يدخل في الآية، لكن إذا كان قد قطع الأوداج فإنه يعتبر في حكم الميت، فلا يمكن أن تأتي عليه الذكاة.
إذًا: يبتدئ الاستثناء من قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وهذه الأوصاف أوصاف لسبب الموت وعددها خمس. فالنطيحة ربما تدركها قبل أن تموت، والمتردية كذلك، وما أكل السبع كذلك، والموقوذة كذلك، يمكن أن تدركها قبل أن تموت.
فاذا قال قائل: بماذا تكون تذكية هذه الأشياء التي أصابها سبب الموت؟
الجواب: تكون التذكية بقطع الحلقوم والمريء، أو بقطع الودجين، أو بقطع ثلاثة من أربعة، أو بقطع الأربعة، على خلاف بين العلماء، وأرجح الأقوال أن التذكية تحصل بقطع الودجين، وأن من كمالها قطع الحلقوم والمريء أيضًا: فما هما الودجان؟
هما العروق الغليظة المحيطة بالحلقوم، تسمى في مصر بالودجين، وتسمى عندنا جلاميد، وفي بعض المناطق تسمى الوردان، وأقرب ما يكون للقرآن أنها الوردان وإلا فاللغة واسعة، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
الحاصل: أنه إذا أدركها وقطع أوداجها قبل أن تموت فهذه التذكية، لكن ما علامة الموت؟ هل لا بد أن تتحرك بيدها أو رجلها أو عينها أو أذنها أو ذنبها، أو لا تشترط لها الحركة؟
أكثر العلماء يقولون: لا بد أن تتحرك؛ لأنك إذا ذبحتها ولم تتحرك فمعنى ذلك أنها ماتت، وقال شيخ الإسلام ﵀: علامة الحياة أن يخرج منها الدم السائل المسفوح الحار الأحمر؛
стр. 37
لأن الحيوان إذا مات انقلب دمه إلى أسود، وانتقل من الحرارة إلى البرودة، وأيضًا تجلط الدم، أي: لا يسيل كما يسيل عند ذبحه، فيقول ﵀: إنه إذا خرج منها الدم الأحمر الحار الذي يسيل فإنها تحل سواء تحركت أم لم تتحرك؛ لأنها قد لا تتحرك لشدة ما نزل بها، قد يكون أغمي عليها مثلًا فلا تتحرك، لا بعينها ولا برجلها ولا بذنبها، وما ذهب إليه الشيخ ﵀ هو الصحيح، أنه متى خرج منها الدم الأحمر الحار الجاري فهي مذكاة.
قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: ما ذبح على الأصنام، وكانوا يذبحون على الأصنام تقربًا لها، وهذا شرك، حتى لو ذبحوها لله لكن اعتقدوا أن هذا المكان أفضل، وأما قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى، مثل أن يقول: باسم المسيح أو باسم المَلِك أو باسم الوزير فهذا حرام حتى ولو كان لغير العبادة، وسواء كان هذا أمام الصنم أو غائبًا عن الصنم، أما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي: ما ذبح على الصنم، وذلك بأن يكون الصنم بين يديه ويذبح لهذا الصنم فهو قول لا فعل.
قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أي: حرم عليكم أن تستقسموا بالأزلام، وجه الصلة بين هذه المسألة وما قبلها ظاهر؛ لأن الاستقسام بالأزلام يريد به المستقسم أن يصل إلى ما هو خير له، وكذلك في هذه المطعومات يريد أن يتناول ما هو خير له.
ومعنى الاستقسام بالأزلام: طلب القَسْم، يعني: طلب ما يقسم الله لك، فهو يشبه في الدين الإسلامي الاستخارة، وكانوا
стр. 38
في الجاهلية إذا أراد أحدهم الأمر ولم يتبين له وجه الصواب استقسم بالأزلام، والأزلام جمع زلم وهي الأقداح، التي يستقسم بها فيكتب على أحدها افْعَل وعلى الثاني لا تفعل، والثالث لا يكتب عليه شيء، ثم يضعها في كيس أو نحوه ويخلط بينها ثم يُخرِجُ واحدًا منها، فإن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج الثالث أعاد، وهم إنما يجعلون الثالث الذي ليس فيه افعل ولا تفعل من أجل أن يطول الاستقسام؛ لأنهما لو كانا قدحين لخرج من أول مرة، لكن يجعلون الثالث من أجل أن يتأخر الاستقسام لعلهم يرجحون شيئًا على آخر.
قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه كل ما سبق، أو الاستقسام بالأزلام؟ القاعدة: أنه إذا أمكن أن يعود اسم الإشارة أو الضمير إلى كل ما سبق فمحمول عليه.
وقوله: ﴿فِسْقٌ﴾ الفسق معناه الخروج عن الطاعة، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها، كذلك الخارج عن الطاعة فاسق لأنه خارج عما يجب أن يكون عليه.
قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ "أل" هنا للعهد الحضوري، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني الذي نزلت فيه هذه الآية، واعلم أن "أل" العهدية تأتي للعهد الحضوري وتقدم، وتأتي للعهد الذهني أي: المعلوم في الذهن، مثاله تقول: ذهبت مع خصمي إلى القاضي، فالمراد بالقاضي هنا هو الذي يحكم بين الناس، وأما العهد الذكري فإن "أل" تشير فيه إلى مذكور مثاله قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦].
стр. 39
وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، يعني: يئسوا من أن يغيروه أو يبدلوه؛ لأن الدين الإسلامي والحمد لله قد انتشر وبان وظهر.
قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ فلا داعي للخشية الآن، ما دام دينكم قد ظهر ويئس هؤلاء الكفار من أن يقضوا عليه فلا تخشوهم واخشون، "والخشية" هي: الخوف الناتج عن علم، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال أهل العلم: الفرق بين الخشية والخوف: أن الخشية تكون عن علم، والخوف لا يلزم أن يكون عن علم.
ثانيًا: أن الخشية تكون من عِظَمِ المخشي وإن كان الخاشي قويًّا، لكن المخشي يكون أقوى منه، والخوف لا يدل على عظم المخوف، وإنما يدل على ضعف الخائف أمام من يخاف منه وإن لم يكن قويًّا، وهذا فرق واضح، فالطفل الذي له أربع سنوات يخاف من الطفل الذي له ثمان سنوات مع أن الثاني ضعيف، لكن الذي يخشى من ملك أو صاحب سلطان قوي هذا يقال: إنه خاشي.
قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: جعلته كاملًا، وليس المعنى أنني أتممت شرائعه؛ لأنه نزل بعد هذه الآية شيء من الشرائع، فالمعنى أن الدين كامل ولا يعني ذلك أنه تام، ولهذا فرق فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.
لو قال قائل: هذا يصدق من أول يوم نزل فيه الشرع؟
الجواب: لا؛ لأن الشرائع لم تتكامل من أول يوم نزل فيه
стр. 40
الشرع، ولا يمكن أن يقول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولم ينزل إلا الجزء اليسير.
وقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: ما تدينون الله به من العبادة.
قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ التي هي إكمال الدين وهي أكبر النعم، ومعنى إتمامها أي: ليس فيها نقص.
قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: رضيت لكم الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ دينًا تدينون الله به فلا تتخذوا دينًا سواه.
ثم قال بعد أن ذكر هذه النعم العظيمة علينا -قال عَوْدًا على ما ابتدأ في الآية- قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ ﴿اضْطُرَّ﴾ فيها قراءتان "فمنِ اضطر" بكسرالنون لالتقاء الساكنين، والقراءة الثانية "فمنُ اضطر" بضم النون لمناسبة الضمة للفعل؛ لأن الضمة تناسب الطاء المضمومة فقد تكون أيسر في النطق، فاضطر، بمعنى: أصابته الضرورة، وأصلها اضتر، فقلبت التاء طاءً لعلة تصريفية معروفة في علم الصرف.
وقوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ المخمصة المجاعة، ويدل لذلك قول الرسول ﵊: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكمٍ كما يرزق الطير تغدو خماصًا -أي: تذهب في الصباح خماصًا؛ أي: جائعة- وتروح بطانًا (١).
стр. 41
وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: غير مائل لإثم ولا مريد له، لكن للضرورة أكل من هذه المحرمات.
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ يفسر قوله في الآيتين السابقتين: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: غير مريد لهذه المحرمات بل ألجأته الضرورة لها، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: معتدٍ يريد الإثم، فمنهم من قال: غير باغ ولا عاد تفسره آية المائدة، وآية المائدة من آخر ما نزل، فيكون غير باغٍ لأكل الميتة ولا عادٍ بأن يأكل أكثر من ضرورته، وهذا تفسير مطابق للآيات الأخرى، وبعضهم قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: الذين يخرجون على الإمام ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: ولا عاصٍ في سفره، ولكن هذا المعنى بعيد جدًّا، ولهذا قالوا: من كان عاصيًا في سفره واضطر إلى أكل الميتة لا يأكلها وإن مات؛ لأنهم يشترطون أن يكون السفر مباحًا، والصحيح خلاف ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ تطابق تمامًا قوله تعالى: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾.
واعلم أن المحرم للضرورة لا يحل إلا بشرطين:
الأول: ألا يوجد ما يدفع به الضرورة غير هذا المحرم.
الثاني: أن تزول ضرورته وإنما اشترطنا هذا لئلا يقول قائل: يجوز التداوي بالمحرم؛ لأنه غير ملجأ للتداوي بالمحرم لأنه قد يزول مرضه بدواء آخر، وقد يزول مرضه بدون دواء، وكم من إنسان وصل إلى أدنى حالة من المرض ثم يشفيه الله دون أي سبب، والشرط الثاني: ألا تزول ضرورته إلا بهذا الدواء، فإنه قد يتداوى الإنسان ولا يشفى بخلاف من أكل محرمًا
стр. 42
للجوع، فالإنسان إذا لم يجد إلا الميتة ولا يمكن أن تزول ضرورته إلا بأكلها، وإذا أكل زالت ضرورته لأن المعدة قد امتلأت.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر له ويرحمه، فغفر له الذنب بتناول هذا المحرم ورحمه بإباحته له.
لو قال قائل: إذا كان إنسان في سفر واضطر إلى الأكل ومعه صاحب له يستطيع أن يذكيه ويأكله، هل يجوز له ذلك؛ لأنه مضطر؟
الجواب: إذا كان حيًّا لا يجوز، هذا بالإجماع؛ أي: لا يجوز أن تقتل إنسانًا لتحيي نفسك، لكن إذا كان ميتًا، فالمشهور عندنا في مذهب الحنابلة أنه لا يجوز أكله، لقول النبي ﷺ : "كسر عظم الميت ككسره حيًّا" (١) ولو أدى ذلك إلى موته نقول: لِيَمُت وهذا أجله، وذهب بعض العلماء وهو مذهب الشافعي: أنه يجوز للحي أن يأكل الميت عند الضرورة، وعللوا ذلك بأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: تحريم ما ذكر من أنواع البهائم، لقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾.
стр. 43
الفائدة الثانية: حكمة الله فيما أحل لنا من الحلال وما حرم علينا من الحرام؛ لأنه ثبت طبًّا أن هذه الأشياء المحرمة ضارة، ولأجل ضررها حرمها الله.
الفائدة الثالثة والرابعة: تحريم الميتة إلا ما استثني، وتحريم الدم إلا ما استثني.
الفائدة الخامسة والسادسة: تحريم لحم الخنزير، وهل يلحق بذلك شحمه؟
الجواب: نعم بالإجماع، حتى الظاهرية يقولون: إن شحم الخنزير حرام؛ لأن اللحم عند الإطلاق يشمل جميع أجزاء البهيمة، أما لو قيل: لحم وشحم فإنه يفرق بينهما، فإذا قيل: لحم الإبل أو لحم الضأن أو لحم البقر أو لحم الخنزير صار شاملًا للجميع.
ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة أخرى وهي: أن لحم الإبل ينقض الوضوء، سواء كان اللحم الأحمر أو الأبيض أو من الأمعاء أو من الكرش، أو من أي جزء من أجزاء البدن، وهذا هو القول الراجح.
الفائدة السابعة: تعظيم الشرك، وأنه يؤثر حتى على المأكولات، لقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
الفائدة الثامنة: تحريم ما أهل لغير الله به سواء أهل باسم ملك أو نبي أو رئيس أو وطن أو غير ذلك؛ لعموم قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
الفائدة التاسعة: تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع.
стр. 44
الفائدة العاشرة: أن ما أدرك حيًّا ولم يمت من هذه الأشياء فإنه يكون حلالًا، لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وسبق في التفسير متى يدرك وهل لا بد من حركته بيده أو رجله أو ذنبه أو عينه؟ وبينَّا أن القول الراجح أنه: إذا خرج منه الدم الأحمر السيال فهو حي.
الفائدة الحادية عشرة: تأثير النية في العمل، لقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي: للأصنام فإنه يكون حرامًا حتى ولو ذى اسم الله عليه، وذلك لتأثير النية وأن النية تؤثر حتى في حل الشيء وتحريمه.
الفائدة الثانية عشرة: تحريم الاستقسام بالأزلام، وهل يدخل في ذلك الاستقسام بغيرها؟
الجواب: نعم؛ لأنه مبني على وَهْمِ وليس على حقيقة، لكنَّ الله أبدل العباد بالاستخارة، وأما الاستقسام بأي شيء فإنه لا يجوز، فلو أراد إنسان أن يستقسم فقال: إن ظهر على رجل بالغ سافرت، وإن ظهر عليّ صبي صغير لم أسافر، وما أشبه ذلك من الاستقسامات فهذا حرام ولا يجوز.
لو قال قائل: ما الفرق بين الاستقسام والتطير والقرعة؟
التطير يحصل بغير إرادة الإنسان، وأما الاستقسام بالأزلام فيحصل بفعل الإنسان، مثال التطير: إذا رأى طيرًا اتجه عند طيرانه إلى جهة اليمين أو اليسار تطير، وعزم على الفعل أو على الترك، لكن الاستقسام يكون من فعله هو نفسه.
مثاله: اختلف صديقان هل يذهبان أم لا، وعندهم قطعة نقود حديدية فقالا: إن خرج هذا الوجه من العملة ذهبنا وإلا فلا، هذا من الاستقسام، فالمستقسم هو الذي جعل هذا الشيء سببًا، ففرق بين ما يُفعل بلا قصد وبين ما يفعل بقصد.
стр. 45
وأما القرعة فتكون في حق من الحقوق لا في الإيرادات، والمضي والرجوع.
الفائدة الثالثة عشرة: الإشارة إلى أن الاستقسام بالأزلام فسق، والغرض من ذلك التنفير منه.
الفائدة الرابعة عشرة: أن من استقسم بالأزلام سقطت ولايته وإمامته وعدالته؛ لأن الفاسق تسقط ولايته ولا يؤم ولا يكون عدلًا، فكل ما تشترط فيه العدالة فإن من استقسم بالأزلام لا يتولاه، لكن في مسألة الإمامة على القول الراجح لا بأس أن نصلي خلف إمام فاسق، لكن عندما نريد أن نقدم من يصلي لا نقدم إنسانًا فاسقًا، لكن لنفرض أنه قد جمعك الحضور بين رجل حالق اللحية ورجل آخر غير حالق اللحية وأنت أيضًا غير حالق اللحية، فتقدم الحالق، هل من الحكمة أن تقول: تأخر؟
الجواب: لا، لما في ذلك من الشر والفساد، إلا إذا علمت أنك إذا فعلت فإنه سوف يتوب ويقلع فنعم، وإلا فلا تفعل، صلِّ وراءه، وفسقه على نفسه.
الفائدة الخامسة عشرة: أن المشركين أيسوا من تغيير الناس عن دينهم، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ونظير هذا قول النبي ﷺ : "إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب" (١).
ويرد على هذا إشكال وهو أن الشرك وقع، فيقال: إن هذا
стр. 46
خبر عما كان في نفوس هؤلاء الكفار ولا يلزم أن يقع ما كان في نفوسهم بل قد تتغير الحال.
الفائدة السادسة عشرة: تحريم خشية الكفار التي يترتب عليها المداهنة في دين الله، لقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾.
الفائدة السابعة عشرة: بيان نعمة الله على هذه الأمة -وله الحمد والمنة- بإكمال الدين لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
الفائدة الثامنة عشرة: شرف ذلك اليوم الذي أُكمل فيه الدين؛ لأنه لولا ذلك لم يكن لقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فائدة، لكن فيه الإشارة إلى شرف ذلك اليوم، ولكن هل نُشَرِّفُ ذلك اليوم بما لم يشرفه الله؟
الجواب: لا، ولكننا نقتصر على ما جاء في شرفه، ولهذا لما قال أحد اليهود لعمر بن الخطاب ﵁: إن الله أنزل آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، وتلا الآية، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال عمر ﵁: إني أعلم متى نزلت على رسول الله ﷺ ، وذكر أنها نزلت يوم الجمعة في يوم عرفة (١)، ولكن الشأن كل الشأن أن لا نعظم ذلك اليوم بأكثر مما جاء، وإنما قلت ذلك درءًا لقول من قال: إنه ينبغي أن نشرف اليوم الذي ولد فيه الرسول ﵊، لأن النبي ﷺ لما سئل عن صوم يوم الاثنين قال: "ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه
стр. 47
أو أنزل عليّ فيه" (١) قال: فكونه نص على أنه ولد فيه يدل على أن له شرفًا.
فيقال: الشَرَف يتلقى من الشرع، والنبي ﵊ لم يذكر شرف اليوم الذي ولد فيه بوقته من الشهر، بل ذكر شرفه بوقته من الأسبوع، وهناك فرق بين هذا وذاك، وأيضًا لم يثبت أن الرسول ﵊ ولد في اليوم الثاني عشر، وبعض المحققين المعاصرين ذكر أن ولادته في اليوم التاسع.
ثانيًا: أن الشرف الذي يعطى لهذا اليوم الذي أنزل فيه القرآن على الرسول ﷺ وولد فيه هو الصوم فقط، وبهذا جاءت السنة، وما سوى ذلك فلا، فلو أن أحدًا أراد أن يكثر الصلاة في يوم الإثنين بناءً على أنه اليوم الذي ولد فيه الرسول ﵊ وبحث فيه لقلنا: هذا خطأ.
الفائدة التاسعة عشرة: أن تمسكنا بالدين يجب أن نكون فخورين به لقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فأضافه الله إلينا لنفخر به ونعتز به وندافع عنه، وبالنسبة لحال الناس اليوم كثير من المسلمين مع الأسف عكس ذلك، بل كثير من المسلمين يستحي أن يقول: إنه مسلم، وهذا ذل عظيم.
الفائدة العشرون والحادية والعشرون: أن الله تفضل على عباده بإتمام النعمة، لقوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾
стр. 48
ويتفرع على ذلك أنه يثني على نفسه بما أنعم به من أجل أن يتحبب لعباده بنعمه، ولهذا جاء في الحديث: "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (١) وهذا هو الموافق للفطرة، أن أي إنسان يحسن إليك فإنك سوف تحبه، هذا وهو مخلوق مثلك فكيف بالخالق .
الفائدة الثانية والعشرون: أن ما خالف ما جاءت به الشريعة فهو غير مرضي عند الله ولا مقبول، لقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وهذا يشمل الدين كله الأصول والفروع التي تكون بزعم الفاعل من الدين، فمثلًا: هل رضي الله لعباده الكفر؟ الجواب: لا، وهل رضي لعباده أن يبتدعوا فيم دينه ما ليس منه؟ الجواب: لا، فقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يعني: بأصوله وفروعه وجملته وجزئه.
الفائدة الثالثة والعشرون: رحمة الله بعباده حيث أباح لهم المحرم عند الضرورة، وهناك آية تعتبر قاعدة في جميع المحرمات وهي قوله ﵎: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] هذه الآية التي تلوتها أخيرًا أعم؛ لأن الآية التي في سورة المائدة ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: إلى ما ذُكِرَ، وليأكل منها، وأما قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] فهو عام شامل.
بقي أن يقال: لو اضطر الإنسان إلى شرب الخمر للعطش.
стр. 49
نقول: إن اندفعت ضرورته بذلك فلا بأس؛ لأن الآية ليس فيها استثناء، لكن العلماء يقولون: إنه لا يمكن أن تندفع ضرورته بشرب الخمر؛ لأنه لا يزيده إلا حرقانًا وعطشًا، ولذلك لو اضطر إلى دفع لقمة غَصَّ بها وعنده كأس من الخمر فهنا يجوز أن يشرب ما يدفع به اللقمة، لأنَّ الضرورة تندفع به.
لو قال قائل: ما الفرق بين الضرورة والحاجة؟
الجواب: الحاجة من باب الكماليات، والضرورة من باب دفع الضرر، مثال ذلك: إنسان عليه ثوب يقيه البرد ولو خلعه لضره البرد، فلبس عليه ثوبًا آخر هو بالنسبة للثوب الأول حاجة والأول ضرورة؛ لأنه إذا لم يلبسه تضرر من البرد، والفرق بينهما ظاهر، المهم أنه لا يبيح المحرمات إلا الضرورة، وأما المكروهات فتبيحها الحاجة.
لو قال قائل: بعض الأصوليين يفرقون فيقولون: ما كان حرامًا لذاته لا يجوز ارتكابه إلا للضرورة، وما كان حرامًا لغيره يجوز للحاجة، ما رأيكم في هذا التوجيه؟
الجواب: ليس بصحيح؛ لأن ما حُرِّمَ لغيره كالذي يحرم لذاته بالنسبة لوجوب تجنبه.
الفائدة الرابعة والعشرون: إعمال النية وتأثيرها في الأعمال، لقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾.
الفائدة الخامسة والعشرون: أنه يجب التحرز في انتهاك المحرم، وألا تغلبه نفسه وهواه حتى يتجانف، يعني: يميل إلى الإثم، بل عليه أن يتحرى، وهل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يأكل من الميتة وما ذُكِرَ في الآية إلا بقدر ما يسد الرمق أو له أن يشبع؟
стр. 50
الجواب: الأول، إلا إذا علم أنه لن يجد ما يأكله، وليس معه ما يحمل الميتة فيه، فحينئذٍ يضطر إلى أن يشبع ويحمل معه في معدته، معها سقاؤها وحذاؤها، لكن إذا كان يعلم أنه سيصل إلى ما يأكله قبل أن تدركه الضرورة مرة أخرى، فلا يجوز أن يأكل أكثر من ضرورته.
الفائدة السادسة والعشرون: أخذ الأحكام من أسماء الله ، وذلك لأن أسماء الله ولا سيما المتعدية لا بد أن يكون لها أثر، وقد تقدم أن الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بإثبات اسمًا من أسماء الله وإثبات ما تضمنه من صفة، وإثبات الأثر، وجه ذلك قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
والعلماء ﵏ يأخذون الأحكام من مثل هذا التعبير، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤] يعني: إذا تاب قطاع الطريق قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد.
ويذكر أن أحد الأعراب سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالي: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال الأعرابي: أخطأت، أعد الآية، فأعادها وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فقال: أخطأت أعدها، فأعادها فأدركها في المرة الثالثة وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨] قال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع. انظر إلى الفهم، وهذا لا شك فيه.
стр. 51
الفائدة السابعة والعشرون: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة وما تضمناه من أثر؛ لأن الغفور يتعدى وكذلك الرحيم.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤].
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الفاعل هم الصحابة، والصحابة لا يسألون الرسول ﵊ إلا عن شيء ينفعهم، إما في الدين وإما في الدنيا، وأيضًا لا يسألون إلا عما هو مشكل عليهم، وقد ذكر الله تعالى في القرآن حوالي اثني عشر موضعًا من سؤال الصحابة له، فهل أجابهم الرسول؟ الآية تدل على أنه لم يجبهم، بدليل أن الله قال له: ﴿قُلْ﴾ يعني: فيه جوابهم، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى آخره.
واعلم أن السؤال تارةً يُراد به سؤال المال، وتارةً يراد به الاستفهام، فإذا أريد به سؤال المال نصب مفعولين، وإذا أريد به الاستفهام نصب مفعولًا واحدًا، ثم عُدي إلى الثاني بـ "عن"، فإذا أردت أن تسأل رجلًا درهمًا تقول: أسألك درهمًا، ومنه قول الله تعالى: "من يسألني فأعطيه" (١) أي: من يسألني شيئًا، فالمفعول
стр. 52
الثاني محذوف لدلالة السياق عليه، وإذا أردت أن تسأل عن ضالة ضاعت منك تقول: أسألك عن ضالتي، وتقول: سألني فلان عن المسألة الفلانية، فيتعدى كما تقدم إلى المفعول الثاني بـ "عن".
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١]؟
الجواب: عن ذلك مختلف فيه بين العلماء:
فمن قال: إن الفعل إذا تعدى إلى مفعوله بحرف جرت العادة أنه يتعدى به، فالأمر واضح، وإن تعدى الفعل إلى مفعوله بحرف لم تجرِ العادة أنه يتعدى به فهنا اختلف النحويون: هل يُفَسَّر الحرف بما يناسب الفعل، أو يفسر الفعل بما يناسب الحرف، أي يُضمن معنى يناسب الحرف، قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] يشرب بها عباد الله، والذي يناسب (يشرب) "منها"، كما قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] لكن جاءت الآية يشرب بها.
فعلى القول بأن الحرف يكون بمعنى الحرف المنالسب للفعل نقول: الباء في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ بمعنى "من".
وعلى القول الثاني: نلتمس معنى يناسب الباء، والفعل الذي يناسب الباء هو "يروى"، فنضمن الفعل يشرب معنى يروى، وحينئذٍ يكون التقدير عينًا يروى بها عباد الله، والثاني أبلغ؛ لأن الري يستلزم الشرب ولا عكس، وحينئذٍ يكون التجوز بالفعل أقوى؛ لأنه يتضمن الفعل الذي يتعدى إلى هذا الحرف وزيادة، وهذا مذهب نحاة البصرة وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ في مقدمة التفسير.
стр. 53
نرجع إلى الآية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] من قال: إن التجوز بالحرف يقول: "الباء" هنا بمعنى "عن"، ومن قال: التجوز بالفعل قال: سأل هنا ضُمنت بمعنى الجواب، أي: سأل سائل فأجيب بعذاب واقع، وهذا أصح كما تقدم.
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ هذا سؤال علم، ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ "ذا" هنا بمعنى "الذي"، قال ابن مالك ﵀:
ومثل ماذا بعد ما استفهامِ ... .................................
أي: مثل صيغ العموم الموصولة "ذا" بعد ما استفهام، أي: بعد "ما" الاستفهامية، أي: ما الذي أحل لهم، ونائب الفاعل يعود على "ما" والمحلل هو الله جلَّ وعلا.
قوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أي: أحل لكم الأطعمة الطيبات، قال الله تعالى في وصف النبي ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ومعنى الآيتين -والله أعلم-: أن كل ما أحله الله فهو طيب، وكل ما حرمه فهو خبيث، وليس كل خبيث يكون حرامًا بدليل أن النبي ﷺ وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ولم يحرمها (١).
قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ يعني: وأحل لكم ما صاده ما علمتم من الجوارح، والجوارح جمع جارحة وهي الكاسرة.
стр. 54
قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: معلمين لهن تعلمونهن مما علمكم الله، ويحتمل أن يكون ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: جارحين، يعني: أن هذه الكواسر تجرح ما أمسكت، ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ أي: الجوارح، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: في كيفية الصيد.
قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ كلوا، يعني: على وجه الإباحة، والأمر هنا للإباحة ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ و"أمن" هنا بيانية، والبيانية مثل أن تقول: خاتم من حديد، وليست "من" هنا تبعيضية، ومن قال بذلك قال وجه كونها تبعيضية: لأن الصيد لا يؤكل كله، فالآية خصت ما يؤكل منه، وأما ما لا يؤكل فإن شئت فقل الجلد وإن شئت فقل الريش.
وقوله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: "لكم"، ونقول في قوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ما تقدم، أي: مما أمسكن مضمومًا إليكم، أو ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: محملًا عليكم أو ما أشبه ذلك، هذا على القول بتضمين الفعل، وأما على القول بأن المجاز بالحرف تكون "على" بمعنى "اللام"، أي: مما أمسكن لكم.
قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ اذكروا اسم الله عليه عند الأكل أو عند إرسال الجارحة، والسنة دلت على أنه يسمي إذا أرسل الجارحة (١)، والقرآن دل على أنه يسمي إذا أمسكه وكذلك إذا أراد أن يأكل فإنه يسمي، فتكون التسمية على الأكل، والتسمية على الإرسال.
стр. 55
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ "اتقوا" أي: اتخذوا وقاية من عذابه؛ وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ هذه جملة خبرية مؤكدة بـ ﴿إِنَّ﴾ والغرض منها التخويف من اجتناب التقوى، وأن من لم يتقِ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: إن الله تعالى سيحاسبكم على أعمالكم، وقوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يتضمن سرعة التنفيذ من وجه، وسرعة الوقت من وجه آخر، أما سرعة الوقت فما أسرع الدنيا تمضي سريعًا وإذا بالإنسان قد انتهى، وأما سرعة التنفيذ فإن الله تعالى يحاسب الخلائق يوم القيامة على كثرتهم يحاسبهم في نصف يوم (١)، لقول الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].
فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: حرص الصحابة ﵃ على العلم لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾، ومن هنا نعرف أن ما لم يسأل الصحابة عنه مما يرد السؤال عنه في عصرنا من أمور الغيب فالسؤال عنه بدعة؛ لأننا نعلم أنه لو كان هناك خير في العلم به لألهم الله الصحابة أن يسألوا عنه حتى يتبين الأمر.
الفائدة الثانية: أن الإحلال والتحريم ليس إلى العباد، بل هو إلى الله ، وقد حذرنا الله من أن نحلل أو نحرم بأهوائنا فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
стр. 56
الفائدة الثالثة: أن رسول الله ﷺ لا يستقل بالتحليل أو التحريم، وجه ذلك: أن الرسول لم يجبهم ولكن الله تعالى أجابهم، وقد صرح النبي ﷺ بذلك حيث قال للصحابة: "من كل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مساجدنا، فذهب الصحابة يقولون: حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال لهم: إنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنني كره ريحها" (١).
الفائدة الرابعة والخامسة: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيب، نافع للبدن ونافع للقلب ونافع للفرد ونافع للمجتمع، لقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وأيضًا نأخذ من المفهوم أن كل ما حرمه الله فهو خبيث.
الفائدة السادسة: إحلال ما اقتنصته الجوارح، فما هي الجوارح، وهل كل جارح يمكن أن يؤكل ما صاده؟ نقول: نعم، كل جارح، لكن بشرط أن يكون معلمًا، وأكثر ما يقبل التعليم الكلاب، وهي للزواحف، ثم الصقور وهي للطائر، فإذا كان من الكلاب فلا بد أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، هذه ثلاثة شروط: يسترسل إذا أرسل، يعني إذا رأيت الصيد وأرسلته استرسل، وكذلك ينزجر إذا زجر، يعني: إذا زجرته ليقف وقف؛ لأنه لو تجاوز وأنت أمرته أن يقف فمعناه أنه صاد لنفسه. الثالث: إذا أمسك لم يأكل، فإن أكل فهو دليل على أنه إنما أمسك على نفسه، والله أعلم.
الفائدة السابعة: أن من الحيوان ما يقبل التعليم، لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾.
стр. 57
الفائدة الثامنة: فضيلة العلم؛ لأن الله تعالى فرق بين صيد ما ليس بمعلم وما كان معلمًا، فأحل الثاني ولم يحل الأول، وهذا يدل على فضل التعليم حتى في الحيوانات.
الفائدة التاسعة: وجوب ذكر اسم الله تعالى عند إرسال الجارحة، لقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهذا على أحد الاحتمالات في الآية؛ لأن هناك احتمالًا آخر، وهو: أن المعنى ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ عند أكله، ومعنى ثالث: وهو اذكروا اسم الله عليه إذا أدركتموه حيًّا قبل أن يقتله الجارح، وكل هذه محتملة في الآية فتحمل عليها جميعًا.
الفائدة العاشرة: بركة ذكر اسم الله، وشواهد هذا كثيرة منها: حل الذبيحة، وحل الصيد، وتمام الطهارة في الوضوء، وأن البركة تنزل في الطعام، وأن الحمل يوقى إساءة الجن والشياطين، المهم أن بركة اسم الله تعالى كثيرة ولها شمواهد كثيرة.
الفائدة الحادية عشرة: أن ظاهر الآية إباحة ما صاده الجارح سواء جرح أم لم يجرح، وهذا مبني على أن المراد بالجوارح الكواسر، أما إذا قلنا: إن الجوارح جمع جارح وهو الذي يجرح الشيء فحينئذٍ لا بد من أن يُنهِر الدم، ويتبين ذلك بالمثال:
فلو جاء الكلب بالصيد مخنوقًا ليس فيه أي جرح ولم يخرج منه أي دم فهل يباح أو لا؟
الجواب: إن قلنا: إن المراد بالجوارح الكواسر فهو مباح، وإذا قلنا: إن المراد بالجوارح الجارحات اللاتي يجرحن الجلد
стр. 58
ويخرج منه الدم فإنه لا يباح، والمسألة فيها خلاف بين العلماء:
منهم من يقول: إنه يشترط أن يجرح الكلب فإن لم يجرح فلا يحل، واستدل هؤلاء بعموم قوله ﷺ : "مما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل" (١).
ومنهم من قال: إن الجوارح هن الكواسر، وأن كل ما أمسكته على صاحبهن فإنه حلال سواء جرح أم لم يجرح، ولا شك أن الاحتياط تركه، لكن التحريم فيه نظر، يعني: الاحتياط إذا جاء لك الكلب بصيد لم يُجرح أن تتركه، ولكن كوننا نجزم بالتحريم لا نجزم به لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
الفائدة الثانية عشرة: قطع ما يوجب الإعجاب بالنفس؛ لأن قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ فيه إسناد التعليم إلى البشر، فقد يزهى الإنسان بنفسه ويغتر ويعجب فلهذا قال الله : ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن علمك الذي تعلمه إياهن مصدره من عند الله .
الفائدة الثالثة عشرة: أن العلم لا يختص بالعلوم الشرعية، بل علم كل شيء بحسبه، فالعلم هنا ليس هو العلم بالأحكام الشرعية وأن هذا واجب وهذا حرام وما أشبه ذلك، لكنه علم يختص بتعليم الجوارح كيف يصدن، فيكون في هذا دليل على أن العلم يختص بما يقتضيه السياق، وكل شيء بحسبه.
стр. 59
الفائدة الرابعة عشرة: سعة رحمة الله ، حيث أباح لنا ما ذكيناه بأيدينا وما ذكيناه بواسطة، أي: واسطة الجوارح، وهذا لا شك أنه من توسيع الله لنا في الرزق.
الفائدة الخامسة عشرة: أن المشقة تجلب التيسير؛ لأنه لما كان يشق على الإنسان أن يصطاد الصيد بنفسه في كل وقت وحين لأن المصيد ربما يكون مثلًا في جبال أو في سهول أو في أودية ولا يستطيع أن يصيده بنفسه رخص له أن يصيد بجارحة، وهذا من توسعة الله على عباده في أسباب الرزق.
الفائدة السادسة عشرة: وجوب ذكر اسم الله تعالى، ومنه ذكر اسم الله عند إرسال الصيد، فإن نسي فإنها لا تحل، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ ولأن النبي ﷺ جعل ذكر اسم الله شرطًا، والشرط لا يسقط بالسهو، وهذا هو القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو مقتضى الأدلة.
وقال بعض العلماء: إنها -أي: التسمية- تسقط بالسهو، لعموم قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال الله : قد فعلت (١)، لكننا نقول: إن هذا الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة أو على الصيد إذا نسي فهو معذور ولا يؤاخذ، ولو تعمد ترك التسمية وذبح أو صاد كان بذلك آثمًا؛ لأن فيه إضاعة مال، وفيه نوع من الاستهزاء بآيات الله، لكن النظر الآن ليس في الذابح أو الصائد، النظر
стр. 60
الآن في الآكل، نقول: لمن أراد أن يأكل من هذا الصيد الذي لم يذكر اسم الله عليه: هذا الصيد لم يذكر اسم الله عليه، وقد نهيت أن تأكل منه فإن أكل ناسيًا فلا شيء عليه؛ لأن المسألة هنا لها جهتان، جهة الصائد أو الذابح وجهة الآكل، وكلاهما لا يؤاخذ بالنسيان، لكن إذا كان الذابح أو الصائد ناسيًا فإنه لا يؤاخذ ثم يتوجه المنع إلى الآكل، ويقال له: لا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وزعم من زعم أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه الميتة زعم خاطئ؛ لأن الله تعالى ذكر تحريم الميتة صريحًا، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ولو أراد الله تعالى ذلك لقال: ولا تأكلوا الميتة، وعلى هذا فما اختاره شيخ الإسلام ﵀ هو الحق.
لكن ذكر ابن جرير في تفسيره أن الإجماع منعقد على أن متروك التسمية نسيانًا حلال، وتعقبه ابن كثير ﵀، وقال: إن ابن جرير ممن لا يعتد بقول الواحد والاثنين في نقض الإجماع، وهو خلاف ما عليه العلماء، والصواب أن الإجماع لا بد أن لا يوجد له مخالف حتى ينعقد، فان وجد مخالف ولو واحدًا من الفقهاء المجتهدين فلا إجماع.
الفائدة السابعة عشرة: وجوب تقوى الله لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الفائدة الثامنة عشرة: الإشارة إلى أن من أكل ما لم يحلله الله فهو غير متقي لله.
الفائدة التاسعة عشرة والعشرون: أن الله تعالى سريع الحساب، ومن ذلك ما ذكرناه في التفسير أن المراد بذلك سرعة
стр. 61
لقاء الله وذلك بالموت، وسرعة فصل الله بين العباد وذلك يوم القيامة، فإن الله يفصل بين الناس ويحاسبهم في نصف يوم، بدليل قوله الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].
فإن قال قائل: سرعة الحساب من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟
قلنا: هي من الفعلية؛ لأن المحاسبة فعل يتعلق بمشيئته، وعلى هذا فيكون فيه إثبات الصفات الفعلية لله .
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الحساب، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾، يحتمل المراد بذلك ما قبل اليوم ما سوى الزمن الماضي، أو اليوم الحاضر الذي هو اليوم المعين.
وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ من أحلها؟ أحلها الله ، فحذف الفاعل للعلم به، كما في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فالخالق هو الله وهو معلوم، والمحلل والمحرم هو الله وهو معلوم، ولذلك حذف الفاعل في الخلق وهو
стр. 62
أمر كوني، وفي الشرع وهو في الحلال والحرام، وعلى هذا فمن كان معلومًا بالتحليل أو التحريم أو الإيجاد أو الإعدام فلا حرج أن يحذف ويبنى الفعل لما لم يسمَّ فاعله.
قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ﴾ أي: أحل الله الطَّيِّبَاتِ، والطيبات هي ضد الخبائث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فما هو ميزان الطيب، أهو في ذوق كل إنسان أم في عادات الناس، أما ماذا؟ نقول: المرجع في ذلك إلى ما جاءت به الشريعة، فما أحلته الشريعة فهو طيب، وما حرمته فهو خبيث.
فإن قال قائل: ما هو الأصل في الأطعمة؟
الجواب: الحل، والدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إذًا الأصل الحل، فإذا ادعى مدعٍ أن هذا الشيء حرام من طير أو زاحف أو غيرهما قلنا له: ما الدليل على ذلك؟ فما أحله الله فهو طيب بلا شك.
قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ طعام الذين أوتوا الكتاب يعني: اليهود والنصارى، وليس المراد كل ما يطعموه من حب وثمر، بل المراد كل ما يطعمون من لحم، ثم أيضًا: ليس المراد كل ما يطعمون من لحم إذا كان لا تشترط له الذكاة؛ لأن ما لا تشترط له الذكاة حلال بدون فعلهم، والحبوب والثمار حلال بدون فعلهم، فليس من طعامهم الخاص، ولا يمكن أن يقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ والمراد به هذا الطعام الذي لكل أحد.
فلو كان أهل الكتاب لا يأكلون إلا الشعير، فهل حِل الشعير لنا مأخوذ من هذه الآية؟
стр. 63
الجواب: لا؛ لأن هذا ليس من خصائصهم ولم يكن إحلاله متوقفًا على فعلهم، بل الذي يتوقف إحلاله على فعلهم هي الذبائح، ولهذا فسر ابن عباس ﵄ طعامهم بذبائحهم، وعليه فيكون المراد بطعام الذين أوتوا الكتاب هي ذبائحهم، أي: ذبائح اليهود والنصارى.
وظاهر الآية الكريمة: أنه لا فرق بين أن يكونوا قد بدلوا وحرفوا أم التزموا بشرائعهم للعموم، ولأن هذه الآية في نفس السورة التي حكى الله عنهم أنهم يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ﴾ أي: ما ذبحتموه، ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ الأطعمة قسمان: طعام لا يتوقف حله على فعل آدمي، فهذا حل للجميع، كمن وجد سمكة ميتة على شاطئ البحر فهي حلال وليأكلها، وهي حلال سواء كانت طعام أهل كتاب أم طعام غيرهم.
وطعام يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب وهو الحيوان الذي يحتاج إلى ذكاة أي: يتوقف على ذبح الإنسان، فإن ذبحناه فهو حلال لهم، وإن ذبحوه فهو حلال لنا.
قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ المحصنات فيها قراءتان: "المحصِنات" بكسر الصاد على أنها اسم فاعل، وبفتحها على أنها اسم مفعول، يعني: وأحل لكم المحصنات، فعليه تكون معطوفة على قوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾.
قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المحصنات من المؤمنات هن الحرائر، حلال لنا، ويحتمل أن يراد بذلك العفيفات، فأما الأول فيؤيده قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ
стр. 64
يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر بلا إشكال، وأما الثاني وهو أن المراد بذلك العفائف أو العفيفات فيؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] فالمراد بهن هنا العفيفات عن الزنا.
ولكن الذي يبدو أن المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والآية محتملة، ليس فيها ما يدل على هذا ولا على ذاك، قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني: الحرائر، وأما المملوكات فلا يحل للإنسان أن يتزوجهن إلا بشروط سبقت في سورة النساء.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ المحصنات الحرائر، أو العفيفات على الخلاف ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لكن بشرط ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ اشترط الله تعالى لحل المحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب إيتاء الأجور، وهي المهور التي تبذل عوضًا عن الاستمتاع بالمرأة، ولهذا سماه الله تعالى أجرًا؛ لأن الأجر ما يؤخذ في مقابلة عوض.
قوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أعطيتموهن، ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أجور هؤلاء المحصنات وهي المهور.
قوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يعني: حال كونكم محصنين، أي: طالبين الإحصان، أي: إحصان فرج المرأة وفرج الرجل؛ لأن الزواج يحصل به إحصان فرج الزوج والزوجة.
стр. 65
قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير معلنين بالزنا.
قوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي: مختفين بالزنا، وعلى هذا فيكون الوطء ثلاثة أقسام:
الأول: ما كان حلالًا بالصداق.
والئاني: ما كان علنًا بالعهر والفجور.
والئاك: ما كان خفيًّا بالعهر والفجور.
والذي يحل الأول وهو الذي يتزوجها محصنًا غير مسافح ولا متخذ أخدان.
وقوله: ﴿أَخْدَانٍ﴾ أي: أصدقاء، والخدن يطلق على الصديق من رجل أو امرأة، ولهذا قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا مُتَّخِذِات أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] وفي هذه الآية قال: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فدل ذلك على أن الخدن يكون في الرجال ويكون في النساء.
قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ هل الإيمان شيء يكفر به ولا يكفر به، أو الإيمان ضد الكفر؟ الإيمان ضد الكفر، لكن المراد بالإيمان هنا أي: بمقتضيات الإيمان من التزام الشريعة؛ لأن الله تعالى ذكر هنا محللات ومحرمات، فمن أخذ بها وقام بها فهو مؤمن، ومن لم يأخذ بها فليس بمؤمن.
إذًا: قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: بما يقتضيه الإيمان من الالتزام بأحكام الإسلام ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي: بطل، وتلف، وذهب.
و"عمل": مفرد مضاف فيشمل كل الأعمال؛ لأن الردة تحبط الأعمال، إلا أنه يشترط أن يموت الإنسان على ردته -والعياذ بالله- لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
стр. 66
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ذكر الله تعالى أنه خاسر في الآخرة؛ لأن ظهور خسرانه في ذلك الوقت، وإلا فهو في الحقيقة خاسر في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٦٩].
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الإحلال والتحريم إلى الله ، وليس لأحد أن يحلل أو يحرم لقوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ﴾ وهذا بإجماع المسلمين، حتى إن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] وقد تقدم أن الأصل في العبادات التحريم والمنع إلا بدليل، والأصل في غيرها الحل، وكلام الأصوليين حول هذا الموضوع: وما الأصل في الأشياء قبل الشرع وما أشبه ذلك كله كلام ليس فيه فائدة إلا تسويد ما أبيض من الصحف؛ لأنه كلام جدلي لا فائدة منه؛ لأن لدينا من كتاب الله ومن سنة رسوله ما يغني عن كل هذه المباحث التي ذكروها وأطالوا فيها.
نقول عندنا قاعدتان مهمتان: أن الأصل في العبادة المنع أصلًا ووصفًا إلا بدليل، والأصل في غير العبادات مطلقًا من عادات ومعاملات وأعيان ومنافع وغيرها الأصل فيها الحل، إلا ما دل الدليل على التحريم، والأدلة على ذلك ذكرناها سابقًا، ولا حاجة للإعادة.
стр. 67
الفائدة الثانية: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيب، ولكن هذا الطيب هل هو حلال لكل أحد؟
الجواب: إن تضمن ضررًا على بعض الناس كان حرامًا وإن كان طيبًا، فإذا قيل لشخص: إنك إذا أكلت هذا النوع من الطعام فإنه يضرك، صار في حقه حرامًا، لا لأنه خبيث ولكن لأنه ضار لهذا الشخص المعين.
الفائدة الثالثة: أن طعام اليهود والنصارى حلال لنا، لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وهل غيرهم كذلك؟
الجواب: لا، وأخطأ من قال: إن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، بل نقول: إنه وصف، والوصف يخرج ما سواه ممن لم يتصف به، فـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اسم المفعول منها "وطعام المؤتون الكتاب"، وإذا أتيت باسم مفعول منها صارت صفة مشتقة، لا لقبًا؛ لأن اللقب معروف أنه ليس له مفهوم، فإذا قلت لك: أكرم زيدًا، فليس المعنى لا تكرم غيره؛ لأن هذا لقب، لكن إذا قلت: أكرم المجتهد؛ صار وصفًا، يعني لا تكرم المهمل فيخرج من ليس بمجتهد، لكن من العلماء ولا سيما المتأخرون من قال: إن قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ لقب وليس بوصف، من أجل أن يتذرعوا إلى حل طعام غير اليهود والنصارى؛ لأن اللقب كما هو معروف عند الأصوليين ليس له مفهوم.
على كل حال: من فوائد هذه الآية حل طعام الذين أوتوا الكتاب، وهم اليهود والنصارى.
الفائدة الرابعة: أن من سوى اليهود والنصارى لا تحل
стр. 68
ذبيحتهم، كالمجوس والوثنيين والشيوعيين والمشركين ومن أشبههم، وجه ذلك: نأخذه من مفهوم الذين أوتوا الكتاب.
الفائدة الخامسة: حكمة الله في تحليل طعام الذين أوتوا الكتاب، لأن الذين أوتوا الكتاب عندهم علم سماوي، فهم من أقرب الناس إلى قبول الشريعة الإسلامية، ولا شك أن أحوال أهل الكتاب تغيرت بعد نزول القرآن الكريم، تغيرت تغيرًا كبيرًا، فصار بين المسلمين واليهود وبين المسلمين والنصارى حروب عظيمة طاحنة، أدت إلى استكبار هؤلاء اليهود والنصارى وعدم قبولهم لما جاء به الرسول ﵊.
الفائدة السادسة: أن ما عَدَّه أهل الكتاب ذكيًّا فهو ذكي؛ لأنهم إذا عدوه ذكيًّا صار طعامًا، وليس الذكي هنا بمعنى الفطن، بل المراد بالذكي المُذكى، فما عدُّوه ذكيًّا فهو طعام لهم.
وبناءً على ذلك: يحل من طعامهم ما ذكروا اسم غير الله عليه، يعني: لو قال النصراني: باسم المسيح، وقال اليهودي: باسم عزير أو ما أشبه ذلك فالذبيحة حلال، لأنهم يعتقدون هذا طعامًا، والله أطلق فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
ومن ذلك أيضًا: أن ما عدوه ذكيًّا من الموقوذ فهو حلال، والموقوذ كما تقدم الذي قتل بغير إنهار الدم، بالصعق وشبهه، فإنه حلال، لأن الله تعالى قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فما عدوه طعامًا مذكى يأكلونه فإنه حلال.
فإذا قال قائل: هل ذهب إلى هذا أحد؟
стр. 69
نقول: أما ما ذكروا عليه اسم المسيح فقد ذهب إليه بعض السلف من الصحابة وغير الصحابة، وقالوا: إن هذا لا يعود إلى ذات المذكى أو إلى خبثه، إنما يعود إلى القصد، ونحن لا يهمنا قصده.
وأما الثاني وهو أن الذكي عندهم ما مات ولو بخنق، فقالوا: إن الآية مطلقة، لكن ما علمنا أن أحدًا من السلف قال به، إلا أن المتاخرين الذين قالوا به، قالوا: إذا كان بعف السلف أجازوا ما ذكر اسم غير الله عليه فهذا مثله؛ لأن النبي ﷺ جعل ذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم قرينين في حكم واحد، فقال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل" (١).
لكن جمهور العلماء يقولون: إن هذا الإطلاق في طعام الذين أوتوا الكتاب يجب أن يقيد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ويقيد أيضًا بقول الرسول ﷺ : "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل" (٢) وإذا كان هذان القيدان مقيدين لإطلاق حل ذبيحة المسلم فتقييدهما لحل ذبيحة غير المسلم من باب أولى، وإذا كان المسلم لو خنق الشاة مثلًا صارت حرامًا، فكذلك الكتابي، إذ لا يمكن أن تكون مقتولة الكتابي أفضل من مقتولة المسلم، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء وهو الصحيح.
فالصحيح أن قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وإن كان
стр. 70
مطلقًا فإنه يجب أن يقيد بما ورد من تقييد ذلك بذكر اسم الله على الذبيحة وإنهار الدم.
ولكن إذا أتتنا ذبيحة من يهودي أو نصراني ونحن لا ندري أَذَكَرَ اسم الله عليها أم لا، أخنقها ثم قطع رقبتها أم لا، فالأصل الحل، لما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ "أن قومًا أتوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا، قال: سموا أنتمٍ وكلوا، قالت: وكانوا حديثي عهد بكفر" (١) يعني: أسلموا قريبًا، والمسلم قريبًا قد يخفى عليه كثير من أحكام الإسلام، ومع ذلك قال: "سموا أنتم وكلوا" (٢).
قال صاحب المنتقى ﵀: يؤخذ من هذا أن كل فعل صدر من أهله فالأصل الحل، ولا تنقب، ولو كلفنا أن ننقب لكان حتى الذي يأتينا في أسواقنا مما ذبحه المسلمون يجب أن نسأل: هل الذابح سمى أو لا، هل قطع الأوداج أو لا، هل هو يصلي أو لا؟ وما أشبه ذلك.
ولو أننا كلفنا أن ننقب لكان الرجل إذا باع علينا الثوب قلنا تعالَ من أين ملكته؟ لاحتمال أن يكون قد سرقه، فإذا قال: ملكته من فلان، فنذهب إلى فلان فنقول له: من أين ملكته؟ لاحتمال أن فلانًا سرقه، إلى أن نصل إلى الشجرة التي نسج منها، وهذا شيء لا يمكن أن يطاق.
стр. 71
على كل حال: الأصل في الفعل الواقع من أهله الحل.
لكن لو ادعى مدعٍ أن المراد بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ما طبخوه من خبز ومرق وما أشبه ذلك، هل يقبل؟
الجواب: لا؛ لأن هذا حل من أهل الكتاب ومن غيرهم بالإجماع، حتى لو أن مجوسيًّا صنع لنا خبزًا نأكله، وذلك أن المحللات كما تقدم تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما لا يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حلال من الكتابي وغير الكتابي.
الثاني: ما يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب، وقد تقدم هذا في التفسير.
لو قال قائل: إذا علم الإنسان أن لحم أهل الكتاب حرام لكونه ميتة أو لكونه ذبحه من لا تحل ذبيحته، أو لكون الذابح لم يذبحه على الطريقة المشروعة، فهل يخبر الناس أم يسكت؟
الجواب: يجب عليه أن يخبر، وقد ذكر العلماء ﵏ مثل ذلك فقالوا: يجب على من علم أن الماء النجس أن يخبر من أراد أن يستعمله، وكذلك لو رأيت إنسانًا يريد أن يأكل شيئًا مضرًا يجب عليك أن تخبره أنه ضار، هذا من باب النصيحة.
لو قال قائل: إن الدجاج الذي يرد من أوروبا إلى البلاد الإسلامية مذبوح على غير الطريقة الإسلامية، وقد ذهب نفر من التجار إلى بعض البلاد الأوروبية وتأكدوا من ذلك؟
الجواب: هل الدجاج الذي يذبح على غير الطريقة الإسلامية هو الذي يرد إلى البلاد الإسلامية أم يرد إلى بلاد أخرى، لا ندري، ثم لو أخبروا الجزارين لذبحوا على الطريقة الإسلامية؛ لأنهم يريدون الفائدة وإلا قالوا لهم: سنقاطعكم.
стр. 72
الفائدة السابعة: أنه لا بأس أن نطعم أهل الكتاب ويطعموننا، لقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وحينئذٍ نقول: هل تجوز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب؟
الجواب: نعم، تجوز، فإن النبي ﷺ قَبِلَ هديتهم كما أهدت إليه المرأة اليهودية في خيبر الشاة المسمومة؛ لأن هذه المرأة سألت: أي شيء يعجب محمدًا؟ قالوا: يعجبه من الشاة ذراعها. فملأت الذراع بالسم وأهدتها للرسول ﵊، والنبي ﵊ لا يعلم الغيب فأكل هو ومن معه، من الذين أكلوا معه من مات، أما هو ﵊ فإنه تأثرت لهواته، ولكن بإذن الله لم يؤثر فيه السم شيئًا، لكنه قال في مرض موته، كما روته عنه عائشة ﵂: "ما زالت كلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني" (١)
الأبهر: عرق معروف إذا انقطع هلك الإنسان.
ولهذا قال الزهري وغيره: إن رسول الله ﷺ مات شهيدًا بقتل اليهود له.
المهم: كون طعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم يدل على جواز المهاداة بيننا وبين أهل الكتاب، لاسيما إذا رجونا منهم الإسلام، أو إذا أردنا أن نبين لهم أن الإسلام دين السلام، وأن الإسلام ما أنزله الله ليفرض على الناس أن يسلموا، إنما فرض الله على البشر أن تكون كلمته هي العليا، سواء بإسلام أم بجزية، ولذلك لو أن الكافر أراد أن يبذل الجزية ويبقى
стр. 73
على دينه، نقول: ابقَ على دينك ولكن سلم الجزية، وتسليم الجزية متى يكون؟ إذا كنا نحن المسلمين لنا الكلمة، وليس كحالنا اليوم، حالنا اليوم -نسأل الله أن يرحم ضعفنا- على العكس من ذلك، الكلمة العليا لغيرنا؛ وذلك لأننا ما قمنا بدين الله حق القيام، لو قمنا بالدين حق القيام لكان دين الله لا بد أن يظهر على جميع الأديان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ لماذا؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة؛ ٣٣] لكن مَنْ منا إلا من شاء الله يريد هذا، أكثر المسلمين الآن على خلاف ذلك، فتجد في بلاد المسلمين شركًا، لو كان الرسول حيًّا لكان يقاتلهم عليه، وتجد غلوًا في قوم صالحين أو غير صالحين، والأشياء لا تخفى على كثير من الناس.
على كل حال: دين الإسلام هو دين السلام لكنه مع ذلك هو دين العزم والقوة والحذر من الأعداء، وكيدهم، ومكرهم، وخيانتهم.
الفائدة الثامنة: حل المحصنات من أهل الكتاب كحل المحصنات من المؤمنات؛ لأن الله قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قد يقول قائل: حل المحصنات المؤمنات أمر معلوم؛ لأن المحصنات من المؤمنات حلها مذكور، في سورة النساء وهي قبل هذه السورة وهي صريحة بذلك، فما وجه ذكرها في هذه الآية؟
الجواب والله أعلم: أن يبين أن المحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب سواء في الحل، ولكن لا يلزم من تساويهن في الحل أن يتساوين في الإقدام عليهن، قد يكون الشيء حلالًا ولكن نقول: الأفضل ألا تقدم عليه، يعني: لا يلزم من حل المحصنات من المؤمنات ومن أهل الكتاب أن
стр. 74
يتساوين في الإقدام، فقد تحل المرأة للإنسان ويقال: لا تقدم عليها.
الفائدة التاسعة: علو مرتبة المؤمن وإن لم يكن عالمًا لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فقدم المحصنات المؤمنات على المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، مع أن أهل الكتاب عندهم علم، والمؤمن قد لا يكون عنده علم.
الفائدة العاشرة: اشتراط المهر في حل المرأة، لقوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهذه المسألة اختلف فيها العلماء ولها صور:
الصورة الأولى: أن يتزوج الرجل المرأة بشرط ألا مهر لها، فهل يصح العقد؛ ظاهر الآية الكريمة هنا وظاهر الآية الكريمة في سورة النساء أنه لا يصح العقد. في سورة النساء، قال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ماذا؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤، يعني: ليس مجانًا بل لا بد من المهر، وفي الآية الكريمة هنا: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وهذا القول هو الراجح، وأنه إذا تزوج امرأة بشرط أن لا مهر لها فالنكاح باطل، ووجه ذلك: أنه إذا تزوجها بشرط أن لا مهر لها صار هذا النكاح نكاح هبة، ونكاح الهبة لا يجوز إلا للرسول ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فإذا اشترط أن لا مهر فهذا هو نكاح الهبة.
وقال بعض العلماء: النكاح صحيح والشرط فاسد، وحينئذ يجب لها مهر المثل، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة تمنعه.
стр. 75
الصورة الثانية: تزوجها وسكت ولم يذكر مهرًا، فالنكاح صحيح بنص القرآن، ولكن لها مهر المثل، لقول الله ﵎: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] ثم قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فنقول: إذا دخل بها فلها مهر المثل، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يُسر زوجها وعسره.
والفرق بين هذه الصورة والصورة الأولى واضح، ففي الصورة الأولى شَرَطَ عدم المهر، وفي الثانية سكت.
الصورة الثالثة: أن يتزوجها بشرط المهر، فهذه جائزة، وشرط المهر ما هو إلا تأكيد لمقتضى العقد، وهل يشترط إذا شرط المهر أن يعين؟
الجواب: لا يشترط أن يعينه، إن عينه فلها ما عين، وإن لم يعينه فلها مهر المثل.
لو قال قائل: هل يجوز للزوج أن يؤجل المهر، وهل يجوز للمرأة أن تهب الرجل مالًا ليكون مهرًا لها؟
الجواب: يجوز للزوج أن يعطي المهر معجلًا ومؤجلًا كله ولا بأس بذلك وليس هناك مانع؛ لأن هذا المهر ثبت في ذمته ولو مات لأخذ من تركته، وأما المرأة فيجوز لها أن تهب مالًا للرجل ليكون مهرًا لها، ولكن أخشى إذا وهبته المال قال: الحمد لله الآن أنظر أحسن منك، وأيضًا يجوز للمرأة إذا تم العقد أن ترد المهر إليه وهذا يقع كثيرًا، وكان الناس في السابق في بلادنا كان الرجل يمهر المرأة، أي: يصدقها صداقًا وهو فقير، ثم ترده المرأة إليه، وحدث مرة أن تزوج رجل امرأة وأعطاها مهرًا قدره ريال واحد، وفي ضحى يوم الزواج قرع الباب عليه