بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١].
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
أولًا: هذه السورة مدنية وهي آخر ما نزل من القرآن؛ ولذلك قال العلماء: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه، ولم يأتِ فيها حكم يكون منسوخًا، بل كل الأحكام التي فيها محكمة، وهي مدنية؛ لأنها نزلت بعد الهجرة، وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدني، وإن نزل بمكة، وإلا ففيها قول الله تبارك وتعالي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وهذه الآية نزلت في عرفة والنبي ﷺ واقف بها (١).
البسملة لا حاجة لتكرار الكلام عليها لأنه سبق (٢) الكلام
стр. 2
عليها، وأنها آية من كتاب الله مستقلة ليست من السورة التي قبلها ولا التي بعدها، يؤتى بها عند بدء كل سورة سوى سورة براءة، وأنها متعلقة بمحذوف، ويقدر هذا المحذوف فعلًا متأخرًا مناسبًا للموضوع الذي تقدمته هذه البسملة، هذا أحسن ما قيل في متعلق البسملة.
وعليه: فإذا كنت تريد أن تقرأ تقول: إن الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره باسم الله أقرأ، وإذا كنت تريد أن تتوضأ تقول: باسم الله أتوضأ، وإذا كنت تريد أن تذبح مذكاة تقول: باسم الله أذبح .. وهكذا.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اعلم أنه إذا صُدِّر الكلام بهذه الجملة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: أرعها سمعك -يعني: انتبه لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه (١)، وإما خبر يكون فيه مصلحة لك، مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وما أشبه ذلك.
واعلم أيضًا أنه إذا صدر الكلام بها فإنه يدل على أن ما بعدها من مقتضيات الإيمان؛ تصديقًا به إن كان خبرًا، وعملًا به إن كان طلبًا، وأن مخالفة ذلك نقص في الإيمان وامتثاله يزيد به الإيمان.
واعلم أيضًا أن الله تعالى يصدر الخطاب بها إغراءً للمخاطب؛ لأن قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه يخاطبهم بقوله: إن إيمانكم يحملكم على أن تفعلوا كذا وكذا وأن تتركوا كذا وكذا حسب السياق.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أوفوا بها أي:
стр. 3
ائتوا بها وافية كاملة من غير نقص، وقد بَيَّن الله تعالى الوعيد على من يستوفي العقود تامة ولا يوفيها تامة، في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣] إذًا: (أوفوا) بمعنى: ائتوا بها كاملة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] وما أشبه ذلك.
و"العقود" جمع عقد: وهو ما أبرمه الإنسان مع غيره، وضد العقد الحل، تقول: عقدت الحبل وحللت الحبل، فالعقود هي ما أبرمها الإنسان مع غيره، وهي أنواع كثيرة: منها البيع والإجارة والرهن والوقف والنكاح وغير ذلك.
وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هذا عام فأي عقد فإنه يجب الوفاء به، ولكن لا بد أن يقيد بما جاءت به الشريعة، وهو ألا يكون العقد محرمًا، فإن كان العقد محرمًا فإن النصوص تدل على عدم الوفاء به بل على تحريم الوفاء به، لقول النبي ﷺ : "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" (١).
قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ أحلت: هذا فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله، وفاعله معلوم ليس مجهولًا؛ لأن الفاعل هنا هو الله ، كما قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] فالمُحِلُّ هنا هو الله .
стр. 4
وقوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ البهيمة: ما لا ينطق، فكل حيوان لا ينطق فهو بهيمة، وذلك لأن البهائم لا تُعْرِبُ عما في ضميرها بل يكون ما في ضميرها مبهمًا لا يُعرف.
وقوله: ﴿الْأَنْعَامِ﴾ المراد بها ثلاثة أنواع: الإبل والبقر والغنم، فإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنسه، أي: البهيمة من الأنعام، كما تقول: خاتم حديد، وباب خشب، وما أشبه ذلك.
وقولنا: بهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم هذا تفسير للأنعام لا للبهيمة.
قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ لأن بهيمة الأنعام مفرد مضاف فيعم كل شيء من بهيمة الأنعام.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ المراد بذلك ما سيأتي في الآية التي بعدها في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] هذا الذي يتلى عليهم.
قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ هذا استثناء من قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ ويحتمل أن تكون حالًا، وهو الأقرب؛ لأنها مضافة إلى اسم الفاعل، يعني: أحلت لكم حال كونكم غير محلي الصيد وأنتم حرم.
وقوله: ﴿مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ أي: مستبيحيه وذلك بصيده.
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ جملة حالية، والحُرُم جمع حرام وهو: من تلبس بالإحرام بحج أو عمرة أو دخل في الحرم وإن لم يكن محرمًا.
стр. 5
والحَرم في مكة معروف بحدوده، وفي المدينة كذلك أيضًا، لكن المدينة ليست كمكة في التحريم بل هي أقل كما سيذكر إن شاء الله تعالى.
والمراد بالصيد في حال الإحرام: كل حيوان بري متوحش أصلي؛ أي: متوحش باعتبار أصله، مثاله: رجل محرم قبل أن يدخل حرم مكة نزل ضيفًا على إنسان عنده حمام فاشترى منه حمامًا؛ هذا لا يجوز لأنه صيد، وعليه فإن كان الرجل في الحرم أو كان محرمًا فلا يجوز الصيد، ومثال آخر: رجل اشترى دجاجة غير مقدور على إمساكها تطير كالحمام هذا يجوز؛ لأن الدجاج غير متوحش أصلًا فهو ليس بصيد، وأيضًا من أمثلة الصيد الغزال والظباء والضب، وأما الغراب فلا يدخل لأنه لا يؤكل بل يدخل في الخمس التي أمر بقتلها في الحل والحرم.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ الجملة كالتعليل لما قبلها، لما ذكر الله الإحلال والتحريم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، الحكم هنا يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، فكل ما يريده الله فإنه يحكم به؛ لأنه لا راد لحكمه، إن شاء حلل هذا وحرم هذا، وإن شاء أوجب هذا ورخص في هذا، وكذلك أيضًا إن شاء حكم على عباده بالغنى والأمن؛ وإن شاء حكم بضد ذلك، فالأحكام الكونية والشرعية كلها بإرادة الله، ولا أحد يعترض على حكم الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠] يعني: ما الحكم إلا لله، ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠].
стр. 6
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾ الإرادة هنا تشمل الإرادة الكونية والشرعية، فالكونية باعتبار كون الحكم كونيًّا، والشرعية باعتبار كون الحكم شرعيًّا، وحينئذٍ لا بد أن نفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية، والفرق بينهما: أن الكونية بمعنى المشيئة، فتتعلق بما يحبه الله وما لا يحبه الله، ويقع فيها ما أراد الله بكل حال، وأما الشرعية فهي التي بمعنى المحبة، فمعنى يريد أي: يحب، فتتعلق بما يحبه الله فقط، وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع، فهذا هو الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية.
لو قال قائل: إيمان أبي بكر الصديق ﵁ وكفر أبي لهب هل وقعا بإرادة الله الكونية أم الشرعية، وكذلك إيمان أبي طالب هل هو مراد كونًا أم شرعًا؟
الجواب: إيمان أبي بكر وقع بإرادة الله الكونية والشرعية، وأما كفر أبي لهب فواقع بالإرادة الكونية فقط؛ لأن الله لا يريد الكفر شرعًا، لكن قدرًا يريده لحكمة، وأما إيمان أبي طالب فهو مراد شرعًا؛ لأن الدلالة الشرعية لا تستلزم الوقوع، ولو أراده كونًا لوقع.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: فضيلة الإيمان؛ وجه ذلك توجيه الخطاب أعني خطاب الله إلى المؤمنين.
الفائدة الثانية: أهمية ما يذكر بعد هذا النداء، لوجود فرق بين قولك: (افعل كذا) وقولك: (يا فلان افعل كذا)، فالثاني أشد وادعى للاهتمام؛ لأنك ناديته حتى ينتبه لك، ففيه أهمية ما سيذكر بعد هذا النداء.
стр. 7
الفائدة الثالثة: وجوب الوفاء بالعقود، لقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب لا سيما إذا كان متعلقًا بحق الآخرين، والعقد متعلق بحق الآخرين؛ لأنه إبرام شيء بينك وبين الآخر، فإذًا لأمر بالوفاء للوجوب.
الفائدة الرابعة: أن جميع العقود حلال، وجه ذلك: أن الله أمر بالوفاء بها، والله تعالى لا يأمر بالوفاء بالفحشاء أبدًا، ولكن هذا ليس على عمومه إذ يستثنى منها ما حرمه الشرع، كبيع الغرر وبيع حبل الحبلة، والبيع بالربا، والقمار، وما أشبه ذلك.
الفائدة الخامسة والسادسة: أن العقود تنعقد بما دل عليها من قول أو فعل بلفظ أو إشارة أو كتابة، وجه ذلك أن الله جل وعلا أطلق العقد فكل ما كان عقدًا بين الناس فهو عقد، ويتفرع على هذا مسائل كثيرة:
منها: جواز البيع بالمعاطاة، والمعاطاة أن يأتي الإنسان إلى الخباز وقد كُتِبَ إعلان (الخبزة بريال) فيضع الريال في مكان الفلوس ويأخذ الخبزة، هذا بيع بالمعاطاة؛ لأنه ليس فيه قبول ولا إيجاب، لكنه بالمعاطاة، وقد عرف عند الناس أنه عقد.
ومن ذلك أيضًا: الركوب في الحافلات، الإنسان يدخل باب الحافلة المفتوح فيدخل ويسلم الأجرة للذي عند الباب، ولا يتكلم ولا يعقد الإجارة بصيغة، هذه أيضًا إجارة بالمعاطاة.
ومن ذلك أيضًا: أن النكاح ينعقد بما دل عليه وأنه لا يحتاج إلى لفظ: زَوَّجْتُكَ، فإذا قال: وهبتك ابنتي، وعلم أن المراد بالهبة ليس مجانًا صح العقد، وكذلك لو قال: ملكتك
стр. 8
ابنتي فقال: قبلت، صح العقد؛ لأن هذا هو المعروف، وقد جاء في حديث الواهبة نفسها عند البخاري لفظ: "ملكتكها بما معك من القرآن" (١).
الفائدة السابعة: وجوب الوفاء بالشروط المشترطة في العقد، فإذا عقد رجلان بينهما عقد بيع أو غيره واشترطا شروطًا فالأصل وجوب الوفاء بالشروط، وذلك لأن قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يشمل الوفاء بالعقد نفسه وبأوصافه التي هي شروطه؛ لأن الشروط في العقد في الحقيقة أوصاف للعقد، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء به وبما يتضمنه من الأوصاف.
فإذا اشترط المتعاقدان شرطًا وحصل نزاع في هذا الشرط فالصواب أن هذا الشرط يصح حتى يقيم المانع دليلًا على المنع، وعلى هذا فإننا نُجري الناس على معاملاتهم حتى نتأكد أن فيها مخالفة للشرع، فالأصل إذًا في المعاملات أن تجري على ما هي عليه حتى يقوم دليل على أنها محرمة لأن قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فيجب الإيفاء بالعقود.
مثال ذلك: رجل باع بيتًا واشترط على المشتري أن يسكنه سنة فيجب على المشتري أن يُمَكِّنَ البائع من ذلك.
مثال آخر: امرأة اشترطت إن جاز لها المقام مع أهله وإلا فلها الفسخ؛ لأنها سمعت أن أمه شريرة طويلة اللسان سريعة الغضب، فقالت: سأقع في مشاكل فالشرط صحيح، فإذا جاز لها
стр. 9
المقام عند أهله وإلا فلها الفسخ، ولكن ينبغي في مثل هذه الحال أن يُجعل الباب مفتوحًا، فتقول: لها الفسخ أو المطالبة بأن تسكن في مكان وحدها.
مثال آخر: رجل باع أمَةً واشترط على المشتري أن يطأها سنة حتى يتزوج، هذا شرط باطل؛ لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، بل في القرآن ما يدل على تحريم ذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، وأيضًا لأن هذه الأمة خرجت عن ملكه.
مثال آخر: رجل باع أمَةً واشترط أن تخدمه سنة، أي: باعها واستثنى منفعتها يصح، ويدل له حديث جابر لما باع جمله للنبي ﷺ واستثنى حملانه (١).
ويدخل في الوفاء بالشروط شروط النكاح بل قال النبي ﷺ : "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به من الفروج" (٢) فإذا اشترطت المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط ويجب الوفاء به، وإذا اشترطت الزوجة أن يطلق زوجته التي معه لا يصح الشرط.
стр. 10
والفرق ظاهر: لأن الثاني فيه عدوان على الزوجة الأولى، والأول لا عدوان فيه، بل الزوج امتنع عما أباح الله له باختياره ورضاه، ولكن لو أراد الزوج أن يتزوج وتزوج، فالزوجة لها الخيار إن شاءت بقيت وإن شاءت فسخت، ولا مهر للزوج؛ لأنه هو الذي أخل بالشرط، فنقول له: تزوج، ولا نحجر عليه إذا لم يفِ بالشرط، إن اضطرته الحاجة لذلك وإلا فإن ذمته لا تبرأ وهو للإثم أقرب؛ لأن المرأة مكرهة على الفسخ وقد غرر بها، وهي ربما تبقى وهي مكرهة.
يدخل في ذلك الوفاء بالعهود لأن العهد عقد، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤].
وأيضًا يدخل في ذلك الوفاء بالوعد، فلو قلت لإنسان: سأمر عليك غدًا في الساعة الفلانية، الصحيح أنه يجب عليك أن توفي به؛ لأن الوعد عهد ولأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، والرسول ﵊ لما قال في المنافق: "إذا وعد أخلف" (١) لا يريد أن يوصل إلى أفهامنا أن هذه الخصلة من خصال المنافقين فقط، ولكن يريد منا أن نتجنبها ونحذرها، ولهذا كان القول الراجح أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف في الوعد إلا لعذر شرعي.
والعجب أن بعض المغرورين بأخلاق الأمم الكافرة يقول لصاحبه إذا واعده: إنه وعد إنجليزي، مع أن الكفار من أبعد
стр. 11
الناس عن الوفاء بالوعد، وكان على هذا أن يقول: إنه وعد مؤمن؛ لأن المؤمن هو الذي لا يخلف الوعد إلا لعذر شرعي.
تنبيه:
إذا استثنى الواعد، أي: قال إن شاء الله ولم يفِ بالوعد فالظاهر أنه لا شيء عليه؛ لأن صاحبه الذي سمعه يقول: إن شاء الله يعرف أنه لم يُردِ الوفاء التام، إلا إذا فهم المخاطب من قوله: إن شاء الله، التحقيق كان يكون أشار إليه بيده أثناء وعده له فيجب عليه الوفاء بالوعد حينئذٍ؛ لأن الوعد عقد أو معاقدة بين الواعد والموعود.
الفائدة الثامنة: أن جميع بهائم الأنعام حلال لقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، وأيضًا غير بهيمة الأنعام نقول: إنها حلال لكن لا بهذه الآية، بل بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] وعلى هذا فإذا شككنا في هذا الحيوان الزاحف أو الطائر هل هو حلال أو حرام؟ فالأصل أنه حلال، وعلى من حرمه الدليل، لكن إذا شككنا في الحلال هل ذكي ذكاة شرعية أم لا؟ فالأصل عدم الذكاة الشرعية؛ لأن الذكاة فعل لا بد من تحقق وجوده، فإذا وجدنا عضوًا من شاة ولا ندري هل هو مذكى أو غير مذكى؟ فنقول: إنه لا يحل؛ لأن الأصل عدم التذكية ما لم يوجد ظاهر يغلب على هذا الأصل، فإن وجد ظاهر يغلب على هذا الأصل فإننا نأخذ به.
فلو وجدنا رِجْلَ شاة عند بيت من بيوت المسلمين فنحن لا نعلم هل ذكيت أم لا؟ فالأصل عدم الحل، لكن هنا ظاهر يغلب على هذا الأصل وهو أن وجودها بين بيوت المسلمين يدل على أنها مذكاة، فيكون هذا الظاهر غالبًا أو مُغَلَّبًا على الأصل.
стр. 12
ولهذا قال العلماء ﵏: لو وجد الإنسان شاة مذكاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهي حلال، مع أن هناك احتمالًا أن يكون الذي ذبحها ممن لا تحل ذبيحته، لكن يغلَّب الظاهر لقوته.
الفائدة التاسعة: الإحالة على مذكور أو على ما سيذكر، لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، وهذا إحالة على ما سيذكر، وقد استعمل العلماء ﵏ هذا في مؤلفاتهم، وأكثر من رأيناه يستعمله الحافظ ابن حجر ﵀، فما أكثر إحالاته، ومع ذلك أحيانًا ينسى أن يوفي ﵀.
الفائدة العاشرة: أن الأصل في البهيمة -أعني: بهيمة الأنعام- الحل كما قررناه قبل قليل، وجه ذلك: الاستثناء من هذا الحكم ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا﴾، وقد قال العلماء ﵏: إن الاستثناء معيار العموم -معيار يعني: ميزانًا- فإذا وجدت شيئًا فيه استثناء فاعلم أن هذا الحكم عام؛ لأنه لما أخرج هذا الفرد من أفراده علم أن الحكم شامل لجميع الأفراد.
الفائدة الحادية عشرة: أنه لا يحل الصيد للمُحْرِم، لقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ولا لمن كان في الحرم؛ لأن من كان في الحرم فقد دخل في جو محرَّم فيه الصيد فيحرم عليه الصيد.
لكن لو صاد صيدًا حلالًا يعني: أنهر الدم وسمَّى الله وقتله فإنه لا يحل، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: غير محليه، فدل ذلك على أنهم إذا قتلوه فهو حرام فلا يحل لهم أن يحللوه لأنفسهم؛ ولهذا عبر الله عن صيد الصيد بالقتل، فقال تعالى في آية أخرى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ومعلوم أنه لا يريد أن يقتل بغير الصيد الشرعي؛
стр. 13
لأن القتل بغير الصيد الشرعي منهي عنه سواء كان الإنسان مُحْرِمًا أم غير محرم، لكن لما كان صيد الصيد في حال الإحرام حرامًا صار هذا الصيد بمنزلة القتل، فيكون المصيد حرامًا.
الفائدة الثانية عشرة: تعظيم الإحرام وأنه يحرم على المحرم الصيد لئلا ينساب وراء الصيد فينسى الإحرام، إذ من المعلوم الآن عند أهل الصيد أنهم شغوفون به وأنه يأخذ بلبهم وعقولهم، حتى إنك ترى الصائد يلحق الصيد والحصى يُدمي قدمه والشوك يخرقها ومع ذلك لا يبالي، فلو أحل الصيد للمحرم لتلهى به عن إحرامه وغفل.
الفائدة الثالثة عشرة: إثبات الحكم لله، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات الإرادة لله جل وعلا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
الفائدة الخامسة عشرة: الإشارة إلى أنه لا يحل للإنسان أن يعترض على الأحكام الشرعية، وجه ذلك: لأن الله ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ وذلك بعد أن ذكر أنواعًا من الأحكام.
° قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
стр. 14
نقول في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما قلناه في الآية الأولى.
قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: لا تنتهكوا حرماتها، و"الشعائر" جمع شعيرة، وهي العبادات الكبار، كالحج والعمرة ونحو ذلك، وذلك لأن الأحكام الشرعية شعائر وغير شعائر، الأحكام الكبيرة تسمى شعائر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
قوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الشهر هنا المراد به الجنس، وليس المراد به الواحد، فالشهر الحرام شهور أربعة بينها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وبيَّن النبي ﷺ أعيان هذه الأشهر بأنها: ذو القَعدة بفتح القاف وهو الأفصح ويجوز الكسر، وذو الحِجة والأفصح كسر الحاء، والمحرم والرابع رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان (١)، هذه الأشهر الحرم، يقول الله تعالى: لا تحلوها بالمعاصي وأيضًا لا تحلوها بالقتال؛ لأن القتال في الأشهر الحرم حرام، حتى الكفار لا يحل أن نبدأهم بالقتال في الأشهر الحرم، إلا دفاعًا عن النفس أو إذا كان امتدادًا لقتال سابق، وهذه المسألة يأتي إن شاء الله بيان حكمها واختلاف العلماء فيها.
стр. 15
قوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ أي: لا تحلوا الهدي، والمراد بالهدي ما يهدى إلى الحرم، من إبل أو بقر أو غنم، وكيفية إحلاله أن يذبحه قبل أن يبلغ محله، فلو أن الإنسان ساق الهدي من الميقات: من ذي الحليفة مثلًا ثم أراد أن يذبحه أو ينحره قبل الوصول إلى مكة كان هذا حرامًا لا يحل، ولهذا قال: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ والعطف هنا لا يدل على المغايرة، فليس المعنى أن الهدي ليس من شعائر الله بل هذا كقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فالعطف هنا لا يدل على أن الصلاة الوسطى ليست من الصلوات، لكن قد يعطف الخاص على العام للعناية به.
قوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ جمع قلادة، والمراد بالقلائد: ما تقلد به أعناق الهدي، وكان من عادتهم أن يجعلوا في عنق كل واحدة قلادة، إشارة إلى أنها هدي، ويعلق في هذه القلادة النعال البالية وأطراف الأسقية أي: أطراف القرب وما أشبه ذلك، إشارة إلى أن هذه للفقراء، فمن حين أن يرى الإنسان هذا البعير أو هذه الشاة وعليها هذه القلادة يعرف أنها هدي فيحترمها ولا يضيرها بشيء، ويحتمل أن يقال: إن القلائد أعم من ذلك، وأن المراد: ولا ما تقلدتموه، أي: ما تقلدتموه من عهود ووعود وغيرها، ولكن السياق يدل على المعنى الأول، القلائد يعني: قلائد الهدي.
قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ يعني: ولا تحلوا أيضًا.
قوله: ﴿آمِّينَ﴾ بمعنى قاصدين، ﴿الْبَيْتَ﴾ مفعول به لآمين
стр. 16
و ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ هو الكعبة وسماه الله بيتًا لأنه بيت في الواقع، إذ إنه حجرة ذات أركان وسقف، ووصفها الله بالحرام لما لها من الحرمة والتعظيم، ولهذا كان ما حولها محترمًا، حتى الأشجار محترمة في الحرم، مع أن الأشجار جماد، أما الحصى والتراب فغير محترم، ولهذا لك أن تكسر الحصاة، ولك أن تنقل التراب إلى خارج الحرم، بخلاف الأشجار، لكن الأشجار التي لا تنمو كالتي قد يبست وكأغصان انكسرت فهذه ليست حرامًا.
قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ جملة يبتغون في موضع نصب على الحال من "آمّين".
وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أي: يطلبون.
وقولة: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الفضل هنا يشمل الفضل الدنيوي والفضل الأخروي، دليل ذلك قوله ﵎ لما ذكر أحكام الحج قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وهذا فضل الدنيا يشير به إلى من أتى إلى الحج يبيع ويشتري أو يكاري إبله أو سيارته أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أي: رضًا من الله وفيها قراءتان ضم الراء وكسرها (رُضوانًا) و (رِضوانًا).
وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أي: من ربهم، فالرضوان هنا عام فهم يريدون رضوانًا من الله ومن أنبيائه وأوليائه وأصفيائه، لكن الأصل الأصيل أنهم يريدون الفضل من الله .
قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إذا حللتم أي: من الإحرام، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١].
стр. 17
وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ أي: من إحرامكم ﴿فَاصْطَادُوا﴾ والمراد بالإحلال هنا الإحلال الأول الذي يحصل برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق أو التقصير، كما جاءت بذلك السنة أن من رمى وحلق حل له كل شيء إلا النساء (١)، هذا هو المراد بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ وليس المراد إذا حللتم من كل الإحرام.
وقوله: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أصلها فاصتادوا لكن لعلة تصريفية قلبت (التاء) (طاء)، والمعنى: صيدوا الصيد، ولم يقل: فصيدوا؛ لأن الصيد يحتاج إلى عمل وحركة وافتعال، وإن شئت فقل: وانفعال أيضًا، وسيأتينا إن شاء الله تعالى هل الأمر هنا للإباحة أو لرفع النهي، وينظر في حكم الاصطياد الأصلي.
قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ ﴿شَنَآنُ﴾ فيها قراءتان بسكون النون وفتحها، وكذلك "أنْ" في قوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ فيها قراءتان بفتح الهمزة وكسرها، فالشنآن هو البغض.
قوله: ﴿قَوْمٍ﴾ المراد بالقوم هنا وإن كان نكرة أهل مكة، فالنكرة هنا معلومة.
والمعنى على قراءة الكسر أي: لا يحملنكم بغضهم إن
стр. 18
صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وهذا إشارة إلى أنهم سوف يصدونكم عن المسجد الحرام، لكن إن صدوكم فلا تعتدوا.
أما على قراءة الفتح "أَن صدوكم" فتكون الجملة تعليلًا، أي: لا يحملنكم بغضهم من أجل صدهم إياكم أن تعتدوا.
إذًا: يختلف المعنى باختلاف القراءتين، فعلى قراءة كسر الهمزة إخبار عما يتوقع، وعلى قراءة فتح الهمزة إخبار عما وقع، فيكون المعنى الأول: ولا يحملكم بغض هؤلاء إن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وعلى الثانية: ولا يحملكم بغض قوم لكونهم صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.
وقوله: ﴿صَدُّوكُمْ﴾ أي: صرفوكم، وهذا ينطبق تمامًا على ما فعلته قريش في غزوة الحديبية، فإنها صدت النبي ﷺ ، وأحلت شعائر الله، وأحلت الشهر الحرام، والهدي، والقلائد، فكل ما نهى الله عنه في هذه الآية انتهكته قريش، وصدوا أولى الناس بالبيت عن بيت الله .
وقوله: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذي الحرمة والتعظيم، ولا شك أن هذا المسجد له حرمة وعظمة، فإن أول بيت وضع للناس ليتعبدوا الله فيه هو المسجد الحرام، وهو الذي يجب على كل مسلم وجوبًا عينيًّا لا يتم إسلامه إلا به أن يؤمه بحج بالإجماع، أو بحج وعمرة على خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في وجوب العمرة، فهو مسجد حرام.
ووصف بالمسجد إما لأن جميع الأرض مسجد، وأولى أرض تتصف بذلك هي هذه البقعة، أو يقال: إن المراد بالمسجد
стр. 19
الحرام هو مسجد الكعبة الذي اتُّخذ مسجدًا؛ لأنهم صدوهم عن الوصول إليه، وما حول المسجد تابع له، والأصل هو المسجد، ولهذا أجمع العلماء ﵏ على ركنية الطواف في العمرة والحج، فطواف الإفاضة وطواف العمرة مجمع على ركنيتهما وعلى أنه لا يصح الحج والعمرة إلا بهما.
وقوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ هذه متعلقة بقوله: لا يجرمنكم، يعني: لا يحملنكم على العدوان، و"أَنْ" في تاويل مصدر منصوب بنزع الخافض وتقديره: على أن تعتدوا، يعني: لا يحملكم هذا على العدوان.
قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ تعاونوا على وزن (تفاعلوا)، ولا تكون هذه الصيغة إلا من جانبين، فإنك إذا قلت: أعن صاحبك، فطلب الإعانة من جانب واحد، لكن قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ أي: ليعن كل واحد أخاه، ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾: وهو فعل الطاعات: ﴿وَالتَّقْوَى﴾: وهي ترك المحرمات، فإذا استعانك أخوك على عبادة من العبادات فأعنه لتشاركه في الأجر، فإذا قال لك: قَرِّب لي ماء الوضوء؛ فقربه له، وإذا قال لك: اشترِ لي ثوبًا أستر به عورتي في الصلاة؛ اشترِ له، وإذا قال لك: دلني على اتجاه القبلة دله عليها، بل وإن لم يستعنك فأعنه أيضًا.
كذلك تعاونوا على التقوى، أي: على ترك المحرمات، فإذا استعانك إنسان على تكسير المزمار فأعنه، أو استعانك على إراقة خمر فأعنه أيضًا، أو على إتلاف كتب بدع فأعنه، وهلمَّ جرَّا.
قوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ "الإثم" هو المعاصي المتعلقة بحق الله ، و"العدوان": المعاصي المتعلقة بحق
стр. 20
العباد، وإذا أفردت إحداهما عن الأخرى صارت شاملة لمعنى الأخرى، يعني: إذا أطلق الإثم صار شاملًا للعدوان على الناس، ولو أطلق العدوان صار شاملًا للإثم؛ لأن العدوان على حق الله إثم.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لما ذكر هذه الأوامر والنواهي أمر بتقوى الله ، يعني: اتقوا الله أن تخالفوا أمره أو أن تقعوا في نهيه، والتقوى فسرت بعدة تفاسير وأحسنها أن يقال: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وينقص من التقوى بقدر ما نقص من ذلك، فالإنسان الذي عنده معاصي ومآثم لكنها لا تخرجه من الإسلام نقول: إن تقواه ناقصة.
وقد كان بعض السلف إذا قيل له: اتقِ الله؛ ارتعد وربما سقط من مخافة الله ، وأدركنا من الناس من هذه حاله، أي: أنك إذا قلت له: اتقِ الله؛ اضطرب واحمر وجهه وخشع، والآن بالعكس، إذا قلت له: اتقِ الله، قال: ماذا فعلت؟ مع أنه منتهك لحرمات الله ، فالواجب على العبد تقوى الله امتثالًا لأمره تعالى.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الجملة صلتها بما قبلها أنها وعيد لمن لم يتقِ الله، والمعاقبة هي المؤاخذة على الذنب.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: تحريم تحليل الشعائر، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
الفائدة الثانية: أن إحلال شعائر الله وكذلك ما ذكر في الآية نقص في الإيمان، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
стр. 21
الفائدة الثالثة: أن امتثال ما ذكر في الآية من مقتضيات الإيمان التي يزيد بها الإيمان.
الفائدة الرابعة: تعظيم الشعائر؛ لأن الله أضافها إلى نفسه، والمضاف يشرف ويعظم بحسب المضاف إليه.
الفائدة الخامسة: تحريم إحلال الشهر الحرام بالقتال، وكذلك أيضًا بالمعاصي، فإن المعاصي في هذه الأشهر الحرم أعظم من المعاصي في غيرها، أما القتال في الشهر الحرام فاختلف فيه العلماء:
فمنهم من يقول: إنه منسوخ، ومنهم من يقول: إنه محكم وليس بمنسوخ، فالقائلون بانه منسوخ يقولون: إن الرسول ﵊ قاتل في الشهر الحرام (١)، فإنه بعد فتح مكة -أي: في رمضان- خرج إلى هوازن وثقيف وقاتلهم في ذي القعدة، وكذلك كانت غزوة تبوك في الشهر الحرام في محرم، وهذا يدل على أن القتال في الشهر الحرام نسخ تحريمه.
ولكن الصحيح أنه باقٍ، وأنه لا يجوز القتال في الشهر الحرام ابتداءً، أما إذا كان دفاعًا أو امتدادًا لغزوة سابقة فإن ذلك جائز، وعليه تحمل قصة هوازن وتبوك؛ لأن النبي ﷺ إنما غزاهم لأنه قيل له: إنهم قد جمعوا له، فلا بد من الدفاع.
الفائدة السادسة: احترام الهدي وتحريم إحلاله، لقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
الفائدة السابعة: العمل بالقرائن؛ لأن القلائد قرينة على أن
стр. 22
هذا هدي، والعمل بالقرائن جاءت به السنة، بل أشار إليه القرآن، قال الله ﵎: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] وكانت رعته ليلًا وعلم ذلك بآثارها.
كذلك أيضًا: سليمان ﵊ لما تنازعت المرأتان عنده في الولد الذي بقي وهو للصغرى، فطلب سكينًا يشقه بين المرأتين نصفين، فوافقت الكبرى وامتنعت الصغرى، فحكم به للصغرى؛ لأن كونها تأبى أن يشق، هذا يدل على أنها هي الأم وذلك لشفقتها (١).
وكذلك شاهد يوسف ﵇ قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٧].
وكذلك السنة جاءت بالعمل بالقرائن، فإن النبي ﷺ لما فتح خيبر وطلب مال حيي بن أخطب فقال له سَلام بن مِشْكَم: إنه فني، قال: "كيف يفنى، العهد قريب والمال كثير؟ " ثم أمر الزبير بن العوام أن يمسه بعذاب، فلما أحس بالعذاب قال: اصبروا، إني أرى حييًا يطوف حول خربة هناك، فذهبوا إلى الخربة وإذا فيها ذهب عظيم مدفون قيل: إنه ملء جلد الثور (٢)،
стр. 23
لكن لماذا حكم النبي ﵊ بأن المال كثير؟ لأنه لا بد من مال؛ لأن العهد قريب والمال كثير أين يذهب؟
فلا بد من العمل بالقرائن لكن بشرط ألا تكون مجرد تهمة، فإن كانت مجرد تهمة ليس لها أصل فإنه لا يجوز، لأنَّ الأصل البراءة والسلامة.
الفائدة الثامنة: وجوب احترام الحجاج والعمار، لقوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وهذا يفيد أن العدوان عليهم أشد من العدوان على غيرهم.
الفائدة التاسعة: الإشارة إلى الإخلاص لقاصد المسجد الحرام، لقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ وهنا نسأل: من قصد البيت لغير هذا الغرض بأن قصد البيت لزيارة قريب أو لتجارة، أما زيارة القريب فهي مما يبتغى به وجه الله، لكن من قصد البيت لتجارة، هل يدخل في هذا أو لا؟
الجواب: يدخل بلا شك، لكن ذُكِرَ ذلك القيد بناءً على الأغلب، والقيد المبني على الأغلب يقول أهل الأصول: إنه لا مفهوم له، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ ليس قيدًا ولكنه بناءً على الأغلب كقوله تعالى في بنات الزوجات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فإن ابنة الزوجة تحرم على الزوج إذا دخل بأمها وإن لم تكن في حجره، لكن ذكر الحجور بناء على الغالب.
الفائدة العاشرة: أنه يجوز للإنسان أن يعمل العبادة لطلب الأجر والرضا من الله وأن هذا من أعلى المقامات، خلافًا
стр. 24
للصوفية الذين يقولون: اعبد الله لله، فإن عبدته لثوابه فعبادتك ناقصة -قاتلكم الله- أليس الله تعالى امتدح محمدًا ﷺ أصحابه في قوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] ولا شك أن محمدًا صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه هم أعلى الناس مقامًا، ولكن هؤلاء لقصور فهمهم ظنوا أنك لا بد أن تعبد اللهَ لله فقط، نسأل الله العافية، وهذا خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.
الفائدة الحادية عشرة: الإشارة إلى مِنَّة الله على هؤلاء الذين قصدوا البيت الحرام، وجه ذلك لأن إضافة الربوبية إليهم دليل على عنايته ﵎ بهم، واعلم أن الربوبية نوعان: عامة وخاصة، وإليهما الإشارة في قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] فقوله: "رب العالمين"، ربوبية عامة، وقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ ربوبية خاصة، إذًا كون الله تعالى أضاف ربوبيته إليهم إشارة إلى عنايته بهم ، ومن ذلك أن وفقهم للحضور إلى المسجد الحرام.
الفائدة الثانية عشرة: إثبات الرضا لله ، وأنه من أكبر غايات المؤمنين، بل هو أكبر غاياتهم، فالرضا من صفات الله التي يثبتها أهل السنة والجماعة على وجه الحقيقة، يقولون: إن الله يرضى ويكره، ويغضب، ورضاه من صفات كماله ، وهو سبب للثواب، إذا رضي الله عن العبد أثابه، وحمل أهل التعطيل الرضوان على أنه الثواب، وقالوا: إنه مجاز عن الثواب عُبر به لأنه سببه، فهو من التعبير
стр. 25
بالسبب عن المسبب، فيقال: ما المانع أن نثبت الرضا لله ، وقد أثبت الله لنفسه الرضا في القرآن، وأثبته النبي ﷺ في السنة "إن الله يرضى لكم ثلاثًا" (١)، والنصوص في هذا كثيرة، وأجمع عليه سلف الأمة، وطريق إجماعهم أنه لم يرد عنهم ما يخالف ذلك وهم يقرؤون الكتاب والسنة ولم يرد عن واحد منهم أنه فسر الرضا بالثواب، وهذا طريق ينبغي أن يتفطن له الإنسان؛ لأنه قد يقول قائل: ما الدليل على أن السلف أجمعوا على أن الرضا على معناه الحقيقي؟ نقول: الدليل هو أنهم يتلون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بهذا اللفظ ولم يرد عنهم حرف واحد يدل على أنه غير مراد.
فإذا كان الله يرضى، والرضا من صقته، فهل هو من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
الجواب: هو من الصفات الفعلية؛ لأن كل صفة لله تكون لسبب فهي من الصفات الفعلية، إذ إن كونها تقع لسبب يدل على أنها كانت بمشيئة الله، فالرضا صفة فعلية، والغضب صفة فعلية، والنزول صفة فعلية .. وهكذا، فالقاعدة: أن كل صفة من صفات الله تكون لسبب فهي فعلية؛ لأنها قبل وجود السبب غير موجودة.
هذا هو القول الذي ندين الله به، أن الله يرضى ويغضب، ويكره ويحب، حقيقة لا مجازًا، والله أعلم.
стр. 26
الفائدة الثالثة عشرة: أن الإنسان إذا حل من الإحرام فإنه يحل له الصيد، لقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: من الإحرام، وهذا كالمستثنى من قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وهل المراد الحل كله أو بعضه، بينت السنة أن المراد الحل بعضه؛ لأنه إذا حل التحلل الأول جاز له الصيد وجاز له جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وعلى هذا فقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ يكون فيه نوع من الإجمال، بينته السنة.
الفائدة الرابعة عشرة: حل الصيد، وقد بينت السنة أن لحل الصيد شروطًا معروفة في كتب أهل العلم، وقد تقدم ذلك في التفسير.
فإن قال قائل: ذكرتم أن الاصطياد بعد الحل مباح مع أنه أمر كيف يكون ذلك؟
نقول: لأنه إذا ورد الأمر بعد النهي فإنه للإباحة، وهذا الذي عليه أكثر الأصوليين.
وقيل: إن الأمر بعد النهي رفع للنهي، والفرق بين القولين، أننا إذا قلنا إنه للإباحة؛ صار الشيء الذي أمر به مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للنهي عاد حكم الشيء الذي أمر به إلى ما كان عليه قبل النهي، ولكل من القولين وجه.
أما الذين قالوا: إن الأمر بعد النهي للإباحة فقالوا: إنه لما ورد النهي على الإباحة نسخها نهائيًّا، حتى ولو كان النهي عن شيء مستحب فانه ينسخه نهائيًّا، ثم يرد الأمر بعد النهي فيكون معناه الإباحة.
وأما الذين قالوا: إن الأمر بعد النهي رفع للنهي فقالوا: إنه
стр. 27
لما ورد النهي عن الشيء صار منهيًّا عنه، فإذا رفع النهي وجب أن يبقى المنهي عنه على ما كان عليه من قبل، لكن هل نقول: يسن لكل إنسان حل من إحرامه أن يأخذ آلة الصيد من أجل أن يصيد الصيد؟
الجواب: لا، لا أحد يقول بذلك، لكن يباح له ذلك، أما قوله تعالى في الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الجمعة: ١٠] فهذا الأمر يكون للاستحباب؛ لأن طلب الرزق أمر مستحب، وعلى القول الثاني وهو أن الأمر بعد النهي للإباحة يكون مباحًا.
والأقرب ما ذكرناه في نظم القواعد (١) وهو أنه لرفع النهي:
والأمر بعد النهي للحل وفي ... قول لرفع النهي خذ به تفي
فهذا هو الأقرب.
الفائدة الخامسة عشرة: أنه لا يجوز الاعتداء على الغير ولو كان الإنسان مبغضًا له، ولو كان قد صده عن الطاعة، فأما إذا عامله بمثل ما عامله به فهذا لا بأس به، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
الفائدة السادسة عشرة: التحذير من اتباع الهوى وحمل النفس على العدوان عند العداوة والبغضاء؛ لأن العادة والطبيعة أن الإنسان إذا أبغض شخصًا فإنه يعامله بالعدوان والشدة؛ لأن نفسه تحمله على هذا، فحذر الله من ذلك.
стр. 28
الفائدة السابعة عشرة: الإشارة إلى ما وقع من قريش في غزوة الحديبية، لقوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والآية فيها قراءتان كما تقدم أَن ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ وهذه القراءة لا إشكال فيها لأن ﴿أَنْ﴾ هنا للتعليل، يعني: لا يحملكم بغضهم من أجل صدكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، لكن الذي فيه إشكال هو قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ فيقال: هذا شرط والشرط يكون للمستقبل.
فيقال في الجواب عن ذلك: إن معنى الآية إن تكرر صدهم إياكم، أو إن فرض أن يصدوكم فلا تعتدوا.
الفائدة الثامنة عشرة: إثبات حرمة المسجد الحرام لقوله: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أن قول النبي ﷺ في تضعيف الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف يشمل جميع حدود الحرم؛ أي: كل ما كان داخلًا في حدود الحرم، ولكن هذا الاستدلال فيه نظر:
أولًا: أننا لا نسلم أن المراد بالمسجد الحرام هنا ما كان داخل حدود الحرم؛ لأننا لو سألنا: ماذا أراد رسول الله ﷺ ومن معه هل أرادوا أن يدخلوا إلى حدود الحرم فقط، أو أن يَصِلوا إلى مسجد الكعبة؟
الجواب: الثاني بلا شك، فيكون المعنى أنه ذكر أعلى ما يصدونهم عنه وهو الوصول إلى المسجد الذي فيه الكعبة.
ثانيًا: أن نقول: ما دام هناك دليل صريح واضح عن الرسول ﵊ أن المراد بما فيه التضعيف هو
стр. 29
مسجد الكعبة كما في صحيح مسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة" (١)، فما دام عندنا دليل صريح في هذا فلا حاجة إلى أن نتأول النصوص على ما فهمناه.
الفائدة التاسعة عشرة: وجوب التعاون على البر والتقوى، لقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وهل هذا متوقف على استعانة الغير بك أو مطلقًا؟
الجواب: الآية عامة، سواء طلب منك المعونة أم لا، فيجب عليك أن تعينه على البر والتقوى.
الفائدة العشرون: الحث على البر والتقوى، وجه ذلك: لأنه إذا أمر بالتعاون عليه فالأمر به من باب أولى، يعني: أمرنا بالتعاون على البر ففعل البر من باب أولى.
الفائدة الحادية والعشرون: النهي عن التعاون على الإثم والعدوان، لقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وسواء طلب منك المعونة أم لا، فلا تعن على الإثم والعدوان.
لكن هل من المعونة على الإثم والعدوان أن يؤجر الإنسان بيته لمن يصنع فيه الخمر؟ الجواب: نعم.
وهل من المعونة أن يبيع التلفزيون على من يستعمله في المحرمات؟ الجواب: نعم. وهذه قاعدة عامة ولها فروع كثيرة جدًّا.
الفائدة الثانية والعشرون: وجوب تقوى الله ، وأن
стр. 30
مخالفة ما ذكر مناقض التقوى الله، لقوله بعد أن أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الفائدة الثالثة والعشرون: شدة عقاب الله والتحذير من مخالفته لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
قوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ هذا فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله، والفاعل هو الله ، فحذف الفاعل للعلم به، فإن قال قائل: قال الله تعالى في هذه الآية: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وفي سورة البقرة والنحل قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣ - النحل: ١١٥] فنسب التحريم إلى الله صراحة، فلماذا اختلف التعبير؟
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن بلاغة القرآن لا يمكن أن يدركها كل الناس؛ لأنها كلام الله ، والله تعالى لا نحيط به علمًا، لا في ذاته ولا في صفاته، فبلاغة القرآن أعظم من أن تدركها عقولنا، وعلى هذا الجواب يجب الإمساك عن مثل هذه الأمور، ونقول: هذا أمر فوق عقولنا، وبذلك يمسك كل مؤمن عن محاولة التكلف في معرفة الفرق.
стр. 31
أما الوجه الثاني: فيمكن أن يقال: في البقرة والنحل قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ لأنه بصيغة الحصر في أمور أربعة، فكأنه قال: ما حَرم إلا هذا خلافًا لما حرمتم أنتم في الجاهلية، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] فقال: ما حرم إلا هذا إظهارًا لفضله وأنه لم يحرم إلا أربعة أصناف فقط من الطيبات، وهذا الذي حرمه الله ليس بطيب.
قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ هذا بيان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] قوله: ﴿الْمَيْتَةُ﴾ "أل" هنا لبيان الحقيقة، يعني: كل ميتة فهي حرام، والميتة هي ما مات حتف أنفه أو ذكي على وجه غير شرعي، وقولنا: (ما مات حتف أنفه) يعني بدون فعل فاعل أو بفعل فاعل لكن لا على الوجه الشرعي، مثاله: إذا مرضت البهيمة وماتت نقول: هذه ماتت حتف أنفها، وإذا دق عنقها شخص فماتت نقول: هذه ذكاة غير شرعية.
لكن يستثنى من الميتة ميتة البحر فإنها ليست بحرام، لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] قال عبد الله بن عباس ﵄: "صيده ما أخذ حيًّا، وطعامه ما أخذ ميتًا"، كما في قصة السرية الذين وجدوا العنبر وأقرهم النبي ﵊ على أكلها (١)، وكذلك يستثنى الجراد كما في حديث عبد الله بن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما
стр. 32
الميتتان فالجراد والحوت" (١) وهذا الحديث أعله بعض العلماء بضعفه مرفوعًا، وهذه العلة معلولة؛ لأننا إذا قلنا: إنه غير مرفوع فهو موقوف في حكم المرفوع؛ لأن ابن عمر لا يمكن أن يقول: أحل لنا إلا وقد سمعه من الرسول ﵊.
والجراد ليس بحريًّا بل لا يعيش إلا في البر، لكنَّ ميتته حلال:
أولًا: لأن الإلزام بتذكيته إلزام بما لا يمكن، مَنْ يستطيع أن يمسك كل جرادة ويذبحها؟
وثانيًا: أنه ليس فيها دم يحتاج إلى استخراجه؛ فلذلك أحلت، لكن هل يلزم من تحريم الميتة أن تكون نجسة؟
نقول: لا يلزم، لكن هناك دليل على نجاستها وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي: ما ذكر.
إذًا يستثنى من الميتات الجراد وميتة البحر.
لو قال قائل: هل يشرع للمضطر أن يستغفر بعد أن يأكل من الميتة؟
الجواب: لا يشرع له، بل يشرع له أن يحمد الله "إن الله ليرضى على العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة ويحمده عليها" (٢).
стр. 33
قوله: ﴿وَالدَّمُ﴾ الدم هنا مطلق و"أل" فيه لبيان الحقيقة، ولكنه قُيد في سورة الأنعام بالدم المسفوح، احترازًا من الدم الذي يبقى في العروق بعد التذكية فإنه ليس بحرام؛ لأنه لا يمكن أن تأخذ العرق وتمصه بعد أن يذكى، فالحرام هو الدم المسفوح الذي يخرج عند الذكاة أو يخرج عند فصد العرق أو ما أشبه ذلك، وكانوا في الجاهلية يأكلون الميتات ولا يبالون بها، ويقولون: كيف تحرمون ما قتله الله ولا تحرمون ما قتلتموه، يعني: بالذكاة، وكانوا أيضًا يأكلون الدم المسفوح، يَفصد الإنسان عرق ناقته ويمصه، فحرمه الله .
وعلى هذا فالكبد لا تحرم، والطحال لا يحرم، والكلى لا تحرم، والدم الذي يكون في القلب لا يحرم، والدم الذي يبقى في العروق لا يحرم؛ لأن الدم قيده الله بالمسفوح.
قوله: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ لحم الخنزير حرام، والخنزير معروف، حيوان خبيث من شأنه أن يأكل القاذورات والحشرات وما أشبهها، وهو أيضًا معروف بعدم الغيرة، والذي يتغذى به يكتسب من طبيعته، ولهذا "نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" (١) لأن ذوات الأنياب والمخالب من طبيعتها الاعتداء، وأن تفترس غيرها، فلذلك نهى عنها لئلا يتأثر الإنسان بغذائه منها.
قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الإهلال في الأصل رفع
стр. 34
الصوت، والمراد به هنا ما ذكر اسم غير الله عليه، مثل أن يقول: باسم المسيح، باسم عزير، باسم الرئيس الفلاني، باسم الولي الفلاني، باسم النبي، باسم جبريل، أو بأي اسم، فإذا ذبح على اسمٍ غيرَ اسمِ الله فإنه حرام.
قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ المنخنقة بنفسها والمخنوقة بفعل فاعل، المنخنقة بنفسها مثل: أن تجر الحبل، أي: القلادة التي في رقبتها ثم تضيق عليها حتى تنخنق، أو كما قال بعض السلف: تدخل رأسها بين غصنين من أغصان الشجرة ثم تعجز عن إخراجه فتنخنق، والصحيح أنه يشمل المختنقة والمنخنقة، المختنقة بفعل فاعل يعني: كما لو أن إنسانًا أمسكها وضم رقبتها حتى ماتت فالصحيح أنها تدخل في المنخنقة وإن كانت تسمى مختنقة.
إذًا: المنخنقة هي الميتة بالخنق سواء بفعل نفسها أو بفعل فاعل.
قوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ من الوقذ وهو الضرب الشديد حتى تموت، مثاله: يأتي إنسان فيضرب البهيمة ضربًا شديدًا فتموت إما بعصا وإما بحجر وإما بحبل أو بغير ذلك، هذه أيضًا لا تحل لأنها موقوذة، وكذلك البهيمة إذا صدمتها سيارة تعد من الموقوذة وليست من النطيحة؛ لأن صاحب السيارة لا يريد أن يناطح.
قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الساقطة من عالٍ، سواء كان عاليًا من فوق أو عاليًا من أسفل، فالمتردية من الجبل متردية من فوق، والمتردية من فم البئر إلى أسفله متردية من أسفل، فالمتردية حرام؛ لأنها ماتت بغير ذكاة شرعية.
قوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ فعيلة بمعنى مفعولة، أي: المنطوحة،
стр. 35
وهي التي تناطحت مع أختها حتى قتلتها؛ لأن هذا الموت ليس بفعل فاعل ممن تصح ذكاتهم.
قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ما أكل السبع كالذئب والكلب والأسد وما أشبه ذلك، فالمراد بالسبع هنا كل ما يعتدي على البهائم ويأكلها.
إذا قال قائل: ما أكله السبع كيف يُستخرج من بطنه؟
يقال: المعنى ما قتله ليأكله، أو ما شرع في أكله، ولهذا قال بعض العلماء: إذا قطع السبع الأوداج، أو الأوداج والحلقوم والمريء على رأي، أو قطع حشوته، أي: أمعاءه ومعدته فهذا في حكم الميت لا تنفع فيه التذكية، وهذا فيه نظر؛ لأن الآية عامة ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عد الله من المحرمات: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، هذه تسعة، والعاشرة: وما ذبح على النصب. وهل الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يعود على التسعة كلها أو على بعضها؟
الجواب: على بعضها قطعًا؛ لأن الميتة لا يمكن أن تذكى؛ لأنها قد ماتت وانتهت، ولحم الخنزير كذلك لا يمكن أن تحله الذكاة؛ لأنه محرم لنوعه لا للقصور في سبب موته، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيضًا لا يمكن أن تحله الذكاة، اللهم إلا أن يدركه قبل موته إنسانٌ غَيْرَ الذي ذَكَرَ اسمَ غَيْرِ اللهِ عليه فيذكيه الذكاة الشرعية، مثل أن نسمع إنسانًا يذبح شاة يقول: باسم المسيح، ثم ذكاها وانصرف وأدركنا ذكاته قبل أن تموت فهذا
стр. 36
يدخل في الآية، لكن إذا كان قد قطع الأوداج فإنه يعتبر في حكم الميت، فلا يمكن أن تأتي عليه الذكاة.
إذًا: يبتدئ الاستثناء من قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وهذه الأوصاف أوصاف لسبب الموت وعددها خمس. فالنطيحة ربما تدركها قبل أن تموت، والمتردية كذلك، وما أكل السبع كذلك، والموقوذة كذلك، يمكن أن تدركها قبل أن تموت.
فاذا قال قائل: بماذا تكون تذكية هذه الأشياء التي أصابها سبب الموت؟
الجواب: تكون التذكية بقطع الحلقوم والمريء، أو بقطع الودجين، أو بقطع ثلاثة من أربعة، أو بقطع الأربعة، على خلاف بين العلماء، وأرجح الأقوال أن التذكية تحصل بقطع الودجين، وأن من كمالها قطع الحلقوم والمريء أيضًا: فما هما الودجان؟
هما العروق الغليظة المحيطة بالحلقوم، تسمى في مصر بالودجين، وتسمى عندنا جلاميد، وفي بعض المناطق تسمى الوردان، وأقرب ما يكون للقرآن أنها الوردان وإلا فاللغة واسعة، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
الحاصل: أنه إذا أدركها وقطع أوداجها قبل أن تموت فهذه التذكية، لكن ما علامة الموت؟ هل لا بد أن تتحرك بيدها أو رجلها أو عينها أو أذنها أو ذنبها، أو لا تشترط لها الحركة؟
أكثر العلماء يقولون: لا بد أن تتحرك؛ لأنك إذا ذبحتها ولم تتحرك فمعنى ذلك أنها ماتت، وقال شيخ الإسلام ﵀: علامة الحياة أن يخرج منها الدم السائل المسفوح الحار الأحمر؛
стр. 37
لأن الحيوان إذا مات انقلب دمه إلى أسود، وانتقل من الحرارة إلى البرودة، وأيضًا تجلط الدم، أي: لا يسيل كما يسيل عند ذبحه، فيقول ﵀: إنه إذا خرج منها الدم الأحمر الحار الذي يسيل فإنها تحل سواء تحركت أم لم تتحرك؛ لأنها قد لا تتحرك لشدة ما نزل بها، قد يكون أغمي عليها مثلًا فلا تتحرك، لا بعينها ولا برجلها ولا بذنبها، وما ذهب إليه الشيخ ﵀ هو الصحيح، أنه متى خرج منها الدم الأحمر الحار الجاري فهي مذكاة.
قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: ما ذبح على الأصنام، وكانوا يذبحون على الأصنام تقربًا لها، وهذا شرك، حتى لو ذبحوها لله لكن اعتقدوا أن هذا المكان أفضل، وأما قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى، مثل أن يقول: باسم المسيح أو باسم المَلِك أو باسم الوزير فهذا حرام حتى ولو كان لغير العبادة، وسواء كان هذا أمام الصنم أو غائبًا عن الصنم، أما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي: ما ذبح على الصنم، وذلك بأن يكون الصنم بين يديه ويذبح لهذا الصنم فهو قول لا فعل.
قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أي: حرم عليكم أن تستقسموا بالأزلام، وجه الصلة بين هذه المسألة وما قبلها ظاهر؛ لأن الاستقسام بالأزلام يريد به المستقسم أن يصل إلى ما هو خير له، وكذلك في هذه المطعومات يريد أن يتناول ما هو خير له.
ومعنى الاستقسام بالأزلام: طلب القَسْم، يعني: طلب ما يقسم الله لك، فهو يشبه في الدين الإسلامي الاستخارة، وكانوا
стр. 38
في الجاهلية إذا أراد أحدهم الأمر ولم يتبين له وجه الصواب استقسم بالأزلام، والأزلام جمع زلم وهي الأقداح، التي يستقسم بها فيكتب على أحدها افْعَل وعلى الثاني لا تفعل، والثالث لا يكتب عليه شيء، ثم يضعها في كيس أو نحوه ويخلط بينها ثم يُخرِجُ واحدًا منها، فإن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج الثالث أعاد، وهم إنما يجعلون الثالث الذي ليس فيه افعل ولا تفعل من أجل أن يطول الاستقسام؛ لأنهما لو كانا قدحين لخرج من أول مرة، لكن يجعلون الثالث من أجل أن يتأخر الاستقسام لعلهم يرجحون شيئًا على آخر.
قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه كل ما سبق، أو الاستقسام بالأزلام؟ القاعدة: أنه إذا أمكن أن يعود اسم الإشارة أو الضمير إلى كل ما سبق فمحمول عليه.
وقوله: ﴿فِسْقٌ﴾ الفسق معناه الخروج عن الطاعة، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها، كذلك الخارج عن الطاعة فاسق لأنه خارج عما يجب أن يكون عليه.
قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ "أل" هنا للعهد الحضوري، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني الذي نزلت فيه هذه الآية، واعلم أن "أل" العهدية تأتي للعهد الحضوري وتقدم، وتأتي للعهد الذهني أي: المعلوم في الذهن، مثاله تقول: ذهبت مع خصمي إلى القاضي، فالمراد بالقاضي هنا هو الذي يحكم بين الناس، وأما العهد الذكري فإن "أل" تشير فيه إلى مذكور مثاله قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦].
стр. 39
وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، يعني: يئسوا من أن يغيروه أو يبدلوه؛ لأن الدين الإسلامي والحمد لله قد انتشر وبان وظهر.
قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ فلا داعي للخشية الآن، ما دام دينكم قد ظهر ويئس هؤلاء الكفار من أن يقضوا عليه فلا تخشوهم واخشون، "والخشية" هي: الخوف الناتج عن علم، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال أهل العلم: الفرق بين الخشية والخوف: أن الخشية تكون عن علم، والخوف لا يلزم أن يكون عن علم.
ثانيًا: أن الخشية تكون من عِظَمِ المخشي وإن كان الخاشي قويًّا، لكن المخشي يكون أقوى منه، والخوف لا يدل على عظم المخوف، وإنما يدل على ضعف الخائف أمام من يخاف منه وإن لم يكن قويًّا، وهذا فرق واضح، فالطفل الذي له أربع سنوات يخاف من الطفل الذي له ثمان سنوات مع أن الثاني ضعيف، لكن الذي يخشى من ملك أو صاحب سلطان قوي هذا يقال: إنه خاشي.
قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: جعلته كاملًا، وليس المعنى أنني أتممت شرائعه؛ لأنه نزل بعد هذه الآية شيء من الشرائع، فالمعنى أن الدين كامل ولا يعني ذلك أنه تام، ولهذا فرق فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.
لو قال قائل: هذا يصدق من أول يوم نزل فيه الشرع؟
الجواب: لا؛ لأن الشرائع لم تتكامل من أول يوم نزل فيه
стр. 40
الشرع، ولا يمكن أن يقول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولم ينزل إلا الجزء اليسير.
وقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: ما تدينون الله به من العبادة.
قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ التي هي إكمال الدين وهي أكبر النعم، ومعنى إتمامها أي: ليس فيها نقص.
قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: رضيت لكم الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ دينًا تدينون الله به فلا تتخذوا دينًا سواه.
ثم قال بعد أن ذكر هذه النعم العظيمة علينا -قال عَوْدًا على ما ابتدأ في الآية- قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ ﴿اضْطُرَّ﴾ فيها قراءتان "فمنِ اضطر" بكسرالنون لالتقاء الساكنين، والقراءة الثانية "فمنُ اضطر" بضم النون لمناسبة الضمة للفعل؛ لأن الضمة تناسب الطاء المضمومة فقد تكون أيسر في النطق، فاضطر، بمعنى: أصابته الضرورة، وأصلها اضتر، فقلبت التاء طاءً لعلة تصريفية معروفة في علم الصرف.
وقوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ المخمصة المجاعة، ويدل لذلك قول الرسول ﵊: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكمٍ كما يرزق الطير تغدو خماصًا -أي: تذهب في الصباح خماصًا؛ أي: جائعة- وتروح بطانًا (١).