"ومن أوقع بزوجته كلمة، وشك هل هي طلاق أو ظهار: لم يلزمه شيء" لأن الأصل عدمهما، ولم يتيقن أحدهما.
стр. 842
باب الرجعة
مدخل
...
باب الرجعة:
"وهي: إعادة زوجته المطلقة" طلاقا غير بائن.
"إلى ما كانت عليه" قبل الطلاق.
"بغير عقد" ولا تفتقر الرجعة إلى ولي، ولا صداق، ولا رضى المرأة ولا علمها إجماعا. ذكره في الشرح وغيره لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ١. وقوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢. وحديث ابن عمر حين طلق امرأته، فقال النبي، ﷺ "مره فليراجعها" متفق عليه. وطلق النبي، ﷺ حفصة، ثم راجعها رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث، والعبد دون الاثنتين: أن لهما الرجعة في العدة.
"من شرطها:"
"١- أن يكون الطلاق غير بائن"
فإن كان بعوض فلا رجعة، لأنه إنما جعل لتفتدي به المرأة من الزوج، ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجعة، بل يعتبر عقد بشروطه.
стр. 843
"٢- وأن تكون في العدة" لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ١. وإن طلق قبل الدخول فلا رجعة، لأنه لا عدة عليها، ولا تربص في حقها يرتجعها فيه.
"وتصح الرجعة بعد انقطاع دم الحيضة الثالثة حيث لم تغتسل" نص عليه. وروي عن عمر وعلي وابن مسعود، لوجود أثر الحيض المانع للزواج من الوطء، وتنقطع بقية الأحكام من التوارث، والطلاق، واللعان، والنفقة، وغيرها بانقطاع الدم.
"وتصح قبل وضع ولد متأخر" إن كانت حاملا بعدد لبقاء العدة.
"وألفاظها: راجعتها ورجعتها، وارتجعتها وأمسكتها، ورددتها، ونحوه" كأعدتها، لورود السنة بلفظ الرجعة في حديث ابن عمر، واشتهر هذا الاسم فيها عرفا، وورد الكتاب بلفظ الرد في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ١. وبلفظ الإمساك في قوله: ﴿ ... فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ... ﴾ ٢. وقوله: ﴿ ... فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ... ﴾ ٣.
"ولا تشترط هذه الألفاظ، بل تحصل رجعتها بوطئها" في ظاهر المذهب، لأنها زوجة يلحقها الطلاق والظهار والإيلاء، ويرث أحدهما صاحبه إن مات إجماعا، فالوطء دليل على رغبته فيها. واختار الشيخ تقي الدين: أن الوطء رجعة مع النية. وعن أحمد: لا تحصل الرجعة
стр. 844
إلا بالقول، وهو ظاهر كلام الخرقي، لقوله تعالى: ﴿ ... وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ... ﴾ ١. ولا يحصل الإشهاد إلا على القول. "وسئل عمران بن حصين عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يشهد على طلاقها، ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة، وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" رواه أبو داود. فعلى هذه الرواية تبطل الرجعة إن أوصى الشهود بكتمانها. نص عليه، لما روى أبو بكر في الشافي بسنده إلى خلاس، قال طلق رجل امرأته علانية، وراجعها سرا، وأمر الشاهدين بكتمانها - أي: الرجعة - فاختصموا إلى علي، فجلد الشاهدين، واتهمهما، ولم يجعل له عليها رجعة.
"لا بنكحتها، أو تزوجتها" لأنه كناية، والرجعة استباحة بضع مقصود، فلا تحصل بكناية، كالنكاح، وفيه وجه تصح الرجعة به، اختاره ابن حامد، لأن الأجنبية تحل به، فالزوجة أولى. قدمه في الكافي.
"ومتى اغتسلت من الحيضة الثالثة، ولم يرتجعها بانت، ولم تحل له إلا بعقد جديد" مستكمل للشروط إجماعا، لمفهوم قوله تعالى: ﴿ ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ٢. أي: في العدة.
"وتعود" الرجعية إذا راجعها، والبائن إذا نكحها.
"على ما بقي من طلاقها" ولو بعد وطء زوج آخر في قول أكابر الصحابة، منهم: عمر وعلي وأبي ومعاذ وعمران بن حصين وأبو هريرة وزيد وعبد الله بن عمرو، ﵃، لأن وطء الثاني لا يحتاج
стр. 845
إليه في الإحلال للزوج الأول، فلا يغير حكم الطلاق. وعنه: ترجع بالثلاث بعد زوج، وهو قول: ابن عمر وابن عباس، وأبي حنيفة. ذكره في الشرح.
стр. 846
فصل وإذا طلق الحر ثلاثا:
"أو طلق العبد ثنتين لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا" لقوله تعالى: ﴿ ... فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ﴾ ١. بعد قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ٢. قال ابن عباس: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ٢. إلى قوله: ﴿ ... فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ﴾ ١ رواه أبو داود والنسائي.
"ويطأها في قبلها مع الانتشار" لقوله، ﷺ ، لامرأة رفاعة "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك" متفق عليه. وعن ابن عمر سئل النبي ﷺ ، عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها: هل تحل للأول؟ قال: "حتى تذوق العسيلة" رواه أحمد والنسائي، وقال "حتى يجامعها الأخر". وعن عائشة مرفوعا: "العسيلة: هي الجماع". رواه أحمد والنسائي.
стр. 847
"ولو مجنونا، أو نائما، أو مغمى عليه، وأدخلت ذكره في فرجها" مع انتشاره، لوجود حقيقة الوطء من زوج، أشبه حال إفاقته.
"أو لم يبلغ عشرا أو لم ينزل" لما تقدم، ولعموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ﴾ ١.
"ويكفي تغييب الحشفة، أو قدرها من مجبوب" الحشفة.
"ويحصل التحليل بذلك" لحصول ذوق العسيلة به، ولأنه جماع يوجب الغسل، ويفسد الحج، أشبه تغييب الذكر.
"ما لم يكن وطؤها في حال الحيض، أو النفاس، أو الإحرام، أو في صوم الفرض" فلا تحل، لأنه وطء حرم لحق الله تعالى فلم يحلها، كوطء المرتدة. قال في الكافي: وظاهر النص أنه يحلها، لدخوله في العموم، ولأنه وطء تام في نكاح صحيح تام فأحلها، كما لو كان التحريم لحق آدمي مثل أن يطأ مريضة تتضرر بوطئه، فإنه لا خلاف في حلها به. انتهى. ولا تحل بوطء دبر أو شبهة، أو وطء في ملك يمين، أو في نكاح فاسد أو باطل، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَهُ﴾ ١. والنكاح المطلق في الكتاب والسنة: إنما يحمل على الصحيح.
"فلو طلقها الثاني، وادعت أنه وطئها وكذبها، فالقول قوله في تنصف المهر" إن لم يخل بها فإن خلا بها تقرر المهر، وإن لم يدخل للحديث.
стр. 848
"وقولها في إباحتها للأول" لأنها لا تدعي عليه حقا. ولأنها مؤتمنة على نفسها، وعلى ما أخبرت به عن نفسها، ولا سبيل إلى معرفة ذلك حقيقة إلا من جهتها، كإخبارها بانقضاء عدتها. ولمطلقها ثلاثا نكاحها إن غلب على ظنه صدقها.
стр. 849
كتاب الإيلاء:
وهو: الحلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر. قال ابن قتيبة: يؤلون من نسائهم: يحلفون: إذا حلف لا يجامعها. حكاه عنه أحمد. وقرأ أبي بن كعب وابن عباس: يقسمون مكان يؤلون.
"وهو حرام" لأنه يمين على ترك واجب.
"كالظهار" لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورا﴾ ١. وقال قتادة: كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية. وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية: كان الرجل لا يحب امرأته، ولا يريد أن يتزوج بها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فيتركها لا أيما، ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله له أجلا في الإسلام. ذكره البغوي وغيره.
"يصح من زوج يصح طلاقه" لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ٢
стр. 850
ولا يصح من مغمى عليه ومجنون، لأنه لا قصد لهما، ولا حكم ليمينهما.
"سوى عاجز عن الوطء: إما لمرض لا يرجى برؤه، أو لجب كامل، أو شال" لأنه لا يطلب منه الوطء، لامتناعه منه بعجزه لا بيمينه.
"فإذا حلف الزوج بالله تعالى، أو بصفة من صفاته أنه لا يطأ زوجته أبدا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر: صار مؤليا" فإذا حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن مؤليا، لدلالة الآية على أنه لا يكون مؤليا بما دونها.
"يؤجل له الحاكم إن سألت زوجته ذلك أربعة أشهر من حين يمينه" للآية، فلا يفتقر إلى ضرب حاكم كالعدة.
"ثم يخير بعدها بين أن يكفر ويطأ" لزوال اليمين، والضرر عنها بالوطء، وعليه الكفارة، لقوله ﷺ : "من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" متفق عليه.
"أو يطلق" لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١ وقوله ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٢.
ومن امتنع من بذل ما وجب عليه لم يمسك بمعروف فيؤمر بالتسريح
стр. 851
بإحسان. وعن ابن عمر قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق. يعني: المؤلي رواه البخاري. قال: ويذكر ذلك عن: عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة، واثني عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ ، وعن سليمان ابن يسار قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ ، كلهم يوقفون المؤلي رواه الشافعي والدارقطني.
"فإن امتنع من ذلك طلق عليه الحاكم" لقيامه مقام الممتنع، ولأنه حق تدخله النيابة كقضاء دينه.
стр. 852
كتاب الظهار
مدخل
...
كتاب الظهار:
قال ابن المنذر. أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صريح الظهار أن يقول: أنت علي كظهر أمي. وهو محرم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ ١ الآيات. نزلت في خويلة بنت مالك بن ثعلبه، حين ظاهر منها ابن عمها أوس بن الصامت فجاءت تشكوه إلى رسول الله ﷺ ، وتجادله فيه، ويقول: "اتقي الله، فإنه ابن عمك"، فما برحت حتى نزل القرآن. رواه أبو داود وصححه.
"وهو: أن يشبه امرأته، أو عضوا منها بمن تحرم عليه من رجل أو امرأة، أو بعضو منه. فمن قال لزوجته: أنت، أو: يدك علي كظهر، أو: كيد أمي" أو: كظهر أختي، أو عمتي، أو خالتي، ونحوها ممن تحرم عليه على التأبيد صار مظاهرا في قول أكثرهم، لأنهن محرمات بالقرابة فأشبهن الأم.
"أو: كظهر، أو يد زيد" أو أبي أو أخي.
"أو: أنت علي كفلانة الأجنبية، أو أنت علي حرام، أو قال: الحل علي حرام، أو ما أحل الله لي" حرام.
"صار مظاهرا" روي ذلك عن عثمان وابن عباس، لأن هذه الألفاظ
стр. 853
صريحة في الظهار لا تحتمل غيره. وعنه: كناية يحتاج إلى نية. وعنه: يمين روى عن أبي بكر وعمر وابن مسعود. وفي المتفق عليه عن ابن عباس، قال: إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ١ ذكره في الشرح وقال في الكافي: الثالثة أنه يرجع فيه إلى نيته: إن نوى اليمين كان يمينا، لأن ذلك يروى عن أبي بكر وعمر وعائشة، ﵃.
"وإن قال: أنت علي كأمي، أو مثل أمي وأطلق" فلم ينو ظهارا ولا غيره.
"فظهار" نص عليه، لأنه المتبادر منه هذه الألفاظ.
"وإن نوى في الكرامة ونحوها" كالمحبة،
"فلا" يكون مظاهرا بل يدين، ويقبل حكما لاحتماله، وهو أعلم بمراده.
"وأنت أمي، أو مثل أمي" ليس بظهار إلا مع نية أو قرينة، لأنه في غير التحريم أظهر، فاحتمال هذه الصور لغير الظهار أكثر من احتمال الصور التي قبلها له، وكثرة الاحتمالات توجب اشتراط النية.
"أو: علي الظهار، أو: يلزمني، ليس بظهار إلا مع نية أو قرينة" دالة عليه: كأن يقولها حال خصومة أو غضب، لأنه يصير كناية فيه والقرينة تقوم مقام النية، ولأن لفظه يحتمله، وقد نواه به.
"وأنت علي كالميتة أو الدم، أو الخنزير يقع ما نواه من طلاق، أو ظهار، أو يمين" لأن لفظه يحتمله.
стр. 854
"فإن لم ينو شيئا فظهار" كقوله: أنت علي حرام. وعنه: يمين. وقال في المغني: أكثر الفقهاء على أن التحريم إذا لم ينو به الظهار ليس بظهار، وهو قول: مالك وأبي حنيفة والشافعي. ووجه ذلك الآية المذكورة، ولأن التحريم يتنوع: منه ما هو بظهار، وبطلاق، وبحيض، وبإحرام، وصيام، فلا يكون التحريم صريحا في واحد منها، ولا ينصرف إليه بغير نية، كما لا ينصرف إلى تحريم الطلاق. انتهى. وإن قالت لزوجها: نظير ما يصير به مظاهرا منها فليس بظهار، لقوله تعالى: ﴿ ... الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ... ﴾ ١ فخصهم بذلك. وعليها كفارته قياسا على الزوج. وروى الأثرم بإسناده عن عائشة بنت طلحة أنها قالت: إن تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي. فسألت أهل المدينة، فرأوا أن عليها الكفارة وروى سعيد أنها استفتت أصحاب رسول الله، ﷺ ، وهم يومئذ كثير فأمروها أن تعتق رقبة وتتزوجه، فتزوجته وأعتقت عبدا. وليس لها ابتداء القبلة والاستمتاع قبل التكفير، وعليها التمكين لزوجها من وطئها قبل التكفير لأنه حق للزوج، فلا تمنعه كسائر حقوقه.
стр. 855
فصل يصح الظهار من كل من يصح طلاقه
...
فصل ويصح الظهار من كل من يصح طلاقه:
مسلما كان أو كافرا حرا كان أو عبدا، كبيرا أو مميزا يعقله، لأنه تحريم كالطلاق فجرى مجراه.
"منجزا، أو معلقا أو محلوفا به" كالطلاق.
"فإن نجزه لأجنبية" بأن قال لها: أنت علي كظهرأمي،
"أوعلقه بتزويجها" بأن قال: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، أو قال: النساء علي كظهر أمي،
"أو قال لها. أنت علي حرام ونوى أبدا: صح ظهارا" لقول عمر ﵁، في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي، ثم تزوجها، قال: عليه كفارة الظهار رواه أحمد. ولأنها يمين مكفرة فصح عقدها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى. والآية خرجت مخرج الغالب.
"لا إن أطلق" فقال لأجنبية: أنت علي حرام، ولم ينو أبدا،
"أو نوى إذا" أي: أنها حرام عليه إذا، لأنه صادق في حرمتها عليه قبل عقد النكاح ويقبل منه دعوى ذلك حكما، لأنه الظاهر.
"ويصح الظهار" مطلقا غير مؤقت ويصح
"مؤقتا كـ: أنت علي كظهر أمي شهر رمضان، فإن وطئ فيه فمظاهر" عليه كفارته،
стр. 856
"وإلا فلا" أي: فيزول حكم الظهار بمضيه، لحديث سلمة بن صخر، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وفيه: ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان، وأخبر النبي ﷺ ، أنه أصاب فيه، فأمره بالكفارة ولم ينكر تقييده بخلاف الطلاق، فإنه يزيل الملك، وهذا يوقع تحريما يرفعه التكفير، أشبه الإيلاء.
"وإذا صح الظهار حرم على المظاهر الوطء ودواعيه قبل التكفير" لقوله تعالى: ﴿ ... فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ... ﴾ ١. وقوله: ﴿ ... فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ... ﴾ ٢. وقوله، ﷺ : "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به" رواه أهل السنن، وصححه الترمذي. ولأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه، كالطلاق والإحرام.
"فإن وطىء ثبتت الكفارة في ذمته" لقوله تعالى: ﴿ ... ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ... ﴾ ١ الآية والعود: الوطء. نص عليه. ولا يجب أكثر من كفارة، لأنه ﷺ ، لم يأمر سلمة بن صخر بأكثر منها.
"ولو مجنونا" بأن ظاهر، ثم جن فوطئ، لوجود العود.
"ثم لا يطأ حتى يكفر" للخبر السابق، ولبقاء التحريم.
"وإن مات أحدهما قبل الوطء فلا كفارة" لأنه لم يوجد الحنث، ويرثها كما بعد التكفير.
стр. 857
فصل الكفارة فيه على الترتيب
...
فصل والكفارة فيه على الترتيب:
"عتق رقبة مؤمنة" كسائر الكفارات، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... ﴾ ١ نص على المؤمنة في كفارة القتل. وقسنا عليها سائر الكفارات، لأنها في معناها حملا للمطلق على المقيد.
"سالمة من العيوب المضرة في العمل" ضررا بينا، لأن المقصود تمليك العبد منفعته، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع العيب المذكور، كعمى وشلل يد، أو رجل أو قطع إحداهما، ونحوها، لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع.
"ولا يجزئ عتق الأخرس الأصم" لأنه ناقص بفقد حاستين تنقص قيمته بنقصها نقصا كثيرا، وكذا أخرس لا تفهم إشارته.
"ولا الجنين" لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد.
"فإن لم يجد" رقبة، ولا مالا يشتريها به فاضلا عن حاجته، لنفقته وكسوته ومسكنه، وما لا بد له منه من مؤنة عياله ونحوه:
"صام شهرين متتابعين" للآية، والحديث.
"ويلزمه تبييت النية من الليل" وتعيينها لجهة الكفارة، لحديث "وإنما لكل امرئ ما نوى".
стр. 858
"فإن لم يستطع الصوم، للكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، أطعم ستين مسكينا" للآية ولأمره، ﷺ ، سلمة بن صخر بالإطعام حين أخبره بشدة شبقه وشهوته بقوله: وهل أصبت ما أصبت إلا من الصيام!. وأمر ﷺ ، أوس بن الصامت بالإطعام حين قالت امرأته: إنه شيخ كبير ما به من صيام وقيس عليهما ما في معناهما.
"لكل مسكين مد بر" لأنه قول زيد وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، ﵃. قاله في الكافي.
"ونصف صاع من غيره" لما روى أحمد عن أبي يزيد المدني قال "جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال رسول الله ﷺ ، للمظاهر: "أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر". قال في الكافي: وهذا نص، ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان منها لكل فقير من التمر نصف صاع، كفدية الأذى. انتهى.
"ولا يجزئ الخبز" لخروجه عن الكيل والادخار أشبه الهريسة. وعنه: يجزئه، للآية، لأن مخرج الخبز قد أطعمهم، فعليها يعتبر أن يكون من مد بر فصاعدا.
"ولا غير ما يجزئ في الفطرة" لأن الكفارة وجبت طهرة للمكفر عنه، كما أن الفطرة طهرة للصائم فاستويا في الحكم. فإن عدمت الأصناف الخمسة أجزأ ما يقتات من حب وثمر، قياسا على الفطرة، ولقوله تعالى: ﴿ ... مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ١
стр. 859
"ولا يجزئ العتق والصوم والإطعام إلا بالنية" لحديث: "إنما الأعمال بالنيات". ولأنه يختلف وجهه، فيقع تبرعا ونذرا وكفارة، فلا يصرفه إلى الكفارة إلا النية، ومحلها في العتق والإطعام معه، أو قبله بيسير.
стр. 860
كتاب اللعان
مدخل
...
كتاب اللعان:
"إذا رمى الزوج زوجته بالزنى فعليه حد القذف" إن كانت محصنة، "أو التعزير" إن كانت غير محصنة. ويأتي تعريف الإحصان في القذف.
"إلا أن يقيم البينة" عليها به، أو تصديقه، فلا حد، كما لو كان المقذوف غيرها.
"أو يلاعن" والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ الآية. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ٢ الآيات. فدلت الآية الأولى على وجوب الحد، إلا أن يسقط بأربعة شهداء. والثانية: على أن لعانه يقوم مقام الشهداء في إسقاط الحد. وعن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته، فقال النبي ﷺ : "البينة، وإلا حد في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق،
стр. 861
ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ١ رواه البخاري.
"وصفة اللعان أن يقول الزوج أربع مرات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى، ويشير إليها" إن كانت حاضرة، ومع غيبتها يسميها، أو ينسبها بما تميز به.
"ثم يزيد في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم تقول الزوجة أربعا: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ثم تزيد في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين" للآيات والأحاديث.
"ويسن تلاعنهما قياما" لما في حديث ابن عباس: "أن هلالا جاء فشهد، ثم قامت فشهدت"
"بحضرة جماعة" لأن ابن عباس، وابن عمر وسهلا حضروه. مع حداثة سنهم، فدل على أنه حضره جمع كثير، لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس تبعا للرجال. ولذلك قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند النبي، ﷺ . رواه الجماعة، إلا الترمذي.
"وأن لا ينقصوا عن أربعة" رجال، لأن الزوجة ربما أقرت فشهدوا عليها.
"وأن يأمر الحاكم من يضع يده على فم الزوج والزوجة عند الخامسة ويقول: اتق الله. فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" لأن عذاب الدنيا ينقطع، وعذاب الآخرة دائم. وكون الخامسة هي
стр. 862
الموجبة، أي: للعنة، أو الغضب على من كذب منهما لالتزامه ذلك. والسر في ذلك التخويف، ليتوب الكاذب منهما ويرتدع. وعن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته، فقال رسول الله ﷺ : "أرسلوا إليها"، فجاءت، فتلا عليهما أية اللعان، وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب. فقال النبي ﷺ "لاعنوا بينهما" فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. فلما كانت الخامسة، قيل يا هلال: "اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب". فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها. فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. فلما كانت الخامسة قيل لها: "اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب"، فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى: أن لا نفقة لها ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق، ولا متوفى عنها. رواه أحمد وأبو داود. وروى الجوزجاني عن ابن عباس في خبر المتلاعنين: ثم أمر به، فأمسك على فيه ووعظه إلى أن قال: ثم أمر بها فأمسك على فمها، ووعظها ... الحديث وشرط حضور الحاكم أو نائبه، وأن يأتي به بعد إلقائه عليه، وكمال لفظاته الخمس، والترتيب
стр. 863
على ما ورد به الشرع، والإتيان بصورة الألفاظ الواردة: والإشارة من كل واحد إلى صاحبه إن كان حاضرا، أو تسميته إن كان غائبا. فإن فقد شيء من ذلك لم يصح اللعان لمخالفته للنص.
стр. 864
فصل شروط اللعان ثلاثة
...
فصل وشروط اللعان ثلاثة:
"١- كونه بين زوجين مكلفين" لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ١ فلا لعان بقذف أمة، ولا حد. وأما اعتبار التكليف، فلأن قذف غير المكلف لا يوجب حدا، واللعان إنما وجب لإسقاط الحد.
"٢- أن يتقدمه قذفها بالزنى" ولو في دبر، لأنه قذف يجب به الحد. ولا فرق بين الأعمى والبصير نص عليه، لعموم الآية.
"٣- أن تكذبه" الزوجة في قذفها
"ويستمر تكذيبها إلى انقضاء اللعان" لأن اللعان إنما ينتظم بتكذيبها فإن صدقته، أو عفت عن الطلب بحد القذف، أو سكتت فلم تقر ولم تنكر لحقه النسب، ولا لعان، لأن الحق لها، فلا يستوفى من غير طلبها وإن كان بينهما نسب يريد نفيه، فله أن يلاعن، لأنه محتاج إليه، وهو حق له، فلا يسقط برضاها.
"ويثبت بتمام تلاعنهما أربعة أحكام: "
"١- سقوط الحد أو التعزير" الذي أوجبه القذف عنها وعنه. ولو قذفها برجل سماه سقط حكم قذفه بلعانه، لأن هلال بن أمية قذف
стр. 865
زوجته بشريك بن سحماء، ولم يذكره في لعانه، ولم يحده النبي ﷺ ، لشريك ولا عزره له، ولأن اللعان بينة في أحد الطرفين فكان بينة في الآخرة كالشهادة.
"٢- الفرقة ولو بلا فعل حاكم" لأنه معنى يقتضي التحريم المؤبد فلم يقف على تفريق الحاكم، كالرضاع وتفريق النبي ﷺ ، بينهما بمعنى: أنه أعلمهما بحصول الفرقة باللعان. وعنه لا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما، لقول ابن عباس في حديثه: ففرق رسول الله ﷺ ، بينهما. وفي حديث عويمر: أنه قذف امرأته، فتلاعنا عند النبي ﷺ ، فقال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره النبي ﷺ متفق عليه. فدل على أن الفرقة لم تحصل بمجرد اللعان. قدمه في الكافي.
"٣- التحريم المؤبد" لقول سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعا أبدا رواه الجوزجاني. وقال عمر، ﵁: المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا رواه سعيد، وعن علي وابن مسعود نحوه.
٤-"انتفاء الولد، ويعتبر لنفيه ذكره صريحا، كـ: أشهد بالله لقد زنت، وما هذا ولدي" وظاهر كلام أبي بكر صحة نفي الحمل في لعانه لظاهر حديث هلال بن أمية، فإنه لاعنها قبل الوضع، بدليل أن النبي ﷺ قال: "انظروها فإن جاءت به كذا وكذا". الحديث. ونفي عنه الولد قال ابن عبد البر: الآثار على هذا كثيرة، وأوردها، ولم ينقل ملاعنة بعد وضعه وشرط لنفيه أن لا يتقدمه إقرار
стр. 866
به أو بتوأمه، أو تهنئة به، فيسكت، أو يؤمن على الدعاء أو يؤخر النفي بلا عذر لأنه خيار لدفع ضرر، فكان على الفور كخيار الشفعة.
стр. 867
فصل فيما يلحق من النسب:
"إذا أتت زوجة الرجل بولد بعد نصف سنة" وهي أقل الحمل لما روي: أن عثمان أتي بامرأة ولدت لدون ستة أشهر، فشاور القوم في رجمها، فقال ابن عباس: أنزل الله تعالى: ﴿ ... وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ... ﴾ ١ وأنزل: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ٢، فالفصال في عامين، والحمل ستة أشهر، وذكر أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. وأكثرها أربع سنين، لما روى الوليد بن مسلم: قلت لمالك بن أنس حديث عائشة لا تزيد المرأة على السنتين في الحمل، قال مالك: سبحان الله، من يقول هذا؟! هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، تحمل أربع سنين وقال أحمد: نساء بني عجلان، يحملن أربع سنين.
"منذ أمكن اجتماعه بها، ولو مع غيبه فوق أربع سنين" قال في الفروع والمبدع: ولعل المراد: ويخفى سيره.
"حتى ولو كان ابن عشر" سنين
"لحقه نسبه" لحديث: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر" متفق عليه. وحديث: "واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" رواه أبو داود. وأمره بالتفريق بينهم في المضاجع دليل على إمكان
стр. 868
الوطء وهو سبب الولادة. وقد روي أن عمرو بن العاص وابنه لم يكن بينهما إلا اثنا عشر عاما.
"ومع هذا لا يحكم ببلوغه" إن شك فيه، لأن الأصل عدمه وإنما ألحقنا به الولد احتياطا للنسب.
"ولا يلزمه كل المهر" إن لم يثبت الدخول أو الخلوة، لأن الأصل براءته منه.
"ولا يثبت به عدة ولا رجعة" لعدم ثبوت موجبهما.
"وإن أتت به لدون نصف سنة منذ تزوجها" وعاش، أو لأكثر من أربع سنين منذ أبانها
"أو علم أنه لم يجتمع بها، كما لو تزوجها بحضرة جماعة، ثم أبانها في المجلس، أو مات: لم يلحقه نسبه" للعلم بأنه ليس منه لعدم إمكانه.
"ومن ثبت" أنه وطئ أمته في الفرج أو دونه.
"أو أقر أنه وطء أمته في الفرج أو دونه، ثم ولدت لنصف سنة" فأكثر
"لحقه" نسب ما ولدته، لأنها صارت فراشا له لوطئه ولأن سعدا نازع عبد بن زمعة في ابن وليدة زمعة، فقال عبد بن زمعة: هو أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال النبي ﷺ : "هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش وللعاهر الحجر" متفق عليه. فإن ادعى أنه كان يعزل عنها، لم ينتف عنه الولد بذلك، لاحتمال
стр. 869
أن يكون أنزل ولم يحس به، ولأنه يكون من الريح. وقال عمر ﵁: "ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلون، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أنه ألم بها إلا ألحقت به ولدها، فاعزلوا بعد ذلك أو أنزلوا" رواه الشافعي في مسنده.
"ومن أعتق أو باع من أقر بوطئها، فولدت لدون نصف سنة، لحقه" نسب ما ولدته للعلم بأنها كانت حاملا به قبل العتق أو البيع، حين كانت فراشا له.
"والبيع باطل" لأنها أم ولد، والعتق صحيح.
"ولنصف سنة فأكثر لحق المشتري" إن كانت مستبرأة، لأنه ولد أمة المشتري ولا تقبل دعوى غيره له بدون إقراره.
"ويتبع الولد أباه في النسب" إجماعا لقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ ١ ما لم ينفه بلعان.
"وأمه في الحرية" فولد حرة حر وإن كان من رقيق، لأنه جزء من أمه.
"وكذا" يتبعها.
"في الرق" فولد أمة قن لمالك أمه، ولو كان من حر.
"إلا مع شرط" زوج أمة حرية أولادها فهم أحرار، لحديث: "المسلمون عند شروطهم".
"أو غرور" بأن شرطها أو ظنها حرة، فبانت أمة، فولدها حر، وإن كان أبوه رقيقا ويفديه.
"ويتبع في الدين خيرهما" فولد المسلم من كتابية: مسلم. وولد
стр. 870
كتابي من مجوسية: كتابي. لكن لا تحل ذبيحته، ولا يحل لمسلم نكاحه لو كان أنثى.
"وفي النجاسة، وتحريم النكاح، والذكاة، والأكل أخبثهما" فالبغل من الحمار الأهلي محرم نجس تبعا للحمار، وما تولد بين هر، وشاة محرم الأكل تغليبا لجانب الحظر.
стр. 871
كتاب العدة
مدخل
مدخل
...
كتاب العدة:
وأجمعوا على وجوبها للكتاب والسنة في الجملة.
"وهي: تربص من فارقت زوجها بوفاة أو حياة" بطلاق، أو خلع أو فسخ.
"والمفارقة بالوفاة تعتد مطلقا" كبيرا كان الزوج أو صغيرا، يمكنه الوطء أو لا كبيرة كانت الزوجة أو صغيرة، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ ١.
"فإن كانت، حاملا من الميت، فعدتها: حتى تضع كل الحمل" لقوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢ وأجمعوا على ذلك إلا ابن عباس، فإنه قال: تعتد بأقصى الأجلين. ذكره في الشرح. وإنما تنقضي العدة بوضع ما تصير به أمة أم ولد، وهو ما تبين فيه خلق إنسان. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن عدة المرأة تنقضي بالسقط إذا علم أنه ولد. ذكره في الشرح.
"وإن لم تكن حاملا، فإن كانت حرة فعدتها: أربعة أشهر، وعشر ليال بأيامها" لأن النهار تبع الليل، للآية، ولقوله ﷺ "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث،
стр. 872
إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" متفق عليه. ولا يعتبر الحيض في عدة الوفاة في قول عامة أهل العلم.
"وعدة الأمة نصفها" شهران وخمس ليال، في قول عامة أهل العلم لإجماع الصحابة على تنصيف عدة الأمة في الطلاق، فكذا عدة الوفاة. وإذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة. حكاه ابن المنذر إجماعا لأنها زوجته، ويلحقها طلاقه وإيلاؤه، ولا تنتقل البائن لأنها أجنبية منه.
"والمفارقة في الحياة" لطلاق أو غيره قبل المسيس
"لا تعتد" بالإ جماع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ ١ الآية.
"ولا إن خلا بها" ولو لم يمسها فتجب العدة بالخلوة، لما روى أحمد بإسناده عن زرارة بن أوفى قال قضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق بابا، أو أرخى حجابا، فقد وجب المهر، ووجبت العدة.
"أو وطئها وكان ممن يطأ مثله، ويوطأ مثلها، وهو: ابن عشر، وبنت تسع" فعليها العدة بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ٢ ولأنه مظنة لاشتغال الرحم بالحمل، فتجب العدة لاستبرائه. فإن وطئ ابن دون عشر، أو وطئت بنت دون تسع، فلا عدة لذلك الوطء، لتيقن براءة الرحم من الحمل.
"وعدتها إن كانت حاملا بوضع الحمل" كله، للآية السابقة. وعن
стр. 873
أبي بن كعب قلت: يا رسول الله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن: للمطلقة ثلاثا، أو للمتوفى عنها؟ فقال: "هي للمطلقة ثلاثا، وللمتوفى عنها" رواه أحمد، والدارقطني. وعن الزبير بن العوام أنها كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة، فقالت لي وهي حامل: طيب نفسي بتطليقة. فطلقها تطليقة. ثم خرج إلى الصلاة، فرجع وقد وضعت. فقال: ما لها خدعتني، خدعها الله ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: "سبق الكتاب أجله، اخطبها إلى نفسها" رواه ابن ماجه.
"وإن لم تكن حاملا، فإن كانت تحيض فعدتها: ثلاث حيض إن كانت حرة" أومبعضة بغير خلاف بين أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ١، الآية. والقرء الحيض. روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، ﵃. وبه قال الحسن ومجاهد، وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، لأنه المعهود في لسان الشرع، لحديث: "تدع الصلاة أيام أقرائها" رواه أبو داود. وحديث "إذا أتى قرؤك فلا تصلي، وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء" رواه النسائي. ولم يعهد في لسانه استعمال القرء بمعنى: الطهر، وإن كان في اللغة مشتركا بين الحيض والطهر. وقالت عائشة، ﵂ أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض رواه ابن ماجه.
"وحيضتان إن كانت أمة" لحديث ابن عمر مرفوعا: "طلاق الأمة: طلقتان، وقرؤها: حيضتان" رواه أبو داود. ولأنه قول: عمر وابنه،
стр. 874
وعلي. ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعا، وهو مخصص لعموم الآية. وكان القياس أن تكون عدتها. حيضة ونصفها، كحدها، إلا أن الحيض لا يتبعض ولاتعتد بحيضة طلقت فيها، بل تعتد بعدها بثلاث حيض كوامل. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم. ولا تحل مطلقته لغيره إذا انقطع دم الحيضة الأخيرة حتى تغتسل في قول أكابر الصحابة، منهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو موسى وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء ﵃. وعنه: القرء الطهر. روي عن زيد بن ثابت وعائشة، وهو قول: الفقهاء السبعة والزهري، وبه قال: ربيعة ومالك والشافعي، لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ١ أي: في عدتهن. وإنما يطلق في الطهر، فعليها آخر العدة آخر الطهر الثالث إذا رأت الدم بعده انقضت عدتها. ويحتمل أن لا يحكم بانقضائها حتى ترى الدم يوما وليلة، لأن ما دونه يحتمل أن لا يكون حيضا. قاله في الكافي.
"وإن لم تكن تحيض: بأن كانت صغيرة، أو بالغة ولم تر حيضا ولا نفاسا أو كانت آيسة، وهي: من بلغت خمسين سنة" أو ستين سنة كما تقدم.
"فعدتها: ثلاثة أشهر إن كانت حرة" إجماعا لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ٢، أي كذلك.
стр. 875
"وشهران إن كانت أمة" نص عليه. واحتج بقول عمر: عدة أم الولد حيضتان، ولو لم تحض كان عدتها شهرين رواه الأثرم.
"ومن كانت تحيض ثم ارتفع حيضها قبل أن تبلغ سن الإياس، ولم تعلم ما رفعه، فتتربص تسعة أشهر" للحمل لأنها غالب مدته لتعلم براءة رحمها.
"ثم تعتد عدة آيسة" ثلاثة أشهر. قال الشافعي: هذا قضاء عمر بين المهاجرين والأنصار، لا ينكره منهم منكر، علمناه فصار إجماعا قاله في الكافي والشرح.
"وإن علمت ما رفعه من مرض، أو رضاع، أو نحوه، فلا تزال متربصة حتى يعود الحيض، فتعتد به" وإن طال الزمن لأنها مطلقة، لم تيأس من الدم، فيتناولها عموم الآية. وعن محمد بن يحيى بن حبان أنه كانت عند جده امرأتان: هاشمية، وأنصارية. فطلق الأنصارية وهي ترضع. فمر بها سنة، ثم هلك ولم تحض، فقالت الأنصارية لم أحض فاختصموا إلى عثمان، فقضى لها بالميراث، فلامت الهاشمية عثمان، فقال: هذا عمل ابن عمك، وهو أشار علينا بهذا. يعني: علي بن أبي طالب رضى الله عنه رواه الأثرم
"أو تصير آيسة فتعتد كآيسة" نص عليه. قال في الإنصاف: وعنه تنتظر زوال ما دفعه، ثم إن حاضت اعتدت به، وإلا اعتدت بسنة. ذكره محمد بن نصر المروزي عن مالك. ومن تابعه منهم: أحمد. ونقل ابن هانئ أنها تعتد بسنة. واختار الشيخ تقي الدين: إن علمت عدم عوده فكآيسة، وإلا اعتدت سنة. انتهى.
стр. 876
فصل وإن وطئ الأجنبي بشبهة أو نكاح فاسد
"أو زنى من هي في عدتها: أتمت عدة الأول" سواء كانت عدته من نكاح صحيح أو فاسد، أو وطء بشبهة أو زنى، لأنه في شغل الرحم كالصحيح، فوجبت العدة منه، ما لم تحمل من الثاني، فتنقضي عدتها منه بوضع الحمل، ثم تتم عدة الأول،
"ثم تعتد للثاني" لأنهما حقان اجتمعا لرجلين فلم يتداخلا، وقدم أسبقهما، كما لو تساويا في مباح غير ذلك. ولخبرعلي، ﵁ أنه قضى في التي تتزوج في عدتها، أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول، وتعتد من الآخر رواه مالك. وقال عمر: "أيما امرأة نكحت في عدتها، ولم يدخل بها الذي تزوجها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبا من الخطاب. وإن دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر ولم ينكحها أبدا" رواه الشافعي. وروي عن أحمد: أنها تحرم على الزوح الثاني على التأبيد، لقول عمر، ﵁. والصحيح من المذهب: أنها تحل له، لأنه وطء شبهة، فلم يحرم على التأبيد، كالنكاح بلا ولي وقد روي أن عليا قال: إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب، يعني:
стр. 877
الزوج الثاني، فقال عمر: ردوا الجهالات إلى السنة، ورجع إلى قول علي قاله في الكافي.
"وإن وطئها عمدا من أبانها: فكالأجنبي" تتم العدة الأولى، ثم تبتدئ العدة الثانية للزنى، لأنهما عدتان من وطأين، يلحقه النسب في أحدهما دون الآخر، كما لو كانا من رجلين.
"وبشبهة: استأنفت العدة من أولها" ودخلت فيها بقية العدة الأولى، لأنهما عدتان من واحد لوطأين، يلحق النسب فيهما لحوقا واحدا فتداخلا، كما لو طلق الرجعية في عدتها بعد أن راجعها، فإنها تستأنف العدة. فإن طلق الرجعية قبل رجعتها، بنت على عدتها الأولى، لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة، أشبها الطلقتين في وقت واحد.
"وتتعدد العدة بتعدد الواطئ بالشبهة" لحديث عمر السابق، ولأنهما حقان لآدميين، فلم يتداخلا: كالدينين. فإن تعدد الوطء من واحد، فعدة واحدة.
"لا بالزنى" فإن العدة لا تعدد في الأصح، وهو اختيار ابن حمدان، لعدم لحوق النسب فيه. فبقي القصد العلم ببراءة الرحم، فتعتد من آخر وطء.
"ويحرم على زوج الموطوءة بشبهة أو زنى أن يطأها في الفرج ما دامت في العدة" لأنها عدة قدمت على حق الزوج فمنع من الوطء قبل انقضائها، لا الاستمتاع، لأن تحريمها لعارض يختص بالفرج، فأبيح الاستمتاع منها بما دونه كالحيض.
стр. 878
فصل ويجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها
"بنكاح صحيح ما دامت في العدة" لقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرا" متفق عليه.
"ويجوز للبائن" من حي، ولايسن لها. قاله في الرعاية.
"والإحداد: ترك الزينة والطيب: كالزعفران" قال في الشرح: وأما الطيب: فلا خلاف في تحريمه، وأما اجتناب الزينة: فواجب في قول عامة أهل العلم. انتهى.
"ولبس الحلي، ولو خاتما" لقوله، ﷺ "ولا الحلي"
"ولبس الملون من الثياب: كالأحمر والأصفر والأخضر" لقوله ﷺ . ".. ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب". الحديث، متفق عليه. والعصب: ثياب يمنية فيها بياض وسواد، يصبغ غزلها، ثم ينسج. قاله القاضي، وصحح في الشرح أنه: نبت يصبغ به.
"والتحسن بالحناء والاسفيذاج" وهو: شيء يعمل من الرصاص، إذا دهن به الوجه يربو ويبرق، لأنه من الزينة. وعن أم سلمة مرفوعا "المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل" رواه النسائي.
стр. 879
"والاكتحال بالأسود" لما تقدم. ولا بأس بالكحل الأبيض: كالتوتياء ونحوه، لأنه لا يحسن العين. قاله في الكافي.
"والأدهان بالمطيب" لعموم قوله ﷺ ، في حديث أم عطية: "ولا تمس طيبا" أخرجاه.
"وتحمير الوجه وحفه" لأنه من الزينة.
"ولها لبس الأبيض، ولو حريرا" لأن حسنه من أصل خلقته، فلا يلزم تغييره.
"وتجب عدة الوفاة في المنزل الذي مات زوجها" وهي ساكنة
"فيه" ولو مؤجرا أو معارا. روي عن: عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود وأم سلمة، لحديث فريعة، وفيه. " ... امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله". فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا رواه الخمسة، وصححه الترمذي. قال في الشرح: وبه قال مالك، والشافعي. قال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار.
"ما لم يتعذر" كتحولها لخوفها على نفسها، أو مالها، أو حولت قهرا، أو بحق يجب عليها الخروج من أجله، أو لتحويل مالكه لها، أو طلبه فوق أجرته. أو لا تجد ما تكتري به إلا من مالها: فتنتقل حيث شاءت للضرورة، ولسقوط الواجب للعذر. ولم يرد الشرع بالاعتداد في معين غيره، فاستوى في ذلك البعيد والقريب. ويلزم من انتقلت بلا حاجة العود إلى منزلها لتتم عدتها فيه تداركا للواجب، وكذا من سافرت ولو لحج، ولم تحرم به، ومات زوجها قبل مسافة قصر، رجعت
стр. 880
واعتدت بمنزله، لأنها في حكم الإقامة. وعن سعيد بن المسيب قال: توفي أزواج نساؤهم حاجات أو معتمرات، فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن رواه سعيد.
"وتنقضي العدة بمضي الزمان حيث كانت" لأن المكان ليس شرطا لصحة الاعتداد. ولهم إخراجها لطول لسانها، وأذاها لأحمائها بالسب ونحوه لقوله تعالى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ١ فسره ابن عباس بما ذكرناه، وهو قول الأكثرين، والفاحشة تعم الأقوال الفاحشة، لقوله ﷺ ، لعائشة: "إن الله لايحب الفحش ولا التفحش". ولها الخروح في حوائجها نهارا، لقوله ﷺ "اخرجي فجذي نخلك" رواه أبو داود وغيره. وروى مجاهد: قال: استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله، ﷺ ، وقلن: يا رسول الله: نستوحش بالليل، فنبيت عند إحدانا، حتى إذا أصبحنا بادرنا بيوتنا. فقال رسول الله، ﷺ : "تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم، فلتات كل امرأة إلى بيتها" وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه: بلغه أن سائب بن خباب توفي، وأن امرأته جاءت إلى عبد الله بن عمر فذكرت له وفاة زوجها، وذكرت له حرثا لهم بقناة، وسألته: هل يصلح لها أن تبيت فيه؟ فنهى عن ذلك؟ فكانت تخرج من المدينة سحرا، فتصبح في حرثهم، فتظل فيه يومها، ثم تدخل المدينة إذا أمست فتبيت في بيتها. ولأن الليل مظنة الفساد، فلم يجز لها الخروج فيه من غير ضرورة.