← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ترسخ عنده القول الباطل - وإن علماءنا يقولون هذا، وأن من قال: إن الله عالٍ بذاته فهو كافر، وأن ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب، كلهم مبتدعة؛ لأنهم خرجوا عن المذاهب الأربعة، فقلت: من قال لك هذا؟ ! قل لقومك الذين درسوك: ابن تيمية ﵀ حنبلي، وكل تفقهه على مذهب الحنابلة، وكذلك ابن القيم، وكذلك ابن عبد الوهاب، وليرجعوا إلى هذا، لكن - الحمد لله - ظهر على وجهه علامة البشر والقبول، وانتفع، والحمد لله. فأنا أقول: سبحان الله! إن دلالة علو الله واضحة، سمعية وعقلية وفطرية، ومع ذلك يقولون هذا القول المنكر، نسأل الله العافية. ٤ - أن إنزال الله للقرآن كان بعلمه، فلا يتطرق إليه أي خلل؛ لأنه يعلم متى نزل، وبماذا نزل، وكيف نزل، وعلى من نزل، ولا يمكن أن يتطرق اختلاف أو ادعاء نقص أو ادعاء زيادة؛ لأن الله أنزله بعلمه؛ أي: أن إنزاله مقرون بعلم الله، فمن ادعى أن فيه زيادة أو نقصًا فقد رمى الله بالجهل؛ لأن الله أنزله بعلمه، وكذلك نزل القرآن بما يعلم الله تعالى أنه مصلح للخلق. ٥ - إثبات الملائكة، وأن الملائكة ذات عقول، خلافًا لمن قال: إنهم لا عقول لهم، كما قال بعض الناس ممن نسأل الله لهم العافية والعفو، فالملائكة لها عقول؛ فهي تعلم، وتسمع، وتقول. ٦ - عناية الله برسوله وبما أوحاه إليه؛ حيث

стр. 1052

ذكر أن الله يشهد به، وكذلك الملائكة، وكثرة سياق الأدلة على الشيء تدل على العناية به، وهو كذلك. ٧ - أن شهادة الله كافية عن كل شهادة، لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ [النساء: ١٦٧]. هذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: الأول: ﴿إِنَّ﴾ والثاني: ﴿قَدْ﴾. وقوله: ﴿كَفَرُوا﴾ أي: بالله، والكفر في الأصل: الستر، ومنه الكُفُرَّى وهو: وعاء طلع النخل؛ هذا لأنه يستر ما في جوفه. وقوله: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (صَدَّ) لها وجهان: الوجه الأول: أعرضوا عن سبيل الله، وعلى هذا يكون (صَدَّ) فعلًا لازمًا. والوجه الثاني: صدوا غيرهم؛ أي: حملوهم على الإعراض، وعلى هذا فيكون (صَدَّ) متعديًا، والمفعول به محذوف؛ أي: وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فالآية إذًا محتملةً للوجهين، وكلاهما لا يناقض الآخر، فتكون محمولة عليهما جميعًا. والكفار لا شك أنهم صادون بأنفسهم، صادون لغيرهم، فإن كانوا من دعاة الكفر فصدهم ظاهر، وإن لم يكونوا من دعاة الكفر فإن من الناس من يقتدون بهم؛ فهم بهذا يصدون عن

стр. 1053

سبيل الله، كما صد هؤلاء، لقول النبي ﵊: "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" (١). إذًا: صد الكفار لغيرهم يكون بالقول، ويكون بالفعل، يكون بالقول إذا كانوا دعاة إلى الكفر، وكلما رأوا شخصًا يريد الهداية ذهبوا إليه يصدونه، ويكون بالفعل إذا كانوا يفعلون، ولكن لا يدعون، إلا أن الناس إذا رأوهم اقتدوا بهم ولا سيما إذا كانوا من أشراف الناس ووجهائهم، وعادة الناس يتبعون وجهاء القوم. وقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السبيل بمعنى: الطريق، وأضافه الله إليه لأنه ﵎ هو الذي شرعه لعباده فأضيف إليه، واعلم أن السبيل والطريق والصراط تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى غير الله، فيضاف إلى الله باعتبار أن الله هو الذي شرعه للعباد، ويضاف إلى غيره باعتبار السالكين، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥] فأضاف السبيل إلى المؤمنين وهنا أضافه إلى الله، فيضاف إلى الله لأنه هو الذي شرعه؛ ولأنه يوصل إليه سبحانه، فمن سلكه وصل إلى الله ، كما تقول: سبيل مكة من هنا؛ لأنك إذا سلكته أوصلك إليها. قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الضلال بمعنى: التيه؛ أي: تاهوا عنه وقوله: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وذلك لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، ووُصف بأنه بعيد لأن هذا الضلال - والعياذ بالله - ضلال عن شيء بيَّن، فإن الحق منار وعلم يهتدي به كل ضال، فإذا ضل عنه أناس كان ضلالهم بعيدًا؛ لقوة الدليل.

стр. 1054

فيخبر الله وخبره هو الصادق - خبرًا مؤكدًا بأن الذين جمعوا بين هذين الوصفين: ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ لأنهم جمعوا بين الكفر والصد عن سبيل الله. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تأكيد الخبر ولو كانت ابتدائيًا إذا دعت الحاجة إليه، وقد قال علماء البلاغة: إن الأصل في الخبر أن يلقى غير مؤكد، فمثلًا إذا كنا نخاطب رجلًا ساذجًا لا يعرف شيئًا قلنا: محمد قائم، فهذا لا يحتاج إلى توكيد؛ وذلك لأن المخاطب سوف يقبل الخبر، وإذا كنا نخاطب شخصًا مترددًا فهنا يحسن أن نؤكد الخطاب، حتى يرتفع عنه التردد، وإذا كنا نخاطب منكِرًا أو في حكم المنكِر فإننا نؤكده وجوبًا، وتتعدد أدوات التوكيد بحسب قوة الإنكار، وهنا أكد الله الخبر مع أن الخبر يلقى إلى خالي الذهن لأهمية الموضوع؛ لأن الموضوع إذا كان ذا أهمية فمن المستحسن أن يؤكد. ٢ - أن من آمن واستقام على سبيل الله، ودعا الناس إليه فهو على الهدى، ونعرف ذلك من المقابل والضد، فإنه إذا ثبت الحكم لشيء ثبت نقيضه لضده. ٣ - أن الضلال ينقسم إلى: ضلال قريب، وضلال بعيد، وهكذا أيضًا المعاصي تنقسم: إلى كبائر، وصغائر كما هو معروف. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩].

стр. 1055

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨)﴾، هذه الآية كالآية الأولى فيها التوكيد لهذا الحكم، لكن فيها التصريح بالظلم، فبأي شيء ظلموا؟ الجواب: ظلموا بالإستمرار على الكفر لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١]، والظلم في الأصل: بمعنى النقص؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾ [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، وسمي المعتدي ظالمًا لأنه نقّص من حق المعتدَى عليه، وهنا هل ظلموا غيرهم وإلا ظلموا أنفسهم؟ الجواب: كلاهما، فحصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم؛ حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر. قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ تُسمى عند علماء النحو "لام الجحود" أو "لام النفي"، وعلامتها: أن تقع بعد "ما كان" أو ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، فكلما وجدت اللام بعد ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أو "ما كان" فهي لام الجحود أو لام النفي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] اللام لام جحود؛ لأنها وقعت بعد ما كان، والمعنى: أنه لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا؛ فإن الله يتوب على من تاب مهما كان عمله، لكن المراد أنه لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، وفسرناها بهذين المعنيين؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو: الذي يوضع على الرأس عند القتال وقاية للرأس من

стр. 1056

السهام، وفيه المعنيان جميعًا، وهما: الستر والوقاية، ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه يخلو يوم القيامة بعبده المؤمن ويقرره بذنوبه فيقول: "قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم" (١). وقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ يعني: لا يوفقهم، فالهداية هنا هداية توفيق، وقوله: ﴿طَرِيقًا﴾ أي: مسلكًا يسيرون عليه، إلا طريقًا واحدًا وهو طريق جهنم. و﴿جَهَنَّمَ﴾ من أسماء النار. قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها، ﴿أَبَدًا﴾ أي: باستمرار، والأبد هو: الإستمرار في المستقبل، والأمد هو: الإستمرار إلى حد معين غير مؤبد. قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: كان خلودهم في النار على وجه الأبد يسيرًا على الله ؛ مع أنه يستلزم أن تبقى النار بما فيها من السعير والعذاب وأنواع العقوبات، ومع هذا فهي يسيرة على الله . والإنسان لو أراد أن يوقد تنورًا فإنه يحتاج إلى عمل ووقود وتعب، لكن النار وهي أعظم شيء في الحرارة إذا بقيت على وجه الأبد فإن هذا أمر يسير على الله ، وليس صعبًا عليه. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - أن من اتصف بهذين الوصفين: الكفر والظلم فإنه

стр. 1057

مسدود عنه باب التوفيق، لقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. ٢ - إثبات الأفعال الإختيارية لله ؛ يعني: أنه يفعل ما يشاء بإرادته متى شاء، لقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، والمغفرة فعل اختياري، وهذا الذي عليه السلف الصالح أهل السنة، فهم يقولون بإثبات الأفعال الإختيارية لله ، وأنكر ذلك أهل التعطيل كالأشاعرة والمعتزلة، وقالوا لا يمكن أن يكون لله تعالى فعل اختياري يتجدد ويحدث، وعللوا ذلك بعلل واهية، فقالوا: إن الحدث لا يكون إلا بحادث، ولو أنا أثبتنا لله تعالى أفعالًا يحدثها متى شاء للزم من ذلك أن يكون الله حادثًا. ولا شك أن هذا قياس باطل؛ لأنه مصادم للنص، فالآيات الكثيرة التي لا تحصر كلها تدل على أن الله يفعل ما يشاء متى شاء، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، وقال: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على أن الله يفعل ما يشاء متى شاء، فهذا القياس باطل لمصادمته للنص، وأيضًا هو خطأ؛ وذلك أننا نحن - ونحن محدثون - تقوم بنا أفعال متجددة ليست بلازمة لنا منذ خلقنا، ولا يلزم من حدوث هذه الأفعال أن نكون لم نحدث إلا عند حدوثها، بل حدوثها سابق علينا، كذلك الرب وجوده أزلي أبدي، ولا يمنع من ذلك أن يُحدث ما شاء من أفعاله وأحكامه وأقواله. ٣ - أن الكافر لا يوفق للهدى؛ لقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾.

стр. 1058

فإن قال قائل: أليس يوجد أناس من الكفرة الماردين المارقين المضادين للدعوة الإلهية من هداهم الله؟ فالجواب: بلى، لكن لا مانع من أن نخصص العام، فيكون هذا العموم مخصوصًا بمن أراد الله تعالى هدايته، فمن أراد الله هدايته فإنه قد يهدى، ولو كان قد كفر وظلم، إذ من المعلوم أن من الصحابة ﵃ من كان كافرًا ظالمًا ومع ذلك أسلموا، وكانوا رؤساء في الإسلام، ولهم مقام صدق. ٤ - أن للنار طريقًا، وللجنة طريقًا، وطريق النار: يتلخص في مخالفة أمر الله ورسوله تركًا للمأمور وفعلًا للمحذور، فالمخالفة لأمر الله ورسوله هي طريق جهنم، والموافقة لأمر الله ورسوله هي طريق الجنة. ٥ - إثبات الخلود الأبدي؛ لقوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، والخلود الأبدي يتضمن أبدية المكان الذي يكون فيه الخلود، وعلى هذا يكون في الآية دليل واضح على أبدية الخلود في النار. وقد جاء ذكر الأبدية في هذه الآية، وفي آية أخرى في سورة الأحزاب، وفي آية ثالثة في سورة الجن، وكلها معلومة. وبناءً على ذلك لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله مهما كان من العلم، فما دام هناك آيات صريحة، فإننا لا نركن إلى قول أحد كائنًا من كان؛ لأن خبر الله صدق، صادر عن علم مراد به البيان التام، فلا يمكن أبدًا أن يتخلف مدلوله، حتى لو قيل: إن فلانًا يقول بكذا، وفلانًا يقول بكذا فنقول: لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله.

стр. 1059

٦ - أن كل شيء - وإن صعب - فهو يسير على الله ، لكمال قوته وقدرته وسلطانه، لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾ [النساء: ١٧٠]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ هنا الخطاب لعموم الناس، مع أن السورة مدنية، والغالب في السور المدنية أن يكون الخطاب فيها للمؤمنين؛ لأن القرآن نزل وسط أمة مؤمنة، لكن قد يأتي الخطاب بالعموم لقرائن تحتف به؛ وذلك أن الخطاب سوف ينتقل من هذا العموم إلى مخاطبة أهل الكتاب، وأهل الكتاب ليسوا من المؤمنين، ولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾، والرسول هو: محمد ﷺ ؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني، إذ لا رسول مع محمد ﷺ ، ونظير ذلك أن تقول: جاء الأمير، وليس في البلد إلا أمير واحد، فكلٌ سينصرف ذهنه إلى هذا الأمير أمير البلد. وقد ذكر العلماء أن العهود ثلاثة: عهد حضوري، وعهد ذكري، وعهد ذهني، فما تعين بالذهن فـ "أل" فيه للعهد الذهني، وما تعين بالذكر فـ "أل" للعهد الذكري، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]؛ أي: الرسول السابق الذكر، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥ - ٦]، أي: أن

стр. 1060

العسر الثاني هو الأول، ولهذا قال ابن عباس ﵄: "لن يغلب عسر يسرين" (١). وتكون للعهد الحضوري، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وكقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]. و"أل" التي للعهد الحضوري لها ضابط: وهي التي تأتي بعد اسم الإشارة، فإذا أتت "أل" بعد اسم الإشارة فإنها للعهد الحضوري؛ وذلك لأن اسم الإشارة يدل على القرب، فإذا قلت: هذا الرجل فـ "أل" هنا للعهد الحضوري؛ لأن المشار إليه قريب. قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء للمصاحبة والتعدية؛ أي: مصاحبة للحق، فما جاء به فهو حق، أو بالحق يعني: أنه رسول من عند الله حقًا، فالآية تدل على هذا وهذا، إذ ليس بينهما منافاة، وعلى هذا نقول: إن المراد بها المعنيان جميعًا؛ أي: أنه جاء بالحق، ولم يأت بالباطل، وأنه رسول حق، ليس بكاذب، ﵊. والحق هو: ضد الباطل، وأصله الثبوت، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٩٦] أي: ثبتت ولزمت، فالأصل أن هذه الكلمة تفيد معنى الثبوت، فالحق ثابت، والباطل زائل، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا للإبتداء، أي: أن الحق جاء من عند الله، وتأمل قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حيث إن فيها إشارة إلى أنه يجب عليكم أن تقبلوا هذا الرسول؛ لأنه جاء من ربكم

стр. 1061

الذي هو مالككم، والمدبر لأموركم، فيجب عليكم أن تقبلوا ما جاء به هذا الرسول؛ لأنه من ربكم. وقوله: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ الفاء للتفريع؛ أي: فيتفرع على ذلك وجوب الإيمان. أي: آمنوا بالرسول وبما جاء به. وقوله: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ منصوبة على أنها خبر يكن المحذوفة، والتقدير "فآمنوا يكن خيرًا لكم" أي: خيرًا من الكفر، ولا شك أن الإيمان خير من الكفر؛ لأن الإيمان به سعادة الدنيا والآخرة، والكفر به خسارة الدنيا والآخرة؛ لقول الله ﵎ في الكفر: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] وقوله في الإيمان: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ أي: بالرسول ﷺ ، وبما جاء به فَإِنَّ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: فهو غني عنكم؛ لأن له ما في السماوات والأرض، ومن جملة ما يملكه هؤلاء الكافرون. إذًا: كأنه قال: إن تكفروا فإن الله غني عنكم؛ لأن له ما في السماوات والأرض. وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هنا يقول النحويون: لماذا عبر بـ ﴿مَا﴾ التي يعبر بها عن غير العاقل دون "من" التي يعبر بها عن العاقل؟ والجواب: قالوا: لأن غير العاقل أكثر من العاقل. وقد يقول قائل: إن في هذا نظرًا؛ لأن من جملة العقلاء الملائكة؛ إذ لا شك في أنهم من جملة العقلاء، وهم عدد لا

стр. 1062

يحصيهم إلا الله، فيجيب هؤلاء ويقولون: الملائكة لهم أمكنة، وكل واحد منهم قد شغل مكانًا، والأمكنة التي في السماء والأرض أكثر من الملائكة، وعلى هذا فيكون غير العاقل في السماوات والأرض أكثر، وهذا ليس ببعيد أن يقال: إنه غلب غير العاقل؛ لأنه أكثر. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ختم الآية بالعلم والحكمة إشارة إلى أن كفر هؤلاء الذين كفروا بالرسول ﷺ كان عن علم وحكمة من الله، أما كونه عن علم فلأنه في ملكه، ولن يكون في ملكه ما لا يعلمه. وأما كونه عن حكمة فلأنه لا تقوم أحوال العباد ولا دين العباد إلا بهذا التقسيم؛ أي: أن يكون بعضهم مؤمنًا وبعضهم كافرًا، ولولا هذا الإنقسام ما قام علم الجهاد، ولا تميز المؤمن من الكافر، ولا صار للمؤمن مزية يتميز بها عن الكافر، ولا حصل للنار ملؤها؛ وقد تكفل الله لها بذلك، فمن حكمة الله أن يكون في الناس مؤمن وكافر. من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان أن محمدًا ﷺ رسول من عند الله حقًا، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ٢ - عموم رسالة النبي ﷺ لجميع الناس لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن يراد بالناس الخصوص، كما في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].

стр. 1063

فالجواب: أن الأصل في العموم إرادة العموم. ٣ - إلزام قبول ما جاء به الرسول ﷺ عقلًا كما هو لازم شرعًا، ووجه ذلك قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فإذا كان من ربنا وهو مالكنا وخالقنا والمتصرف فينا كيف يشاء وجب علينا قبوله. ٤ - أن ما جاء به الرسول ﵊ هو الحق، ولا يصح أن نقول: كل ما ينسب للرسول حق بل كل ما جاء به؛ لأن هناك أحاديث ضعيفة وأحاديث موضوعة، لكن كل ما جاء به الرسول ﷺ فهو حق. ٥ - إثبات الربوبية العامة؛ لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ بالإضافة إلى قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وربوبية الله عامة وخاصة؛ فالعامة كقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، والخاصة كقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢٢] وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] , وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] والأمثلة على هذا كثيرة. ٦ - أن إرسال الرسل من مقتضى الربوبية؛ لأنه تصرف في الخلق، وفعل من أفعال الله، وكل ما كان كذلك فهو داخل تحت مضمون الربوبية. ٧ - وجوب الإيمان بالحق ممن جاء به؛ لقوله: ﴿فَآمِنُوا﴾ بعد قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ , وهذه قاعدة في كل من جاء بالحق أنه يجب علينا أن نؤمن بما جاء به، فالحق يقبل من أي إنسان، ومن كل من جاء به، لكن إذا كان الذي جاء به ممن عرف بالباطل فهل يقبل منه الحق؟

стр. 1064

الجواب: نعم، ولذلك مثال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] وسكت عن قولهم ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ والسكوت عن أحد الشقين مع إنكار الآخر يدل على الإقرار بالثاني الذي لم ينكر. ٨ - أن الإيمان كله خير، خير في الدنيا وخير في الآخرة، حتى في المعيشة وإن كانت ضنكًا فهي عند المؤمن خير؛ لأن المؤمن كما وصفه النبي ﵊: "إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن إصابته سراء شكر فكان خيرًا له" (١). ٩ - أن أمر الله تعالى عباده بالإيمان به وإثابتهم على ذلك ليس لافتقاره إليهم، بل هو غني عنهم لقوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ١٠ - عموم ملك الله؛ لقوله ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ , فكل ما في السماوات والأرض فهو لله . فإن قال قائل: أليس لنا أملاك يختص بها كل واحد منا؟ فالجواب: بلى، لكن ملكنا لما نملكه ليس على سبيل الإطلاق ولهذا لا يحق لنا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، بل لا نفعل بها إلا ما أذن الله به، فلو أراد الإنسان أن يحرق ماله فليس له ذلك. إذًا: الملك قاصر، والملك المطلق الشامل هو لله رب العالمين وما يضاف إلينا ملكًا فإنه ملك قاصر مربوط بما علم الله به.

стр. 1065

١١ - إثبات الجمع للسماوات، فهي سبع سماوات مصرحًا بذلك في القرآن، أما الأرض فهي تأتي دائمًا في القرآن مفردة، لكن في السنة جاءت مجموعة، كما قال النبي ﵊: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أراضين" (١) والقرآن أشار إلى ذلك فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] والمماثلة في النوع والسعة والكبر غير ممكنة؛ لأنه من المعروف أن السماء أعظم من الأرض بكثير، فلم يبق إلا العدد، هذا من جهة القرآن، ومن جهة السنة إذا لم يكن هناك سبع أرضين فإنه لا يمكن أن يعاقب الإنسان على شيء ليس موجودًا، فلا يقال: إن ذكر السبع أرضين من باب العقوبة ومضاعفتها فقط، فلولا وجود سبع أرضين فإنه لا يمكن أن يعاقب الإنسان على شيء ليس موجودًا، لكن كونه يعاقب من سبع أرضين يدل على أن القرار ملك لصاحب الأرض العليا، كما أن الهواء ملك له، والهواء إلى السماء الدنيا كلها لمالك الأرض، كذلك أيضًا قاع الأرض إلى الأرض السابعة ملك له، ولهذا لو أراد الإنسان أن يحفر خندقًا من تحت بيت الإنسان أو من تحت أرضه فإنه لا يملك هذا. وذكر ابن كثير ﵀ في "البداية والنهاية" أن العلماء اختلفوا في الأرضين هل هي متطابقة، يعني: متلاصقة ويكون الفاصل بينها أمرًا مجهولًا، أم أن بينهما فجوات، وهذه الفجوات كما بين السماء والسماء، وهذا التقدير الأخير ليس بصحيح؛ لأن مسافة الأرض الآن لو دارت عليها الطائرة لم تنسب ولا إلى

стр. 1066

السماء الدنيا، لكن يقال: هذه السبع أرضين الله أعلم بكيفيتها، ولا ندري هل هي متلاصقة أو بينها فاصل، وعلينا أن نؤمن؛ لأن هذا شيء فوق طاقتنا. ١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله هما: العليم والحكيم، لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وقد مر علينا كثيرًا أن علم الله تعالى واسع شامل لكل شيء في السماء أو في الأرض، وإيماننا بذلك يوجب لنا أن نحذر من مخالفته؛ لأننا لو خالفناه فإنه عالم بنا، واسم الله العليم أبلغ من اسميه: السميع والبصير؛ لأن السميع إذا آمنا بمقتضاه حذرنا مما يُقال، والبصير إذا آمنا بمقتضاه حذرنا مما يُرى، لكن العليم إذا آمنا به حذرنا مما يُقال أو يُرى أو يُفعل أو يُترك؛ لأن الله تعالى عليم به. وأما الحكيم فهو مشتق من الحكم والحكمة، فلله الحكم وله الحكمة البالغة. والحكم نوعان: كوني وشرعي، فما كلف الله به العباد فهو حكم شرعي، وما انفرد به الله فهو حكم كوني، ثم كل منهما لا يصدر إلا لحكمة. إذًا: فالحكمة: كونية وشرعية، ثم الحكمة تكون على الصورة المعينة وعلى الغاية المرادة، ولهذا نقول: الحكمة غائية وصورية؛ أي: على الصورة المعينة حكمة فإيجاد الواجب حكمة، والإثابة عليه حكمة، فالأول صوري، والثاني غائي. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ

стр. 1067

وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ [النساء: ١٧١]. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قوله هنا: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ عام أريد به الخاص، والمراد بهم النصارى؛ لأن الله تعالى ذكر حال اليهود فيما سبق، من قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] إلى آخره، وما قبلها أيضًا، ثم خاطب أهل الكتاب الذين هم النصارى، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ والغلو هو: الزيادة، في الشيء، وهذه الزيادة تُسمى غلوًا وتُسمى إفراطًا، وضدها: التفريط والتقصير. وقوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: فيما تدينون الله به، وذلك أنهم اعتقدوا أن المسيح هو الله، أو ثالث ثلاثة أو قالوا: إن المسيح وأمه إلهان، وقالوا: إن المسيح ابن الله، كل هذه الأقوال يرونها دينًا، فقال لهم الله تعالى: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: فيما تدينون الله به. وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أي: ولا تقولوا على الله فيما تصفونه به إلا الحق؛ أي: الشيء الثابت المقبول عقلًا وفطرة ونقلًا، وضده الباطل، فمن قال: إن المسيح ابن الله، فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة فقد قال على الله غير الحق، ومن قال: إن المسيح وأمه إلهان فقد قال على الله غير الحق.

стр. 1068

قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، هذه الجملة إبطال لقولهم: إن المسيح ابن الله، وأن المسيح وأمه إلهان، وأن الله ثالث ثلاثة، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾، عندنا أربع كلمات: المسيح، وعيسى، وابن مريم، ورسول الله ولا بد من إعرابها: أما قوله: ﴿الْمَسِيحُ﴾ فهو مبتدأ، وأما قوله: ﴿عِيسَى﴾ فهو عطف بيان، وأما قوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فهو صفة، وأما قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ فهو خبر، وجملة: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ جملة تدل على الحصر، فيكون التركيب: "ما المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول الله" وليس جزءًا من الله ولا إلهًا. وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ﴾ المسيح: لقب لعيسى ابن مريم ﵊؛ وسُمي بذلك لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، فيبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ، بخلاف المسيح الدجال، فإنما سُمي المسيح لأنه ممسوح العين؛ أي: أعورها. وقوله: ﴿عِيسَى﴾ هو العلم. فإن قال قائل: كيف قدم اللقب على العلم، واللقب وصف، والعلم ذات؟ قلنا: إن اللقب إذا اشتهر به الملقب صار بمنزلة العلم، بل أظهر في تعيين الملقب من العلم، ولهذا تقول: الإمام أحمد مثلًا، فتقدَّم اللقب "المسيح" على عيسى ابن مريم؛ لأنه بلقبه أظهر وأبين. وقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هي: مريم ابنة عمران، ونسب إليها

стр. 1069

لأنه ليس له أب، وإلا فمن المعلوم أن من له أب شرعي فإنه يجب أن ينسب إليه لا إلى أمه. وقولنا أب شرعي احترازًا ممن له أب قدري لا شرعي، وهو ما حصل بالزنا، والعياذ بالله! فإن هذا له أب قدري وهو الزاني، لكن الزاني ليس أبًا شرعيًا. وقوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: مرسل من الله ، وليس ربًا ولا جزءًا من رب، بل إنه رسول الله. وقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الواو حرف عطف، وقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ معطوفة على رسول الله، ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي: كلمة الله؛ أي: الكائن بكلمة الله، وليس هو الكلمة؛ لأن الكلمة وصف للمتكلم لا شيء بائن منه، وعلى هذا فيكون معنى ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أي: الكائن بكلمته ﴿كُنْ﴾، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أوصلها إلى مريم، بأن قال لها احملي مثلًا، أو كلمة نحوها، ونعوذ بالله أن نقول على الله ما لم يقل، لكن هذا معنى كونه كلمة تصل إلى مريم، عن طريق جبريل، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] وأضاف الله النفخ إليه؛ لأنه فعل رسوله الذي أرسله لينفخ في فرجها، وإضافة النفخ إلى الله مع أنه كان من جبريل كإضافة القراءة إلى الله مع أنه كان من جبريل في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨] , فالذي يقرأ جبريل، والنبي ﷺ يتبعه.

стр. 1070

وهل مريم وموسى بن عمران أخوان؟ لأنها مريم بنت عمران، وهو موسى بن عمران؟ الجواب: أورد هذا الإشكال على النبي ﷺ فقال: "إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم" (١) يعني: أن موسى بن عمران ليس أخًا لمريم بنت عمران، فعمران الذي هو أبو موسى لا نعلم أنه نبي، لكنه أبو نبي، فكان هذا الإسم شائعًا في بني إسرائيل، فسمي أبو مريم عمران. قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هل معناه أنه ريح منه، وهو ما حصل بالنفخ من جبريل، أو أنها روح منه أي: أن روحه مخلوقة من الله ، أو الأمران؟ الجواب: الأمران؛ لأنهما لا يتنافيان، فإن جبريل نفخ في فرجها، والنفخ ريح، وكذلك عيسى ابن مريم ﵊ جسد نفخت فيه الروح فصار إنسانًا. ولهذا سماه الله تعالى روحًا يغلب على دينه المسالك الروحية والرهبانية وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ من الله، و"من" هنا ليست للتبعيض قطعًا، وقد استدل بها النصارى على أن عيسى جزء من الله، وجعلوا "من" للتبعيض؛ وذلك لأنهم زائغون، والزائغون هم الذين يتبعون ما تشابه من الأدلة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وذُكر أن نصرانيًا استدل بها على أن عيسى جزء من الله، وقال: إن قرآنكم يدل على ما قلنا من أن عيسى جزء من الله، وكان عنده أحد العلماء فتلا هذه الآية ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا

стр. 1071

فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فقال: للنصراني: هل السموات والأرض وما فيها جزء من الله؟ ! فحار النصراني، وعرف أنه على ضلال ثم أسلم؛ لأنه تبين له الحق، فـ "من" هنا ليست للتبعيض، ولكنها للإبتداء؛ أي: أنها من عند الله . قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ﴿فَآمِنُوا﴾ الضمير "الواو" يعود إلى أهل الكتاب الذين يراد بهم النصارى، وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي عيسى وموسى ومحمد وجميع الرسل، ولا تقولوا: لا نؤمن إلا بمحمد؛ لأن عيسى هو الذي بشَّر به، بل آمنوا بالله ورسله كلهم من أولهم إلى آخرهم. والإيمان في اللغة اشتهر بأنه التصديق، ولكن الصحيح: أنه ليس التصديق، وأنه الإقرار، ولهذا يُعدى بالباء، فيقال: آمن بكذا؛ أي: أقر به إقرار مؤمن مصدق، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ﵀ في كتابه "الإيمان"، وذكر أن من فسره بالتصديق فليس بصواب، لكن قد يُضمن معنى التصديق ثم يتعدى باللام، مثل قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، والإيمان هنا بمعنى الإنقياد؛ أي: فانقاد له لوط ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ جملة ﴿لَا تَقُولُوا﴾ مكونة من فعل مضارع وفاعل، والقول هو: النطق باللسان، وهنا كلمة ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ لم يقع عليها الفعل؛ لأن القول لا ينصب إلا جملة أو شبه جملة، ولا ينصب الإسم المفرد إلا على لغة بعض العرب الذين يجعلون القول كالظن، فينصبون به المفرد، وعلى هذا فنقول: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ ليست مفعولًا لـ ﴿تَقُولُوا﴾، ولكنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: "ولا تقولوا: الله ثلاثة".

стр. 1072

وكانوا يقولون بالتثليث كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. وقوله: ﴿انْتَهُوا﴾ أي: عن قول: ثلاثة، فنهى أولًا، ثم أمر ثانيًا بقوله: ﴿انْتَهُوا﴾. وقوله ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ ﴿خَيْرًا﴾ خبر "يكن" المحذوفة والتقدير: "انتهوا يكن خيرًا لكم". وقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذا دفع لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، و"إنما" أداة حصر، فالجملة فيها حصر الألوهية بالله . وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ "سُبْحَانَ" بمعنى تنزيه، وهي اسم مصدر، وفعلها "سبح"، والمصدر منه "تسبيح"، واسم المصدر "سبحان"، وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا، فكلما جاءت "سبحان" فهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها محذوف وجوبًا؛ ولا يجمع بينها وبين عاملها. وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ أن هذه مصدرية، وقد حذف حرف الجر منها للعلم به؛ أي: تنزيهًا له عن أن يكون له ولد، وإنما هو منزه عن الولد جل وعلا لأمور متعددة: أولًا: لأنه مالك كل شيء، والمالك لا بد أن يكون المملوك مباينًا له في كل الأحوال. وثانيًا: أنه ليس له زوجة، والإبن إنما يكون غالبًا ممن له زوجة، كما ذكر الله ذلك في سورة الأنعام ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].

стр. 1073

ثالثًا: أن الولد إنما يكون لمن يحتاج للبقاء؛ أي: بقاء النوع باستمرار النسل، والرب ليس بحاجة إلى ذلك؛ لأنه الحي الذي لا يموت. رابعًا: أن الإبن إنما يحتاج إليه والده ليساعده ويعينه على شئونه وأموره، والله غني، وقد أشار إلى ذلك في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨] فعلى كل حال هو منزه عن أن يكون له ولد، وما قدر الله حق قدره من قال: إن له ولدًا. قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ هذا كالدليل على أنه منزه عن أن يكون له ولد، فإن ما في السموات وما في الأرض ملك له، والولد لا بد أن يكون كوالده في أنه له قسط من الملك؛ لأنه سوف يرث والده إذا مات مثلًا، والله سبحانه له ملك السموات والأرض. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ "مَا" هنا للعموم؛ أي: كل ما في السموات من ذوات وأحوال وأمور فهي لله ، وكذلك ما في الأرض. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ قال المعربون: إن الباء هنا زائدة، والتقدير: "وكفى الله وكيلًا" أي: حافظًا على كل شيء، فلا يحتاج إلى ابن يساعده، أو يعينه في حفظ الملك. من فوائد الآية الكريمة: ١ - النهي عن الغلو في الدين، لقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ وإذا نهى الله أمة عن شيء وقصه علينا فهو عبرة لنا؛ يعني: أننا منهيون عنه، ويؤكد هذا قول

стр. 1074

النبي ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم" (١) أي: لا تغلوا فيَّ. ٢ - أن الغلو في الدين كالنقص منه، فكما أن الإنسان منهي عن النقص في دينه فهو أيضًا منهي عن الغلو. ٣ - أنه لا يجوز لنا أن نغلو في ديننا، سواء ما يتعلق برسولنا ﷺ أو بأعمالنا، وعلى هذا: فمن أحب النبي ﷺ أكثر من محبة الله فهو غالٍ فيه ﵊، ومن نزله منزلة الرب وأنه يتصرف في الكون فهو غالٍ فيه، ومن زعم أن غيره ممن هو دونه يتصرف في الكون فهو غالٍ فيه، فالغلو هو مجاوزة الحد في كل شيء. ٤ - تحريم القول على الله إلا بالحق، لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وهو الشيء الثابت. - ويتفرع من هذه الفائدة: تحريم تحريف آيات الصفات وأحاديثها؛ لأن الذي يحرفها لم يقل على الله الحق، بل قال عليه الباطل، فآيات الصفات مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] فلو قال قائل: ليس المراد باليدين اليد الحقيقية، بل المراد النعمة والقدرة وما أشبه ذلك، فنقول: هذا قال على الله غير الحق؛ لأنه قال ما لا يريده الله . ٥ - بيان أن المسيح ﵊ لا يستحق من أمر الربوبية شيئًا، وتؤخذ من قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾. ٦ - جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب، لقوله:

стр. 1075

﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وعيسى ابن مريم ليس له أب كما هو معلوم للجميع، فإذا كان الولد ولد زنًا قلنا إنه ليس له أب شرعي، فينسب إلى أمه، ويبقي عندنا إشكال: فهو ينسب إلى أمه حقيقة وحكمًا ولا شك فيه، لكن عند المناداة، وعندما نضع له اسمًا يشتهر به بين الناس وينادى به، فهل نحن ننسبه إلى أمه فيكون بذلك نشر عارها، وكسر قلبه، أو نضع له اسمًا ننسبه إلى من هو حقيقة منسوب إليه؟ فنقول - مثلًا -: عبد الله بن عبد الكريم، فنحن إذا قلنا هو: عبد الله بن عبد الكريم هل أخطأنا؟ الجواب: لا؛ لأن الزاني عبد لله ، وإن كان زانيًا فهو عبد لله، فنسميه بهذا الإسم؛ لأنه لو سميناه منسوبًا إلى أمه لكان كل إنسان يسمع ذلك سيقول: لماذا؟ ثم يلحق العار هذا الرجل وذريته، ويبقي وصمة عار في تاريخهم إلى ما شاء الله. فنقول: الحمد لله، أما من جهة الأحكام الشرعية فلا شك أننا لا نرتب عليه أحكام الأبوة، ولهذا لو مات ابن الزنا فأمه ترثه فرضًا وتعصيبًا، فلهذا نقول: يوضع له اسم ينسب إليه ولا يخالف الواقع. أما اللقيط فيوضع له اسم مثل: عبد الله بن عبد الكريم، أو عبد الرحمن بن عبد العزيز، أو فلان بن أبيه، لكنه ليس أبًا شرعيًا، وقد يكون له أب شرعي؛ لأن بعض الناس ربما يلقي أولاده - مثلًا - في الطرقات والمساجد عجزًا عنهم، فهذا اللقيط في الحقيقة لا ندري هل هو ابن زنًا أو ابن رشد، لكن أباه ألقى به لعجزه عنه. والمشهور عند أهل العلم أن ميراثه لبيت المال، وديته إن

стр. 1076

قتل لبيت المال، إلا إذا تزوج وصار له أولاد فأولاده يرثونه، ولكن نقول: الراجح: أن ماله يكون لمن التقطه؛ لأنه قام عليه وحضنه وتعب فيه فيكون له، وهو أولى من بيت المال الذي يكون لعموم الناس. أما ما اشتهر في عهد الصحابة من نسبة بعضهم لأمه فلأنهم يرضون بذلك، وقد اشتهر هذا الشيء وليس هناك أدنى شك في أنهم أولاد حقيقة لآبائهم وإلا فهناك ابن أم مكتوم، وعبد الله بن مالك ابن بحينة ﵃. أما الحديث الذي فيه وعيد للذي انتسب لغير أبيه فهو لم ينتسب لغير أبيه، بل نعرف أن أباه فلان. مسألة: الولد إذا كان من الزنا، ولكن بعد أن حملت المرأة تزوج بها الزاني زواجًا شرعيًا ثم ولدت فهذا الولد إلى من ينسب؟ الجواب: أولًا نقول: لا بد من توبة الزاني والزانية ولا بد من تحقق ذلك. ثانيًا: إذا أراد أن يتزوجها فأكثر العلماء يقولون: إنه لا يجوز أن يتزوجها؛ لأنه الآن في عدة لا يلحقه ولده، فيجب أن ينتظر حتى تنتهي العدة؛ وذلك بوضع الحمل على الوجه المعروف. ومن العلماء من يجوز ذلك إذا تحققت التوبة، وأنه إذا استلحقه الزاني يُلحق به. لكن هذا الباب لا يجوز إطلاقًا أن يفتح للناس، فلو كان هذا القول من الناحية النظرية قولًا صحيحًا إلا أنه لا يجوز أن يُفتى به الناس على الإطلاق؛ لأنهم لو أُفتوا به لتساهلوا في هذا الأمر، ولكان كل إنسان يزني بامرأة فإذا حملت

стр. 1077

ذهب يتزوجها، وأهلها سوف يضطرون إلى أن يزوجوه، وسيفتح بهذا باب شر على الناس. ٧ - إثبات رسالة عيسى ابن مريم؛ لقوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾، لهذا يجب علينا أن نؤمن بأن عيسى رسول، ليس له حق في الربوبية بأي حال من الأحوال. ٨ - إطلاق السبب على مسببه، لقوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ فإن عيسى ليس هو الكلمة نفسها، لكنه خلق بالكلمة، فأطلق السبب وأريد المسبب. ٩ - أن عيسى ﵊ من أشرف عباد الله وأكرمهم عليه؛ لأنه أضافه إلى نفسه فقال: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، والإضافة للتخصيص والتكريم. ١٠ - أن عيسى ﵊ روح من الله، لقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ يعني: أنه من جملة الأرواح التي خلقها الله ، ولكن أضيف إلى الله من باب التكريم والتشريف. واعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: نوع معنى لا يقوم إلا بغيره، وهذا يكون من صفاته، مثل: علم الله، وقدرة الله، وسمع الله، وكلام الله، وما أشبه ذلك، فهذه معانٍ إذا أضيفت إلى الله فهي من صفاته وليست بمخلوقة، ونوع آخر يضاف إلى الله لكنه بائن منه ومنفصل عنه، وهذا يكون مخلوقًا، لكن أضيف إلى الله من باب التشريف والتكريم، ومنه قوله هنا: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾ [الشمس: ١٣] فأضاف الناقة إليه، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] وقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ

стр. 1078

لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] كل هذه أعيان قائمة بنفسها فإضافتها إلى الله إضافة تشريف وتكريم. ١١ - وجوب الإيمان بالله ورسله كلهم أجمعين من نوح إلى محمد ﵊، لقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ وقد سبق مرارًا ذكر ما يتضمنه الإيمان بالله ؛ فلا حاجة للتكرار، وكذلك ما يتضمنه الإيمان بالرسل. ١٢ - النهى عن التثليث، لقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ يعني: أنه يحرم أن يقول الإنسان: إن الله ثالث ثلاثة، وهذا من الشرك، فالنهي عنه كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] فلا يقول قائل: لماذا اقتصر على النهي فقط؟ نقول: نعم، اقتصر على النهي ولو كان هو شركًا؛ لأن الشرك منهي عنه. ١٣ - أن من تاب من التثليث وانتهى عنه تاب الله عليه؛ لقوله: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ فدل هذا على أن من تاب فهو خير له، وهذا يستلزم قبول التوبة. ١٤ - انفراد الله تعالى بالألوهية، في قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ﴾ دلت على الحصر، وهو أن الله تعالى هو الإله وحده، لكن قوله: ﴿وَاحِدٌ﴾ يكون زيادة تأكيد. ١٥ - تنزيه الله أن يكون له ولد، يعني: أنه منزه عن أن يكون له ولد، تؤخذ من قوله: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَد﴾ تنزيهًا له، ووجه كون اتخاذ الولد بالنسبة إلى الله تعالى عيبًا ونقصًا لأنه يستلزم أن يكون محتاجًا إليه، وأن يكون باقيًا فيما لو هلك الأب.

стр. 1079

والذين قالوا: إن الله اتخذ ولدًا ثلاثة أصناف، وهم: اليهود، والنصارى، والمشركون. ١٦ - انفراد الله تعالى بالملك، من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] فقدم ما حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. ١٧ - أن السموات عدد، يؤخذ من صيغة الجمع، لكنه مبهم، ولكن ورد في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] وأما الأرض فالآية فيها إشارة، وجاءت السنة بذلك صريحًا في قوله: "من اقتطع شبرًا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين" (١). ١٨ - أن الله وكيل على الخلق، بمعنى أنه رب وحافظ لهم؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ١٩ - في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ما يوجب للإنسان صدق الإعتماد على الله ، وأن يعتمد على الله وحده، لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ فاجعل اعتمادك على الله فإنه كافيك، ولو أننا صدقنا في ذلك لكان الله حسبنا، ومن كان الله حسبه فقد تم له أمره. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] فأنت يا أخي! توكل على الله، فأنت إن صدقت التوكل على الله فإن الله حسبك وكافيك، ويسهل لك أمرك، وهذا وعد من الله ليس من زيد ولا عمرو، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصًا وتروح

стр. 1080

بطانًا" (١) فالطير تغدو من أوكارها خماصًا جائعة، قد مضى عليها الليل، ونفذ ما في بطونها، لكنها متوكلة على الله ، تعرف ربها وتعتمد عليه، ولا ترجع إلا وهي بطان ممتلئة بطونها، فلو أننا توكلنا على الله حق التوكل لكفانا، لكن ينقصنا ذلك كثيرًا، والأسباب المادية تجد أكثر الناس يعتمد عليها وينسى المسبب . * * * * قال الله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ [النساء: ١٧٢]. المسيح هو ابن مريم، الذي اتخذه هؤلاء إلهًا، فبين الله أن المسيح نفسه لا يمكن أن يستنكف عن عبادة الله، بل هو ﵊ يطلب الوسيلة إلى الله؛ أي: في القرب لديه قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] يعني: يطلبون الوسيلة التي تقربهم إلى الله ، وأولئك يدعونهم فهم مساكين، وهنا يقول: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾. فقوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ بمعنى يأبى أنفة وعلوًا، وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّه﴾ أي: عبدًا شرعيًا؛ لأن الكوني لا أحد يستنكف عنه، حتى أفجر عباد الله لن يستنكف أن يكون عبدًا لله العبودية القدرية، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا

стр. 1081

آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣] ففرعون مستكبر، لكن قدريًا لا يمكن أن يستكبر، أما الإستكبار عن الأمر الشرعي فهذا كثير. فقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أي: عبودية شرعية. وقوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يعني: ولن يستنكف الملائكة المقربون، والملائكة هم: عالم غيبي خلقهم الله من نور، وجعل غذاءهم التسبيح، ولهذا كانوا صمدًا لا يأكلون ولا يشربون. وقوله: ﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾ هل هي صفة كاشفة أو صفة قيد؟ الجواب: يحتمل أن تكون صفة كاشفة؛ لأن الملائكة مقربون إلى الله ، ويحتمل أن تكون قيدًا، وعلى هذا الإحتمال يكون الملائكة فيهم المقربون وفيهم من ليس بمقرب. فالله أعلم. فإن قال قائل: ما المناسبة في ذكر الملائكة عند ذكر عيسى؟ قلنا: المناسبة أن من الناس من جعل الملائكة أولادًا لله، كما أن منهم من جعل المسيح ابنًا لله ، فهذه هي المناسبة، يعني: حتى الملائكة الذين اتخذتموهم أولادًا لله لن يستنكفوا أن يكونوا عبادًا لله. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. قوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ الجملة هنا شرطية، و"مَن" أداة شرط، وقوله: ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ وقرن بالفاء لأنه صدر بالسين، وإذا صدر الجواب بالسين وسوف فإنه يتعين أن يربط بالفاء. وقوله: ﴿يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ يستنكف عن عبادته شرعًا،

стр. 1082

﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ يتعلا ويترفع، ويأبى أن يخضع للأوامر والنواهي. قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي: المستنكف المستكبر، والمتعبد المتذلل، كلهم سيحشرهم إليه، وعلى هذا فالضمير في قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يعود على الجميع. وهنا مباحث: أولًا: قوله: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ﴾ روعي في فعل الشرط لفظ الشرط؛ لأن "مَن" لفظ مفرد، و ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ فاعله مفرد، والجواب قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ روعي فيه المعنى، وأيضًا روعي فيه المعنى بالمعنى الأعم؛ لأن قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يشمل المستنكف وغير المستنكف، وعلى هذا فيكون فيه عموم أوسع. فإذا قال قائل: فهل يجوز في اللغة العربية أن يتعدد مرجع الضمير، فمرة يعود بالإفراد ومرة يعود بالجمع؟ قلنا: نعم، هذا موجود في اللغة العربية، بشرط أن يكون مرجع الضمير صالحًا للإفراد والجمع، فإذا كان صالحًا للإفراد والجمع جاز أن يعود الضمير عليه بالإفراد، وأن يعود عليه بالجمع، وأن يتنوع، قال الله تعالى في آخر سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] ففي الآية هنا عاد الضمير أولًا باعتبار اللفظ، ثم باعتبار المعنى، ثم باعتبار اللفظ. والحكمة من ذلك التنبيه على أن مثل هذه الكلمات للعموم، يعني: أن ﴿مَنْ﴾ سواء كانت شرطية أو موصولة تأتي للعموم، ونستفيد من كون الذي يرجع إليها مرة يكون بالإفراد، ومرة يكون بالجمع.

стр. 1083

وثانياً: قوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ أي: سيجمعهم، وذلك يوم القيامة، فإن الله سبحانه يجمع الأولين والآخرين في مكان واحد، لا بناء، ولا جبال، ولا أشجار، ولا هضاب، ولا رمال، في مكان واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر؛ لأنهم على أرض مسطحة تمد مد الأديم، كما قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾ [الإنشقاق: ١ - ٣] وهي الآن مبسوطة وليست ممدودة، وهي الآن أيضًا مطوية، كما قال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥] , لكن إذا كان يوم القيامة صارت ممدودة: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣)﴾، وكما جاء في الحديث: "تمد مد الأديم" (١) أي: مد الجلد، ولهذا يسمعهم الداعي إذا دعى أولهم سمع آخرهم؛ لأنه ليس هناك انحناء، أو جبال، أو أشجار يمنع وصول الصوت، وأيضًا ينفذهم البصر، فيراهم الرائي كلهم؛ لأنه ليس هناك انحناء حتى يغيب بعضهم عن البصر، بل يُشاهدون جميعًا، فكل الخلائق يجمعون يوم القيامة جميعًا في هذا الصعيد، كما قال الله تعالى ردًا على الذين قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ [الصافات: ١٦، ١٧] قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩, ٥٠] فالأولون والآخرون كلهم يجمعون في هذا المكان.

стр. 1084

زد على ذلك أن الوحوش والبهائم كلها تحشر مع الناس، فيا له من مشهد عظيم! هذا المشهد يجب أن نتذكره دائمًا قيامًا وقعودًا، وإذا تذكره الإنسان فإنه قد يقول يومًا من الأيام: ليتني شجرة تعضد، كما قال ذلك أمير المؤمنين ﵁، وإن الإنسان أحيانًا ليمر بالعصفور أو بالقط فيقول: يا ليتني! مثله؛ يخشى من الذنب، وإلا فمن المعلوم أن ابن آدم إذا قدر الله له السعادة فهو أفضل منها بكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤] , لكن من يضمن لنفسه هذا؟ ! ومن يضمن لنفسه أنه سالم من هذا الموقف العظيم؟ ! من هذا اليوم الذي ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧, ١٨] , فلو ضمن الإنسان هذا لقال: الحمد لله الذي خلقني، مع أن الله محمود على كل حال، لكن الإنسان يخشى من الذنوب. فأقول: إن الخلائق كلها سوف تحشر إلى الله ، ويجازى كل إنسان بما عمل، ولو أنكر الإنسان ما الذي يشهد عليه؟ نفس البدن، أعضاؤه وجلده، فكل الجلد يشهد بما مس من عمل سيء، وبما تصبب عرقًا من شهوة باطلة، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤] اللهم نجنا من ذلك اليوم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أنه لا يمكن للمسيح عيسى ابن مريم الذي جعله هؤلاء إلهًا أن يستنكف عن عبادة الله، ويتفرع على هذه الفائدة: أن العبد لا يصلح أن يكون ربًا أو معبودًا؛ لأنه هو نفسه عابد مربوب.

стр. 1085

٢ - الإستطراد بذكر ما يشارك الشيء وإن لم يكن له ذكر، لقوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ لأننا ذكرنا في التفسير أنها ذكرت إلى جانب المسيح؛ لأن من الناس من يعبد الملائكة، ويدعي أنها بنات الله. ٣ - أن الملائكة مقربون إن قلنا: إن الصفة صفة كاشفة، أو أن الملائكة ينقسمون إلى قسمين: مقربون، وغير مقربين إذا قلنا: إنها صفة قيد. ٤ - وعيد من استنكف عن عبادة الله واستكبر، لقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ ثم فصل. ٥ - أن الإستنكاف غير الإستكبار، فالإستنكاف بالقلب؛ بأن يكون الإنسان عنده أنفة وكبرياء قلبية عن عبادة الله، والإستكبار أن يدع العبادة ويستكبر عنها، ويحتقر العبادة ويحتقر الرسول؛ كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]. ٦ - إثبات البعث لقوله: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. ٧ - أنه عام لكل أحد، فلا بد لكل حي من البعث، سواء كان من بني آدم أو من غير بني آدم، حتى البهائم والوحوش تحشر يوم القيامة. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾ [النساء: ١٧٣].

стр. 1086

في هذه الآية والتي بعدها التفصيل، والتفصيل بعد الإجمال من أساليب البلاغة، ومن المعلوم أن القرآن اشتمل على أعلى أنواع البلاغة. قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ "أَمَّا" هنا شرطية، وتفيد مع الشرط التفصيل، أما كونها شرطية فلأن لها جوابًا، وهو قوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، وأما كونها تفصيلية فلأنه فُصل فيها المؤمنون والذين استنكفوا واستكبروا. وقوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تكرر الكلام عليها كثيرًا فلا حاجة إلى إعادة شرحها. وقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: يعطيهم أجورهم وافية كاملة، وقد جاء في القرآن والسنة بيان كيف هذه الأجور، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ولهذا قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: زائدًا على أجورهم، فإذا استحق الإنسان الحسنة فهي بعشرة أمثالها وتتضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ استنكفوا بقلوبهم، واستكبروا بجوارحهم عن عبادة الله. قوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: عذاب عقوبة وألم، فقوله: ﴿أَلِيمًا﴾ بمعنى: مؤلم، وكلمة: ﴿عَذَابًا﴾ من حيث الإعراب يسميها النحويون: مصدرًا؛ لأن المفعول المطلق هو: الذي لا يكون كالفعل أو كالعامل، أما إذا كان من العامل فإنه يسمى مصدرًا، والمصدر له عدة أغراض منها: التوكيد كما هنا:

стр. 1087

﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، فهو توكيد من جهة أنه عاد بلفظ العامل "يعذب"، وهو أيضًا توطئة لما بعده؛ حيث وصف بأنه أليم. وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ "الولي" أي: من يتولاهم إذا عذبهم الله، وقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يمنع عنهم عذاب الله، فليس لهم دافع ولا رافع من عقوبة الله ، والدافع الولي، والرافع النصير. من فوائد الآية الكريمة: ١ - في الآية دليل على المجازاة، وأن الإنسان يُجازى بقدر عمله، ولكن حسب ما وعد الله . ٢ - فضيلة الإيمان والعمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ٣ - أنها ربما تشعر بأن العمل الصالح لن يكون مقبولًا إلا بالإيمان؛ لأنه قدم ذكر الإيمان، والأصل أن ما قدم فهو الأسبق، وهذا أمر دلت عليه السنة، بل دل عليه القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤] فلا بد من الإيمان السابق على العمل الصالح. وهل يمكن أن يستدل بهذا على أن العمل الصالح لا يدخل في الإيمان؛ لأن الأصل في العطف التغاير؟ الجواب: نعم، قد يستدل به من يستدل على أن العمل الصالح ليس من الإيمان، ولكن نقول: قد دل الكتاب والسنة على أن العمل من الإيمان، قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال أهل التفسير: أي: صلاتكم

стр. 1088

إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، وقال النبي ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١) وربما يقال: إذا جمع بين الإيمان والعمل الصالح صار المراد بالإيمان عمل القلب وقول القلب، وبالعمل الصالح عمل الجوارح وقول اللسان، فيكون هذا من باب ما يفترق عند الإجتماع ويجتمع عند الإفتراق. ٤ - الرد على الجبرية، يؤخذ من قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، ولا يضاف العمل إليه إلا مجازًا، وأن عمله ليس باختياره ولا بقصده. ٥ - بيان منَّة الله ؛ حيث سمى الثواب أجرًا، كأنه استأجر أجراء يعملون فيأجرهم، مع أن فائدة العمل للعامل نفسه، بينما الأجراء في غير المعاملة مع الله يكون العمل لمن دفع الأجرة، أما هذا فالعمل للإنسان، ومع ذلك يأجره الله . ٦ - أن ثواب الأعمال الصالحة يزيد على ما قدره الله تعالى، لقوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. ٧ - أن المستنكفين المستكبرين جزاؤهم العذاب، لقوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهل يدخل في هذا أهل المعاصي؟

стр. 1089

الجواب: إن قلنا: نعم، لزم أن يقع بهم العذاب على كل حال، وإن قلنا: لا، فهو أقرب؛ لأن المؤمنين يستحقون العذاب، ولكنهم لا يعذبهم الله إذا شاء، إما بمغفرة من الله، أو بشفاعة أو بدعاء المؤمنين لهم، أو ما أشبه ذلك. ٨ - أن من أرداه الله بسوء فإنه لا مرد له، ولا عاصم منه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ويترتب على هذا أن المشركين لن ينتفعوا بآلهتهم مهما كان، بل إن الله قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فيلقون فيها جميعًا العابد والمعبود. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الخطاب هنا بـ ﴿أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لإفادة أن رسالة النبي ﷺ عامة لا تختص بقوم دون قوم، فالناس كلهم مخاطبون بشريعة النبي ﷺ ، حتى اليهود والنصارى مخاطبون بذلك. وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ الجملة هنا مؤكدة بمؤكد واحد، وهو ﴿قَدْ﴾. وقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهان هو الدليل، والمراد بها الآيات التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آية جاءت بها الرسل آية النبي ﷺ ، وهو القرآن الذي بقي آية للرسول ﷺ إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.

стр. 1090

وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الربوبية هنا: ربوبية بالمعنى الأخص؛ لأن كونه يمنُّ علينا بالآيات البينات القاطعة لا شك أن هذا من مقتضى ربوبيته الخاصة، فهو رب الجميع، لكن هناك ربوبية خاصة يمنُّ الله بها على من يشاء من عباده. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ , ﴿نُورًا﴾ يعني به: القرآن، والنور ضد الظلمة. وهو نور معنوي لا شك؛ لأن به يستنير القلب والوجه، وفي القبر والبعث، فالقرآن كله نور، ولكنه يحتاج إلى تأمل، وإلى تدبر لمعانيه، وإلى عمل به. وقوله: ﴿نُورًا مُبِينًا﴾ كلمة "مبين" ذكرنا فيما سبق أنها تصلح أن تكون بمعنى "بيَّن"، وبمعنى "مظهر"؛ وذلك لأنها مشتقة من "أبان"، و"أبان" تصلح متعدية ولازمة، فتقول: أبان لي الطريق، وحينئذ تكون متعدية، وتقول: أبان الفجر، بمعنى طلع، وهذه لازمة، وعلى هذا فكلمة ﴿مُبِينًا﴾ يصح أن تفسرها بأنه مبين لغيره، وبأنه بين في نفسه ولا يتنافى المعنيان، وقد مر أن القاعدة المهمة الأصلية أنه متى كانت النصوص من القرآن والسنة تحتمل معنيين لا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما، وجب حمل النص على المعنيين جميعًا. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن القرآن الكريم نازل لجميع الخلق، لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ , ويترتب على هذه عموم رسالة النبي ﷺ . ٢ - أنه يجب على من لم يعرف اللغة العربية أن يتعلمها، ليتوصل إلى الإستفادة من القرآن، لقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ومن
следующие страницы →