← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم النبيين، وإمام المتقين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد؛ فلقد أولى صاحب الفضيلة شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - تفسير القرآن الكريم، وبيان معانيه، واستنباط الأحكام والفوائد من آياته، عناية كبيرة، فعقد لهذا الهدف دروسًا عديدة تميزت بخصائص جليَّة جليلة وذلك ضمن جهوده المباركة التي تجاوزت خمسين عامًا في مجال التعليم والتربية والدعوة إلى الله . وقد كان من الدروس المسجلة صوتيًا لفضيلته - رحمه الله تعالى -: تفسير سورة النساء خلال الفترة من شهر ربيع الآخر عام ١٤١٣ هـ إلى شهر محرم ١٤١٧ هـ وذلك في حلقته العلمية التي كان يعقدها في جامعه بمدينة عنيزة، للتدريس في مختلف العلوم الشرعية واللغوية.

стр. 2

وسعيًا لتعميم النفع بهذا التفسير - بإذن الله تعالى - وإنفاذًا للقواعد والتوجيهات التي قررها فضيلته - رحمه الله تعالى - لإخراج تراثه العلمي عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى الدكتور الشيخ إبراهيم بن محمد قاسم الميمن - أثابه الله - بالعمل لإعداد تلك الدروس الخاصة بتفسير سورة النساء للطباعة والنشر فجزاه الله خيرًا. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، موافقًا لمرضاته، نافعًا لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء ويضاعف له المثوبة والأجر، ويُعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللجنة العلمية في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية غرة محرم ١٤٣٠ هـ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. هذه السورة هي سورة النساء، وهي مدنية، والمدني عند الجمهور: ما نزل بعد الهجرة، والمكي: ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني على الزمان لا على المكان، وقد ذكر العلماء ﵏ ضوابط ومميزات للمكي والمدني، وهي معروفة في علم أصول التفسير. ومن ذلك: أن الغالب في الآيات المكية القصر، وقوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به. وأما الآيات المدنية فالغالب عليها السهولة، وطول الآيات، وموضوعها في الأمور الفرعية؛ كالبيوع، وآداب المجالس، وآداب الإستئذان، وغير ذلك. والغالب أن النداء في المكي يكون لعموم الناس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ لأن أكثر المخاطبين بها ليسوا بمؤمنين، والمدني يكون الخطاب فيه بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] هذا هو الغالب؛ لأن المخاطبين فيها مؤمنون كلهم أو أكثرهم.

стр. 4

وقد سميت هذه السورة بـ (سورة النساء) لذكر النساء فيها، وقد ابتدئت بأصل خلقة بني آدم، من ماذا خلقوا؟ ثم ذكرت الأرحام وما يتصل بها من المواريث وغير ذلك، ثم ذكرت ما يتعلق بالنكاح؛ لأن النكاح صلة بين الناس، كما أن القرابة صلة بين الناس، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ [الفرقان: ٥٤]، ثم ما يتعلق بمخاطبة اليهود والمنافقين، ثم ما يتعلق بأحوال النزاع بين الزوجين، كما سيمر بنا إن شاء الله تعالى. وهذه السورة هي السورة الرابعة بعد الفاتحة والبقرة، وآل عمران، وقد ورد في صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁: "أن النبي ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران" (١)، وهذا الترتيب كان في أول الأمر، ثم رتبت في الأخير هكذا: البقرة، ثم آل عمران، ثم النساء، واستقر على ذلك المصحف الذي جمعه أبو بكر ﵁ ثم عثمان بن عفان ﵁. يقول الله : "بسم الله"، البسملة آية مستقلة، يؤتى بها في أوائل السور، إلا سورة واحدة وهي سورة براءة، فإنه لم تنزل لها بسملة، ولو نزل لها بسملة لكانت محفوظة موضوعة في مكانها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، ولكن الصحابة ﵃ أشكل عليهم هل هي مستقلة أو من سورة الأنفال؟ فوضعوا فاصلًا بينهما لأجل هذا الإشكال فقط، وليس هناك شك في نزول البسملة أولًا؛ لأن

стр. 5

البسملة لو نزلت لحفظت كما تحفظ آيات القرآن الأخرى. والصحيح أن البسملة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، ولا تحسب من آياتها؛ لا في الفاتحة، ولا في غيرها، خلافًا لبعض أهل العلم الذين قالوا: إنها آية من الفاتحة لا من غيرها، وعلى هذا جرت طباعة المصاحف، فقد جعلت البسملة في الطباعة آية من الفاتحة دون غيرها. والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي ... " (١) إلخ الحديث، ولم يذكر البسملة. ويدل لذلك أيضًا: أنه إذا كانت الفاتحة بين الله وبين العبد نصفين، فإنه لا يستقيم أن تكون البسملة منها؛ لأننا إذا عددنا الآيات وجدناها كما يلي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] آية ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] آية، فهذه ثلاث آيات .. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة] آية، وهذه هي الرابعة، وهي الوسط، وهي التي بين الله وبين العبد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] آية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة] آية، فتكون الآيات متناسقة، ويكون حق

стр. 6

الخالق ثلاث آيات مستقلة، وهي الأولى، وحق العبد ثلاث آيات مستقلة، وهي الآيات الأخيرة، والسابعة بينهما، وبهذا يعرف أن البسملة ليست من الفاتحة. وأما الجار والمجرور فإنه متعلق بمحذوف، وهذا المحذوف فعل مؤخر يقدر بحسب المسمى عليه، فإذا كنت تريد أن تقرأ فالتقدير: باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد أن تذبح فالتقدير: باسم الله أذبح، وإذا كنت تريد أن تتوضأ فالتقدير: باسم الله أتوضأ، وهلم جرا. وإنما اختير أن يكون الفعل متأخرًا تيمنًا بالبداءة باسم الله من وجه، ولإفادة الحصر من وجه آخر؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فكأنك تقول: لا أقرأ إلا باسم الله، وإنما اختير أن يكون فعلًا لا اسمًا - أي: لا يقدر باسم الله قراءتي، أو باسم الله ابتدائي-؛ لأن الأصل في العمل الأفعال دون الأسماء، ولذلك لا يوجد اسم عامل إلا بشروط، بخلاف الأفعال. وإنما قدر مناسبًا لما يسمى عليه؛ لأنه أنسب، ولأن النبي ﷺ قال: "ومن لم يذبح فليذبح باسم الله" (١)، فقدر فعلًا خاصًا وهو الذبح. أما لفظ الجلالة فهو علم خاص بالله وحده، لا

стр. 7

يسمى به غيره بالإجماع، وكذلك ﴿الرَّحْمَنِ﴾ علم خاص بالله، لا يسمى به غيره. وأما الرحيم فهو اسم من أسماء الله ، فهو علم عليه، لكن يوصف به غيره، كما قال الله تعالى في النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ويفسر أهل السنة ﴿الرَّحْمَنِ﴾ بأنه ذو الرحمة، وهي صفة لازمة تتعلق بذات الله ، ومن آثارها: الإنعام والإحسان، ويفسرها أهل التعطيل بالإحسان فيقولون: الرحمن: المحسن، أو المنعم، أو بإرادة الإحسان أو الإنعام؛ أي: المريد للإحسان، والمريد للإنعام؛ لأنهم لا يصفون الله بصفة الرحمة، وكذلك يقال في الرحيم. فإن قال قائل: هل الرحمن والرحيم مترادفان؟ فالجواب: إن ذكر أحدهما منفردًا عن الآخر فهو متضمن له، وإن ذكرا جميعًا؛ فالرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل؛ لأن الرحمن على وزن فَعْلان، وهو يدل على الوصف؛ كغضبان وسكران ونشوان وما أشبهها، والرحيم يدل على الفعل، فيكون الرحمن باعتبار وصف الله بالرحمة، والرحيم باعتبار فعله؛ أي: باعتبار رحمته لمن رحم، قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت: ٢١]. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ هذه جملة ندائية مصدَّرة بيا، والمنادى: أي، وهو مبني على الضم في محل

стр. 8

نصب، والهاء للتنبيه، والناس: نعت لـ "أي"، أو عطف بيان، فهي مبنية على الضم في محل نصب. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وجّه الله الخطاب للناس، مع أن السورة مدنية؛ وذلك لبيان أن رسالة النبي ﷺ عامة لجميع الناس، و ﴿النَّاسُ﴾ قيل: إن أصلها أناس، وقد حذفت الهمزة لكثرة الإستعمال تخفيفًا، كما حذفت الهمزة من "شر" و"خير"، وأصلها: أشر وأخير، تقول: هذا خير من هذا؛ أي: أخير منه، وهذا شر من هذا؛ أي: أشر منه، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الإستعمال. وهو مشتق من الأُنس؛ لأن البشر كما يقال عنهم: مدنيون بالطبع، يحتاجون إلى أن يأنس بعضهم ببعض، ولهذا لا يوجد أحد تحبب إليه الخلوة إلا لسبب خارج عما جبل الله عليه الناس. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والرب في قوله: ﴿رَبَّكُم﴾ هو الخالق المالك المدبر، فهو متضمن لهذه المعاني الثلاثة: خالق؛ أي: موجد من العلم، ومالك؛ أي: لا يشركه أحد في ملكه، ومدبر؛ أي: للأمور على ما تقتضيه حكمته. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الذي: صفة للرب، ولكنها صفة كاشفة، ومعنى قولنا: (كاشفة)؛ أي: موضحة لهذه الربوبية أو لبعض معانيها، واحترزنا بكلمة (كاشفة) عن كونها مقيدة؛ لأننا لو جعلناها مقيدة، لكان هناك ربان: رب خلقنا من نفس واحدة، ورب لم يخلقنا من نفس واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الذي

стр. 9

خلقنا من نفس واحدة رب واحد، فتكون الصفة هنا صفة كاشفة. وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أي: أوجدكم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هذه النفس هل يراد بها نفس بعينها، أو المراد بالنفس الجنس؟ الظاهر الأول، وهو أن المراد بالنفس نفس بعينها، وهو آدم ﵊ الذي هو أبو البشر، فقد خلقه الله تعالى من طين بيده الكريمة، وعلمه أسماء كل شيء يحتاج إليه؛ لأنه خلق من غير أن يكون هناك أحد يتعلم منه اللغة، فعلمه الله تعالى اللغات التي يحتاج إليها، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أي: مما يحتاج إليه. وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: خلق من هذه النفس زوجها، وقد جاء في الآثار أنها خلقت من ضلَعه الأيمن - والله أعلم - لكن ثبت في السنة أن المرأة خلقت من ضلَع. وقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ولم يقل: زوجته؛ لأن اللغة الفصحى أن الزوج يطلق على الرجل والمرأة، وأصله ضد الوتر؛ لأن الزوجة إذا انضمت إلى زوجها صارت شافعة له بعد أن كان منفردًا، ولهذا يقال: الزوجة شريكة زوجها في الحياة؛ لأن بعضهما انضم إلى بعض. والمراد بها هنا حواء. وقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ بث بمعنى: نشر وأخرج ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: من النفس وزوجها ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وهذان القسمان لا يخرج عنهما بنو آدم، وما جاء في الخنثى فإن الخنثى: إما ذكر وإما أنثى، أو مركب منهما، لكنه لا يخرج عن الذكورة والأنوثة.

стр. 10

وقوله تعالى: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ ولم يقل: نساءً كثيرات؛ لأن الكثرة في الرجال عز، بخلاف الكثرة في الإناث، وإن كان الواقع أن النساء من بني آدم أكثر من الرجال، كما استنبط ذلك شيخ الإسلام ﵀ من قول النبي ﷺ : "إنكن أكثر أهل النار" (١)، "وإن أهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون" فإذا كن أكثر أهل النار، وأهل النار من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون؛ لزم من هذا أن يكن أكثر من الرجال، وهذا هو الواقع، لكن الكثرة في الرجال عز وفخر يفتخر الناس به، بخلاف النساء، فإن الكثرة منهن عالة وتعب وعناء. ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، كرر الأمر بتقواه لما لها من الأهمية؛ لأن الإنسان إذا وفق لتقوى الله صلحت أموره الدينية والدنيوية. وقوله: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ فيها قراءتان: الأولى "تَسَاءلون" كما في المصحف، والثانية: "تسَّاءلون"، وأصل "تسَّاءلون" تتساءلون، وقوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: يسأل بعضكم بعضًا به للحماية، فيقول: أسألك بالله أن تنقذني، أسألك بالله أن لا تؤذيني، وغير ذلك مما يسأل، فالله تعالى هو الذي يتساءل به الناس. وقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ فيها قراءتان: بالجر، وبالفتح، فإذا كانت بالفتح فهي معطوفة على قوله: "الله"، فيكون المعنى: واتقوا الأرحام فلا تضيعوها، ولا تفرطوا في حقها، والأرحام: جمع رحم، وهم القرابة، فيكون في الآية أمر بصلة الأرحام والقيام

стр. 11

بحقهم، وأما على قراءة الجر: "والأرحامِ" فهي معطوفة على الضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ أي: تساءلون به وبالأرحام، والتساؤل بالأرحام مما جرت العادة به عند العرب أن يقال: أسألك بالله وبالرحم، أو يقال: أسألك بالرحم التي بيني وبينك، فهم لعصبيتهم يقدرون الرحم تقديرًا بالغًا ويحترمونها، ويرون حمايتها؛ ولهذا ذكَّرهم الله تعالى بها فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. فإذا قال قائل: هل بين القراءتين منافاة؟ فالجواب: لا، والقراءتان في الحقيقة تصيِّر الكلمة كلمتين، فإما أن تكون كل قراءة تبيانًا للأخرى، وإما أن تكون القراءة الثانية جاءت بمعنى جديد، وهنا القراءتان كل واحدة جاءت بمعنى جديد، فقراءة النصب فيها الأمر باتقاء الأرحام؛ أي: اتقاء التفريط في حقهم، والقراءة الثانية فيها التذكير بأن الناس يتساءلون بالأرحام، ولم يتساءلوا بها إلا لعظم حقها بينهم. وهنا إشكال على قراءة الجر من حيث القواعد النحوية؛ لأن النحويين يقولون: إذا عطفت على ضمير متصل فأت بالضمير المنفصل، أو أعد حرف الجر، فقل: تساءلون به وبالأرحام. فهل نقول: إن في القرآن ما خرج عن القواعد؟ الجواب: لا، بل إن القرآن حاكم وليس محكومًا عليه، وكون النحويين يقولون: هذا شاذ، نقول: الشذوذ منكم، فليس في القرآن ما هو شاذ أبدًا، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، وإذا كان يقل استعمال هذا عند العرب، فإنه بنزول القرآن به يكون كثيرًا، يقرؤه الناس في كل وقت وفي كل حين؛ ولهذا أنكر الرازي ومحمد رشيد رضا وغيرهم من العلماء على النحويين إنكارًا بالغًا في هذا، وقالوا: كيف يقولون: إن في القرآن ما هو

стр. 12

شاذ؟ فإن القرآن يَحكم ولا يُحكم عليه، بل إذا جاء في القرآن تركيب لم يُعهد في اللغة العربية، فإن الفضل للقرآن بإحياء هذا التركيب. وقد ذكر ابن مالك ﵀ أنه ليس بلازم أن يُعاد حرف الجر، فقال: وليس عندي لازمًا إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا وهذا هو الصحيح، وعلى هذا فنقول في كل آية زعم النحاة أنها شاذة: إنه ليس في القرآن شيء شاذ، بل كل ما في القرآن فهو على اللغة الفصحى بلسان عربي مبين، ويجب أن تؤخذ القواعد من القرآن ليحكم بها وعليها، لا أن تؤخذ القواعد مؤصلة باصطلاحات حادثة ثم يقال: إن القرآن شاذ. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، لما أمر بتقواه مرتين في الآية قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: يراقبكم في جميع أحوالكم .. هل اتقيتم الله أم لم تتقوه؟ هل اتقيتم الأرحام وقمتم بواجبها أم لم تتقوها؟ وختمُ الآية بهذه الجملة يراد به التهديد من المخالفة، كما لو قلت لأحد أبنائك: افعل كذا فأنا رقيب عليك، فهذا يعني: أنك تهدده بأن لا يخالف، وأنه إن خالف فسيجد عقوبته. من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب تقوى الله تعالى على جميع الناس، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، حيث وجه الخطاب لجميع الناس. ٢ - بيان أن الناس أُوجدوا من العلم، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.

стр. 13

٣ - الرد على الفكرة الملحدة أن الناس تطوروا من القرود إلى البشرية، فنحن لا نعرف النفس إلا آدم الذين نحن من نسله، ولكن من ادعى أن أصل بني آدم قرد، قلنا له: إقرارك على نفسك مقبول، وعلى غيرك غير مقبول. ٤ - التذكير بنعمة الله بما خلق لنا من الأزواج، لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، و (من) هنا للتبعيض، ويجوز أن تكون بيانية للجنس؛ أي: من جنسها، وهذا من النعم الكبيرة، فلو كانت أزواجنا من غير جنسنا فلا يمكن أن نركن إليها أبدًا؛ لأنه لا يركن الإنسان إلا إلى من كان من جنسه، فلو كانت من جنس غير آدمي، فلن يركن إليها الإنسان أبدًا، بل ينفر منها نفورًا شديدًا. ٥ - أن أصل هذه البشرية - التي لا يحصيها إلا الله - واحد، وإن شئت فقل: أصلها اثنان، زوج وزوج، خلق منهما هؤلاء الرجال الكثير والنساء، بشر لا يحصيهم إلا الله ؛ لقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. ٦ - أن كثرة الرجال أهم من كثرة النساء؛ لقوله: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا﴾، فإن التنصيص على كثرة الرجال يدل على أهمية هذه الكثرة. ٧ - أهمية التقوى، ولهذا كرر الله الأمر بها مرتين. ٨ - الإشارة إلى أن التقوى واجبة بمقتضى الربوبية وبمقتضى الألوهية. ٩ - أن التساؤل بالله أمر واقع معروف عند العرب؛ لقوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾، ولكن هل يجوز للإنسان أن يسأل غيره بالله؟

стр. 14

نقول: إن كان المقصود بذلك التذكير فلا حرج، وإن كان المقصود بذلك الإلزام ففيه نظر، فإذا قال: أسألك بالله؛ أي: أذكرك به حتى تراعي عظمة الله وحقه، فهذا لا بأس به، أما إذا كان القصد الإلزام، فهذا إحراج، ومن ذلك ما يقع أحيانًا من بعض الذين يقدمون أسئلتهم في المحاضرات فيقول بعضهم: أسألك بالله إلا رددت علي، أو يقول لمقدم السؤال: أسألك بالله إلا قدمته، فهذا فيه إحراج؛ لأنه قد يرى المجيب أو المقدم أن من المصلحة أن لا يقدم هذا السؤال، أو أن لا يجاب عليه. وإذا سأل بالله فهل تجب إجابته؟ نقول: إن سأل بالله شيئًا محرمًا فلا كرامة له، ولا تجوز إجابته، كما لو قال: أسألك بالله أن تدخل بستان فلان وتأتي لنا منه ببرتقال وتفاح، فهذا لا يجوز، ولا كرامة، وإذا سأل بالله شيئًا يضر كأن يقول: أسألك بالله أن تعطيني نصف مالك، فهذا لا تجب إجابته؛ لأن فيه ضررًا، وإذا قال: أسألك بالله أن تعطيني حقي الواجب عليك، فهنا تجب إجابته من وجهين: الأول: أنه حق واجب، والثاني: أنه سأل بالله. وقد قال بعض أهل العلم: إن معنى قول النبي ﷺ : "من سألكم بالله" أي: من سألكم حقًا أوجبه الله على المسئول، فكأن معنى قوله: "من سألكم بالله" أي: من سألكم بشرع الله، أو: من سألكم سؤالًا يقتضي الشرع إجابته، فأجيبوه، وليس المعنى: من قال: "أسألك بالله"؛ لأن من قال: أسألك بالله، فقد يراد بها معنى لا يصح إطلاقًا، كأن يريد بذلك أن يجعل الله شفيعًا إلى

стр. 15

هذا المسئول، فإن هذا حرام؛ لأنه لا يجوز أن يستشفع بالله على خلقه، فإن مقام الله أعظم من أن يكون واسطة بينك وبين الخلق. ١٠ - وجوب احترام الأرحام؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ على قراءة النصب، وكذلك الإشارة إلى احترام الأرحام على قراءة الجر، والمعنى: كما أنكم تحترمونها وتسألون بها، فعظموها وآتوها حقها. ١١ - التحذير من مخالفة الله ، وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ومن آمن بأن الله رقيب عليه فسوف يحذر من مخالفة الله . ويؤخذ من هذه الآية: إثبات اسم الرقيب لله . ولا يراد بهذه الآية معناها الزمني؛ لأنه لو أريد بها المعنى الزمني؛ لكانت الرقابة قد مضت، ولكنه يراد بها تحقيق اتصاف الموصوف بالصفة التي كانت خبرًا في هذه الجملة، فالمراد هنا تحقيق أن الله رقيب علينا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ليس المراد أنه كان فزال، بل المراد تحقيق اتصافه بالمغفرة والرحمة. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ [النساء: ٢]. ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿وَآتُوا﴾، بمعنى: أعطوا، وأتوا بمعنى: جاءوا، وقوله: ﴿الْيَتَامَى﴾ مفعول أول، و ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾ مفعول ثانٍ، وهذا الفعل "آتوا" ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.

стр. 16

و ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو مأخوذ من اليتم، وهو الإنفراد، والمراد به اصطلاحًا: من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ، سواء كان ذكرًا أو أنثى، أما إذا بلغ فإنه يزول يتمه بحسب الإصطلاح والحكم الشرعي، ولهذا جاء في الحديث: "لا يتم بعد احتلام" (١) أي: بعد البلوغ؛ لأنه إذا بلغ استقل بنفسه. وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أموالهم التي لهم، سواء كانت عندكم بصفتكم أولياء، أو لم تكن عندكم، ولكن أخذتموها بغير حق، وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: فلا تخونوا منها شيئًا، ولا تكتموا منها شيئًا، ولا تفسدوها، بل أعطوها كما كانت، ولا يلزم من قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ أن نعطيهم المال وهم أيتام؛ لأن اليتيم لا يعطى ماله إلا إذا اختبر، كما قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وهناك فرق بين الإيتاء وبين الدفع؛ لأن الدفع معناه: لا تعطه المال حتى يبلغ ويرشد، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، وإما إيتاء المال، فالمراد أن نحفظ المال لهم بحيث نعطيهم إياه كاملًا عند وجوب الدفع. وقوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ أي: لا تأخذوا الخبيث بدلًا عن الطيب. والمعنى: أننا لا نعطيهم الخبيث من أموالنا ونأخذ بدله الطيب، وقيل: معناها: لا تأخذوا أموالهم وتستغنوا بها عن الطيب؛ لأن أخذ أموالهم حرام، والحرام خبيث. ففيها وجهان:

стр. 17

الوجه الأول: أن لا تأخذوا الطيب من أموالهم وتعطوهم الخبيث، ومثاله: أن يكون لليتيم غنم سمينة جيدة، وعند وليه غنم هزيلة رديئة، فيأخذ من غنم اليتيم الطيب ويعطيه الرديء، فإن هذا حرام، أو يكون عنده بر طيب نقي، فيأخذه ويعطيه برًا رديئًا مخلوطًا .. وما أشبه ذلك. فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا الطيب وتعطوهم الخبيث. الوجه الثاني: لا تأخذوا من أموالهم شيئًا؛ لأن أموالهم حرام عليكم، والحرام خبيث، فيكون معنى الآية على هذا الوجه: لا تأخذوا أموالهم فتستغنوا بها عن الطيب الذي تكتسبونه بوجه حلال. وكلا الأمرين محرم، سواء أخذ ماله بدون أن يعطيه عنه شيئًا، أو أخذ ماله الطيب وأعطاه عنه مالًا رديئًا. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قال العلماء: إن ﴿إِلَى﴾ بمعنى "مع"؛ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وقيل: بل إن ﴿إِلَى﴾ على بابها، ولكن قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ ضمنت معنى "تضموا"؛ أي: لا تضموا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوها، وهذا المعنى أصح؛ لأن تضمين الفعل معنى فعل آخر في القرآن كثير، وإتيان "إلى" بمعنى "مع" قليل، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، وهذا من قواعد التفسير: "أن حمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل"؛ لأنها إذا كانت هي الكثيرة في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن، وهي حقيقة القرآن. والفائدة من تخصيص ذكر الأكل فقط؛ لأنه أكثر ما يكون،

стр. 18

وأعم ما يكون من الإنتفاعات، ولأنه هو الذي ينتفع به البدن انتفاعًا مباشرًا، فإن اللباس ينتفع به لكن من الخارج، ولهذا فإن الآيات كلها تعبر في الغالب بالأكل .. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] .. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على الفعل المفهوم مما سبق المكون من شيئين: تبديل الخبيث بالطيب، وأكل الأموال إلى أموالنا، وقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: هذا الفعل. وقوله: ﴿كَانَ﴾ أي: كان عند الله ﴿حُوبًا﴾ أي: إثمًا أو ذنبًا، ﴿كَبِيرًا﴾ الكبير ضد الصغير؛ لأن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، فهذا من الذنب الكبير. وقد قال بعض العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وهذا خطأ عظيم؛ لأن قوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ليس هو الأكل الذي نهى الله عنه هنا حتى نقول: إن بين الآيتين تعارضًا، فالله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: لا تخلطوها لأجل أن تأكلوها، أما إذا خلطها للإصلاح أو لمصلحة، فإن هذا لا بأس به، لكن بعض العلماء - عفا الله عنا وعنهم - إذا عجزوا عن الجمع بين النصين قالوا: إن هذا منسوخ، وأقول: إذا عجزوا؛ لأنه قد لا يكون بين النصين تعارض، فقد يكون كل نص محمولًا على معنى، وهذه مسألة خطيرة جدًا؛ لأن معنى النسخ إنكار المنسوخ، وعدم جعله حكمًا شرعيًا، فالمسألة خطيرة، ولهذا لا يجوز ادعاء النسخ مع إمكان الجمع أبدًا.

стр. 19

من فوائد الآية الكريمة: ١ - بيان رحمة الله ، حيث أوصى بهؤلاء اليتامى؛ لأن اليتيم محل الرحمة، فهو مكسور المخاطر، ليس له أب، وربما لا تكون له أم أيضًا، فلهذا أوصى الله بالعناية به وبماله. ٢ - وجوب حفظ أموال اليتامى؛ لأنه يلزم من إيتائهم أموالهم الحفظ، إذ لو فرّط الولي وأهمل وضاعت الأموال؛ لم يكن قد آتاهم أموالهم. ٣ - أن اليتيم يملك، وملكه تام، لقوله تعالى: ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾، ويتفرع على هذه الفائدة: أن الزكاة واجبة عليه؛ لأن الزكاة تبع للملك، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم" (١)، فإذا ثبتت الملكية ثبت وجوب الزكاة. وفي هذا رد على قول بعض أهل العلم القائلين بأنه لا تجب الزكاة في أموال اليتامى؛ لأن اليتيم صغير غير مكلف، فنقول في الجواب عن هذا: إن الزكاة ليست تكليفًا محضًا، بل هي تكليف لحق الغير، وهم الفقراء، فهي شبيهة بالدين؛ ولهذا وجبت في أموال اليتامى والمجانين وإن كانوا غير مكلفين. ٤ - أن اليتيم تجب النفقة في ماله على من تجب عليه نفقته، وتؤخذ من إثبات المالية، والنفقة واجبة على كل غني لكل فقير، فإذا تمت شروط النفقة ولم يبق إلا البلوغ قلنا: إن البلوغ ليس بشرط؛ لأن الله أثبت المالية لليتامى، وإذا ثبتت المالية؛ ترتب عليها ما يترتب على ذوي الأموال.

стр. 20

٥ - وجوب أداء الأمانة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾. ٦ - أن إطلاق اسم الخبيث على الرديء صحيح، على أحد الوجهين في تفسير الآية، وقد صرح الله بأن الرديء يسمى خبيثًا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فسمى الرديء خبيثًا، وأطلق النبي ﷺ على البصل ونحوه وصف الخبيث، فقال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنا في المسجد" فقال الناس: حُرمت، حُرمت فبلغ ذاك النبي ﷺ فقال: "أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها" (١). ٧ - تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان لقصد إتلافه، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، أما إذا ضم ماله إلى ماله لا لقصد الأكل والإتلاف، ولكن لقصد الحفظ والتجارة، فإن هذا لا بأس به، بل قد يتعين على الإنسان، فإذا ضم مال اليتيم إلى ماله لقصد الحفظ، أو لقصد التجارة، فإنه إحسان إليه، ولا يدخل في النهي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، ولم يقل: لا تخلطوها، ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. لكن في حال ضم المال إلى المال لقصد الحفظ أو

стр. 21

التكسب، يجب أن يحتاط الإنسان في كتابة مال اليتيم الذي أدخله مع ماله، وتمام الإحتياط أن يُشهد على ذلك، فيقول مثلًا: أدخلت كذا وكذا من مال اليتيم ضمن مالي الذي اشتريت به الأرض، أو اشتريت به السيارات، وما أشبه ذلك مما يتكسب به. ٨ - أن العدوان على مال الأيتام بأخذ الطيب وإعطاء الخبيث، أو أكل مالهم، من كبائر الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾. فإن قال قائل: لماذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، ولم يقتصر على قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾؟ فالجواب: أنه لو قال: "ولا تأكلوا أموالهم إنه كان حوبًا كبيرًا" لكفى، ولكنه قال: ﴿أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؛ لأن ولي اليتيم قد يتستر ويدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، وعلى هذا فليس قوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قيدًا، بحيث نقول: لو أكل ماله من غير أن يضمه إلى ماله فهو جائز! بل نقول: إنما ذكر الله هذا لأن بعض الأولياء يتستر فيدخل مال اليتيم في ماله، ولا يعلم به أحد. مسألة: إذا ضَم مال اليتيم إلى ماله فخسر ماله، فهل يضمن لليتيم أم لا؟ نقول: إذا كان حين فعله يعتقد أن هذا هو الأصلح، ولكن اختلفت الأمور، فليس عليه شيء، لا إثم ولا ضمان؛ لأن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وهذه قاعدة: "أن كل إنسان له ولاية في التصرف حتى لو تبين خطؤه فلا ضمان عليه، فضلًا عن أن تأتي الأمور بغير اختياره، وبغير ما يتوقع". * * *

стр. 22

* قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣]. الآية الأولى في أموال اليتامى، وهذه الآية في أبضاع اليتامى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ اليتامى: جمع يتيم، والمراد به هنا: اليتامى من النساء. وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ قال بعضهم: الخوف هنا بمعنى العلم؛ أي: وإن علمتم أن لا تقسطوا، واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]، فإن معنى: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ أي: فمن علم. ولكن الصحيح في هذه الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، فمتى خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى؛ فليفعل ما ذكر الله. وقوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: أن لا تعدلوا في اليتامى، وهناك فرق بين أَقْسَط وقَسَط: فقَسَط بمعنى: جار، وأَقْسَط بمعنى: عدل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]. إذًا فقوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أي: ألا تعدلوا في اليتامى، وقد كانوا في الجاهلية إذا تولى الإنسان على ابنة عمه اليتيمة جار عليها بأن يتزوجها وهي كارهة، أو يتزوجها بدون مهر، أو بمهر قليل، أو يتزوجها وهو كاره لها، لكنه يريد أن يتحجرها، أو غير ذلك من أنواع الظلم والجور، فقال الله مرشدًا عباده:

стр. 23

إن خفتم عدم العدل فالباب مفتوح، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فليست النساء معدومات إلا هؤلاء اليتيمات، بل الأمر واسع، فاعدلوا عنهن وجوبًا، فإذا خاف ألا يعدل في اليتيمة وجب عليه أن يعدل عنها، لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، يعني: اتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء. و﴿مَا﴾ فسرها بعضهم بمن؛ أي: فانكحوا من طاب، وقالوا: لأن المرأة من ذوات العقل، والعاقل يستخدم له "مَن"، وغير العاقل يستخدم له "ما"، فقالوا: إن "ما" بمعنى "من"، ولكن هذا القول ضعيف، بل نقول: إذا كان الأمر يراد به الوصف، فالوصف ليس من العقلاء، فيؤتى بما، وهنا المرأة تطيب للرجل لوصفها؛ لأن اختيار المرأة لما قام بها من الأوصاف التي توجب اختيارها، ولهذا عبر بما، فالصحيح أن "ما" هنا في موضعها، وليست بمعنى مَنْ. وقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: ما حسن، ورأيتموه طيبًا، وطابت به نفوسكم، ولا تكرهوا أنفسكم على نكاح من لا تريدون ومن لا تطيب لكم؛ لأن إكراه الإنسان نفسه على من لا تطيب له كإكراه الرجل نفسه على طعام لا يشتهيه، وإذا أكره الإنسان نفسه على طعام لا يشتهيه؛ فإنه لا يستسيغه أبدًا. وبماذا تطيب النفس؟ جاء في الحديث: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها" (١)، ومن المال: الوظيفة، فتنكح المرأة الآن

стр. 24

لوظيفتها؛ لأن الوظيفة تحصيل للمال، إذًا: المرأة تطيب للرجل بأحد هذه الأوصاف الأربعة، وهذه أوصاف أغلبية، وإلا فقد تنكح المرأة لا لهذه الأوصاف، بل لأسباب أخرى، لكن هذا هو الغالب. و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ يسميها العلماء بيانية؛ لأنها جاءت بعد اسم مبهم وهو الإسم الموصول، فتكون مبينة لهذا المبهم، وكلما جاءت "من" بعد أسماء الشرط أو الأسماء الموصولة؛ فهي بيانية؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وكذلك هنا. وقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بيان لما في قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾؛ أي: انكحوا الذي يطيب لكم من النساء، ويجوز أن يكون متعلقًا بـ "انكحوا" أي: انكحوا من النساء ما طاب لكم، لكن الأول أقرب. وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ يقول النحويون: إن هذه الكلمات لا تنصرف، والمانع لها من الصرف الوصفية والعدل؛ لأن معنى ﴿مَثْنَى﴾: اثنتين اثنتين، ﴿وَثُلَاثَ﴾: ثلاثًا ثلاثًا، ﴿وَرُبَاعَ﴾: أربعًا أربعًا، فالمانع لها من الصرف الوصفية والعدل، وعلى هذا نقول: ﴿مَثْنَى﴾ حال من النساء؛ أي: حال كونهن مثنى وثلاث ورباع؛ أي: انكحوا على اثنتين اثنتين، أو على ثلاث ثلاث، أو على أربع أربع، وليس المعنى: انكحوا اثنتين وثلاثًا وأربعًا، خلافًا لمن زعم ذلك، وقال: إن الآية تدل على جواز نكاح التسع؛ لأن اثنتين وثلاث: خمس، ورباع: أربع، فالجميع تسع، وهذا بعيد من هذا الأسلوب في اللغة العربية، فإن هذا الأسلوب للتقسيم، والمعنى: منكم من ينكح اثنتين اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثًا ثلاثًا، ومنكم من ينكح أربعًا أربعًا؛ لأن الخطاب

стр. 25

في قوله: "انكحوا" خطاب للجماعة وليس لواحد، فإذا كان الخطاب للجماعة فإن المعنى: ينكح بعضكم اثنتين، وبعضكم ثلاثًا، وبعضكم أربعًا. ويدل لهذا الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ أن الرجل لا يتزوج أكثر من أربع، أما النبي ﷺ فإنه مخصوص بخصائص متعددة في النكاح: منها: أنه يتزوج بأكثر من أربع. ومنها: أنه يتزوج بالهبة. ومنها: أنه لا يجب عليه القسم على أحد الأقوال. ومنها: أنه بعد أن خيرهن فاخترن الله ورسوله، حرم عليه أن يتزوج غيرهن إلى أن مات. ومنها: أن زوجاته لا يحل لأحد بعده أن يتزوجهن. وهذه الآية من حيث الدلالة كقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، ولو أراد الله أن يبين لعباده حل النساء إلى التسع لقال: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو ستًا إلى التسع، ولا يأتي بهذا الأسلوب المشتبه؛ لأن القرآن نزل تبيانًا لكل شيء. وقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ ولم يذكر الواحدة؛ لأن المقام مقام تخيير، ومقام إعطاء النفس حظها، فإذا خفت أن لا تقسط في اليتيمة فأمامك النساء كمية وكيفية، فالكمية من اثنتين فصاعدًا، والكيفية قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾، فالباب أمامك مفتوح فيما تريد من النساء كيفية وكمية، ومعلوم أن الواحدة ليس فيها كمية.

стр. 26

وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ ﴿خِفْتُمْ﴾ أي: خشيتم وتوقعتم أن لا تعدلوا، وقيل: المعنى: إن علمتم، والصواب أنها على المعنى الأول؛ أي: خشيتم، ﴿فَوَاحِدَةً﴾ أي: فانكحوا واحدة ولا تزيدوا عليها. وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فما ملكت اليمين لا تنكح، وتوطأ بالملك ولا توطأ بالنكاح، ولهذا يحرم على الرجل أن يتزوج أمته؛ لأنها تحل له بعقد أقوى من النكاح وهو ملك اليمين، والأضعف لا يرد على الأقوى، بخلاف العكس، فإنه يرد الأقوى على الأضعف، فلو اشترى الرجل زوجته انفسخ النكاح وحلت له بملك اليمين، أما لو كان عنده أمة، فإنه لا يمكن أن يتزوجها؛ لأنه ملكها بعقد أقوى من النكاح، فإن السيد يملك الرقبة والمنفعة، بخلاف الزوج فإنه لا يملك إلا المنفعة. إذًا: لا يصح أن نقول: إن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿فَوَاحِدَةً﴾؛ لأنه يختل المعنى، بل المعنى: فانكحوا واحدة، أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم، أو كلمة نحوها، فليست معطوفة على ما سبق إلا في باب عطف الجمل، فيقدر فعل مناسب لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى نكاح الواحدة عند خوف عدم العدل، وإلى أن يتزوج الإنسان اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا عند خوف عدم العدل في اليتامى؛ أي: إشارة إلى الأمرين: نكاحكم مثنى وثلاث ورباع إذا خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى، أو نكاحكم واحدة إذا خفتم ألا تعدلوا. ﴿أَدْنَى﴾ أي: أقرب. ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: ألا تجوروا، هذا هو معنى الآية

стр. 27

المتعين، وأما ما يروى عن الشافعي ﵀ من أن المعنى: ألا تكثر عيالكم، فهو قول ضعيف جدًا؛ لأن كثرة العيال مرغوبة عند الله تعالى؛ ولأن العيال يكثرون إذا جامع الإنسان ما ملكت يمينه، والله يقول: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾، فإذا كان عند الإنسان مائة جارية وجامع كل واحدة، فسيأتيه في السنة مائة ولد، فإذا كان الأمر كذلك فكيف نقول: إن الإنسان إن جامع ما ملكت يمينه يكون أدنى إلى عدم العيال؟ ولهذا فإن هذا القول ضعيف جدًا؛ لمنافاته مقصود الشارع في كثرة الأولاد، ولأن قلة الأولاد لا تكون فيما إذا جامع الإنسان مملوكاته. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أنه يجب على الإنسان الإحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: ولا تعرضوا أنفسكم للجور. ٢ - أنه ينبغي للإنسان أن يتزوج من تطيب نفسه بها؛ لأن ذلك أدنى أن يؤدم بينهما، ولهذا شرع للإنسان أن ينظر إلى مخطوبته حتى تطيب نفسه بها. ٣ - ويتفرع عن هذه الفائدة تبين خطأ ما يستعمله بعض البادية من إجبار الإنسان على نكاح ابنة عمه مع أنه لا يريدها؛ لأن الله يقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، فإذا كان الرجل لا تطيب نفسه بهذه المرأة فكيف يتزوجها؟ فما يفعله بعض البادية لا شك أنه خطأ مخالف للشرع، فإن ابنة عمه إذا لم يتزوجها تزوجها غيره من الناس.

стр. 28

٤ - أن الله إذا سد باب حرام فتح أبواب الحلال؛ لأن قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ يعني: فلا تتزوجوهن، ولكن ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾، وهذا من طريقة القرآن والسنة، أنه إذا سد باب الحرام فإنه يفتح باب الحلال؛ لئلا يوصد أمام الإنسان العمل والحركة، وقد تقدم لهذا نظائر؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ومن ذلك: إرشاد النبي ﷺ إلى بيع التمر الرديء بالدراهم، ثم يشتري بالدراهم تمر طيب. ٥ - جواز التعدد؛ لأن عرض العدد هنا في مقابلة المنع من نكاح اليتامى اللاتي يخاف الإنسان أن لا يقسط فيهن، فكأنه قال: إذا تركت نكاح واحدة من اليتامى، فلك أن تنكح اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وهذا هو الأقرب، لكن يؤخذ مشروعية التعدد من أدلة أخرى، منها: أن النبي ﷺ أراد من أمته تكثير النسل، وهذا يحصل بالتعدد أكثر مما يحصل بالإفراد، وقد قرأت في جريدة، أن بعض الناس بدؤوا يعملون عملًا طيبًا في الحقيقة، وهو الحفل الجماعي في الأنكحة، حتى إنهم جمعوا في ليلة واحدة في وليمة واحدة خمسة وستين عرسًا، وهذا لا شك أنه يوفر نفقات، ويوفر تعبًا على الناس، وهو سنة حسنة؛ لأن هذا من باب تخفيف المؤونة، وأعظم النكاح بركة أيسره مؤونة. ٦ - أنه لا يجوز تجاوز الأربع؛ لقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، مع أن المقام مقام فتح باب للناس، وتكثير، ومنة، ومثل هذا الباب يذكر فيه أقصى ما يكون من المنة التي ليس وراءها شيء. ٧ - تحريم الوسائل المؤدية إلى المحرم؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ

стр. 29

﴿أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، فأوجب الإقتصار على الواحدة إذا خاف الإنسان عدم العدل، وهذه قاعدة عظيمة في أصول الفقه: "أن للوسائل أحكام المقاصد"، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، وما يحصل به المحرم فهو حرام. ٨ - وجوب العدل بين الزوجات؛ لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، والجور بين الزوجات من كبائر الذنوب؛ لقول النبي ﷺ : "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء يوم القيامة وشقه مائل" (١). ٩ - أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع ولا في غيره؛ لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. ١٠ - إثبات ملك اليمين، لقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ولا يمكن رفع هذا الحكم الشرعي مخافة ذم الناس أو شماتتهم، بل الواجب بقاء ملك اليمين إذا وجد سبب هذا الملك، وهو الكفر، وذلك إذا قاتل المسلمون الكفار وسبوا نساءهم وذريتهم. ١١ - إثبات الملكية للإنسان، وأن الإنسان يملك، ولا ينافي هذا أن نقول: إن الملك لله؛ وذلك لأن الملك ملكان: ملك شامل كامل لا يسأل فيه المالك عن أي تصرف، وهذا لله، وملك دون ذلك في الشمول والتصرف، فهذا ثابت، ثم هو أنواع: فتارة يملك الإنسان الرقبة؛ كعبد موصى به لشخص وبمنفعته لشخص آخر، وتارة يملك المنفعة؛ كالمستأجر، وتارة يملك المنفعة والرقبة؛ كالمالك المعتاد الذي يملك مطلق التصرف.

стр. 30

١٢ - أن اليمين أفضل من اليسار؛ لأنه أضاف الملك إليها، ولا شك أن اليمين أفضل من اليسار، ولهذا تعد اليمين للإكرام واليسار للإهانة، فالشيء الطيب يتناول باليمين، والشيء الخبيث يزال باليسار. ١٣ - تفاضل الأعمال، فبعضها أعلى من بعض في السوء، وأدنى من بعض في الحسن، لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾؛ لأن الأدنى اسم تفضيل، فلا بد أن يكون هناك فاضل ومفضول. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]. ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ "آتوا" أي: أعطوا، والفرق بين "أتوا " و"آتوا": أن "آتوا" بمعنى أعطوا، و"أتوا" بمعنى جاءوا. والخطاب في قوله: "آتوا" هل هو للأزواج أم للأولياء؟ في الآية قولان: القول الأول: أنه للأولياء، فيكون المعنى: أن الله أمر الأولياء أن يعطوا النساء صدقاتهن دون أن يأخذوا منهن شيئًا؛ لأن العرب في الجاهلية كانوا إذا زوج الرجل ابنته أخذ المهر، ولم يعطها إلا ما تلبسه ليلة الزفاف، والباقي يأخذه ويسلبه إياها، فأمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن نحلة. القول الثاني: أن الخطاب للأزواج، فقد أمرهم الله أن يؤتوا النساء صدقاتهن عن طيب نفس بدون مماطلة وبدون تكره. وإذا كانت الآية تحتمل المعنيين بدون تناقض، فالواجب حملها على الوجهين، فنقول: الخطاب للأزواج وللأولياء.

стр. 31

قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ النساء أي: المتزوجات، بدليل قوله: ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾ وصدقات: جمع صَدُقَة، وهي المهر، وسمي بهذا الإسم لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة. وقوله: ﴿نِحْلَةً﴾ أي: عطية طيبة بها نفوسكم، يقال: نحله؛ أي: أهداه هدية طيبة بها نفسه، وعلى هذا فقد زعم بعضهم أنها مفعول مطلق؛ لقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾ فهي مثل قول القائل: وقفت قيامًا، أو جلست قعودًا؛ لأن "آتى" بمعنى نحل، و"آتوا" بمعنى انحلوا، والنحلة: هي العطية عن طيب نفس. وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ "إن طبن" أي: النساء، وقوله: ﴿نَفْسًا﴾ مصدر محول عن الفاعل، والمصدر المحول تارة يحول عن الفاعل كما في هذه الآية، وتارة يحول عن المفعول به، كما في قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢]؛ أي: فجرنا عيون الأرض. و"من" في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ قيل: إنها تبعيضية، وقيل: إنها بيانية، فعلى الأول يكون المعنى: إن طبن لكم عن بعضه، وعلى الثاني يكون المعنى: إن طبن لكم عن كله أو بعضه؛ لأن "من" بيان لمحل الحكم، بقطع النظر عن كونه كله أو بعضه. وقوله: ﴿فَكُلُوهُ﴾ عبر هنا بالأكل؛ لأنه أخص وجوه الإنتفاع؛ إذ أن الأكل يغذي البدن، وينمو به البدن، بخلاف اللباس، والمساكن، والمراكب، فإن منفعتها خارجية، فاللباس كسوة خارجية، ولكن الأكل منفعة وكسوة داخلية، ولذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩] والتناسب بين الظمأ والضحى

стр. 32

- الذي هو حرارة الشمس - واضح، وبين الجوع والعري واضح؛ لأن الشبع كسوة الباطن، فإن المعدة إذا لم يكن فيها شيء فإنها عارية، فإذا دخل الطعام فيها غطاها وكساها، فهو كسوة باطنية. وقوله: ﴿هَنِيئًا﴾ أي: حين الأكل ﴿مَرِيئًا﴾ أي: بعد الأكل، فالمريء محمود العاقبة، والهنيء سهل المساغ. من فوائد الآية الكريمة: ١ - وجوب إعطاء النساء مهورهن؛ لقوله: ﴿وَآتُوا﴾. ٢ - أنه لا يجوز للولي أن يأخذ شيئًا من صداق النساء، لوجهين: الوجه الأول: أنه أضاف الصداق إليهن، فهو ملكهن. الوجه الثاني: أنا أمرنا بإيتائهن صداقهن ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فمنهم من قال: يجوز للأب خاصة أن يشترط لنفسه من مهر ابنته ما شاء، وقال بعض العلماء: لا يجوز لا للأب ولا لغيره أن يشترط لنفسه شيئًا من المهر. والذي تؤيده السنة أنه لا يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئًا من المهر، سواء كان الأب أم غيره، لكن إذا تم العقد وأراد الزوج أن يعطي الأب أو غيره من الأولياء، أو الأم، أو الخالة، أو ما أشبه ذلك شيئًا من باب الإكرام، فلا بأس به، كما دلت على ذلك السنة، أما ما كان قبل العقد فكله للمرأة، ولا يحل لأحد أن يشترط منه شيئًا لنفسه. ٣ - أنه يجب إعطاؤهن الصداق على وجه النحلة؛ أي: الهدية التامة، فلا يكون فيه منة في المستقبل.

стр. 33

٤ - جواز إسقاط المرأة شيئًا من المهر، أو رده إن كانت قد قبضته، لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. ٥ - أنه لو أسقطت شيئًا خجلًا أو حياءً، فإنه لا يحل قبوله، لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾؛ ولهذا قال العلماء: إذا أهدى إليك شخص هدية وأنت تعلم أنه إنما أهدى حياءً وخجلًا، فإنه لا يجوز أن تقبلها منه؛ لأن هذا كالإكراه. ٦ - أن من تملك شيئًا عن طيب نفس فإنه يحل له حاضرًا ومستقبلًا؛ لقوله: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أي: هنيئًا حين الأكل، مريئًا بعد الأكل. ٧ - أنه لا يحل أخذ شيء من مال الغير بغير طيب نفس منه؛ لأن الله اشترط لحل أكله أن يكون عن طيب نفس، وقد جاءت بذلك السنة صريحة، قال ﵊: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (١)، وكذلك جاء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، هذه الآية فيها قراءتان:

стр. 34

القراءة الأولى: بهمزتين محققتين ﴿السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾. القراءة الثانية: بحذف إحدى الهمزتين: "السفها أموالكم" الأولى على الأصل، والثانية للتخفيف، وكذلك قوله: "قيامًا" فيها قراءتان: "قِيَامًا" و"قِيَمًا"، والمعنى واحد. يقول الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: لا تعطوهم، والسفهاء جمع سفيه، وهو من لا يحسن التصرف، إما لصغر في سنه، وإما لقصور في عقله ورشده، فإن هذا هو السفيه، والسفه يكون في الأموال ويكون في الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، فمن رغب عن ملة إبراهيم الحنيفية السمحة فهو سفيه، وإن كان من أرشد الناس في تصرفه في ماله. وقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ فأضاف الأموال إلينا، وقد اختلف العلماء في معنى هذه الآية، فقال بعضهم: لا تؤتوا السفهاء أموالكم الخاصة بكم؛ لأنهم سوف يضيعونها بغير فائدة، فتفوت عليكم وتفوت عليهم، وقال بعض العلماء: بل المراد بذلك أموالهم هم، لكنه أضافها إلينا من أجل الولاية، فكأننا بولايتنا على هذا المال نملك هذا المال. والآية صالحة للوجهين، ومن قواعد التفسير: "أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا يتنافيان، فإنها تحمل عليهما". وقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ ﴿جَعَلَ﴾ هنا بمعنى: صيّر؛ أي: الأموال التي جعلها الله لنا قيامًا، تقوم بها مصالح ديننا ومصالح دنيانا، فكم من أسير فك بالمال، وكم من ضرورة أزيلت بالمال، وكم من يتيم جبر قلبه بالمال، فالأموال في

стр. 35

الحقيقة قيام للناس في أمور دينهم ودنياهم، حتى إن الله سبحانه يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس؛ لأن ضرورة الجهاد بالمال أكثر من ضرورتها بالنفس، حتى إن الذي يجاهد بنفسه محتاج إلى المال، فما الذي يوصله إلى ميدان القتال إلا الأموال، ولهذا نجد الله سبحانه يقدم ذكر الأموال في الجهاد على ذكر النفوس. وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أي: أعطوهم رزقًا، والرزق هو العطاء، وقوله: ﴿فِيهَا﴾ أي: في الأموال، ولم يقل منها، إشارة إلى أنه لا بد أن يكتسب الولي بمال هؤلاء السفهاء، حتى يكون الرزق فيها لا منها، وفرق بين الرزق فيها والرزق منها؛ لأنه لو لم يتجر فيها ويكتسب صار العطاء منها، فإذا قدرنا أنها مائة ريال فأعطاهم نفقة عشرة ريالات، فإنها تنقص كلما أعطاهم، لكن حينما قال: ﴿فِيهَا﴾ فإن المعنى: أن الرزق يكون فيها، فيكون المال أوسع من الرزق المعطى، وهذا يتضمن أن يتجر فيها ثم يعطيهم من الربح. وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ أي: أعطوهم طعامًا وشرابًا، أما الكسوة فقال: ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ أي: اكسوهم ما يحتاجون إليه من القمص والسراويلات وغيرها، والفرش والسكن يدخل في قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. وقوله: ﴿وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: حين إعطائكم إياهم وكسوتكم إياهم قولوا لهم قولًا معروفًا؛ أي: قولًا هينًا لينًا، ولا تشمخوا بآنافكم عليهم وتمنَّوا عليهم؛ لأن ذلك خلاف الولاية الحقيقية، فمثلًا: إذا جاء السفيه وقال: أعطني، أو

стр. 36

اكسني، فلا تقل له قولًا غليظًا، كأن تقول: لماذا قطعت ثيابك؟ وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم، فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - تحريم إعطاء السفهاء الأموال، سواء كانت الأموال لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾، والنهي للتحريم، لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة، وهي "السفهاء" فكأنه قال: لا تؤتوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا المال. ٢ - ذم السفه، وأنه سبب للحيلولة بين الإنسان وبين ماله. ٣ - أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله، وقد قسم العلماء ﵏ الحجر إلى قسمين: قسم لحظ الغير، وقسم لحظ النفس. أما القسم الأول: فمثل أن تستغرق ديون الإنسان ماله، ففي هذه الحال يحجر عليه لحظ الغير، فإذا كان الإنسان عليه ديون أكثر من ماله، وطلب الغرماء أن يحجر عليه، فإنه يحجر عليه، وإن لم يطلبوا؛ فإنه يحرم عليه أن يتصرف تصرفًا يضر بالغريم، وإن فعل لم ينفذ التصرف، فلو أوقف شيئًا من ماله لم ينفذ الوقف؛ لأنه تعلق به حق الغير، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أما المشهور من المذهب فإن تصرفه نافذ ما لم يطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، فإن طلبوا الحجر عليه حجر عليه ومنع من التصرف في ماله.

стр. 37

القسم الثاني: الحجر لحظ النفس، وهو ما كان سببه السفه، أو الصغر، أو الجنون، فالمجنون يحجر عليه في ماله، والصغير يحجر عليه في ماله، والسفيه - الذي لا يحسن التصرف - يحجر عليه في ماله، وهذا الحجر لحظ المحجور عليه وليس لحظ الغير، فإذا قال المحجور عليه: هذا مالي دعوني أتصرف فيه بما شئت، قلنا: لا يمكن؛ لأنك سفيه، وإذا لم نحجر عليك فسوف تفسد المال. ٤ - أنه لا يجوز أن يُسلط أحد على شيء يحصل به الفساد، - أي: بتسليطنا إياه - فلو أن أحدًا أعطى مجنونًا عصا فنقول: إن هذا حرام عليك؛ لأنك إذا أعطيته عصا فسوف يضرب بها الناس، وإذا كان السفيه ينهى عن إعطائه المال، فكيف بالمجنون؟ ! وما هو ضابط السفه الذي يحصل به الحجر؟ الجواب: يقول أهل العلم: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، فالأول كالذي يبذل ماله في الخمر والمخدرات وما أشبهها، فإن هذا سفيه يحجر عليه، والثاني كالذي يصرف ماله في المفرقعات، أو في الفقاعات، أو ما أشبه ذلك، أو يشتري زيتًا أو بنزينًا ويوقد فيه النار ويتفرج عليه فقط، فهذا سفيه يحجر عليه. ٥ - حكمة الله في المال الذي أعطاه لعباده، وهو أنه قيام للناس في مصالح دينهم ودنياهم. ٦ - أنه إذا كان المال قيامًا للناس في مصالح دينهم ودنياهم، فإنه يحرم أن يصرف في غير ما فيه قيام دينه ودنياه؛ لأن الله جعله قيامًا تقوم به مصالح الدين والدنيا.

стр. 38

٧ - أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما تحصل به الفائدة؛ لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾. ٨ - أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لاسيما وأنه متعلق بحق الغير. ٩ - أنه يجب على من ولّاه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ "ابتلوا" أي: اختبروا، و ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه؛ أي: قبل بلوغ الطفل ذكرًا كان أو أنثى، لكن المرأة لا تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، لكن تختبر بحاجات البيت فإذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ ﴿حَتَّى﴾: هنا ابتدائية؛ أي: اختبروهم واستمروا في الإختبار، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ شرطية أيضًا، وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جواب الشرط، فيكون هذا شرطًا في ضمن شرط آخر، وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:

стр. 39

إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عزٍّ زانها كرم فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ شرط في ضمن شرط، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: أبصر. وقوله: ﴿رُشْدًا﴾ الرشد في كل موضع بحسبه، ويجمع جميع معانيه كلمة واحدة، وهي حسن التصرف، فإن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مرارًا ولا يُغبن إلا بما جرت به العادة، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وهو أن يكون عالمًا بالكفء ومصالح النكاح. إذًا: الرشد في كل موضع بحسبه، والمراد بقوله هنا: ﴿رُشْدًا﴾؛ أي: تصرفًا صحيحًا في أموالهم. وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أعطوهم إياها، وأوصلوها إليهم، ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، بل ادفعوها إليهم، وسيأتي أن الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حالهم. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي: أموالهم ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ﴿إِسْرَافًا﴾ يجوز (١) أن تكون مفعولًا مطلقًا؛ أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضًا في كل موضع بحسبه، وقوله: ﴿وَبِدَارًا﴾ أي: مبادرة، فهي من بادر بمعنى استعجل الشيء، وقوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: بدارًا لكبرهم، يعني: تبادروا كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا

стр. 40

راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف، أو على وجه الإقتصاد ولكن يبادر، ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: إن الإسراف مجاوزة الحد، فمثلًا: إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر، ﴿وَبِدَارًا﴾ أي: أن يأكل بلا إسراف، لكنه يبادر بالأكل قبل أن يكبروا. وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: من كان من الأولياء غنيًا لا يحتاج إلى مال اليتيم ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليكف عن الأكل. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ واللام في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، وفي قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة. فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ عن الأمر؟ فالجواب: لأنها أعقبت النهي، وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح. وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليأكل أكلًا بالمعروف؛ أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء، وإنما يأكل أكل مثله. مثال ذلك: إذا كان فقيرًا فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه - ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني - قلنا: هذا لا يجوز، بل كل بالمعروف. وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: إذا بلغوا ورشدوا. وقوله: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أشهدوا أنكم دفعتموها. وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ "كفى" من الكفاية؛ أي: أنه جل
следующие страницы →