها، وتضرره بها من غير حصول الغرض بها دفعا للضرر عن نفسه.
"ويسن إن تركت الصلاة ونحوها" وعجز عن إجبارها عليها، وكونها غير عفيفة، لأن في إمساكها نقصا ودناءة، وربما أفسدت عليه فراشه. وعنه: يجب الطلاق هنا، لقوله: أخشى أن لا يحل له المقام مع امرأة لا تصلي - وتقدم - وقال: لا ينبغي إمساك غير عفيفة.
"ويكره من غير حاجة" لإزالته النكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها، ولحديث "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" رواه أبو داود.
"ويحرم في الحيض ونحوه" كفي طهر أصابها فيه. قال في الشرح: وأجمعوا على تحريمه في الحيض، وفي طهر أصابها فيه.
"ويجب على المؤلي بعد التربص" إن أبى الفيئة.
"قيل: وعلى من يعلم بفجور زوجته" لئلا يكون ديوثا، فينقسم الطلاق إلى أحكام التكليف الخمسة.
"ويقع طلاق المميز إن عقل الطلاق" أي: علم أن النكاح يزول به، لعموم حديث: "إنما الطلاق لمن أخذ بالساق". وحديث "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله" رواه الترمذي. وعنه: