← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 1086–1106 · переход к 1091.

стр. 1086

في هذه الآية والتي بعدها التفصيل، والتفصيل بعد الإجمال من أساليب البلاغة، ومن المعلوم أن القرآن اشتمل على أعلى أنواع البلاغة. قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ "أَمَّا" هنا شرطية، وتفيد مع الشرط التفصيل، أما كونها شرطية فلأن لها جوابًا، وهو قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، وأما كونها تفصيلية فلأنه فُصل فيها المؤمنون والذين استنكفوا واستكبروا. وقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تكرر الكلام عليها كثيرًا فلا حاجة إلى إعادة شرحها. وقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، وقد جاء في القرآن والسنة بيان كيف هذه الأجور، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ولهذا قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: زائدًا على أجورهم، فإذا استحق الإنسان الحسنة فهي بعشرة أمثالها وتتضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ استنكفوا بقلوبهم، واستكبروا بجوارحهم عن عبادة الله. قوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: عذاب عقوبة وألم، فقوله: ﴿أَلِيمًا﴾ بمعنى: مؤلم، وكلمة: ﴿عَذَابًا﴾ من حيث الإعراب يسميها النحويون: مصدرًا؛ لأن المفعول المطلق هو: الذي لا يكون كالفعل أو كالعامل، أما إذا كان من العامل فإنه يسمى مصدرًا، والمصدر له عدة أغراض منها: التوكيد كما هنا:

стр. 1087

﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فهو توكيد من جهة أنه عاد بلفظ العامل "يعذب"، وهو أيضًا توطئة لما بعده؛ حيث وصف بأنه أليم. وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ "الولي" أي: من يتولاهم إذا عذبهم الله، وقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يمنع عنهم عذاب الله، فليس لهم دافع ولا رافع من عقوبة الله ، والدافع الولي، والرافع النصير. من فوائد الآية الكريمة: ١ - في الآية دليل على المجازاة، وأن الإنسان يُجازى بقدر عمله، ولكن حسب ما وعد الله . ٢ - فضيلة الإيمان والعمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ٣ - أنها ربما تشعر بأن العمل الصالح لن يكون مقبولًا إلا بالإيمان؛ لأنه قدم ذكر الإيمان، والأصل أن ما قدم فهو الأسبق، وهذا أمر دلت عليه السنة، بل دل عليه القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] فلا بد من الإيمان السابق على العمل الصالح. وهل يمكن أن يستدل بهذا على أن العمل الصالح لا يدخل في الإيمان؛ لأن الأصل في العطف التغاير؟ الجواب: نعم، قد يستدل به من يستدل على أن العمل الصالح ليس من الإيمان، ولكن نقول: قد دل الكتاب والسنة على أن العمل من الإيمان، قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال أهل التفسير: أي: صلاتكم

стр. 1088

إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وقال النبي ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١) وربما يقال: إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح صار المراد بالإيمان عمل القلب وقول القلب، وبالعمل الصالح عمل الجوارح وقول اللسان، فيكون هذا من باب ما يفترق عند الإجتماع ويجتمع عند الإفتراق. ٤ - الرد على الجبرية، يؤخذ من قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، ولا يضاف العمل إليه إلا مجازًا، وأن عمله ليس باختياره ولا بقصده. ٥ - بيان منَّة الله ؛ حيث سمى الثواب أجرًا، كأنه استأجر أجراء يعملون فيأجرهم، مع أن فائدة العمل للعامل نفسه، بينما الأجراء في غير المعاملة مع الله يكون العمل لمن دفع الأجرة، أما هذا فالعمل للإنسان، ومع ذلك يأجره الله . ٦ - أن ثواب الأعمال الصالحة يزيد على ما قدره الله تعالى، لقوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ٧ - أن المستنكفين المستكبرين جزاؤهم العذاب، لقوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهل يدخل في هذا أهل المعاصي؟

стр. 1089

الجواب: إن قلنا: نعم، لزم أن يقع بهم العذاب على كل حال، وإن قلنا: لا، فهو أقرب؛ لأن المؤمنين يستحقون العذاب، ولكنهم لا يعذبهم الله إذا شاء، إما بمغفرة من الله، أو بشفاعة أو بدعاء المؤمنين لهم، أو ما أشبه ذلك. ٨ - أن من أرداه الله بسوء فإنه لا مرد له، ولا عاصم منه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ويترتب على هذا أن المشركين لن ينتفعوا بآلهتهم مهما كان، بل إن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فيلقون فيها جميعًا العابد والمعبود. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الخطاب هنا بـ ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لإفادة أن رسالة النبي ﷺ عامة لا تختص بقوم دون قوم، فالناس كلهم مخاطبون بشريعة النبي ﷺ ، حتى اليهود والنصارى مخاطبون بذلك. وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ الجملة هنا مؤكدة بمؤكد واحد، وهو ﴿قَدْ﴾. وقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهان هو الدليل، والمراد بها الآيات التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آية جاءت بها الرسل آية النبي ﷺ ، وهو القرآن الذي بقي آية للرسول ﷺ إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.

стр. 1090

وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الربوبية هنا: ربوبية بالمعنى الأخص؛ لأن كونه يمنُّ علينا بالآيات البينات القاطعة لا شك أن هذا من مقتضى ربوبيته الخاصة، فهو رب الجميع، لكن هناك ربوبية خاصة يمنُّ الله بها على من يشاء من عباده. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ , ﴿نُورًا﴾ يعني به: القرآن، والنور ضد الظلمة. وهو نور معنوي لا شك؛ لأن به يستنير القلب والوجه، وفي القبر والبعث، فالقرآن كله نور، ولكنه يحتاج إلى تأمل، وإلى تدبر لمعانيه، وإلى عمل به. وقوله: ﴿نُورًا مُبِينًا﴾ كلمة "مبين" ذكرنا فيما سبق أنها تصلح أن تكون بمعنى "بيَّن"، وبمعنى "مظهر"؛ وذلك لأنها مشتقة من "أبان"، و"أبان" تصلح متعدية ولازمة، فتقول: أبان لي الطريق، وحينئذ تكون متعدية، وتقول: أبان الفجر، بمعنى طلع، وهذه لازمة، وعلى هذا فكلمة ﴿مُبِينًا﴾ يصح أن تفسرها بأنه مبين لغيره، وبأنه بين في نفسه ولا يتنافى المعنيان، وقد مر أن القاعدة المهمة الأصلية أنه متى كانت النصوص من القرآن والسنة تحتمل معنيين لا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما، وجب حمل النص على المعنيين جميعًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن القرآن الكريم نازل لجميع الخلق، لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ , ويترتب على هذه عموم رسالة النبي ﷺ . ٢ - أنه يجب على من لم يعرف اللغة العربية أن يتعلمها، ليتوصل إلى الإستفادة من القرآن، لقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ومن

стр. 1091

المعلوم أن تلاوته على رجل أعجمي لا تفيده، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ [الشعراء: ١٩٨ - ١٩٩] لأنهم لا يعرفونه، ولا يتذوقون طعمه. ٣ - إثبات الربوبية، وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب من مقتضى ربوبيته، لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ٤ - أن القرآن الكريم نور، ولكن لا يتذوق ذلك أو لا يشاهد ذلك إلا من جمع بين أمرين: الأول: التدبر. والثاني: التذكر. ودليل هذا قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لأي غرض؟ ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، هذه واحدة، ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] فمن تدبر الآيات، وسلم من الهوى، وسلم من تحريف الأدلة، واتعظ بما فيها، فإنه سيجد نورًا عظيمًا في قلبه، ويُكشف له من العلوم ما لا يُكشف لغيره. ٥ - أن القرآن الكريم فيه بيان لكل شيء؛ لأن النور لا بد أن تستبين به كل الأشياء؛ كالنهار إذا طلع بانت به الأشياء، وكالحجرة إذا أسرجتها فلا بد أن يبين منها ما كان خافيًا، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولكن قد يخفي البيان إما لقلة الإيمان، وإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما لسوء القصد، وإلا فإن القرآن بين ونور لكل أحد، لكن قد يكون عند الإنسان ضعف إيمان، بمعنى أنه لا يثق بأن القرآن فيه تبيان كل شيء، أو يكون قاصر علم، وليس عنده أداة يتمكن بها من استنباط الأحكام من

стр. 1092

الأدلة، ومن ثَمّ صرنا محتاجين إلى تعلم أصول الفقه، وإما أن يكون من قصور الفهم، فيكون الإنسان عنده علم وعنده تدبر لكن لا يفهم، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا، فتجد بعض الناس يستطيع أن يستنبط من الآية أو الحديث فوائد كثيرة، ولا يستنبط غيره من ذلك إلا قليلًا بالنسبة له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء؛ ولهذا لما سئل علي بن أبي طالب ﵁: هل خصكم النبي ﷺ بشيء، يعني: هل أوصى إليكم؟ قال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهمًا يؤتيه الله أحدًا في كتابه" - انظر إلى قوله: "إلا فهمًا يؤتيه الله أحدًا في كتابه" - وما في هذه الصحيفة، قيل: وما فيها؟ قال: "العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر" (١). الشاهد من هذا قوله: "فهمًا يؤتيه الله أحدًا في كتابه" وأنت إذا تأملت كلام العلماء ﵏ وجدت الفرق العظيم بينهم في الفهم، فتجد - مثلًا - هذا العالم يشرح حديثًا ثُمّ يستنبط منه عشرين فائدة، وآخر يشرحه ولا يستنبط إلا خمس أو أربع فوائد، وكذلك في الآيات. والرابع سوء القصد، فقد يكون الإنسان عنده علم واطلاع وفهم، ولكن قصده سيء، فيطالع الكتاب والسنة من أجل أن ينتصر لقوله، وإن كان يعلم أنه باطل، نسأل الله العافية، سيء القصد يحرم الوصول إلى المقصود. * * *

стр. 1093

* قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾ [النساء: ١٧٥]. قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ هذه جمعت بين الإيمان والتوكل فقوله: ﴿آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ فلم يلجأوا إلى أحد سواه، بل جعلوه حمايتهم وبه عصمتهم، إذ لا يعتصمون بأحد سوى الله، ولا يعتمدون ويتوكلون إلا على الله. وقوله: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ السين في قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمْ﴾ تفيد شيئين: الأول: التحقيق، والثاني: القرب. أما التحقيق فظاهر، وأما القرب فما أقرب الآخرة من الدنيا! وما بين الإنسان وبين الآخرة إلا أن تخرج روحه من جسده ثم يكون في عالم الآخرة، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ في "العقيدة الواسطية": يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. وقوله: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ كلمة ﴿رَحْمَةٍ﴾ يصح أن تكون صفة لله، ويصح أن تكون مخلوقة لله. والمراد هنا: الرحمة المخلوقة؛ لأن الرحمة الصفة لا يمكن أن يدخل الناس فيها، لكن الرحمة المخلوقة هي التي يمكن أن يدخل الناس فيها؛ ولهذا قال: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾، و"من" هنا ليست للتبعيض ولكنها للإبتداء؛ أي: رحمة كائنة منه.

стр. 1094

قوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾ أي: زائد على ما يستحقونه من الثواب والأجور. وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فذكر الله تعالى لـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ ثمرتين عظيمتين: الثمرة الأولى: أن يدخلهم الله في الرحمة والفضل. والثانية: أن ﴿يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: يدلهم. وهذا يدل على أن الإيمان والإعتصام بالله سبب لزيادة العلم، وهو واضح، ودلت عليه نصوص أخرى، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧] , وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]. وقوله: ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ فيها قراءتان: الأولى: بالسين، والثانية: بالصاد؛ لأن السين والصاد تتناوبان لقرب مخرجيهما. وقوله: ﴿صِرَاطًا﴾ الصراط هو: الطريق الواسع السهل، وأصل ذلك من قولهم: زرط اللقمة، إذا ابتلعها بسرعة، وصرطها كلها، ومعناها واحد. وقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ ضد المعوج، والإعوجاج تارة يكون اعوجاجًا طلوعًا ونزولًا، وتارة يكون اعوجاجًا يمينًا وشمالًا، وصراط الله مستقيم ليس فيه يمين ولا شمال، وليس فيه طلوع ولا نزول؛ لأنه سهل. من فوائد الآية الكريمة: ١ - فضيلة الإيمان بالله والتوكل عليه، ووجه ذلك أنه وعدهم بأنه يدخلهم في رحمة منه. ٢ - أن من آمن واعتصم بالله فإنه سوف ينال الرحمة

стр. 1095

العاجلة والآجلة، لقوله: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾ والسين تدل على القرب، وبينا وجه ذلك في التفسير، وأن أنعم الناس بالًا وأشدهم انشراحًا في الصدور هم المؤمنون المعتصمون بالله. ٣ - أن الرحمة تطلق صفة من صفات الله، وتطلق على ما كان من آثارها، وهذه الآية من إطلاق آثار الصفة؛ لأنه قال: سيدخلهم في رحمة منه، ومن إطلاق الرحمة على ما كان من آثارها ما ثبت في الصحيح قول الله تعالى للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (١). ٤ - بيان فضل الله على هؤلاء الذين آمنوا بالله واعتصموا به، لقوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾. ٥ - أن من آمن بالله واعتصم به فإن إيمانه واعتصامه سبب للهداية، لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. ٦ - أن الصراط الهادي إلى الله مستقيم لا اعوجاج فيه؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. وهل الإستقامة هنا استقامة الدنيا فقط أو الدنيا والآخرة؟ الجواب: العموم، فدين الله تعالى مستقيم دنيا وأخرى. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].

стр. 1096

الإستفتاء طلب الإفتاء، والإفتاء هو: الإخبار عن حكم شرعي أو غير شرعي أيضًا؛ لأن الإنسان قد يستفتي في أمور دنيوية، والفاعل في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الصحابة، والكاف في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ يعني: الرسول ﵊. وقوله: ﴿قُلْ﴾ مجيبًا لهم. قوله: ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾ متعلقة بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، و ﴿يُفْتِيكُمْ﴾؛ لأننا قلنا: لا مانع من أن يتسلط عاملان على معمول واحد كما هو مذهب الكوفيين، وعلى هذا فنقول: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، أما على رأي البصريين، فيقولون: إن قوله: ﴿فِي الْكَلَالَةِ﴾ متعلق بـ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ و ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ حذف منها معمولها، ولم يكن فيها الضمير؛ لأنه ليس عمدة. والإستفتاء عن الكلالة ما هي؟ فبين الله تعالى ما هي الكلالة بذكر المسألة التي تتضمنها، وأصل الكلالة: مأخوذة من الإكليل، وهو ما أحاط بالشيء، ولهذا نقول في تفسيرها: هم الحواشي؛ لأن قرابات الإنسان ثلاث شعب: شعبة منه، وشعبة أصل له، وشعبة من آبائه وأجداده، فالشعبة التي منه تُسمى الفروع، والشعبة التي هو منها تُسمى الأصول، والشعبة التي من أبائه وأجداده تُسمى الحواشي، وعلى هذا نقول: المراد بالكلالة: الحواشي: الأخ وأبناؤهُ، والعم وأبناؤهُ، سواءً كان عمك أو عم أبيك أو عم جدك، هؤلاء هم الكلالة، ولهذا فسرها الصديق ﵁، بما ذكروا عنه أنها: "من لا ولد له ولا والد".

стр. 1097

وقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ ﴿إِنِ﴾، شرطية، وأدوات الشرط لا تدخل إلا على الأفعال، وهنا دخلت على اسم ﴿إِنِ﴾ وهذا موضع خلاف، فعلى رأي من يرى أن الشرط لا يدخل إلا على الأفعال فيقول: ﴿إِنِ امْرُؤٌ﴾ فاعل لفعل محذوف، والتقدير "إن هلك امرؤ"، ولكن هناك قول آخر، وهو أن أدوات الشرط تدخل على الأسماء، لورود ذلك كثيرًا في اللغة العربية؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ [الإنفطار: ١]، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الإنشقاق: ١]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ [الإنفطار: ٢] وأمثلة هذا كثيرة، فيقول: لا مانع من أن تدخل أداة الشرط على الأسماء. وهناك رأي ثالث يقول: إن الذي يلي "إن" الشرطية يكون معمولًا للفعل الذي بعدها، فإن كان فاعلًا فهو فاعل مقدم، وإن كان نائب فاعل فهو نائب فاعل مقدم، وإن كان منصوبًا فهو مفعول مقدم، ولا مانع. وعلى كل حال فالذي نرى أنه إذا اختلف النحاة في شيء فإننا نتبع الأسهل. وقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي: مات، قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ لا ذكور ولا إناث؛ لأن الولد نكرة في سياق النفي فيعم. وقوله: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ أي: ﴿أُخْتٌ﴾ شقيقة أو لأب، ولم يذكر الأخت من الأم؛ لأن الأخت من الأم ذكرها الله تعالى في أول السورة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ

стр. 1098

كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. إذًا: إذا وجد أخت شقيقة أو لأب والولد مفقود، يعني: ليس له فرع وارث ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، ويتعين أن لا يكون معها ذكور من الأصول؛ لأنه لو كان معها ذكور من الأصول لم ترث النصف؛ إذ من شرط إرث الأخت الشقيقة أو لأب النصف أن لا يوجد أصل وارث من الذكور، فصار هنا لا ولد ولا والد من الذكور، الولد من قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، ولا والد يؤخذ من كون فرض الأخت هنا النصف؛ لأنه لو كان هناك وارث من الذكور لم ترث النصف. وقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، قوله: ﴿يَرِثُهَا﴾ أي: أخوها ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ يعني: ليس لها ولد لا ذكر ولا أنثى، بأن ماتت امرأة عن أخيها الشقيق فقط، أو امرأة عن أخيها من أب فقط، وليس لها ولد. وقوله : ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ وهنا المسألة مشكلة كيف قال الله : ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ مع أنه لو كان لها زوج لم يرث إلا ما بقي من فرض الزوج، والله قال: ﴿يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾؟ والجواب: نقول: هذا الكلام باعتبار الكلالة، وهم الذين يرثون بالقرابة، بقطع النظر عن الذي يكون بالزوجية، فهم يسألون عن الكلالة، والكلالة لا تتعلق إلا بالأقارب، فقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ يعني: إن كان لها زوج فهو يرث ما بقي بعد الزوج، وإن لم يكن لها زوج فإنه يرثها. فإذا قال قائل: ربما يكون لها أم فهل يرثها أخوها؟

стр. 1099

الجواب: نعم، ولكن بعد فرض الأم؛ لأن الله سبحانه ذكر هنا من يرث بالتعصيب، ولهذا لم يقدر له نصيبًا، بل قال: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾. قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا﴾ الضمير يعود على الأختين، ﴿اثْنَتَيْنِ﴾ يعني: ليس معهما ذكر، ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ أي: مما ترك الأخ. قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولم يقدر الله ؛ لأنه إذا كان مع الأخوات أخوة ورثن بالتعصيب، فذكر الله هنا الإخوة الإناث الخلص الواحدة، والإناث الخلص مع التعدد، والإناث مع الذكور؛ وذلك لأنه لا يمكن أن تخرج القسمة عن هذه الأقسام الثلاثة: إما أنثى واحدة، أو إناث متعددات، أو مختلط: ذكور، وإناث. فالواحدة لها النصف، والثنتان فأكثر ﴿الثُّلُثَانِ﴾، وإذا كانوا ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ فبالتعصيب ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذًا: الأقسام أربعة: ذكور خلص، وإناث خلص متعددات، أو منفردات. الرابع: اجتماع الذكور والإناث. وبناءً على ذلك نتعرض لأرث الأخت النصف، ترث الأخت النصف بشروط: الشرط الأول: ألا يوجد فرع وارث، وهذا مأخوذ من قوله ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. الشرط الثاني: ألا يوجد أصل من الذكور وارث، مأخوذة من قوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ لأنه لو كان هناك أب ما ورثها.

стр. 1100

الشرط الثالث: الإنفراد. الشرط الرابع: عدم المعصب. هذه شروط إرث الأخت الشقيقة النصف، والأخت لأب تزيد شرطًا واحدًا وهو أن لا يوجد أحد من الأشقاء الذكور أو الإناث. فإذا هلك هالك عن أخت شقيقة وزوج، ففرضها النصف؛ لتمام الشروط. وإذا هلك هالك عن أختين شقيقتين وزوج فيكون لهما الثلثان، وعن أخت شقيقة وأخ شقيق يكون الأرث بالتعصيب، لقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. ثم قال الله : ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ ﴿يُبَيِّنُ﴾ أي: يظهر الحق بينًا. وقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ قال العلماء: معناها: لئلا تضلوا، وقيل التقدير فيه: كراهة أن تضلوا؛ لأن الله تعالى يريد أن يهدينا. وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وعلم الله سبحانه عام لكل شيء ماضيًا كان أو حاضرًا أو مستقبلًا، وسواءً كان فيما يتعلق بفعله أو بفعل العباد ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن علمه أنه أفتانا فيما يشكل علينا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - حرص الصحابة ﵃ على معرفة الحق، لقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ وما أكثر ما استفتوا، وما أكثر ما سألوا ليصلوا إلى الحق.

стр. 1101

٢ - أن النبي ﷺ قد يشكل عليه بعض الشيء فيفتي الله به؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ ولم يقل: فأفتني فأفتهم. ٣ - إطلاق الإفتاء على الله، لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾، وهذا فعل من الأفعال، وإن كان هو قولًا، فهل يجوز أن نشتق من ذلك اسمًا لله فنقول: المفتي؟ الجواب: لا، لكن يجوز أن نشتق منه وصفًا؛ لأن الوصف أوسع وأعم. ٤ - أن ترتيب الآيات توقيفي، ووجه ذلك: أن هذه الآية لها صلة بآيات المواريث التي في أول السورة، ولو كان اجتهاديًا لكان مقتضى الإجتهاد أن تربط مع أخواتها، وأن تذكر هناك، لكن لما كان ترتيب القرآن توقيفيًا في آياته صار محلها هنا، ونظير ذلك قوله ﵎: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٨ - ٢٤٠] فهاتان الآيتان ذكرتا في سياق آيات العدد؛ لأن ترتيب الآيات من عند الله ، أو من عند النبي ﷺ ، وليس للرأي فيه مجال. ٥ - أنه إذا هلك هالك لا ولد له، ولا أب له، وله أخت فلها النصف، لقوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ فإن كان له ولد نظرنا: إن كان الولد ذكرًا سقطت الأخت، وإن كان أنثى أخذت فرضها والباقي للأخت. مثال الأول: لو هلك هالك عن أخت شقيقة وابن، فالمال للإبن، وليس لها شيء معه.

стр. 1102

هلك هالك عن أخت شقيقة وابن ابن فالمال لابن الإبن، وليس للأخت الشقيقة شيء؛ لأن أبناء الأبناء وإن نزلوا بمنزلة الأبناء. ولو هلك هالك عن أخت وأب فتسقط لوجود ذكر من الأصول. ولو هلك هالك عن أخت وجد فنسأل إذا كان من قبل الأم فإنها ترث النصف؛ لأن الجد من قبل الأم من ذوي الأرحام، وإن كان من قبل الأب كأب الأب فهذا موضع خلاف بين العلماء، والراجح المقطوع به: أنها تسقط مع وجود الجد، وأنه لا ميراث لها مع الجد. ٦ - أنه لو ماتت امرأة عن أخيها الشقيق أو لأب فقط فالمال له، لقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فإذا هلكت امرأة عن أخ شقيق فقط فالمال كله له، أو عن ابن أخ شقيق فالمال له، وعن بنت أخ شقيق فليس لها شيء؛ لأنها من ذوي الأرحام، وعن ابن أخ شقيق وبنت أخ شقيق فالمال لابن الأخ الشقيق ولا شيء لأخته، لأنه عاصب وهي من ذوي الأرحام. ٧ - أن الأختين فأكثر لهما الثلثان، لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، فلو أن امرأة هلكت عن أختين شقيقتين وزوج، فميراث الزوج النصف، وميراثهما الثلثان، وهذا مشكل؛ لأن النصف والثلثين أكثر من التركة، لكن يقول العلماء: إنها تعالج المسألة، وكيفية ذلك أن تقول: المسألة هنا من ستة، للزوج النصف ثلاثة، وللأختين الشقيقتين الثلثان أربعة، فتعول إلى سبعة، ويكون الزوج بدل أن كان له ثلاثة ونصف من

стр. 1103

سبعة لم يكن له إلا ثلاثة من سبعة، ومسألة العول أخذ بها عمر ﵁ بمشورة الصحابة، ولم يخالف فيها إلا القليل من الناس. ٨ - أن الميراث يدخل في ملك الوارث شاء أم أبى، وتؤخذ من قوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، وقوله: ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ واللام للتمليك. ٩ - أن الرقيق المملوك لا يرث، وتؤخذ من اللام التي هي للتمليك، إذ أن العبد المملوك لا يملك، فالعبد المملوك ملكه لسيده، لقول النبي ﷺ : "من باع عبدًا له مال فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع" (١) ولأننا لو ورثنا الأخ من أخته إذا كان رقيقًا لكان حقيقة الأمر أننا ورثنا سيده وهو أجنبي منها. ١٠ - تفضيل الذكر على الأنثى في التعصيب، لقوله: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ والحكمة: فضل الذكورة على الأنوثة؛ ولأن الذكر عليه متطلبات في الحياة من نكاح، وإنفاق على الغير، وغير ذلك. فإن قال قائل: يرد عليكم هذا في الأخوة لأم، فإنهما سواء، فنقول: لأنهما لا يرثان بالتعصيب، وإنما يرثان بالفرض. ١١ - أن الفرض قد يزيد بزيادة المفروض له، والدليل: أن الواحدة لَهَا النصْفُ وللإثْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ، لكن هناك فرض لا يزيد بزيادة المفروض له وهو أربعة أنواع: الأول: فرض الزوجة، فالزوجة واحدة أو متعددة لا يزيد فرضها.

стр. 1104

الثاني: الجدات، فللواحدة السدس، وللمتعددات السدس. الثالث: بنات الإبن إذا ورثن السدس. الرابع: الأخوات لأب إذا ورثن السدس. فهؤلاء أربعة لا يزيد الفرض بزيادتهم. ١٢ - أن الله قد بيَّن لنا كل ما نحتاج إليه، لئلا نضل، لقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وحذف المفعول لأجل العموم. ١٣ - الرد على أهل التفويض في صفات الله ، الذين يقولون: إننا لا نعلم معاني صفاته ؛ لأنه إذا لم نعلم لزم من ذلك أن لا بيان في القرآن، والله يقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، ولأن الضلال في باب الصفات أعظم من الضلال في باب الأحكام؛ لأن الضلال في باب الصفات يتعلق بالخالق ، والضلال في الأحكام إنما هو في العبادة، وبينهما فرق. ١٤ - الحث على العلم بالرجوع إلى كتاب الله ؛ لأننا لا نعلم بيان الله إلا عن طريق الكتاب والسنة، وكل إنسان يفر من الضلال، ويريد البيان والهدى، فنقول: طريق ذلك أن تحرص على اتباع الكتاب والسنة. ١٥ - عموم علم الله في كل شيء، لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. مسائل متعلقة بالآية: مسألة: الواجب على كل إنسان عنده مال أن يوصي لمن لا يرث من الأقارب؛ لأن الله أوجب هذا فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا

стр. 1105

حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] وإن لم يوص فهذا لا يجوز. مسألة: قال رسول الله ﷺ "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١) فإن لم يكن عاصب فقد اختلف العلماء ﵏، هل يُرد الباقي على صاحب الفرض أو يجعل في بيت المال؟ فمنهم من قال: يُرد، ومنهم من قال: يُجعل في بيت المال، والصحيح: أنه يُرد، فمثلًا: يُرد على الأختين فيكون لهما ثلثان فرضًا والباقي ردًا. مسألة: في الحديث: "لا وصية لوارث" (٢). فإذا أوصى لأولاده ينظر إن كانوا وارثين فإنها لا تصح الوصية، مثل: لو كان له بنت وابن ابن، فهنا لا تصح الوصية لابن الإبن؛ لأنه وارث، والوصية للوارث محرمة؛ لأنها تعدٍ لحدود الله، فالله تعالى قد أعطى الوارث شيئًا معينًا، فكيف تأتي أنت وتوصي له؟ ! مسألة: الدين يقدم على الميراث، فلو هلك هالك وعنده عشرة آلاف ريال وهو مطالب بعشرة آلاف ريال، فهنا لا حظ للورثة فيها، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] لكن الوصية قد يقول قائل: كيف تقدم على الورثة،

стр. 1106

مع أنه لا بد أن يكون للورثة نصيب؟ الجواب: يظهر هذا في المثال: امرأة أوصت بثلثها ولها زوج وأخت شقيقة، لو لم تكن وصية لكان للزوج النصف كاملًا، وللشقيقة النصف كاملًا، أما الآن وقد صارت الوصية فنقول: المسألة من ثلاثة: للموصى له واحد، وللزوج نصف الباقي واحد، وللأخت الشقيقة واحد، فالآن صار حقيقة الأمر أن الزوج لم يكن له إلا ثلث، والأخت الشقيقة لم يكن لها إلا ثلث، والوصية ما نقصت؛ لأنه أوصى بالثلث، وأعطى الموصى له الثلث، لكن الزوج لم يبق له إلا الثلث، بينما لولا الوصية لورث النصف، هذا هو وجه تقديم الوصية على الميراث؛ لأنه ليس معنى قولنا: تقديم الوصية على الميراث أنه لا يرث الورثة مع الوصية، بل المعنى: أنه لو كان هناك نقص فالنقص على الورثة دون الوصية. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. * * * وبذلك انتهت الدروس العلمية المسجلة التي كان يلقيها فضيلة شيخنا محمد بنُ صالح العثيمين في تفسير سورة النساء والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. رحم الله شيخنا رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، ومَنَّ عليه بمغفرته ورضوانه وجزاه عما قدم للإسلام والمسلمين خير الجزاء.