اكسني، فلا تقل له قولًا غليظًا، كأن تقول: لماذا قطعت ثيابك؟ وما أشبه ذلك من الكلمات النابية؛ لأن المال مالهم، وإن كان مالكم، فإنه لا ينبغي لكم أن تمنوا بما أعطيتم.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تحريم إعطاء السفهاء الأموال، سواء كانت الأموال لهم أو لنا على الوجهين؛ لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾، والنهي للتحريم، لا سيما إذا قرن النهي بما يفيد العلة، وهي "السفهاء" فكأنه قال: لا تؤتوهم لسفههم؛ لأنهم إذا أعطيتموهم وهم سفهاء أضاعوا المال.
٢ - ذم السفه، وأنه سبب للحيلولة بين الإنسان وبين ماله.
٣ - أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله، وقد قسم العلماء ﵏ الحجر إلى قسمين: قسم لحظ الغير، وقسم لحظ النفس.
أما القسم الأول: فمثل أن تستغرق ديون الإنسان ماله، ففي هذه الحال يحجر عليه لحظ الغير، فإذا كان الإنسان عليه ديون أكثر من ماله، وطلب الغرماء أن يحجر عليه، فإنه يحجر عليه، وإن لم يطلبوا؛ فإنه يحرم عليه أن يتصرف تصرفًا يضر بالغريم، وإن فعل لم ينفذ التصرف، فلو أوقف شيئًا من ماله لم ينفذ الوقف؛ لأنه تعلق به حق الغير، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أما المشهور من المذهب فإن تصرفه نافذ ما لم يطلب الغرماء أو بعضهم الحجر عليه، فإن طلبوا الحجر عليه حجر عليه ومنع من التصرف في ماله.
стр. 37
القسم الثاني: الحجر لحظ النفس، وهو ما كان سببه السفه، أو الصغر، أو الجنون، فالمجنون يحجر عليه في ماله، والصغير يحجر عليه في ماله، والسفيه - الذي لا يحسن التصرف - يحجر عليه في ماله، وهذا الحجر لحظ المحجور عليه وليس لحظ الغير، فإذا قال المحجور عليه: هذا مالي دعوني أتصرف فيه بما شئت، قلنا: لا يمكن؛ لأنك سفيه، وإذا لم نحجر عليك فسوف تفسد المال.
٤ - أنه لا يجوز أن يُسلط أحد على شيء يحصل به الفساد، - أي: بتسليطنا إياه - فلو أن أحدًا أعطى مجنونًا عصا فنقول: إن هذا حرام عليك؛ لأنك إذا أعطيته عصا فسوف يضرب بها الناس، وإذا كان السفيه ينهى عن إعطائه المال، فكيف بالمجنون؟ !
وما هو ضابط السفه الذي يحصل به الحجر؟
الجواب: يقول أهل العلم: إن السفيه هو الذي يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، فالأول كالذي يبذل ماله في الخمر والمخدرات وما أشبهها، فإن هذا سفيه يحجر عليه، والثاني كالذي يصرف ماله في المفرقعات، أو في الفقاعات، أو ما أشبه ذلك، أو يشتري زيتًا أو بنزينًا ويوقد فيه النار ويتفرج عليه فقط، فهذا سفيه يحجر عليه.
٥ - حكمة الله في المال الذي أعطاه لعباده، وهو أنه قيام للناس في مصالح دينهم ودنياهم.
٦ - أنه إذا كان المال قيامًا للناس في مصالح دينهم ودنياهم، فإنه يحرم أن يصرف في غير ما فيه قيام دينه ودنياه؛ لأن الله جعله قيامًا تقوم به مصالح الدين والدنيا.
стр. 38
٧ - أنه يجب على ولي السفيه أن يتصرف في ماله بما تحصل به الفائدة؛ لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.
٨ - أنه يجب أن يرزقوا ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وغير ذلك؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، لاسيما وأنه متعلق بحق الغير.
٩ - أنه يجب على من ولّاه الله على أحد أن لا يغلظ له القول، بل يقول له القول المعروف، حتى يجمع بين الإحسان القولي والفعلي.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦].
﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ "ابتلوا" أي: اختبروا، و ﴿الْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو كل من مات أبوه قبل بلوغه؛ أي: قبل بلوغ الطفل ذكرًا كان أو أنثى، لكن المرأة لا تختبر بالبيع والشراء؛ لأنها ليست من أهله، لكن تختبر بحاجات البيت فإذا عرف ضبطها لحاجات البيت فهي رشيدة.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ ﴿حَتَّى﴾: هنا ابتدائية؛ أي: اختبروهم واستمروا في الإختبار، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ شرطية أيضًا، وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جواب الشرط، فيكون هذا شرطًا في ضمن شرط آخر، وهو سائغ في اللغة العربية، ومنه قول الشاعر:
стр. 39
إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عزٍّ زانها كرم
فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ شرط في ضمن شرط، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾ أي: أبصرتم، ومنه قوله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي: أبصر.
وقوله: ﴿رُشْدًا﴾ الرشد في كل موضع بحسبه، ويجمع جميع معانيه كلمة واحدة، وهي حسن التصرف، فإن كان في المال فبأن يبيع الإنسان ويشتري مرارًا ولا يُغبن إلا بما جرت به العادة، وإن كان في التصرف للغير فأن يكون حسن الولاية، ومنه الرشد في ولاية النكاح، وهو أن يكون عالمًا بالكفء ومصالح النكاح.
إذًا: الرشد في كل موضع بحسبه، والمراد بقوله هنا: ﴿رُشْدًا﴾؛ أي: تصرفًا صحيحًا في أموالهم.
وقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: أعطوهم إياها، وأوصلوها إليهم، ولا تقولوا: ائتوا خذوا أموالكم، بل ادفعوها إليهم، وسيأتي أن الولي له الأجرة أو الأكل بالمعروف حسب ما تقتضيه حالهم.
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ أي: أموالهم ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ﴿إِسْرَافًا﴾ يجوز (١) أن تكون مفعولًا مطلقًا؛ أي: أكل إسراف، والإسراف هو مجاوزة الحد، وهو أيضًا في كل موضع بحسبه، وقوله: ﴿وَبِدَارًا﴾ أي: مبادرة، فهي من بادر بمعنى استعجل الشيء، وقوله: ﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾ أي: بدارًا لكبرهم، يعني: تبادروا كبرهم؛ لأنهم إذا كبروا زالت الولاية عليهم وصاروا
стр. 40
راشدين، فربما يأكل بعض الأولياء أموالهم على وجه الإسراف، أو على وجه الإقتصاد ولكن يبادر، ولهذا لا يقول قائل: إن الكلمتين مترادفتان، بل نقول: إن الإسراف مجاوزة الحد، فمثلًا: إذا كان يكفيه عشرة أخذ خمسة عشر، ﴿وَبِدَارًا﴾ أي: أن يأكل بلا إسراف، لكنه يبادر بالأكل قبل أن يكبروا.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: من كان من الأولياء غنيًا لا يحتاج إلى مال اليتيم ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: فليكف عن الأكل. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ واللام في قوله: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ للأمر، وفي قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ للإباحة.
فإذا قال قائل: ما الذي أخرج اللام في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ عن الأمر؟
فالجواب: لأنها أعقبت النهي، وهو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾، والأمر بعد النهي إما للإباحة على قول بعض العلماء، أو لرفع الحظر، وهنا إذا رفع الحظر فهو مباح.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: فليأكل أكلًا بالمعروف؛ أي: بما جرى به العرف، فلا يأكل أكل الأغنياء، وإنما يأكل أكل مثله.
مثال ذلك: إذا كان فقيرًا فقال: أنا سآكل أكل الأغنياء؛ لأنني ولي عليه - ومن المعلوم أن أكل الفقير ليس كأكل الغني - قلنا: هذا لا يجوز، بل كل بالمعروف.
وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: إذا بلغوا ورشدوا.
وقوله: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أشهدوا أنكم دفعتموها.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ "كفى" من الكفاية؛ أي: أنه جل
стр. 41
وعلا يكفي عن كل أحد، والباء في قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ زائدة لتحسين اللفظ، وكل شيء في القرآن زائد إعرابًا فهو زائد معنى؛ أي: أنه جاء لفائدة ولا بد، وهي هنا لتحسين اللفظ، والأصل وكفى الله حسيبًا، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب، فهذه الآية ختمها الله بهذه الجملة تهديدًا لأولياء اليتامى من أن يتجرؤوا على أكل أموالهم إسرافًا وبدارًا أن يكبروا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب اختبار اليتامى، لقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
٢ - العمل بالتجربة؛ لأن الإبتلاء يعني: الإختبار عدة تجارب.
٣ - أنه يجوز لولي اليتيم أن يستعمل معه ما يكون سببًا لاختباره، فإذا رأى منه تمردًا على الإختبار؛ فله أن يؤدبه حتى يختبره، ليتم ما أمر الله به.
٤ - أنه إذا بلغ اليتيم ورشد؛ وجب دفع المال إليه، لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
٥ - أن الحجر على اليتامى لا يحتاج إلى حكم الحاكم، لا ابتداءً ولا انتهاءً؛ لأنه وكل الأمر إلى أوليائهم.
٦ - عناية الله سبحانه بالأيتام، لقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.
فإن قال قائل: لو أكلها لغير هذا الغرض ليستمتع بها مثلًا فهل يجوز؟
فالجواب: لا يجوز. لكن ذكر الإسراف والبدار؛ لأنه هو الذي يحمل على أكلها غالبًا، وقد قال العلماء: إن القيد إذا ذكر
стр. 42
لكونه أغلبيًا فإنه لا مفهوم له، وعلى هذا فلا يجوز أكل مال اليتيم لا إسرافًا ولا مبادرة أن يكبروا، ولا لغير ذلك من الأسباب.
٧ - وجوب استعفاف الغني عن أموال اليتامى، لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.
فإذا قال الولي: لا يمكن أن أعمل في مال اليتيم إلا بمثل ما يعمل به غيري، وكيف أعمل بدون فائدة؟
فنقول: إذا كان الأمر كذلك، فلا بد من مراجعة القاضي الذي هو الولي العام؛ لأن من الناس من يدعي هذه الدعوى ويقول: أنا لا أستطيع أن أعمل إلا بجزء من الربح، أو بأجرة، أو ما أشبه ذلك، فلا بد إذًا أن يُرجع إلى القاضي.
٨ - جواز أكل ولي اليتيم من مال اليتيم بالمعروف إذا كان فقيرًا، وظاهر الآية أنه يأكل بالمعروف ولو زاد على قدر الأجرة، فمثلًا: إذا كان أجيرًا فله في الشهر مائة، وإذا أكل بالمعروف لم يكفه إلا مائتان، فإنه يحل له الأكل بالمعروف ولو زاد على الأجرة؛ لأن الولي محبوس على التصرف لليتيم، فلا بد له من مأكل ومشرب، فليأكل بالمعروف، وأيضًا فإن هذا الولي ليس كالأجير الأجنبي في مراعاة مال اليتيم، فلا ينبغي أن نلحقه بالأجير الأجنبي، لكن المعروف عند الفقهاء أنه يأخذ الأقل من أجرته أو كفايته.
٩ - أنه إذا كان فقيرًا فأكل، فلا يلزمه إذا أغناه الله أن يرد ما أكل؛ لأن المباح لا ينقلب حرامًا، ولو قلنا بوجوب الرد إذا أغناه الله، لم يكن هناك فائدة لإباحة الأكل، وقد ذهب بعض
стр. 43
أهل العلم إلى وجوب رد ما أكله إذا أغناه الله، فكأنه استقرض من مال اليتيم ولم يأكل أكلًا مباحًا، ولكن الصحيح هو الأول: أن الأكل مباح له، ولا يجب عليه رده إذا أغناه الله.
١٠ - اعتبار الحال، وأن الأحكام تختلف بحسب الأحوال، وهذا من حكمة الشريعة، وهو مأخوذ من التفريق بين الغني ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الفقير ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾.
١١ - الرجوع إلى العرف، لقوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
١٢ - أنه إذا دفع المال إلى اليتامى بعد أن بلغوا ورشدوا فلْيُشهد؛ لقوله: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، وإنما أمر بالإشهاد قطعًا للنزاع ودفعًا للتهمة.
١٣ - أنه لو ادعى الولي أنه دفع المال، فإن دعواه لا تقبل؛ لأنه لو قبلت دعواه لم نحتج إلى إيجاب الإشهاد، وهذا هو الصواب، وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا تقبل دعواه الدفع؛ لظاهر الآية.
القول الثاني: تقبل دعواه الدفع، فلو طالبه اليتيم فيما بعد وقال: أين مالي؟ وقال: دفعته لك، قبل منه، واستدل هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
القول الثالث: الوسط، وهو أنه إن كان بأجرة لم تقبل دعواه الدفع، وإن كان يعمل له مجانًا قبلت دعواه الدفع، وعللوا ذلك بأنه إذا كان يأخذ الأجرة لم يكن إحسانه إحسانًا محضًا؛ لأنه أبقى المال عنده لحظ نفسه، فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
والأخذ بظاهر الآية أولى، وهو أنه لا تقبل دعواه الدفع إلا
стр. 44
بشهود، إلا إذا وجدت قرائن قوية تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفًا بالصدق والأمانة، ويكون المولى عليه - وهو اليتيم - معروفًا بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي بالقرينة، وبقوة الظاهر؛ ولأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى؛ لأن الإنسان قد لا يتسنى له الإشهاد عند الدفع.
١٤ - تحذير الولي من أن يخون في ولايته، وتحذير اليتيم من أن ينكر ما وقع، وتؤخذ من قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، فإذا كان الله هو الكافي على حساب عباده، فإن الإنسان سوف يخشى هذه المحاسبة ويتوب إلى الله.
١٥ - العناية باليتامى وأموالهم؛ لأن اليتامى محل الرحمة، حيث إن آباءهم قد ماتوا وليس لهم ولي يقوم بحاجتهم.
ويتفرع عن هذه الفائدة بيان رحمة الله ، وأن رحمة الله عند المنكسرين وعند الضعفاء.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، قوله: ﴿لِلرِّجَالِ﴾ خبر مقدم، و ﴿نَصِيبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، وكذلك قوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ﴾ متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: وذلك مما قل منه، وقوله: ﴿نَصِيبًا﴾ حال من
стр. 45
"ما" في قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ﴾ وقوله: ﴿مَفْرُوضًا﴾ صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾ وهو أولى، ويجوز أن تكون حالًا أخرى، وهو مرجوح.
يقول الله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ "نصيب": أي: حظ، ولم يبينه هنا، لكن بينه في آيات تأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة؛ لأن الشيء إذا أجمل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه، بخلاف ما لو جاء الشيء مفصلًا مباشرة، فإنه قد يرد على نفس ليست متشوقة إليه، فلا يرسخ في الذهن، ولا يصير له قوة في القبول.
وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ﴾ أي: الأم والأب، أما الأم فظاهر أنها والدة، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وأما الأب فكذلك، قال النبي ﷺ : "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" (١)، والولد لا بد له من والد، وكذلك جاء في الحديث: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه، إلا الوالد فيما وهبه لابنه" (٢)، فالوالد إذًا يطلق على الأم والأب.
وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يقل: والأقارب، والأقرب: اسم تفضيل؛ وذلك لأن الميراث لا يتناول جميع الأقارب، بل الأقرب فالأقرب، ويدل لذلك قول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (٣)، وهناك خمسة من الورثة لا
стр. 46
يمكن أن يحجبوا، وهم الذين يتصلون بالميت مباشرة، وهم: الأب، والأم، والإبن، والبنت، وأحد الزوجين، فهؤلاء لا يمكن أن يحجبوا؛ لأنهم يرثون من الميت مباشرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وإنما نص على نصيب النساء بهذه الصيغة المساوية لنصيب الرجال؛ تأكيدًا لحقهن، وإلا فمن المعلوم أن نصيب النساء دون نصيب الرجال، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]، لكنه جاء بهذه الصيغة تأكيدًا لنصيب النساء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية في أحكامهم الجائرة لا يورثون النساء، ويقولون: إنما الميراث لمن حمل السلاح وخاض المعارك، وهم الرجال، وأما النساء فلا حق لهن في الميراث، ولا شك أن هذا حكم مبني على الجور، ولو نظرنا ببادئ الرأي لقلنا: إن النساء أحق بالميراث من الرجال؛ لأنهن أعجز وأضعف عن التكسب من الرجال، لكن حكم الله سبحانه أحسن الأحكام، فقد جعل لهن نصيبًا وللرجال نصيبًا، ولكن لكثرة المسؤولية على الرجال جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ أي: لكل منهما نصيب من القليل أو الكثير، سواء خلَّف الميت أموالًا كثيرة، أو أموالًا قليلة، فلو خلف درهمًا واحدًا كان للرجال نصيب وللنساء نصيب، ولو خلف ملايين الملايين كان للرجال نصيب وللنساء
стр. 47
نصيب، فلا يقال: إنه إذا قل المال فلا نصيب للنساء، أو إذا كثر المال فلا نصيب للنساء، بل نقول: لا فرق بين القليل والكثير.
وقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ هذه الجملة ينبغي الوقوف عليها؛ لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ لا يتعلق بالفاعل في قوله: ﴿قَلَّ﴾ و ﴿كَثُرَ﴾، بل هو متعلق بمقدر، والمعنى: جُعل هذا نصيبًا مفروضًا، أو حال كونه نصيبًا مفروضًا.
وقوله: ﴿مَفْرُوضًا﴾ المراد أنه مُحتّم، وليس المراد أنه مُقدّر؛ لأن ميراث الأولاد - إذا اجتمعوا بنينَ وبناتٍ - ليس مقدرًا؛ أي: ليس بفريضة، بل هو تعصيب، ولكن المراد بالفرض هنا الحتم، كما تقول: فُرضت الصلوات الخمس؛ أي: حُتمت وأُلزم بها.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تقديم الرجال على النساء حتى في الأمر الذي يشتركون في الإستحقاق فيه، ووجه الدلالة قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾، وهذا هو المشروع والمعقول والفطري، أن يكون الرجال هم المقدمون على النساء، وقد عَكَس ذلك من عكس الله قلوبهم من الكفرة والمبهورين بهم، حيث قدموا النساء على الرجال، فيقولون مثلًا: أيها الأخوات والإخوة! أيها السيدات والسادة! وهذا خطأ عظيم؛ لأن الرجال مقدمون على النساء، وهم قوامون عليهن، ولكن ليس بعد الكفر ذنب.
وهؤلاء الكفار يرون أن النساء لُعَب، فيقدمونهن جلبًا لقلوبهن، وتعطفًا عليهن ليعطفن عليهم؛ لأنهم كما وصفهم الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢]، فليس لهم همَّ إلا الدنيا، فجاء
стр. 48
قليلو البصيرة ضعيفو الدين، فأخذوا هذه الحقارة منهم والتهموها من غير أن يقدروا النتائج، وأنهم بذلك مخالفون لطريقة الشريعة، وللفطر السليمة، وللعقول الحكيمة.
٢ - بيان أن الدين الإسلامي هو الذي انتصر للمرأة وأعطاها حقها بعد أن كانت مهضومة في الجاهلية، لقوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ولكن الدين الإسلامي لم يعط المرأة أكثر من حقها، ولم ينزلها أكثر من منزلتها، بل أعطاها الحق اللائق بها، وهو معروف - ولله الحمد - بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
٣ - أن الرجال والنساء المستحقين للميراث يستحقون منه، سواء خلف الميت كثيرًا أم قليلًا، لقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾.
٤ - التحذير مما يتهاون به بعض الناس اليوم، فيموت الميت عن زوجته وبناته، وله أبناء عم عصبة ليسوا في البيت، فتجد أهل الميت يأكلون من طعام البيت، وينتفعون بأجهزته كالثلاجات وغيرها، دون أن يستأذنوا من لهم حق في الميراث، وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا مات الميت فبعد أن كان ماله له شخصيًا، صار موزعًا بين ورثته، فكل وارث يستحق من هذا الميراث قل المال أو كثر، وهذه مسألة ينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا العامة إليها؛ لأن العامة قد لا يفهمون، وإلا فعندهم - ولله الحمد - ورع يردعهم عن هذا ولكنهم لا يفهمون.
٥ - أن هذا النصيب واجب، لقوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
٦ - جواز حذف ما يُعلم، وتؤخذ من قوله: ﴿مَفْرُوضًا﴾، فالفارض هو الله، لكن حذف وبُني الوصف للمفعول للعلم به،
стр. 49
فهو كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، والذي خلقه هو الله .
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨].
الذي يظهر لي - والعلم عند الله - من هذه الآية والتي قبلها: أن الناس فيما سبق كانوا إذا أرادوا قسم مال الميت، فإنهم يقسمونه علنًا ظاهرًا، سواء كان ظاهرًا للناس عمومًا، أو ظاهرًا لمن حولهم، لقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ ﴿الْقِسْمَةَ﴾: مفعول مقدم، و ﴿أُولُو﴾: فاعل مؤخر، ورفع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون منه للإضافة، ﴿وَالْيَتَامَى﴾ معطوف على أولو، وكذلك ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾، وقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ الجملة جواب الشرط وهو "إذا"، واقترنت الفاء بها لأنها طلبية، والجواب الذي يقترن بالفاء سبعة أنواع، جمعت في بيت من الشعر:
اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد ولن وبالتنفيس
قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: قسمة المال الموروث ﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ أي: أصحاب القرابة الذين لا يرثون؛ لأن الذين يرثون لهم نصيب من هذا المقسوم، والقربى هنا بمعنى القرابة.
وقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه، سواء كان ذكرًا أو أنثى.
وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينُ﴾ هم الفقراء، وسموا مساكين لأن الفقر
стр. 50
أسكنهم، فإن الفقر - أعاذنا الله منه - يوجب الذل، وأن لا يتكلم الإنسان؛ لأنه يشعر بأنه غير مسموع، وغير مقبول، فتجده ساكنًا لا يتكلم؛ لأنه لا يُسمع له، ولكن قد يكون هذا الفقير المسكين عند الله مسموعًا، قال ﵊: "رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره" (١)، والشأن كل الشأن أن تكون وجيهًا عند الله، وإذا كنت وجيهًا عند الله فستكون وجيهًا عند العباد، ولكن لا تطلب أن تكون وجيهًا عند الله؛ لتكون وجيهًا عند العباد، بل اطلب أن تكون وجيهًا عند الله؛ لتنال رضاه، وإذا رضي الله عنك أرضى عنك الناس.
وقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ أي: أعطوهم، لأن الرزق بمعنى العطاء.
وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ ولم يقل: فيه؛ لأن هؤلاء يعطون من رأس المال، ومن أصله، وأما أموال اليتامى فقال الله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥]، وقد سبق أن ذكرنا أنه قال: "فيها" ولم يقل: "منها"؛ لأنهم يرزقون بعد الإتجار بها، فيعطون من الربح، وهو - أي: ما سبق - إشارة إلى أنه ينبغي لولي اليتيم أن يتجر في ماله حتى يحصل على ما يرزقه فيه، أما هنا فقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي: من هذا المال الذي يقسم أمامهم، وهذا إحسان إليهم بالفعل.
وقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هذا إحسان إليهم بالقول؛ أي: قولًا طيبًا تطيب به نفوسهم.
стр. 51
ولنفرض أن المال كثير، وأن كل وارث سيحصل على مليون ريال مثلًا، فإذا أعطيت الفقير مائة ريال، فإن الحاضر ربما يقول: مائة من مليون! فقل له قولًا معروفًا تطيب به نفسه، حتى تجمع له بين الإحسان القولي والإحسان الفعلي.
وبالعكس - والعياذ بالله - من كان قلبه كالحجر، فإذا وجد اليتيم حوله قال له: ما الذي أتى بك؟ اذهب واطلب الرزق من الله! ! فهذا قلبه ليس لينًا لعباد الله، ولا راحمًا لهم، والإنسان يجب أن يقدر أنه لو كان هو بهذه الحال ماذا سيفعل؟ إنه سوف يتشوف إلى شيء من هذا المال، وسوف يرى أن من أشد الأشياء عليه أن يُصرف، ولا سيما إذا صُرف بقول منكر غير معروف.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - أمر من قسم مالًا وحضره هؤلاء الأصناف الثلاثة - الأقارب، واليتامى، والمساكين - أن يعطيهم منه، وهذا الأمر يحتمل أن يكون للوجوب، ويحتمل أن يكون للإستحباب؛ لأنه أمر بأدب. وقد قال بعض العلماء: كل الأوامر المتعلقة بالآداب وحسن الأخلاق فهي للإستحباب.
فعلى كل حال نقول: الأمر بإعطاء من حضر القسمة.
٢ - جواز قسمة المال المشترك بحضور غير الشركاء، ويؤخذ من قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ لأن الشركاء لهم نصيب بدون أن يؤمر بإعطائهم.
٣ - ما جاء به الإسلام من الآداب العالية، والأخلاق الفاضلة، حيث أمرنا بأن نعطي هؤلاء الذي حضروا القسمة؛ لأن قلوبهم تتعلق بالمال، وتتشوف للنوال، فلهذا أمر الشرع بإعطائهم.
٤ - أن الأوامر قد تكون موكلة إلى المأمور غير مقدرة،
стр. 52
لقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، ولم يقل: الثلث، ولا الربع، ولا العشر، بل جعل هذا مطلقًا، فهو يرجع إلى كرم المعطي من وجه، وإلى كثرة المال من وجه آخر.
٥ - أن الإحسان إلى القرابة أفضل من الإحسان إلى اليتيم والمسكين، ووجه ذلك: أنه قدمه، ولهذا لما أخبرت إحدى أمهات المؤمنين رسول الله ﷺ أنها أعتقت جارية لها، قال لها رسول الله ﷺ : "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك" (١)، فدل هذا على أن صلة الرحم أفضل من إعطاء البعيد.
٦ - عناية الله بالضعفاء المستحقين للعناية، وتؤخذ من قوله: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾؛ لأن اليتيم صغير منكسر القلب بفقد أبيه، يحتاج إلى رعاية وعناية، والمسكين كذلك فقير ذليل يحتاج إلى من يجبر ذله، ويسقي ظمأه، ويكسو عورته.
٧ - أنه ينبغي لمن أعطى أحدًا شيئًا أن يقول له قولًا معروفًا يطيب قلبه، ويبعده من المن بالعطاء؛ لأن المن بالصدقة من كبائر الذنوب، وهو مبطل للأجر، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
٨ - الجمع بين الإحسان القولي والفعلي، فالفعلي من قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، والقولي من قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
* * *
стр. 53
* قال الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩].
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصلها "يخشى" بالألف، وسكنت لام الأمر هنا لأنها تسكن إذا وقعت بعد الواو والفاء وثم، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥]، بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة إذا وقعت بعد الواو أو ثم أو الفاء، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]، فلا تُقرأ "وَلْيَتمتعوا" إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ "لو" هنا شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿تَرَكُوا﴾، وجوابه قوله: ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، وقد خرجت الآية الكريمة هنا عن الأكثر في جواب ﴿لَوْ﴾، فإن الأكثر في جواب ﴿لَوْ﴾ إذا كان مثبتًا أن تقترن به اللام، فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، ولكن اللام تحذف أحيانًا في جواب ﴿لَوْ﴾ في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]، وفي نفس السياق قال في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، أما إذا جاء جواب ﴿لَوْ﴾ منفيًا بـ "ما"، فالأفصح أن لا تذكر اللام، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلت شيئًا، فإن هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئًا، لكن
стр. 54
قد تقترن اللام بـ "ما" النافية في جواب "لو"، ومنه قول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
وتكميلًا للفائدة فإن "لو" تأتي على أوجه: الأول: أن تكون شرطية، والثاني: أن تكون مصدرية؛ كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون.
و﴿لَوْ﴾ من أدوات الشرط غير الجازمة.
وقوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بالتقوى، وهو تأكيد للأمر بالخشية في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾.
يقول الله مذكرًا هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها، يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ والخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فيقول: ليخش هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا، ومفعول "يخشى" محذوف؛ أي: ليخش هؤلاء أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها.
وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات، فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم، فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي؛ لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين، لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات.
فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى ابن مريم، فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟
стр. 55
فيجاب عن ذلك: بأنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء ﵏: إن ولد الزنا ترثه أمه بالفرض والتعصيب؛ لأنها أم وأب، إذ لا أب له شرعًا.
وقوله: ﴿ضِعَافًا﴾ أي: لا يستطيعون أن يتكسبوا؛ لعدم رشدهم ولصغر سنهم، فكل واحد من الناس إذا حضرته الوفاة وله أولاد صغار، سوف يخاف عليهم، ويفكر ويقدر من يتولاهم بعده، ولكن المؤمن يقول كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀ حين قالوا له: ألا توصي لولدك؟ فقال: لا؛ إن كان ولدي صالحًا فالله يتولى الصالحين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وإن كانت الأخرى فلن أعينه على فساده.
فالضعيف من الأولاد هو الصغير، أو المجنون، أو السفيه الذي ليس لديه رشد، ولا يستطيع التصرف بنفسه.
وقوله: ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: خافوا عليهم من الضياع وأكل أموالهم.
وقوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ التقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، وهذا إذا أطلقت التقوى وأفردت، أما إذا قيدت فإنها بحسب ما قيدت به، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وكذلك إذا قرنت بالبر صار معناها اجتناب المعاصي، ومعنى البر فعل الطاعات في الأوامر، أما إذا أطلقت فهي تشمل هذا وهذا.
وقوله: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ القول السديد: هو ما سد
стр. 56
موضعه؛ أي: ما كان صوابًا موافقًا للحكمة، فليس السداد أن تلين في القول ولا أن تشتد به، ولكن أن يكون قولك صوابًا مطابقًا للحكمة، فقد يكون السداد بشدة القول، وقد يكون السداد بلين القول، وانظر إلى النبي ﷺ كيف يشتد أحيانًا بقوله، وكيف يلين أحيانًا بقوله، وقوله ﷺ كله سداد، وكله سديد بلا شك، والحكمة تختلف باختلاف الأحوال، وباختلاف الأشخاص، وباختلاف موضوع الكلام.
فلو أن رجلًا أراد أن يخطب في قوم أسرفوا على أنفسهم ووقعوا في المحارم، فإن السداد أن تكون الخطبة قوية، وبانفعال وبزجر شديد، وكأنه منذر قوم أو جيش يقول: صبحكم ومساكم، وإذا كان يخطب عند قوم ليسوا بهذه المثابة، ولا يرون الشدة في القول، بل ربما ينفرهم، فإنه في هذا الحال يلين لهم القول.
وقد ورد ذكر القول السديد في غير هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠].
والنتيجة لتقوى الله والقول السديد هي قوله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] .. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ الدينية والدنيوية، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: ما أذنبتموه، فعلينا أن نأخذ بهذه التوجيهات الإلهية والأوامر فنتقي الله ونقول قولًا سديدًا.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - تذكير المرء بما يحدث له؛ حتى يراعي في ذلك غيره، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا
стр. 57
عَلَيْهِمْ﴾، فكما أنك تخاف على ولدك فخف على ولد غيرك.
٢ - الإشارة إلى أنه يجب على المرء أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به؛ لأنه إذا كان يكره لنفسه أن يعتدي أحد على أولاده بعد موته، فكذلك لا يعتدي هو على أولاد الناس.
٣ - أنها تدل بدلالة الإشارة على أن الإنسان إذا أراد أن يجني على غيره فليتذكر نفسه، فإذا كان مثلًا يهم بأن يزني بامرأة، فليتذكر هل يرضى أن يزني أحد بإحدى محارمه؟ ومن المعلوم أن الجواب "لا"، فإذا كان كذلك؛ فلماذا يرضى أن يزني بمحارم الناس وهو لا يرضى أن يزني أحد بمحارمه؟ فقس ما تريد أن تفعله بالناس على ما يريدون أن يفعلوه بك.
٤ - أن الإنسان يكون مجانبًا للتقوى إذا لم يراع ربه في رعاية هؤلاء الضعفاء الذين كانوا بين يديه.
٥ - أن الإنسان ينبغي له أن يتقي الله في الولاية على غيره، وأن يقول قولًا سديدًا.
٦ - أن القول ينقسم إلى قسمين: سديد وغير سديد، فالسديد ما وافق الصواب، وغير السديد ما خالف الصواب، ومن ذلك اللغو من الكلام، فإنه ليس بسديد، لقول النبي ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (١).
* * *
стр. 58
* قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠].
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ جملة اسمية مبدوءة بـ "إنَّ"، وخبر "إنّ" هو قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾؛ أي: ما يأكلون إلا نارًا.
وقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، وفي قراءة: "وسيُصلون" بالبناء للمفعول، وهي قراءة سبعية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ يأكلونها. أي: يتلفونها، لكنه عبر بالأكل؛ لأنه أعم وجوه الإنتفاع؛ لأن أكثر ما يجني الإنسان المال من أجل أكله وما يتعلق به، فعبر بالأكل لأنه أعم وجوه الإنتفاع، وإلا فغير الأكل مثله، بل قد يكون أشد، كما لو أتلف هذه الأموال بإحراق أو إغراق أو ما أشبه ذلك، فهو أعظم من أكلها.
واليتيم سبق أنه هو الذي يموت أبوه ولم يبلغ.
﴿ظُلْمًا﴾ مصدر في موضع الحال؛ أي: ظالمين.
من فوائد الآية الكريمة:
١ - وجوب رعاية أموال اليتامى، لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
٢ - أنه لو أكل مال اليتيم بحق؛ فلا إثم عليه، مثل أن يكون فقيرًا فيأخذ قدر أجرته من هذا المال الذي هو قائم عليه، فلا حرج.
٣ - أن أكل مال اليتيم بغير حق من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، وعند أهل العلم: أن الكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة.
стр. 59
وقيل: إن الكبيرة ما فيه عقوبة خاصة؛ أي: ما ذكر له عقوبة خاصة؛ وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع ليس فيها إلا النهي، ونوع آخر يذكر فيها عقوبة خاصة: إما دنيوية، وإما دينية، وإما أخروية، فالدنيوية كالحد، مثل الزنا والسرقة، والدينية كالبراءة منه، كقوله ﵊: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (١)، والأخروية هي العقوبة، كما في هذه الآية.
٤ - إثبات الجزاء، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
٥ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه قابل أكلهم بالنار التي يعذبون بها.
٦ - الوعيد الشديد على من أكل مال اليتيم بأنه سيصلى سعيرًا، وهذا أعظم من قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فتكون الحرارة في أجوافهم، وفي ظاهر أجسامهم، لقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ
стр. 60
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الوصية: هي العهد بأمر هام عهد به إليك، وتكون بعد الموت، وأما ما قبل الموت فهي وكالة، وينبغي أن يُعلم أن المتصرف في غير ماله له أوصاف بحسب الوظيفة التي هو قائم بها، فتارة نسميه "وكيلًا"، وتارة نسميه "وليًا"، وتارة نسميه "ناظرًا"، وتارة نسميه "وصيًا"، فإذا كان يتولى مال الغير بغير إذن منه، بل بإذن من الشرع؛ فإنه يسمى "وليًا" كولي اليتيم، وإذا كان يتولى مال الغير بعد موته؛ فإنه يسمى "وصيًا"، وإذا كان يتولى الوقف؛ فإنه يسمى "ناظرًا"، وإذا كان يتولى لحي؛ فإنه يسمى "وكيلًا".
وقوله: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾؛ أي: أن الوصية في الأولاد أنفسهم، والأولاد: جمع ولد، ويشمل الذكور والإناث، بدليل قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فإذا اجتمع في الأولاد ذكور وإناث، فإننا نعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وتأمل كيف قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دون أن يقول: للأنثى نصف الذكر؛ لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة، والنصف نقص، فلهذا قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر؛ لما في كلمة "نصف" من النقص، بخلاف حظ الأنثيين؛ فإن فيه زيادة، فهو أحسن تعبيرًا مما لو قال: للأنثى نصف ما للذكر.
فإذا هلك الميت عن خمسة أبناء وبنت، فللبنت واحد من أحد عشر؛ لأن الخمسة عن عشرة، وإذا هلك عن سبعة أبناء
стр. 61
وثلاث بنات، فلكل بنت واحد من سبعة عشر؛ لأن السبعة عن أربعة عشر سهمًا، والثلاث عن ثلاثة أسهم، فالجميع سبعة عشر سهمًا .. وهكذا.
وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، ولم يقل: فإن كانوا نساءً؛ أي: الأولاد، وهذا جائز، فيجوز في الضمير إذا اكتنفه مذكر ومؤنث أن تذكره باعتبار ما سبقه، إذا كان السابق مذكرًا، وتؤنثه باعتبار ما لحقه، فهنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ فأنث الضمير باعتبار ما لحقه، ولو كان في غير القرآن وقيل: "فإن كانوا نساءً" جاز باعتبار ما سبقه، فالضمير في مثل هذا التركيب يجوز أن يعود على ما سبق، ويجوز أن يعود على ما لحق.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فقيل: إنها زائدة، وأن المعنى: فإن كن نساء اثنتين؛ وذلك لأن الثلثين تستحقه الثنتان فما فوق، وظاهر الآية الكريمة أن الثنتين لا تستحقان الثلثين؛ لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، والحكم خلاف ذلك، فلهذا قال بعض العلماء: إنها زائدة، ولكن الصحيح أنها ليست بزائدة، بل هي مفيدة وأصلية؛ ليتبين أن ما فوق الثنتين لا ينحصر، فلو كن عشرًا أو عشرين فإن الفرض لا يزيد بزيادتهن.
ولنا في تقرير الثلثين للثنتين عدة أوجه:
الوجه الأول: أنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ومفهومه: أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف، ولا نعلم فرضًا للبنات سوى النصف أو الثلثين، فإذا لم يكن لها النصف بقي لها الثلثان؛ لأنه ليس هناك فرض بين النصف والثلثين.
стр. 62
الوجه الثاني: أن الله جعل للأختين الثلثين في آخر السورة، فقال الله ﵎: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، وعلى هذا فيكون للبنتين الثلثان، كما أن للأختين الثلثين.
الوجه الثالث - وإن كان خارجًا عن نطاق القرآن -: أن النبي ﷺ أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وهما اثنتان (١). وعلى هذا فنقول: لقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأولاد إما أن يكونوا ذكورًا وإناثًا، وإما أن يكونوا إناثًا فقط، وبقي قسم ثالث: وهو أن يكونوا ذكورًا فقط.
فأما إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا كانوا نساءً فقط فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للواحدة النصف ولما زاد الثلثين، وسكت عن الأولاد الذكور فقط، فدل هذا على أنهم يرثون بلا تقدير؛ لأنه لو كان لهم مقدر لبينه كما بين المقدر للإناث، ولو كانوا يختلفون لبين ذلك، كما بين اختلاف الواحدة من البنات مع الثنتين فأكثر.
وعلى هذا: فإذا كانوا ذكورًا فقط فلهم المال، وتكون مسألتهم من عدد الرؤوس؛ لأن الورثة إذا كانوا عصبة فلا تؤصل لهم مسألة، بل أصل مسألتهم من عدد رؤوسهم، فإذا كانوا مئة بني عم فالمسألة من مئة.
стр. 63
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فيها قراءتان، ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ .. "وإن كانت واحدةٌ" وعلى هذه القراءة فإن "كان" تامة، و"كان" التامة هي التي يكتفى بمرفوعها عن خبرها؛ لأنها لا تتطلب سواه، فهي تامة به، والناقصة هي التي تحتاج إلى خبر؛ لأنها لا تتم إلا به، ولهذا سميت "كان" إذا اكتفت بمرفوعها تامة، لا تحتاج إلى تكميل.
وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أي: أبوي الميت، ولم يسبق له ذكر، لكن المقام يقتضيه، لقوله: ﴿مَا تَرَكَ﴾؛ لأن الإنسان لا يترك ماله إلا بعد موته.
وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: الأب والأم، من باب التغليب، وهو هنا ملحق بالمثنى.
وقوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، بدل من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ بإعادة العامل، والبدل معروف أن له حكم المبدل في الإعراب، لكن هنا نستغني عن التبعية في الإعراب؛ لأنه أعيد العامل.
أي: فلكل واحد من الأبوين السدس مما ترك ابنهما أو بنتهما أيضًا، ﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾ أي: للميت "ولد"، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يشمل الذكر والأنثى، فإذا كان للميت أبوان، وله أولاد، فلكل واحد من الأبوين السدس، فإن كان الولد ذكرًا؛ فللأم السدس وللأب السدس، والباقي للابن، وإن كان أنثى فرض لها فرضها وهو النصف إن كانت واحدة، أو الثلثان إن كانت زائدة، والباقي للأب تعصيبًا؛ لقوله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١).
стр. 64
وميراث الأبوين مع الولد: أما الأم ففرض وليس لها تعصيب إطلاقًا، وفرضها السدس مع وجود الولد: ذكرًا كان أم أنثى، وأما الأب فإن كان في الأولاد ذكور، فليس له إلا السدس، وإن كان الورثة إناثًا؛ فله السدس فرضًا، والباقي إن بقي تعصيبًا.
وحينئذ نقول: إما أن يكون الولد الذي مع الأبوين ذكورًا فقط، أو إناثًا فقط، أو ذكورًا وإناثًا، فإن كانوا ذكورًا فقط؛ فليس للأب ولا للأم إلا السدس، وإن كانوا إناثًا فقط؛ فليس للأم إلا السدس، وكذلك الأب يفرض له السدس، وإن بقي شيء أخذه تعصيبًا، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فليس للأب إلا السدس كالأم؛ لأنه لا تعصيب للأب مع وجود أحد من الأبناء أو أبنائهم؛ لأن الأبناء أو أبناءهم أولى بالتعصيب من الأب.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد﴾ أي: إن لم يكن له فرع وارث، لا ابن، ولا ابن ابن، ولا بنت ابن، ولا بنت، وهذا الشرط الأول، والشرط الثاني في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، والجواب: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ وللأب الباقي؛ لأنه إذا كان المال بين شخصين، وفرض لأحدهما، فالباقي كله للآخر.
فقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ هنا انحصر الإرث في الأبوين، ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، والباقي للأب؛ لأن الله قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ وأعطى أمه الثلث، فيكون الباقي للأب بالضرورة، فإذا هلك هالك عن أم وأب، وليس معهما ولد ولا غيره؛ لا إخوة، ولا زوج، ولا زوجة؛ فللأم الثلث، والباقي للأب.
стр. 65
وهذا مطرد على قاعدة الفرائض؛ لأن قاعدة الفرائض: "إذا كان الوارثان ذكرًا وأنثى من جنس، وفي مرتبة واحدة، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين" فمثلًا: ابن وبنت، أخ شقيق وأخت شقيقة، أخ لأب وأخت لأب، للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة: إذا كان مع الأبوين زوج أو زوجة، فهل ترث الأم الثلث؟
الجواب: نقول: إن الآية الكريمة تدل على أنه ليس لها الثلث:
فإذا هلكت امرأة عن زوجها وأمها وأبيها مثلًا، وليس في المسألة ولد، فانحصر الإرث في ثلاثة أشخاص، فللزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وللأب الباقي.
وصار للأم ثلث الباقي لماذا؟ لأن الأم والأب ورثا ما بقي بعد الزوج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، فكأن الأبوين ورثا نصف المال الذي هو الباقي بعد الزوج، فنجعل الباقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، فإذا جعلناه كأنه المال كله فإن للأم الثلث، وهذا واضح جدًا، ومعلوم بنص القرآن أن الأم والأب إذا ورثا المال كله فللأم الثلث، فيكون لها ثلث الباقي.
وهذه القسمة ليست مخالفة للنص، بل هي موافقة للنص.
مثال آخر: هلك رجل عن زوجة، وأم، وأب، فللزوجة الربع، وبقي ثلاثة أرباع: للأم ثلث الباقي، وللأب الباقي؛ لأن الزوجة لما أخذت نصيبها صار الباقي بعد فرضها كأنه المال كله، والأم والأب إذا ورثا المال كله صار للأم الثلث، وعلى هذا:
стр. 66
فللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجة، والباقي للأب، وهذا مقتضى النص القرآني الذي معنا.
وهاتان المسألتان - وهما: زوج وأم وأب، وزوجة وأم وأب - تسميان: العمريتين، والغراوين؛ لأن أول من قضى بهما عمر بن الخطاب ﵁، إذ لم توجد هذه الصورة لا في عهد النبي ﷺ ، ولا في عهد أبي بكر ﵁، ووجدت هاتان الصورتان في عهد عمر ﵁، فقضى بهما على هذا النحو قضاء موافقًا للصواب بلا شك، وسميتا بالغراوين لأنهما في الفرائض كالغرة في وجه الفرس، لظهورهما وبيانهما واشتهارهما.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يعني: حين إرث أبويه له ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ والفاء هنا عاطفة للترتيب، وهي تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، فإذا ورث الرجل أبواه وكان له إخوة، ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ سواء كانوا إخوة ذكورًا أو إناثًا، أشقاء، أو لأب، أو لأم.
مثاله: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين؛ فللأم السدس، والباقي للأب.
وقد فرضنا للأم السدس؛ لوجود جمع من الإخوة، ولم نفرض للأب السدس؛ لعدم الفرع الوارث، فنقول: للأم السدس، والباقي للأب، والإخوة يسقطون بإسقاط النبي ﷺ لهم حيث قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١).
стр. 67
وصاحب الفرض في هذه المسألة هي الأم، وقد أعطيناها نصيبها، ثم بحثنا وقارنا بين الأب والإخوة فوجدنا أن الأب أولى؛ لأن الميت بضعة منه، فقلنا: الباقي للأب.
فإن قال قائل: كيف يحجب الإخوة وهم محجوبون؟
فنقول: نعم، يحجبون غيرهم وهم محجوبون؛ لأن حجبهم هنا لوجود المانع، فإن الذي منعهم من الإرث هو الأب لا لفوات الشرط، فهم من أهل الإرث، فليس فيهم مانع من موانع الإرث حتى نقول: إن هؤلاء ليسوا مستحقين بالأصل من الميراث، بل نقول: إنهم مستحقون لولا وجود المانع؛ فلهذا حجبوا وهم محجوبون.
والغريب في هذه المسألة: أنه لو كان الإخوة إخوة من أم؛ فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، وهذه غريبة من غرائب العلم أن يكون المدلي حاجبًا لمن أدلى به، والعادة أن الذي يَحجب هو المدلى به، فالإبن يحجب ابن الإبن؛ لأن الإبن مدلي بالإبن، ومن أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وهنا الإخوة من الأم مدلون بالأم، ولم تحجبهم الأم، بل هم الذين حجبوا الأم، فهي على العكس، ولكن مسائل الفرائض كثير منها لا مجال للرأي فيها، ولا مدخل للإجتهاد فيها كما قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
فيكون ميراث الأبوين على أحوال:
الحالة الأولى: إذا كان معهم ولد؛ فلكل واحد منهما السدس، فإن كان الولد ذكرًا فليس سوى السدس، وإن كان أنثى فللأب ما بقي بعد الفروض تعصيبًا.
стр. 68
الحالة الثانية: إذا ورث الميت أبواه فقط؛ أي: لم يوجد وارث سوى الأبوين، لا إخوة، ولا فرع وارث، فميراث الأم الثلث بالنص، والباقي للأب؛ لأن المال الذي بين شخصين إذا قدر لأحدهما نصيبه صار الباقي للثاني.
فمثلًا: لو أعطاك شخص مالًا مضاربة تشتغل فيه، وقال: لك ربع الربح، فإنه يكون لصاحب المال ثلاثة أرباع؛ لأن المال بين اثنين، إذا قدر لأحدهما نصيب فالباقي للآخر.
الحالة الثالثة: إذا ورث الأبوان ولدهما وله إخوة، فللأم السدس، وإن كان الإخوة غير وارثين، والباقي للأب، والإخوة يسقطون، لقول النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١).
وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على حكم ميراث الفروع والأصول، وقد بدأت بذكر الفروع قبل الأصول، وكان المتوقع أن تبدأ بالأصول؛ لأنهم أحق بالبر من الفروع، لكن بدأت بالفروع لأنهم بضعة من الميت وجزء منه، والأصول بالعكس، فإن الميت بضعة منهم، فكان الذي هو بضعة منه أولى، وهذه من الحكم العظيمة؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا لم يبدأ الله بذكر الوالدين قبل ذكر الأولاد؟ والجواب هو هذا.
أما الأزواج والحواشي، فقد ذُكروا بعد هذه الآية مباشرة؛ لأن الآية الثانية الآتية خالصة لذوي الفروض، وليس فيها عصبة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] .. الآية، وقد ذكر فيها الزوجان، والإخوة من الأم، وكلهم
стр. 69
أصحاب فروض، ولهذا قال الله تعالى فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] الآية، وهنا لم يقل: تلك حدود الله؛ لأن هذه الآية فيها تعصيب غير محدد، والآية التي بعدها كلها أصحاب فروض، والآية الثالثة في آخر السورة فيها فروض وفيها تعصيب، ولهذا قال الله تعالى فيها: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
مسألة: هلك هالك عن جد وأخ وأم، فنقول: للأم الثلث؛ لأنه ليس هناك فرع وارث، ولا جمع من الإخوة، وهذا مما يُضعف القول بأن الجد أخ؛ لأنه هنا ليس بأخ، ولا يحجب الأم، كما أنه لو كان عندنا جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، وقد ذكر العلماء صورتها فيما لو وطئ رجلان امرأة بشبهة، وأتت بولد، وعرض على القافة الذين يعرفون الأنساب بالشبه، فقالوا: هذا الولد لهذين الرجلين جميعًا، فصار له أبوان، ولكل أب أب، فيكون له جدان، فلو كان له جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، والأدلة على ضعف إلحاق الجد بالإخوة أدلة كثيرة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: أن هذا الميراث الذي قسمه الله إنما يكون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾، وفي قراءة "يُوصَى بها" بالبناء للمجهول، ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾، والوصية في الأصل هي العهد بالشيء المهم، وهي اصطلاحًا: التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت، فهي إما بمال وإما بتصرف، فإذا أوصى رجل إلى شخص بالنظر على أولاده الصغار، فهذه وصية بتصرف، وإذا أوصى شخص بمائة درهم لفلان، فهذا تبرع بالمال بعد الموت، وهذا هو المراد بهذه الآية، وهو التبرع بالمال بعد الموت.
стр. 70
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مطلق لم يقيد، لكن دلت السنة على أنه لا تزيد الوصية على الثلث، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ حين عاده النبي ﷺ في مكة فقال له سعد: إني ذو مال - يعني: ذو مال كثير - ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (١)، قال ابن عباس ﵄: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع"، يعني: لكان أحسن؛ لأن النبي ﷺ قال: "والثلث كثير" (٢)، ولم يرخص في الثلث إلا في المراجعة الثالثة من سعد ﵁.
ويُذكر أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: "أرضى بما رضيه الله لنفسه" (٣)، فأوصى بالخمس، واعتمد ذلك الفقهاء، فقالوا: ينبغي أن تكون الوصية بالخمس، ولكن لشُح الناس اليوم صاروا لا يعرفون في الوصية إلا الثلث، فيندر جدًا أن ترى شخصًا أوصى بخمس ماله، وينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس، وأن يقولوا لهم: إن الوصية بالثلث رخصة جاءت بعد مراجعة، وما دون الثلث أفضل منه.
стр. 71
وقد دل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، فالشرط الأول: أن لا تزيد على الثلث.
والشرط الثاني: أن لا تكون لوارث، ووجه الدلالة قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تلي هذه لما ذكر الإرث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس، فقد تعدى حدود الله، فإن فرض الله لها هو السدس، وهو زاد على ذلك الخمس، فصار ميراثها أكثر من الثلث، وهذا تعدٍ لحدود الله.
فالوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين، وهما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون لوارث.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ في قوله ﴿يُوصِي بِهَا﴾ دليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرات المرض، ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل، ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقة لم يوص بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها، إلا إذا صدّق الورثة - وهم راشدون - بذلك، فالحق لهم.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين،
стр. 72
فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوج دين، وأرش الجراحات دين، فكل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال.
وأيهما يقدم: الدين أم الوصية؟
الجواب: يقدم الدين قبل الوصية، كما جاء عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية" (١)، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب، والوصية من باب التبرع، بمعنى: أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والوصية مستحبة وليست بواجبة، والنظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب.
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك، فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين في الآية؟
فنقول: الحكمة هي:
أولًا: العناية بالوصية، والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه.
стр. 73
ثانيًا: أن الدين له من يطالب به، فلو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة، فإن صاحب الدين لن يسكت، بل لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها، ولم يعلم بها الموصى له، فليس هناك من يطالب بها، فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها، لا ليقدموها على الدين، فالدين مقدم، ثم الوصية، ثم الميراث.
فإذا هلك هالك عن ورثة، وكان عليه دين يستغرق نصف ماله، وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة، للدين ثلاثة، وللوصية ثلث واحد، فالمأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فتكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين، وهي ثلاثة من ستة، فيعطى صاحب الوصية ثلث الباقي وهو واحد، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة، فقدمنا الدين على الوصية، وجعلنا النقص على الوصية، ولولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكنه الآن لم يأخذ إلا واحدًا من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية.
مسألة: هل يجوز للأب أن يوصي لابنه الكافر؟
الجواب: نقول: الكافر لا يرث من المسلم، فما دام أنه لا يرث فيوصي له، ولكن في بره تفصيل بيّنه الله في سورة الممتحنة، فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ وهذا إحسان ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وهذه المعاملة بالعدل، فما نُهي الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل، أو بالفضل، بشرط ألا يكون ممن يقاتلوننا في الدين.
مسألة: إنسان له دين مؤجل، فهل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟
стр. 74
نقول: إن وَثَّق الورثة برهن مُحرز، أو كفيل مليء، فالدين باقٍ على ما هو عليه لا يَحِل، وإن لم يوثقوه حل الدين ووجب البيع.
ثم قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ فلما قسم سبحانه القسمة على ما اقتضته حكمته؛ قطع خط الإعتراض على هذه القسمة بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
فلو قال قائل: إن الآباء أحق من الأبناء؛ لأن برهم واجب، وقال الآخر: إن الأبناء أحق من الآباء؛ لأنهم قصر يحتاجون إلى رعاية في الغالب، فنقول: وراء ذلك كله حكمة الله ، فنحن لا ندري: آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعًا.
والآية تعم التفصيل بين الجنس والجنس، وبين الأبناء، فهي تعم المعنيين، فلا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء؟ ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر؟ وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى؟
وكثيرًا ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيرًا ما يكون الإبن الأصغر أرحم من الإبن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل الأبر من الأبناء فيما بينهم الكبير أو الصغير أو المتوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم؛ وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله .
ثم قال تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾
стр. 75
مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نابت عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضة، وعلى الثاني نجعل ﴿فَرِيضَةً﴾ هي نفسها العامل، ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيدًا لما سبق، ويسمى هذا: المصدر المؤكد للجملة التي قبله، ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك: كأنت ابني حقًا.
فكلمة "حقًا" ليس لها عامل، لكنها تؤكد الجملة التي سبقتها.
وهذه أيضًا ليس لها عامل، لكن لما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ وقسم وقدر، صار هذا المصدر مؤكدًا للجملة التي قبله.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ الفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلًا: فرض اللحم؛ أي: حزه، وفرض العصا: قطعها، وفي الشرع: ما ألزم به الشارع، ولا فرق على القول الصحيح بين ما ثبت بدليل ظني، وبين ما ثبت بدليل قطعي، وقد قال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح أنه لا فرق، فما دام أنه قد ثبت الإلزام به، فسمه فرضًا أو سمه واجبًا.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: كان عليمًا بمن يستحق، وبمقدار ما يستحق، وحكيمًا في وضع الحق في أهله، كمًا وكيفًا، فهو له العلم التام، وله الحكمة