← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 5463

منار السبيل في شرح الدليل

ابن ضويان

Полный текст (1 165 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فصل وإن وطئ الأجنبي بشبهة أو نكاح فاسد "أو زنى من هي في عدتها: أتمت عدة الأول" سواء كانت عدته من نكاح صحيح أو فاسد، أو وطء بشبهة أو زنى، لأنه في شغل الرحم كالصحيح، فوجبت العدة منه، ما لم تحمل من الثاني، فتنقضي عدتها منه بوضع الحمل، ثم تتم عدة الأول، "ثم تعتد للثاني" لأنهما حقان اجتمعا لرجلين فلم يتداخلا، وقدم أسبقهما، كما لو تساويا في مباح غير ذلك. ولخبرعلي، ﵁ أنه قضى في التي تتزوج في عدتها، أنه يفرق بينهما، ولها الصداق بما استحل من فرجها، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول، وتعتد من الآخر رواه مالك. وقال عمر: "أيما امرأة نكحت في عدتها، ولم يدخل بها الذي تزوجها، فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، وكان خاطبا من الخطاب. وإن دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم اعتدت من الآخر ولم ينكحها أبدا" رواه الشافعي. وروي عن أحمد: أنها تحرم على الزوح الثاني على التأبيد، لقول عمر، ﵁. والصحيح من المذهب: أنها تحل له، لأنه وطء شبهة، فلم يحرم على التأبيد، كالنكاح بلا ولي وقد روي أن عليا قال: إذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب، يعني:

стр. 877

الزوج الثاني، فقال عمر: ردوا الجهالات إلى السنة، ورجع إلى قول علي قاله في الكافي. "وإن وطئها عمدا من أبانها: فكالأجنبي" تتم العدة الأولى، ثم تبتدئ العدة الثانية للزنى، لأنهما عدتان من وطأين، يلحقه النسب في أحدهما دون الآخر، كما لو كانا من رجلين. "وبشبهة: استأنفت العدة من أولها" ودخلت فيها بقية العدة الأولى، لأنهما عدتان من واحد لوطأين، يلحق النسب فيهما لحوقا واحدا فتداخلا، كما لو طلق الرجعية في عدتها بعد أن راجعها، فإنها تستأنف العدة. فإن طلق الرجعية قبل رجعتها، بنت على عدتها الأولى، لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة، أشبها الطلقتين في وقت واحد. "وتتعدد العدة بتعدد الواطئ بالشبهة" لحديث عمر السابق، ولأنهما حقان لآدميين، فلم يتداخلا: كالدينين. فإن تعدد الوطء من واحد، فعدة واحدة. "لا بالزنى" فإن العدة لا تعدد في الأصح، وهو اختيار ابن حمدان، لعدم لحوق النسب فيه. فبقي القصد العلم ببراءة الرحم، فتعتد من آخر وطء. "ويحرم على زوج الموطوءة بشبهة أو زنى أن يطأها في الفرج ما دامت في العدة" لأنها عدة قدمت على حق الزوج فمنع من الوطء قبل انقضائها، لا الاستمتاع، لأن تحريمها لعارض يختص بالفرج، فأبيح الاستمتاع منها بما دونه كالحيض.

стр. 878

فصل ويجب الإحداد على المتوفى عنها زوجها "بنكاح صحيح ما دامت في العدة" لقوله ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج: أربعة أشهر وعشرا" متفق عليه. "ويجوز للبائن" من حي، ولايسن لها. قاله في الرعاية. "والإحداد: ترك الزينة والطيب: كالزعفران" قال في الشرح: وأما الطيب: فلا خلاف في تحريمه، وأما اجتناب الزينة: فواجب في قول عامة أهل العلم. انتهى. "ولبس الحلي، ولو خاتما" لقوله، ﷺ "ولا الحلي" "ولبس الملون من الثياب: كالأحمر والأصفر والأخضر" لقوله ﷺ . ".. ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب". الحديث، متفق عليه. والعصب: ثياب يمنية فيها بياض وسواد، يصبغ غزلها، ثم ينسج. قاله القاضي، وصحح في الشرح أنه: نبت يصبغ به. "والتحسن بالحناء والاسفيذاج" وهو: شيء يعمل من الرصاص، إذا دهن به الوجه يربو ويبرق، لأنه من الزينة. وعن أم سلمة مرفوعا "المتوفى عنها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشق، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل" رواه النسائي.

стр. 879

"والاكتحال بالأسود" لما تقدم. ولا بأس بالكحل الأبيض: كالتوتياء ونحوه، لأنه لا يحسن العين. قاله في الكافي. "والأدهان بالمطيب" لعموم قوله ﷺ ، في حديث أم عطية: "ولا تمس طيبا" أخرجاه. "وتحمير الوجه وحفه" لأنه من الزينة. "ولها لبس الأبيض، ولو حريرا" لأن حسنه من أصل خلقته، فلا يلزم تغييره. "وتجب عدة الوفاة في المنزل الذي مات زوجها" وهي ساكنة "فيه" ولو مؤجرا أو معارا. روي عن: عمر وعثمان وابن عمر وابن مسعود وأم سلمة، لحديث فريعة، وفيه. " ... امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله". فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرا رواه الخمسة، وصححه الترمذي. قال في الشرح: وبه قال مالك، والشافعي. قال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار. "ما لم يتعذر" كتحولها لخوفها على نفسها، أو مالها، أو حولت قهرا، أو بحق يجب عليها الخروج من أجله، أو لتحويل مالكه لها، أو طلبه فوق أجرته. أو لا تجد ما تكتري به إلا من مالها: فتنتقل حيث شاءت للضرورة، ولسقوط الواجب للعذر. ولم يرد الشرع بالاعتداد في معين غيره، فاستوى في ذلك البعيد والقريب. ويلزم من انتقلت بلا حاجة العود إلى منزلها لتتم عدتها فيه تداركا للواجب، وكذا من سافرت ولو لحج، ولم تحرم به، ومات زوجها قبل مسافة قصر، رجعت

стр. 880

واعتدت بمنزله، لأنها في حكم الإقامة. وعن سعيد بن المسيب قال: توفي أزواج نساؤهم حاجات أو معتمرات، فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن رواه سعيد. "وتنقضي العدة بمضي الزمان حيث كانت" لأن المكان ليس شرطا لصحة الاعتداد. ولهم إخراجها لطول لسانها، وأذاها لأحمائها بالسب ونحوه لقوله تعالى: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ١ فسره ابن عباس بما ذكرناه، وهو قول الأكثرين، والفاحشة تعم الأقوال الفاحشة، لقوله ﷺ ، لعائشة: "إن الله لايحب الفحش ولا التفحش". ولها الخروح في حوائجها نهارا، لقوله ﷺ "اخرجي فجذي نخلك" رواه أبو داود وغيره. وروى مجاهد: قال: استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول الله، ﷺ ، وقلن: يا رسول الله: نستوحش بالليل، فنبيت عند إحدانا، حتى إذا أصبحنا بادرنا بيوتنا. فقال رسول الله، ﷺ : "تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، فإذا أردتن النوم، فلتات كل امرأة إلى بيتها" وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه: بلغه أن سائب بن خباب توفي، وأن امرأته جاءت إلى عبد الله بن عمر فذكرت له وفاة زوجها، وذكرت له حرثا لهم بقناة، وسألته: هل يصلح لها أن تبيت فيه؟ فنهى عن ذلك؟ فكانت تخرج من المدينة سحرا، فتصبح في حرثهم، فتظل فيه يومها، ثم تدخل المدينة إذا أمست فتبيت في بيتها. ولأن الليل مظنة الفساد، فلم يجز لها الخروج فيه من غير ضرورة.

стр. 881

باب استبراء الإماء مدخل ... باب استبراء الإماء: "وهو واجب في ثلاثة مواضع:" "١- إذا ملك الرجل، ولو طفلا" بإرث أو شراء ونحوه، "أمة يوطأ مثلها" بكرا كانت، أو ثيبا، كالعدة. قال الإمام أحمد: بلغني أن العذراء تحمل، فقال له بعض أهل المجلس: نعم، قد كان في جيراننا. "حتى ولو ملكها من أنثى" فيحرم وطؤها قبل استبرائها، لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره" رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن أبي سعيد أن النبي، ﷺ قال في سبي أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولاغير حامل حتى تحيض حيضة" رواه أحمد وأبو داود. "أو كان بائعها قد استبرأها" لعموم الأحاديث، ولأن المشتري يجب عليه الاستبراء، لحفظ مائه، لاحتمال كون البائع لم يستبرئها. وقال ابن عمر، ﵁: إذا وهبت الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو عتقت فلتستبرئ بحيضة، ولا تستبرئ العذراء" حكاه البخاري في صحيحه. "أو باع أو وهب أمته، ثم عادت إليه بفسخ، أو غيره" ولو قبل تفرقهما من المجلس.

стр. 882

"حيث انتقل الملك لم يحل استمتاعه بها، ولو بالقبلة حتى يستبرئها" لأنه تجديد ملك يحتمل اشتغال الرحم قبله، فأشبه ما لو اشتراها، وكشراء الصغيرة. وعنه: لا يجب الاستبراء إن عادت قبل التفرق، لأن يقين البراءة معلوم، فأشبه الطلاق قبل الدخول. قاله في الكافي. "٢- إذا ملك أمة ووطئها، ثم أراد أن يزوجها، أو يبيعها قبل الإستبراء فيحرم" لأن الزوج لا يلزمه الاستبراء، فيفضي تزويجها قبل الإستبراء إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب، ولأن عمر، ﵁ أنكر على عبد الرحمن بن عوف حين باع جارية له كان يطؤها قبل استبرائها. قال: ما كنت لذلك بخليق ولأن فيه حفظ مائه وصيانة نسبه، فوجب عليه، كالمشتري، وللشك في صحة البيع، لاحتمال أن تكون أم ولد، ولأنه قد يشتريها من لايستبرئها، فيفضي إلى اختلاط المياه. "فلو خالف" فزوجها، أو باعها قبل استبرائها: "صح البيع" لأن الأصل عدم الحمل "دون النكاح" فلا يصح، كتزوج المعتدة. "وإن لم يطأها جاز" البيع والنكاح، لعدم وجوب الاستبراء إذا، لأنها ليست فراشا له، وقد حصل يقين براءتها منه. "٣- إذا أعتق أمته أو أم ولده، أو مات عنها لزمها استبراء نفسها إن لم تستبرئ قبل" لأنها فراش لسيدها، وقد فارقها بالموت أو العتق، فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره بلا استبراء وتسبترئ أم الولد إذا مات عنها، كما تستبرئ المسبية، لأنه استبراء بملك اليمين. وعنه:

стр. 883

تستبرئ بأربعة أشهر وعشر، لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تفسدوا علينا سنة نبينا، ﷺ ، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها: أربعة أشهر وعشر قال في الكافي: والصحيح الأول، لما ذكرناه. وخبر عمرو لا يصح. قاله أحمد.

стр. 884

فصل واستبراء الحامل بوضع الحمل: الذي تنقضي به العدة. "ومن تحيض: بحيضة" تامة، لقوله، ﷺ ، في سبي أوطاس "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة" رواه أحمد وأبو داود. "والآيسة والصغيرة" التي يوطأ مثلها، "والبالغ التي لم تر حيضا: بشهر" لأن الشهر أقيم مقام الحيضة قي عدة الحرة والأمة. وعنه: بشهرين، كعدة الأمة. وعنه: بثلاثة أشهر. قال في الكافي: وهي أصح. قال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان الحيضة، وإنما جعل الله في القرآن مكان كل حيضة شهرا؟ فقال: من أجل الحمل: فإنه لا يبين في أقل من ذلك، فإن عمر بن عبد العزيز سئل عن ذلك، وجمع أهل العلم والقوابل، فأخبروا أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، فأعجبه ذلك، ثم قال: ألا تسمع قول ابن مسعود: إن النطفة أربعون يوما، ثم علقة أربعون يوما، ثم مضغة بعد ذلك، فإذا خرجت الثمانون صار بعدها مضغة. وهي: لحمة، فيتبين حينئذ وهذا معروف عند النساء. فأما شهرا فلا معنى له، ولا أعلم أحدا قاله. انتهى.

стр. 885

"والمرتفع حيضها، ولم تدر ما رفعه: بعشرة أشهر" تسعة للحمل، وواحد للاستبراء. "والعالمة مارفعه: بخمسين سنة وشهر" لما تقدم في العدة. فإن عاد الحيض قبلها، استبرأت بحيضة. "ولا يكون الاستبراء إلا بعد تمام ملك الأمة كلها، ولو لم يقبضها" لأن الملك ينتقل بالبيع، وقد وجد. "وإن ملكها حائضا لم يكتف بتلك الحيضة" للخبر، وكما لو طلق زوجته، وهي حائض. "وإن ملك من تلزمها عدة اكتفى بها" لحصول العلم بالبراءة بها، فلا فائدة في الاستبراء لدخوله في العدة. "وإن ادعت الأمة الموروثة تحريمها على الوارث بوطء مورثه" كأبيه وابنه صدقت. "أو ادعت المشتراة أن لها زوجا صدقت" فيه، لأنه لا يعرف إلا من جهتها.

стр. 886

كتاب الرضاع: "يكره استرضاع الفاجرة والكافرة" نص عليه. وقال عمر، ﵁ اللبن نسبة فلا تسق من يهودية ولا نصرانية "وسيئة الخلق" لئلا يشبهها الولد في الحمق، فإنه يقال: الرضاع يغير الطباع. "والجذماء والبرصاء" ١ ونحوهما مما يخاف تعديه. وفي المحرر: وبهيمة. وفي الترغيب: وعمياء. "وإذا أرضعت المرأة طفلا" في الحولين ذكرا أو أنثى "بلبن حمل لاحق بالواطئ" نسبه، "صار ذلك الطفل ولدهما" في تحريم نكاح، وثبوت محرمية وإباحة نظر وخلوة، لا في وجوب نفقة وإرث وعتق وولاية ورد شهادة. "وأولاده وإن سفلوا أولاد ولدهما" فيما ذكر. "وأولاد كل منهما" أي: المرضعة، والواطئ اللاحق به الحمل الذي ثاب عنه اللبن.

стр. 887

"من الآخر أو غيره" كأن تزوجت المرضعة بغيره، فصار لها منه أولاد، أو تزوج الواطئ بغيرها، وصار له منها أولاد، فالذكور منهم: "إخوته، و" البنات: "أخواته، وقس على ذلك" فآباؤهما: أجداده، وأمهاتهما: جداته، وإخوتهما وأخواتهما: أعمامه وعماته وأخواله وخالاته، لأن ذلك كله فرع ثبوت الأمومة والأبوة. "وتحريم الرضاع في النكاح، وثبوت المحرمية كالنسب" لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ١ نص على هاتين في المحرمات، فدل على ما سواهما. وعن عائشة مرفوعا: "الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" وعن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ . في ابنة حمزة: "لا تحل لي: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة" متفق عليهما. "بشرط أن يرتضع خمس رضعات" فصاعدا، لحديث عائشة قالت أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله، ﷺ ، والأمر على هذا رواه مسلم. وبه قال الشافعي. وهذا الحديث يخص عموم حديث "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" والآية: فسرتها السنة، وبينت الرضاعة المحرمة. وعنه أن قليله يحرم كالذي يفطر الصائم، وهو قول مالك، لعموم الآية والحديث. وعنه: لا يثبت التحريم إلا بثلاث رضعات، وهو قول

стр. 888

أبي عبيد وابن المنذر، لمفهوم قوله، ﷺ : "لا تحرم المصة ولا المصتان" وفي حديث آخر "لا تحرم الإملاجة، ولا الإملاجتان" ١ رواهما مسلم. والأول أولى، لأن المنطوق أقوى من المفهوم. ويشترط أيضا أن يكون "في العامين" لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ٢ ولقوله، ﷺ "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" صححه الترمذي. وعن عائشة مرفوعا: "فإنما الرضاعة من المجاعة" متفق عليه. قال في شرح المحرر: يعني: في حال الحاجة إلى الغذاء واللبن. "فلو ارتضع بقية الخمس بعد العامين بلحظة: لم تثبت الحرمة" لأن الله تعالى جعل تمام الرضاعة حولين، فدل على أنه لا حكم للرضاع بعدهما وكانت عائشة، ﵂، ترى رضاع الكبير يحرم، لحديث٣ سالم. وعن أم سلمة قالت: "أبى سائر أزواج النبي، صلى

стр. 889

الله عليه وسلم، أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله، ﷺ ، لسالم خاصة رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. "ومتى امتص الثدي، ثم قطعه ولو قهرا، ثم امتص ثانيا: فرضعة ثانية" لأن المصة الأولى زال حكمها بترك الإرتضاع، فإذا عاد فامتص فهي غير الأولى، ولأن قوله، ﷺ "لا تحرم المصة ولا المصتان" يدل على أن لكل مصة أثرا. "والسعوط، في الأنف، والوجور. في الفم وأكل ما جبن أو خلط بالماء وصفاته باقية: كالرضاع في الحرمة" لحديث ابن مسعود مرفوعا: "لا رضاع إلا ما أنشر العظم، وأنبت اللحم" رواه أبو داود. ولوصول اللبن إلى جوفه، كوصوله بالارتضاع، والأنف سبيل لفطر الصائم، فكان سبيلا للتحريم بالرضاع كالفم. "وإن شك في الرضاع، أو عدد الرضعات بنى على اليقين" لأن الأصل عدم الرضاع المحرم. "وإن شهدت به مرضية ثبت التحريم" متبرعة بالرضاع، أو بأجرة، لحديث عقبة بن الحارث، قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما فأتيت النبي، ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "وكيف وقد زعمت ذلك؟ " متفق عليه. وفي لفظ للنسائي فأتيته من قبل وجهه، فقلت: إنها كاذبة، فقال: "كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما؟ خل سبيلها" وقال الشعبي: كان القضاة يفرقون بين الرجل والمرأة بشهادة امرأة واحدة في الرضاع.

стр. 890

وقال الزهري: فرق بين أهل أبيات في زمن عثمان بشهادة امرأة واحدة، وظاهره: سواء شهدت على فعل نفسها، أو على فعل غيرها، كالولادة. "ومن حرمت عليه بنت امرأة" من النسب: "كأمه، وجدته، وأخته" وبنت أخيه، وبنت أخته، أو بمصاهرة. كربيبته التي دخل بأمها "وإذا أرضعت طفلة" رضاعا محرما، "حرمتها عليه أبدا" كبنتها من نسب. "ومن حرمت عليه بنت رجل: كأبيه، وجده، وأخيه، وابنه إذا أرضعت زوجته بلبنه طفلة" رضاعا محرما. "حرمتها عليه أبدا" لحديث "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة".

стр. 891

كتاب النفقات مدخل مدخل ... كتاب النفقات: أي: ما يجب على الإنسان من النفقة بالنكاح والقرابة والملك، وما يتعلق بذلك. "يجب على الزوج ما لا غناء لزوجته عنه من مأكل، ومشرب، وملبس، ومسكن بالمعروف" لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ١ الآية وهي: في سياق أحكام الزوجات. وعن جابر مرفوعا: "اتقوا الله في النساء: فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" رواه مسلم وأبو داود. والمعروف: قدر الكفاية. وأجمعوا على وجوب نفقة الزوجة على الزوج إذا كانا بالغين، ولم تكن ناشزا. ذكره ابن المنذر وغيره. ولأن الزوجة محبوسة لحق الزوج فيمنعها ذلك من التصرف والكسب، فتجب نفقتها عليه. "ويعتبر الحاكم ذلك إن تنازعا بحالهما" جميعا، يسارا وإعسارا لهما أو لأحدهما، لأنه أمر يختلف باختلاف حال الزوجين، فرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم كسائر المختلفات. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢ وقال النبي ﷺ

стр. 892

"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" فاعتبر حالها. وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية١ فاعتبر حاله. فاعتبار حالهما جمع بين الدليلين. والشرع ورد بالإنفاق من غير تقدير فيرد إلى العرف. ذكره في الشرح. "وعليه مؤنة نظافتها من دهن وسدر وثمن ماء الشراب، والطهارة من الحدث والخبث وغسل الثياب" لأن ذلك كله من حوائجها المعتادة. "وعليه لها خادم إن كانت ممن يخدم مثلها" لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف، ولأنه من حاجتها، كالنفقة. ولا يلزمه أكثر من واحد، لأن خدمتها في نفسها تحصل بالواحد. "وتلزمه مؤنسة لحاجة" كخوف مكانها، وعدو تخاف على نفسها منه، لأنه ليس من المعاشرة بالمعروف إقامتها بمكان لا تأمن فيه على نفسها.

стр. 893

فصل والواجب عليه دفع الطعام في أول كل يوم: عند طلوع شمسه، لأنه أول وقت الحاجة إليه فلا يجوز تأخيره عنه. "ويجوز دفع عوضه إن تراضيا" وكذا تعجيل النفقة وتأخيرها عن وقت الوجوب، لأن الحق لا يعدوهما. "ولا يملك الحاكم أن يفرض عوض القوت دراهم مثلا إلا بتراضيهما" فلا يجبر من امتنع منهما. قال في الهدي: أما فرض الدراهم: فلا أصل

стр. 894

له في كتاب ولا سنة، ولا نص عليه أحد من الأئمة، لأنها معارضة بغير الرضى عن غير مستقر. وفي الفروع: وأما مع الشقاق والحاجة كالغائب مثلا فيتوجه الفرض للحاجة إليه قطعا للنزاع. ولا تعتاض عن الواجب الماضي بربوي، كحنطة عن خبز، ولو تراضيا عليه، لأنه ربا. "وفرضه ليس بلازم" لأنه فرض غير الواجب. "ويجب لها الكسوة في أول كل عام" للآية والخبر، ولأنه يحتاج إليها لحفظ البدن على الدوام، فلزمه كالنفقة، فيعطيها كسوة السنة، لأنه لا يمكن ترديد الكسوة شيئا فشيئا بل هو شيء واحد يستدام إلى أن يبلى. "وتملكها" أي النفقة والكسوة "بالقبض" كما يملك رب الدين دينه بقبضه. "فلا بدل لما سرق أو بلي" لأنها قبضت حقها منه فلم يلزمه غيره. "وإن انقضى العام، والكسوة باقية فعليه كسوة للعام الجديد" اعتبارا بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة، كما أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها، وكذا غطاء ووطاء وستارة يحتاج إليها. واختار الشيخ تقي الدين، وتبعه ابن نصر الله، وغيره: أنه كماعون الدار ومشط يجب بقدر الحاجة، وعليه العمل. "وإن مات أو ماتت قبل انقضائه" أي: قبل مضي العام "رجع عليها بقسط ما بقي" من العام، لتبين عدم استحقاقه، كنفقة تعجلتها. وقدم في الكافي: لا يرجع لأنه دفع ما استحق دفعه، فلم يرجع به كنفقة اليوم.

стр. 895

"وإن أكلت معه عادة، أو كساها بلا إذن" منها أو من وليها، وكان ذلك بقدر الواجب عليه: "سقطت" نفقتها وكسوتها عملا بالعرف. ومن غاب عن زوجته مدة، ولم ينفق عليها لزمته نفقة الزمن الماضي، ولو لم يفرضها حاكم، لاستقرارها في ذمته، فلم تسقط بمضي الزمان، كأجرة العقار، ولأن عمر، ﵁ كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم بأن ينفقوا أويطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن عمر. وكذا لو كان حاضرا ولم ينفق، لعذر أو لا، لأنه حق يجب مع اليسار والإعسار.

стр. 896

فصل والرجعية مطلقا: أي: سواء كانت حاملا أو لا، لها السكنى والنفقة والكسوة، لأنها زوجة، لقوله تعالى: ﴿ ... وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ... ﴾ ١ ولأنه يلحق طلاقه وظهاره، أشبه ما قبل الطلاق. "والبائن" الحامل كالزوجة، لقوله تعالى: ﴿ ... وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ٢ وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس: "لا نفقة لك، إلا أن تكوني حاملا" رواه أحمد وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم بمعناه. "والناشز الحامل" كالزوجة، لأن النفقة للحمل، فلا تسقط بنشوز أمه.

стр. 897

"والمتوفى عنها زوجها حاملا كالزوجة في النفقة، والكسوة، والمسكن" من حصة الحمل من التركة إن كانت، لأنه موسر فلا تجب نفقته على غيره، وإلا فعلى وارثه الموسر للقرابة. "ولا شيء لغير الحامل منهن" أي: البائن، والناشز، والمتوفى عنها، لمفهوم ما سبق. وأما قول عمر، ومن وافقه في المبتوتة: فقد خالفه علي وابن عباس ومن وافقهما، والحجة معهما. ذكره في الشرح. ولأن النفقة للحمل فتجب بوجوده، وتسقط بعدمه، وتسقط بمضي الزمان كسائر الأقارب. قال المنقح: ما لم تستدن بإذن حاكم، أو تنفق بنية الرجوع. "ولا" نفقة "لمن سافرت لحاجتها، أو لنزهة أو زيارة ولو بإذن الزوج" لتفويتها التمكين لحظ نفسها وقضاء أربها، إلا أن يكون مسافرا معها متمكنا منها. "وإن ادعى نشوزها، أو أنها أخذت نفقتها وأنكرت، فقولها بيمينها" لأن الأصل عدم ذلك. واختار الشيخ تقي الدين وابن القيم في النفقة: القول قول من يشهد له العرف، لأنه تعارض الأصل والظاهر، والغالب أنها تكون راضية، وإنما تطالبه عند الشقاق. "ومتى أعسر بنفقة المعسر، أو كسوته أو مسكنه، أو صار لا يجد النفقة إلا يوما دون يوم، أو غاب الموسر وتعذرت عليها النفقة بالاستدانة وغيرها، فلها الفسخ فورا ومتراخيا" للحوق الضرر الغالب بذلك بها، إذ البدن لا يقوم بدون كفايته، وهو قول عمر وعلي وأبي هريرة،

стр. 898

لقوله تعالى: ﴿ ... فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ... ﴾ ١ وقد تعذر الإمساك بالمعروف فيتعين التسريح بالإحسان، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" وعن أبي هريرة مرفوعا: في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته. قال: "يفرق بينهما" رواه الدارقطني. وسئل ابن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، أيفرق بينهما؟ قال: نعم، قيل: سنة؟ قال: سنة. وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا وقد سبق. ولأن جواز الفسخ بذلك أولى من العنة. لأن الضرر فيه أكثر. "ولا يصح بلا حاكم" لأنه فسخ مختلف فيه، فلم يجز بغير الحاكم، كالفسخ للعنة. "فيفسخ بطلبها، أو تفسخ بأمره" لأنه لحقها فلم يجز بدون طلبها. "وإن امتنع الموسر من النفقة أو الكسوة، وقدرت على ماله: فلها الأخذ منه بلا إذنه بقدر كفايتها، وكفاية ولدها الصغير" لأن هندا بنت عتبة، قالت: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه. فرخص لها في أخذ تمام الكفاية بغير علمه، لأنه موضع حاجة إذ لا غنى عن النفقة، ولا قوام إلا بها، وتتجدد بتجدد الزمن فتشق المرافعة بها إلى الحاكم، والمطالبة بها كل يوم.

стр. 899

باب نفقة الأقارب والمماليك مدخل ... باب نفقة الأقارب والمماليك: من الآدميين والبهائم. أجمعوا على وجوب نفقة الوالدين والمولودين. حكاه ابن المنذر وغيره، لقوله تعالى: ﴿ ... وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ... ﴾ ١ ومن الإحسان إليهما: الإنفاق عليهما عند حاجتهما. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢ وعن عائشة مرفوعا: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" رواه أبو داود. ولحديث هند المتقدم "ويجب على القريب نفقة أقاربه، وكسوتهم، وسكناهم بالمعروف" لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ٢ ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ ٢ فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم أوجب على الوارث مثل ذلك. وروى أبو داود أن رجلا سأل النبي، ﷺ ، من أبر؟ قال: "أمك وأباك، وأختك وأخاك" وفي لفظ "ومولاك الذي هو أدناك حقا واجبا، ورحما موصولا" وقضى عمر ﵁، على بني عم منفوس بنفقته احتج به أحمد.

стр. 900

"بثلاثة شروط" "الأول: أن يكونوا فقراء لا مال لهم، ولا كسب" لأنها مواساة، فلا تستحق مع الغناء عنها، كالزكاة، "الثاني أن يكون المنفق غنيا. إما بماله أو كسبه، وأن يفضل عن قوت نفسه وزوجته ورقيقه يومه وليلته" وكسوتهم وسكناهم، لحديث جابر مرفوعا: "إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله، فإن كان فضل فعلى قرابته" وفي لفظ "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول" صححه الترمذي. ولأن وجوب نفقة القريب على سبيل المواساة فيجب أن تكون في الفاضل عن الحاجة الأصلية. "الثالث أن يكون وارثا لهم بفرض أو تعصيب" للآية. "إلا الأصول والفروع فتجب لهم وعليهم مطلقا" أي: سواء ورثوا أو لا، لعموم ما تقدم. ويدخل الأجداد وأولاد الأولاد في اسم الآباء والأولاد. قال تعالى: ﴿ ... مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ ١ وقال: ﴿ ... يَا بَنِي آدَمَ ... ﴾ ٢ ﴿ ... يَا بَنِي إِسْرائيلَ ... ﴾ ٣ وقال النبي ﷺ ، في الحسن "إن ابني هذا سيد" ولأن بينهما قرابة توجب العتق، ورد الشهادة، أشبه الولد والوالدين الأقربين. "وإذا كان للفقير ورثة دون الأب فنفقته على قدر إرثهم" منه، لأن الله تعالى رتب النفقة على الإرث بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ... ﴾ ٤ فوجب أن يرتب مقدار النفقة على مقدار الإرث.

стр. 901

"ولا يلزم الموسر منهم مع فقر الآخر سوى قدر إرثه" لأن ذلك القدر هو الواجب عليه يسار الآخر، فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه. "ومن قدر على الكسب أجبر" عليه. "لنفقة من تجب عليه" نفقته، "من قريب وزوجة" لأن تركه مع قدرته عليه تضيع لمن يعول، وهو منهي عنه. ولا تجبر امرأة على نكاح، لنفقة على قريبها الفقير. "ومن لم يجد ما يكفي الجميع بدأ بنفسه" لحديث "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". "فزوجته" لأن نفقتها معاوضة، فقدمت على ما وجب مواساة، ولذلك تجب مع يسارهما وإعسارهما بخلاف نفقة القريب. "فرقيقه" لوجوبها مع اليسار والإعسار، كنفقة الزوجة. "فولده" لوجوب نفقته بالنص. "فأبيه" لانفراده بالولاء، واستحقاقه الأخذ من مال ولده، وقد أضافه إليه بقوله ﵊ "أنت ومالك لأبيك". "فأمه" لأن لها فضيلة الحمل والرضاع والتربية. وقيل: الأم أحق، لما روي أن رجلا قال: يا رسول الله: من أبر؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك" متفق عليه. وقيل: هما سواء لتساويهما في القرابة. "فولد ابنه، فجده، فأخيه، ثم الأقرب فالأقرب" لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله: من أبر؟ قال:

стр. 902

"أمك". قلت: ثم من؟ قال: "أمك". قلت: ثم من؟ قال "أمك". قلت: ثم من؟ قال: "أباك، ثم الأقرب فالأقرب" رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن طارق المحاربي مرفوعا: "إبدأ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك" رواه النسائي. ولأن النفقة صلة وبر، ومن قرب أولى بالبر ممن بعد. "ولمستحق النفقة أن يأخذ ما يكفيه من مال من تجب عليه بلا إذنه" لحديث هند السابق. وقيس عليه سائر من تجب له النفقة. "وحيث امتنع منها زوج أو قريب، وأنفق أجنبي بنية الرجوع رجع" لأنه قام عنه بواجب، كقضاء دينه. "ولا نفقة مع اختلاف الدين" بقرابة، ولو من عمودي نسب، لأنهما لا يتوارثان. "إلا بالولاء" فتجب للعتيق على معتقه بشرطه، وإن باينه في دينه، لأنه يرثه مع ذلك، فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿ ... وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ... ﴾ ١.

стр. 903

فصل وعلى السيد نففة مملوكه وكسوته ومسكنه: لحديث أبي هريرة مرفوعا: "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" رواه أحمد ومسلم والشافعي في مسنده. وأجمعوا

стр. 904

على أن نفقة المملوك على سيده، ولأنه لا بد له من نفقة، ومنافعه لسيده، وهو أحق الناس به، فوجبت عليه نفقته كبهيمته. "وتزويجه إن طلب" أو بيعه، لقوله تعالى: ﴿ ... وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ... ﴾ ١. "وله أن يسافر بعبده المزوج وأن يستخدمه نهارا" ويمكنه من الإستمتاع بها ليلا. "وعليه إعفاف أمته: إما بوطئها، أو تزويجها، أو بيعها" إزالة لضرر الشهوة عنها. "ويحرم أن يضربه على وجهه" لحديث ابن عمر مرفوعا: "من لطم غلامه فكفارته عتقه" رواه مسلم. "أو يشتم أبويه ولو كافرين" قال أحمد: لا يعود لسانه الخنى والردى٢ ولا يدخل الجنة سيئ الملكة، وهو: الذي يسيء إلى مماليكه٣ "أو يكلفه من العمل ما لا يطيق" لما تقدم. وفي حديث أبي ذر "ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه" متفق عليه. "ويجب أن يريحه وقت القيلولة، ووقت النوم، والصلاة المفروضة" لأنه العادة، ولأن تركه إضرار بهم. وفي الحديث "لا ضرر ولا ضرار". "وتسن مداواته إن مرض" إزالة للضرر عنه.

стр. 905

"وأن يطعمه من طعامه" ويلبسه من لباسه، لحديث أبي ذر مرفوعا: "هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس" الحديث، متفق عليه. وعن أبي هريرة مرفوعا: "إذا أتى أحدكم خادمة بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه" رواه الجماعة. وعن أنس قال: كان عامة وصية رسول الله، ﷺ ، حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. "وله تقييده إن خاف عليه" إباقا. نص عليه. وقال: يباع أحب إلي. "وتأديبه" إن أذنب، ولا يجوز بلا ذنب. ويستحب العفو عنه مرة أو مرتين "ولا يصح نفله إن أبق" لحديث جرير مرفوعا "أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة" وفي لفظ "إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة" رواه مسلم. "وللإنسان تأديب زوجته وولده ولو مكلفا بضرب غير مبرح" إن أذنبوا، لحديث "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" رواه الجماعة إلا النسائي. "ولا يلزمه بيع رقيقه مع قيامه بحقوقه" لأن الملك للسيد، والحق له، فلا يجبر على بيعه، كما لا يجبر على طلاق زوجته مع قيامه بما يجب لها. فإن لم يقم بحقه وطلب بيعه، لزمه إجابته إزالة للضرر. وفي الخبر

стр. 906

"عبدك يقول: أطعمني، وإلا فبعني. وامرأتك تقول: أطعمني، أو طلقني" رواه أحمد والدارقطني بمعناه.

стр. 907

فصل وعلى مالك البهيمة إطعامها وسقيها: لحديث ابن عمر مرفوعا: "عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض" متفق عليه. "فإن امتنع أجبر" أي: أجبره الحاكم لقيامه مقام الممتنع من أداء الواجب، كقضاء دينه. "فإن أبى أو عجز: أجبر على بيعها، أو إجارتها، أو ذبحها إن كانت تؤكل" إزالة للضرر عنها. لقوله، ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" ولأنها تتلف إذا تركت بلا نفقة. وإضاعة المال منهي عنها. "ويحرم لعنها" لحديث عمران أن النبي، ﷺ ، كان في سفر، فلعنت امرأة ناقة، فقال: "خذوا ما عليها، ودعوها فإنها ملعونة". فكأني أراها الآن تمشي في الناس لا يعرض لها أحد وحديث أبي برزة "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة" رواهما أحمد ومسلم. "وتحميلها مشقا" لما في ذلك من تعذيب الحيوان والإضرار به. "وحلبها ما يضر ولدها" لأن لبنها مخلوق له، أشبه ولد الأمة، ولعموم حديث "لا ضرر ولا ضرار". "وضربها في وجهها ووسمها فيه" لأنه، ﷺ ، لعن من وسم، أو ضرب الوجه، ونهى عنه ذكره في الفروع.

стр. 908

"وذبحها إن كانت لا تؤكل" لأنه إضاعة مال. "ويجوز استعمالها في غير ما خلقت له" كبقر لركوب وحمل، وإبل وحمر لحرث، لأن مقتضى الملك جواز الانتفاع بها فيما يمكن، وهذا منه كالذي خلقت له، وبه جرت عادة بعض الناس. وحديث: بينما رجل يسوق بقرة أراد أن يركبها، إذ قالت: إني لم أخلق لذلك. إنما خلقت للحرث متفق عليه. أي: هو معظم النفع، ولا يلزم منه منع غيره.

стр. 909

باب الحضانة مدخل ... باب الحضانة: تجب لحفظ صغير، ومعتوه، ومجنون، لأنهم يهلكون بتركها ويضيعون، فلذلك وجبت إنجاء من الهلكة. "وهي حفظ الطفل غالبا عما يضره والقيام بمصالحه: كغسل رأسه وثيابه ودهنه وتكحيله وربطه في المهد ونحوه وتحريكه لينام" ونحو ذلك مما يصلحه. "والأحق بها: الأم" لشفقتها. قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافا. ولقوله، ﷺ "أنت أحق به ما لم تنكحي" رواه أبو داود. وقضى أبو بكر الصديق، ﵁، بعاصم بن عمر بن الخطاب لأمه أم عاصم وقال لعمر: ريحها، وشمها، ولطفها، خير له منك رواه سعيد. واشتهر ذلك في الصحابة فكان إجماعا. قاله في الكافي. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن الأم إذا تزوجت سقطت حضانتها. ذكره في الشرح.

стр. 910

"ولو بأجرة مثلها مع وجود متبرعة" كالرضاع. "ثم أمهاتها القربى فالقربى" لأنهن في معنى الأم، لتحقق ولادتهن وقد قضى أبو بكر على عمر، ﵄، أن يدفع ابنه إلى جدته وهي بقباء، وعمر بالمدينة قاله أحمد. "ثم الأب" لأنه أصل النسب وأحق بولاية المال. "ثم أمهاته" لأنهن يدلين بعصبة قريبة. "ثم الجد" لأب، لأنه في معنى الأب. "ثم أمهاته" القربى فالقربى، لإدلائهن بعصبة. "ثم الأخت لأبوين" لقوة قرابتها ومشاركتها له في النسب. "ثم لأم" لإدلائها بالأم كالجدات. "ثم لأب" لأنها تقوم مقام الشقيقة وترث ميراثها. "ثم الخالة لأبوين، ثم لأم ثم لأب" لإدلاء الخالات بالأم، وعنه أن الخالة تقدم على الأب، لقوله ﷺ : "الخالة بمنزلة الأم" متفق عليه. "ثم العمات كذلك" أي: تقدم العمة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، لأنهن يدلين بالأب "ثم خالات أمه، ثم خالات أبيه، ثم عمات أبيه" كذلك لأنهن نساء من أهل الحضانة، فقدمن على من بدرجتهن من الرجال: كتقديم الأم على الأب. "ثم بنات إخوته وأخواته، ثم بنات أعمامه وعماته" على التفصيل المتقدم.

стр. 911

"ثم لباقي العصبة: الأقرب فالأقرب" فتقدم الإخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم أعمام الأب، ثم بنوهم، وهكذا. قال في الشرح: وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة لأنه، ﷺ ، لم ينكر على علي وجعفر مخاصمتهما زيدا في حضانة ابنة حمزة انتهى بمعناه. "ولا حضانة لمن فيه رق" ولو قل، لأنها ولاية، وليس هو من أهلها. "ولا لفاسق" ظاهرا، لأنه لا يوثق به في أداء واجب الحضانة، ولا حظ للولد في حضانته، لأنه ربما نشأ على طريقته. "ولا لكافر على مسلم" لأنه أولى بذلك من الفاسق. "ولا لمتزوجة بأجنبي" من المحضون، للحديث السابق. "ومتى زال المانع، أو أسقط الأحق حقه ثم عاد، عاد الحق له" في الحضانة لقيام سببها مع زوال المانع. "وإن أراد أحد الأبوين السفر ويرجع، فالمقيم أحق بالحصانة" إزالة لضرر السفر. "وإن كان لسكنى - وهو: مسافة قصر - فالأب أحق" إن كان الطريق آمنا، لأنه الذي يقوم بتأديبه وتخريجه وحفظ نسبه. فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع. "ودونها" أي: دون مسافة القصر. "فالأم أحق" لأنها أتم شفقة، ولأن مراعاة الأب له ممكنة، ولما

стр. 912

سبق عن أبي بكر، ﵁. وهذا كله إن لم يقصد المسافر به مضارة الآخر، وإلا فالأم أحق، كما ذكره الشيخ تقي الدين وابن القيم.

стр. 913

فصل وإذا بلغ الصبي سبع سنين عاقلا خير بين أبويه: لحديث أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، خير غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد والشافعي. وعنه أيضا جاءت امرأة إلى النبي، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله: إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال رسول الله، ﷺ : "هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت". فأخذ بيد أمه، فانطلقت به رواه أبو داود والنسائي. وعن عمر أنه: خير غلاما بين أبيه وأمه رواه سعيد. وعن عمارة الحربي خيرني علي بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان ولأن التقديم في الحضانة لحق الولد، فيقدم من هو أشفق. واختياره دليل ذلك. قال في الشرح: ولأنه إجماع الصحابة. "فإن اختار أباه كان عنده ليلا ونهارا" ليحفظه ويعلمه ويؤدبه. "ولا يمنع من زيارة أمه، ولا هي من زيارته" لما فيه من الإغراء بالعقوق وقطيعة الرحم. "وإن اختار أمه كان عندها ليلا" لأنه وقت الانحياز إلى المساكن، "وعند أبيه نهارا ليعلمه ويؤدبه" لئلا يضيع، ولأن النهار وقت التصرف في الحوائج، وعمل الصنائع.

стр. 914

"وإذا بلغت الأنثى سبعا كانت عند أبيها وجوبا إلى أن تتزوج" لأنه أحفظ لها وأحق بولايتها، ولمقاربتها الصلاحية للتزويج. وإنما تخطب من أبيها، لأنه وليها، وأعلم بالكفء. ولم يرد الشرع بتخييرها. ولا يصح قياسها على الغلام، لأنه لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه الأنثى. "ويمنعها" الأب "ومن يقوم مقامه من الإنفراد" بنفسها خشية عليها، لأنه لا يؤمن عليها دخول المفسدين. قاله في الكافي. "ولا تمنع الأم من زيارتها، ولا هي من زيارة أمها إن لم يخف الفساد" وتمنع من الخلوة بها إن خيف أن تفسد قلبها. قاله في الواضح وغيره. "والمجنون، ولو أنثى عند أمه مطلقا" صغيرا كان أو كبيرا، لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك، وأمه أشفق عليه من غيرها. "ولا يترك المحضون بيد من لا يصونه ويصلحه" لأن وجوده كعدمه فتنتقل الحضانة عنه إلى من يليه. قال الشيخ تقي الدين: ولو كان الأب عاجزا عن حفظها، أو يهمله لاشتغاله عنه، أو قلة دينه، والأم قائمة بحفظها: قدمت. وكذا إ ذا تركها عند ضرة أمها لا تعمل مصلحتها، بل تؤذيها، وأمها تعمل مصلحتها ولا تؤذيها: فالحضانة هنا للأم قطعا انتهى.

стр. 915

كتاب الجنايات مدخل ... كتاب الجنايات: "وهي: التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا" وأجمعوا على تحريم القتل بغير حق، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ... ﴾ الآية١ وحديث ابن مسعود مرفوعا: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة" متفق عليه. فمن قتل مسلما متعمدا فسق، وأمره إلى الله تعالى، وتوبته مقبولة عند أكثر العلم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. "والقتل ثلاثة أقسام:" عمد، وشبه عمد، وخطأ، هذا تقسيم أكثر أهل العلم، وهو مروي عن عمر وعلي. وأنكر مالك شبه العمد، وجعله من قسم العمد، قال في الشرح: ولنا قوله، ﷺ ، "ألا إن دية الخطإ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل: منها أربعون في بطونها أولادها" رواه أبو داود. "أحدهما: العمد العدوان، ويختص القصاص به" فلا يثبت في غيره
следующие страницы →